Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
قال صاحب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية التي حشى بها فروق القرافي ص ٢١٦ ج١ طبع دار إحياء الكتب العربية:" اعلم أن النبات المعروف بالحشيشة لم يتكلم عليه الأئمة المجتهدون ولا غيرهم من علماء السلف لأنه لم يكن في زمنهم وإنما ظهر في أواخر المائة السادسة وانتشرت في دولة التتار قال العلقمي في شرح الجامع: "حكي أن رجلاً من العجم قدم القاهرة وطلب دليلاً على تحريم الحشيشة وعقد لذلك مجلساً حضره علماء العصر فاستدل الحافظ زين الدين العراقي بحديث أم سلمة:" نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر", فأعجب الحاضرين"، قال: "ونبه السيوطي على صحته واحتج به ابن حجر على حرمة المفتر ولو لم يكن شراباً ولا مسكراً ", ذكره في باب الخمر والعسل من شرح البخاري واحتج به القسطلاني في المواهب اللدنية على ذلك أيضاً وذكره السيوطي في جامعه ولولا صلاحيته للاحتجاج به ما احتج به هؤلاء وهم رجال الحديث وجهابذته.
وكون الحشيشة من المفتر مما أطبق عليه مستعملوها ممن يعتد بهم وبخبرهم يعتد في مثل هذا الأمر، والقاعدة عند المحدثين والأصوليين أنه إذا ورد النهي عن شيئين مقترنين ثم نص على حكم النهي عن أحدهما من حرمة أو غيرها أعطى الآخر ذلك الحكم بدليل اقترانهما في الذكر والنهي.
وفي الحديث المذكور ذكر المفتر مقروناً بالمسكر وتقرر عندنا تحريم المسكر بالكتاب والسنة والإجماع فيجب أن يعطى المفتر حكمه بقرينة النهي عنهما مقترنين وفسر غير واحد التفتير باسترخاء الأطراف وتخدرها وصيرورتها إلى وهن وانكسار وذلك من مبادئ النشوة معروف عند أهلها أفاده ابن حمدون. اهـ
стр. 4657
وذكر البستاني في دائرة المعارف ج٧ ص٦٧ و٦٩ و ٧٠ في مادة الحشيشة فأشار نقلاً عمّا في كتب النبات الطبية إلى أن جميع أجزاء هذا النبات تتصاعد منها رائحة كريهة نتنة زهمة فلذا عُدّ من السموم ثم قال:" فإذا مكث الشخص معرضاً لتصعداتها لم يلبث أن يحصل له صداع شديد ودوار وجميع أعراض السكر وتكون هذه الأحوال أشد ظهوراً كلّما كان استنبات النبات في بلد أميل إلى الجنوب لأنه في البلاد الشمالية يفقد أعظم جزء من فاعليته", ثم ذكر أنه تستحضر منه مشروبات وتراكيب مسكرة توقع مستعملها في سبات وتوقف الحس والحركة بسبب تأثيرها على المخ. ويشير إلى أن مستعملها قد يسقط في سبات مصحوباً بعوارض عصبية.
стр. 4658
ونقل البستاني عن ابن البيطار أنه إذا تناول الإنسان من هذه الأوراق مقدار درهم أسكر جدا وإن أكثر من ذلك خرج إلى حد الرعونة وربما قتل ثم قال:"ويشاهد من إفراط المقدار هذيان يؤدي إلى فزع وقد يميت وقال أطباء العرب عن نتائجه إنه وإن حصل منه التفريح أولا إلا أنه يخدر ويكسل ويبلد ويضعف الحواس وينتن رائحة الفم ويضعف الكبد والمعدة بتبريده ويورث الاستسقاء وفساد الألوان", ثم قال: "وبالجملة ففساده كبير كثير", ثم قال: "ويحدث ضلالاً في الأخلاق الأدبية والطبيعية فيشاهد مستعمله ما هو موجود أمامه مشاهدة رديئة ويشاهد شيئاً ليس موجوداً ويحكم حكماً فاسداً في الموجودات فيكون أشبه بالمجانين", ثم ذكر أن المقريزي ذمها ذماً شديداً وعدد قبائح مستعمليها وما فعل بعض الرؤساء والملوك في شأن إبطالها وكيفية ثبوتها مجددة وقتا بعد وقت. وقال فريد وجدي في دائرة معارف القرن الرابع عشر ج٣ ص ٤٤٧: "الحشيش الذي يستعمله بعض الناس للتخدير هو عصارة القنب الهندي وهو مخدر ومفقد للإحساس ومضر بالمجموع العصبي ضرراً بليغاً جداً ونتيجته الطبيعية الجنون بأشد حالاته وتدخينه عادة مرن عليها بعضهم واستناموا لها استنامة لا فواق منها وهم في الحقيقة جانون على أنفسهم وعائلاتهم جناية ليس وراءها"، وفي دائرة المعارف الإسلامية ج٧ ص٤٣٤ في مادة الحشاشين نعنى جماعة الحسن بن الصباح الذي استولى على قلعة ألموت ٤٨٣ هـ الموافق ١٠٩٠_ ١٠٩١ م المتوفى عام ٥١٨:
والحشيش يجهز من القنب الذي يستعمل أحياناً ليبلوا حالة الوجد أو السكر.
ويقال إن الذين ينتخبون من الفدائيين على يد أئمة الحشاشين لأداء مهمة جليلة الخطر (كالاغتيال مثلاً) يدفعون إلى تعاطي الحشيش حتى يصبحوا كالآلة الصماء يقومون بكل عمل يطلب منهم، وفي ص ٤٤٠ و٤٤١ و٤٤٢ و٤٤٣ ج٧ من دائرة المعارف الإسلامية في مادة الحشيش:
стр. 4659
الحشيش هو الاسم العربي لمخدر شرقي يستخلص من القنب الهندي وأشار إلى أنه عقار وأنه الإدمان عليه يورث العقم.
والقنب اسم يوناني سرياني واسمه الفارسي المعرب (شاهدانج) أشار إلى أن أول طبيب وصف التخدير الذي يحدثه هو ابن البيطار ولم يكن ذلك قبل القرن السابع الهجري والثالث عشر الميلادي وطول الإدمان عليه يورث الجنون، ثم قال: "وجاء المقريزي في القرن الرابع عشر الميلاد (التاسع الهجري) وذكر أن الأمير سودون الشيخوني سعى قرابة عام ٧٨٠ هـ (١٣٧٨م) إلى تحريم استعمال الحشيش في مصر بفرض العقاب الصارم", وقال في دائرة المعارف هذه:
"وحسبنا أن نذكر هنا أقوال نفر من الأطباء امتازوا بأنهم كتبوا في تعاطي الحشيش عن دراية وخبرة وأولهم بروسيبيرو البينو الذي طب من عام ١٥٨١ م إلى عام ١٥٨٤م لقنصل البندقية في القاهرة والبرتغالي جار سسادا أورتا عام ١٦٥٣ كما رسمه الإسباني خريستوفال أكوستا عام ١٥٧٦ م".
وقد أشار في دائرة المعارف إلى اختلاف تأثير الحشيش في الناس فذكر أن تأثيره كما هو الشأن في جميع السموم المخدرة في استحداث حالة من النشوة مصحوبة بضحك متواصل يتبعها وجد وهذيان وأوهام وهي من السمات الخاصة به, كما تحدث نوبات من الغضب ثم يتبع ذلك حالة من التهيج الجنسي المتزايد تنتهي بنوم تخديري وأحلام.
وذكر من آثاره أن مدمنة يصاب بهبوط مصحوب بفقدان الإرادة والبلاهة التامة وقد كان سكان المصحات العقلية في مصر من مدمني الحشيش ٣٠% ثلاثين في المائة والدولة تشن حرباً لا هوادة فيها على مهربي الحشيش لتحاول القضاء على هذا العقار القتال.
ويستغل الأشرار هذه القوة التخديرية الحادثة من الحشيش على هذا النحو في أغراضهم الإجرامية.
стр. 4660
وقال ابن حجر الهيثمي من علماء القرن العاشر الهجري في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر) ص١٣٨ ج٢ طبعة دار الكتب العربية الكبرى: "واعلم أن الحشيشة المعروفة حرام كالخمر يحد آكلها, أي على قول قال به جماعة من العلماء كما يحد شارب الخمر, وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج أي إفساداً عجيباً حتى يصير في متعاطيها تخنث قبيح ودياثة عجيبة وغير ذلك من المفاسد فلا يصير له من المروءة شيء البتة ويشاهد من أحواله خنوثة الطبع وفساده وانقلابه إلى أشر من طبع النساء ومن الدياثة على زوجته وأهله فضلاً عن الأجانب ما يقضي العاقل منه بالعجب العجاب وكذا متعاطي نحو البنج والأفيون وغيرهما مما مرّ قبيل البيع.
والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى الصيال على الغير وإلى المخاصمة والمقاتلة والبطش وكلاهما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
ورأى آخرون من العلماء تعزير أكلها كالبنج", ثم قال:
"وسبب اختلاف العلماء في الحد وفي نجاستها كونها جامدة مطعومة ليست شراباً فقيل هي نجسة كالخمر وهو الصحيح أي عند الحنابلة وبعض الشافعية.
وقيل طاهرة لجمودها أي وهو الصحيح عند الشافعية وقيل المائعة نجسة والجامدة طاهرة: قال: وعلى كل حال فهي داخلة فيما حرم الله ورسوله من الخمر لفظا ومعنى". اهـ.
وقد وقفت في مخطوطات المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة على رسالة تسمى الجواب المتحرر في أحكام المنشط والمخدر للشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن عبد الكريم بن زياد الزبيدي أحد كبار علماء القرن العاشر الهجري، وقد ذكر فيها أن الشيء إنما يحرم تناوله وأكله وشربه إما لإضراره الضرر البين كالسم أو لإسكاره كالخمر والنبيذ مع نجاسته أو لنجاسته كالبول والغائط أو لتخديره وتخبيله للعقل كالبنج والحشيش ونحوهما أو لاستقذاره كالمخاط والبزاق. وخص الفصل الثالث من هذا الجواب الواقع في الورقة ٦ في بيان حكم البنج والحشيش.
