Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
علم الرسول ﷺ بهؤلاء، فخرج في أثرهم، ولكنهم امعنوا في الغوار، حتى أنهم اضطروا إلى إلقاء أزوادهم تخففاً، والتماساً للنجاة... وطاردهم المسلمون إلى قرقرة الكدر فلم يظفروا هم، لمبالغتهم في الهرب، وكان أكثر ما اطرحوه من أزوادهم السويق، وقد أصاب المسلمون منه شيئاً كثيراً وسميت هذه الغزوة (غزوة السويق) لكثرة ما طرح الكفار منه وهم فارون أمام جيش النبي ﷺ .
وقد كانت هذه الغزوة لخمس خلون من ذي الحجة، أي بعد بدر بشهرين وأيام.
وأنت ترى أن أبا سفيان أخفق في تحقيق هدفه، فهو لم يستطع أن يقوم بأي عمل يعتبر شيئاً إزاء ما أصاب قومه في بدر، وجل ما هناك أن جيشه في غزاته هذه أغار إغارة اللصوص وفر فرار الجبناء فلم يشف غيظا، ولم يستعد اعتبارا، ولم يغسل عاراً، بل لعله قد جدده بغواره وأكده.
غزوة أحد:
إن غزوة السويق - كما عرفنا - لم تجد على قريش شيئاً، وأنى لها أن تجدي؟!
لذلك بقيت قريش تجتر أحقادها على المسلمين، وتتذكر كما أصابها في بدر، وقد أذكت هذه الأحقاد، والهبت هذه الذكريات أمور منها إخفاقها في غزوة السويق،
واستياق زيد بن حارثة عيرهم في غزوة القردة، وقد سلفت الإشارة إليها، زد على ذلك تحريض كعب بن الأشرف المرابي اليهودي لهم وبكاؤه قتلاهم [١٦] ، وقد اجتمع في أنفسهم من هذه الأسباب ما حفزهم إلى غزو المدينة، فاستفرغوا وسعهم في حشد جيش قوامه ثلاثة آلاف، منهم ومن أحابيشهم، ومن أطاعهم من قبائل كنانة، وأهل تهامة [١٧] ثم قصدوا المدينة وكانت بينهم وبين المسلمين معركة أحد المشهورة، غير أن عاقبتها كانت بالنسبة لقريش - كما قلنا آنفاً - إخفاقاً عسكريا، أو كانت على أحسن تقدير نصراً جزئياً بين هزيمتين وسيأتي الكلام مستوفى - إن شاء الله - في هذه الغزوة في حينه.
стр. 4902
وهكذا نرى أن آثار معركة بدر بقيت عالقة بكيان قريش دون أن تستطيع إزالتها، بالرغم من محاولتها الجادة وهيهات أن يستطيع الإنسان دفع شيء أنزله الله به ومن يهن الله فما له من مكرم.
ثانياً: آثار بدر في المدينة.
كان سكان المدينة المنورة لما جرت معركة بدر أربع طوائف هي: المسلمون، والمشركون والمنافقون، واليهود، واختلف وقع نتائج هذه المعركة الحاسمة باختلاف هذه الطوائف.
أ - المسلمون:
لقد فرح المسلمون بنتائج هذه المعركة فرحاً عظيماً، وازدادوا إيماناً بما هم عليه من الحق والهدى ويقيناً بأن الله سبحانه ناصر من يجاهد فيه مهما كثر العدد، وتكالبت الظروف، وارتفعت معنوياتهم ارتفاعاً ترك أثره في الأسلوب الذي يعالجون به علاقاتهم بالطوائف الأخرى التي تساكنهم المدينة، لقد كانوا قبل بدر يصبرون على ما يلاقون من أذى هذه الطوائف وتعرضها لهم ولدعوتهم بما لا ينبغي [١٨] أما بعدها فقد آن الأوان لإعمال مشرط الطبيب في إزالة العلل المستعصية، وبتر الأعضاء المريضة التي لا سبيل إلىشفائها من جسم ذلك المجتمع... ومن هنا رأيناهم يقومون بعدة عمليات بتر، منها ما يلي:
١ـ بتر أبي عفك:
كان أبو عفك شيخاً من بني عمرو بن عوف، بلغ عشرين ومائة سنة، وكان يحرض على رسول الله ﷺ ، ويقول الشعر في إيذاء المسلمين، والصد عن سبيل الله... وقد صبر عليه المسلمون غير أنه لم يرعو، ولم ينجح فيه سياسة الصبر والرفق، وحين لم يبق في القوس منزع، وأضحى لا بُد من بتره نذر سالم بن عمير، وهو أحد البكائين، ليقتلنه أو ليموتن دونه...
стр. 4903
وجعل سالم ﵀ يطلب غرة أبي عفك، حتى كانت ليلة من ليالي الصيف الحارة، ونام أبو عفك بفناء داره، فأقبل سالم البطل فوضع السيف على كبده، ثم اعتمد عليه حتى نفذ إلى الفراش، وخش فيه وصاح عدو الله والإسلام، فثاب إليه ناس ممن هم على مثل رأيه، فأدخلوه منزله وقبروه، وهكذا بتر هذه العضو المزمنة علته لم يكن بد من بتره، وكان ذك في شوال على رأس عشرين شهراً من مهاجر رسول الله ﷺ [١٩] .
وعاش سلم بن عمير ﵁ حتى في خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵀، بعد أن شهد مع رسول الله ﷺ بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خيراً [٢٠] .
٢- بتر عصماء بنت مروان:
كانت عصماء هذه يهودية [٢١] ، وكانت تعيب الإسلام وتؤذي رسول الله ﷺ ، وتقول الشعر وتحرض عليه، وقد نافقت بعد مقتل أبي عفك، ولما استمرت في إيذائها لرسول الله ﷺ ، وعيبها الإسلام جاءها عمير بن عدي في جوف الليل، ودخل عليها بيتها وكان حولها نفر من ولدها يتام، وإلى جانبها رضيع، فجسها بيده - وكان أعمى - فلما تحقق منها نحى الرضيع، ووضع سيفه على صدرها، واعتمد عليه حتى أنفذه من ظهرها.
ثم صلى الصبح مع النبي ﷺ في المدينة، فقال ﷺ له: "أقتلت ابنة مروان؟ قال: نعم، فهل علي في ذلك شيء؟ فقال: لا ينتطح فيها عنزان" [٢٢] وأثنى عليه النبي ﷺ بعد قتله عصماء، فأقبل على الناس وقال: " من أحب أن ينظر إلى رجل كان في نصرة الله ورسوله فلينظر إلى عمير بن عدي"، فقال عمر بن الخطاب ﵁: "انظروا إلى هذا الأعمى الذي يرى" فقال ﷺ : "مه يا عمر فإنه بصير، وسماه البصير لما رأى من كمال إيمانه وقوة قلبه في الله [٢٣] ".
стр. 4904
ولما رجع عمير إلى قومه بعد قتل عصماء وجد بنيها وهم خمسة رجال في جماعة يدفنونها، فقال: أنا قتلتها، فكيدوني ثم لا تنظرون، فوالذي نفسي بيده، لو قلتم بأجمعكم ما قلت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم [٢٤] .
وبعد إزالة هذه العقبة من طريق الدعوة وبتر هذا العضو الفاسد من المجتمع المدني، ظهر الإسلام في بني خطمة، واستعلن بإسلامه من كان يستخفي من مستضعفيهم، وأسلم يومئذ رجال لما رأوا عز الإسلام [٢٥] ...
وقد كانت هذه الخطوات التي خطاها المسلمون أمراً لا بد منه في وقته وبحسب الظروف التي كانت تواجه الدعوة.
ب - المشركون والمنافقون:
لقد أستاء مشركو المدينة ومنافقوها لما سمعوا زيد بن حارثة - وهو على القصواء ناقة رسول الله ﷺ يبشر بالفتح، ويعدد أسماء قتلى قريش، وبعض أسراها، وجعلوا يقولون ما جاء زيد بن حارثة إلا فلاً، وقال رجل من المنافقين لأسامة بن زيد: قتل صاحبكم ومن معه، وقال آخر لأبي لبابة: قد تفرق أصحابكم تفرقاً لا يجتمعون فيه أبداً... قتل محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب، وجاء فلا.
