Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
ومن الثابت لدى علماء التربية أن الطالب يتأثر بسلوك مدرسه وأعماله وتصرفاته أكثر من تأثره بما يلقيه عليه من نصائح ومواعظ، ولهذا ولأشياء أخرى كثيرة غير هذا، كان عليه أن يكون قدوة صالحة في أعماله وتصرفاته وسلوكه وأقواله قبل أن يتقدم إلى الطلاب بمواعظه ونصائحه.
وعليه أن يثبت في قلوب طلابه عقيدة صافيه عميقة، وأن يغرس في نفوسهم أخلاقاً كريمة حميدة مبنية على تلك العقيدة منبعثة منها، فتشيع في نفوسهم الأمن والطمأنينة والراحة التي ينعم بها المؤمنون، وتلقى عنهم القلق والشك والحيرة التي يشقى بها الملحدون الضالون.
ولن أستطيع في مثل هذا الموقف أن أعدد الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة التي ينبغي أن تكون في المدرس الناجح، ولكن أقربها صلة إلى عمله، وأوثقها ارتباطاً بوظيفته، وأبعدها أثراً في نجاحه_ أن يكون عادلاً في معاملته لطلابه، فلا يقبل على بعض ويعرض عن بعض، ولا يعامل طالباً بعطف ولطف وطالباً آخر بجفاء وفظاظة، ولا يختص بأسئلته ومناقشاته الأقوياء، دون أن يعنى بالمتوسطين والضعفاء.
أن يكون عادلاً في أسئلة الامتحانات، فلا يكون فيها تعسف ولا إعنات، وأن تكون في مستوى ما كان يعلمه لطلابه، ومن الظلم أن يكون المدرس مترفقاً سهلاً في تدريسه، يمرّ بمسائل العلم مرّاً ليّناً ليس فيه تعمق ولا سعة، حتى إذا جاء الامتحان كانت الأسئلة عميقة دقيقة كثيرة الثنايا والعقبات، على مستوى لم يعرفه طلابه في دروسه، ولم يدربهم عليه من قبل.
وأن يكون عادلاً في تصحيح الإجابات، فلا يخشى مجد أن يضيع له حق، ولا يطمع كسول أن يأخذ أكثر مما يستحق.
وأن يكون متواضعاً ليّن الجانب، بعيداً عن العجب والكبر والمخيلة، لا يتهيب الطلاب أن يسألوه كلما غامت عليهم مسألة، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً أن يستعينوا به كلما عرضت لهم مشكلة.
стр. 4692
أن يكون محباً لطلابه عطوفاً عليهم، يتألم لآلامهم، ويأسى لما يلحق بهم من أذى، يعنى بضعفائهم ولا يسخر من أخطائهم ويتخذ منها وسيلة للاستهزاء والزراية، ولا يدخر جهداً في سبيل إفادتهم وتعليمهم وإرشادهم إلى ما يفيدهم في حياتهم الدراسية، وفي حياتهم اليومية، وفي حياة المستقبل بعد التخرج.
وأن يكون قوي الإرادة ضابطاً لنفسه، لا يسرع إليه غضب ولا ثورة، ولا يستغل قوانين المدرسة وأنظمتها لإيقاع العقوبة وإظهار السلطة كلما مرّ طالب بعبث عابر، أو صدر عن طالب صغير ذنب، أو وقع طالب في تقصير غير معتاد.
على أنه ينبغي ألا يفهم الطلاب من تسامحه وسعة صدره وحلمه أنه ضعيف عاجز، فيستخفوا به، ويستهينوا بأمره، وتفلت الأمور من بين يديه، وهذا موقف دقيق يحتاج إلى كياسة وفطنة وحزم.
ولا بدّ للمدرس الناجح أن يحافظ على ثلاثة أشياء محافظة شديدة:
الشيء الأول: أن يحافظ على المواعيد التي يضربها لتلاميذه، كتصحيح دفاتر الإنشاء والتطبيق، أو مناقشة مسائل علمية، أو إجراء بعض الاختبارات، أو القيام بنشاط لا صفي، وإن إخلاف الموعد أكثر من مرة يحط من قدره، ويجعله قدوة سيئة لطلابه، ولا ينبغي للمدرس أن يستهين بهذا الأمر ظاناً أن هذه أشياء ليست بذات أهمية، أو أنهم طلاب لا يقدرون المسئولية.
الشيء الثاني: أن يحافظ على أوقات طلابه، وأن يحرص عليها جد الطاقة، وليحذرن أن يخادع نفسه أو يخدع الناس بمعاذير واهية، هو يعرف حق المعرفة أنها لا تنفعه شيئاً عند الله، فوقت الحصة ليس ملكاً للمدرس، وليس من حقه أن يتصرف به تصرفاً ليس للطلاب من ورائه نفع ولا صلاح، فخمس دقائق إذا اعتاد المدرس أن يختلسها من كل حصة ومن كل طالب هي شيء كثير جداً إذا جمعت في نهاية العام.
стр. 4693
ومن ضياع الوقت على الطلاب أن يخرج المدرس عن موضوع درسه إلى أمور أخرى ليس بينها وبين الدرس نسب ولا صلة رحم، وقد يعرف الطلاب فيه هذا العيب، فيأخذون يستدرجونه إليه من حيث لا يدري، كلما سنحت فرصة، عابثين به مستخفين بقدره، وبذلك يفلت الزمام من يديه، ويسقط في ميدان القيادة عاثراً، دون أن يجد أحداً يقيله من هذا العثار.
ومن ضياع الوقت على الطلاب أن تعمل في داخل الفصل شيئاً يمكن أن تقوم به خارج الفصل، دون أن تضيع على الطلاب فائدة تذكر.
الشيء الثالث: أن تحافظ على النظام داخل الفصل فيكون شرحك وأسئلتك مسموعة لكل طالب، ويكون كل طالب منتبهاً إليك، دون أن تسمح لطلابك بأن يشغل بعضهم ببعض في حديث أو جدل أو تهامس، فيكون في ذلك تشويش عليك وعلى سائر الطلاب، وانصراف ومشغلة عن موضوع الدرس، ولذلك ينبغي أن تقف في مكان في الفصل يراك فيه الطلاب جميعاً، وتراهم منه جميعاً، ومما يعاب على المدرس أن يمشي في الفصل أمام الطلاب ذهاباً وجيئة، مقبلاً مدبراً، أو يجوس خلال المقاعد، لأن هذا يعطي فرصة مواتية لعبث العابثين منهم، ويجعلهم يملون ملاحقته بأبصارهم من جهة إلى جهة.
ولا بد للمدرس الناجح أن يكون متعاوناً، فيبذل ما يستطيع من وقته وجهده وعلمه وخبرته فيما يتطلب المسؤولون عنه من أعمال إضافية عابرة، وفيما يحتاج إليه إخوانه المدرسون من حل مشكلة تعليمية أو تربوية، ومن مشاركة في نشاط لا صفي، وفيما يحتاج إليه طلابه خارج الفصل من فهم مسألة علمية، أو إعطاء بعض حصص إضافية للضعفاء، إذا اتسع لديه الوقت وأسعفه الجهد، ومن الأنانية الذميمة أن يتهرب المدرس من المسؤولية العامة، وأن يقصر جهده على حصصه المقررة في جدول الدروس الأسبوعي.
стр. 4694
ولا بد للمدرس الناجح أن يكون كثير القراءة واسع الاطلاع، ومن المؤسف حقاً أن كثيراً من المدرسين لا يقرءون، مكتفين بما قرءوه أيام كانوا طلاباً في الجامعة أو دور المعلمين، والمدرس الذي لا يقرأ إنما هو مدرس يموت عقله يوماً بعد يوم، ويموت علمه مسألة بعد مسألة، ولن يمضي عليه طويل وقت حتى يصبح في مستوى طلابه، لا يعرف أكثر مما في الكتاب المقرر، وربما كان بعض طلابه الأذكياء ذوي قراءات خاصة وحسن اطلاع، فيكونون أكثر منه علماً وأوسع منه معرفة، وقد يوقعونه في مآزق لا يدري كيف تكون فيها النجاة، ويسوقونه إلى مواقف علمية حرجة تسقط فيها هيبته ومكانته وراية القيادة من يده.