стр. 4661
قال: "والمعمول الذي فيه ما يضر حرام باتفاق العلماء كما قاله أبو العباس ابن تيمية الحنبلي والشيخ بدر الدين الزركشي الشافعي رحمهما الله تعالى وكل منهما صنف في ذلك مصنفاً وصرحا بالتحريم فيحرم تناول هذه الأشياء ويفسق آكلهما وترد شهادته قياساً على الخمر إذ تصد عن ذكر الله وعن الصلاة بل تزيد بتغير العقل بالمداومة عليها كما شوهد ذلك في المتعاطين لأكلها", قلت: وقفت على مصنف الإمام الزركشي في ذلك وفيه جمل من الفوائد فأحببت تلخيص بعض فوائده هنا لتكمل الفائدة.
قال: "ذكر بعضهم أنه جمع في الحشيش مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية ونقل عن بعض الأئمة كل ما في الخمر من المذمومات موجود في الحشيش وزيادة فهي تشارك الخمر في الإسكار وفساد الفكر ونسيان الذكر وإنساء السرور وإنشاء الشرور وذهاب الحيا وكثرة الخنا وعدم المروءة وكشف العورة وإتلاف الكيس ومجالسة إبليس وترك الصلاة والوقوع في المحرمات هذا بعض ضررها في الدين, أما في البدن فتفسد العقل وتقطع النسل وتولد الجذام وتورث البرص وتجلب الأسقام وتكسب الرعشة وتجفف المنى وتسقط شعر الأجفان وتحرق الدم وتحفر الأسنان وتظهر الداء الخفي وتضمر الأحشاء وتبطل الأعضاء وتضيق النفس وتقوي الهوى وتصفر اللون وتسود الأسنان وتفت الكبد، وتهيج المعدة وتولد في الفم البخر وفي العين الغشاوة وقلة النظر وفي المخيلة كثرة الفكر ثم ذكر غير ذلك من أوصافها المذمومة وذكر أن الصواب أنها مسكرة وأنه يجب الحد فيها". قلت: التحقيق أنها مخدرة وما ذكره من وجوب الحد مخالف لما جرى عليه إماماه ومحرراه ومنقحاه الرافعي والنووي فإنهما صرحا بوجوب التعزير لا الحد فهو المعتمد ثم ذكر عن النووي أنه قال في الحشيشة "إنها مسكرة وليست بنجسة". ويؤيده أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد فيما كتبه على فروع ابن الحاجب قطع بأنها طاهرة وحكى الإجماع عليه.
وقال الصنعاني في سبل السلام:
стр. 4662
"قال الخطابي: المفتر كل شراب يورث الفتور والخور في الأعضاء وحكى العراقي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة وأن من استحلها كفر قال ابن تيمية: إن الحشيشة أول ما ظهرت في آخر المائة السادسة من الهجرة حين ظهر في دولة التتار وهي من أعظم المنكرات وهي شر من الخمر من بعض الوجوه لأنها تورث نشأة (نشوة) ولذة وطرباً كالخمر ويصعب الطعام عليها أعظم من الخمر وقد أخطأ الذي قال:
وحرام تحريم غير الحرام
حرموها من غير عقل ونقل
وأما البنج فهو حرام, قال ابن تيمية:"إن الحد في الحشيشة واجب".
قال ابن البيطار: "إن الحشيشة وتسمى القنب توجد في مصر مسكرة جدّاً إذا تناول الإنسان منها قدر درهم أو درهمين، وقبائح حصائلها كثيرة وعدّ منها بعض العلماء مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية.
وقبائح خصائلها موجودة في الأفيون وفيه زيادة مضار", قال ابن دقيق العيد في الجوزة أنها مسكرة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى ج٣٤ ص١٩٨:
"وكذلك (الحشيشة) المسكرة يجب فيها الحد، وهي نجسة في أصح الوجوه، وقد قيل إنها طاهرة, وقيل يفرق بين يابسها ومائعها, والأول الصحيح؛ لأنها تسكر بالاستحالة كالخمر النيء، بخلاف مالا يسكر بل يغيب العقل كالبنج، أو يسكر بعد الاستحالة كجوزة الطيب، فإن ذلك ليس بنجس. ومن ظن أن الحشيشة لا تسكر وإنما تغيب العقل بلا لذة فلم يعرف حقيقة أمرها، فإنه لولا ما فيها من اللذة لم يتناولوها ولا أكلوها، بخلاف البنج ونحوه مما لا لذة فيه, والشارع فرق في المحرمات بين ما تشتهيه النفوس وما لا تشتهيه, فما لا تشتهيه النفوس كالدم والميتة اكتفى فيه بالزاجر الشرعي، فجعل العقوبة فيه والتعزير, وأما ما تشتهيه النفوس فجعل فيه مع الزاجر الشرعي زاجرا طبيعيا وهو الحد (والحشيشة) من هذا الباب".
стр. 4663
وقال في ص٢٠٥ و٢٠٦: "وهذه (الحشيشة) فإن أول ما بلغنا أنها ظهرت بين المسلمين في أواخر المائة السادسة وأوائل السابعة, حيث ظهرت دولة التتار، وكان ظهورها مع ظهور سيف (جنكسخان) لما أظهر الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه من الذنوب سلط الله عليهم العدو، وكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات، وهي شر من الشراب المسكر من بعض الوجوه، والمسكر شر منها من وجه آخر، فإنها من أنها تسكر آكلها حتى يبقى مسطولاً تورث التخنث والديوثة, وتفسد المزاج, فتجعل الكبير كالسفنجة وتوجب كثرة الأكل, وتورث الجنون، وكثير من الناس صار مجنوناً بسبب أكلها ومن الناس من يقول إنها تغير العقل فلا تسكر كالبنج، وليس كذلك بل تورث نشوة ولذة وطرباً كالخمر، وهذا هو الداعي إلى تناولها، وقليلها يدعو إلى كثيرها كالشراب المسكر، والمعتاد لها يصعب عليه فطامه عنها أكثر من الخمر، فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر، ولهذا قال الفقهاء: إنه يجب فيها الحد، كما يجب في الخمر.
وتنازعوا في (نجاستها) على ثلاثة أوجه في مذهب أحمد وغيره, فقيل هي نجسة, وقيل: ليست نجسة, وقيل: رطبها نجس كالخمر، ويابسها ليس بنجس, والصحيح أن النجاسة تتناول الجميع كما تتناول النجاسة جامدة الخمر ومائعها، فمن سكر من شراب مسكر أو حشيشة مسكرة لم يحل له قربان المسجد حتى يصحو، ولا تصح صلاته حتى يعلم ما يقول، ولا بد أن يغسل فمه، ويديه، وثيابه في هذا وهذا، والصلاة فرض عليه، لكن لا تقبل منه حتى يتوب أربعين يوماً كما قال النبي ﷺ : "من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد فشربها لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال"، قيل: وما طينة الخبال؟ قال: "عصارة أهل النار أو عرق أهل النار".
стр. 4664
وقال في ص٢١٠ _ ٢١٤: "الحمد لله, هذه الحشيشة الصلبة حرام، سواء سكر منها أو لم يسكر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً، لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وأما إن اعتقد ذلك قربة، وقال: هي لقيمة الذكر والفكر، وتحرك العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، وتنفع في الطريق، فهو أعظم وأكبر، فإن هذا من جنس دين النصارى الذين يتقربون بشرب الخمر، ومن جنس من يعتقد الفواحش قربة وطاعة قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ , ومن كان يستحل ذلك جاهلاً وقد سمع بعض الفقهاء يقول:
وحرام تحريم غير الحرام
حرموها من غير عقل ونقل
فإنه ما يعرف الله ورسوله، وأنها محرمة، والسكر منها حرام بالإجماع، وإذا عرف ذلك ولم يقر بتحريم ذلك فإنه يكون كافراً مرتداً كما تقدم، وكل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغيب حرم بإجماع المسلمين, وأما تعاطي البنج الذي لم يسكره, ولم يغيب العقل ففيه التعزير. وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها مسكرة، وإنما يتناولها الفجارلما فيها من النشوة والطرب، فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك، والخمر توجب الحركة والخصومة، وهذه توجب الفتور والذلة، وفيها مع ذلك من فساد المزاج والعقل، وفتح باب الشهوة وما توجبه من الدياثة، مما هي من شر الشراب المسكر، وإنما حدثت في الناس بحدوث التتار.
وعلى تناول القليل منها والكثير حد الشرب، ثمانون سوطاً، أو أربعون, إذا كان مسلما يعتقد تحريم المسكر، ويغيب العقل.
стр. 4665
وتنازع الفقهاء في نجاستها؟ على ثلاثة أقوال (أحدها) أنها ليست نجسة, (والثاني) أن مائعها نجس، وأن جامدها طاهر, و (الثالث) وهو الصحيح أنها نجسة كالخمر، فهذه تشبه العذرة، وذلك يشبه البول، وكلاهما من الخبائث التي حرمها الله ورسوله ومن ظهر منه أكل الحشيشة فهو بمنزلة من ظهر منه شرب الخمر، وشر منه من بعض الوجوه، ويهجر، ويعاقب على ذلك، كما يعاقب هذا، الوعيد الوارد في الخمر مثل قوله ﷺ : "لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، وآكل ثمنها", ومثل قوله: "من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين يوماً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد وشربها لم يقبل الله له صلاة أربعين يوماً فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد فشربها لم يقبل الله له صلاة أربعين يوماً فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد فشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار", وقد ثبت عنه في الصحيح ﷺ أنه قال: "كل مسكر حرام", وسئل عن هذه الأشربة وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال ﷺ : "كل مسكر حرام".
