← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

يختلف المؤرخون في تقدير المدة الزمنية التي انقضت ما بين هجرة إسرائيل ﵇ وجميع آل بيته إلى مصر وما بين خروج بني إسرائيل من مصر بقيادة الرسول الكريم موسى ﵇، وأغلبهم يقدرها بحوالي "٦٠٠"عام، وفي خلال هذه الفترة الطويلة التي مرت على المجتمع المصري، استطاع أن يسيطر فيها بنو إسرائيل على عناصر الحضارة في مصر كما سبق ذكره، ثم رأى الطاغية فرعون أن يستذل بني إسرائيل خوفا منهم لما رأى في منامه ما أزعجه، فقام باحتياطات لم يسبق إليها على ما أظن، فقد أمر بقتل كل ذكر يولد من بني إسرائيل واستحياء الإناث منهم. طغى فرعون وتجبر، وأذاق بني إسرائيل أصناف الاضطهاد والعذاب، حتى أصبح الصغار والمسكنة والهوان لازمة لهم، وأورثهم الحسد الذي ورثوه من أجدادهم إخوة يوسف لؤما وحقدا على المجتمعات التي يعايشونها، فأصبحت الخيانة والزور والبهتان واستحلال أموال الآخرين من غير بني إسرائيل، فأصبحت مزاياهم اللاصقة بهم، قال الله تعالى حاكيا عنهم: ﴿قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (آل عمران: من الآية٧٥) . وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن نساء بني إسرائيل استعارت حلي نساء الأقباط قبيل هجرتهم مع موسى ﵇ بأيام، وغادروا مصر وهي معهم، ومنها صنع السامري عجل الذهب الذي عبدوه.

стр. 4482

بيد أن الله أراد - ولا راد لقضائه - أن يرسل رسولا منهم لينقذهم من ظلم فرعون وعتوه. وكأنه يبدو من سنن الله أن الذليل لا يكون رسولا ولا نبيا، فقضت حكمته تعالى أن يبعث لهم موسى، وأن يتربى موسى ﵇ في بلاط أعز الناس في مصر حينذاك – بلاط فرعون نفسه، حتى ينشأ عزيز النفس قوي القلب، رابط الجنان، مفتول العضلات، ونحن نستطيع أن نسرح بخيالنا ونتصور كيف كان ينشأ أبناء الملوك في قديم الزمان، وقصة وصول موسى ﵇ وهو طفل رضيع إلى بلاط فرعون في تابوت تدافعه مياه النيل مشهورة معروفة في القرآن الكريم. نشأ إذن موسى ﵇ نشأة تخالف ما نشأ ﵇ أترابه ومن هم أكبر منه سنا من بني إسرائيل، فنشأ شجاعا لا يعرف الخوف، مفتول الذراعين قوي العضلات، وقد قص الله علينا من قوة عضلاته أنه بطش بالقبطي فقتله بلكمة واحدة. "راجع سورة القصص أوائلها " وسقى أغنام شيخ مدين وحده. وتظهر شجاعة موسى ﵇ كذلك حين فارق صهره شيخ مدين في ليلة باردة مظلمة ومعه أهله، وفي تلك الليلة نال أعظم حظوة في حياته حين كلمه الله وأرسله لإنقاذ قومه بني إسرائيل. فرسول هذه صفاته هو الذي يمكن أن تنعقد ﵇ الآمال بعد الله لإنقاذ هذا الشعب المسكين الذليل الخاوي النفس، الذي قاسى الأمرين في حياة العبودية تحت طغيان فرعون وملئه.

стр. 4483

ويذهب موسى ﵇ إلى مصر قادما من مدين، ويذهب إلى فرعون ومعه أخوه هارون يحملان رسالة الله إلى فرعون، يطلبان منه أن يسمح بهجرة بني إسرائيل من مصر مع موسى، ولكن فرعون وهو يعلم أن بني إسرائيل هم عصب الحضارة في مملكته، وهم حمير هواه ورغباته رفض طلب موسى، وأخذته العزة بالإثم، ودأب موسى على الدعوة إلى الله، وكذبه فرعون وقومه. وانتصر موسى ﵇ على سحرة فرعون الذين آمنوا به مراغمة لفرعون، فراحوا شهداء بغيه وظلمه. وقال الله إخبار عن جبن بني إسرائيل: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلإِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ (يونس: من الآية٨٣) . وابتلى الله قوم فرعون بالمصائب المتنوعة علهم يتوبون ويؤمنون، ولكن بلا جدوى، وأخيرا أذن الله لموسى وقومه بني إسرائيل بالهجرة من دار الظل والذل والكفر والترف إلى الأرض المقدسة "فلسطين". وخرجوا ليلا وشعر بهم فرعون وجنوده، فأتبعوهم مشرقين عند البحيرات المرة، فضرب موسى البحر بعصاه فاستحال بعضه طريقا ولجه موسى وقومه فنجوا، وغرق فيه فرعون وجنده وبنو إسرائيل ينظرون. وبهذا ينتهي الفصل الثاني من حياة بني إسرائيل في مصر، حياة الحضارة والترف، مقرونة بالذل والهوان، وتفتح صفحة جديدة في تاريخهم ومعهم نبيهم موسى ﵇، وهي مرحلة ما بين خروجهم من مصر وقبل دخولهم الأرض المقدسة. وهنا تتفاعل عناصر الذل والهوان والعبودية التي مرنت عليها نفوسهم عشرات السنين في أرض الحضارات، وتأبى إلا أن تفرز ذلا وهوانا كما قيل: "وكل إناء بالذي فيه ينضح"فقد مروا في طريقهم يقودهم ﵇ على أقوام يعكفون على أصنام لهم يعبدونها، فقالوا: "يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة". فانظر إلى هذه العقلية التافهة كيف نسيت ربها وخالقها الذي أنعم عليها ونجاها من الذل والهوان.

стр. 4484

وقد بقيت فكرة تجسيد الإله ووضع مثال له راسخة في عقول الكثير من بني إسرائيل حتى مع وجود موسى بينهم، قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة: من الآية٩٣) . ولعل لفرط ما رأوا من عبادة الأقباط لفرعون ولخضوعهم له زمانا طويلا أثرا في ذلك؛ فلما غاب عنهم موسى أربعين ليلة تاركا أخاه هارون بينهم، استطاع السامري أن يصنع لهم عجلا من الذهب يصوت إذا ضربته الريح، وسرعان ما أقنعهم أنه إلههم وإله موسى، فعكفوا على عبادته، فإذا تذكرنا أن العجل كان من بين آلهة المصريين التي يقدسونها تبين لنا إلى أي مدى تفعل البيئة فعلها في الأمم والشعوب. ويأتيهم موسى ﵇ بكتاب الله التوراة ويرفضونها ويقولون سمعنا وعصينا، ولا عجب في ذلك، فإن النفوس الذليلة التي تعبدت لفرعون والعجل يصعب عليها أن ترفع عنها نير الذل والخور دفعة واحدة وترفع رؤوسها إلى خالق السماوات والأرض لتناجيه في السراء والضراء.