ولا ينبغي للمدرس أن يقتصر قراءته واطلاعه على مادة اختصاصه، وما يتصل بمهنته، فإنه إن فعل هذا ظل أفقه ضيقاً، وتفكيره محدوداً، على الرغم من أنه قد يكون واسع الاطلاع عميقاً في مادة اختصاصه.
إن عصرنا هذا يموج بأنواع العلوم والثقافة، فينبغي أن يلم المدرس بأطراف نافعة صالحة منها، ما اتسع له الوقت وأسعفه الجهد، وأن يرشد طلابه إلى كل نافع مفيد، وكلما شعر الطلاب أن مدرسهم أوسع منهم علماً، وأكثر منهم اطلاعاً، وأعمق منهم تفكيراً، ازدادوا ثقة فيه، ورغبة في الاستماع إليه، وتأثراً بما يقول، واقتداء بما يعمل.
ولا بد للمدرس الناجح من صحة جيدة تمكنه من القيام بواجبه على أفضل وجه، فيستطيع أن يشرح ويناقش دون أن تبح حنجرته وتنهج رئتاه، ويستطيع أن يظل واقفاً في حصصه مشرفاً على طلابه دون أن تنوء به ساقاه، ويستطيع أن يحضر دروسه اليومية في البيت قبيل أن يأخذه النعاس ويستولي عليه التعب.
والصحة سبب من أسباب النشاط، ودعامة قوية من دعائمه، ولكنها لا تستلزمه ولا تستوجبه، فلدى بعض المدرسين صحة جيدة، ولكن الكسل طبيعة فيهم وخلق، ولدى بعض المدرسين شيخوخة سن ووهن عظام، ولكنهم يأبون على أنفسهم القعود عن الواجب والإخلاد إلى الأرض.
стр. 4695
والمدرس الناجح لا بد أن تكون لغته سليمة من العيوب اللسانية، مبرأة من اللهجات العامية، واضحة الكلمات والحروف، مسموعة في أرجاء الفصل، لا تصخ الآذان ولا تخافت، ليس فيها إسراع يضيع المعنى، ولا إبطاء يبعث على الملل.
وينبغي أن يكون الأسلوب جذاباً يثير الانتباه ويبعث على الارتياح، غير عابس ولا جاف، يفسح للفكاهة المهذبة العابرة إذا دعت إليها مناسبة.
وهناك علاقة قوية وصلة وثيقة بين لغة المدرس وبين شعوره نحو طلابه وحبه لمادته ودرسه، فإذا كان المدرس قوياً في مادته، محباً لطلابه, يحس بالراحة والأنس في غرف التدريس، رأيت ذلك واضحا في حركاته ولفتاته وشرحه، وأحسست أن في لغته وأسلوبه تياراً من الكهرباء يضيء ولا يحرق، ورائحة ذكية تنعش أرواح الطلاب دون عطر ولا زهر.
أما إذا كانت لغة المدرس رديئة، تغلب عليها العامية، أو كانت مضطربة قلقة، يبدئ فيها ويعيد دون أن يفهم شيئاً، أو كان المدرس يأكل بعض الحروف، أو ينطق بها محرفة، إذا كانت لغة المدرس على شيء من هذا أو نحوه، مجتها آذان الطلاب، وضاقت بها صدورهم، وفرت منها آذانهم، وتجهمت لها الوجوه, أي شيء يغريهم بالاستماع إلى ما يقول وهو لا يفهمون عنه شيئاً ولا يعقلون؟!
وقد أجري استفتاء عام على طلاب المدارس الثانوية في إحدى الدول المتقدمة الكبرى، استفتاء يذكرون فيه الصفات التي يفضلونها في المدرس، فكان من تلك الصفات التي أجمعوا على تفضيلها في المدرس أن تكون لغته سليمة واضحة متخيّرة.
وقد أجري استفتاء آخر على الموجهين التربويين في إحدى الدول العربية عن الصفات التي يقاس بها نجاح المدرس، فكان من تلك الصفات التي أجمعوا عليها أن تكون لغته فصيحة مفهومة.
стр. 4696
ولا بدّ للمدرس الناجح أن يكون نظيفاً حسن البزة دون تكلف ولا مبالغة، والمدرس الذي لا يعنى بحسن مظهره ولا أناقة هندامه، ظاناً أن القيمة كلها لعلمه وأخلاقه وحسن إفادته، هو مدرس لم ينظر إلى الطرف الآخر في هذه القضية، فإن الناس وفيهم الذين يعنيهم هذا الأمر، لهم فيه رأي آخر، فالمظاهر الحسنة كانت ولا تزال لها قيمة تذكر، وسحر يؤثر، ونفوذ عجيب، وإنك لتجد هذا واضحا في شتى شؤون الحياة: في غلف الكتب والمجلات التي تطبع وفي أجسام السيارات التي تصنع، وفي هندسة البيوت التي تبنى، وفي قصائد الشعر وقطع النثر التي تروى، وفي زخرفة الآنية التي نأكل بها ونشرب، وفي الثياب التي نختارها ونلبس، الحقائق وحدها يا بني لا تكفي، لابدّ للحقائق من أن تلبس ثوباً جذاباً يلفت الأنظار ويجذب الأبضار، ولكن إياك إياك والمبالغة والتكلف وتجاوز حدود الاعتدال، فإن لذلك آثاراً سيئة جداً.
هذا يا بني ما أردت أن أقوله لك اليوم، كي تكون مدرساً ناجحاً في المستقبل، وسوف تمدك الدراسة المسلكية والتجارب العملية، والقراءة الدائبة والاطلاع الواسع، بأكثر من هذا وأوسع.
وإني لأسأل الله تعالى أن يهيئ لك البيئة الصالحة والجو الملائم، كي تجد هذه الصفات التي ذكرت طريقها إلى العمل والأثمار، فأسأله تعالى أن يهيئ لك في المدرسة التي سوف تدرس فيها إدارة حازمة عادلة تقول للمحسن قد أحسنت وتقول للمسيء قد أسأت، فيزداد المحسن إحساناً على إحسانه ويرجع المسيء عن التمادي في ضلاله وبهتانه.
وأسأل الله تعالى أن تجد أمامك مناهج على مستوى طلابك، وعلى قدر الحصص المقررة في العام الدراسي، وكتباً جيدة الطباعة، وافية بالمنهج، محضرة بين أيدي الطلاب في بداية السنة الدراسية، وبذلك توفر وقتك وجهدك للتعليم والإفادة، فلا تشقى ولا يشقى من معك من الطلاب في معالجة عيوب المنهج، ولا في تصحيح الكتب المقررة.
стр. 4697
وأسأله تعالى أن تجد أمامك فصولاً دراسية ليست مزدحمة بالطلاب، ذات أعداد يرضى عنها رجال التربية، وأن تجدغرفاً دراسية واسعة، تشرق فيها الشمس، ويتجدد فيها الهواء، وتفيض أرجاؤها بالنور، قد أثثت بمقاعد مريحة، وسبورة واسعة صالحة.
وأسأله تعالى أن يهب لك مرتباً حسناً، يوفر لك حياة كريمة، وبالاً ناعماً، كي تتفرغ للقراءة والدراسة والتربية والتعليم، بجهد خالص، ونفس راضية مطمئنة.
وبعد هذا كله، وقبل هذا كله، أسأل الله تعالى أن يرعاك وأن يسدد خطاك، وسلام الله عليك يا بني، وسلام الله عليكم أيها الإخوة المستمعون الكرام. . .
стр. 4698
معارك الدعوة الإسلامية
بقلم فضيلة الشيخ د. محمد حمد خليفة
المدرس بكلية الشريعة في الجامعة
تعرضت الدعوة الإسلامية عبر القرون والأجيال لأنواء المحن، وألوان الإحن، وتيارات من عواصف الفتن، ما سكن هياجها إلا لتلتقي ريحها كما تلتقي زعازع النكباء فتحاول اجتثاث جذور كلّ ما ساخ وأوغل ورسخ في الأعماق.