وسئل ﵀ عما يجب على آكل الحشيشة؟ ومن ادعى أن أكلها جائز حلال مباح فأجاب: "أكل هذه الحشيشة الصلبة حرام، وهي من أخبث الخبائث المحرمة، وسواء أكل منها كثيراً أو قليلاً لكن الكثير المسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك فهو كافر يستتاب, فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً، لا يغسل، ولا يصلى عليه ولا يدفن بين المسلمين. وحكم المرتد شر من حكم اليهودي والنصراني، سواء اعتقد أن ذلك يحل للعامة أو للخاصة الذين يزعمون أنها لقمة الفكر والذكر، وأنها تحرك العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، وأنهم لذلك يستعملونها.
стр. 4666
وقد كان بعض السلف ظن أن الخمر تباح للخاصة، متأولاً قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ , فلما رفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب وتشاور الصحابة فيهم اتفق عمر وعلي وغيرهما من علماء الصحابة ﵃ على أنهم إن أقروا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على الاستحلال قتلوا.
وهكذا حشيشة العشب من اعتقد تحريمها وتناولها فإنه يجلد ثمانين سوطاً أو أربعي. هذا هو الصواب, وقد توقف بعض الفقهاء في الجلد، لأنه ظن أنه مزيلة للعقل، غير مسكرة، كالبنج ونحوه مما يغطي العقل من غير سكر، فإن جميع ذلك حرام باتفاق المسلمين إن كان مسكراً ففيه حد الخمر، وإن لم يكن مسكراً ففيه التعزير بما دون ذلك, ومن اعتقد حل ذلك كفر وقتل, والصحيح أن الحشيشة مسكرة كالشراب، فإن آكليها ينشون بها، ويكثرون تناولها بخلاف البنج وغيره، فإنه لا ينشي ولا يشتهي، وقاعدة الشريعة أن ما تشتهيه النفوس من المحرمات كالخمر والزنا ففيه الحد وما لا تشتهيه كالميتة ففيه التعزير (والحشيشة) مما يشهيها آكلوها, ويمتنعون عن تركها, ونصوص التحريم في الكتاب والسنة على من يتناولها كما يتناول غير ذلك، وإنما ظهر في الناس أكلها قريباً من نحو ظهور التتار فإنها خرجت، وخرج معها سيف التتار".
стр. 4667
وقال في ص٢٢٢_ ٢٢٤: "فهذه (الحشيشة الملعونة) هي وآكلوها ومستحلوها الموجبة لسخط الله وسخط رسوله وسخط عباده المؤمنين المعرضة, صاحبها لعقوبة الله، إذا كانت كما يقوله الضالون, من أنها تجمع الهمة، وتدعو إلى العبادة فإنها مشتملة على ضرر في دين المرء وعقله وخلقه وطبعه أضعاف ما فيها من خير، ولا خير فيها، ولكن هي تحلل الرطوبات، فتصاعد الأبخرة إلى الدماغ، وتورث خيالات فاسدة فيهون على المرء ما يفعله من عبادة، ويشغله بتلك التخيلات عن أضرار الناس, وهذه رشوة الشيطان يرشو بها المبطلين ليطيعوه فيها بمنزلة الفضة القليلة في الدرهم المغشوش، وكل منفعة تحصل بهذا السبب فإنها تنقلب مضرة في المآل، ولا يبارك لصاحبها فيها، وإنما هذا نظير السكران بالخمر، فإنها تطيش بعقله حتى يسخو بماله ويتشجع على أقرانه، فيعتقد الغر أنها أورثته السخاء والشجاعة وهو جاهل، وإنما أورثته عدم العقل, ومن لا عقل له لا يعرف قدر النفس والمال، فيجود بجهله لا عن عقل فيه.
وكذلك هذه الحشيشة المسكرة إذا أضعفت العقل، وفتحت باب الخيال، تبقى العادة فيها مثل العبادات في الدين الباطل دين النصارى، فإن الراهب تجده يجتهد في أنواع العبادة لا يفعلها المسلم الحنيف، فإن دينه باطل، والباطل خفيف، ولهذا تجود النفوس في السماع المحرم والعشرة المحرمة بالأموال وحسن الخلق بما لا تجود به في الحق، وما هذا بالذي يبيح تلك المحارم، أو يدعو المؤمن إلى فعله، لأن ذلك إنما كان لأن الطبع لما أخذ نصيبه من الحظ المحرم ولم يبال بما بذله عوضاً عن ذلك، وليس في هذا منفعة في دين المرء ولا دنياه, وإنما ذلك لذة ساعة، بمنزلة لذة الزاني حال الفعل، ولذة شفاء الغضب حال القتل، ولذة الخمر حال النشوة، ثم إذا صحا من ذلك وجد عمله باطلاً، وذنوبه محيطة به وقد نقص عليه عقله ودينه وخلقه.
стр. 4668
وأين هؤلاء الضلال مما تورثه هذه الملعونة من قلة الغيرة وزوال الحمية حتى يصير آكلها إما ديوثاً، وإما مأبوناً، وإما كلاهما, وتفسد الأمزجة حتى جعلت خلقاً كثيراً مجانين وتجعل الكبد بمنزلة السفنج ومن لم يجن منهم فقد أعطته نقص العقل، ولو صحا منها فإنه لا بد أن يكون في عقله خبل ثم إن كثيرها يسكر حتى يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهي وإن كانت لا توجب قوة نفس صاحبها حتى يضارب ويشاتم، فكفى بالرجل شراً أنها تصده عن ذكر الله وعن الصلاة إذا سكر منها وقليلها وإن لم يسكر فهو بمنزلة قليل الخمر.
ثم إنها تورث من مهانة آكلها، ودناءة نفسه، وانفتاح مالا يورثه الخمر، ففيها من المفاسد ما ليس في الخمر، وإن كان في الخمر مفسدة ليست فيها وهي الحدة، فهي بالتحريم أولى من الخمر لأن ضرر آكل الحشيشة على نفسه أشد من ضرر الخمر، وضرر شارب الخمر على الناس أشد إلا أنه في هذه الأزمان لكثرة أكل الحشيشة صار الضرر الذي منها على الناس أعظم من الخمر، وإنما حرم الله المحارم لأنها تضر أصحابها، هذا وقد قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام", وهذه مسكرة، ولو لم يشملها لفظ تعينها لكان فيها من المفاسد ما حرمت الخمر لأجلها، مع إن فيها مفاسد أخر غير مفاسد الخمر توجب تحريمها. والله أعلم". اهـ.
هذا وأسأل الله أن يوفق المسؤولين عن الأمم والشعوب في حمايتها من المخدرات المعنوية المتمثلة في المذاهب الهدامة والنظريات المنحرفة فإنها لا تقل في هدم الشعوب والأمم والأفراد عن أختها المخدرات الحسية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . .
стр. 4669
حكم التبني في الإسلام
بقلم: فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي
الأستاذ بكلية القرآن الكريم في الجامعة
كان للعرب في الجاهلية وصدر الإسلام مكارم ومناقب يحمدون عليها، ويشرفون بفعلها. وكان لهم بإزاء هذا مناكر ومثالب يذمون عليها، وينتقصون بمباشرتها.
فمن مثالبهم التي كانت متفشية فيهم، وكانوا يستحقون عليها أقسى اللوم وأشد التعنيف (التبني) .
وللتبني في معناه صورتان، إحداهما أن يضم الرجل الطفل الذي يعلم أنه ابن غيره إلى نفسه فيعامله معاملة الأبناء من صلبه، من جهة العطف والإنفاق عليه، والإحسان إليه, ومن جهة تربية جسمه، وخلقه، وروحه، ومن جهة العناية بشئونه كلها، حتى يُعدّه ليكون رجلاً عاملاً في الحياة دون أن يلحقه بنسبه، أو يلصقه بأسرته.
والطفل - في هذه الحال - لا يعتبر ابناً شرعياً، ولا يثبت له شيء من أحكام البنوة, ولا من أحكام النسب الصحيح.
والتبني - بهذا المعنى - صنيع يلجأ إليه بعض أرباب الثراء من الموسرين الذين لم ينعم الله عليهم بنعمة الأولاد، ويتخذون منه قربة إلى الله تعالى بتربية طفل فقير بائس حرم عطف الأبوة، أو حرم قدرة أبيه على تربيته وتثقيفه.
ولا ريب أن التبني بهذا المعنى عمل إنساني جليل، يستحبه الشرع الشريف ويرغب فيه، ويدعو إليه، ويثيب عليه، وهو من الصدقات التي تحفظ للمتصدق مكانة التقرب إلى الله تعالى، وقد فتحت الشريعة الإسلامية للموسر في مثل هذه الحال باب الوصية، وجعلت له الحق في أن يوصي بشيء من تركته يسد حاجة الطفل في مستقبل حياته، حتى لا تضطرب به المعيشة، ولا تقسو عليه الحياة.
стр. 4670
أما الصورة الثانية - وهي المفهومة من كلمة (التبني) عند الإطلاق، وهي المعلومة في لغة الشرائع، ومتعارف الأمم - فهي أن ينسب الشخص إلى نفسه طفلاً يعلم أنه ولد غيره، وليس ولدا له - ينسبه إلى نفسه نسبة الابن الصحيح، ويجعله في عداد أسرته، وفرداً من أفرادها، وحلقة من سلسلتها، ويعتبره ابناً من صلبه، ويثبت له أحكام البنوة وحقوقها، من استحقاق إرثه بعد موته، ومن حرمة تزوجه بزوجته إذا فارقها، وحرمة تزوجه بابنته، إلى غير ذلك.