стр. 4485

أما جبنهم فإن الآيات القرآنية الآتية تسجله عليهم بأوضح بيان في نقاش معهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ (المائدة:٢١،٢٢) إلى أن قال: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة:٢٤) . وفي آخر آية ٢٦حرم الله دخولها عليهم أربعين سنة تاهوا في سيناء، وهيأ الله لهم الغمام يظلهم، والمن والسلوى طعامهم، فسئموها وطلبوا القثاء والفوم والعدس والبصل... فدخلوا العقبة "أيلة"ومات ﵇ في هذه الفترة ولم يدخل فلسطين. وما أصدق قول الشاعر العربي الأبي الحارث بن حلزة البشكري: لا يقيم العزيز في البلد السهل ولا ينفع الذليل النجاء فهذه قصة أرض الميعاد أمرهم الله بدخولها ومعهم نبيهم موسى ﵇ فرفضوا الأوامر ولفظوها وتطاولوا بسوء أدبهم على الله، وسلكوا مسلك الأطفال المدللين العاجزين. وأما ترددهم وضعف الرأي عندهم، وتفاهة تفكيرهم وسطحيته ووقاحتهم، فيبدو عند كل أمر إلهي أو تشريع سماوي، إذ يقابلونه بالإهمال وعدم الاكتراث وقلة المبالاة، بل يقولون ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ (البقرة: من الآية٩٣) . حدثت جريمة قتل في عهد موسى وجهل القاتل، فأوحى الله إلى موسى أن يأمر قومه بذبح بقرة ليضربوا الميت بها فيحييه الله ويفضح قاتله، فاستهان بنو إسرائيل بهذا الأمر، وطفقوا يسألون أسئلة عن البقرة لو صدرت من طفل دون الاحتلام لأتهم بالحماقة وضعف البصيرة والوقاحة وسوء الأدب: ما لون البقرة؟ وما نوعها؟ ما طبيعتها؟ ولولا أن بعضهم قال:

стр. 4486

﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: من الآية٧٠) لما اهتدوا إليها ولركبهم شيطان السخف والغرور وقادهم إلى الجحيم. شاء الله وبعد هذا كله أن يخرج من صلب إبراهيم وإسحاق ويعقوب أناسا طيبين، فبعد أن هلك الجيل الذي عاش الذل والهوان أيام فرعون في تيه صحراء سيناء والعقبة، نشأ جيل الصحراء من بني إسرائيل في بيئة الحرية القاسية، فطلبوا من نبي لهم من بعد موت موسى ﵇ في ساعة من ساعات النشاط وصفاء الذهن أن يبعث لهم ملكا للجهاد في سبيل الله؛ فانظر إلى التباين بين بيئة الحضارة التي تخرج نفوسا ذليلة وبيئة الحرية في الصحراء القاسية: فقال لهم نبيهم والأرجح أنه يوشع بن نون: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾ (البقرة: من الآية٢٤٧. وهنا تبرز العقلية اليهودية الفاشلة، عقلية اتباع الهوى والأنانية والتعبد للمال، وناقشوا نبيهم برفض طالوت لفقره، وأنهم أفضل منه، فبين الله لهم أنه أفضلهم وأعظمهم جسما "البقرة ٢٤٧وما بعدها"ومع ذلك لم يقبلوه ملكا عليهم حتى أيده الله بمعجزة؛ إذ أرجعت الملائكة توراة موسى ﵇ في تابوت، وكانت كما قيل مسروقة. ويمرون في طريقهم بنهر الأردن وينهاهم ملكهم العالم المجرب لأمور القتال، ينهاهم أن يسرفوا في شرب الماء، لأن ذلك مدعاة إلى البطنة والكظة والترهل، ثم الفتور والتكاسل، فعصوا أوامر الملك ووقعوا في الماء شربا وعبا إلا قليلا منهم، ووقع ما حذرهم منه ملكهم، وقالوا لا طاقة لنا اليوم بحرب الأعداء "سورة البقرة ٢٤٨-٢٥٠"ولكن الله نصر الفئة القليلة المؤمنة الصابرة منهم، واستطاع داود ﵇ أن يقتل ملك الأعداء ويفتح البلاد، وأتاه الله الملك والنبوة والرسالة.

стр. 4487

ويبدأ عهد جديد في تاريخ بني إسرائيل، عهد الملك المشفوع بالنبوة والرسالة، وهو العصر الذهبي لهم، حيث مَنَّ الله عليهم بأنبياء ملوك؛ كداود وسليمان، وأنبياء بلا ملك، وملوك بلا نبوة، وظهر فيهم المخلصون الربانيون الذين جاهدوا في الله حق جهاده مع أنبيائهم السابقين، حتى يكاد يخيل لقارئ قصصهم أنهم فارقوا تلك الصفات السوداء التي سودت صحائف نفوسهم فاستحقوا بذلك الأفضلية في عالم زمانهم؛ قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة:٤٧) . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (الدخان:٣٠-٣٢) . وانتهى عصرهم الذهبي الذي لم يدم أكثر من حكم داود وسليمان ﵉، وتفسخت دولتهم بعدهما وانقسمت إلى دولتين.

стр. 4488

وكانت الفترة ما بين سليمان ومبعث المسيح ﵉ فترة مليئة بالعبر والمحن والابتلاء، وقد حقق الله وعيده فيهم حين قال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (لأعراف: من الآية١٦٧) فقد كذبوا فريقا من الأنبياء وقتلوا فريقا، فسلط الله على الدولة الأولى الأشورييين، فدمروا ملكهم وفتكوا بهم، وسلط الله على الدولة الأخرى بختنصر "نبوخذ نصر"البابلي، فحطم ملكهم وأعمل السيف فيهم، وسبى الألوف منهم إلى بابل، ثم أرجعهم كورش الفارسي وسمح لهم بممارسة طقوسهم الدينية تابعين له، ثم سلط الله عليهم السلوقيين اليونان، وصار لهم شبه دولة تحت حكمهم، وكانت الفتن والثورات لا تنفك تحدث بينهم تسيل فيها الدماء، ولما دالت دولة اليونان السلوقيين خلفهم الرومان، فاستبدوا في البلاد كلها، وفي أوائل عهد الرومان ولد المسيح وزكريا ويحيى عليهم الصلاة والسلام، وحكم الرومان فلسطين حوالي سبعة قرون، وكان حكما صارما مستبدا.

стр. 4489

عادت غرائز الشر التي انطبعت في اليهود وسكتت إلى حين تحت سلطة الرومان القاهرة – عادت ترفع رأسها من جديد ومضت هذه المرة مضي المهاجم المتحدي لله وشرعه وأنبيائه، فتطاولوا على حرمات الله، فقتلوا الأنبياء وكذبوهم، وابتلاهم الله بالمحن ليتوبوا ويهتدوا فما ازدادوا إلا ضلالا وتمردا وعتوا، وأراد الله أن يعطيهم آخر فرصة للتوبة والرجوع إلى الهدى والحق كما فعلوا أيام موسى ﵇ بعد عبادة العجل، فأرسل إليهم آخر رسل منهم وهم: زكريا ويحيى وعيسى في عصر واحد، فقتلوا زكريا ويحيى، وحاولوا قتل عيسى ﵇ بتأليب الحاكم الروماني عليه وادعاء أنه أفسد الشباب بدينه الجديد، وأنه ساحر، واتهموا أمه بالفاحشة وقد برأها الله، فغضب الله عليهم ولعنهم وسلط عليهم الرومان فدمروا الهيكل، وهو مسجد سليمان ﵇ عام٧٠ للميلاد، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ونزح الباقون منهم إلى الجزيرة العربية ومصر والعراق وأوربا، ثم أخرج النبوة منهم إلى أبناء عمهم بني إسماعيل ﵇، فقد أرسل الله محمدا ﷺ من بني إسماعيل ﵇، فكان آخر رسل الله وأنبيائه إلى الناس، وجعله الله رسولا إلى عامة البشر ومعجزته الخالدة القرآن الكريم، وتكفل الله بحفظه من التغيير والتبديل والتحريف ليبقى صالحا لكل زمان ومكان. وينتهي بذلك أكبر فصل في حياة بني إسرائيل، لأنه الفصل الذي انتهى بغضب الله عليهم ولعنهم وطردهم من رحمته، أعني أولئك الذين اشتركوا في تكذيب المسيح ومحاولة قتله واتهام أمه. وباع اليهود أنفسهم للشيطان وعملوا معه حلفا موثقا، وأجمع فلاسفتهم ودهاتهم على تحدي الله ومحاربة كل خير في الأرض.

