← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

كما دلّت الآيات الأخيرة على أن الدين الحق هو دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ وسائر المرسلين وهذا هو معنى قول النبي ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء ديننا واحد", أما ما سواه من الأديان الأخرى سواء كانت يهودية أو نصرانية أو غيرهما فهو باطل, وما فيه من حق فقد جاءت شريعة نبينا محمد ﷺ به, أو ما أكمل منه؛ لأنها شريعة عامة لجميع أهل الأرض, أمّا ماسواها فشرائع خاصة نسخت بشريعة محمد ﷺ التي هي أكمل الشرائع وأعمها وأنفعها للعباد في المعاش والمعاد كما قال الله سبحانه يخاطب نبيه محمدا ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ الآية، وقد أوجب الله على جميع المكلفين من أهل الأرض اتباعه والتمسك بشرعه كما قال تعالى في سورة الأعراف بعد ذكر صفة محمد ﵊: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ , ثم قال بعدها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ , ونفى الإيمان عن جميع من لم يحكّمه فقال سبحانه في سورة النساء: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ

стр. 4517

حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماًً﴾ ، وحكم على اليهود والنصارى بالكفر والشرك من أجل نسبتهم الولد لله سبحانه واتخاذه أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتخذوا أحباراهم اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يريدون أن يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ . ولو قيل إن هذا الاحتفال يعتبر تأكيداً لعلاقات التعاون بين أبناء الديانتين فيما ينفع الجميع لكان ذلك وجيها ولا محذور فيه، ولواجب النصح لله ولعباده رأيت التنبيه على ذلك لكونه من الأمور العظيمة التي قد تلتبس على بعض الناس. وأسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين للأخوة الصادقة في الله والمحبة فيه ومن أجله وأن يهدي أبناء البشرية جميعاً للدخول في دين الله الذي بعث به نبيه محمداً ﷺ والتمسك به وتحكيمه ونبذ ما خالفه؛ لأن في ذلك السعادة الأبدية والنجاة في الدنيا والآخرة وحل جميع المشاكل في الحاضر والمستقبل إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه ...

стр. 4518

الأقليات الإسلامية في قارات الدنيا الخمس بقلم فضيلة الشيخ محمد المنتصر الكتاني المستشار العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة يبلغ تعداد المسلمين في الأرض سبعاً وعشرين مليوناً وثمانمائة مليون نسمة، أكثريات في دول غير مسلمة وشعوب وأقليات في شعوب غير مسلمة ودول. والأقليات المسلمة التي تساكن أكثريات غير مسلمة، يقارب عددهم الثلث من جميع مسلمي الأرض: يبلغون أكثر من ستة وخمسين مليوناً ومائتي مليون نسمة، في قارات آسيا من الأقليات اثنان وثلاثون مليوناً ومائتا مليون مسلم. وفي إفريقيا منهم اثنان وعشرون مليوناً مسلماً. ويسكن أوربا منهم سبعة وعشرون مليونا من المسلمين. وفي أمريكا مليونان من المسلمين أقليات. ويسكن قارة أوقيانوسيا: استراليا وغيرها سبعون ألف مسلم ومائتا ألف من المسلمين أقليات. وهذه الأعداد من المسلمين: أكثريات وأقليات، آخر ما وصل إليه إحصاء جمعية الأمم في العام الماضي، وإحصاء مؤسسات إسلامية مختصة وشخصيات. وأكبر الأقليات وأكثرها عدداً، مسلمو الصين والهند وروسيا والفليبين وتايلاند وبورما. فمسلمو الصين ستة وثمانون مليوناً, ومسلمو الهند ثلاثة وثمانون مليونا, ومسلمو روسيا خمسون مليونا, ومسلمو الفليبين أربعة ملايين، وتايلاند خمسة ملايين، وبورما ثلاثة ملايين مسلم؛ وسيلان مليون. وفي بعض دول آسيا ودول إفريقيا مفارقات شاذة: أكثريات إسلامية تحكمها أقليات غير مسلمة، منها كمثال والمثال لا يخصص، الحبشة والمسلمون فيها قريب من السبعين في المائة، وتشاد ومسلموها خمس وثمانون في المائة، والسنغال والمسلمون فيها خمس وتسعون في المائة، وتانزانيا ومسلموها ثمانية وستون في المائة.

стр. 4519

وهذه الأكثرية المسلمة المغلوبة على أمرها، هي مع الأقلية الحاكمة غير المسلمة أشبه بالأقليات الإسلامية مع الأكثرية غير المسلمة: اضطهاداً وقهراً وتجويعاً واستئثاراً بخيرات البلاد: وظائف داخلية وخارجية وتجارية وصناعة وزراعة، وحجراً على الحريات: حريات العقيدة واللغة والتعلم والتعليم، والطباعة والنشر والترجمة، والتقاليد والعادات وأسلوب الحياة، والسفر للخارج للحج أو الدراسة أو التجارة، إلا النادر من هذه الأقليات الحاكمة، وقديماً قيل: النادر لا حكم له. وهذه الأقليات الإسلامية في قارات الدنيا الخمس، بإعدادها الستة والخمسين مليوناً ومائتي مليون مسلم قد زارها وتخلل أرضها وسماءها، برها وبحرها وفنائها، بطاحها الخضراء وصحاريها الجرداء وغاباتها الغناء، طائراً ومبحراً وزحفاً بالقطار والسيارة، قد جاس خلال قاراتها الخمس سبعة وفود، أوفدتهم إليها رابطة العالم الإسلامي خدمة للإسلام والمسلمين، بتوجيه خادم الحرمين الشريفين الملك الإمام فيصل بن عبد العزيز، ومن بين الوفود السبعة أب وابن قد زارا ضمن وفدين أربع قارات من الخمس: أسيا وأوقيانوسيا وأوروبا وأمريكا، وتعداد أقلياتها المسلمة أربعة وثلاثون مليوناً ومائتا مليون نسمة، ولم يبق عليهما ممن لم يزوراه إلا الأقليات المسلمة في إفريقيا، وعددهم لا يتجاوز اثنين وعشرين مليوناً.

стр. 4520

وبالعلم معرفة، وبالرحلة خبرة، أتكلم وأخطب وأصرح، وأرفع صوتي عالياً من على منبر هذه القاعة قاعة المركز العام لرابطة العالم الإسلامي وقد جمع لها الناس من مختلف قارات الأرض، لحج بيت الله الحرام ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على أيام معلومات أعلن بأن هذه الأقليات الإسلامية بملايينها الستة والخمسين والمائتين، الموجودة في جميع قارات هذا الكوكب الأرضي، تعيش تحت تسلط الأكثرية غير المسلمة من مواطنيهم واستعبادهم، حقوقهم قليلة، وواجباتهم كثيرة، احتكرت الأكثرية: القيادة والسيادة والسلطان تشريعاً وتنفيذاً، أمراً ونهياً، تعلماً وتعليماً، تقاليد وعادات. استباحت الأكثرية الطاغية نساء أقلية المسلمين زوجات لهم، وإسلامهم يأبى ذلك، ويعتبره سفاحاً، لا أثرله في نسب ولا نفقة ولا إرث، ولم يعترف لهم بأحكام شخصية ولا عامة فلا محاكم لهم وفق دينهم، ولا مدارس ببرامج ثقافتهم ولغة نبيهم، فضلاً عن المعاهد العليا والجامعات، وتأسيس الجمعيات لمصالحهم وتكوين الجامعات. أما الأقليات الإسلامية ذات عشرات الملايين، في الصين وروسيا والهند وتايلاند وبورما وسيلان والفليبين ويضاف إليهم الأكثرية الإسلامية التي تحكمها الأقلية غير المسلمة: في الحبشة وتانزانيا وتشاد وغيرها. وهم يعيشون بين حاكميهم وغير المسلمين من مواطنيهم أسرى، يستعبدون الرجال منهم والنساء، في الدور والإدارات والمصانع والمزارع، وفي تكنيس الأزقة والشوارع والطرقات، ليس لهم في قوانينهم كرامة للإنسان ولا حتى رحمة الحيوان.

стр. 4521

يذبحون رجالهم ولا يستحيون نساءهم، لأقل بادرة تبدو منهم ولو كانت هذه البادرة صيحة في وجه ظالم، أو تأففاً من اعتداء باغ، طرحوا الآلاف ومئات الآلاف بل الملايين من أرض لهم، حسدوهم على خصبها ومياهها، وخيراتها الباطنة والظاهرة، طردوهم منها إلى صحار وجبال لا تمطر ولا تنبت، وكاثروا تكتلاتهم وتجمعاتهم بعشرات الآلاف ومئات الآلاف بل وبالملايين ليذيبوهم فيهم، ويبعثروهم أيدي سبا ضائعين تائهين. هدموا الكثير من مساجدهم، ومدارسهم، وجعلوا منها خمارات ودور فساد، ومعابد لنصب وأوثان، ومنعوهم حتى من دفن موتاهم مسلمين، فحرموا عليهم غسلهم والصلاة عليهم، وإفرادهم بمقابر ومدافن، ومن عارضهم في شيء من ذلك، قتلوه ضرباً بالسيف، ورمياً بالرصاص، وقصفاً بالرماح، وشنقاً بالحبال، كل هذا حدث في روسيا والصين والهند وتايلاند وبورما، وسيلان والفليبين والحبشة وتنزانيا وإريتريا وتشاد، ولا يزال يحدث، وعلى ضروب وأشكال من الفتك والتدمير والطغيان، وهو ما فجر الثورات الإسلامية في هذه البلاد، فسحق بعضها بوحشية وقسوة دونها قسوة وحوش الغاب, وبعضها لا يزال قائماً يستغيث ويستنجد إخوانه المسلمين في العالم، ومنها حروب التحرير في الفليبين وتايلاند وإريتريا.