ناوأتها الوثنية، ودارت معاركها مع اليهودية، واجتمعت عليها جحافل الصليبية اللادينية وأخيراً كان أبناؤها شراً عليها من أعدائها:
لقد عانت أول ما عانت من الوثنية حين هتف أول صوت للحق على جبل الصفا يدعو إلى عبادة الواحد الصمد، فعارضه صوت الوثنية يتفجر من قلب أبي لهب يواجه داعي الحق: تَبّاً لك ألهذا جمعتنا؟ ومنذ ذلك بدأت معركة الدعوة تعاني محناً كظلمات الليل، وتختلس الخطى إلى من أراد الله لهم الخير، وعبأت قريش لتلك المعركة كل سلاح: فتارة تحارب الدعوة بسلاح التشكيك في كتاب الله فترميه بالشعر حين رأت الفصحاء يخرون أمام بيانه، وتارة تتهم الداعي الأمين بالسحر لأن قوة إقناعه بالدعوة تستلب الرجل من أحضان زوجته، فيؤمن بالله وتؤثر المرأة وثنية أهلها فيتهم رسول الله ﷺ بأنه الساحر الذي يفرق بين المرء وزوجه، فلما هزمت أسلحة التشكيك أمام منطق الدعوة اتخذت قريش سلاح التعذيب ولكنه تحطم على صلابة الإيمان، وكان في صبر آل ياسر الدليل الدامغ على أن العذاب لا يروع قلوب المؤمنين، بل إن الموت اشهى لهم من حياتهم في ظل الوثنية، وقَدْمَتْ سميةُ زوجة ياسر أول بذل للحياة في سبيل الإسلام.
стр. 4699
وبعد ثلاثة عشر عاماً قضتها الدعوة الإسلامية في معارك صاخبة مع الوثنية في مكة هاجرت إلى المدينة لتتخذ منها قاعدة للانطلاق بعيدة عن تحدي الوثنية وظلمها غير أنها انتقلت من ميدان الوثنية لتلاقي في المدينة عدواً جديداً تمثل في اليهودية المنحرفة التي وقف أصحابها يرقبون لعل العرب يأكل بعضهم بعضاً، فلما قويت شوكة المسلمين بعد بدر اشتد قلقهم، وحينما هزموا في أُحد دبروا إيقاع الفتنة بين المسلمين فقالوا لهم: ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم؟ فارجعوا إلى دينكم فهو خير لكم فأنزل الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ .
واشتدت عداوتهم للرسول ﷺ حينما تحولت قبلة المسلمين عن بيت المقدس إلى البيت الحرام فراحوا يتساءلون: ﴿مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ؟.
ولم ينم تدبيرهم عن فتنة المسلمين وتشكيكهم في دينهم فدعوا بعض أصحاب النبي ﷺ إلى اتباع دينهم وكشف الله موقفهم في قوله: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ .
وتواطأ بعض اليهود فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا به آخر النهار وقولوا: نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك النبي وظهر لنا كذبه، وبطلان دينه، فإذا فعلتم شكّ أصحابه في دينه وقالوا: إنهم أهل كتاب وهم أعلم به منا فيرجعون عن دينهم إلى دينكم فأخبر الله نبيه بالمكيدة وأنزل: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
стр. 4700
وشطوا في عناد محمد ﷺ ، وكشف الله موقفهم وعناد آبائهم لنبيهم موسى ﵇ فقالوا لمحمد صلوات الله وسلامه عليه: إن كنت نبياً فأتنا بكتاب من السماء كما أتى به موسى فأنزل الله قوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ .
ثم ظهر عدو ثالث للدعوة وصاحبها تمثل في نصرانية نجران والتقاء اليهود بهم في عداوة رسول الإسلام حيث اجتمع أبو رافع اليهودي وبعض نصارى نجران على لقاء صاحب الدعوة الإسلامية ومحاولة فتنته أو إغرائه وكان فيما سألاه: أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟ فأجابهم رسول الله ﷺ :"معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني"، وأنزل الله في الرد عليهم: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ .
واجتمعت الوثنية واليهودية على حرب الإسلام والمسلمين والتقى وفد اليهود برياسة كعب ابن الأشرف بالوثنيين برياسة أبي سفيان وأجمعوا أمرهم على القضاء على الإسلام، وكانت موقعة الخندق وأرسل الله عليهم ريحاً أطارت خيامهم ومزقت أحلامهم وقد قص القرآن قصتهم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً. .﴾ الخ ما جاء في الآيات.
стр. 4701
ولم يمت رسول الله ﷺ حتى طهرت الجزيرة العربية من الوثنية واليهودية إلا ممن تظاهروا بالإسلام من اليهود وكانوا الخطر الداهم على الإسلام والمسلمين في عهد عثمان فأشعلوا الفتنة التي راح ضحيتها الخليفة الثالث وقد أذكى أتّونها عبد الله بن سبأ اليهودي وحمل لواء الدعوة للتشيع لآل البيت وتستر وراء تلك الدعوة لينتقم لليهودية.
وفي القرن السابع الهجري زحف التتار اللادينيون من الصين تحت قيادة جنكيز خان فغزوا بخارى وسمرقند وخوارزم وخراسان، وفي عهد هؤلاء دخل التتار بغداد وقضوا على التراث الإسلامي الذي خلفته الحضارة الإسلامية، وزحف على الشام حتى وصل غزة وقد هزم المسلمون التتار في عين جالوت، وعاد تيمولنك لغزو سوريا ثم هزم التتار، وعادوا إلى الشرق الأقصى بعد أن دمروا الكثير من الآثار والتراث الإسلامي، ثم تحركت الصليبية الأوروبية فجمعت الملوك الصليبيين لغزو الشرق الإسلامي وقيض الله للإسلام جيوشاً من المؤمنين مزقت جموع الصليبيين وردتهم عن مهد الرسالات فعاد السلام يرفرف على أرض السلام حيناً، وأخيراً مُنيت الدعوة الإسلامية ومُني المسلمون بتحرك اليهودية وتذؤب أطماعها في هذا الشرق، وكان لدهاء اليهود وأموالهم الأثر البالغ في كسب بعض الدول الصليبية العظمى، والتقت الإلحادية اللادينية مع هؤلاء وأولئك للنيل من الإسلام.
فاللادينية تبذل أقصى ما وسعها من الأساليب وما تملك من الضغط لاجتثاث أصول الإسلام من نفوس المسلمين وباسم الحرية تتحرك للقضاء على الإسلام في الشرق الإسلامي، واليهودية تتخذ في معركتها مع الإسلام أكثر من سلاح كالتشكيك والانحلال والإباحية وإفساد النفوس وتمزيق الروابط التي ربطت بين شعوب الشرق وإثارة الفتن بين تلك الشعوب وكل هذه أسلحة لها خطرها على الإسلام.
стр. 4702
والمسيحية العالمية عبأت مئات الآلاف من المبشرين لغزو الإسلام في إفريقيا وآسيا وكل هذه الآلاف تلتقي في تشكيك الناس في الإسلام في مبادئه وكتابه ورسوله.
وقد لقيت اللادينية واليهودية والمسيحية من أبناء الشرق الإسلامي أبواقاً تنفخ فيها، فتنعكس أصداء نفثاتها على نفوس المسلمين تشكيكا في دين الله وفي عدم صلاح شريعته لتطورات المجتمعات واستأجرت اللادينية واليهودية والمسيحية عقولاً إسلامية وأقلاماً إسلامية وألسنة إسلامية لتخوض بها معاركها مع الإسلام، وعظمت مصيبة الإسلام في أبناء الإسلام من المأجورين لتخريب النفوس وتدمير العقول.
وإن أنكى ما يواجه الإسلام في هذه الأيام ذلك العدوان الصارخ على أصوله وكتاب من الرئيس التونسي الذي ينكر قول الحق في الميراث ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن﴾ فيأبى إلا أن يشرع للمرأة حقاً ينكره ما فرضه الله لها، بل أنكر جحودُه القصص القرآني الذي أوحاه الله وادعى أنه من وضع محمد ﷺ وما كان لرسول الله أن يفتري على الله.
ونهجت نهجه حكومة الصومال فسوت بين المرأة والرجل في الميراث وقتلت المعارضين من العلماء وكانت ثالثة الأثافي مظاهرات الشيوعية في اليمن الجنوبي، التي قامت تحت سمع حكومتها وبصرها بتمزيق كتاب الله وبهتافها الأحمر الأحمق: لا دين بعد اليوم. .
فأين أنتم أيها المسلمون من هذه الفتن الضارية التي يؤججها رؤساء وحكومات تلك الدول في هذه الفترة العصيبة التي تنشب فيها معركة المصير بين العرب واليهود؟
وهل من مؤتمر قمة إسلامي تقول فيه الغيرة الإسلامية كلمتها لتأخذ على المارقين طريق التحلل الغربي ووساوس اللادينية وفتن الصهيونية العالمية؟
وأخيراً أين موقف تلك الشعوب من أولئك الرؤساء وليس بين المسلمين من لا يعلم أنه: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". . .