стр. 4490

وخلاصة القول أنه بموت داود وسليمان ﵉ تنتهي زعامة بني إسرائيل السياسية والدينية والعسكرية، ويصبح الشعب اليهودي أعزل كغيره من الشعوب البائسة يقطن الأرض المقدسة، يشاركه فيها غيره من الشعوب السامية والعربية المجاورة، تحكمهم جميعا سلطة وثنية قاهرة فوقهم بدأت بالأشوريين، ثم البابليين، ثم دولة الفرس الأولى، ثم اليونان السلوقيين أحفاد قواد الاسكندر المقدوني، ثم الرومان الذين سلطهم الله على بني إسرائيل بعد إفسادهم الآنف الذكر، ويشردونهم من فلسطين، ثم يأتي العرب المسلمون ويفتحون البلاد كلها باسم الإسلام، فيهزمون الروم ويقيمون شرع الله منذ القرن الأول الهجري إلى نهاية الخلافة العثمانية المسلمة عام ١٣٣٧هـ الموافق ١٩١٨م، ومع ذلك يشهد التاريخ أن المسلمين عطفوا على اليهود وآووهم وأنصفوهم في الشام وإفريقيا والأندلس، وكان بيت المال يساعد العجزة والمقعدين منهم، وأوصى النبي المسلمين بهم خيرا ما داموا أهل ذمة؛ فأين فرية حق اليهود في فلسطين؟. إن اليونان حكموا فلسطين حوالي ثلاثة قرون. والرومان حكموا فلسطين حوالي سبعة قرون. والصليبيين حكموا فلسطين أثناء ضعف المسلمين حوالي قرنين. واليهود حكموا فلسطين حوالي دون قرنين من الزمان ثم شردوا منها. والعرب ثم المسلمون حكموا فلسطين واستوطنوها أكثر من ٢٠ قرنا. ولم نسمع أن أحدا من أحفاد هؤلاء الأقوام يطالب بالرجوع إلى فلسطين بحجة أن أجدادهم قد سكنوها وحكموها في الماضي. ولو اتبع عقلاء العالم منطق اليهود وحججهم لزم أن تعود أسبانيا إلى العرب المسلمين وقد حكموها ثمانية قرون، وأن يعود سكان الأمريكتين وأستراليا إلى أوروبا، وأن تحتل إيطاليا بريطانيا؛ لأن الرومان قد حكموا بريطانيا عدة قرون.

стр. 4491

نزح كثير من اليهود بعد أن خرب الرومان هيكلهم عام ٧٠م إلى المدينة المنورة وخيبر، واختاروا الحجاز بالذات موطنا لعلمهم أن آخر رسل الله سيبعث منها كما نصت التوراة، فلعل الله يخرجه منهم ويتوب عليهم، واشتغلوا بالتجارة، وآثروا على عادتهم في سلوك طرق المكر والتحايل والربا الفاحش، وصار لهم قوة، وحالفوا الأوس والخزرج سكان المدينة المنورة. ويبعث الله محمد القرشي ﷺ من بني إسماعيل رسولا إلى البشرية، وهاديا لها ليخرجها من الظلمات إلى النور، وكان اليهود يبشرون به العرب قبل أن يولد ويستفتحون به عليهم، وتبدأ صفحة جديدة في حياة بني إسرائيل، ويأكل الحسد قلوبهم لخروج النبوة منهم. ذكر ابن هشام في السيرة قال: حدث عبد الله بن أبي بكر قال: "حدثت عن صفية بنت حيي أنها قالت: كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، ولم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين. قالت: فلم يرجعا حتى كان غروب الشمس. قالت: فأتيا كالَّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى. قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله. قال: تعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك؟ قال: عداوته والله ما بقيت". وصفية المذكورة هي زوج رسول الله ﷺ ، وأبوها حيي المذكور كان من كبار زعماء اليهود، وبقي يعادي رسول الله ويحرض ضد المسلمين حتى قتل صبرا يوم الأحزاب "الخندق". إسلام عبد الله بن سلام:

стр. 4492

قال ابن إسحاق: "وكان من حديث عبد الله بن سلام كما حدثني بعض أهله عنه وعن إسلامه حين أسلم، وكان حبرا عالما "من علماء اليهود"قال: "لما سمعت برسول الله ﷺ عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له "أي نترقب" فكنت مسرا لذلك صامتا عليه، حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، فلما نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة ابنة الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله ﷺ كبرت، فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري: "خيبك الله، والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما زدت". قال: فقلت لها: "أي عمة هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه، بعث بما بعث به". قال: فقالت: "أي ابن أخي أهو النبي الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟ "قال: فقلت لها: نعم. قال: فقالت: فذاك إذن. قال: ثم خرجت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا. قال: وكتمت إسلامي من يهود، ثم جئت رسول الله ﷺ فقلت له: "يا رسول الله إن يهود قوم بهت، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك وتغيبني عنهم "أي تسترني"ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا إسلامي، فإنهم إن علموا به بهتوني وعابوني". قال: فأدخلني رسول الله ﷺ في بعض بيوته ودخلوا عليه فكلموه وسألوه ثم قال لهم: "أي رجل عبد الله بن سلام فيكم"قالوا: "سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا". قال: فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم: "يا معشر يهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله وأومن به وأصدقه وأعرفه"؛ فقالوا: كذبت، ثم وقعوا بي، فقلت لرسول الله ﷺ : "ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت، أهل

стр. 4493

غدر وكذب وفجور؟ "قال: وأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث فحسن إسلامها، وكذلك أسلم مخيريق وكان حبرا عالما غنيا كثير الأموال، ودعا قومه للإسلام فأبوا، فلحق برسول الله ﷺ يوم أحد وقتل شهيدا، وأوصى بأمواله لرسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يقول: "مخيريق خير يهود". هذه الروايات تصور نفسية بني إسرائيل بأجلى بيان وأوضح تبيان على أن رسول الله ﷺ حين وصوله المدينة مهاجرا أراد أن يبدأ اليهود بالخير والمسالمة والتآلف واللين، فعقد معهم معاهدة صلح ليأمن شرهم ويغريهم بالدين الجديد، ولكن أنى لحلفاء الشيطان أن يعيشوا عيشة الكرامة والمسالمة، إذ ما لبث شيطان الحسد أن ثار في نفوسهم وهاج هيجانا عظيما بعد موقعة بدر، فخان بنو قينقاع، ونقضوا العهد، فطردوا من المدينة ونزحوا إلى خيبر، ثم تأسى بهم بنو النضير في الخيانة، وحاولوا قتل الرسول ﷺ بإلقاء صخرة عظيمة عليه من أعلى السور، فأعلمه الله بخيانتهم وحاصرهم المسلمون وطردوهم، وفيهم نزلت سورة الحشر. أما بنو قريظة فكانت خيانتهم أعظم وأشد وقعا على نفوس المسلمين، ذلك أنها حدث في أحرج الأوقات على المسلمين، وجيوش قريش ومشركي العرب تحاصر المدينة من وراء الخندق بقيادة أبي سفيان. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، وانتهت خيانة بني قريظة بذبح كل قادر على حمل السلاح وكل محتلم. بعد أن عقد اليهود العزم على معارضة رسول الله ﷺ والكفر به وتحديه وصرف الناس عن دينه بكل وسيلة، سلكوا في ذلك مسالك شتى:

стр. 4494

أولا: وسيلة الكذب؛ فقد سأل مسلموا المدينة اليهود لِمَ لَمْ يؤمنوا برسول الله ﷺ وقد كانوا يبشرون به قبل مبعثه ويستفتحون به عليهم؟ فكان جوابهم كذبا وزورا أنه ليس النبي الذي يعرفون. وقد كذبهم في ذلك أحبار اليهود الذين آمنوا برسول الله ﷺ . قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران:٧١) ثانيا: في مؤتمر يهودي خبيث اتفق شياطينهم أن يؤمن بعض اليهود برسول الله ﷺ أول النهار ويرتدوا عن دينه آخر النهار، وإذا سئلوا عن ذلك قالوا: "قد اتضح لنا أنه ليس النبي المبعوث آخر الرسل الذي نجد صفته عندنا في التوراة، وقد فضحهم الله في هذا"، وكذلك علماؤهم الذين آمنوا برسول الله، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران:٧٢) الخ. ثالثا: سألت قريش زعماء اليهود عن دين محمد وأيهم أهدى سبيلا وأحب إلى الله، أملة قريش وهم يطعمون الطعام ويكرمون الجار ويغيثون الصريخ؛ أم ملة محمد ﷺ ؟ فقالت يهود: "بل ملة قريش أهدى وأولى بالاتباع من ملة محمد"، وهم كاذبون في ذلك ويعلمون أنهم كاذبون. قال لله تعالى يدمغهم في ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ (النساء ٥١-٥٢) .