стр. 4522

أما تايلاند فمسلموها ذو الملايين الخمسة، فكأنهم الحيوانات السائمة، فلا حقوق لهم في تعليم ولا وظائف ولا بعثات دراسية في الخارج، وحتى البلديات ليس لهم فيها رأي ولا مشورة واستنكر ذلك مسلمو تايلاند واحتجوا رافعين أصواتهم بالألم والشكوى، فلم يشكهم إخوانهم المسلمون في العالم الإسلامي ولم تشكهم جمعية الأمم، ولا المحافل الدولية، فانفجروا بثورة مسلحة في جبال ولاياتهم التي يتكتلون فيها ولا تزال الثورة ملتهبة ولكن تواطأ على إخمادها صحف الأكثرية البوذية، وأجهزة الإعلام الدولية البوذية، وجميع أجهزة الإعلام في العوالم الأربعة: الوثنية والملحدة واليهودية والصليبية، عملوا لإخمادها بإغفال ذكرها بل وإنكارها حين عجزوا عن إخمادها بالحديد والنار والأسلحة الجهنمية، وحين عجزوا عن إخمادها باستسلام أبطالها وقاداتها. وقد اجتمعنا بملك تايلاند والمارشال رئيس وزرائه وأعضاء من وزارته فطلبنا الرفق بالمسلمين ومعاملتهم معاملة المواطنين، فوعدونا وأنكروا وجود ثورة مسلحة في تايلاند، فعقدنا ندوة صحفية لإعلان حال المسلمين في البلاد وإذا بالصحافة تصدر في اليوم التالي منكرة علينا ما أسمته التدخل في أمور تايلاند الداخلية، واستعدت علينا حكومتها محتجة هائجة. أما بورما فقد أخذت جميع أموال مسلميها المنقولة والعقار، وأفقرتهم فجأة بعد أن كانوا فيها هم رجال المال والأعمال تجارة وصناعة وزراعة واضطهدوا ومنعوا من مغادرة البلاد ولو للحج، وسجن منهم عشرات الآلاف، وعذبوا وطوردوا بذنب وبغير ذنب، حتى انفجرت فيها كذلك ثورة إسلامية مسلحة، وظنوا أن إغفال أجهزة إعلامها إذاعة وصحافة سيخمدها، حين عجز الجيش عن إخماد أوارها، فعلت بورما فعل تايلاند مع ثورة المسلمين.

стр. 4523

وأما الفليبين وما أدراك ما الفليبين؟ فقد اتخذ طاغيتها ماركوس من الفليبين معسكراً لقوى الشر من أعداء الإسلام والمسلمين في الأرض: الوثنية بكل أشكالها والإلحاد بكل أنواعه وبمختلف أسمائه، واليهودية العالمية والصليبية الدولية، اتخذ منهم ماركوس حلفاء له، وجعل جزر المسلمين وتدمير المسلمين، لا في الفليبين وحدها، بل وفي جميع منطقة الشرق الأقصى، بجميع شعوبها الإسلامية أكثريات وأقليات. فالمئات من أوكار التضليل التي تسمي نفسها: التبشير، تتفنن في اتخاذ العناوين الخداعة لأسماء مؤسساتها، من دورحضانة للأطفال، إلى الجامعات، ومن المستوصفات إلى المستشفيات إلى الكنائس والأديرة، والبعثات الصادرة والواردة، لإخراج المسلمين من دينهم، وتشكيكهم في الله الواحد وكتابه ونبيه خاتم الأنبياء، ويغرون الشباب فتيات وغلماناً لذلك، بالمال وببعضهم وبأنواع من الملاهي واللعب ويسخرون لهم الآلاف من الكهنة رجالاً ونساء ومن كل جنس ليقوموا على تضليلهم مع بذل مئات الملايين من الجنيهات والدولارات رواتب ونفقات وعطايا. وماركوس جنّد صليبية لعشرات الآلاف من المحاربين، وسلحهم بجميع أنواع الأسلحة الفتاكة الحارقة والمدمرة، طائرة وعائمة وغواصة وزاحفة، لتخريب جزر الفليبين ومناطقهم، وتصفية الإسلام عقيدة ولغة وعلماً وتصفية المسلمين فيها رجالاً ونساء، شيوخاً وأطفالاً، جماعات وأفراداً. ويهود فلسطين المحتلة، ويهود أمريكا، اليهودية العالمية، يدربون المدنيين من صليبي الفليبين على القتل والاغتيال، الفردي والجماعي، وعلى تحريق الفرد والجماعة وهدم البيوت والإحياء على ساكنيها أيقاظاً أو هم رقود، ومن أفلت منهم يفر بنفسه وتبقى لهم أرض المسلمين خاوية من أهلها، فيستولون عليها ثم يجعلون لها صكوكاً وملكيات يزعمون فيها أنهم اشتروها من أهلها عن طيب خاطر منذ سنوات.

стр. 4524

وهؤلاء اليهود الذي يدربون النصارى الفليبين، هم خبراء المخربين اليهود في فلسطين منذ الانتداب البريطاني وإلى اليوم، قالوا لماركوس: هذه أنجع طريقة لحرب المسلمين، وبها نحن تسلطنا على فلسطين واستولينا عليها، والمسلمون هم المسلمون عربا كانوا أو غير عرب، لا تفيد معهم حرب القانون والنظام ولكن حرب المكر والخديعة والضرب من الخلف وقالوا له: وضرب المجاهدين من المسلمين يكون بذبح نسائهم وأطفالهم وهدم بيوتهم عليهم وحرقها، فاستجاب لهم الصليبي ماركوس وصادف ذلك هوى في نفسه ونفذ لهم جميع تعاليمهم. وصدق الله العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ . واجتمع بنا ماركوس مرتين: مرة قبل لقائنا بإخواننا المسلمين في جزرهم، ومرة أخرى بعد اجتماعنا بهم، ومقامتنا بينهم ليالي وأياما، فقصصنا عليه قصصهم وما أصابهم من ضرّ وبلواء، من جنده وبنيه من الفليبين النصارى وحلفائهم، فوعدنا باستقلال المسلمين في ولايتهم وجزرهم الاستقلال الذاتي، ولكن لا يزال يراوغ بوعوده مراوغة الثعلب، يلتوي بها التواء الأفعى. ومسلمو الهند الذين يربو عددهم على الثمانين مليوناً، والذين هم بعد مسلمي الصين أكبر أقلية مسلمة بين شعوب ودولة غير مسلمة، وعلى كثرتهم يعمل الهندوس جاهدين على مكاثرتهم والفيضان عليهم بقوانينهم الهندوسية، وبمئات الملايين من الهندوس. هم أيضاً يكاد لهم بإلغاء ثقافتهم الإسلامية، ولغتهم الدينية، وأحكامهم الشخصية والعامة، وتقليص معاهدهم وجامعاتهم ومداسهم وجمعياتهم، ليذوب كل ذلك في الوثنية الهندوسية، وتذوب شخصيتهم في الهندوس، وعلى كثرة مسلمي الهند لا وظائف قيادية لهم، لا عسكرية ولا مدنية، لا تشريعية ولا تنفيذية وهي تتقلص وتتراجع بينهم يوماً عن يوم وعهداً بعد عهد.

стр. 4525

ولدفع مسلم لبقرة عن مسار سيارته أو كلاء مزرعته، يقتل الهندوس من أجلها عشرات المئات من المسلمين. بل والآلاف منهم في كل أرض من الهند وكل مقاطعة، وقد يغني الطرف عن ذلك الشرطة، وقد يشاركون هم أيضاً مواطنيهم الهندوس في الضرب والتقبيل. وقد اجتمع بنا كذلك وزير خارجيتهم ووزراء معه وقصصنا عليهم ما يعلمون عن مواطنيهم المسلمين فوعدونا بإصلاح أحوالهم. وبعد فالأقليات الإسلامية بين الأكثريات غير المسلمة، يراد تصفيتها والقضاء عليها جسدا وديناً وكياناً وحضارة ولغة كما رأيتم وسمعتم، أيجوز هذا أن يبقى ويستمر؟ ونحن بعد لا نزال نعمر من العالم قارتين، ونشارك الباقين في القارات الأخرى الثلاث؟ ولنا مع ذلك مقاعد دولية تعد بالعشرات، ولنا دول وجيوش وثروات فاضت بركاتها على الدنيا، أيجوز أن يستمر هذا ويدوم ونحن نكاد نصل للمليار عداً ووجوداً؟ يهودي واحد إذا مسّ في أي رقعة من رقاع الأرض، تعاوى له اليهود من كل جانب، وتعاوى معهم جميع حلفائهم من قوى الكيد للإسلام وعدوانه: ملاحدة ووثنيين وصليبيين, ونصراني واحد إذا مسّ كذلك في ركن من العالم تصايحت له أمريكا وأوروبا والدنيا كلها، ومنها المجامع الدولية في كل القارات. والمسلمون يعذبون ويضطهدون ويقتلون، وتستباح أرضهم، وتغتصب أموالهم وتسرق خيراتهم بالآلاف والملايين، ولا يرفع صوت بشكوى ولا ألم، لا بين القارات، ولا بين الشعوب، ولا في المجالس الأممية ولا في المحاكم الدولية. أيجوز إذا سكت هؤلاء راضين أو متواطئين، أن يسكت المسلمون وهم خير أمة أخرجت للناس ورسالتهم التي أرسلوا بها للناس، إنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله؟