стр. 4703
مع المجاهد الأعظم. . ومنهجه في الجهاد
بقلم فضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
وقد جرت سنة الله تعالى أنه لا يبعث رسله إلا إذا استفحل الضلال، واستشرى الشر وتفاقم الفساد واحلولك ليل الناس فيرسل الله إليهم من ينير لهم السبل ويهديهم إلى الجادة المستقيمة.
والطريق أمام رسل الله، ودعاة الإصلاح ليس معبداً مفروشاً بالورود بل هو مليء بالأشواك محفوف بالمكاره ومن الواجب عليهم وعلى كل داعية أن يوطنوا أنفسهم على الصبر والجهاد, وكذلك كان رسول الله ﷺ فقد كان مثلاً أعلى ونموذجاً فريداً، وقدوة حسنة لكل مصلح يأتي من بعده، لقد جاهد أهل الضلال والفجور بالكلمة الطيبة ثم بالقوة المرهبة.
قدم إليهم قارورة الدواء فعافوها، وردوا عليه أسوأ رد، وظل يتودد إليهم ويعرض الدواء عليهم، وظلوا ينفرون منه، ويصدون الناس عنه، ويكيدون له، وتذرع بالصبر، وتجمل بالحلم، وبقي في مكة يجاهد هم بالقول الكريم والأسلوب الحكيم حتى دان له بعضهم، وانقاد له قليل منهم، ونال هؤلاء ما نال رسول الله ﷺ من الظلم والاضطهاد، وصبروا واحتسبوا أجرهم عند الله، ورغبوا أن ينالوا رضاه، وفتح الله لهم باب الخلاص، ونافذة الأمل فهاجروا إلى المدينة ولحق بهم رسول الله ﷺ بعد أن شرب في مكة كأس الأذى حتى الثمالة.
وفي المدينة لم يهدأ ﵊، ولم يركن إلى الراحة بل ظل يحمل راية الجهاد، ويرفع علمه واتخذ جهاده لوناً جديداً، ومنهجاً أخاذاً، فقد بدأ يجاهد الكفار بالقوة المرهبة بعد أن كان في مكة يكتفي في جهادهم بالكلمة الطيبة، وقديما قيل: "لا يفل الحديد إلا الحديد".
فالحرب أجدى على الدنيا من السلم
والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا
ذرعاً وإن تلقه بالشر ينحسم
стр. 4704
والشر إن تلقه بالخير ضقت به
بدأ يقابل القوة بالقوة، ويرد على السيف بالسيف (والشر بالشر والبادئ أظلم) .
لقد أسرف كفار مكة في إيذاء رسول الله ﷺ والمؤمنين به حتى اضطروهم إلى الهجرة، وترك ديارهم وأموالهم، حرصاً على دينهم، فهل يطلب من المسلمين بعد هذا أن يتقلبوا مزيداً من الاضطهاد؟
لقد نفذ صبرهم، وذهب حلمهم، وأصبحوا يرتقبون من الرسول ﷺ أن يسمح لهم بالجهاد ونزلت الآيات:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ .
أذن الله لهم في القتال درءاً للظلم ومنعاً للفتنة، ودفاعاً عن الدين، ونصرة للمستضعفين ونشراً لشريعة الحق والعدل والخير والأمن.
قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ ، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ .
стр. 4705
والقتال من أجل هذه الغايات الشريفة واجب على المسلمين قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . وعن أنس قال قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من أصل الإيمان الكف عمّن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار".
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً" أخرجهما أبو داود.
على هذا الأساس قاد رسول الله ﷺ جيوش المسلمين تحفه عناية الله،، وتؤازره معونته قادها لدفع العدوان، وقمع الطغيان، ونشر الإيمان، قادها تحت راية إسلامية سداها ولحمتها قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ .
ولهذا خط لقادة الحروب من بعده منهجاً إنسانياً تتخلله الرحمة، وتسري فيه سريان الروح في الجسم والماء في العود والكهرباء في الحديد, نهى عن قتل من لا شأن له في القتال ولا رأي له في الحروب.
أخرج مسلم بسنده عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال:"كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميراً على الجيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً".
стр. 4706
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع" رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير والأوسط إلا أنه قال فيه: "ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً". وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: " ألا لا يجهزن على جريح ولا يتبعن مدبر ولا يقتلن أسير ومن أغلق عليه بابه فهو آمن " أخرجه عبد الرزاق في الجامع وابن أبي شيبة والبيهقي وأبو عبيد في الأموال. هذه هي سنته في الحروب، حروب لا تشن إلا لضرورة ولخير الإنسانية وحين تنشب تسير في اتجاه حكيم، وفي دائرة مغلقة لا تتجاوز أهل العدوان والطغيان وتترفق بالضعفاء والولدان.
وعندما يجنح خصوم الإسلام إلى السلام يسارع إلى قبول دعوتهم، ويكلهم إلى نيتهم إعلاناً منه عن رغبته في تجنب إراقة الدماء قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ .
стр. 4707
وعندما يتم صلح على معاهدة يتم توقيعها في ظروف مناسبة يطلب الإسلام من أتباعه أن يفوا بها ويلتزموا بشروطها قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
وحين تفوح من العدو رائحة الغدر يطلب منابذتهم وبشرط أن يكونوا على سواء قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ . وقبل المنابذة لا يرتضي الإسلام أن نخيس بالعهد ولو لنصرة المسلمين قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ .
في هذا الاتجاه السليم وفي ظلال هذه المبادئ كانت حروب النبي ﷺ ولكن بقي أن نعرف كيف أعد الرسول ﷺ جيشاً تحققت على يديه هذه الانتصارات الرائعة التي سجلها التاريخ، وأذهلت عباقرة العالم.
إن الفضل في إعداد النبي ﷺ لجيشه الظافر يرجع إلى قوة العقائد والتعاليم الإسلامية وأثرها في النفوس, وتأمّل معي هذه العقائد وهذه التعاليم لتعرف ما لها من أثر بليغ في بناء الجيش الإسلامي.
стр. 4708
١- دعا الإسلام إلى الإيمان بإلهٍ واحد قوي قدير سميع بصير حكيم خبير ومن شأن هذه العقيدة أن تجمع قلوب المؤمنين وتوحدها، من شأنها أن تنفخ فيهم روح العزة والكرامة فلا يرضوا بأن يتأله عليهم مخلوق، ولا يقبلوا أن يخنعوا لصنم حجري كمناة أو نباتي كالعزى أو حيواني كعجل أبيس أو إنساني كفرعون.
من شأنها أنها تشحذ العزائم وتلهبها وتمد الجنود بقوة غلابة يستمدونها من القوي العزيز فيقبلون على المعارك إرضاء لله بروح مؤمنة لا يتسرب إليها يأس ولا يتسلل إليها خور، مطمئنة إلى الله معها يمدها بنصره ويؤيدها بجنود من عنده ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ ، ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ .
٢- دعا الإسلام إلى الإيمان بأنه لا بقاء إلا لله، وأن الموت مكتوب على كل من عداه قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ .
تعددت الأسباب والموت واحد
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
والمولى وحده قد حدد الأجل، لكل حي منذ الأزل، فلا ينقص العمر باقتحام الحروب ولا يزيد بالفرار والهروب قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، وقال: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ، وقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، وقال: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ .
стр. 4709
ووقائع الحياة تشهد بهذا وتؤكده، فهذا خالد بن الوليد سيف الله المسلول يموت على فراشه، وكان يتمنى أن يموت وهو يجاهد في سبيل الله، ويدافع عن دينه، ورغبة في الشهادة وحرصاً عليها شهد مائة حرب أو زهاءها، وبارز الأبطال، وركب الأهوال، حتى لم يبق في جسمه شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ومع هذا لم يقتل في ميدان، بل مات على فراشه كما شاء الله وما شاء الله كان.
وكثير من الناس بالغوا في أخذ الحيطة لأنفسهم حذر الموت فلقوا مصرعهم في حوادث مؤسفة ما كانت تخطر لهم على بال أو تدور في حسبان.