стр. 4495

رابعا: الاستهزاء بالرسول ﷺ وتعاليمه: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد:١١) قالت اليهود: "إن الله فقير ومحتاج إلى أموالنا"، فنزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (آل عمران:١٨١) . وقالوا كذلك: "إن الله لما فرغ من الخلق يوم الجمعة استراح على العرش يوم السبت من الإعياء"؛ فأنزل الله قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ (سورة ق ٣٨-٣٩) . وكانوا يقولون "راعنا"وهي كلمة استهزاء، ولعلها من الرعونة، فنهى الله المسلمين عن قولها، وكانوا يسلمون على الرسول ﷺ قائلين: "السام عليك"أي الموت استهزاء وحقدا؛ فنزل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (المجادلة:٨) . ومن استهزائهم قولهم يد الله مغلولة، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ (المائدة: من الآية٦٤) .

стр. 4496

خامسا: إعداد الألغاز والأسئلة المعقدة وعرضها على رسول الله ليعجزوه ويشغلوه بها عن الدعوة ويحرجوه أمام المؤمنين في ظنهم: فقد سألوه عن الروح وعن ذي القرنين وأهل الكهف. سادسا: حاولوا قتله مرارا وآخرها يوم دست له السم إحدى نساء اليهود في ذراع الشاة المطبوخة، فمضغ مضغة ثم لفظها لتغير طعمها في فيه، أو لأن الله أخبره. سابعا: وأخيرا حملوا السلاح في وجهه وخانوا عهدهم معه كما فعل بنو قريظة وسكان خيبر، ولكن الله رد كيدهم إلى نحورهم ثم طردوا من الجزيرة.

стр. 4497

والعقد النفسية التي سيطرت على عقليات اليهود عبر الأجيال أنهم "شعب الله المختار"وأنهم "أبناء الله وأحباؤه"وأنه "لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا": ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَة﴾ (البقرة: من الآية٨٠) "عدد أيام عبادتهم العجل"على أن بعض هذه العقد يرجع إلى أصل صحيح، فالله سبحانه قد فضل بني إسرائيل على عالم زمانهم حين كانوا يعملون بشريعته ويتحاكمون إليها أيام يوسف ﵇، وموسى وداود وسليمان ﵈ وغيرهم من الأنبياء والرسل. ولكنهم نسوا أو تناسوا أن هذه الأفضلية جاءتهم من تحكيمهم كتاب الله وطاعتهم لأنبيائهم، فلما تمردوا على أوامر الله وقتلوا أنبياءه واستهزءوا بشريعته انفصمت عنهم هذه الأفضلية، وسقطت بالبداهة، ثم غضب الله عليهم ولعنهم. بيد أن شياطينهم وطواغيتهم موهوا على شعوبهم الحقائق وزيفوها، وأوحوا إليهم أنهم لا يزالون شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه ولا يمكن أن يتخلى الله عن إسرائيل ولا عن أبنائه، ولا يزالون يجترون هذه الأوهام في نفوسهم حتى يجيئهم عذاب الاستئصال. وقد وصف الرسول ﷺ عذاب استئصالهم في صحيح البخاري قال: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود فيختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر يا مسلم ها هو يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد...الخ".

стр. 4498

وقد اتبعت الآلاف المؤلفة من جماهير المسلمين في العصور الأخيرة سنن اليهود في هذه الفكرة، وصرنا نسمع بالمسلم الشيوعي والبعثي والقومي والاشتراكي وغيرهم، وكلهم يقول بلسان القرآن: "نحن خير أمة أخرجت للناس"أو بقول الرسول ﷺ : "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" وهم لا يعلمون شيئا عن حقائق الدين وأصوله إلا أماني، فقد استدبروا الثقافة الإسلامية المشرفة، واستقبلوا ثقافات الأمم الأخرى الملحدة الماجنة، فجهلوا الأمور المخرجة من الملة وإن صلى الواحد وصام وزعم أنه مسلم. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (الكهف:١٠٣،١٠٤) وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف:١٠٦) يتعرض القرآن الكريم إلى نقاش وجدال طويل هادئ مع اليهود، ويبين أخطاءهم الفكرية، ويفضح عنادهم ومكرهم ودخائل نفوسهم وتصديهم لمعارضة الدعوة، ويعتب عليهم أن لم يستجيبوا للدعوة مع أنها مصدقة لما معهم من التوراة، قال تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِه﴾ (البقرة: من الآية٤١) لعلهم يرجعون ويهودون، وهو يسلك سبيل الترغيب والترهيب، ويذكرهم بنعم الله السابقة عليهم وبجرائم أجدادهم ومكرهم وعقاب الله لهم كما فعل بأهل السبت، إذ مسخهم قردة وخنازير.

стр. 4499

ولو ذهبت أعدد الآيات التي وردت في بني إسرائيل في القرآن الكريم لطال الأمر كثيرا، ولخرج البحث من مقال موجزا إلى بحث مستفيض يستوعب الصفحات الكثيرة الطويلة، ولكن أذكر على سبيل المثال أن الآيات من رقم "٤٠- ١٣٣"من سورة البقرة كلها في بني إسرائيل بدون استثناء، ٨صفحات كاملة ثم يعود الحديث إليهم متقطعا حسب المناسبات، بحيث يشمل الحديث عنهم ما يقارب ثلث سورة البقرة، ولا تكاد تخلو سورة طويلة من الإشارة إليهم وإلى أنبيائهم. بقيت شبهة يثيرها الشيطان على ألسنة المتحذلقين ممن يتبعون ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:٦٢) . فهل يكون اليهودي الذي يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحا، ولا يؤمن بمحمد ﷺ هل يكون ناجيا من عذاب الله يوم القيامة، وممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون كما تنص الآية السابقة؟ والجواب أنه لا ينجو بل هو مخلد في النار. ويشهد لهذا الآيات التالية: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:٨٥) . ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ (النساء ١٥٠-١٥١) .

стр. 4500

في دعاء موسى لله ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف ١٥٦-١٥٧) . وقد ختم الآية باسم الإشارة البعيد لتضخيم شأنهم، ثم أتبعه بضمير الفصل ليدل على تأكيد الخبر واختصاصهم بالفلاح والنجاة من النار، وأن غير أولئك الذين سبقت صفاتهم لا يفلح ولا ينجو من النار. فمن لم يؤمن بجميع رسل الله، أولهم نوح وآخرهم محمد ﷺ يكون كافرا مخلدا في النار كما تنص آيات النساء والأعراف الآنفة الذكر. وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ (البقرة: من الآية٦٢) الخ أي آمن بالله الإيمان الكامل الذي بينه الله في الآيات السابقة؛ فآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله جميعهم بدون استثناء. ولعلها تعني أيضا من آمن منهم بالله واهتدى على أيدي رسلهم الذين جاءوهم في أزمانهم الماضية قبل مجيء محمد ﷺ ، وقبل حصول التحريف في كتبهم والله أعلم. وبعد يا معشر المسلمين!