стр. 4526

أيجوز إذا سكت هؤلاء راضين أو متواطئين، أن يسكت المسلمون وكتابهم يفرض الأخوة بينهم؟ ويقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ , والنبي الهادي صلوات الله وسلامه عليه يؤكد ذلك ويفسره فيقول: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه. والمسلمون يد على من سواهم". هذا والأديان الأخرى قد استوفت أغراضها ونسخت، ورسلها قد أدت رسالاتها وانتهت، لتترك لخاتمهم نبينا محمد ﷺ رسالة الكون والعالم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين وكتابه يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ , ويقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ . وسنته تقول: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون عليه، لا يضرهم من خذلهم، وهم على ذلك إلى يوم القيامة". ويطلب كتاب دعوة الداعية الإسلامي الأمين العام لرابطة العالم الإسلام محاضرة عن الأقليات الإسلامية وواجب المسلمين تجاههم للأقليات الإسلامية على إخوانهم المسلمين واجبات لا واجب واحد، لهم واجبات على المسلمين: حكومات وشعوباً، جماعات وأفراداً علماء وعامة، أغنياء وفقراء، كل حسب قدرته وكل حسب علمه، وكل حسب ماله وعمله. فواجب العلماء هو الحفاظ على الإسلام بين هؤلاء المسلمين الأسرى بين يدي الأكثرية غير المسلمة، أن يعلموهم دينهم عقائد ونظماً وأحكاماً ابتداء من ترجمته للغتهم، وإنتهاء بتعليمهم دينهم بلغة كتاب ربهم القرآن الكريم، وبلغة نبيهم وشريعته عليه أفضل الصلاة والتسليم، التي لا يتم معرفة الإسلام كتاباً وسنة وإجماعاً وفقهاً إلا بها.

стр. 4527

وعلى العلماء أن يرحلوا إلى هؤلاء الأقليات الإسلامية، فيخالطوهم في مجتمعاتهم وأوساطهم، ويشرفوا على مدارسهم ومساجدهم، ونواديهم وجمعياتهم، وصحافتهم الخاصة بهم، يسعوا للربط بينهم وبين إخوانهم المسلمين في دولهم وشعوبهم ليحسوا بهذه الأخوة الإسلامية روحاً ومادة، وليقوموا بحقوقها وواجباتها. وتكاد هذه الأقليات في أكثريتها الكاثرة في قارات الدنيا الخمس، لا تعرف عن دينها إلا أنها مسلمة بالوراثة أو بالرحلة، فلا تعرف صلاة ولاصياماً ولا زكاة ولاحجاً، فضلاً عن معرفة الإسلام: حلاله وحرامه وآدابه، فلا تعرف قرآناً ولا سنة ولا فقهاً، ولا تعرف علماً من علوم الإسلام، لا تاريخاً ولا سيرة ولا تراثاً. وقلة لا تكاد تذكر هي التي تعرف بعض ذلك، وفي بعض الأقليات المسلمة فقط، وهذه المعرفة على قلة أهلها بينهم، لا تروي غلة، ولا تشفي علة، ولا تخرج من جهل. وقديماً قال نبي الإسلام والعالم صلوات الله وسلامه عليه:"العلماء ورثة الأنبياء ". وما هذا الإرث الذي ورثوا النبوة فيه، إلا الدعوة إلى الله والدعوة لرسول الله ﷺ والدين الحق دين الإسلام، يدعون إليه بالحال والمقال رحلة ومقاماً، كتابة وخطابة، تعليماً وهداية، باللسان والقلم، وبالمدارسة والمحاضرة والمسامرة في الدار والمسجد والمدرسة، وإن لم يفعل العلماء هذا، فقد أخلوا بواجب الأمانة في الإرث النبوي وأوشكوا أن يشملهم وعيد الله في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ فأولئك أتوب عليهم وأنا﴾ .

стр. 4528

وواجب المفكرين من الكتاب والأدباء نحو إخوانهم المسلمين بين الأكثرية غير المسلمة، أن يفكروا لهم في المخرج من ظلمهم، واضطهادهم، وتذويبهم فيهم، وتغيير أسمائهم الإسلامية، والبعد بهم عن دينهم، أسرة ومجتمعاً، ومنعهم من تعليمه في مدارسهم، والرحلة لتعلمه في ديار المسلمين، وتردد هؤلاء المفكرين من الكتاب والأدباء على إخوانهم الأقليات المسلمة في بلادهم، للتعرف بهم، والتعرف على آلامهم وآمالهم، والسعي للوصول إليها وزوال ما يتألمون منه، بين الشعوب الإسلامية ودولهم، كل في محيطه، وعلى ما يستطيعه وتصل إليه يده. وواجب رجال الإعلام نحو إخوانهم بين غير المسلمين، أن يتبعوا أخبارهم منهم، وفي بلادهم، ومن أجهزة إعلامهم صحافة وإذاعة وتلفزة، وندوات ومجتمعات، ونشرات وكتباً، فينشروا ذلك بدورهم: السّار منهم ليسرّ به إخوانهم المسلمون، والضارّ منه ليهتم به المسلمون، ويبذلون الجهد لزواله والمواساة فيه بالنفس والدرهم والكلمة الطيبة. وقد قال رسول الله ﷺ :"من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ". يجب على المسلمين من أعلام الكلمة: صحفيين وكتاباً ومذيعين وخطباء، وناشرين ومؤلفين وأدباء وشعراء أن يهتموا جميعاً بأحوال هؤلاء الأقليات من إخوانهم المسلمين، فيعلنوا حالهم ووضعهم بين الأكثرية غير المسلمة في بلادهم، بعد تتبعها ومعرفة ظاهرها وخفيها، سارها وضارها، خاصها وعامها، وينشروه في صحفهم ومجلاتهم، ويكتبوه في رسائلهم ونشراتهم، ويخطبوا به على المنابر وبين جميع الناس، ويجعلوه ضمن مطبوعاتهم ومؤلفاتهم، ويصدر عنه الأدباء قصصاً وروايات، وينظمه الشعراء قصائد ومعلقات، ليكونوا بذلك كما يأمرهم نبيهم ﵊:"يداً على من سواهم ". يداً للأخ المسلم المظلوم، ويداَ على ظالمه والمعتدي عليه.

стр. 4529

وواجب الدول الإسلامية: ملوكاً ورؤساء وحكومات، أن يبعثوا إليهم الوفود دون انقطاع، ليعلموا حالهم ويعرفوا شكواهم وممن يشكون؟ وما الذي يريدون؟ إن كانوا يريدون مدارس ومساجد أشادوها لهم وقاموا عليها وإن كانوا يريدون معلمين وكتباً وهداة أعطوهم من ذلك ما يكفيهم، وإن كانوا يريدون بعثات من طلابهم للخارج، أنفقوا عليهم وحققوا لهم رغباتهم، كما فعل ويفعل الملك الإمام الداعية فيصل أيده الله وخذل شانئيه. ويجب على الدول الإسلامية: ملوكاً ورؤساء وحكومات، أن يرفعوا عن إخوانهم المسلمين ظلم مواطنيهم الأكثرية، بما يملكون لرفع ذلك الظلم، بجاههم في المؤتمرات الإقليمية وفي المحافل الدولية، وأن يزيلوا عنهم العنت برجالهم وأموالهم. وأقترح على الحكومات الإسلامية أن يخصصوا وزيراً من أعضاء وزاراتهم، لشؤون الأقليات الإسلامية في كل ما لهم وعليهم، ويحمل هذا الوزير لقب: وزير الأقليات الإسلامية, أقترح على جميع الحكومات الإسلامية أن تفعل ذلك. وأقترح على الحكومات الإسلامية أن يكون سفيرها في الدول غير المسلمة ذات الأقليات المسلمة، من المتخصصين في الشؤون الإسلامية والدارسين للإسلام جيداً، وأن يكون جميع أعضاء سفارته أو قنصليته من الملتزمين للإسلام: واجبات وآدابا، لأن السفارة الإسلامية في البلاد غير الإسلامية بين الأقلية المسلمة تكون مرجعاً للمسلمين فيها للسؤال عن دينهم وتكون موضعاً للإقتداء بها والأسوة في سلوكهم وأخلاقهم. ويجب على المؤتمرات الإسلامية الدولية، أن تنتخب من بين الأقليات المسلمة من يمثلها لديها، ويجب أن يكونوا من مسلميهم الواعين الصادقين والدعاة بينهم، وأن تكون عضويتهم في هذه المؤتمرات عضوية كاملة رأياً ومشورة وصوتاً.