غير أن الموقف قد انجلى، إذ لم يمض طويل وقت حتى سبق الأسرى إلى المدينة وعليهم شقران مولى رسول الله ﷺ [٢٦] ولما صدم المشركون بالحقيقة الواقعة التي لا تدفع، استكانوا، وصانعوا المسلمين، ونافق كثير منهم، فأظهروا الإسلام، وهؤلاء كانوا فريقين فريقاً بقوا على شركهم القديم، وفريقاً انحل بالكلية، فلم يبق على شركه، ولم يعتنق الإسلام إلا ظاهراً، بل مضى في طريق الذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [٢٧] (سورة النساء - ١٤٣)
стр. 4905
هذا هو الموقف الإجمالي للمشركين والمنافقين في المدينة بعد غزوة بدر فالمشركون - كما قلنا آنفاً - منهم من بقي على شركه، ومنهم من نافق، وهؤلاء كانوا طائفتين: طائفة انحلت تماماً، وأضحت مذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وطائفة أقامت على شركها في الباطن وإن تظاهرت بالإسلام.
أما المنافقون سواء من نافق قبل بدر أو بعدها فقد غاظهم انتصار المسلمين، وضاقوا به أيما ضيق، واستمروا - على ما كانوا عليه - يتآمرون على الدعوة في الخفاء، ويتعاونون مع إخوانهم، بل شياطينهم اليهود، ولم يكتفوا بذلك بل انحدروا إلى مستوى العمالة لقريش، والروم، ونصارى العرب...
على أن من المشركين من أدركتهم عناية الله، فثابوا إلى رشدهم، ودانوا بالإسلام، كحويصة ابن مسعود أخي محيصة الذي قتل ابن سبينة [٢٨] التاجر اليهودي، وبتره من جسم المجتمع المدني حين أهدر الرسول ﵊ دماء يهود [٢٩] عقب اغتيال عدو الله، كعب بن الأشرف كما سنرى، وقد كان إهدار دمائهم ضرباً من الإجراءات الرادعة ساق إيه تآمرهم المستمر الخطر على كيان الدعوة ودولتها.
جـ - اليهود:
لقد كان وقع نتائج غزوة بدر شديداً على نفوس اليهود المقيمين في المدينة شدة الصواعق، واستغربوها وريعوا لها ولما انتهت هذه النتائج إلى كعب بن الأشرف قال: أحق هذا؟ أترون أن محمداً قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان، يعني زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة [٣٠] فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم، لبطن الأرض خير من ظهرها [٣١] .
стр. 4906
ولما تحقق اليهود صحة ما سمعوا من أنباء معركة بدر خضعوا واستكانوا، وأظهر فريق منهم الإسلام رياء ونفاقاً [٣٢] وأخلدوا في جملتهم إلى مثل الهدوء الذي يسبق العاصفة، وفي النفوس ما فيها من الحقد والحسد يغليان غليان القدور... غير أن هذا الهدوء لم يدم، وما كان من المنتظر أن يدوم بل انكشف عن مؤامرات وتحركات وألوان من الاستعداد لضرب الدعوة ضربات قاضية.
فهذا عدو الله كعب بن الأشرف لما تحقق من صحة ما أذاعه زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة لم يطق صبراً، بل شد الرحال إلى مكة، وجعل يحرض على الرسول ﷺ ، وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب الذين أصيبوا ببدر [٣٣] ، ولما رجع إلى المدينة من رحلته الآثمة هذه جعل يمعن في الإساءة للمسلمين، والتطاول على كرامتهم وأعراضهم، فشبب بنسائهم وآذاهم إيذاء لا يحتمل، وعندئذ لم يكن بد من وضع حد نهائي لنشاطه الهدام المعادي، بل لم يكن بد لمصلحة الدعوة التي هي في الحقيقة مصلحة الإنسانية قاطبة من بتره، وإزالته من عالم الوجود، وهذا ما حصل فعلا في ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهراً من هجرته ﷺ [٣٤] وبعد قتل هذا الأثيم الذي أكثر من الصد عن سبيل الله ومن الوقوف في وجه الدعوة، أهدر ﵊ دماء اليهود جميعا، وأذن في قتل من ظفر به منهم جزاء وفاقاً لكيدهم للإسلام ونقضهم الميثاق الذي عقده الرسول ﷺ بين أهل المدينة قاطبة بعيد الهجرة وتآمرهم على الدعوة وأهلها [٣٥] وعلى أثر إهدار دمائهم قتل محيصة ابن سبينة كما قلنا سابقاً.
إن كل ما ذكرناه آنفاً من بتر أبِي عفك، وعصماء بنت مروان، وكعب بن الأشرف، وإهدار دم من ظفر من اليهود، إنما كان تأديباً لهم على مستوى الأفراد، وكان هناك نوع آخر من التأديب، وهو التأديب على مستوى القبائل وذلك ما تحكيه لنا غزوة بني قينقاع...
стр. 4907
كان بنو قينقاع أشجع يهود المدينة، وأشدهم بأساً، وكانوا صاغة وتجاراً [٣٦] يقيمون داخل المدينة على مقربة من وادي بطحان.
ولما كانت غزوة بدر، أظهروا البغضاء والحسد، والتحدي للمسلمين، والجرأة على الله ورسوله والشقاق لهما يدل على ذلك أنهم لما جمعهم الرسول ﷺ بعد غزوة بدر في سوقهم وقال لهم: "يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم"، قالوا له: "يا محمد إنك ترى أنا قومك! لا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس". فأنزل الله تعالى فيهم قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ﴾ [٣٧] .
وإلى هنا نرى أن اليهود قد جاءوا بكثير من الأعمال التي من شانها أن تجعل تأديبهم أمراً ضروريا لا مناص منه، وتهيئ الجو للإيقاع بهم، وفي هذه الظروف المؤذنة بالانفجار جاءت حادثة المرأة المسلمة التي أساء إليها الصائغ اليهودي، وشرذمة من قومه، فكانت هذه الحادثة بمنزلة عود الثقاب الذي فجر الموقف...
стр. 4908
وبعد هذه الحادثة أنزل الله تعالى قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [٣٨] فقصدهم النبي ﵊ وحاصرهم خمسة عشر يوماً حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكمه ﷺ فشفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول، وبإلحاح كبير شفعه فيهم رسول الله ﷺ وحقن دماءهم [٣٩] وكان حكمه النهائي فيهم أن يجلوا عن المدينة ولهم النساء والذرية ولرسول الله ﷺ الأموال والسلام ولحقوا بأذرعات من أرض الشام، فما لبثوا فيها إلا يسيراً ثم هلكوا [٤٠] .
وكانت هذه الغزوة في النصف من شوال سنة اثنتين من الهجرة.
هذه لمحة خاطفة عن آثار غزوة بدر في اليهود في المدينة، وقد كانت جزاء وفاقاً لخيانتهم العهود، وتآمرهم على الدعوة، ومحاولتهم - أبداً - الوقوف في سبيلها، ومشاقتهم الله ورسوله... على أن كل ما قد رأينا لم ينههم عن غيهم... وسيبقون على ما هم عليه من الطباع والأعمال حتى تحيق بهم سيئاتهم، ويجنوا على أنفسهم، فيخرج بنو النضير من المدينة بعد وقعة أحد، ويقضي على بني قريظة القضاء العادل الرادع بعد وقعة الأحزاب، بل حتى تنتهي وجودهم في الحجاز كله، وهذه قصة يهود عبر تاريخهم كله مع شعوب العالم كافة، استغلال هذه الشعوب، وتآمرهم عليها وجحودهم لمعروفها... وأخيراً تتنبه هذه الشعوب لخطرهم، فتنتفض في وجوههم، وتأخذهم بما جنت أيديهم...
ثالثاً: آثار بدر في القبائل العربية:
كانت القبائل العربية قبل بدر لا تعير المسلمين الاهتمام الذي يستحقونه، لقد كانت تنظر إليهم - بوجه عام - كأناس مستضعفين يهاجرون من بلادهم، ويلتمسون لهم ملجأ في يثرب، أما بعد بدر، وبعد أن أوقعوا بقريش، فقد أدركت أنهم صاروا قوة خطيرة، يجب ألا يتغاضى عنها، بل يجب أن يقضى عليها.
стр. 4909
وقد أذكى هذا الشعور لدى هذه القبائل ما اعتادته من احترام قريش، أهل الحرم، وسدنة البيت وصريح ولد إسماعيل ﵇، وكونها تجتمع وإياهم على نهج ديني واحد...