стр. 4501

لقد حذرنا رسول الله ﷺ من تقليد اليهود والنصارى واتباع سننهم والركون إليهم، وخوفنا عاقبة ذلك؛ ومما قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة" وقد ورد هذا الخبر مورد الذم والنهي والتقبيح، فكأن الرسول ﷺ يقول لنا: "يا معشر المسلمين هذا تاريخ بني إسرائيل أمامكم، وهذه عقوبات الله عليهم تتوالى إلى يوم القيامة، وقد كانوا يوما ما أفضل العالمين، فلا تكونوا مثلهم فيعاقبكم كما عاقبهم، ولا تقولوا إن الله قال عنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية١١٠) فليست الأفضلية ملكا ثابتا يتوارثه الأحفاد عن الأجداد كما يزعم اليهود أنهم شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وإن الأفضلية توحيد الله وطاعته، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشهادة الحق القيام بالدعوة، وبالاختصار تطبيق شرع الله كاملا. والواقع المؤلم يشهد أن المسلمين استدبروا كتاب الله وسنة رسوله إلا القليل منهم، واتبعوا السبل التي سنها وخططها لهم شياطين اليهود وطواغيتهم فاستحقوا هذه العقوبات المتوالية عليهم في أكثر أرجاء العالم، ولن يغير الله عليهم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وتغيير ما بالنفوس لا يكون إلا باقتلاع جذور مفاهيم مغلوطة عن الذين وزرع بدلها جذور الفطرة الإسلامية الصافية التي أشرقت على الرعيل الأول وفتحوا العالم بها. تغيير ما بالنفوس أن ننتقل من مرحلة سرد المعلومات الدينية الصحيحة واختزانها في الذاكرة واستظهارها على اللسان إلى مرحلة تطبيقها على أنفسنا وأطفالنا، وبذا نخالف اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:٤٤) وقد وعظ الواعظون وذكر المذكرون بهذا طويلا، فهل آن أن نذَّكَّر؟.

стр. 4502

والآن ماذا يبغي بنو إسرائيل من هذه العاصفة التي حشدوا لها كل طاقاتهم وآثروا على قلب العالم العربي، ومن ورائه العالم الإسلامي؟. ويبدو لمن يذهب بعيدا ويتوغل وراء أخبار السياسة والاجتماع أن دعاة النصارى في أوروبا وأمريكا أحسوا بأخطبوط الصهيونية اليهودية، وأفعى الماسونية العالمية قد استشرى شرها في مجتمعاتهم تنفث سموم الإباحية والإلحاد، مع سيطرتها الرهيبة على معظم موارد الاقتصاد ورأس المال، حتى أضحت أوروبا وأمريكا أسرى لأثرياء اليهود القليلين، فضاقوا ذرعا بهم، وأيقنوا بفناء مجتمعاتهم على أيديهم إن عاجلا أو آجلا. كما رأوا في نفس الوقت النهضة الإسلامية المباركة يتراقص شعاعها الضعيف في الآفاق، فخشوا أن يستحيل هذا الشعاع الضعيف إلى إشراقة يعم نورها العالم ثم يحرق وهجها أباطيلهم. لهذا خطط دعاة النصارى أن يصطادوا العصفورين برمية واحدة، إذ يتخلصون من شرور اليهودية والصهيونية والماسونية، وينقذون مجتمعاتهم منها، وفي ذات الوقت يقضون على نهضة العالم الإسلامي المباركة التي تلوح أشعتها في الأفق البعيد، لذا فقد عطفوا على الجريمة اليهودية، وتهافتوا على تشجيع الحركة الصهيونية، فأغدقوا عليها الأموال والسلاح ووجهوها ضد العالم العربي الذي هو قلب العالم الإسلامي، ولكن الله لهم بالمرصاد، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (لأنفال: من الآية٣٦) الخ.

стр. 4503

ولْيَصْحُ قادة العالم الإسلامي قبل فوات الأوان، وليعلموا كيف المسير وأين المصير، وليكن أبرز شعار ينصبونه ماثلا أمام أعينهم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (لأنفال:٦٠) -------------------------------------------------------------------------------- [١] قال تعالى عنه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ (العنكبوت: من الآية٢٧) . وكرر المعنى في سورة الحديد. [٢] قال تعالى عنه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الانبياء:٧١) .

стр. 4504

حول ترجمة القرآن بالإنجليزية المطبوعة في اليابان لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية سابقا وعضو جماعة كبار العلماء والمجلس التأسيسي بمكة المكرمة إن مما دبره أعداء الإسلام وتوصوا به جميعا الطعن في القرآن كراهة له وحقدا بالغا على هدم قواعده ومبادئه، والقضاء على تعاليمه وتبديل معانيه وصرفا عنه للراغبين في الإسلام، وذلك بترجمته ترجمة تغير أحكامه ومعانيه، وتخل بمقاصده ومراميه، وتحرف كلماته وآياته أفحش التحريف، وتضل الناس عما فيه من العلم والهدى والخير الدنيوي والأخروي، وسبل السعادة الدائمة. ذلك دأبهم حيال القرآن الكريم الذي أنزله الله رحمة للعالمين وبينات من الهدى والفرقان، ونورا وضياء للسائرين، وهدي به بعد الضلالة وبصر به بعد الغواية، ومنهم "طائفة القاديانية"المارقة عن الإسلام بالباكستان التي عمدت إلى كتاب الله المبين فترجمته ترجمة ضالة غاوية، ونشرتها في الأقطار الإسلامية عامة منذ سنين. وقد حذرت جميع المسلمين، منها رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة منذ سنتين لشدة خطرها وافترائها على الله الذي أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وممن سار على دربهم ودرج على مخططهم "هاشم أمير علي"في ترجمته التي سماها "رسالة القرآن"وطبعها ونشرها بالإنجليزية في اليابان، مغيرا فيها ترتيب سور القرآن، ذلك الترتيب التوقيفي الذي نزل به القرآن وأوحى به الرحمن إلى رسوله المصطفى ﷺ ، ومحرفا فيها الآيات عن معانيها، ومعبرا عنها أسوا التعبير، مما يدل على عقيدة فاسدة وضلال مبين، وكره للإسلام شديد دفين.

стр. 4505

ولذلك يجب على دعاة الحق من المسلمين وخاصة العلماء والقادة أن ينبهوا العامة إلى أخطار هذه الترجمات الضالة، وإلى أنها وسيلة الأعداء للكيد للإسلام ولرسوله ولكتابه ولدعوته ولأمته، وإلى أنها فتنة وضلال مبين، وأن يحثوهم على نبذها وتطهير البلاد منها قياما بحق الإسلام ودفعا للأعداء عنه. وواجب على المسلمين أن يعلموا يقينا ما يأتي: أولا: أن ترجمة القرآن المقدورة للبشر هي الترجمة المعنوية لا غير، أما الترجمة الحرفية فغير مقدورة لهم وهم عنها عاجزون، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الاسراء:٨٨) فلا قدرة لهم على الإتيان بمثله عربيا أو غير عربي، بأية لغة وفصاحته وبلاغته وأسلوبه وأحكامه وحكمه ومعانيه ومقاصده وعلومه الكفيلة بخيري الدنيا والآخرة. فمن زعم لأية ترجمة حرفية للقرآن أنها تحاكيه وتعادله فيما جاء به ودل عليه فهو مفتر أثيم.

стр. 4506

ثانيا: إن القرآن الكريم أنزل على الرسول ﷺ آيات على حسب الحاجة والوقائع لحكمة سابقة، فكان أمين الوحي "جبريل ﵇"ينزل بالآيات على الرسول ويعلمه أنها تكتب عقب آية كذا في سورة كذا، وكان ﷺ يبلغ كل ما ينزل عليه تباعا للناس كافة، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: من الآية٦٧) وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ (المائدة: من الآية٩٩) . فكان ترتيب الآيات في سورها ترتيبا توقيفيا من جبريل ﵇ عن رب العالمين، وكان ﷺ يقرأ القرآن في الصلاة وغيرها بالترتيب التوقيفي ويعلمه الناس حتى يقرءوا القرآن به، وكانت الآيات تكتب بأمره ﷺ على هذا الترتيب التوقيفي، وقد جمع الصحابة القرآن بعده ﷺ مرتبا هذا الترتيب لم يقدم فيه مؤخر ولم يؤخر فيه مقدم، ودلت الأحاديث على أن القرآن في اللوح المحفوظ ثابت على هذا الترتيب، وهو ترتيب إلهي لا يجوز مخالفته إجماعا. وكذلك ترتيب السور توقيفي على ما رجحه الأئمة الأعلام، لا يجوز تأخير مقدم ولا تقديم مؤخر في سور القرآن، وهو على هذا الترتيب في اللوح المحفوظ كما نصوا عليه. وممن نص على أن ترتيب الآيات في سورها توقيفي لا يجوز مخالفته بحال الإمام الزركشي في البرهان، والإمام أبو جعفر بن الزبير في مناسباته فقالا: "إن ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره به من غير خلاف بين المسلمين فيه".