стр. 4530

وكذلك يجب على المؤتمرات الإسلامية الشعبية، أن تفعل، فتنتخب من بين الأقليات الإسلامية من يمثلها بينها، وعياً وصدقاً ودعوة، كما صنعت وتصنع رابطة العالم الإسلامي، وفق الله الموجهين لها والقائمين عليها. وبذلك يتم التآخي بين جميع مسلمي الدنيا: أكثريات وأقليات، وبذلك يتم التناصر والتآزر في مؤتمراتهم الدولية وفي مؤتمراتهم الشعبية، بحيث لا يبقى في المسلمين من هو مهمل من إخوانه المسلمين أو من هو في عزلة عنهم، "فالمسلمون يد على من سواهم، ويقوم بذمتهم أدناهم, والمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً "كما يأمر رسول اله صلوات الله وسلامه عليه. إنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون. والحمد لله رب العالمين. . .

стр. 4531

مع الأخ أحمد جمال العتاب قبل الجواب بقلم فضيلة الشيخ عطية محمد سالم القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة منذ توفي والدنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه وطلاب العلم يتبادلون التعازي في فقيد العلم وراحل العلماء. ولا يزالون في كل مناسبة وعند كل بحث علمي يتذكرونه ويتذاكرون حديثه ويعرضون أقواله, فهم لا يزالون يعيشون في ظل تراثه العلمي, وما خلفه من نفائس التأليف. غير أن الأخ الأستاذ أحمد جمال توجه إلى ما كانت تنشره مجلة الجامعة الإسلامية في حياة الشيخ رحمة الله تعالى عليه من كتابه (دفع إيهام الاضطراب) وأداه توجهه إلى وجهات نظر عنده بعث بها إلى مجلة الجامعة لنشرها فأحيلت إلى المسئولين ليروا رأيهم في صلاحية نشرها. وقبل جوابهم عليها بعث بها إلى مجلة التضامن الإسلامي فنشرتها حالاً على ما هي عليه طبعاً. وكان هذا العمل من الوجهة الصحافية قد يعتبر من حرية الصحافة وإن اتسم بالعجلة وعدم التريث. ولكن من الناحية العلمية والموضوعية قد لفت أنظار طلاب العلم وخاصة أبناء الشيخ وتلامذته فكتب الأخ أحمد الأحمد بياناً لنواح علمية ونشر في جريدة المدينة. فلم يرق للأخ أحمد جمال ما نشر فكتب في جريدة عكاظ تعقيباً على الرد وجاء بما لا ينبغي لمثله أن يأتي به. فكتب الأخ أحمد الأحمد ليرد عن نفسه فلم تفسح له ولا جريدة مجالاً آنذاك للنشر ولغرض ما كان ذلك. فكتبت للأخ أحمد جمال عتاباً قبل الجواب ولكنه لم ينشر ولأمرٍ ما أيضاً فتركت وشغلت ولربما كان الترك نوعاً من الرد.

стр. 4532

غير أن الأخ أحمد جمال لم يترك, بل ولم يكتف بالصحف المحلية ولا بجرائد المملكة, فراح إلى خارجها فعبر الصحراء وقطع الربع الخالي حتى وصل إلى الشقيقة الكويت فنشر في الزميلة مجلة الوعي الإسلامي, وبنفس الموضوع حول دفع إيهام الاضطراب مع تغييره في العنوان فقط, ولست أدري ما الحامل على ذلك أهو الحرص على نشر العلم والمعرفة؟ فإن الموضوع لم يتغير والصحف والمجلات تغطي المنطقة. أم هو تجاهل مكانة الصحافة؟ وكانت في وقت ما تسمى (صاحبة الجلالة) لحريتها واحترام كلمتها, أم هو إستجهال القراء بتغيير العنوان فقط؟ أم هي أشياء أخرى تعتمل في نفسية الكاتب ولم يستطع الإفصاح عنها ولم يستطع أيضاً الإفلات من جاذبيتها ولا الخروج عن نطاقها فراح يكتب هنا وهناك؟. ومرة أخرى: فقد نقرأ حتى لطالب ثانوي في موضوع يناسب مرحلته الدراسية فنكبره ونقدر كتابته ونقرأ لأستاذ توجيهاً فنستمع إليه ونستفيد منه. ولكن أن نقرأ لكاتب نقاشاً علمياً مع كبار العلماء ولم يقدم ولا دليلاً علمياً على ما يأتي به فهذا مالا يستسيغه قارئ ولا يقدم عليه كاتب مخافة من خطيئة وتجنباً لزلة. وهذا ما كنت أظنه بالأخ أحمد جمال ولكنه سارع فماذا كانت النتيجة وماذا بعد الخطأ في العقدية إذ يقول في كلام الشيخ رحمة الله تعالى عليه عن أخذ الكتب يوم القيامة باليمين وبالشمال ومن وراء الظهر, إنه لا كتب ولا يمين ولا شمال ولا وراء ظهر, إنه ضري مثال عن اليمن والتشاؤم, أبمثل هذا القول وبمثل هذه الجرأة على الله وعلى كتابه يرد ويناقش كبار العلماء.

стр. 4533

ولو تساءلنا مع الأخ أحمد جمال بأي نوع من أنواع الدلالات أخذت هذا المعنى؟ إن القرآن ليدل في هذا المعنى بدلالة التطابق على وجود الكتب وعلى أخذ الناس كتبهم بأيديهم فالمؤمن يأخذ كتابه بيمينه والكافر يأخذه بشماله أو من وراء ظهره، والقرآن يدل بدلالة الالتزام على وجوب الإيمان بذلك بدون تأويل ولا تعطيل, ويدل بدلالة الإيماء والتنبيه أن من رد ذلك فهو من جهله وفساد عقيدته وهذا ما أربأ به عنه. وقد يكون قد رآه في بعض كتب التفاسير مما لا يفرق بين رأي المعتزلة وغيرهم ولم يحاول الأخ أحمد جمال أن يقف عنده ويرد أو يناقشه بمدلول منطوق القرآن. وحيث أن الأخ أحمد جمال لم يكف عن الكتابة ولا يزال يبعث بمقاله هنا وهناك على ما فيه من أخطاء علمية وتهجمات أدبية على سلطان العلماء العز بن عبد السلام ووالدنا الشيخ محمد الأمين فقد استوجب زيادة العتاب عليه ولزم الكتابة إليه فعدت إلى الموضوع وفي مجلة الجامعة. وبعد هذا فليكتب الأستاذ ما شاء وليبعث به إلى حيث أراد فإن جاء بجديد فعسى أن يفيد وإن كان تكرارا لما قال ويقول فإن الباطل لا يروج أكثر من مرة والخطأ لا يصححه التكرار. فأقول وبالله التوفيق: بسم الله أبدأ وبه أستعين والحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على أشرف الخلق أجمعين وخاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد. . . فإلى الأستاذ أحمد محمد جمال حفظه الله.

стр. 4534

سلام الله تعالى عليك ورحمته وبركاته كنت منذ عدة أشهر سمعت أنك كتبت مقالاً حول (دفع إيهام الاضطراب) لوالدنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ وقد قرأته على شكل مقالات في مجلة الجامعة الإسلامية وكان مقالك عبارة عن ملاحظات على الكتاب وبعثت به إلى سماحة رئيس الجامعة لاستطلاع رأيه ونشره في المجلة وسمعت أن سماحته أحاله على جهة مختصة فلاحظت عليه ما يمنع نشره وأعادته لسماحته مع ملاحظاتها عليه. ثم فوجئت بنشر المقال في مجلة (التضامن) وبدون ملاحظة ولا تعليق عليه وإن كان هذا حقا من حقوق كلتا المجلتين من قبول ورفض فقد عجبت لنشره أكثر من كتابته وبما أن الحقيقة العلمية هي بغية كل محق وهدف كل باحث وغاية كل منصف تصفحت المجلة وطالعت المقال فبدت لي ملاحظات من عدة جهات حتى في العقيدة من حيث النفي والإثبات لحقائق القرآن وصريح النصوص ودلالة المطابقة في بعض ما تناوله مقالكم ورغبة في بيان الحقائق وواجب النصح أحببت إخبارك بها ولكن قبل إبدائها والتحدث فيها لي معك عتاب أخوي قبل البحث العلمي يتلخص في الآتي: أولاً: بنيت مقالك على أن الشيخ ﵀ توهم اضطراباً في آيات كتاب الله ثم راح يدفعه والحال في نظرك أنه لا إيهام ولا اضطراب والواقع أن هذا وهم منكم سبق إليكم في حق الشيخ وسأحاول دفعه عنكم إن شاء الله في بيان حقيقة الكتاب وسبب تأليفه وعتابي عليك هنا: أنك كتبت المقال وأبديت الملاحظات على كتاب لم تطلع على مقدمته وهذا ما ساقك إلى توهمك في الشيخ ما لم يكن فيه، وملاحظاتك على كتاب ما ليس فيه ومعلوم أن مقدمة كل كتاب هي توجيه لما فيه وهي موجز موضوعه ومرآة محتوياته. فمثلك يعاتب على ملاحظاته على كتاب لم يقرأ مقدمته أو قرأها ثم أغفلها. .