وهناك عامل آخر شارك في إذكاء هذا الشعور، وهو ما كانت تجنيه هذه القبائل أو بعضها من فوائد مادية من جراء مرور قوافل قريش التجارية في أراضيها، وهذه الفوائد كانت تأتي عن طريق نظام (الإيلاف) [٤١] وعن طريق اشتغال رجال منها لحساب قريش، حتى إن منهم من كانوا عيوناً وجواسيس لها، كمجدي بن عمرو الجهني الذي كان عيناً لأبي سفيان [٤٢] وعن طرق أخرى أيضاً.
وبانتصار المسلمين في بدر أضحت هذه القبائل - فيما تراءى لها - مهددة بأخطار جسيمة اقتصادية، ودينية، وسياسية، ومن ثم جعلت تتحفز للقضاء على الدعوة وازدهارها، مما جر على المسلمين حرجاً غير قليل، غير أنهم ارتفعوا إلى مستوى الظروف المواجهة، وقاموا بعدد من الغزوات التلاحقية، يفاجئون بها القبائل قبل أن تتحرك نحوهم، حتى ردوها إلى الصواب كارهة أو طائعة...
ومن هذه الغزوات ما يلي:
(١) غزوة بني سليم.
وكانت هذه الغزوة بعد قدوم الرسول ﷺ من بدر بسبع ليال، وقد أراد بها النبي ﷺ بني سليم، وسار حتى نزل ماء من مياههم يقال له الكدر، فأقام عليه ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا [٤٣] ولما غادر الرسول ﷺ المدينة استعمل عليها سباع بن عرفطة الغفاري أو عبد الله بن أم مكتوم.
(٢) غزوة ذي أمر.
стр. 4910
وقد كانت هذه الغزوة بعد عودته ﷺ من غزوة السويق والتي جرت - كما علمنا سابقاً - لخمس خلون من ذي الحجة سنة اثنتين للهجرة.. وقد أقام النبي ﷺ في المدينة بقية ذي الحجة أو قريباً منها، ثم غزا نجداً يريد غطفان، فأقام في نجد صفر كله أو قريباً منه ثم عاد إلى المدينة دون أن يلقى حرباً، واستعمل على المدينة مدة غيابه عنها عثمان بن عفان ﵁ [٤٤] .
(٣) غزوة بحران.
يذهب ابن هشام إلى أن هذه الغزوة أريدت بها قريش، ويذهب ابن سعد إلى أن بني سليم هم الذين كانوا هدفها، فقد بلغ رسول الله ﷺ أن جمعاً كبيراً منهم قد اجتمع في بحران من ناحية الفرع، فقصدهم في ثلاثمائة من أصحابه، ولما خرج من المدينة لم يبين الوجهة التي يريد، حتى إذا كان دون بحران بليلة لقي رجلا من بني سليم فأخبرهم أن القوم افترقوا، ولكن يظهر أن النبي ﷺ لم يصدقه، ولذا حبسه مع رجل من الصحابة، وسار حتى أتى بحران فألفاهم قد تفرقوا، فعاد ولم يلق كيداً.
ولما خرج ﷺ استعمل على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم، وكان خروجه من المدينة عند ابن هشام في شهر ربيع الآخر، أو في شهر ربيع الأول وأقام فيها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى [٤٥] أما ابن سعد فيذهب إلى أنه خرج من المدينة لست خلون من جمادى الأولى، وإلى أنه غاب في هذه الغزوة عشر ليال [٤٦] وهكذا نرى أن ابن سعد، وابن سعد هشام يختلفان فيمن قصدوا بهذه الغزوة، وفي زمن خروجه ﷺ إليها، وفي مقدار غيبته وليس هذا بضائر مادام جوهر الغزوة متفقاً عليه، وهو مباغتة الحادقين والأعداء المتربصين قبل أن يتمكنوا من القيام بأي عمل عدائي ضد الدعوة وأهلها.
стр. 4911
وهكذا نلاحظ أن المسلمين قد كانوا بالمرصاد لجميع القبائل التي همت بإيذائهم أو الوقوف في وجه الدعوة، فباغتوها، وحالوا بينها وبين ما تريد من الشر، وبرهنوا على أنهم - أبداً - في مستوى الظروف مهما اختلفت، ومهما تكالب عليهم الأعداء.
صدى بدر:
لقد تجاوز صدى بدر مداها الكافي، كما تجاوز مداها الزمني، لقد بلغ صداها أرض الحبشة، وغيرها من الدول المجاورة، وتغلغل فيما تلاها من القرون..
أخرج ابن كثير في البداية والنهاية [٤٧] نقلا عن الحفاظ البيهقي أن النجاشي أرسل ذات يوم إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان - ثياب - جالس على التراب، فأشفقوا منه حين رأوه على تلك الحال، فلما أن رأى ما في وجوههم قال لهم: إني أبشركم بما يسركم، أنه جاءني من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن الله قد نصر نبيه ﷺ وأهلك عدوه. وأسر فلان وفلان، وقتل فلان وفلان، التقوا بواد يقال له بدر، كثير الأراك، كأني أنظر إليه، كنت أرعى لسيدي رجل من بني ضمره إبله، فقال له جعفر: ما بالك جالس (كذا) على التراب ليس تحتك بساط، وعليك هذه أخلاق قال إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى أن حقا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعا عندما يحدث لهم من نعمه، فلما أحدث الله لي نصر نبيه ﷺ ، أحدنت له هذا التواضع.
ولا شك أن الدول المجاورة الأخرى كالروم وفارس كان لها - أيضاً - عيون في بلاد العرب، ومنها الحجاز، تنقل إليها أخبارها، وليس ذلك بالمستغرب نظراً لما كان لهذه الدول من مصالح في جزيرة العرب...
стр. 4912
يدل على ذلك أن ملك غسان سرعان ما علم بمقاطعة المسلمين لكعب بن مالك من جراء تخلفه عن غزوة تبوك، فأرسل رسالة مع نبطي من أهل الشام قدم بتجارة إلى المدينة، وفي هذه الرسالة قال له: "أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك (كذا) ، ولكنه ﵁، ألقى هذه الرسالة في تنور فأحرقها دون أن يعيرها اهتماما [٤٨] .
ومما يلهم وجود عيون الروم وصنائعهم الغساسنة قول كعب نفسه في بدر [٤٩] :
وأخبر شيء بالأمور عليهما
ألا هل أتى غسان في نأي دارها
معد معا جهالها وحليمها
بأن قد رمتنا عن قسيء عداوة
لمنخر سوء من لؤي عظيمها
ضربناهم حتى هوى في مكرنا
سواء علينا حلفهما وصميمها
فولوا ودسناهم ببيض صوارم
فهذه الأبيات تشعر أن الأصحاب ﵃ كانوا يتوقعون أن تصل أنباء بدر إلى ما وراء حدود الجزيرة، إلى الدول المجاورة ذات المصالح في أرض العرب، ولا شك أن الشعور الذي يستقبل به الناس فيما وراء الحدود هذه الأنباء يختلف عن شعور النجاشي، لأن هذا موال وأولئك كفرة مناوئون ... وعلى كل فإن أصداء بدر وآثارها ستبلغ في المستقبل داني البلاد وقاصيها.
أسباب النصر:
ترجع أسباب انتصار المسلمين في هذه المعركة التاريخية الفاصلة من حيث الجوهر إلى السنن التي تشير إليها الآيات الكريمة:
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحج -٤٠) .
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (سورة محمد -٤)
стр. 4913
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (سورة آل عمران -١٦٠) .
﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الروم - ٤٧) .
وأما من حيث التفصيل فيرجع هذا النصر إلى أمور منها:
١ - شوق المسلمين إلى الشهادة في سبيل الله، وطلبهم الجنة ببذل الطارف والتليد في مرضاة الله البارئ مما يورث روحا معنوية لا تبارى، وليس بخاف أثر الروح المعنوية في تحقيق النصر.
٢ - شدة انضباط المسلمين، وتنفيذهم تعليمات قائدهم ﷺ بكل رغبة وإخلاص.
٣ - صدق القيادة، وحكمتها، وكونها قيادة من خلال مشاركة الجنود في تحمل مختلف ألوان الأعباء، فلقد شاركت هذه القيادة النبوية جنودها في السير إلى الأعداء، وفي عمليات الاستطلاع وفي خوض المعركة ولقاء العدو لقاءاً مباشراً والقتال في أوجه، روي عن علي ﵁ [٥٠] "كنا إذا حمى البأس.. اتقينا برسول الله ﷺ ، ولقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ ، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا".