وهذا المعنى للتبني هو الذي كان متفشياً في الجاهلية، ومتعارفاً بين أهلها، ينظرون إليه على أنه شرعة وقانون، وكان سبباً من أسباب الإرث التي كانوا يورثون بها.
فكان في المجتمع الجاهلي في العرب أبناء لا يعرف لهم آباء, وكان الرجل منهم يعجبه أحد هؤلاء الأبناء فيتبناه، يدعوه ابنه، ويلحقه بنسبه، فيتوارث وإياه توارث النسب الصحيح, وكان هناك أبناء لهم آباء معروفون، ولكن كان الرجل يعجب بأحد هؤلاء الأبناء فيأخذه لنفسه ويتبناه، ويلحقه بنسبه، فيعرف باسم الرجل الذي تبناه، وينتظم في سلك أسرته، وكان هذا يقع بخاصة في السبي حين يؤخذ الأطفال والفتيان في الحروب والغارات فمن شاء منهم أن يلحق بنسبه واحداً من هؤلاء دعاه ابنه، وأطلق عليه اسمه, وصارت له حقوق البنوة وواجباتها.
والتصاق الأدعياء بالبيوت، واتصالهم بأنسابها - كان أمراً تدين به العرب، وتعده أصلاً يرجع إليه في الشرف والحسب, وكانوا يعطون الدعيّ جميع حقوق الابن الحقيقي.
стр. 4671
ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، ولا شك أن هذه عقيدة جاهلية مقيتة أراد الله تعالى محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح. ولذلك لما جاء الإسلام وبيّن الوارثين والوارثات بالعناوين التي قررها وجعلها أسباباً في استحقاق الإرث أسقط التبني من أسباب التوارث، وحصر هذه الأسباب في الأبوة، والأمومة، والبنوة الحقيقية، والزوجية، والأخوّة، والأرحام, على تفصيل بعلم من كتب الشريعة التي عنيت ببيان هذه المسائل.
أقول: لما جاء الإسلام وأخذ ينظم علاقات الأسرة على الأساس الطبعي لها، وأخذ يحكم صلتها وروابطها، ويجعلها صريحة لا خلط فيها ولا تشويه - أبطل عادة التبني هذه - وقصر علاقة النسب على علاقة الأبوة والبنوة الواقعية، وميّز بين البنوة الصحيحة والبنوة المدعاة، وحدد علاقة التبني، وجعلها علاقة أخوّة ومساواة في ظلال النظام الإسلامي الجديد.
لم يقف الإسلام في إبطال التبني الجاهلي عند إسقاطه من أسباب الميراث، بل جاءت الآيات القرآنية مصرحة ببطلانه، مبينة حكم الله فيه، وقد جاء ذلك في قوله تعالى في سورة الأحزاب ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ الأحزاب، وبنزول هذه الآية الكريمة أبطل الله تعالى هذه العادة المرذولة (عادة التبني) وحرم على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبنّاه وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئا من حقوق الابن الصحيح قل أو أكثر.
стр. 4672
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الأدعياء جمع دعيّ وهو من يدعي ابناً - فعيل بمعنى مفعول - أي لم يجعل الله أدعياءكم بمجرد تبنيكم لهم كأبنائكم في كل أحكام البنوة من النسب، والتوارث، وغير ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أي ذلكم الإلحاق، وهذا التبني إنما هو قولكم بأفواهكم، ومجرد القول لا يقتضي أن يكون الدعيّ ابناً حقيقياً فإنه مخلوق من صلب رجل آخر, ولا يمكن أن يكون له أبوان، فهو ابن أبيه من النسب ولو تبناه غيره, فهذا القول الذي تلوكونه بألسنتكم لا يغيّر واقعاً، ولا يقلب حقيقة، ولا ينشئ علاقة الوراثة للخصائص التي تحملها النطفة, ولا يخلق علاقة المشاعر الطبيعية، الناشئة من كون الولد بضعة حية من جسم والده الحيّ.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ أي يقول الحق البيّن الذي لا يشوبه باطل، ومن الحق إقامة العلاقات على تلك الرابطة الحقة المستمدة من اللحم والدم، لا على كلمة تلوكها الأفواه، وتنطق بها الألسنة، من غير أن تؤازرها الحقيقة ويسندها الواقع.
﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أي يرشد عبادَهُ إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه ولا التواء، ثم أمرهم الله تعالى أن ينسبوا الأبناء إلى آبائهم من الصلب تأكيداً لما سبق فقال سبحانه: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ أي انسبوا من ألحقتموهم بكم _ وهم ليسوا منكم _ انسبوهم لآبائهم من النسب فلا تقولوا زيد بن محمد مثلاً، ولكن قولوا: زيد بن حارثة.
﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي نسبتهم لآبائهم أعدل في حكم الله، وإنه لقسط وعدل ألاّ ينال حق الابن إلاّ من يكون ابناً في الحقيقة والواقع.
стр. 4673
وإنه لقسط وعدل أن يدعى الولد لأبيه، عدل للوالد؛ لأن هذا الولد ما هو إلا بضعة منه, وعدل للولد لأنه الذي يحمل اسم أبيه، ويكون امتدادا له بوراثته الكامنة, وتمثيله لخصائصه وخصائص آبائه وأجداده، عدل للحق في ذاته، الذي يضع كل شيء في مكانه، ويقيم كل علاقة على أصلها الفطري، ولا يكلف غير الوالد الحقيقي بتبعة الأبوة, ولا يعطيه مزاياها، ولا يحمل غير الولد الحقيقي تبعة البنوة، ولا يحابيه بخيراتها.
هذا هو النظام الذي يقيم الأسرة على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع, ويقيم بناء المجتمع على قاعدة قوية مطابقة للحق الفطري العميق.
ثم كان من يسر الإسلام وسماحته أن وضع لهؤلاء الأدعياء إذا لم تعرف آباؤهم _ وضع لهم مكاناً في الجماعة الإسلامية، وهو الأخوّة في الدين، والموالاة فيه حتى لا يترك هؤلاء بغير رابطة في الجماعة بعد إلغاء رابطة التبني فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ , فالشخص الذي إذا عرف أبوه نُسب إليه، وقيل: فلان بن فلان، فإن لم يكن له أب معروف نُسب إلى الأخوّة في الدين والوَلاء، فقيل: فلان أخو فلان في الدين، أو فلان مولى فلان، ثم بيّن الله أنه يعفو عن اللفظ يصدر عن خطأ وسبق لسان، لا عن قصد ونية، بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخرَ بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد في ذلك الذي يقصد به إلصاق الأدعياء بالبيوت. وخلطهم بالأسر كما كان معروفاً من قبل فقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ .
стр. 4674
أرجح فأقول: الحكمة في إبطال هذا النوع من التبني، ونزول القرآن بإنكاره وتحريمه_ أن فيه حرمان الأب الحقيقي المعروف من أن يتصل به نسبه المتولد منه، المنسوب إليه في الواقع، وفيما يعلم الله والناس، كما أن فيه إدخال عنصر غريب في نسب المتبنيّ يدخل على زوجته وبناته باسم البنوّة والأخوّة، ويعاشرهن على أساس كل منهما، وهو في الواقع أجنبي عنهن، لا يباح له منهن ما يباح للابن والأخ الحقيقي لهن.
وبقدر ما تتركز هذه البنوة الكاذبة في الأسرة فإن البنوة الحقة في الأسرة الحقة تسير إلى الفناء، والمحو والزوال وبذلك تضيع الأنساب، ويختل نظام الأسر، وتضيع حكمة الله تعالى في جعل الناس شعوباً وقبائل، وفيه وراء ضياع الأنساب، واختلال نظام الأسر تضييع لحق الورثة الذين تحقق سبب إرثهم الشرعي من الأب: (الكاذب المتبني) فلا ترث إخوته ولا أخواته لوجود الابن (الزور) الذي منع ببنوته الكاذبة إرثهم الشرعي، وبذلك تقع العداوة والبغضاء بينهم وبين مورثهم بهذا الدعي الذي تبناه المورّث وضيع به حقوقهم في التركة.
لما أبطل الإسلام التبني بالآية السابقة أراد أن يبطل آثاره، ويمحو نتائجه.
وكان من آثاره أن الولد المتبني يرث أباه المتبني له، فأبطل الله هذا بإنزال أحكام الميراث، وبيان أسبابه، وحصره هذه الأسباب في الأبوة، والأمومة، والبنوة، والأخوة كما سبق.
стр. 4675
ومن آثاره أيضاً أن الرجل المتبني لا يحل له - في نظرهم - أن يتزوج زوجة متبناه إذا فارقها، كما لا يحل له أن يتزوج زوجة ابنه الحقيقي إذا طلقها، فأبطل الله هذا أيضاً، وأباح للرجل أن يتزوج مطلقة متبناه، وفرق بين زوجة المتبني، وزوجة الابن الحقيقي؛ حيث حرّم على الأب أن يتزوج حليلة ابنه الحقيقي إذا فارقها، وقد أشار إلى التفرقة بين زوجة الابن الحقيقي وزوجة المتبنّى قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ فقوله تعالى: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ للاحتراز عن زوجة المتبنّى أبطل الله تعالى التبني، ومحا آثاره ونتائجه, ولكن من ذا الذي يقدر على أن يقتلع من نفوس العرب هذه العادة الراسخة في نفوسهم المتأصلة في دمائهم من قديم؟
ومن ذا الذي يستطيع أن يقدم على التزوج من مطلقة متبناه؟
مضت سنة الله تعالى في خلقة أنّ ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصّي منه، ولا الرغبة عنه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، وأعتقه من رق الشهوات، فلا يتحكم فيه إلف، ولا يسيطر عليه عرف, وذلك هو النبي ﷺ فإنه كان أول من يهدم العقائد الزائفة، ويقوض الخرافات السائدة، ويقيم في مكانها صرحاً من الحق والعدالة، ومناراً من الشريعة والاستقامة.