стр. 4535

ولو كنت قرأتها قبل ذلك لعرفت هدف الشيخ ﵀ ولكانت استفادتك من الكتاب أكثر ولقدمت للشيخ وافر الشكر وسألت الله له الرحمة والرضوان ولعل مما يكشف عن حقيقة هذا الكتاب ويدفع ما توهمته في الشيخ وقوفك على سبب تأليفه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن معرفة أسباب النزول تعين على فهم الآيات", فكذلك هنا معرفة سبب التأليف تعين على فهم موضوع الكتاب، والغرض من تأليفه، ومعلوم لديكم ما يقوله الأدباء والكتاب والنقاد: إن معرفة ظروف وملابسات إنشاء القصيد وكتابة المقال تحدد نقاط النقد وتضع الميزان الصحيح للناقد الموجه بناء على أن لكل مقام مقال. وحقيقة هذا الكتاب وسبب تأليفه يخصني في الدرجة الأولى وأستطيع أن أقول: إنما وضع بسببي إن لم يكن من أجلي وذلك حينما كنت أقرأ على الشيخ ﵀ تفسير سورة البقرة وكان ﵀ مخصصاً لي حصة يومياً ما بين المغرب والعشاء. . ومكثت فيها لمدة سنتين في تلك الحصة وكان ﵀ يأتي بما فتح الله عليه من دقائق التفسير ولطائفه. . على أن تفسير هذه السورة يعتبر أساساً لتفسير القرآن كله. فكان ﵀ يمعن في بيان شتى علوم القرآن من بلاغة ولغة وأصول وأحكام وغير ذلك وخاصة بيان أوجه الجمع بين بعض الآيات التي ظاهرها التعارض، وبيان أقوال السلف في ذلك ابتداء من قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ مع قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾ , ومثل قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ , مع قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ , ومثل ذلك كثير مما هو مسطور في الكتاب. فسألته: وهل يوجد تأليف يوقف طالب العلم على هذه الأوجه للجمع بين تلك الآيات؟ فأجاب: أنه لم يطلع على مثله.

стр. 4536

ورغبته في وضع رسالة في ذلك خدمة لكتاب الله وتسهيلا لطلاب العلم، لأنها توهم كما يوجد في الأحاديث ما يوهم ويحتاج إلى بيان أوجه الجمع. فشرع ﵀ في تأليفه في أوجز وقت وذلك في عطلة المذاكرة قبل الاختبار حوالي العشرين يوماً وأعطانيه أبيضه للطبع فكانت لي دراسة خاصة لجميع نقاطه وكنت أعرف الناس بموضوعه وقد أشار ﵀ في مقدمته بأوضح عبارة حيث قال ما نصه: "أما بعد فإن مقيد هذه الحروف عفا الله عنه أراد أن يبين في هذه الرسالة ما تيسر من أوجه الجمع بين الآيات التي يظن بها التعارض في القرآن العظيم". فترى أنه عفا الله عنه ورحمه أراد بيان أوجه الجمع ودفع الظن عن كتاب الله. فكان ﵀ عالماً ولم يك متوهماً وحاشاه ﵀ من مثل ذلك مع ما أعطاه الله من فهم في كتاب الله. ولعل بهذا الإجمال يكون قد ذهب عنك ما توهمته أنت في الشيخ ﵀، والتقيت مع الشيخ في موضوع الكتاب وأنه أراد تصحيح مفاهيم من يظنون توهماً في كتاب الله ومن هنا يكون منطلق عتابي معك ثم إن موضوع (إيهام الاضطراب) الذي ينفيه سيادتكم ليس جديداً ولا حادثاً. وقد سئل عثمان ﵁ عن الاستمتاع بالأختين بملك اليمين فقال:"أحلتهما آية وحرمتهما آية يعني ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مع ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وقد ذكر البخاري ﵀ أن رجلاً أتى ابن عباس وسأله عن آيتي البقرة والنازعات في خلق السماوات والأرض فقال له ابن عباس: أشك في كتاب الله؟ فقال لا: بل أسأل.

стр. 4537

فبين له ابن عباس وجه الجمع بينهما. فهذا في زمن ابن عباس توهم اختلافاً واضطراباً في كتاب الله وكشف له ابن عباس عن المعنى وبيّن له وجه الجمع فلا غرابة إذاً أن يتوهم إنسان اليوم وأن يدفع أحد العلماء هذا التوهم وهكذا فعل الشيخ ﵀ في هذا الكتاب فلم يوجد اضطراب فعلاً في كتاب الله كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ولكن يوجد إيهام عند من ليسو بعلماء به كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فخص التفصيل بقوم يعلمون ومفهومه أنه غير مفصل عند غير العالمين وليس غريبا منهم أن يتوهموا والعلماء هم الذين يبينون. ثانيا- بين الترك والاستعجال:

стр. 4538

وهو أن الكتاب قد طبع منذ عشرين عاماً والمقالات نشرت منذ خمس سنوات ولم تظهر ملاحظاتك إلا بعد وفاة الشيخ ﵀ وقد عاتبك الأخ أحمد الأحمد على تركك إبدائها طيلة هذه المدة فاستثارك عتابه واعتذرت بأنك لم تطلع عليه في حين طبعه وهذا يمكن قبوله منطقياً بالنسبة لطبع الكتاب ولكن لا يقبل بالنسبة لنشر المقالات في مجلة الجامعة وقراءتك له فيها وقد اعتذرت أيضاً عن اطلاعك على المقالات بأنك كتبت ملاحظاتك قبل وفاة الشيخ ولكن يا أستاذ أحمد: أعلم يقيناً أنك لم ترسلها إلى مجلة الجامعة إلا بعد وفاته بأشهر وهنا عتابي عليك كعتابي على سلف لك من قبل. لِمَ لَمْ تقدمها للشيخ شخصيا في بعض لقاءاتك إياه في الرابطة؟ أو ترسلها إليه خاصة؟ فكنت تلقيت منه الجواب وكان في ذلك فائدة عظيمة وكفيت المؤونة في ذلك كله وسلمت مما قيل عنك وقلته أنت عن غيرك وسلمت أفكار الناس من هذا الاضطراب. علماً بأنك قلت إنها كانت مكتوبة في حياة الشيخ فماذا كان المانع إذا؟ هذا من ناحية الترك والتأخير. أما من ناحية الاستعجال فما هو موجب التسرع في النشر في مجلة أخرى بعد امتناع الأولى عن النشر؟ أليس كان من الأولى التريث؟ حتى تعلم ما هو المانع من النشر وكان يجمل الاستفسار عن ذلك فلربما قدموا لك ما فيه مقنع أو على الأقل عرفت وجهة نظر غيرك قبل إبداء ما عندك ولن تعدم فائدة في ذلك. فأين اصطبارك مدة حياة الشيخ من استعجالك إثر وفاته؟ وأرجو ألا يثيرك هذا التساؤل كما أثارك مثله من قبل.

стр. 4539

ثالثاً: قد تقول: إن كل شيء مرهون يوقته وقد كنت مشغولاً بمهام عملك وكان مقالك يحتاج إلى تنقيح وتصفية أو تبييض وتهيئة وقد فرغت من ذلك كله وقدمته وبعد وفاة الشيخ وأنا معك على هذا كله لأنه منطق مقبول وقد تتحكم الظروف خاصة مع مثلك لكثرة أشغاله وتعدد التزاماته ولم يكن هناك توقيت لوفاة الشيخ ﵀ وحرصاً منك على الفائدة للقراء قدمت ملاحظاتك أو نشرت مقالك وذلك قطعاً بعد وفاة الشيخ وأنت قطعاً تعلم بها ويدفن في مكة وقد نشرت مجلة الجامعة محاضرة كاملة في نعيه وترجمته ونشرت قبل مقالك وهنا عتابي عليك هو أن مقالك كله وأنت الكاتب الأديب جاء خلواً نهائياً من أية عبارة تنم عن أسىً وأسف أو تعزية لموت الشيخ ﵀ وقد أسف وتوجع من هو أقل صلة به منك علماً بأن موته لم يكن رزءاً في شخصه ولا على أبنائه فحسب بل كان على العلم والعلماء وقد علمت قوله ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من صدور الرجال ولكن بموت العلماء"، فكان من حقه عليك أن يتضمن مقالك ما يشعر القارئ بأحاسيسك نحوه وقد قال القاضي عياض عن بعض مشايخه: "ما لكم تأخذون العلم عنا وتذكروننا فلا تترحمون علينا", وقد نوهت في مقدمة المقال مدى استفادتك من تأليفه ﵀ وقد يكون تداركاً منك لذلك في كلماتك التي أوردتها في ردك على الأخ أحمد الأحمد وترحمك عليه ثم أعقبتها بقولك أقول ذلك طائعاً مختاراً ولكنها جاءت بعد عتاب ولو سبقته لكانت كافية وافية وقد أذكرتني بذلك لوعة الأسى فيه وشدة الحرمان من بعده مما يدفعني نيابة عنك أن أجدد التعازي لكل طالب علم والمجلس الأغر في المسجد النبوي في الشهر المبارك (شهر رمضان) من كل عام والذي كان بحق روضة من رياض الجنة يسعد فيه الصوام بتفسير القرآن وترتع فيه ملائكة الرحمن وقد خلا فيه هذا العام فعظم علينا في المدينة فقده وحرمنا درسه فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 4540