٤ - شدة اجتذاب القيادة بكفاياتها العظيمة لقلوب الجنود حتى قال قائلهم للرسول ﷺ : "يا رسول الله، أمض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد لجالدنا معك دونه حتى تبلغه" [٥١] .
стр. 4914
٥ - لقد طلع النبي ﷺ على الأعداء بأسلوب جديد في القتال. وهو أسلوب الصف، فكان له أثره في تحقيق النصر، والتاريخ الحربي يشهد بأن تطبيق القادة العظام أساليب جديدة غير معروفة في القتال كان له أثره في الانتصارات التي أحرزوها.
وهكذا نرى أن أسباب الانتصار العظيم الذي حققه المسلمون في بدر كانت تكمن في اتباع سنن الله التي علمنا إياها القرآن العظيم، وسننه هذه تقضي بأن النصر هو لمن اتقاه، وتوكل عليه، وتفوق في اتخاذ الأسباب الموضوعية الممكنة، ولا غرو فالله تعالى كما ورد في السنة يحب من أحدنا إذا عمل عملا أن يتقنه.
والخلاصة أن معركة بدر كانت تاريخية فاصلة حقاً، لا في تاريخ الإسلام وحده بل في تاريخ العالم الذي تأثر جد التأثر بظهور الإسلام وانتصاره، وما انبثق منه من حضارة باذخة أثرت، وما تزال تؤثر في حياة الإنسان...
إن هذه المعركة كانت كبيرة الآثار في قريش، وفي جماعة المسلمين، وفي الطوائف التي كانت في المدينة وفي قبائل الجزيرة العربية، وقد تمكنت الدعوة أيما تمكين، ولكنها في الوقت نفسه أثارت في وجهها صعابا جسيمة، وأورثتها مسؤوليات كبيرة، غير أن الدعوة نهضت بواجبها خير نهوض في وجه هذه الصعاب والمسؤوليات ... وخرجت من حومة الصراع ظافرة غالية ...
وقد علمتنا هذه المعركة أن الله سبحانه يؤتي المسلمين نصره، حين يحققون الإسلام في أنفسهم عقيدة وسلوكا، دون أن يتشاغلوا عنه بما ليس منه، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.
والحمد لله رب العالمين
--------------------------------------------------------------------------------
[١] ابن هشام، جـ١، ص ٣٣٩.
[٢] ابن هشام المرجع السابق، ص ٣٣٨، وابن كثير البداية والنهاية، جـ٣، ص ٣٠٨، والواقدي مغازي رسول الله ﷺ ، ص ٨٩، القاهرة ١٣٦٧ ـ ١٩٤٨ م.
стр. 4915
[٣] ابن هشام، المرجع السابق، ص ٣٤٠، ابن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك جـ٢ ص ١٦٠، وابن كثير المرجع السابق ص ٣١٠.
[٤] ابن كثير المرجع السابق، ص ٣٠٨، ٣٠٩.
[٥] الواقدي، المرجع السابق ص ٩١.
[٦] الواقدي المرجع السابق ص ١٥٥.
[٧] الطبري، تاريخ الأمم والملوك، جـ١، ص ١٨٢.
[٨] ابن سيد الناس عيون الأثر جـ١، ص ٣٠٥.
[٩] ابن كثير المرجع السابق، جـ٤، ص ٤.
[١٠] ابن هشام المرجع السابق، ص ٣٣٤.
[١١] ابن هشام، المرجع السابق، ص ٣٤١.
[١٢] متن البخاري بحاشية السندي، جـ٣، ص ٣٣، ط عيسى البناني الحلبي.
[١٣] اللواء، محمود شيت خطاب ـ مجلة التمدن الإسلامي العدد ٦، المجلد ٤١، ص: ٥٢٢، ٩٤ / ٧٤ م.
[١٤] ابن عبد البر، الدرر في اختصار المغازي والسير، ص ٦٧.
[١٥] ابن عبد البر، الدرر في اختصار المغازي والسير، ص ١٤٨ وحاشية المحقق في الصفحة ذاتها.
[١٦] ابن هشام، جـ٢، ص ٥٠٢، وابن عبد البر المرجع السابق ص ١٥٠ وابن كثير المرجع السابق ص ٦ وابن سيد الناس المرجع السابق جـ١ ص ٢٩٨.
[١٧] ابن هشام، جـ٣، ص ٤، وابن عبد البر، المرجع السابق ص ١٥٣، وابن كثير المرجع السابق جـ٤، ص ١٠.
[١٨] كان هذا الأذى يختلف عن أذى كفار قريش في مكة نوعاً وكما.
[١٩] الزرقاني على المواهب، جـ١ ص ٤٥٦.
[٢٠] ابن سيد الناس، المصدر السابق جـ١ ص ٣٠٠.
[٢١] الزرقاني على المواهب ج١، ص ٤٥٣.
[٢٢] ابن سيد الناس، المرجع السابق، ص ٢٩٣، وابن هشام، السيرة جـ٢، ص ٦٣٧.
[٢٣] الزرقاني على المواهب جـ١، ص ٤٥٤.
[٢٤] الزرقاني على المواهب المكان نفسه، وابن هشام، السيرة جـ٢، ص ٦٣٨.
[٢٥] ابن كثير المرجع السابق ص ٣٥٤ ـ ٣٠٥.
[٢٦] ابن كثير المرجع السابق ص ٣٥٤ ـ ٣٠٥.
стр. 4916
[٢٧] ابن كثير المرجع السابق ص ٣٠٤.
[٢٨] ويقال ابن سنينة.
[٢٩] ابن هشام جـ٢، ص٥١٠ ـ ٥١٢.
[٣٠] هما البشيران اللذان قدمهما رسول الله ﷺ ليبشرا المسلمين بما فتح الله عليه في بدر.
[٣١] ابن هشام المرجع السابق، ص ٥٠٢، وابن كثير، المرجع السابق، ج٤ ص ٦، وابن خلدون، كتاب العبر ديوان المبتدأ والخبر.. جـ٢ ص ٢٠٠، ط فاس: ١٣٥٥هـ.
[٣٢] ابن كثير المرجع السابق، ج٣ ص ٣٤٧.
[٣٣] ابن هشام، المرجع السابق ص ٥٠٢، الواقدي المرجع السابق، ص ١٤٥.
[٣٤] الواقدي المرجع السابق، ص ١٤٤، الطبري، تاريخ الأمم والملوك، جـ٢، ص ١٧٧، وانظر صحيح البخاري بحاشية السندي جـ٣ ص ١٧،وابن هشام المرجع السابق، ص ٥٠٢ـ٥١٠.
[٣٥] ابن القيم، زاد المعاد، ج٢ ص ٩١ (بيروت ١٣٩٢ ـ ١٩٧٣ م)
[٣٦] ابن القيم المكان نفسه.
[٣٧] سورة آل عمران ـ ١٢، ١٣.
[٣٨] سورة الأنفال ـ ٥٨ (انظر الواقدي، المرجع السابق، ص ١٤١.
[٣٩] ابن عبد البر، المرجع السابق ص ١٤٩.
[٤٠] الواقدي المرجع السابق.
[٤١] كانت قريش بمقتضى هذا النظام تتجر لبعض القبائل بسلعها دون عمولة، على أن تتولى هذه القبائل حراسة تجارتها حين تمر في أراضيها.
[٤٢] ابن عبد البر، الدرر في اختصار المغازي والسير، ص ١١٢.
[٤٣] ابن القيم زاد المعاد ج٢ ص ٩٠، وابن هشام ج٢ ص ٤٩٢،وابن سيد الناس، المرجع السابق.
[٤٤] ابن هشام، جـ٢، ص ٤٩٦، وابن القيم، المرجع ص ٩١.
[٤٥] ابن هشام جـ٢، ص ٤٩٦.
[٤٦] الزرقاني على المواهب، جـ، ص ١ ٦.
[٤٧]ـ جـ٣ ص: ٣٠٧ ـ ٣٠٨.
[٤٨] ابن كثير، البداية والنهاية، جـ٥، ص ٢٥.
[٤٩] ابن كثير، البداية والنهاية، جـ٣ ص ٣٣٥.
[٥٠] ابن كثير، البداية والنهاية جـ٥، ص ٢٧٩.
стр. 4917
[٥١] ابن كثير، البداية والنهاية جـ٣، ص ٢٦٢.