ومن أجل ذلك كان الشأن إذا نهى الله عن محرم كانت الجاهلية تفعله، أو أحلّ شيئاً كانت الجاهلية تحرمه أن يبادر النبي ﷺ إلى امتثال النهي بالكفّ عن المنهي عنه، والإتيان بضده، وأن يسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان المأمور به، حتى يكون قدوة حسنة، ومثالا صالحا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.
стр. 4676
نادى رسول الله ﷺ في حجة الوداع بحرمة الربا, وقال: "إن أول ربا أضعه هو ربا عمّي العباس ابن عبد المطلب"، حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه، فيسهل عليهم ترك مالهم، وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي ﷺ في إبطال التبني. فقد كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم، وعزّ عليهم بالنسبة لهذا الإلف الشاق أن يخلعوا عنهم ربقته أو أن يزيلوا عن أفكارهم وطأته, لذلك ألهم الله نبيه ﷺ أن يتولى خرق هذه العادة بنفسه، وأن ينفذ تطبيق ذلك التشريع الجديد في متبناه، لتسقط هذه العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل, وليكون ذلك باعثاً للأمة على الامتثال وحافزاً لها على المسارعة إلى القبول، دون تحرج من ترك ما ألفت, فأوحى الله إليه أن يزوج زينب بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب لمتبناه زيد، وأمره أن يتزوجها هو إذا طلقها زيد لمحق هذه العادة الشاذة محقاً، فخطب الرسول ﷺ لمتبناه زيد ابن حارثة زينب بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب من زيد هذا! هو زيد بن حارثة، كان من قبيلة عربية، ولكنه سبي صغيراً في غارة أيام الجاهلية، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له، فكان عبداً للنبي ﷺ ، ولما بلغ أهله خبره قدم أبوه وعمه وأخوته مكة يطلبون شراء ابنهم زيد، وفداءه بتحريره من رقه، فالتقوا برسول الله ﷺ وكلمه حارثة أبو زيد وقال له: يا محمد أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني وتطعمون الأسير، وإن ابني زيداً عبدك فامنن علينا بفدائه فإنا سنرفع لك في الفداء ما أحببت، فقال رسول الله ﷺ :"أعطيكم خيراً من ذلك", قال: وما هو؟ فقال رسول الله ﷺ : "أُخيّره، فإن اختاركم فخذوه بغير
стр. 4677
ثمن ولا فداء، وإن اختارني فكفوا عنه"، فدعا رسول الله ﷺ زيداً وقال له:" أتعرف هؤلاء؟ "قال: نعم، هذا أبي، وهذا عمي وهذا أخي، فقال له الرسول: "فإن اخترتهم فاذهب معهم، وإن اخترتني فأنا من عرفته"، فاختار زيد الرق مع النبي ﷺ على الحرية بين قومه، وقال مخاطباً النبي ﷺ : ما أنا بمختار عليك أحداً أبداً، أنت منّي بمكان الوالد والعم, فقال له أبوه وعمه: أتختار العبودية على الحرية؟ فقال لهما: ما أنا بمفارق هذا الرجل أبداً، فلما رأى رسول الله ﷺ حرصه عليه، وأنه آثر أبوته على أبوة أبيه كافأه الرسول على ذلك فأعتقه وتبناه, وقال للحاضرين: "اشهدوا أن زيداً حُرٌ، وأنه ابني، يرثني وأرثه", فطابت بذلك نفس أبيه وعمه وأخيه لما رأوا من كرامته على رسول الله ﷺ وانصرفوا فرحين مسرورين ومن ذلك الوقت كان زيد يدعى (زيد بن محمد) وهو أول من آمن به من الموالي وأما زينب فهي بنت أميمة بنت عبد المطلب جد النبي ﷺ من جهة أبيه ولا يخفى على أحد مكانة عبد المطلب في قريش وفي سائر القبائل العربية.
خطب الرسول ﷺ زينب لمولاه زيد من أخيها عبد الله، ولكن عبد الله هاله أمر تلك الخطبة، وعزّت عليه قرشيته وهاشميته، وكره أن تصبح أخته تحت عبد رقيق اشترى بالمال ثم أعتق مهما يكن من أمره، حتى ولو صار متبنى لرسول الله ﷺ .
стр. 4678
رأى عبد الله أن ذلك الأمر عار عليه وعلى أخته، رآه خروجاً على تقاليد البيوت العريقة، والأسر الرفيعة وكانت أخته زينب تشاركه هذا الإباء، وهذه الأنفة، ضنّاً بنسبها العربي الكريم وما زالت زينب وأخوها عبد الله يتأبيان ويمتنعان حتى نزل الوحي بالأمر الحاسم في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينا ً﴾ الأحزاب.
فلا يصح بعد ذلك لرجل ولا لامرأة اختيار أمر من الأمر يخالف ما قضاه الله تعالى وقدره.
وهنا خضعت زينب وأطاعت وانقاد أخوها لأمر الله واستسلم، وتم الزواج فعلاً، وإن كان على كره من زينب وأخيها.
وكان هذا الزواج في حقيقته وجوهره مقدمة لتقرير تشريع جديد، وتنفيذ حكم إلهي عادل. وقع الاختيار على زينب بخصوصها لأن الرسول ﷺ يريد أن يحطم الفوارق بين الأُسر، ويجعل الناس سواسية كأسنان المشط, لا فضل لأحد على أحد إلا بالعقيدة الصحيحة، وصالح العمل, فزوّج عبده زيداً من شريفة قرشية من بني هاشم ليحقق المساواة الكاملة بين الناس، ويسقط هذه الفوارق بنفسه في أسرته، وكانت هذه الفوارق من الشدة والعنف بحيث لا يحطمها إلا فعل واقعي من رسول الله ﷺ تتخذ منه الجماعة الإسلامية أسوة وتسير البشرية كلها على هداه.
стр. 4679
وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول، ولم يَسْلَسْ قيادها، بل شمخت بأنفها، وذهبت تؤذي زوجها، وتطلق فيه لسانها، وتفخَرُ عليه بنسبها، وبأنها أكرم منه عرقاً، وأصرح منه حرية، إذ لم يجر عليها من الرق ما جرى عليه، فاشتكى منها لرسول الله ﷺ المرة تلو المرة، وكان رسول الله صلى عليه وسلم يهديء من نفس زيد ويقول له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ إلى أن صَدر الحكم الإلهي بالتفريق بين زيد وزينب، وأذن الرسول لزيد بطلاقها، فطلقها, ثم بعد أن انقضت عدتها منه تزوجها رسول الله ﷺ بأمر الله تعالى ليمزق حجاب تلك العادة, ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقاً دون مخالفتها, وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ .
وبتزوج رسول الله ﷺ من زينب تحددت الأمور، ووضحت الأحكام، فإذا ما طلق الابن المتبنّى زوجته فما على المتبنّى من حرج إذا هو بَنَى بتلك الزوجة لأنها أجنبية منه، حلال له.
стр. 4680
ذلك هو الحكم الجديد، وهو يعارض العادة الجاهلية القديمة بنت الأجيال المتباعدة, التي لا تفرق بين الابن النسبي والابن المتبنّى بل تجعلهما في الحكم سواء. وبنزول هذه الآية مع الآية التي قدمناها في صدر المقال وهي ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُم﴾ إلى آخرها مع الآية التي بعدها بطل هذا النوع من التبني، وصار محرماً على المسلم أن يلحق نسبه طفلاً يعلم أنه ابن غيره وليس ابناً له، سواء عَرَف أباه أم لم يعرفه.
موجز تفسير الآية
ذكّر الله نبيه ﷺ بما وقع منه ليزيده تثبيتاً على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول، ومرضى القلوب فقال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي بالإسلام، وبجعله تحت رعايتك ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعنق والحرية، والتربية الفاضلة، والاصطفاء بالولاية والمحبة، وبتزويجك إياه من الشريفة القرشية ابنة عمتك ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ يعني: إخْش الله تعالى في أمر زوجك زينب وفي عشرتها ولا تتسرع في مفارقتها، فإن الطلاق يشينها، وقد يؤذي قلبها، وارع حق الله تعالى في نفسك أيضاً، فربما لا تجد بعدها خيراً منها.
стр. 4681
وقوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهذا خطاب من الله تعالى للنبي ﷺ والذي أخفاه النبي ﷺ هو أن الله تعالى أوحى إليه أن زيداً يطلق زوجته زينب، وأن النبي ﷺ يتزوجها بتزويج الله تعالى إياها، فلما اشتكى زيد لرسول الله ﷺ حدة زينب وشماسها وأنه يرغب في طلاقها, قال له الرسول ﷺ :"أمسك عليك زوجك واتق الله",وهو يعلم أن زيداً سيفارقها حتماً, وأن الرسول سيتزوجها لا محالة وتكون من أمهات المؤمنين ليتحقق بذلك التشريع المطلوب وهو حِلّ مطلقة المتبنىّ للمتبني، هذا هو الذي أخفاه الرسول ﷺ في نفسه، وأبقاه في سريرته.