رابعاً - في النقد الشخصي والنقد الموضوعي: من المعلوم لسيادتكم ولكل كاتب وناقد أن النقد الهادف هو النقد الموضوعي وأن النقد الشخصي إنما هو من قبيل الهجاء. والعتاب هنا أنك أدخلت النقد الشخصي في النقد الموضوعي فبدأت باتهام الشيخ بأنه توهم اضطراباً في كتاب الله ثم حكمت عليه بأنه أسرف في ادعاء النسخ ثم كنت مع الأخ أحمد الأحمد في مطلع كلامك افتتحته بهراء ونداء وطعن شخصي وتعريض بإيراد آيات من كتاب الله تمتدح نفسك وتنتقص غيرك فجئت بما عبت وهذا وإن كان يقع فيه الكثيرون وللأسف فإنه لا يليق بمثلك لأنك كما قلت كما قلت طالب علم متأدب بآداب القرآن ثم جئت في نهاية مقالك بالسلام على من اتبع الهدى. فلمن توجه هذه التحية وترسلها من جوار البيت الحرام وأنت تخاطب زميلاً لك مسلماً يدرس في معهد المسجد الحرام وقراء مسلمين. إن هذا كله أمر شخصي لا صلة له بالموضوع ولذا فإني لا ولن أقصد إلى أية جانب من الجوانب الشخصية وهو مبدأي دائماً لا مع سيادتك فحسب ولكن مع كل إنسان وقد أصلته أثناء تدريس الفقه المقارن بالجامعة وضمنته مقدمة رسالة (زكاة الحلي) لأن الغرض معرفة الحق من غير تعرض ولا تأثر بقائله كما قال النووي في مقدمة (المجموع) قال:"إني لأعرض المسائل الخلافية وأبيّن الحق والراجح فيها وأبين الخطأ وأبالغ في تزييفه وإن كان قائله كبيراً عندنا لئلا يغتر أحد بنسبة القول إليه مع إقامة الدليل عليه والعتاب هنا هو إدعاؤك على الشيخ الإسرف في النسخ بدون دليل عليه وأنت تعلم أن النسخ من بين علوم القرآن الذي لا يقال فيه بالرأي لأنه متوقف على معرفة التاريخ لمعرفة المتقدم من المتأخر وهذا لا يكون إلا عن طريق الرواية والإثبات بالسند. فكل من ادعى نسخاً بدون دليل فادعاؤه مردود عليه وكل من نفى نسخاً ثابتاً بالدليل فنفيه باطل ولكي تقف على حقيقة موقف الشيخ من النسخ أذكر لك ما لم تطلع عليه من رسالة في النسخ وهي مخطوطة لدي

стр. 4541

وستنشر إن شاء الله مع تتمة (أضواء البيان) وهي شرح لأبيات السيوطي ﵀ التي ذكرها في الإتقان وقد عاب السيوطي على من يسرف في ادعاء النسخ وذكر المتفق على أنه منسوخ بصفة إجمالية وشرحها الشيخ وبيّن المراد منها وموقفه من الموضوع وأنه بعيد كل البعد عن دعوة الإسراف في النسخ ولعل بهذا تلتقي مع الشيخ في أمر النسخ إلا فيما ذكرته ولم تعقب عليه من القول بعدم النسخ نهائياً وسكوتك عنه يوهم رضاك به ومعلوم أن القول بعدم النسخ هو قول اليهود لعدم البداءة على الله وهو مذهب باطل كما لا يخفى. خامساً: أبديت جميع ملاحظاتك وأوردت جميع تعقيباتك دونما نص يعتمد عليه وبنيتها كلها على قولك (قلت) بينما من تلاحظ عليه لم يورد مسألة إلا ومعها دليلها والنص الذي بناها عليه. والعتاب عليك أنك تفتح باباً (لقلت) وهو باب (رأيت) الذي عابه سلف الأمة وسموا أصحابه بأصحاب الرأي وقال الشافعي ﵀ في رسالة (جماع العلم) ما معناه:"ليس لنا أن نقول بشيء في هذا الدين إلا بدليل وإلا لكان كلامنا مثل كلام من نعيب عليهم وكان لكل شخص أن يقول برأيه ما شاء وليس لقولنا فضل على قوله: "إلا بما نورده من دليل"والواقع أن هذا الباب هو أخطر أبواب القول في الدين وخاصة في كتاب الله وقد أجمعوا على تحريمه نهائياً في كتاب الله تعالى ولم يدخل الشك على الشباب إلا من هذا الباب وأنت ممن يعمل على سد هذا وصيانة الفكر الإسلامي من الحيرة والشك.

стр. 4542

سادساً: بعد إبداء ملاحظاتك وبعد الرد عليها ماذا تكون النتائج؟ وما هو موقف القراء بعد ذلك؟ أيعيدون النظر أم لا يبالون بما قلت؟ على كل فإن العالم الإسلامي لم يعد يحتمل تشكيكاً في علمائه ولا إهمالاً لكتابه وهو في أمس الحاجة لتقوية أواصر روابطه بالعلماء والأدباء في نطاق الدعوة والإرشاد والتوجيه والتضامن والترابط ليصل بهم علماؤهم إلى ما يرضي ربهم وأداء واجبهم في حياتهم ويأخذوا عن أدبائهم محاسن أخلاقهم ومن هنا لم أكُ لآخذ النقاش العلمي على صفحات الجرائد بالقيل والقال فقد يقع المقال في يد القارئ ولا يقع الجواب في يده إما لفواته عليه أو لعدم نشره إليه أو غير ذلك فيقع الشك ولا يأتي ما يزيله وقد كان الشيخ ﵀ يأبى أشد الإباء مناقشة أي موضوع علمي على الجريدة بل يترفع بالعلم أن ينشر في الجرائد وقد امتنع فعلاً عن الرد على من تكلم عن الكتاب في حين طبعه وتولى الرد أحد طلابه هو أحمد الأحمد نفسه ولو كان ﵀ موجوداً الآن لما سمح بالرد ولا بالمناقشة على هذا النحو ولذا فإني أقول كلمة أخيرة وهي خطوة أولى: إن كل ما قدمته هو عتاب أخوي وليس بحثاً علمياً ولا رداً ولا مناقشة إنما البحث العلمي والمناقشة تكون مني مع سيادتكم على أحد تلك الأمور: ١- إما أن نلتقي شخصيا نتعاون معاً على طلب الحقيقة العلمية يهديها كل منا لأخيه.

стр. 4543

٢- وإما أن تختار من شئت من أصحاب الفضيلة العلماء وهم لله الحمد قريب مني ومنك يشهدون بحثنا ويعاوننا على تحقيق غايتنا والحكمة ضالة المؤمن والحق أحق أن يتبع وقد قال مالك ﵁:"كل كلام فيه مقبول ومردود إلا كلام صاحب هذا القبر ﷺ "، وليكن محضر من شئت من العلماء لبيان ما يقبل وما يرد من القول عملاً بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ , والعلماء هم ورثة الأنبياء وليس هناك تعصب ولكن إنصاف ليس هنا ادعاء ولكن مطالبة بالحق وإذا كان الرأي والقول موافقاً للصواب فهو ملزم بالقبول مهما كان قائله ومهما كانت منزلته كما قيل في ذلك: حكم الصواب إذا أتى من ناقص لا تحقرن الرأي وهو موافق ما حط قيمته هوان الغائص فالدر وهو أعز شيء يقتن وقديماً قبل أبو هريرة ﵁ الحكمة من الشيطان وأقره عليها رسول الله ﷺ . وختاماً: نظراً لضيق الوقت عندي وعدم استعدادي للمقاولات والتلاقي على صفحات الجرائد فأقول: أرجو أن تتقبل كلماتي بروح أخوية وتفسرها تفسيراً أدبياً لا يخرجها عن نطاق العتاب ولا تحملها أي معنى آخر فإنني أقرر مقدماً ونهائياً أني لم أضمن كلامي ولا أقصد به سوى ما تنطبق عليه حرفياً وإذا كان فيها مالا يرضيك فمعذرتي إليك لأني لا أرضى من نفسي ما لا أرضاه لها من غيري وتقبل فائق تحياتي وتحية الله لمؤمنين ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ..

стр. 4544

الفداء بقلم: فضيلة الشيخ عبد الله أحمد قادري مدير الإشراف الاجتماعي بالجامعة سراعاً إليك إله السماء. سنفدي عقيدتنا بالدماء. فناد يلب الجميع النداء. ونحن عبيدك أهل الولاء. وثبت قلوب حُداة الفداء. وزلزل قلوب الطغاة العصاة. وخوفك وحدك فيه النجاء. فليس سواك يهاب الهداه. تزيل من الأرض هذا الشقاء. فإما حياة الكرام الأباه. تنال البرية فيه الرخاء. وترسي دعائم حكم الإله. وفيها الخلود وفيها البقاء. وإما الشهادة ثم الجنان. ضعاف النفوس عبيد الإماء. وبئست حياةُ هُواة الهوان. وهل من حياة بدون فداء. سنفدي عقيدتنا بالحياة .