стр. 4918
لا يزال الإسلام رافع الرأس شديد البأس
لفضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية
في هذه الأيام كثيراً ما يتساءل الناس يقولون:
لقد وعد الله بأن تكون الغلبة للإسلام، وأن يظهره على الدين كله، ولكن أين دلائل النصر في هذا العصر؟
لقد أصبح أتباع الإسلام يقاسون الهوان في كل مكان، وجواباً عن هذا السؤال، ودفعنا لهذه الشبهة نقول:
إن الله وعد بنصر الإسلام وتكفل به دون قيد أو شرط فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ..
أمّا نصر أتباعه والمعتنقين له فقد علقه على استجابتهم لدين الله، وصدق إيمانهم وحسن بلائهم قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ .
وقد وفى الله بوعده: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ فلا يزال يتعهد الإسلام بعنايته، ويحوطه برعايته، ويصونه ويحميه وينصره ويعليه، ويرد عنه كيد الكائدين، ويبعد عنه شر المبطلين.
стр. 4919
ودلائل النصر في هذا العصر، أقوى وأوضح منها في أي عصر وكفى الإسلام مجداً أنه ثبت وحده في وجوه الأعداء فما تقهقر وما لان، وما ضعف وما استكان، وخرج من المعارك أقوى مما كان، ولو كان غير الإسلام لقضت عليه هذه الضربات القاتلة وما استطاع أن يقف على رجليه، ولا نقلب على عقبيه، لكنه بقي في الميدان وحده يناضل بقوته الذاتية، ويعود - كما اعتاد - بالفوز والغلبة ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ .
لقد حاول الغربيون بإيعاز من رجال الدين المسيحي أن يحاربوا الإسلام في عقر داره، فشنوها حرباً صليبية على بلاد الإسلام وجندوا جنودهم، وأعدوا عدتهم، ودفعوهم إلى الميدان يحمسهم رجال الدين، ويعدونهم بالجنة والمغفرة، ولكنهم باءوا بالفشل، ورجعوا يجرون ذيول الخيبة والهزيمة.
ومن هذه اللحظة بدءوا يفكرون تفكيراً جدياً في الانتقام من الإسلام، والثأر من هذا الدين الجديد، فرأوا أنه لا بد من تغيير عقلية المسلم أولا، ولا بد من زعزعة عقيدته حتى تفتر همته، وتهن عزيمته، وتضعف غيرته، فلا يستميت في الذود عن دينه والدفاع عن كيانه ومن هنا نبتت فكرة التبشير بعد أن رجع الغربيون من الحروب الصليبية بخفي حنين.
يقول المستر أدوين بلس: "إن ريمون لول الأسباني هو أول من تولى التبشير لعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها فتعلم لول اللغة العربية بكل مشقة وجال في بلاد الإسلام وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة".
وكان من الطبيعي بعد ذلك أن تعقد المؤتمرات، وتناقش المقترحات، وتقرر القرارات كل ذلك في سبيل نصرة المسيحية وإضعاف الإسلام، ومادام القسس بيدهم الجنة وصكوك الغفران لا بد أن يستجيب لهم المسيحيون بأنفسهم وأموالهم، ومن هنا تكدست الأموال وجندب الرجال، وانطلق المبشرون يبشرون بالمسيحية، ويهيئون أدوات العمل.
стр. 4920
يقول القسس أناتوليكوس في أحد تقاريره: "وصفوة القول أننا حصلنا على نتيجة واحدة جوهرية وهي أننا أعددنا آلات العمل فترجمنا الإنجيل ودربنا الوطنيين على مهنة التبشير، وأتممنا تهيئة الأدوات اللازمة وهي الكنائس والمدارس والمستشفيات والجرائد والكتب ولم يبق علينا إلا أن نستعمل هذه الأدوات".
والغرض من هذه الأدوات هو زعزعة العقيدة بما يطرأ عليها من أفكار ونظريات جديدة تعرض في صورة ثقافة، وتقدم في كأس دواء.
يقول المسيول شاتليه: "ولا شك في أن إرساليات التبشير من بروتستانتية كاثوليكية تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس منتحليها، ولا يتم ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأوربية فبنشرها اللغات الإنجليزية والألمانية والهولندية والفرنسية يتحكك الإسلام بصحف أوربا، وتقضي إرساليات التبشير لبانتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التي لم تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها".
ويقول أيضاً: "إن نزع الاعتقادات الإسلامية ملازم دائماً للمجهودات التي تبذل في سبيل التربية النصرانية"كما يقول: "إن إرساليات التبشير الدينية التي لديها أموال جسيمة وتدار أعمالها بتدبير وحكمة تأتي بالنفع الكثير في البلاد الإسلامية من حيث إنها تبث الأفكار الأوربية"، ويقول أيضاً: "والتعليم المدرسي والتربية الأخلاقية اللذين يعني بهما المبشرون قد أسفرا عن نتائج جمة وأثمرا ثمرات نافعة في الأطفال والمراهقين على السواء". ويصرح بأن هذه الحملات التبشيرية قد أنبتت في الشرق وشملت كل دولة.
стр. 4921
ويقول بصدد مصر: "في سنة ١٨٨٢ م تأسس في مصر معهد علمي للتبشير تابع لجمعية تبشير الكنيسة وله أربعة فروع الأول قسم طبي والثاني مدرسة للصبيان والثالث للبنات والرابع لنشر الإنجيل، وينشر مبشرو هذا المعهد مجلة أسبوعية وكراسات ولهم مكتبة خاصة بهم والنتيجة الأولى لمساعي هؤلاء هي تنصير قليل من الشبان والفتيات والثانية تعويد كل طبقات المسلمين أن يقتبسوا بالتدريج الأفكار المسيحية" ويبين: "أنهم أسسوا أيضاً مكتبة لبيع الكتب بأثمان قليلة والغرض من ذلك استجلاب الزبائن ومحادثتهم في أثناء البيع"
ويصرح القسيس زويمر بأن المدارس أحسن ما يعول عليه المبشرون في التحكك بالمسلمين. ويقول القسيس أناتوليكوس: "إن من أهم الوسائل التي يستخدمها المبشرون التبشير من طريق الطب لأن ذلك في مأمن من مناوأة الحكومة له والمسلمون يلجأون بأنفسهم إلى مستشفيات المبشرين ومستوصفاتهم".
ويقول المستر هاربر: "يجب الإكثار من الإرساليات الطبية لأن رجالها يحتكون دائماً بالجمهور ويكون لهم تأثير على المسلمين أكثر مما للمبشرين الآخرين".
ويقول الدكتور أراهارس: "يجب على طبيب إرساليات التبشير ألا ينسى ولا في لحظة واحدة أنه مبشر قبل كل شيء ثم هو طبيب بعد ذلك".
ويقول الأستاذ (سمبسون) : "إن المرضى والذين ينازعهم الموت بوجه خاص لا بد لهم من مراجعة الطبيب وحسن أن يكون هذا الطبيب المبشر في جانب المريض عندما يكون في حالة الاحتضار التي لا بد أن يبلغها كل واحد من أفراد البشر".
стр. 4922
وينصح القسيس هاريك بوجوب تحلي حياة المبشر بمبدأ المسيحية قبل أن يعنى بالأمور النظرية كيما يظهر للمسلم أن النصرانية ليست عقيدة دينية ولا دستوراً سياسياً بل هي الحياة كلها وأنها تحب العدل والطهر وتمقت الظلم والباطل، نفتح للمسلم مدارسنا ونتلقاه في مستشفياتنا ونعرض عليه محاسن لغتنا ثم نقف أمامه منتظرين النتيجة بصبر وتعلق بأهداب الأمل إذ المسلم هو الذي امتاز بين الشعوب الشرقية بالاستقامة والشعور بالمحبة ومعرفة الجميل.
أرأيت أيها السلم كيف يحارب الإسلام وكيف ينبث أعداؤه بين المسلمين متنكرين في أزياء مختلفة تارة ثياب المعلمين الذين يربون الناشئة ويتعهدون الشبيبة.. وتارة يظهرون في صورة أطباء يداوون المرضى، ويعالجون الجرحى، ويعينون على نوائب الدهر، والله يعلم أن هؤلاء وهؤلاء إنما يسممون الأفكار، ويفسدون العقائد ويضللون الناس، ويدسون السم في العسل.
وكل همهم أن يتوصلوا إلى زحزحة المسلم عن عقيدته، وإضعاف همته، وتوهين عزيمته، وقتل غيرته، وقد مرت تصريحاتهم تنطلق بسوء نيتهم للإسلام وليس فيها غموض تحمل على الارتياب ومن غير شك أن هذه الأساليب الملتوية قد انتهت بنتائج ضعيفة لا يمكن أن تقارن بحال ما مع المصاريف الباهضة التي صرفت في سبيلها.