стр. 4682
وسرّ ذلك الإخفاء أن الرسول ﷺ من فرط حيائه، ووفرة أدبه خشي أن ينتهز المنافقون وضعفاء الإيمان هذه الفرصة، ويرجعوا في المدينة، ويقولوا: إن محمداً ينهى أن يتزوج الإنسان مطلقة ابنه وقد تزوج هو زينب زوجة ابنه زيد متبناه بعد أن أمره بطلاقها، فخشية الرسول ﷺ كلام الناس جعلته يتمهل في الأمر، ويخفي الحقيقة عن زيد عبده ومتبناه، فعاتبه الله تعالى على تريثه في الأمر، وإخفاء حقيقته عن زيد بن حارثة، وعد م السماح له بطلاق زوجه زينب، فكأنّ الله تعالى يقول له: كيف تقول لزيد حينما كان يشكو إليك زوجته ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ مع أنك قد علمت بالوحي من قبل الله أن زيداً يطلقها وتتزوجها أنت بعد انقضاء عدتها منه، فكان ينبغي لك أن تمضي في الأمر من أول وهلة، وتصارح زيداً بالحقيقة، وتبادر بتنفيذ أمر الله تعالى وتقرير شرعه، ولا تخشى إلا الله تعالى ثم راده الله تعالى بياناً بقوله جل وعلاه ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً﴾ أي حاجة وأرباً بالزواج، ولم يبق له هوى فيها، ولا ميل إليها، ولم يجد بداً من طلاقها طلقها راضياً مختاراً، غير عالم بما أعلم الله به نبيه ﷺ فلما طلقها زيد، وانقضت عدتها منه تزوجها ﷺ لإبطال هذه العادة المرذولة المتأصلة في نفوس العرب، وهي اعتقاد حرمة التزوج بنساء من تبنوهم كحرمة التزوج بنساء أبنائهم من الأصلاب.
стр. 4683
وقوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أي تولينا تزويجها لك بدون وساطة عقد، ولا وكالة، ولا صداق، ولا شيء مما يكون في حقنا ركناً أو شرطاً أو غير ذلك، وهذه من خصوصياته ﷺ التي لا يشركه فيها أحد بإجماع المسلمين، ولهذا كانت زينب تفخر على نساء النبي ﷺ وتقول: "ما من واحدة منكن إلا وقد زوجها أبوها، أما أنا فقد زوجني ربي من فوق سبع سماوات", وقالت لرسول الله ﷺ : إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل عليك بهن، إن جدي وجدك واحد، وإن الله زوجك إياي من السماء، وإن السفير بينك وبين الله تعالى في زواجي بك إنما هو جبريل ﵇".
ثم بيّن الله تعالى حكمة هذا الزواج بقوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ أي لترتفع الوحشة في نفوس المؤمنين، ولا يجدوا في أنفسهم حرجاً من أن يتزوجوا نساءً كن من قبل زوجات لأدعيائهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ أي وكان ما يريد الله تكوينه من الأشياء التي منها إبطال التبني، ونسخ ما يترتب عليه من منع التزوج من أزواج الأدعياء ﴿مَفْعُولاً﴾ نافذاً، وحاصلاً لا مرد له، ولا مفر منه، واقعاً محققاً لا سبيل إلى تخلفه، ولا إلى الحيدة عنه. والله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 4684
كيف تكون مُدرسا ناجحا
بقلم فضيلة الشيخ عبد الرءوف اللبدي
المدرس بكلية الشريعة في الجامعة
كان لي ذات يوم تلميذ أحبه وأعجب به، كان ذكياً، وكان مجداً، وكان ذا خلق عظيم، قال لي ذات مرة: أودّ يا أستاذي أن أكون مدرساً في المستقبل، أود أن أكون مدرساً في المدارس الثانوية، ولا ضير أن أبدأ حياتي التعليمية في إحدى هذه المتوسطات، ولا يقعنّ في ظنك أنني قد اخترت هذا عن ضعف أو حاجة، فأبي _ والحمد لله _ لديه المال الكثير، وأنا كما ترى من الطلاب الأوائل في حياتي المدرسية، أستطيع التسجيل في أي كلية شئت، وأستطيع الدراسة في أي مادة أريد، ولكن الذي حداني إلى هذا أن التعليم _ فيما أظن _ أوسع مجال، وأفضل مكان، لمن أراد لأمته ولأبنائها الخير والنجاة والفلاح.
غير أني أودّ يا أستاذي أن أكون مفيداً مثمراً، أودّ أن أكون مدرساً صالحاً ناجحاً، ولا خير فيّ ولا في علمي إذا لم أكن ذاك، فكيف أكونه؟ وأنىّ لي ذلك؟
стр. 4685
قلت له: بارك الله فيك من طالب ذي نوايا طيبة وغايات عظيمة، أسأل الله لك الخير فيما اخترت، وأسأله تعالى الرشاد والسّداد فيما اعتزمت، إني لأجد يا بنيّ فيما قلت وسألت ريح النجاح، وأشيم على غدك تباشير الخير والظفر، فمن أبرز عوامل النجاح في التدريس، رغبة صادقة في هذا العمل لا تفتر، وعزيمة ماضية فيه لا تنثني، تذكيها أهداف خيّرة تبتغى، وتبعثها نوايا خالصة لوجه الله, والذين يختارون وظيفة التدريس، ويكون الغرض منها كسب الرزق وحده، ويكون المرتب الذي يقبض في نهاية كل شهر هو الهدف الأول والآخر، ولا شيء بعده، مثل هؤلاء المدرسين قلما يكونون في تدريسهم ناجحين مخلصين صابرين. أما الذي يختار وظيفة التدريس، ولا يكون المرتب الشهري غاية الغايات، بل يكون هناك غايات أخر، إنه يريد نفعاً لهذه الأمة، يريد أن يخرج أبناءها من جهل إلى علم، ومن فساد إلى رشاد، يريد أن يجمع قلوبهم على الإيمان بالله والتمسك بدينه، يريد أن يبصرهم بما في هذا العصر من سموم وضلالات، ولا سيما ما توارى خلف أسماء خادعات، يريد أن يعدّ طلابه ليكونوا علماء عاملين في شتى الميادين.
الذي يختار هذه الوظيفة وقد اعتزم مثل هذه الأهداف، فقد أخذ بسبب متين من أسباب النجاح والفلاح في هذا العمل.
ولا تظنّ أيها الطالب العزيز أن حبك التدريس واتخاذه وسيلة لغايات شريفة، وأهداف طيبة صالحة مثلى، لا تظن ذل كافياً لأن تكون مدرساً ناجحاً، فأنت في حاجة إلى أشياء كثيرة أخر، هاأنذا أقصها عليك:
стр. 4686
لا بد أن تكون قوياً في مادتك العلمية التي سوف تدرسها في المستقبل، وأن تكون ذا ميل طبيعي إليها، ولا بدّ لك على الأقل من أربع سنوات دراسية تخصصية تقضيها في دراسة تلك المادة بعد المرحلة الثانوية، على أن تبذل في خلال هذه السنوات جهدك في التحصيل والفهم والإطلاع والبحث والمناقشة, وإذا لم تكن مجداً في التحصيل، حريصاً على الفهم والتعمق، ذا ميل طبيعي إلى تلك المادة، فلن تكفيك أربع ولا سبع ولا عشر، وسوف تتخرج ضعيفاً في علمك وفهمك، وسوف يكون طلابك مثلك ضعفاء، وسوف يكتشفون ضعفك مهما حاولت أن تخفيه عنهم، وحينئذ تفقد ويفقدون ثقتهم فيك وفي علمك، وتسقط شخصيتك وهيبتك، ولن ينفعك يومئذ حسب ولا نسب ولا نشب ولا شهادة عالية ولا سيارة فارهة ولا ثوب جديد، ولا قصص جميلة مسلية تقصها عليهم لتملأ الفراغ، وسوف تشعر بالنقص، وتلك مصيبة أخرى، وإذا شعر المدرس بالنقص عامل طلابه بقسوة، وأخذهم بالعنف، وعاقبهم على ذنوب صغيرة تافهة، أو على ذنوب متخيلة يظنها لشعوره بالنقص أنها واقعة وما هي بالواقعة.
ومما يؤسف له أن في البلاد العربية الإسلامية كثيراً من هؤلاء المدرسين الضعفاء، يسرحون ويمرحون في أمن وطمأنينة، وينامون نوماً عميقاً طويلاً ليس فيه أحلام مزعجة، غير عابئين بما ينشأ عن ضعفهم من شر مستطير.
فحذارِ حذارِ يا بنيّ أن تكون واحداً من هؤلاء في المستقبل، فتضيع على المئات والآلاف من أبناء المسلمين أوقاتاً ثمينة كان ينبغي أن تكون ذات ثمر، وتحرمهم علماً كان ينبغي أن يزودوا به، ثم أنت بهذا تكتسب إثماً تحسبه هيناً، وهو _ فيما أظن _ عند الله عظيم.
стр. 4687
ولقد عرفت فيك _ يا بني _ الذكاء والفطنة، والذكاء صفة رئيسية من صفات المدرس الناجح، فهي التي تعينه من بعد عون الله على أن يكون قوياً في مادته العلمية، قادراً على أن يعالج بسرعة وكياسة مشكلات علمية وسلوكية قد تفجؤه في غرف التدريس، فإذا لم تكن على حظ من الذكاء والفطنة أسقط في يديك، واضطرب النظام في فصلك، وفقدت المكانة التي ينبغي أن تكون لك.
ثم أنت في حاجة إلى الذكاء في مواقف كثيرة، أنت في حاجة إليه حين تضع أسئلة الامتحان لطلابك، تلك الأسئلة التي أرجو أن تكون اختباراً لقدرتهم على الفهم، لا اختباراً لقدرتهم على الحفظ والاستظهار.
وأنت في حاجة إلى الذكاء يا بني لتعرف الفروق الفردية بين طلابك، فتعاملهم على أساسها، وتدرسهم بمقتضاها.
ثم أنت في حاجة إلى الذكاء لتعالج ما عساه أن يكون في المنهج المقرر من اضطراب أو تفاوت، وما عساه أن يكون في الكتاب المدرسي من أخطاء ونقص.
وما أكثر الأشياء التي تحتاج إلى ذكاء المدرس، ولولا أنك ذكي فطن يا بنيّ لنصحت لك أن تبحث عن عمل آخر غير التدريس.
التدريس يا بني قيادة، ولن تنجح قيادة بدون ذكاء.