стр. 4545

من أضاليل القاديانية بقلم الشيخ عبد الغفار حسن المدرس بكلية الشريعة في الجامعة ورد خطاب من بعض مسلمي سيام (تايلند) إلى طالب سيامي يدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة يذكرون فيه جهود القاديانيين في نشر أغاليطهم وأكاذيبهم في تلك البلاد. هؤلاء المبشرون من القاديانيين يخدعون مسلمي سيام متظاهرين بالإخلاص للإسلام وينشرون عقائدهم الكاذبة والأحاديث الواهية المكذوبة على النبي ﷺ يريدون بذلك إثبات نبوة المتنبي القادياني الميرزا غلام أحمد القادياني، ونحن نذكر هنا نماذج من جدلهم وخداعهم مع نقدها والرد عليها، ليكون المسلمون على حذر من هذه الترهات والأباطيل. من الجدير بالذكر أن المجادل القادياني الذي يسمي نفسه (الأحمدي) يزعم أن الروايات والآثار التي يعتمد عليها في إثبات بقاء النبوة بعد محمد ﷺ قد ذكرت في تفسير الدر المنثور للحافظ السيوطي ت (٩١١ هـ) وتكملة مجمع البحار لمحمد طاهر الهندي الفتني ت (٩٨٦ هـ) وقد بحثنا عنها في مظانها في هذين المرجعين فلم نجد أغلب الروايات والآثار فيهما، بل وجدنا فيهما ما يخالف هواه ويبطل دعواه. نماذج الأغاليط: ١- "أنا خاتم الأنبياء وأنت علي خاتم الأولياء ". أخرجه الخطيب البغدادي ت (٣٦٣ هـ) في تاريخه [١] من طريق عمر بن واصل وقال: "هذا من عمل القصاص وضعه عمر بن واصل أو وضع عليه"، وقال الذهبي ت (٧٤٨ هـ) : "عمر بن واصل الصوفي شيخ روى عن سهل بن عبد الله اتهمه الخطيب بالوضع" [٢] .

стр. 4546

ومن المكايد الغربية أن هذا المجادل القادياني يدعي أن هذه الروايات ذكرها الفتني في تكملة مجمع البحار ولكن بعد البحث عن ذلك علمنا أن هذه الرواية لم تذكر في هذا المرجع بل ذكر في باب آخر ما يخالف زعمه ويكذب ما تفوه به، قال مؤلف مجمع البحار (مجمع بحار الأنوار) لفظ خاتم الأولياء باطل لا أصل له، فإن خاتم الأولياء آخر مؤمن بقي من الناس وليس هو خير الأولياء ولا أفضلهم فإن خيرهم أبو بكر هم عمر ﵄ [٣] . ٢-"أبو بكر خير الناس إلا أن يكون نبي". أخرجه الطبراني ت (٣٦٠ هـ) وابن عدي ت (٣٦٥ هـ) قال المناوي ت (١٠٣١هـ) في فيض القدير شرح الجامع الصغير للسيوطي: "قوله إلا أن يكون نبي أي يوجد نبي فلا يكون خير الناس يعني هو أفضل الناس إلا نبي والمراد الجنس و (يكون) هنا تامة و (نبي) مرفوع بها، والاستثناء لإخراج عيسى ﵇" [٤] ثم قال مخرجه ابن عدي [٥] : "هذا الحديث أحد ما أنكر على عكرمة", وقال الهيثمي ت (٨٠٧هـ) بعد عزوه للطبراني: "فيه إسماعيل بن زياد الأيلي ضعيف". اهـ[٦] وفي الميزان "تفرد به إسماعيل هذا فإن لم يكن هو وضعه فالآفة ممن دونه"، خلاصة الكلام أن هذه الرواية في غاية الوهن حسب الإسناد بل يبلغ إلى درجة الموضوع كما صرح بذلك الذهبي. ٣- عن عائشة ﵂ قالت: "قولوا خاتم الأنبياء ولا تقولوا لا نبي بعده" [٧] .

стр. 4547

الجواب عن ذلك من وجوه (أ) الإمام السيوطي ذكر في تفسير الآية ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ عدة أحاديث صحيحة مرفوعة إلى النبي ﷺ تدل دلالة صريحة على انقطاع الرسالة والنبوة بعد نبينا ﷺ منها ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى داراً بناء فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين"، وبهذا المعنى أخرج أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ وأخرجه البخاري ومسلم عن جابر ﵁ وأخرج أحمد والترمذي وصححه عن أبي بن كعب ﵁، فهذه الأحاديث كلها متقاربة اللفظ متحدة المعنى بأسانيد صحيحة بل تبلغ إلى درجة التواتر كما لا يخفى على من درس دواوين السنة، ومنها ما أخرجه ابن مردويه عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي" ج٥ ص٣٩٦ الفتح الكبير ٢/٢٧٥، ومنها ما أخرجه أحمد عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون منهم وأربعة نسوة وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي" [٨] .

стр. 4548

ومن العجائب أن الداعية القادياني يمر بهذه الأحاديث الصحيحة التي لا مطعن فيها ولا غبار عليها ولكن لا يتمسك بها بل لا يلتفت إليها لأنها تخالف هواه وإذا مرّ بقول عائشة ﵂ عض عليه بالنواجذ كشأن من نزلت فيهم هذه الآية ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ البقرة آية ٨٥. هذه الروايات التي ذكرها السيوطي في تفسيره هي غيض من فيض وقطرة من بحر وإلا ففي دواوين السنة الصحيحة المعروفة لدى أهل العلم عدد كبير من الأحاديث التي هي أقوى إسناداً وأكثر شهرة مما ذكره السيوطي نذكر بعضاً منها لزيادة العلم وإقامة الحجة على من خالف ذلك. منها ما أخرجه البخاري وغيره من أصحاب الكتب الستة من حديث طويل وهو حديث الشفاعة وفيه: "فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء" [٩] وأما لفظة "لا نبي بعدي" فرواه البخاري مرفوعا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي". الحديث. ورواه البخاري بسنده قال إسماعيل قلت لابن أبي أوفى:"رأيت إبراهيم بن النبي ﷺ قال:" مات صغيراً ولو قضي أن يكون بعد محمد ﷺ نبي، عاش ابنه ولكن لا نبي بعده" [١٠] . وأما قوله ﷺ : "ثلاثون كذابا" [١١] ولفظه كما أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "ولا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريباً من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله".

стр. 4549

وأخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يبقى بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له" [١٢] , ولفظ رواية أبي هريرة عند البخاري "لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة" [١٣] . وفي رواية ابن عباس ﵄ قال ذلك في مرضه الذي مات فيه: "يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له" [١٤] . قد دل حديث عائشة ﵂ دلالة واضحة لا خفاء فيها على انقطاع النبوة بقضها وقضيضها (بجميع أنواعها) ويؤيده ما رواه أبو هريرة وعبد الله بن عباس ﵃ من الأحاديث المرفوعة الصحيحة التي أخرجها مالك والبخاري ومسلم، فلا بد من تقديم هذه الأحاديث على أثر عائشة ﵂ من وجوه (أ) - إذا وقع التعارض بين الحديث الصحيح المرفوع والأثر الموقوف فالواجب تقديم المرفوع على الموقوف، لأن المرفوع من كلام النبي ﷺ والموقوف من كلام الصحابي ولا شك أن قول النبي المعصوم ﷺ يقدم على قول الصحابي. (ب) - إن الراوي إذا خالف قوله ما روى من الحديث فالواجب تقديم روايته على قوله ورأيه كما تقرر ذلك في مصطلح الحديث وعلم الأصول [١٥] . (ج) - أثر عائشة ﵂ هذا ذكره السيوطي في تفسيره بدون سند ولكن قال أخرجه ابن أبي شيبة، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة لم يطبع منه حتى الآن إلا خمسة أجزاء لا يوجد فيها هذا الأثر ولكن علمنا بعد مراجعة المخطوطة التي هي في مكتبة الحرم المكي هذا الأثر بسنده، قال الإمام بن أبي شيبة في المصنف ص١٠٢/٢ من القسم الأول باب من كره أن يقول لا نبي بعد النبي ﷺ .

стр. 4550

حسين بن محمد قال حدثنا جرير بن حازم عن محمد يعني ابن سيرين عن عائشة قالت: "قولوا خاتم النبيين ولا تقولوا لا نبي بعده"، إسناد هذا الأثر منقطع لأن محمد بن سيرين لم يسمع من عائشة شيئاً قال الإمام ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "ابن سيرين لم يسمع من عائشة شيئا" [١٦] . وقال العلامة صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقي ت (٧٦١هـ) وقال البخاري: "لم يسمع ابن سيرين من عائشة ﵂ شيئا" [١٧] ونقل عنه الحافظ ابن حجر [١٨] . ومن البين أن الأثر الموقوف على الصحابي لا يقاوم الحديث المرفوع الصحيح، وكيف إذا كان ذلك الأثر منقطعاً، ولا شك أن المنقطع من أقسام الضعيف. ومن العجب العجاب أن أتباع الميرزا القادياني نقلوا هذا الأثر من الدر المنثور ولو يلتفتوا إلى قول المغيرة الذي ذكره السيوطي بعد أثر عائشة ﵂ كأنه تفسير لقولها قال ابن أبي شيبة ت (٢٣٥هـ) أبو أسامة عن مجالد قال أخبرنا عامر قال: قال رجل عند المغيرة بن شعبة ﵁: "صلى الله على خاتم الأنبياء لا نبي بعده"قال المغيرة: "حسبك إذا قلت خاتم الأنبياء، فإنا كنا نتحدث أن عيسى خارج فإن خرج كان قبله وبعده" [١٩] .