هذه العقيدة إذا استقرت في قلب إنسان نزعت منه الخوف والجبن، فإذا ما سمع الهائعة أسرع إليها وأقبل عليها في هدوء وسكينة وارتياح وطمأنينة، ولا يقف أثرها عند هذا الحد بل إنها لتمده بقوة تدفعه إلى الإمام وتحول بينه وبين الانسحاب دون نظام تمده بقوة تجعله يكر ولا يفر، يقدم ولا يحجم، لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه ينشد بلسان حاله:
فمن العجز أن تكون جبانا
وإذا لم يكن من الموت بد
يوم لا يقدر أم يوم قدر
أي يومي من الموت أفر
ومن المقدور لا ينجو الحذر
يوم لا يقدر لا أرهبه
من الأبطال ويحك لن تراعى
أقول لها وقد طارت شعاعاً
على الأجل الذي لك لم تطاعي
فإنك إن سألت بقاء يوم
فما نيل الخلود بمستطاع
فصبرا في مجال الموت صبراً
٣- دعا إلى الإيمان بالبعث والحياة الأخروية والتصديق بما في اليوم الآخر من جنة ونار وثواب وعقاب، وحساب أساسه العدالة التي لا تعرف المحاباة قال تعالى:
стр. 4710
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ، وقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ ، وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ .
ومن شأن هذه العقيدة أنها تحمل كل إنسان على أن يحاسب نفسه ويسارع إلى أداء ما أوجبه الله عليه والابتعاد عمّا نهى الله عنه.
ومما أوجبه الله أن نجاهد في سبيل الحق ونقبل عليه، وممّاحرمه أن نتثاقل عن الجهاد بعد أن يدعو الداعي إليه ومن شأن هذه العقيدة أيضاً أنها تزكي النفوس بدفعها إلى الخير وإن جل وحجزها عن الشر وإن قل، وإبعادها عن الظلم وإن كان مثقال ذرة.
وإذا تمكنت هذه العقيدة تآلفت الأرواح وتماسكت الأمة وارتبطت وارتبط جنودها بعضهم ببعض، وارتبطوا جميعاً بالله، واستحقوا عونه ورضاه، وأمكن لهم أن يتغلبوا على أعدائهم ويظفروا بهم.
فإن ضعفت وانحل عراها، ورثّت قواها صاركل إنسان عبداً لهواه، وسار على ما يهواه، واستحل ظلم عباد الله، وحينئذ تضعف روح الأمة وتتمزق وحدتها وتتبدد قوتها، ويسهل على عدوها أن يكتسحها ويلتهمها، ويغنم كل ما عندها من سلاح وعتاد.
стр. 4711
٤- دعا الإسلام إلى الجهاد ونوه به وأشاد بفضله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ , بشر المجاهدين بالنصر في الدنيا والفوز في الآخرة، وضمن للشهداء حياة طيبة، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
وأخرج مسلم ج٣ ص١٤٩٥ بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي وإيماناً بي وتصديقاً برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة والذي نفسي محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم لونه لون دم وريحه مسك والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله أبداً ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل".
ولم يكتف الإسلام بهذا بل حذر أولئك الذين يتخلون عن دعوة الجهاد من سوء المغبة، ووخامة العاقبة.
стр. 4712
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ .
بشر المجاهدين وأنذر المتقاعسين، وقد أثمرت هذه الدعوة ثمرتها، فتسابق أصحاب رسول الله ﷺ إلى الجهاد.
في غزوة بدر استنهض الرسول ﷺ أصحابه إلى عير قريش، فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد، إنه لا بد لأحدنا أن يقيم فآثرني بالخروج وأقم أنت مع نسائنا فأبى سعد وقال: لو كان غير الجنة لآثرتك به إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا، فاستهما فخرج سهم سعد فخرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر فاستشهد وفي غزوة أُحد خرج خيثمة داعياً الله أن يستشهد ويلحق بابنه في الجنة فقتل شهيداً.
وفي غزوة أُحد خرج أهل بيت بأجمعه إلى الجهاد في سبيل الله، خرجت نسيبة بنت كعب مع زوجها زيد بن عاصم وولديهما عبد الله وخبيب وقد أبلوا جميعاً بلاءً حسناً وقال ﷺ :"بارك الله فيكم أهل بيت"، وقال:"اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة"، وقال في نسيبة: "ما التفت يوم أُحد يميناً ولا شمالاً إلا وأراها تقاتل دوني", وقد ضربها ابن قميئة وهي تدافع عن النبي فأصاب عاتقها بجرح أجوف غائر، وجرحت في هذا اليوم اثني عشر جرحاً من بين طعنة وضربة.
стр. 4713
وفي هذه الغزوة استعرض الرسول ﷺ كما جرت عادته في كل عام - غلمان الأنصار فمرّ به رافع بن خديج وسمرة بن جندب فردهما وهما ابنا خمس عشرة سنة فقيل له: يا رسول الله إن رافعاً رام فأجازه فقال سمرة: يا رسول الله: لقد أجزت رافعاً ورددتني ولو صارعته لصرعته فقال له ﷺ : "فصارعه", قال سمرة: فصارعته فصرعته فأجازني رسول الله ﷺ .
٥- دعا الإسلام إلى أخذ العدة والتسلح بالسلاح الديني والمادي وفي هذا يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ويقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ويقول: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ ، ويقول ﷺ : "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" أخرجه أبو داود والنسائي عن أنس ويقول: "من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا" أخرجه الشيخان عن زيد بن خالد، ويقول: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله" أخرجه أبو داود والترمذي عن عقبة بن عامر.
стр. 4714
٦- دعا إلى توطيد دعائم المحبة بين الحاكم والمحكوم، وبين الجنود والقادة بالتزام قواعد العدالة، وإرساء أسس الإخاء والتعاون والحرية والمساواة حتى يكون جميع من في الدولة على قلب رجل واحد وبمستوى واحد في الشعور بالتعب والراحة والفرح والحزن والجوع والشبع كما يقول ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" أخرجه مسلم عن النعمان بن بشير.
وقدوتنا في هذا رسول الله ﷺ ففي غزوة بدر مرّ رسول الله ﷺ بسواد بن غزية وهو متقدم في الصف فطعنه النبي ﷺ بقدح في يده وقال: "استو يا سواد"فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه وقال: "استقد"فاعتنقه سواد وقبّله فقال النبي ﷺ : "ما حملك على هذا؟ " قال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك", سيرة ابن هشام ج١ ص٦٢٦.
стр. 4715
وفي غزوة الخندق يحدثنا البراء فيقول:"لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه". أخرجه البخاري ج٥ ص١٤٠. ويحدثنا جابر فيقول:"أنّا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية [١] شديدة فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: "أنا نازل" ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً [٢] ، فأخذ النبي ﷺ المعول [٣] فضرب فعاد كثيباً أهيل أو أهيم، فقلت يا رسول الله: ائذن لي إلى البيت فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئاً ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق [٤] ، فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة [٥] ثم جئت النبي ﷺ والعجين قد انكسر والبرمة في الأثافي [٦] قد كادت أن تنضج فقلت: طعيم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان قال: "كم هو؟ " فذكرت له قال: "كثير طيب"قال:"قل لها: لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي " فقال:"قوموا"فقام المهاجرون والأنصار فلما دخل على امرأته قال ويحك: جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم قالت: هل سألك؟ قلت: نعم, فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز، ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية قال: كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة". أخرجه البخاري ج٥ ص١٣٨،١٣٩.
وعن علي ﵁ قال:"كنا إذا احمرّ الناس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه"أخرجه أحمد.
стр. 4716
بهذا ضرب الرسول ﷺ أعظم الأمثال للقادة والحكام وعلمهم بالفعل لا بالقول وحده أن يكونوا مع الجنود في المعركة ويشاركوهم التعب والراحة والجوع والشبع علّمهم أن يعسكروا مع الجيش ولا يغيبوا عنه، ليواجهوا بالحكمة ما يطرأ من مشكلات تتطلب الحل السريع، علمهم أن يعدلوا ويدركوا أن المناصب وإن تفاوتت درجاتها لا تسمح لصاحب المنصب الكبير أن يتعالى ويستبد بمن دونه ويجور عليه في حقه علمهم أن يكونوا على استعداد إن صدرت منهم هفوة لتقبل القصاص بصدر رحب، هذه المبادئ إذا سادت الأمة ونعمت بها جعلت كل فرد فيها يحرص على كيان الدولة ويتحمس في الدفاع عنها فلا يضعف أمام عدوه ولا يتقهقر بل ينقض عليه ويواصل السير إليه حتى يكسر شوكته ويطفئ جمرته.