ثم إنك أيها التلميذ العزيز لا مفر من أن تدرس التربية وعلم النفس وطرق التدريس، ومع اعترافي بأن المدرس مطبوع لا مصنوع، وأن المدرس يولد مدرساً بالفطرة، مع ذلك لا غناء لأي مدرس عن هذه الدراسة، غير أنه يمكن أن يقال في مثل هذا المقام: إن المدرس المطبوع لا يحتاج إلى طويل دراسة وكثير تمرين، وإن المدرس المصنوع يحتاج إليهما طويلاً، وربما لا يفيدانه إلى قليلاً.
стр. 4688
وليس الغرض من هذه الدراسة أن يكون المدرس مستعبداً لها مقيداً بها، وإنما الغرض أن يستعين بها ويجربها، ويطبقها مرة بعد مرة، ليصل إلى ما يراه مناسباً لتلاميذه، وقد يزيد في بعض الطرق وقد يختصر، وقد ينوع في استعمالها من موقف إلى آخر. وبهذه الدراسة يا بني تستطيع أن تعرف أشياء كثيرة من خصائص الطلاب الجسمية والعقلية والنفسية التي تساعدك على النجاح في تدريسك، وتساعدك على فهم الدوافع التي تكمن وراء تصرفات بعض الطلاب، قد تبدو غريبة لبعض المدرسين، فيظنونها حيناً تمرداً وعصياناً، ويظنونها حيناً كسلاً وعبثاً وضعفاً، وما هي في واقع الأمر من هذا ولا ذلك في شيء.
وإذا كان المدرس قوياً في مادته ذكياً ذا اطلاع جيد في التربية وعلم النفس وطرق التدريس، محباً لطلابه حريصاً على إفادتهم، إذا كان على هذه الصورة استطاع بسهولة أن يختار الطريقة المناسبة لطلابه ومادته، دون أن يضيع وقتا طويلا أو يقوم بتجارب كثيرة.
واختيار الطريقة المثلى من أعظم صفات المدرس الناجح، ولقد قال أحد رجال التربية: إن الطريقة الصحيحة في التعليم تطيل العمر، ومعنى هذا أن الطرق الصحيحة توفر الوقت والجهد على الطالب، فيزداد انتفاعه بأيام حياته، ويجني الفهم الكثير والعلم الغزير في زمن قصير، وبذلك تصبح حياته مضاعفة الفوائد عظيمة الأجر.
ولست الآن يا بنيّ بحاجة إلى أن أعرض عليك طرق التدريس وما فيها من محاسن ومساوئ وأن أبين المجالات الصالحة لكل طريقة، فهذا شيء سوف تدرسه إن شاء الله فيما بعد، غير أن هناك ما لا أستطيع إلا أن أعجل به، هناك يا بني ثلاثة أشياء، لا تكاد تخلو منها أية مادة، أو يتجافى عنها أي درس جديد.
стр. 4689
أولها المقدمة: وهذه المقدمة تكون في أول الحصة، وتقوم على أسئلة يوجهها المدرس إلى طلابه عن معلومات سابقة ذات صلة بموضوع الدرس الجديد أو ذات إثارة وتطلع إلى ذلك الدرس، على ألا تزيد هذه المقدمة على خمس دقائق ومن الخطأ أن يأتي المدرس بمقدمة لا تقوم على أسئلة موجهة إلى الطلاب، أو أن يبدأ درسه الجديد من غير مقدمة تنبه أذهان الطلاب التي كانت عنه غافلة، وتهيئ نفوسهم التي كانت عنه في شغل.
الشيء الثاني: أن يناقش طلابه مناقشة سريعة موجزة في نهاية كل مرحلة من مراحل درسه الجديد، ليطمئن إلى فهمهم ومدى استيعابهم، وليجدد فيهم النشاط والحياة، وليحول بينهم وبين شرود الأذهان وسروح الخواطر، والمعروف في علم النفس أن الطالب الإعدادي والثانوي في الكثير الغالب لا يستطيع أن يركز انتباهه بصورة مستمرة طوال الحصة، فبعد مضي فترة من الحصة تقارب خمس عشرة دقيقة يشرد ذهنه في عالم آخر، أو ينام، أو يعبث بالنظام، ولذلك كان على المدرس ألا يسمح بشرود الأذهان، وألا يتيح الفرص للنوم والعبث، ذلك بأن يسأل الطلاب من حين إلى حين عماّ درس لهم، وأن يشركهم في البحث والمناقشة في معلومات الدرس الجديد، وألا يتركهم طلاباً مستقبلين فقط، عليهم أن ينصتوا ويستمعوا ولا شيء غير ذلك، بل عليه أن يتيح لهم الفرص ليكونوا مستقبلين حيناً ومرسلين حيناً آخر، ينصتون حيناً وينصت إليهم حيناً آخر، يسألهم مرة ويسألونه مرة أخرى.
الشيء الثالث: أن تخصص الدقائق الخمس الأخيرة أو ما يقاربها من الحصة لتلخيص الدرس الجديد، على ألا يكون التلخيص من قبل المدرس، ولا أن يكلف به طالب واحد، ولكن يكون التلخيص بأسئلة متسلسلة تنظم أهم ما في الدرس الجديد، يقوم المدرس بتوجيهها إلى طلاب متفاوتين في القوة غير متجاورين في المقاعد، وبهذه الأسئلة يعرف المدرس مقدار ما فهمه طلابه، ومستوى ما حصلوه، ومقدار نجاحه في عمله.
стр. 4690
أما المدرس الذي يقضي حصته كلها يتكلم ويشرح، والطلاب سامعون ينظرون، لا يسألهم عن شيء، ولا يسألونه عن شيء، مثل هذا المدرس قد نسميه خطيباً مفوّهاً، وقد نسميه متحدثاً فصيحاً، ولكننا لا نستطيع بأية حال أن نسميه مدرساً ناجحاً، فنجاح المدرس لا يقاس بمقدار ما يشرح ويتحدث، ولكن بمقدار ما يفهم الطلاب من درسه، وبمقدار ما يشاركونه في ذلك الدرس.
الطالب بعد تخرجه سيعرض له كثير من المسائل العلمية التي ليس له بها علم من قبل، وسوف يسأله طلابه أو الناس عن أمور لم تمرّ به ولم يمرّ بها، فإذا لم يكن قد درب في أثناء الدراسة على البحث العلمي، والملاحظة الدقيقة، والتفكير المنظم، وعلى الوصول إلى المعلومات بجده وكده ومناقشاته _ وقف عاجزاً ضعيفاً في ميادين العلم والدعوة والتعليم، يبكي ولا يجد من يمسح دموعه، ويندم ولات ساعة مندم.
أما الطلاب الذين دربوا في أثناء دراستهم على أن يسألوا مدرسهم ويسألهم، ويناقشوه في قضايا العلم ويناقشهم، وعلى أن يحصلوا العلم بالبحث والتنقيب في الكتب والمكتبات، أما هؤلاء فسوف يكونون في المستقبل بعون الله علماء أقوياء، ولا يكونون عاجزين ضعفاء.
ومن الملاحظ أن كثيراً من ذوي الشهادات العالية في البلاد العربية الإسلامية ليس في إنتاجهم عمق ولا جدة، وربما كان من أعظم الأسباب في ذلك أن الطريقة التي تعلموا بها كانت طريقة سيئة تقوم على الحفظ والاستظهار، لا على البحث والمناقشة ودقة الملاحظة وتحمل المسئولية في تحصيل العلم.
ولن يتم نجاح المدرس يا بني إلا بالعقيدة الصادقة والخلق الكريم، لا يتكلف ذلك تكلفاً، ولا يلبس له ثياب الممثلين على المسارح.
стр. 4691
ومن الثابت لدى علماء التربية أن الطالب يتأثر بسلوك مدرسه وأعماله وتصرفاته أكثر من تأثره بما يلقيه عليه من نصائح ومواعظ، ولهذا ولأشياء أخرى كثيرة غير هذا، كان عليه أن يكون قدوة صالحة في أعماله وتصرفاته وسلوكه وأقواله قبل أن يتقدم إلى الطلاب بمواعظه ونصائحه.
وعليه أن يثبت في قلوب طلابه عقيدة صافيه عميقة، وأن يغرس في نفوسهم أخلاقاً كريمة حميدة مبنية على تلك العقيدة منبعثة منها، فتشيع في نفوسهم الأمن والطمأنينة والراحة التي ينعم بها المؤمنون، وتلقى عنهم القلق والشك والحيرة التي يشقى بها الملحدون الضالون.
ولن أستطيع في مثل هذا الموقف أن أعدد الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة التي ينبغي أن تكون في المدرس الناجح، ولكن أقربها صلة إلى عمله، وأوثقها ارتباطاً بوظيفته، وأبعدها أثراً في نجاحه_ أن يكون عادلاً في معاملته لطلابه، فلا يقبل على بعض ويعرض عن بعض، ولا يعامل طالباً بعطف ولطف وطالباً آخر بجفاء وفظاظة، ولا يختص بأسئلته ومناقشاته الأقوياء، دون أن يعنى بالمتوسطين والضعفاء.
أن يكون عادلاً في أسئلة الامتحانات، فلا يكون فيها تعسف ولا إعنات، وأن تكون في مستوى ما كان يعلمه لطلابه، ومن الظلم أن يكون المدرس مترفقاً سهلاً في تدريسه، يمرّ بمسائل العلم مرّاً ليّناً ليس فيه تعمق ولا سعة، حتى إذا جاء الامتحان كانت الأسئلة عميقة دقيقة كثيرة الثنايا والعقبات، على مستوى لم يعرفه طلابه في دروسه، ولم يدربهم عليه من قبل.
وأن يكون عادلاً في تصحيح الإجابات، فلا يخشى مجد أن يضيع له حق، ولا يطمع كسول أن يأخذ أكثر مما يستحق.
وأن يكون متواضعاً ليّن الجانب، بعيداً عن العجب والكبر والمخيلة، لا يتهيب الطلاب أن يسألوه كلما غامت عليهم مسألة، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً أن يستعينوا به كلما عرضت لهم مشكلة.