стр. 4507

وقال الإمام أبوبكر في الانتصار: "ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم، لقد كان جبريل يقول: ضع آية كذا في موضع كذا؛ والذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف "عثمان ﵁"وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه شيء، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى ورتبه عليه رسول الله في آي السور لم يقدم في ذلك مؤخر ولا أخر مقدم، وأن الأمة ضبطت عن النبي ﷺ ترتيب آي كل السور ومواضعها وعرفت مواقعها، كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة". وقال البغوي في شرح السنة: "إن الصحابة ﵃ قد أجمعوا بين الدفتين القرآن دون أن يزيدوا فيه شيئا أو ينقصوا منه شيئا كما سمعوه من الرسول ﷺ دون أن يقدموا شيئا أو يؤخروا شيئا أو يضعوا له ترتيبا غير ما أخذوه عن الرسول ﷺ ". وكان ﵊ يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو في مصاحفنا بتوقيف جبريل ﵇ إياه على ذلك وإعلانه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا، وهو على هذا الترتيب مكتوب كله في اللوح المحفوظ، وقد أنزله الله مفرقا على رسوله على حسب الحاجة. وقال العلامة الألوسي في مقدمة تفسيره: "كان ﷺ يأمر كتاب الوحي بكتابة ما نزل، وكان القرآن على عهده ﷺ مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن في مصاحفنا، وقد حفظه على هذا الترتيب جماعة من الصحابة منهم "عبد الله بن مسعود"وأبي بن كعب وغيرهما، وختموا القرآن عدة ختمات بهذا الترتيب، ومن خالف ذلك لا يعتد به، وأن ترتيب آياته وسوره بتوقيف من الرسول ﷺ عن جبريل عن رب العالمين، وقد أجمعت الأئمة على أن ترتيب الآيات توقيفي، وهذا لا شبهة فيه ولا خلاف..."

стр. 4508

وأما ترتيب السور فالراجح عند الأئمة الأعلام أنه توقيفي أيضا، وهو هكذا عند الله في اللوح المحفوظ وفي عرض الرسول القرآن على جبريل كل سنة في شهر رمضان مرة وفي السنة التي توفي فيها مرتين... وقد خالف هذا المترجم هذا الترتيب التوقيفي للسور في ترجمته، فأخر المقدم وقدم المؤخر، فباء بشؤم مخالفته الرسول ﷺ واستحسان ذلك في ترجمته. ولا ندري كيف استباح مشاقة الرسول بل مشاقة الله في ترتيب نظم كتابه ولأي سبب آثر ترتيبه على ترتيب الله ورسوله... اللهم إنه ضلال وعمى يبلغ الكفر إذا اعتقد أن ترتيبه أولى وأصح وأجدر... ثالثا: أن من كبائر الذنوب والآثام القول في القرآن بغير علم ولا هدى في التفسير والترجمة؛ ففي الحديث: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار"وفي رواية "من قال في القرآن برأيه"وذلك بأن يتأول آيات القرآن على مراده وهواه؛ كتأويلات الفرق الضالة من القاديانية والبهائية والإسماعلية وغيرها في تفاسيرهم وترجماتهم للقرآن تأييدا لمزاعمهم الفاسدة ومقاصدهم الضالة، كتأويلات الجهال الحمقى بالتفسير الصحيح والرأي الرجيح كما اجترأ على ذلك هؤلاء المترجمون في آيات الكتاب العظيم. رابعا: إن ترجمة معاني القرآن إنما تتم على الوجه الصحيح السائغ إذا توفر للمترجم فهم معاني القرآن فهما صحيحا كما فهمه الصحابة والأئمة الأعلام في الإسلام، ثم ترجم مفاهمه من معاني آياته ترجمة صحيحة...

стр. 4509

أما الفهم الصحيح لمعاني الآيات فإنما يتم له إذا توفرت فيه الشروط التي لابد منها لمن تصدى لتفسيره، ومنها على ما ذكره الأئمة: "علمه باللغة العربية علما تاما وافيا مفرداتها وأساليبها وحقائقها ومجازاتها وكتاباتها، وعلمه بسائر علوم العربية، وعلمه بما يجوز في حق الله تعالى وما يجب وما يستحيل، وعلمه بالنبوات ونشؤها وبالرسالات السماوية وما يتعلق بذلك ثم مع ذلك كله إخلاصه لله تعالى في تفسير كلامه والبيان عن مراده حتى لا يدخل في مداخل السوء ولا يصده الهوى عن الحق والهدى". والترجمة الصحيحة إنما تتم إذا توفر للمترجم العلم بكل ذلك والتزم الصدق والإخلاص والأمانة والحق في الترجمة... وكل ذلك مفقود فيمن تصدى لترجمة القرآن الكريم من الفرق الضالة وأمثالهم، فإن أكثرهم لا يقيمون وزنا للعلوم الدينية ولا للسنن الصحيحة التي وردت في الآيات تفسيرا لها وبيانا لأسباب نزولها، ولا لأقوال الصحابة والأئمة في معاني الآيات؛ ثم إنهم جميعا لا يؤمنون بقداسة كلام الله وجلالة قدره العظيم، بل لا يؤمنون بالله وبصفاته وكلامه وكتابه ولا برسوله الذي أنزل عليه كتابه الكريم ولا بأقواله وأفعاله، وأنها سنن هدى للمؤمنين، فمن الذي يقيم وزنا لهذه الترجمات الضالة بعد ذلك من المسلمين. خامسا: أنه يرحم شرعا على من لم يكن راسخا في العلوم الشرعية، عليما بما جاء بها من الأحكام، قديرا على دفع الشبه ورد المزاعم الباطلة، أن ينظر في التراجم الضالة خشية أن تفتنه وتغويه ويضل السبيل؛ قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ (هود:١١٣) ... وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: من الآية٦٣) ...

стр. 4510

أما الراسخون في العلم فعليهم أن يبينوا للناس ما فيها من ضلال وافتراء وبطلان، وينصحوهم باجتنابها لمزيد أخطارها ومضارها وأخطائها. سادسا: يجب على العلماء وولاة الأمر في الأقطار الإسلامية تحذير عامة المسلمين من هذه التراجم مطالعة واقتناء، ويجب منع تداولها في البلاد الإسلامية عامة، ويجب بيان ما فيها من ضلالات وآراء زائفة، وأفكار سامة صيانة للمسلمين من أخطارها كما قررت رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة بالنسبة لترجمة القاديانية المارقة من الإسلام ولما ماثلها من الترجمات الضالة الفاتنة، وذلك من النصيحة في الدين ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجب على القادرين من المسلمين، وفي القيام بحق الإسلام على أهله وبحق الأمة ووجوب دفع المضار عنها. أما الترجمات الأخرى لمعاني القرآن التي توافرت فيها الشروط المشار إليها سابقا وليست من هذا القبيل، فلا مانع من نشرها في البلاد الإسلامية ودراستها، بل قد يكون ذلك ضروريا بالنسبة للمسلمين الذين لا يعرفون اللغة العربية ويريدون معرفة معاني القرآن الكريم وما فيه من عقائد وأحكام وحكم وعلوم وآداب وقصص وأمثال وأحوال الآخرة وما أعده الله فيها للمؤمنين من نعيم مقيم، وللكافرين من عذاب أليم، وجزى الله خير الجزاء من ترجم معاني القرآن من علماء الإسلام ترجمة صحيحة سائغة ونشرها سدا لحاجة هؤلاء المسلمين في أقطارهم النائية، وتنويرا لبصائرهم وحماية لهم من أولئك الضالين المضللين. وقبل أن نختم الحديث ندعو جميع الأمم الإسلامية إلى وجوب مراقبة ما يرد إليها من الترجمات للقرآن وعدم السماح بنشرها في البلاد إلا بعد التثبت من صحتها بواسطة لجان علمية إسلامية دقيقة البحث، وصدور قرار بإجازتها كما قررت الرابطة ذلك في مجلسها التأسيسي بمكة المكرمة. والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.