٧- لا يفوت الإسلام أن يقوى روح الأمل في أتباعه ويجتث بذور اليأس من قلوبهم فيقول سبحانه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ , ويقول: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
وبعد: فقد كان كثير من العرب يندفع إلى القتال بدافع العلو ورغبة في النهب كما قال عمير بن شييم:
وأعوزهن نهب حيث كانا [٧]
وكن إذا أغرن على جناب
وضبة أنه من حان حانا [٨]
أغرن من الضباب على حلول
إذا ما لم نجد إلا أخانا
وأحياناً على بكر أخينا
стр. 4717
لكن قتال رسول الله ﷺ وأصحابه قتال شريف قتال في سبيل الله لا في سبيل الهوى والشيطان، والتسلط والعدوان، قتال لخير البشرية قتال يتبع قوانين أخلاقية يغلب عليها طابع الرحمة والحكمة تتمنى البشرية خصوصاً في عالم اليوم أن تطبق حتى تنجو من خطر محقق يهددها بالفناء التام والموت الزؤام.
فهل آن للعالم اليوم أن يعود إلى منهاج النبي ﷺ لينعم ويسعد وينهض ويرقى؟ نسأل الله أن يبصرنا جميعاً طريق الهدى والرشاد، والخير والسداد ...
--------------------------------------------------------------------------------
[١] كدية: صخرة صلبة لا تعمل فيها الفأس.
[٢] ذواقا: طعاما يذاق.
[٣] المعول: الفأس.
[٤] عناق: أنثى المعز قبل بلوغ سنه.
[٥] البرمة: القدر.
[٦] الأثافي: الحجارة التي تنصب القدر عليها.
[٧] كن: أي كانت الخيل والمراد أربابها المغيرون, أعوزهن نهب: تعسر عليهن ما ينتهب، جواب (إذا) أغرن في البيت التالي.
[٨] الضباب جمع ضب، والحلول الذين يحلون في مكان واحد يقول: إنهم لاعتيادهم الغارة لا يصبرون عنها ويتقدمون للأقارب إذا تعسر الأباعد ومن هلك بغزونا هلك هلاك محققا.
стр. 4718
الدعوة العامة لتحديد النسل ينكرها الإسلام
بقلم: فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف
مفتي الديار المصرية سابقاً
تحديد النسل أو كما يسمونه تنظيم النسل ودعوة الأمة إليه بصفة عامة مشروع خطير تجذبته الأفكار والأقلام منذ سنين ولم يثره بادئ الرأي عندنا إلا الاستعماريون حين أفزعهم تزايد السكان وأقلقهم نموّ الأمة ويقظة الشعور العام فيها إلى أساليب الاستعمار في البلاد المستعمرة والتنبه العام إلى ما له من فادح الأخطار على البلاد ومناداة الشعوب في كل الأقطار العربية بضرورة تحريرها وتخلصها من شروره ومفاسده، فنادوا في طول البلاد وعرضها بالخوف من المجاعة الجائحة إذا استمر تزايد السكان ولم يحدد النسل بطريقة حاسمة وعمدوا إلى خداع العامة (باسم الدين) فزعموا أن الإسلام يبيح هذا التحديد بصفة عامة، بل قال قائلهم وهو مدرس جامعي عن عمد أو خطأ:"إن إباحة الإسلام العزل من الزوجات شرعاً دليل على إباحته تحديد النسل بصفة عامة.
فبينّا لهم في أكثر من مقال: أن من أهم مقاصد التشريع الإسلامي تكثير سواد الأمة ونموها على ممر الدهور حتى تواجه الأحداث والخطوب بقوى عاملة وتستثمر خيرات البلاد بكثرة كادحة وتقف في وجوه الأعداء بجيوش حاشدة على التوالي إمداد متتابعة إذا جد الجد، وقديماً قالوا: إنما العزة للكاثر.
لذلك أوجب الإسلام على أهله الكسب والعمل والجد في الحياة وفي استنباط وسائل العيش الرغيد للأمة بطريق الزراعة والتجارة والصناعة والتوسع فيها واستخدام أقوى الوسائل وأفضلها إلى غاية الطاقة، وجعل كل فرع من فروعها من فروض الكفايات حتى تستغني الأمة بخيراتها ومنتجاتها عن كثير مما تستورده من غيرها، وتعز بكثرتها أمام تلك القوى التي تنافسها أو تنصب لها العداوة وتدبر لها الشرور والمكائد وعوامل الضعف والذلة.
стр. 4719
ولما كان ذلك لا يتم إلا بالأيدي العاملة والعقول المفكرة والجماعات القوية المتعاضدة رغب الشارع في كثرة النسل وحث فقال ﷺ :"تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم"وقال: "تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" ونهى عن الجب والخصاء والترهب وهجر النساء تبتلا لمنافاة ذلك للغرض الأسمى الذي دعا إليه.
ورغّب في الزواج وأباح تعدد الزوجات بشرطه المشروع.
فحين دعا الإسلام إلى كثرة النسل لهذه الحكم والمقاصد قرر بجانب ذلك وجوب العمل بمختلف الوسائل لإنماء الموارد الاقتصادية في البلاد علاجاً لما يتوقع من تزايد عدد السكان وهو العلاج الصحيح الذي يجمع بين قوة الأمة والعمل على توفير حاجتها الضرورية للحياة.
وإن الأمة لا تسعد إلا بهما ولا تهنأ إلا في ظلهما.
وإن في دعوة الأمة إلى تحديد النسل بصفة عامة إذا هي استجابت لها (وما أظنها تفعل) كل الخطر عليها، فيها ضعفها وانكماشها، فيها ذلتها، واستصغارها، فيها إغراء الأعداء بها، وتمكين الاستعمار من الطمع فيها، بتوالي الزمن والعجز عن استثمار خيرات البلاد بأيدي أبنائها لقلة العدد ووفرة الخيرات كما هو واقع في بعض الأقطار العربية.
ونكرر مرة أخرى أننا حينما نريد للأمة نمواً في العدد نريد منها جداً واجتهاداً في العمل وعلماً نافعاً ينير لها الطريق فيما تعمل وإن تضاعف الجهود كلما تزايد العدد فإذا سلكت هذا السبيل لا يضيرها تزايد عددها بل يعينها على ما هي بسبيله.
أما الكلام عن العزل الذي أشار إليه بعض الكاتبين وحسبه حجة له فمع أن في جوازه خلافا (كما يعلم من مراجعة أقوال الفقهاء والمحدثين فيه) لم يكن في الإسلام دعوة عامة إليه في أي عصر من العصور من عهد النبوة إلى الآن، كما يدعون اليوم إلى التحديد بصفة عامة وهذا كاف في رد الاحتجاج به في هذا الموضوع.
стр. 4720
وقد قلنا مراراً أن هناك حالات فردية خاصة تدعو إلى منع الحمل كما تدعو إلى العزل وهذه لا شك في إباحتها فإن الضرورات تبيح المحظورات شرعاً كما أباحت للمريض الفطر في رمضان والصلاة قاعداً عند العجز عن القيام وترك الحج لعدم الاستطاعة الجسمية مع وفرة المال، وكما رخصت في أكل الميتة للمضطر ونحو ذلك.
ولا يمكن أن تكون هذه الإباحيات والرخص إلا خاصة بأرباب الأعذار.
وهل يعقل أن الشارع يدعو دعوة عامة إلى كثرة التناسل وفي الوقت نفسه يبيح الدعوة العامة إلى تحديد النسل؟
أليس هذا تناقضاً محالاً عليه؟
والأجدر بالقائمين بهذه الحملة الصاخبة لتحديد التناسل أن يوجهوا جهودهم للدعوة إلى الاستزادة من العلم والإنتاج والقوى والجهود لاستخراج كنوز الأرض وذخائرها ومقاومة أعداء الإسلام وهم الكثرة المتعاضدة المتساندة في القضاء عليه وعلى أهله في أقطارهم.
والله يوفق الجميع إلى ما فيه الخير والصلاح.
حول الدعوة العامة الضالة لتحديد النسل
(السؤال) : نشر هذا السؤال وجوابه بجريدة منبر الشرق في ٢٣ مارس سنة ١٩٥٦م.
فضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف، مفتي الديار المصرية السابق.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 4721
وبعد: قلما كان من الصعب العسير على النفس المؤمنة التي لا تقبل الحكم على الأشياء إلا عن عقيدة وإقناع، قبول القول بجواز تحديد النسل خشية الفقر بعد قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ , وقوله في أولي الألباب: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ ، وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ، وقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ شيئاً﴾ , وقول النبي الكريم: "تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم"، وقوله: "تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة"، وقوله: "سوداء ولود خير من حسناء عقيم", إلى غير ذلك من النصوص الصريحة التي توجب تفويض أمر الخلق إلى الله رب الخلق والأمر، فهو يعلم ما في الأرحام ويخلق ما يشاء ويختار ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً﴾ , ثم هو يحيى ويميت ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
стр. 4722
ولا تسمح النصوص بجعل الفقر سبباً لتحديد النسل لأنه عرض زائل والأيام دول بين الناس، وإنما تدعو إلى السعي وعدم التواكل والعمل على تكثير النسل وتوجيهه في رحاب الدين إلى العمل المنتج لخير البلاد والعباد. وبهذا يضع الإسلام الحل العادل لمشكلة تزايد السكان التي قذفت في قلوب المستعمرين الرعب وأطاحت بأطماعه، تلك التي شاءوا بها القضاء على وحدة العرب وقوتهم، والله غالب على أمره. ولما كانت الدعوة إلى تحديد النسل خشية الفقر يُراد أن تكون دعوة عامة إليه لوجود الأغنياء قلة بين الأغلبية العظمى من الفقراء، وهو أمر مشهود معروف مع توافر النسل في الفقراء وقلته بين الأغنياء، وفي هذا التحديد شبه العام قضاء على كيان الأمة وإذهاب لريحها، وعدوان صارخ على حرية الإنسان وحق الأسرة لم يقل به قرآن ولا سنة ولا إجماع.
ولما كان قصر التحديد فيما قالوا على الفقراء بحجة وجود الفساد والتشريد في نسلهم، وَوَلَدان في رأيهم خير من ثمانية، وهذا أمر لا يستسيغه عقل، فقد نرى الأكثرية من الفقراء أحرص الناس على حياة دينهم ودنياهم وفي نشئهم الأمل الوضّاء الحافل بجمال العلم ونهضة العمل وجلال الإيمان والجهاد، بينما نرى العكس في أغلبية نشء الأغنياء على قلته، وكم رأينا الأيتام ذوي الفقر والفاقة قد أصبحوا سادة وقادة، بينما انتكس الحال في غيرهم من ذوي اليسار والقوة والجاه.
стр. 4723
على أننا لا ندري كيف السبيل إذا ما أصيبت المرأة ذات النسل بعد إجراء التحديد بعقم ثم مات نسلها. . . علّنا نظفر بعقار جديد ضد الموت. . . وبهذا نُبقي على عُدة الوطن وأجيال المستقبل، - ويا ترى هل التحديد يكون قصراً على زوجة ذات نسل طلقت أو عاشت ما قدر الله لها أن تعيش ثم قضت نحبها بالموت، أم يتناول الأخرى بعد أن تأتي بما فوق العدد؟ . . . أم تستأصل منها عوامل الحمل منذ بدء حياتها الزوجية فتحرم النسل وحينئذ ما ذنبها؟ . . لعل أيسر طريق أن يعيش من فقد زوجته ذات نسل في رهبنة. . ولكن لا رهبانية في الإسلام.
وإذا كان يرى بعض القائلين بجواز التحديد ما يصيب فكرة القائلين بعدمه استنتاجاً من قول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ ، وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ ، فإن الذي نلقى الله عليه أن المأخوذ من هذا القول الكريم تصوير الدنيا في صورتين:
стр. 4724
أولاهما: مذمومة حقير شأنها إذا ما كاثر الناس فيها بالأموال والأولاد ابتغاء الافتخار والخيلاء والاسترسال في الشهوات والسخرية من الناس وتعدي الحدود إلى كل ما يوجب سخط الله وغضبه وعقابه. والحياة بهذه الصورة فتنة ومتاع الغرور والخسران، وفي هذا يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ، والأخرى محمودة لدى العقلاء مرغوب فيها، يدعو إليها ربنا بقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.. الخ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ.. الخ﴾ . وهي دعوة صريحة إلى المبادرة للحصول على مغفرة الله والرضوان باتخاذ وسائل الحياة من الأنفس والأموال قربات عند الله شكراً له على ما أنعم، واستمتاعاً بتلك الزينة التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق اعترافاً بفضله وواسع كرمه. وإذا لم يكن كذلك فعلى أي أساس يقوم العمران، وبأي وسيلة يكون التعاون على البر والتقوى، وما الذي يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ .
ألم يكن القصد واضحاً في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ..الخ﴾ ... وهو إنذار واضح لكل من لم يتوجه بكل هذه الوسائل إلى الله حباً فيه ووقفاً على الخير في سبيل مرضاته.
стр. 4725
ولما كان العزل مختلفاً في حكمه وعند القائلين بالإباحة رخصة في الحالات الفردية الاضطرارية كما في حالة ثبوت عدم قدرة الزوجة على احتمال الحمل ثبوتاً طبياً صحيحاً, فهو إذن رخصة جزئية لا يمكن أن تكون عامة أو شبه عامة، كإباحة التحديد خشية الفقر لغلبة حاله على عموم الأمة إلا النسبة الضئيلة من الأغنياء.
وإذا صح قول عمرو بن العاص الصحابي:"وإياكم وكثرة العيال فإنهم يثقلون الظهر", على فرض حمله على هذا الوجه فإن أبا بكر الصديق وهو من عُرف برجاحة إيمانه في الأمة وعلو كعبه بين صحابه الرسول قد كره العزل، لأن فيه تقليل النسل وقطع اللذة عن الموطوءة، ومن القائلين معه بالكراهة من الصحابة الأجلاء عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود. (راجع المغني لابن قدامة جزء ٧/ صفحة٢٣) .
فلهذا. . . أرفع إلى فضيلتكم وأنتم من حماة الدين وعلمائه الأبرار هذا الخطاب، رجاء التكرم بكشف اللثام عن هذا الأمر الخطير ببيان قاطع في الموضوع على صفحات (منبر الشرق) ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ .
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ابنكم
نظمي متولي أحمد العسال
بميت غمر بالديار المصرية
الجواب:
ورد إلينا هذا السؤال وطلب محرره الفاضل الجواب عليه، وما أتممت قراءته حتى وجدت في طيه الجواب الشافي والبيان الكافي، ووجدته مطابقاً لما سبق لنا بيانه ونشره في هذا الموضوع الخطير من الوجهة الشرعية والاجتماعية، ولا بأس أن نلخص ما بيناه في ما يلي:
стр. 4726
١- فكرة تحديد النسل بصفة عامة في الأقطار الإسلامية التي لا يزال للدول المستعمرة نفوذا فيها أو طمع في الاستئثار بخيراتها فكرة غريبة دخيلة تخفي وراءها كيداً استعمارياً خبيثاً لم يتفطن له الكثير من الناس، ومنهم من يأبى أن يتفطن، والسر عند علام الغيوب، فليس أبغض للمستعمرين، ولا أعود على سياستهم بالفشل من تزايد عدد المسلمين الذي من شأنه أن يحملهم على الكدح في الحياة والسعي للحرية وتحطيم أغلال الاستعمار لينعموا بخيرات بلادهم ويعيشوا رافهين.
وقد قرأت أخيراً في بعض الصحف أثر اجتماع الأقطاب الثلاثة العظام ما يرمي إلى فزع الدول الكبرى من كثرة عدد العرب وقلة عدد اليهود، ولتزايد عدد في الدولة رهبته وقوته وآثاره ونتائجه، فلنكثر رغم ما يدبرون، ولنتسلح بالقوة ولنشق طريقنا إلى الحياة الحرة، وإن الدول التي هصرتها الحروب وأكلتها الشدائد لتسعى جاهدة في تنمية عددها ومضاعفة قوتها لتواجه المستقبل بعدة الكفاح المثمر.