стр. 4551

فمعنى هذا الأثر أن من كره أن يقال لا نبي بعده إنما كره لأجل أنه قد ثبت بأحاديث صحيحة صريحة نزول عيسى بن مريم ﵉ قبل يوم القيامة كما ورد في الصحيح لمسلم فما يدُل عليه قول المغيرة من نزول عيسى ﵇ صحيح ثابت لا شك في ذلك وفيه رد على القاديانية الذين لا يؤمنون بنزوله ﵇ ولأجل ذلك لا يذكرون هذا الأثر في مؤلفاتهم، ومن الجدير بالذكر أن قول المغيرة ﵁ يشتمل على جزأين (أ) - (حسبك إذا قلت خاتم الأنبياء) ، (ب) - فإنا كنا نتحدث أن عيسى خارج الخ، أما الجزء الأول فلا يعبأ به لأنه قد تفرد به مجالد بن سعيد الهمداني وهو ضعيف لا يحتج به وقد تغيّر في آخر عمره ولا يعرف متى أخذ عنه هذا الأثر كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب [٢٠] : مجالد بن سعيد ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره"، وأما الجزء الثاني فمعناه صحيح كما يدل عليه أحاديث مسلم وغيره. (ج) -قد اعترف المتنبي القادياني بانقطاع النبوة بأسرها في تأليفه (عمامة البشرى) قائلاً: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . وفسره نبينا ﷺ في قوله:"لا نبي بعدي" وقال في (كتاب البرية) : كان الحديث لا نبي بعدي معروفاً منتشراً بين الناس إلى حد لا يمكن أن يشك في صحته أحد، وذكر في بعض مؤلفاته حديث النبي ﷺ أن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي (تحفة بغداد ص٧) . فمن أنعم النظر فيما ذكرناه من الأدلة والشواهد على انقطاع النبوة بجميع أنواعها لا يمكن له أن يستدل بقول عائشة رضي عنها المنقطع الضعيف وإلا مثله كمثل غريق يتشبث بالحشيش، والله الهادي إلى سواء السبيل. . (للبحث صلة) . --------------------------------------------------------------------------------

стр. 4552

[١] تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة لابن عراق الكناني ت (٩٦٣ هـ) ج١ ص٣٦٦ وتاريخ بغداد ج١٠ ص٣٥٨. [٢] ميزان الاعتدال ج٣ ص٢٣٠. [٣] مجمع البحار ج٣ ص٥١٨ فصل في الخاتمة. [٤] فيض القدير ج١ ص٩٠ وميزان الاعتدال للذهبي ج١ ص٢٣١. [٥] الكامل لابن عدي مخطوطة ج٣ ص١٨٦ ق٢. [٦] مجمع الزوائد ج٩ ص٤٤. [٧] تفسير الدر المنثور للسيوطي ج٥ ص٢٠٤. [٨] تفسير الدر المنثور للسيوطي ج٥ ص٢٠٤. [٩] ج٨ ص٣٩٦ مع شرحه فتح الباري المطبعة السلفية بمصر كتاب التفسير باب ذرية من حملنا مع نوح، كتاب المناقب ٦ ص٥٥٨ الصحيح لمسلم كتاب الإيمان والسنن لابي داود كتاب الفتن والجامع الترمذي أبواب القيامة والسنن الدارمي في مقدمته ومسند أحمد في مواضع منهاج١ ص٢٢٦، ج٢ ص٤٣٦، ج٤ ص١٢٧، ج٥ ص٢٧٨. [١٠] الجامع الصحيح للبخاري كتاب الأنبياء ٦ ص٤٩٥ وكتاب الأدب ج١٠ ص٥٧٧ مع فتح الباري المطبعة السلفية بمصر والصحيح لمسلم كتاب الإمارة وكتاب فصائل الصحابة، والسنن لأبي داود كتاب الفتن، والجامع الترمذي أبواب الفتن وأبواب المناقب، والسنن لابن ماجة في المقدمة وأبواب الجنائز وأبواب الفتن والمسند أحمد في عشرة مواطن منها ج٥ ص٢٨٧. [١١] الجامع الصحيح للبخاري كتاب المناقب ج٦ ص٦١٦ وباب علامات النبوة، كتاب الفتن ج١٣ ص٨١ والصحيح لمسلم كتاب الفتن والجامع للترمذي كتاب الفتن والمسند لأحمد في ثلاثة مواطن منها ج٢ ص٣٤٩ والسنن لأبي داود كتاب الملاحم. [١٢] مسند أحمد ج٦ ص١٢٩. [١٣] الجامع الصحيح للبخاري مع شرحه فتح الباري ١٢ ص٣٧٥. [١٤] الصحيح لمسلم ج٤ ص١٩٦ كتاب الصلاة باب النهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود. [١٥] المستصفى للغزالي ت (٥٠٥) هـ ج٢ ص١١٣ وقواعد التحديث للقاسمي ت (١٣٣٢) هـ نقلا عن إعلام الموقعين للحافظ ابن االقيم ت (٧٥١) هـ. [١٦] كتاب المراسيل ص١١٦.

стр. 4553

[١٧] جامع التحصيل في أحكام المراسيل ج٢ ص٦٣٥ (مخطوطة) . [١٨] تهذيب التهذيب ص٢١٦/٩. [١٩] الدر المنثور ج٥ ص٢٠٤. [٢٠] التقريب لابن حجر ج٢ ص٢٢٩.

стр. 4554

من المشكلات اللغوية في القرآن الكريم بقلم: فضيلة الشيخ عبد الجليل شلبي المدرس في كلية الشريعة بالجامعة في القرآن الكريم آيات كثيرة أشكل إعرابها على النحويين, وذهبوا فيها مذاهب شتى كل حسب وجهة نظره، وحسب المدرسة النحوية التي ينتمي إليها، كما أن به أيضاً تعبيرات بَدَتْ للوهلة الأولى خارجة عن قواعد البلاغيين، وذهب الشراح والمفسرون يلتمسون لها توجيها، وحارت فيها أفكارهم. وأعرض اثنين من هذه الآيات المشكلة، إحداهما نحوية والأخرى بلاغية. فمن التعبيرات النحوية التي أتعبت المفسرين والمعربين جميعاً قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ . إذا افتتحت الآية بالاسم الموصول (الذين) وهو لجماعة الذكور العقلاء, و (يتوفون) صلة الموصول، والرابط بها واو الجماعة، أما الخبر عن هذا المبتدأ فهو جملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ والفاعل فيها هو نون النسوة وبهذا لا نجد الخبر مطابقاً للمبتدأ. ومن هنا تفرقت كلمة المعربين واختلفت تخريجاتهم لهذا التركيب. قال شيخ المفسرين الطبري: "فإن قال قائل: أين الخبر عن الذين يتوفون؟ قيل متروك لأنه لم يقصد قصد الخبر عنهم، وإنما قصد الخبر عن الواجب على المعْتَدّات من العدة، في وفاة أزواجهم، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم من الأموات إلى الخبر عن أزواجهم والواجب عليهن من العدة، إذ كان معروفاً مفهوماً معنى ما أريد بالكلام، وهو نظير قول القائل في الكلام: بعض جبتك متخرقة في ترك الخبر عما ابتدئ الكلام به إلى الخبر عن بعض أسبابه، وكذلك الأزواج اللواتي عليهن التربص، لما كان إنما ألزمهن التربص بأسباب أزواجهن صرف الكلام عن خبر من ابتدأ بذكره إلى الخبر عمن قصدَ قصْدَ الخبر عنه".

стр. 4555

وهو يعني أن الأرامل ألزمن التربص ومنعن من الزواج بسبب أزواجهن المتوَفّيْن، فترك الحديث عن هؤلاء المتوفين وصرف إلى الزوجات اللاتي سيقت الآية لبيان ما يجب عليهن". وهو كلام جيد من ناحية معناه، ولكن بقيت المشكلة النحوية بدون حل. ويعود الطبري فيعرض حلاً آخر فيقول: "وقد زعم بعض أهل العربية أن خبر ﴿الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ متروك، وأن معنى الكلام. . . ينبغي لهن أن يتربصن بعد موتهم". وليس هذا أيضاً حلاً نحوياً، إنما هو بيان للمعنى المقصود، والمعنى واضح ولكن المشكلة مشكلة تركيب وقواعد نحوية، وليس منها أن يحذف كل هذه الكلمات. وقدر الزمخشري مضافاً محذوفاً في أول الجملة، واعتبر أصل التركيب: وأزواج الذين يتوفون. . يتربصن، وإذن فالنون في (يتربصن) تعود على المبتدأ المحذوف وهو (أزواج) . وعَرَض توجيهاً آخر، فقدر محذوفاً في آخر الجملة لا في أولها. وقال: التقدير يتربصن بعدهم، وهذا كما يقال: السمن منوان بدرهم، أي منه. وكلا التقديرين مقبول، فحذف المضاف مألوف، وحذف الظرف مألوف. ولعل أقرب [١] هذه التحليلات وأدناها إلى منطق النحو ما ذكره الزجاج في كتابه (معاني القرآن وإعرابه) من أن (أزواجاً) تحمل ضميراً يعود على المبتدأ، والتقدير: (ويذرون أزواجاً لهم) وإذن فالضمير في (يتربصن) لا يعود على (أزواجا) منفصلة عن الاسم الموصول. وإنما هي بمعنى (أزواجهم) ويذكر الزجاج نظيرا لهذا من الكلام، إذ يقال مثلاً: الذي يموت وله بنتان ترثان الثلثين، فكلمة (بنتان) تحمل ضميراً ومعنى من المبتدأ، والألف في (ترثان) هي بمعنى (بنتاه) وإن فالخبر ليس خالياً من الرابط. هذا الذي ذكره الزجاج قريب من اللغة، ولم يقدر فيه محذوفات بعيدة أو كثيرة كما فعل غيره.
следующие страницы →