стр. 4511

فمن لها... لفضيلة الشيخ محمد المجذوب المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة. مظلومة يا طيبةُ الحبيبه ومرة مأساتُك الغريبَه والجارحوك اليومَ أولى بهمُ لو ضّمدوا جراحَك الخضيبة فيالمَطعونٍ بأيدي أهلهِ يشكو –ولا يدري به- طبيبَه شرّفكِ الله بمثوى سيدٍ لم يَرَ قطّ ناظرٌ ضريبَه نلتِ به ما لم ينلْه موطنٌ من بركات ثَرّةٍ عجيبه بها استحال القفرُ روضا وغدت من سندس صحراؤك الجديبه تجبي إليك الأرَضَونَ خير ما تُخرجه آفاقها الرحيبه وتَأرِزُ الأرواح للجّو الذي قد مازجت أنفاسُه طيوبه فكل شيء فيك سحر عجب تبلى الدّنى وروحُه قشيبه لكنْ ...وما أوجعَ لكن...كم أرى فيك إمرأ لا يتقي رقيبه! وربما عمّ المشيبُ رأسَه ولا يراعي –سادرًا- مشيبه يمرّ بالمسجد لا يلوي على داعي الهدى ولا يرى ذنوبه فهو بعيدٌ عنك روحًا ودمًا وأنت منه الرحمةُ القريبه ...يا شقوةَ الخاسر قد مكّن من جنانِهِ شيطانَه وحُوبه تغمره النّعمى ولا يشكرها فيستحيل فيضُها مصيه ولو وعاها ما جفاها لحظةً ولا جفا إكسيرُها نُدوبه ...فمن لها...لطيبةَ الحريبه إلاك يا مانحَها حبيبه

стр. 4512

العدد ٢٨ فهرس المحتويات ١- لا أخوة بين المسلمين والكافرين ولا دين حق غير دين الإسلام: رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٢- من أعلام المحدثين - أبو الفرج ابن الجوزي ٥١٠ تقريبا - ٥٩٧ هـ: بقلم فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد ٣- أثر المخدرات في تدهور الشعوب: بقلم فضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد ٤- حكم التبني في الإسلام: بقلم فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي ٥- كيف تكون مُدرسا ناجحا: بقلم فضيلة الشيخ عبد الرءوف اللبدي ٦- معارك الدعوة الإسلامية: بقلم فضيلة الشيخ د. محمد حمد خليفة ٧- مع المجاهد الأعظم. . ومنهجه في الجهاد: بقلم فضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد ٨- الدعوة العامة لتحديد النسل ينكرها الإسلام: بقلم: فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف ٩- شعر شوقي في ميزان النقد: بقلم فضيلة الشيخ محمد المجذوب ١٠- الأقليات الإسلامية في قارات الدنيا الخمس: بقلم فضيلة الشيخ محمد المنتصر الكتاني ١١- مع الأخ أحمد جمال العتاب قبل الجواب: بقلم فضيلة الشيخ عطية محمد سالم ١٢- الفداء: بقلم فضيلة الشيخ عبد الله أحمد قادري ١٣- من أضاليل القاديانية: بقلم الشيخ عبد الغفار حسن ١٤- من المشكلات اللغوية في القرآن الكريم: بقلم فضيلة الشيخ عبد الجليل شلبي ١٥- قضايا أساسية في تطوير المكتبة العربية والإسلامية: بقلم الأستاذ عيد عبد الله عيد السيد ١٦- حول نظرية الالتزام - والعيب ما عابه الشرع - دراسات أخلاقية لمجتمع السلفي: بقلم: فضية الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي ١٧- من آيات الله في الكون: الضمان الاجتماعي ١٨- نداءٌ واحتكامٌ إلى ضمير العالم الإسلامي: بقلم السردار محمد عبد القيوم خان ١٩- من الصحف والمجلات - محنة الإسلام في الصومال: إعداد العلاقات العامة ٢٠- ندوة الطلبة - عجباً لمن يرثى لقاتله: بقلم الطالب أحمد بن حسن المعلم ٢١- محاورة هادفة: بقلم محمد عبد الرحمن الأهدل ٢٢- يا حماة الدين: بقلم الطالب عبد الرحمن عبد الرحمن شميله ٢٣- أخبار الجامعة: إعداد: العلاقات العامة ٢٤- الفتاوى: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية ٢٥- *** - إنا لله وإنا إليه راجعون -كلمة للتاريخ -صفحة مشرقة في حاضر العالم الإسلامي بقلم فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد بقلم فضيلة الشيخ محمد شريف الزبيق عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 4513

لا أخوة بين المسلمين والكافرين ولا دين حق غير دين الإسلام رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: فقد نشرت صحيفة عكاظ في عددها ٣٠٣١ الصادر بتاريخ ٢٧/٨/١٣٩٤ خبرا يتعلق بإقامة صلاة الجمعة في مسجد قرطبة وذكرت فيه أن الاحتفال بذلك يعد تأكيدا لعلاقات الأخوة والمحبة بين أبناء الديانتين الإسلام والمسيحية. انتهى المقصود. كما نشرت أخبار العالم الإسلامي في عددها ٣٩٥ الصادر بتاريخ ٢٩/٨/١٣٩٤ الخبر المذكور وذكرت ما نصه"ولا شك أن هذا العمل يعتبر تأكيدا لسماحة الإسلام وأن الدين واحد"إلى آخره.

стр. 4514

ونظراً إلى ما في هذا الكلام من مصادمة الأدلة الشرعية الدالة على أنه لا أخوة ولا محبة بين المسلمين والكافرين وإنما ذلك بين المسلمين أنفسهم، وأنه لا اتحاد بين الدينين الإسلامي والنصراني؛ لأن الدين الإسلامي هو الحق الذي يجب على جميع أهل الأرض المكلفين اتباعه, أما النصرانية فكفر وضلال بنص القرآن الكريم, ومن الأدلة على ما ذكرنا قول الله سبحانه في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ الآية، وقول النبي ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره" الحديث، وقول الله في سورة الممتحنة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ الآية، وقوله سبحانه في سورة المجادلة: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، وقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآية، وقوله سبحانه في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ

стр. 4515

فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . وقوله في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ الآية، وقوله تعالى في السورة المذكورة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ , وقوله في سورة المائدة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية، وقوله سبحانه في سورة المائدة أيضاً: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، وقوله تعالى في سورة الكهف: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ، ففي هذه الآيات الكريمات والحديث الشريف وما جاء في معنى ذلك من الآيات والأحاديث ما يدل دلالة ظاهرة على أن الأخوة والمحبة إنما تكون بين المؤمنين أنفسهم, أما الكفار فيجب بغضهم في الله ومعاداتهم فيه سبحانه، وتحرم موالاتهم وتوليهم حتى يؤمنوا بالله وحده ويدعوا ما هم عليه من الكفر والضلال.