٢- وإننا في الوقت الذي نعارض فيه تحديد النسل بصفة عامة نستوجب على الحكومات العربية أن تتظافر فيها القوة لاستغلال جميع موارد البلاد زراعياً وصناعياً لتنعم بخيراتها وهي والحمد لله وفيرة وبلادها من أخصب البلاد وفيها كنوز وذهب أحمر وأسود، ومعادن وخيرات حسان، وفيها ما يحتاج لأضعاف أضعاف أيدي أهلها الآن لاستثمار هذه الخيارات الوفيرة، فلنعد لهذا الجهاد أبناءنا لنستغني بهم عن الأجانب عنا، ولندع هذه الفكرة الماكرة فهي معول هدم وسوسة تنخر في العظم.
стр. 4727
٣- ومع أننا نعارض بقوة فكرة التحديد بصفة عامة نقرر في صراحة أن الشريعة السمحة تبيح اتخاذ وسائل منع الحمل، بل وسائل الإجهاض قبل نفخ الروح في بعض الحالات وهي حالات فردية اضطرارية يكون فيها الضرر محققا بالحاملة أو غالبا بشهادة الطب الصادقة لا بالوهم والخيال. وهذا كما تبيح للمريض الفطر في رمضان إذا كان الصوم يضره وقرر الطبيب الحاذق ذلك أو دلت عليه تجربة صحيحة أو ظهرت له أمارة صادقة، وكما تبيح للحامل والمرضع الفطرة إذا خافتا على نفسهما أو ولدهما على التفصيل المبين في الفقه.
٤- والخلاف بيننا وبين دعاة التحديد ليس في هذه الجزئيات الاضطرارية، وإنما هو في الدعوة العامة إلى التحديد، لا فرق بين حالة الضرر وحالة الاختيار كما أشير إليه في السؤال.
وبعد: فلعل في هذا ما يرشد بعض الباحثين إلى أن الأولى والأحق بجهودهم وإمكانياتهم أن توجهوا الشعوب في الأقطار العربية إلى التوفر على العمل المنتج، ويعدوا لهم ما ليس في إمكان الأفراد من الوسائل التي بها تسعد الأمم وتبقى في رغد العيش ورفاهة النعيم، والله أعلم.
стр. 4728
شعر شوقي في ميزان النقد
بقلم: فضيلة الشيخ محمد المجذوب
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
ولد أحمد شوقي في مصر عام ١٢٨٥ هـ وفيها توفي عام ١٣٥١ هـ، وتعتبر هذه الفترة مطلع النهضة في حركة الشعر العربي الحديث، ويعد شوقي أكثر شعراء العربية إنتاجاً، وقد أوتي شاعرية فياضة ومخيلة قوية دعمت بالعلم وغذيت بالأسفار، ووراء ذلك طموح شديد إلى بلوغ أعلى ذرى القريض، فهو يحاكي عددا من أكابر شعراء العربية والفرنجة ففي شعره قوة المتنبي وروعة البحتري، وعمق أبي تمام، ورقة ابن زيدون. ويجاري من شعراء الفرنجة فيكتور هيجو في السياسة والتاريخ والأساطير، ولافنتين في الحكايات الخرافية، وكرناي في المآسي التمثيلية هو يريد أن يبلغ شأوهم جميعاً.
لذلك تعددت أغراض شعره، ففيه التاريخ والسياسة والاجتماع والدين والوصف والغزل والمدح والرثاء والفخر والحكمة. وفيه الشعر التعليمي والتمثيلي. وهو في كل أغراضه ذو طابع خاص يميزه عن جميع الشعراء، الذين حاول محاكاتهم، وإن كان يشبههم في كثير من الخصائص.
١- شعره السياسي:
تتفاوت نظرة شوقي السياسية تبعاً لظروفه الشخصية وظروف الحياة العامة.
ففي المرحلة الأولى من حياته - حياة القصر - يدور مع رأي ولي أمره فيعادي خصومه ويصادق مؤيديه. لذلك نراه يحمل على أحمد عرابي ويعده خائناً:
أهذا كل شأنك يا عرابي؟
صغار في الذهاب وفي الإياب
وهو يعبر بذلك عن نظرة البلاط إلى عرابي. وبمثل ذلك يواجه (رياض باشا) رئيس الوزارة لأنه أثنى على اللورد كرومر بكلمة أساءت إلى مصر وإلى الخديوي عباس الذي كان شوقي شاعره:
أضيف إلى مصائبنا العظام
خطبت فكنت خطباً لا خطيباً
وجرحك منه لو أحسست دامي
لهجت بالاحتلال وما أتاه
стр. 4729
ولنستمع إليه يحمل على الأمير حسين واللورد كرومر والشيخ عبد الكريم سلمان بمناسبة سفر كرومر إلى بلاده، وقد خطب هذا في حفلة أقيمت لوداعه فهاجم الخديوي عباساً والمصريين على مسمع من حسين والشيخ دون أن يحركا ساكناً:
فكأنك الداء العياء رحيلا
لما رحلت عن البلاد تشهدت
أدب لعمرك لا يصيب مثيلا
أوسعتنا يوم الوداع إهانة
مثلت فيه المبكيات فصولا
في ملعب للمضحكات مشيد
وتصدر الأعمى به تطفيلا
شهد الحسين عليه لعن أصوله
والمرء إن يجبن يعش مرذولا
جبن أقل وحط من قدريهما
ولكن من العجائب أن ينسى شوقي إساءة الأمير حسين هذا بعد حين، فيمدحه ويمدح معه الإنكليز، الذين خلعوا سيده عباساً وجاءوا بحسين سلطاناً مكانه على مصر. فيعتبر عمل الإنكليز هذا خدمة لمصر وحفظاً للوائها، ويشبههم بالمسلمين الأولين ويسميهم الأحرار العادلين:
أرقى الشعوب عواطفاً وميولا
حلفاؤنا الأحرار ألا إنهم
ساروا سماحاً في البلاد عدولا
لما خلا وجه البلاد لسيفهم
ملكاً عليها صالحاً مأمولا
وأتوا بكابرها وشيخ ملوكها
والأغرب من ذلك أن يتوارد في كلتا القصيدتين على رويّ واحد وبحر واحد دون أن يتذكر تناقضه العجيب!
ولكن شوقي لا يفوته أن يعتذر عن هذا التناقض بين أمس واليوم، فالذي يهمه هو أن يظل الحكم في آل محمد علي لا فرق بين واحد وواحد منهم. لذلك يرى من الوفاء أن ينصر كل ذي سلطان يقوم من أبناء إسماعيل:
ولقد ولدت بباب إسماعيلا!
أأخون إسماعيل في أبنائه
стр. 4730
وهكذا كان موقف شوقي من الأتراك فهو بدافع من عرقه التركي يرى الخلافة لا تصلح إلا لهم، ويؤيد سياسة عبد الحميد فيعتبر عهده عهد الرحمة والعدالة والخير، إلاّ أنه لا يرى بأساً أن تنتقل الخلافة إلى أخيه محمد رشاد بعد ذلك، فيبايع هذا ويمدح الدستوريين الذين خلعوا عبد الحميد!. . لأن المهم في نظره أن يبقى السلطان للأتراك، ولذلك نقم شوقي أول الأمر من الشريف حسين لثورته وتعاونه مع الإنكليز، ولما ألغى مصطفى كمال الخلافة خشي أن توسد إلى الشريف حسين، فأخذ يحذر المسلمين من ذلك، ويصف الشريف حسيناً بالمعجز والإضرار للمسلمين:
عزل يدافع دونه بالراح
لا تبذلوا برد النبي لعاجز
واليوم مدّ لهم يد الجراح
بالأمس أوهى المسلمين جراحة
وعلى الرغم من انقطاع علاقة الأتراك بمصر والبلاد العربية ظل شوقي متصل القلب بهم يراقب حوادثهم، وبهذا الحافز اندفع إلى مدح مصطفى كمال عند انتصاره على اليونان، بقصيدة عارض بها (عمورية) أبي تمام، فكانت صورة عن عواطفه نحو الأتراك، وترجماناً عن شعوره العميق بالأخوة الإسلامية التي لا تفرق بين جنس وجنس:
يا خالد الترك جدد خالد العرب
الله أكبر كم في الفتح من عجب!
على الصعيد وخيل الله في السحب
يوم كبدر فخيل الحق راقصة
بدرية العود والديباج والعذب
غر تظللها غراء وارفة
من سكرة النصر لا من سكرة النصب
نشوى من الظفر العالي مرنحة
مشي المجلى إذا استولى على القصب
حتى تعالى أذان الفتح فاتأدت
٢- التطور في أفكاره السياسية:
следующие страницы →