стр. 4692
أن يكون محباً لطلابه عطوفاً عليهم، يتألم لآلامهم، ويأسى لما يلحق بهم من أذى، يعنى بضعفائهم ولا يسخر من أخطائهم ويتخذ منها وسيلة للاستهزاء والزراية، ولا يدخر جهداً في سبيل إفادتهم وتعليمهم وإرشادهم إلى ما يفيدهم في حياتهم الدراسية، وفي حياتهم اليومية، وفي حياة المستقبل بعد التخرج.
وأن يكون قوي الإرادة ضابطاً لنفسه، لا يسرع إليه غضب ولا ثورة، ولا يستغل قوانين المدرسة وأنظمتها لإيقاع العقوبة وإظهار السلطة كلما مرّ طالب بعبث عابر، أو صدر عن طالب صغير ذنب، أو وقع طالب في تقصير غير معتاد.
على أنه ينبغي ألا يفهم الطلاب من تسامحه وسعة صدره وحلمه أنه ضعيف عاجز، فيستخفوا به، ويستهينوا بأمره، وتفلت الأمور من بين يديه، وهذا موقف دقيق يحتاج إلى كياسة وفطنة وحزم.
ولا بدّ للمدرس الناجح أن يحافظ على ثلاثة أشياء محافظة شديدة:
الشيء الأول: أن يحافظ على المواعيد التي يضربها لتلاميذه، كتصحيح دفاتر الإنشاء والتطبيق، أو مناقشة مسائل علمية، أو إجراء بعض الاختبارات، أو القيام بنشاط لا صفي، وإن إخلاف الموعد أكثر من مرة يحط من قدره، ويجعله قدوة سيئة لطلابه، ولا ينبغي للمدرس أن يستهين بهذا الأمر ظاناً أن هذه أشياء ليست بذات أهمية، أو أنهم طلاب لا يقدرون المسئولية.
الشيء الثاني: أن يحافظ على أوقات طلابه، وأن يحرص عليها جد الطاقة، وليحذرن أن يخادع نفسه أو يخدع الناس بمعاذير واهية، هو يعرف حق المعرفة أنها لا تنفعه شيئاً عند الله، فوقت الحصة ليس ملكاً للمدرس، وليس من حقه أن يتصرف به تصرفاً ليس للطلاب من ورائه نفع ولا صلاح، فخمس دقائق إذا اعتاد المدرس أن يختلسها من كل حصة ومن كل طالب هي شيء كثير جداً إذا جمعت في نهاية العام.
стр. 4693
ومن ضياع الوقت على الطلاب أن يخرج المدرس عن موضوع درسه إلى أمور أخرى ليس بينها وبين الدرس نسب ولا صلة رحم، وقد يعرف الطلاب فيه هذا العيب، فيأخذون يستدرجونه إليه من حيث لا يدري، كلما سنحت فرصة، عابثين به مستخفين بقدره، وبذلك يفلت الزمام من يديه، ويسقط في ميدان القيادة عاثراً، دون أن يجد أحداً يقيله من هذا العثار.
ومن ضياع الوقت على الطلاب أن تعمل في داخل الفصل شيئاً يمكن أن تقوم به خارج الفصل، دون أن تضيع على الطلاب فائدة تذكر.
الشيء الثالث: أن تحافظ على النظام داخل الفصل فيكون شرحك وأسئلتك مسموعة لكل طالب، ويكون كل طالب منتبهاً إليك، دون أن تسمح لطلابك بأن يشغل بعضهم ببعض في حديث أو جدل أو تهامس، فيكون في ذلك تشويش عليك وعلى سائر الطلاب، وانصراف ومشغلة عن موضوع الدرس، ولذلك ينبغي أن تقف في مكان في الفصل يراك فيه الطلاب جميعاً، وتراهم منه جميعاً، ومما يعاب على المدرس أن يمشي في الفصل أمام الطلاب ذهاباً وجيئة، مقبلاً مدبراً، أو يجوس خلال المقاعد، لأن هذا يعطي فرصة مواتية لعبث العابثين منهم، ويجعلهم يملون ملاحقته بأبصارهم من جهة إلى جهة.
ولا بد للمدرس الناجح أن يكون متعاوناً، فيبذل ما يستطيع من وقته وجهده وعلمه وخبرته فيما يتطلب المسؤولون عنه من أعمال إضافية عابرة، وفيما يحتاج إليه إخوانه المدرسون من حل مشكلة تعليمية أو تربوية، ومن مشاركة في نشاط لا صفي، وفيما يحتاج إليه طلابه خارج الفصل من فهم مسألة علمية، أو إعطاء بعض حصص إضافية للضعفاء، إذا اتسع لديه الوقت وأسعفه الجهد، ومن الأنانية الذميمة أن يتهرب المدرس من المسؤولية العامة، وأن يقصر جهده على حصصه المقررة في جدول الدروس الأسبوعي.
стр. 4694
ولا بد للمدرس الناجح أن يكون كثير القراءة واسع الاطلاع، ومن المؤسف حقاً أن كثيراً من المدرسين لا يقرءون، مكتفين بما قرءوه أيام كانوا طلاباً في الجامعة أو دور المعلمين، والمدرس الذي لا يقرأ إنما هو مدرس يموت عقله يوماً بعد يوم، ويموت علمه مسألة بعد مسألة، ولن يمضي عليه طويل وقت حتى يصبح في مستوى طلابه، لا يعرف أكثر مما في الكتاب المقرر، وربما كان بعض طلابه الأذكياء ذوي قراءات خاصة وحسن اطلاع، فيكونون أكثر منه علماً وأوسع منه معرفة، وقد يوقعونه في مآزق لا يدري كيف تكون فيها النجاة، ويسوقونه إلى مواقف علمية حرجة تسقط فيها هيبته ومكانته وراية القيادة من يده.
ولا ينبغي للمدرس أن يقتصر قراءته واطلاعه على مادة اختصاصه، وما يتصل بمهنته، فإنه إن فعل هذا ظل أفقه ضيقاً، وتفكيره محدوداً، على الرغم من أنه قد يكون واسع الاطلاع عميقاً في مادة اختصاصه.
إن عصرنا هذا يموج بأنواع العلوم والثقافة، فينبغي أن يلم المدرس بأطراف نافعة صالحة منها، ما اتسع له الوقت وأسعفه الجهد، وأن يرشد طلابه إلى كل نافع مفيد، وكلما شعر الطلاب أن مدرسهم أوسع منهم علماً، وأكثر منهم اطلاعاً، وأعمق منهم تفكيراً، ازدادوا ثقة فيه، ورغبة في الاستماع إليه، وتأثراً بما يقول، واقتداء بما يعمل.
ولا بد للمدرس الناجح من صحة جيدة تمكنه من القيام بواجبه على أفضل وجه، فيستطيع أن يشرح ويناقش دون أن تبح حنجرته وتنهج رئتاه، ويستطيع أن يظل واقفاً في حصصه مشرفاً على طلابه دون أن تنوء به ساقاه، ويستطيع أن يحضر دروسه اليومية في البيت قبيل أن يأخذه النعاس ويستولي عليه التعب.
والصحة سبب من أسباب النشاط، ودعامة قوية من دعائمه، ولكنها لا تستلزمه ولا تستوجبه، فلدى بعض المدرسين صحة جيدة، ولكن الكسل طبيعة فيهم وخلق، ولدى بعض المدرسين شيخوخة سن ووهن عظام، ولكنهم يأبون على أنفسهم القعود عن الواجب والإخلاد إلى الأرض.
стр. 4695
والمدرس الناجح لا بد أن تكون لغته سليمة من العيوب اللسانية، مبرأة من اللهجات العامية، واضحة الكلمات والحروف، مسموعة في أرجاء الفصل، لا تصخ الآذان ولا تخافت، ليس فيها إسراع يضيع المعنى، ولا إبطاء يبعث على الملل.
وينبغي أن يكون الأسلوب جذاباً يثير الانتباه ويبعث على الارتياح، غير عابس ولا جاف، يفسح للفكاهة المهذبة العابرة إذا دعت إليها مناسبة.
وهناك علاقة قوية وصلة وثيقة بين لغة المدرس وبين شعوره نحو طلابه وحبه لمادته ودرسه، فإذا كان المدرس قوياً في مادته، محباً لطلابه, يحس بالراحة والأنس في غرف التدريس، رأيت ذلك واضحا في حركاته ولفتاته وشرحه، وأحسست أن في لغته وأسلوبه تياراً من الكهرباء يضيء ولا يحرق، ورائحة ذكية تنعش أرواح الطلاب دون عطر ولا زهر.
أما إذا كانت لغة المدرس رديئة، تغلب عليها العامية، أو كانت مضطربة قلقة، يبدئ فيها ويعيد دون أن يفهم شيئاً، أو كان المدرس يأكل بعض الحروف، أو ينطق بها محرفة، إذا كانت لغة المدرس على شيء من هذا أو نحوه، مجتها آذان الطلاب، وضاقت بها صدورهم، وفرت منها آذانهم، وتجهمت لها الوجوه, أي شيء يغريهم بالاستماع إلى ما يقول وهو لا يفهمون عنه شيئاً ولا يعقلون؟!
وقد أجري استفتاء عام على طلاب المدارس الثانوية في إحدى الدول المتقدمة الكبرى، استفتاء يذكرون فيه الصفات التي يفضلونها في المدرس، فكان من تلك الصفات التي أجمعوا على تفضيلها في المدرس أن تكون لغته سليمة واضحة متخيّرة.
وقد أجري استفتاء آخر على الموجهين التربويين في إحدى الدول العربية عن الصفات التي يقاس بها نجاح المدرس، فكان من تلك الصفات التي أجمعوا عليها أن تكون لغته فصيحة مفهومة.
следующие страницы →