стр. 4516

كما دلّت الآيات الأخيرة على أن الدين الحق هو دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ وسائر المرسلين وهذا هو معنى قول النبي ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء ديننا واحد", أما ما سواه من الأديان الأخرى سواء كانت يهودية أو نصرانية أو غيرهما فهو باطل, وما فيه من حق فقد جاءت شريعة نبينا محمد ﷺ به, أو ما أكمل منه؛ لأنها شريعة عامة لجميع أهل الأرض, أمّا ماسواها فشرائع خاصة نسخت بشريعة محمد ﷺ التي هي أكمل الشرائع وأعمها وأنفعها للعباد في المعاش والمعاد كما قال الله سبحانه يخاطب نبيه محمدا ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ الآية، وقد أوجب الله على جميع المكلفين من أهل الأرض اتباعه والتمسك بشرعه كما قال تعالى في سورة الأعراف بعد ذكر صفة محمد ﵊: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ , ثم قال بعدها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ , ونفى الإيمان عن جميع من لم يحكّمه فقال سبحانه في سورة النساء: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ

стр. 4517

حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماًً﴾ ، وحكم على اليهود والنصارى بالكفر والشرك من أجل نسبتهم الولد لله سبحانه واتخاذه أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتخذوا أحباراهم اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يريدون أن يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ . ولو قيل إن هذا الاحتفال يعتبر تأكيداً لعلاقات التعاون بين أبناء الديانتين فيما ينفع الجميع لكان ذلك وجيها ولا محذور فيه، ولواجب النصح لله ولعباده رأيت التنبيه على ذلك لكونه من الأمور العظيمة التي قد تلتبس على بعض الناس. وأسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين للأخوة الصادقة في الله والمحبة فيه ومن أجله وأن يهدي أبناء البشرية جميعاً للدخول في دين الله الذي بعث به نبيه محمداً ﷺ والتمسك به وتحكيمه ونبذ ما خالفه؛ لأن في ذلك السعادة الأبدية والنجاة في الدنيا والآخرة وحل جميع المشاكل في الحاضر والمستقبل إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه ...

стр. 4518

الأقليات الإسلامية في قارات الدنيا الخمس بقلم فضيلة الشيخ محمد المنتصر الكتاني المستشار العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة يبلغ تعداد المسلمين في الأرض سبعاً وعشرين مليوناً وثمانمائة مليون نسمة، أكثريات في دول غير مسلمة وشعوب وأقليات في شعوب غير مسلمة ودول. والأقليات المسلمة التي تساكن أكثريات غير مسلمة، يقارب عددهم الثلث من جميع مسلمي الأرض: يبلغون أكثر من ستة وخمسين مليوناً ومائتي مليون نسمة، في قارات آسيا من الأقليات اثنان وثلاثون مليوناً ومائتا مليون مسلم. وفي إفريقيا منهم اثنان وعشرون مليوناً مسلماً. ويسكن أوربا منهم سبعة وعشرون مليونا من المسلمين. وفي أمريكا مليونان من المسلمين أقليات. ويسكن قارة أوقيانوسيا: استراليا وغيرها سبعون ألف مسلم ومائتا ألف من المسلمين أقليات. وهذه الأعداد من المسلمين: أكثريات وأقليات، آخر ما وصل إليه إحصاء جمعية الأمم في العام الماضي، وإحصاء مؤسسات إسلامية مختصة وشخصيات. وأكبر الأقليات وأكثرها عدداً، مسلمو الصين والهند وروسيا والفليبين وتايلاند وبورما. فمسلمو الصين ستة وثمانون مليوناً, ومسلمو الهند ثلاثة وثمانون مليونا, ومسلمو روسيا خمسون مليونا, ومسلمو الفليبين أربعة ملايين، وتايلاند خمسة ملايين، وبورما ثلاثة ملايين مسلم؛ وسيلان مليون. وفي بعض دول آسيا ودول إفريقيا مفارقات شاذة: أكثريات إسلامية تحكمها أقليات غير مسلمة، منها كمثال والمثال لا يخصص، الحبشة والمسلمون فيها قريب من السبعين في المائة، وتشاد ومسلموها خمس وثمانون في المائة، والسنغال والمسلمون فيها خمس وتسعون في المائة، وتانزانيا ومسلموها ثمانية وستون في المائة.

стр. 4519

وهذه الأكثرية المسلمة المغلوبة على أمرها، هي مع الأقلية الحاكمة غير المسلمة أشبه بالأقليات الإسلامية مع الأكثرية غير المسلمة: اضطهاداً وقهراً وتجويعاً واستئثاراً بخيرات البلاد: وظائف داخلية وخارجية وتجارية وصناعة وزراعة، وحجراً على الحريات: حريات العقيدة واللغة والتعلم والتعليم، والطباعة والنشر والترجمة، والتقاليد والعادات وأسلوب الحياة، والسفر للخارج للحج أو الدراسة أو التجارة، إلا النادر من هذه الأقليات الحاكمة، وقديماً قيل: النادر لا حكم له. وهذه الأقليات الإسلامية في قارات الدنيا الخمس، بإعدادها الستة والخمسين مليوناً ومائتي مليون مسلم قد زارها وتخلل أرضها وسماءها، برها وبحرها وفنائها، بطاحها الخضراء وصحاريها الجرداء وغاباتها الغناء، طائراً ومبحراً وزحفاً بالقطار والسيارة، قد جاس خلال قاراتها الخمس سبعة وفود، أوفدتهم إليها رابطة العالم الإسلامي خدمة للإسلام والمسلمين، بتوجيه خادم الحرمين الشريفين الملك الإمام فيصل بن عبد العزيز، ومن بين الوفود السبعة أب وابن قد زارا ضمن وفدين أربع قارات من الخمس: أسيا وأوقيانوسيا وأوروبا وأمريكا، وتعداد أقلياتها المسلمة أربعة وثلاثون مليوناً ومائتا مليون نسمة، ولم يبق عليهما ممن لم يزوراه إلا الأقليات المسلمة في إفريقيا، وعددهم لا يتجاوز اثنين وعشرين مليوناً.

стр. 4520

وبالعلم معرفة، وبالرحلة خبرة، أتكلم وأخطب وأصرح، وأرفع صوتي عالياً من على منبر هذه القاعة قاعة المركز العام لرابطة العالم الإسلامي وقد جمع لها الناس من مختلف قارات الأرض، لحج بيت الله الحرام ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على أيام معلومات أعلن بأن هذه الأقليات الإسلامية بملايينها الستة والخمسين والمائتين، الموجودة في جميع قارات هذا الكوكب الأرضي، تعيش تحت تسلط الأكثرية غير المسلمة من مواطنيهم واستعبادهم، حقوقهم قليلة، وواجباتهم كثيرة، احتكرت الأكثرية: القيادة والسيادة والسلطان تشريعاً وتنفيذاً، أمراً ونهياً، تعلماً وتعليماً، تقاليد وعادات. استباحت الأكثرية الطاغية نساء أقلية المسلمين زوجات لهم، وإسلامهم يأبى ذلك، ويعتبره سفاحاً، لا أثرله في نسب ولا نفقة ولا إرث، ولم يعترف لهم بأحكام شخصية ولا عامة فلا محاكم لهم وفق دينهم، ولا مدارس ببرامج ثقافتهم ولغة نبيهم، فضلاً عن المعاهد العليا والجامعات، وتأسيس الجمعيات لمصالحهم وتكوين الجامعات. أما الأقليات الإسلامية ذات عشرات الملايين، في الصين وروسيا والهند وتايلاند وبورما وسيلان والفليبين ويضاف إليهم الأكثرية الإسلامية التي تحكمها الأقلية غير المسلمة: في الحبشة وتانزانيا وتشاد وغيرها. وهم يعيشون بين حاكميهم وغير المسلمين من مواطنيهم أسرى، يستعبدون الرجال منهم والنساء، في الدور والإدارات والمصانع والمزارع، وفي تكنيس الأزقة والشوارع والطرقات، ليس لهم في قوانينهم كرامة للإنسان ولا حتى رحمة الحيوان.
следующие страницы →