ولو أتيح للإسلام عشر ما أتيح للمسيحية المعاصرة من مكر ودهاء ونفاق سياسي وغير ذلك من الأسلحة الظاهرة والمستورة لحصل على أضعاف ما حصلت عليه المسيحية، لا أقول ذلك متحيزاً أو متعصباً ولكني أسطر هنا شهادة سجلها المستر كاين تيلز، وقد ألقاها في حفل جامع على رؤوس الأشهاد مبيناً قوة الإسلام وشبابه وقدرته على مواجهة ظروف الحياة ومصرحاً بقصور المسيحية وشيخوختها وضعفها، ويقول في صراحة:
стр. 4923
"إن الإسلام قد سبق النصرانية بمراحل شاسعة من أكثر جهات العالم همهمة ودمدمة ليس فقط من جهة المسلمين الذين كانوا وثنيين وأسلموا أكثر من الذين تنصروا بل لأن النصرانية في بعض الجهات أخذت في التقهقر إلى الوراء أمام الدين الإسلامي في حين أن الوسائل التي تستعملها لتنصير الأمم الإسلامية يفشل أمرها، والشباك التي تنصبها لهم تنقطع حبالها فإننا لا نرجع فقط بصفة المغبون بل ربما خسرنا رأس المال ويصدق علينا قول من قال: "على نفسها جنت براقش"والدين الإسلامي يمتد الآن من مراكش إلى يافا، ومن زنجبار إلى الصين ويخطو في داخل أفريقيا خطوات كبيرة وتعتنقه أمم كثيرة والبحث في سرعة انتشاره يرجع إلى عدم الخلط والخبط في أصوله وبنيانه الأمر الذي جعل له مكاناً ثابتاً في قلوب أهله، وكل من تدين به بخلاف النصرانية فإنها مزعزعة الأركان قلما يكون لها ثبوت عند الإنسان لما فيها من التبديل والتغيير والتحريف والتحوير.
стр. 4924
أجل، فقد اعتنق الإسلام أمة بحذافيرها في أفريقيا صفقة واحدة ولم ترتد إلى الوثنية قط، الإسلام أفاد التمدن أكثر من النصراية ونشر راية المساواة والأخوية وهذه الأدلة نذكرها نقلاً عن تقارير الموظفين من الإنجليز وعما كتبه أغلب السياح عن النتائج الحسنة التي نتجت من الدين الإسلامي وقد ظهرت آياتها منه فإنه عندما تتدين به أمة من الأمم السودانية تختفي من بينها في الحال عبادة الأوثان واتباع الشيطان والإشراك بالعزيز الرحمن وتحرم أكل لحم الإنسان وقتل الرجال ووأد الأطفال وتضرب عن الكهانة ويأخذ أهلها في أسباب الإصلاح وحب الطهارة واجتناب الخبائث والرجس والسعي نحو إحراز المعالي وشرف النفس ويصبح عندهم قرى الضيف من الواجبات الدينية وشرب الخمر من الأمور غير المرضية، ولعب الميسر والأزلام محرمة والرقص القبيح ومخالطة النساء اختلاطاً دون تمييز منعدمة يحسبون عفة المرأة من الفضائل ويتمسكون بحسن الشمائل أما الغلو في الحرية والتهتك وراء الشهوات البهيمية فلا تجيزه الشريعة الإسلامية، والدين الإسلامي هو الذي يعمم النظام بين الورى ويقمع النفس عن الهوى، ويحرم إراقة الدماء، والقسوة في معاملة الحيوان والأرقاء ويوصي بالإنسانية، ويحض على الخيرات والأخوية.. الإسلام ينشر المدنية القائلة بالاحتشام في الملبس الآمرة بالنظافة والاستقامة وعزة النفس فمنافع الدين الإسلامي منافع لا ريب فيها، وفوائده من أعظم أركان المدنية وحتام لا ننظر إلى المصاريف الباهضة والأنفس الغالية التي ذهبت سدى في سبيل تنصير أفريقيا؟! والنصرانية إذا اعتنقها ألف فالإسلام يعتنقه مليون".
стр. 4925
هذه شهادة قيمة ذكرناها بطولها ليعلم من لا يعلم أن ديننا الحنيف غالب غير مغلوب، منصور غير مخذول، مهما تحالف عليه الأعداء، وتآمر عليه خصومه الألداء ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ .
ونذكر شهادة أخرى تؤكد هذا المعنى، قال المسيو (شارل ديرموزه) كما روت جريدة المنبر التونسية "لم يكن بالعلم ملة أشد يقيناً وثباتاً من ملة الإسلام فالارتداد عن هذا الدين يكاد يكون مجهولاً بالمرة ولهذا نرى رسوخ الدين المحمدي قد أعيا المبشرين حتى إنهم يئسوا من تنصير المسلمين وقد أحسوا أنهم مثل من يريد مصادمة الجلمود أو اقتفاء أثر الخيالات. إلى أن يقول:
وقد جاء في بعض المجلات الأوربية أن الدين المحمدي هو الآن أكثر الأديان انتشاراً في حين أن الأديان الأخرى ناكصة على عقيبها أو لازمة الوقوف فالإسلام يتقدم وينتشر ويمتد انتشاره بأفريقية وآسيا وبجزائر المحيط الهادي، وهذا أمر لا يتصوره العقل، ومحل الغرابة هو مقدرة الإسلام على الظهور والاستقرار بالبلاد الغربية الأوربية وهذا الأمر صار من القضايا التي لا مراء فيها.. فترى منهم رجالا ذوي مدارك عالية يلتجئون إلى التلفظ بالشهادتين بغاية الإخلاص بعد أن كلت عقولهم من الخرافات والخيالات البشرية ولأسباب مختلفة نرى آخرين لم يصلوا إلى ذلك الحد ولكنهم يبدون نحو محمد ﷺ ميلاً قلبياً يعادل التصاقهم بالدين المحمدي وشريعته الغراء فمن أين ولماذا يا ترى هذا الأمر العجاب".
стр. 4926
هذه شهادة أخرى تؤكد أن دين الإسلام قد تعهده الله بأتم عناية، وحاطه بأكمل رعاية، وضمن له أن يخترق الحدود، ويقتحم الحصون، وإن لم يكن لديه مبشرون وهاهو ذا الإسلام عام ١٣٩٣ هـ يجذب إليه بروعة مبادئه وقوة منطقه رئيس جمهورية الجابون (البرت برنارد بونجو) ويجذب معه كثيراً من وزرائه وأبناء شعبه، وعندما سئل عن سبب اعتناقه للإسلام قال:
"إن ذلك تم عن اقتناع وإيمان بالدين الذي يعز الإنسان ولا يفرق بين البشر إلا بالتقوى ويحترم الإنسانية ويدعو إلى الحريات".
قلت: إن الإسلام يزحف وإن لم يكن لديه مبشرون، وهذه حقيقة.
ومن قبل اعتذر الكونت هنرى دي كاستري في كتاب الإسلام ص ٩٥ عن استعمال كلمة المبشر الإسلامي فقال: "وليلاحظ أن هذا الاسم غير صحيح عند المسلمين إذ ليس لديهم مبشرون منقطعون لهاذ الأمر كالمسيحيين".
ويؤكد القسيس ورتز هذا المعنى فيقول: "ومن الخطأ أن يقال إن الجامع الأزهر يرسل ألوف المبشرين إلى أفريقية الوثنية للدعوة إلى الإسلام لأن الأزهر ليس معهد تبشير كما هي مدارس اللاهوت في أوربا ويقال مثل ذلك عن كل المدارس الإسلامية في شمال أفريقية".
ويتحدث ورتز عن الجامعة الإسلامية التي يعلق عليها المسلمون آمالهم فيقول: "ولكن عبثاً يبني هؤلاء آمالهم على الجامعة الإسلامية لأن التربية النصرانية قد انبثت في دمائهم بفضل مدارس التبشير".
أيها القارئ الكريم:
стр. 4927
لقد أجهدت المسيحية نفسها - كما رأيت - في سبيل المحافظة على كيانها ووقف الإسلام في عصرنا هذا وحيداً أعزل تحيط به معاول الهدم وأدوات التدمير من كل جانب وقد انضم إلى المسيحية في حربها للإسلام عدوان خبيثان هما الشيوعية والصهيونية وكلها تتفنن في صرف المسلمين عن دينهم، وتتخذ كل وسائل الترغيب والترهيب لتنفيرهم منه وإبعادهم عنه وتعمل بكل ما لديها من طاقات على طمس محاسنه وحجب نوره، ومع هذا فقد خرج من المعركة صحيحاً لم يكلم، سليما لم يجرح، قويا لم يضعف، عزيزاً لم يهن، وأصبح موضع دهشة ومحل إعجاب، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .
إنه لا يكاد يمر شهر من الشهور حتى نسمع عن إسلام أفراد وجماعات في مختلف بقاع العالم، وليس لدى الإسلام مبشرون كما علمنا، ولا تتوفر له أدوات التبشير البارزة والمستترة التي تغري الناس باعتناقه.
وسر إقبال الناس عليه أنه دين الفطرة، دين الإنسانية الرشيدة، دين العقل، فكل ما فيه يتمشى مع طبيعة الإنسان وغرائزه، ويتفق مع عقله وفكره، ويستجيب لكل مطالبه، من أجل هذا شق طريقه إلى الإمام مجتازا العقبات، مخترقاً الحصون، متعدياً الحواجز، إذا قصر أهله في معونته، فالله قد تكفل بنصرته.
ولعل من المستحسن أن نضع تحت بصر القارئ قصة أميرة أسلمت ليتأكد عنده أن الإسلام يغزو القلوب ويأسر الأفئدة دون أن يكون بيده سيف أو مدفع، أو ذهب.
أسلمت الأميرة الإنجليزية (ديانج مودا) أميرة سرواك زوجة ولي عهد الراجا بروك يوم ١٩ فبراير سنة ١٩٣٢م أثناء سياحتها في طيارة وقد أعلنت في أجواء الفضاء عن سبب إسلامها قالت: سئلت مراراً عن سبب مفارقتي الكنيسة الكاثوليكية والدخول في الإسلام وها أنذا أتحدث إليكم عنه بواسطة اللاسلكي بناء على طلب شركة الراديو الاستعمارية فأقول:
стр. 4928
لما زرت بلادي سرواك لأول مرة منذ عدة سنين وهي بلاد تبلغ مساحتها ٥٢,٠٠٠ ألف ميل مربع أو مثل مجموعة مساحة إنجلترا وويلز تقريباً أتاحت لي هذه الزيارة فرصة لدراسة معيشة الطوائف الدينية المختلفة المقيمة في هذه البلاد فإن في سرواك ٨٠٠٠٠ ألف مسلم ضمن سكانها الذين يبلغ عددهم ٦٠٠٠٠٠ ألف نسمة يوجد بينهم أيضاً بوذيون وبرهمانيون ووثنيون ومسيحيون وقد جذبتني كثيراً الرعايا المسلمين أحوالهم الخلقية وأدركت لأول مرة جمال هداية الإسلام.
إني ولدت بروتستانتية غير أني لم أجد نفسي عماداً خلقياً في هذه العقيدة الباردة وبعد أن درست علم الديانة المسيحية مدة خطوت خطوة جريئة ودخلت في المذهب الكاثوليكي ومنحني قداسة البابا جلسة خاصة ولكني ما لبثت أن شعرت بأني لم أخلق لهذه الديانة ولو أني كنت كثيرة الإعجاب بالعمل العظيم الحسن الذي قامت به كنيسة روما للحضارة ذلك لأن فيها أموراً يصعب على نفسي كثيراً قبولها ولبثت في الكثولكة سنتين بذلت في خلالهما جهوداً صادقة لتفهم تعاليمها الشاقة على أني شعرت بأن المسيح لم يحرم على أحد مطلقاً أن يناجي ربه بلا واسطة ولا أمر أحداً أن يجثو في قفص الاعتراف، فالقليل من المعترفين هم الذين يقولون الحق.
стр. 4929
وفي أثناء ذلك الزمن كان لي اهتمام بدراسة بلاد الإسلام، والهداية العظمى لمحمد ﵊ دراسة أدق مما سبق وقد دهشت لما في هذا الدين من الطهارة والحكمة واليسر وشعرت بأن قلبي كله وروحي جميعها مغموران بهذه الهداية التي في غاية الملاءمة للبشر والعقول وقد دعاني القرآن لأتباعه باعتبار أنه خطاب الله تعالى الصادر منه مباشرة إلى رجل هو خاتم الأنبياء، وأننا لعلى علم بحياة هذا الرجل من أولها إلى آخرها وبمقدار الخير الذي أداه دينه إلى العالم وقل من الناس من يعلم أنه بينما كانت أوربا غارقة في ظلمات القرون الوسطى المخيفة كانت الحضارة الإسلامية تنشر نورها فتتقدم به العلوم والفنون والآداب تقدماً مجيداً، وإذا كانت أوربة قد استطاعت أن تجد لها طريقاً إلى التجديد فإنما الفضل في ذلك يرجع إلى خلفاء أسبانية المسلمين المستضيئين بنور الفرقان ومن المؤسف ألا يعلم برقي الشعوب الإسلامية في بلادها إلا النزر اليسير بين غيرهم وإني آنس من نفسي الثقة بأن هذه البلاد سيكون لها في المستقبل القريب عمل ذو شان في التاريخ وهذا السبب مشفوعاً بميلي إلى البلاد الإسلامية هو الذي دعاني إلى إصدار مجلة في مدينة باريس تسمى (جملة الأخبار الإسلامية) هذه هي المجلة الوحيدة المستقلة الموجودة التي تخبر عن رقي البلاد الإسلامية وحياتها أخباراً صادقة وقد تلقاها بالترحاب الشديد جميع الذين يعنيهم العلم بأحوال هذه الحقيقة ورجائي أن هذه الصحيفة المتجردة للمعنويات ستؤدي خدمة كبرى لا إلى المسلمين وحدهم بل للعالم كله..
стр. 4930
كلنا يعلم أن أساس الحياة الخلقية قد تداعى لتأثير الإلحاد الشديد ولهذا كان حقاً علينا من أجل التمكين من وقف تأثيره المفسد أن نقيم في وجهه مثلا أعلى من الأخلاق العالية والآداب الراقية، وسينقل الشرق إلى بلاد الغرب قبس الإسلام الذي يؤسفنا أننا كدنا أن نطفئه وعلينا أن ندرس هداية الحسنة وقد قال با نادشو وأنا موافقة له تماما الموافقة فيما قال: (إن الإسلام هو دين المستقبل..) . وإني مرسلة آخر تحياتي لجميع إخواني وأخواتي في الإسلام الذين يستمعون قولي خصوصاً أهل سرواك".
هذه قصة أميرة آمنت بالإسلام عن طريق الدراسة لا عن طريق الوراثة آمنت به نتيجة للاقتناع بحججه الغراء، ولم يحصل نتيجة لوعيد أو إغراء، وفي نفس الوقت كشفت هذه الكلمة عن جاذبية الإسلام وسر قوته وأثبتت عجز المسيحية بمذاهبها عن إقناع ذوي العقول الناضجة بتعاليمها ومبادئها كما أثبتت عجزها عن صد تيار الإسلام الكاسح.
بربك خبرني أيها القارئ أليس هذا كله يقوم شاهداً على تأييد الله للإسلام في جميع الأزمان وفي كل مكان..؟ أليس هذا يؤكد صدق الآية: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .
وأخيراً فهل تحسب أن تأخر المسلمين واضمحلالهم، وتدهورهم وانحلالهم ينال من الإسلام أو يضعف من شأنه. لا فذلك دليل آخر على صحته، وبرهان جديد على صدقه وسلامته كيف وهو تأييد لسجل الإسلام الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فقد وعد المؤمنين الذين ينفذون تعاليمه، ويطبقون مبادئه بالاستخلاف في الأرض والتمكن منها فقال:
стр. 4931
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ .
وقد تحقق وعد الله وصدقت كلمته ونفذت مشيئته، فاستولى أسلافنا على الأقطار، واستحوذوا على الأمصار، وحكموا أكثر بلاد العالم حتى كانت لهم الكلمة في آسيا، والسيطرة في أفريقيا، والهيبة في أوربا، وظل ذلك في أيديهم حتى خلف من بعدهم خلف نقضوا العهد، وبعدوا عن الدين، فصدقت فيهم آيته الأخرى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ .
وهكذا يتجلى صدق الإسلام، وينجلي للناس فضله، ويتبين للعالم أن هذا الدين ينتصر بقوة مبادئه، ولا يتوقف مجده على مجد أتباعه، على حين يتوقف مجد أتباعه على التحلي به فلا ينالون العزة إلا في رحابه، ولا يسودون إلا بتطبيق تعاليمه وآدابه، فلا حجة لأحد عليه بل له الحجة القاهرة، والأدلة الباهرة.
محمود عبد الوهاب فايد
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين
بالجامعة الإسلامية [١]
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 4932
[١] أعلن الإسلام الدكتور جوهانس ليمان وهو قسيس كاثوليكي من ألمامنيا جاء ليبشر في ماليزيا لكنه بعد دراسة مقارنة اعتنق الإسلام وقال: إنه اقتنع بأن الإسلام هو القوة الأخلاقية التي ستقود الإنسان للوحدة الأخوية وترشده إلى الله وقال: إنه آمن بوحدانية الله وقد حصل على الدكتوراه من جامعة بون في الأديان المقارنة. كذلك أشهر ١٠٦ مائة وستة أشخاص إسلامهم في سيراليون، ١٠٤ مائة وأربعة أشخاص في ليبيا كما ذكرت مجلة المجتمع الكويتية في عددها ٢٤٧ الصادر في ١٨ ربيع الآخر سنة ١٣٩٥ هـ
كذلك نشرت مجلة المجتمع الكويتية العدد ٢٤٥ الصادر في ٤ ربيع الآخر سنة ١٣٩٥ صفحة ٤ ـ أعلن ٣٠٠ ياباني في أواخر مارس الماضي وأول أبريل الحالي سنة ١٩٧٥ أعلنوا إسلامهم ودخلوا في دين الله أفواجاً ـ وفي مجلة الوعي الإسلامي (الكويتية) عدد ربيع الثاني سنة ١٣٩٥ ص ١١١ "اعتنق ٦٠٠٠ ستة آلاف شخص مسيحي بالويات الشرقية في نيجيريا الدين الإسلامي الحنيف بعد أن تخلوا عن مسيحيتهم.
وفي مجلة أخبار العالم الإسلامي (السعودية) العدد ٢٤٥ الصادر يوم الاثنين ١٧ من ربيع الآخر ١٣٩٥ ـ ٢٨ أبريل ١٩٥٧ الصفحة الأولى (قاضي برازيلي كبير يعتنق الدين الإسلامي أسلم الدكتور نيوتون جيمارايس قاضي محكمة الجنايات في منادوش بولاية أمازونا البرازيل أمام ملأ من المسلمين بعد مناقشات طيبة) .
стр. 4933
بحوث في تاريخ الأديان
بقلم فضيلة الشيخ محمد محمد أبو فرحة
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية
الحمد لله والصلاة على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد: فهذه بحوث في تاريخ الأديان أنوي (مستعيناً بالله) متابعة الكتابة فيها فيما اشتهر من أديان البشر ومللهم محاولاً أن أجمع فيها ما لأسلافنا الكرام من آراء وبحوث إلى ما محصه المحدثون من تاريخ المادة في الملل والنحل على ما جد من أساليب هذا البحث وطرق ذلك الدرس. وإنه لطريق لم يعبد وسبيل لم يمهد؛ نعم هو طريق وعر، كؤود العقبات كثير الشعاب مليء بالمتاهات.
فكتب الأقدمين في هذه المادة يختلط فيها القول الصحيح ببعض الآراء التي لم تحرر عن الأديان القديمة والنحل الأولى لاستغلاق أمر الأمم السابقة عليهم ولاستعجام آثارهم واستبهام نقوشهم، فاستقوا معلوماتهم عن الأديان من أهلها وكان منهم المخلصون الصادقون أدوا الأمانة وصدقوا الرأي، وكان منهم من تعمدوا التضليل يريدون بذلك ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وعلى رأس هذا الفريق بنو إسرائيل..
فلما فك المتأخرون رموز تاريخ الأمم وحلوا طلاسمها واستخرجوا كنوزها واطلعوا على ما أخفاه المغرضون: ظهر لهم من خبرها الصحيح الأوفى وإن كانت لا تزال رهن الكشف المتجدد وقيد البحث المتتابع ولا يزال علماء الآثار يكشفون الجديد النافع ويهتدون إلى التليد الضائع..
стр. 4934
وكما أن كتب الأقدمين قد تباينت في تحديد التواريخ الدقيقة المتصلة بالأحداث: فإن كتب الغربيين (المترجمة) في هذا الموضوع إنما كتبت لبلادهم في ثقافتها وبيئاتها وعقيدتها ثم هي بعد ذلك لا تبرأ في كبريات الملل كالإسلام من الهوى ولا تخلص من الغرض ولا تسلم من تحامل تصبغه بصبغة العلم وتلونه بلون البحث النزيه لتقبله النفوس المتهافتة على كتاباتهم فيضيع في زحمة الصواب والحق ويختلط فيها الصحيح بغيره عن تعمد مقصود وغرض سيء.
وبهذه المناسبة فإنني أذكر القارئ بأن المستشرقين وإن درسوا اللغة العربية وفهموا قواعدها فما هم بكاشفين أسرارها ولا غائصين إلى أغوارها ولا مدركين دقيق خصائصها فكيف إذا دق مع ذلك كله اصطلاح أهل العلوم واستبهمت أمامهم عبارات كتب العقول فقد يوجز العلماء أحياناً ويبهمون أحياناً مما تصعب الإفادة منه على أهل اللغة أنفسهم وهم الوارثون لمعرفة أسمائها ومسمياتها والعارفون لحقيقة كلامها واستعاراتها.
إن لهؤلاء المستشرقين مع الأهواء أخطاء، ومع الأخطاء تغليق لها باللفائف اللامعة والأوراق المصقولة والطباعة الجيدة والتنظيم المتقن مما يغري بالقراءة ويستهوي الكثير من النفوس لاقتنائها ومن أجل ذلك كانت القراءة فيما يكتبون شديدة الحاجة إلى التبصر والتثبت والتدقيق.
ثم لا ينسى الكاتب قبل ذلك كله وبعد ذلك كله أن ما يكتب للجامعة الإسلامية يجب أن يتصل بحاضر الجامعة الإسلامية وبرسالتها ويعرض كذلك في صورة ما ألف أهل الجامعة وينسج على منوالهم وبأسلوبهم في دقة البحث وسلامة النقل حتى يتهيأ الانتفاع الحق بما يكتب فلا يتنافر فيه ماضٍ وحاضر. ولا يهاجم جديد طائش قديماً صالحاً.
стр. 4935
وليس يقبل من الكاتب أن يكون مؤرخاً يقوم مقام الواصف فقط، بل لا بد من مناقشته وبحثه لما يخالف المقررات الإسلامية أو يبدو عليه ذلك من تفسير لظاهر الحياة الاعتقادية الإنسانية أو حياة ملة بعينها أو نحلة خاصة أو بيان لمعتقد أو بحث عن أصوله مما استطالت به اليوم يد العلم واستشرقت إلى تناوله في جرأة تختلف باختلاف الكاتبين وتتجاوز حدها في كثير من الأحايين. وهو مقام دقيق وجاد لأنه وقفة بين العلم والدين يصاول فيه يقين الإيمان شك العلم وإنها لكبيرة إلا على الموفقين الذين يمدهم الحق ويسعفهم الصبر فلا يمكنون الهوى من نفوسهم ولا يغترون بمقدرة العقل ولا يمنعون ما اعتقدوه على البحث ولا يمكنون منه الجدل المتعنت.
في ذلك كله يلوذ الإنسان بالحق ويستمد من الحق ويهتف من أغوار نفسه يا حق نستعينك ونستهديك بحرمة هذا الاسم الكريم. يا حق جنبنا زلل من زل وضلال من ضل ويسر لنا يا حق توفيق من وصل إنك أنت أحكم الحاكمين.
(تاريخ الأديان) أو (تاريخ الملل والنحل)
والتسمية بهذا الاسم معروفة لدى العرب من قديم ولكنها لم تعرف لدى الغربيين إلا في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي... وموضوع هذه المادة يطلق على معنيين: قديم وحديث.
أولاً: فالقديم هو وصف لحياة الأديان ومعتقداتها وفرقها وحياة تلك المعتقدات والفرق المعتقدة لها وأحداثها وما تولد منها وما انشق عليها، وقد كتب في ذلك كثير من سلفنا الكرام وقد امتازت كتاباتهم بميزتين لم يسبقهما أحد فيهما.
أما الميزة الأولى: فهي إفراد هذا العلم في دراسة مستفيضة وصفية وواقعية شاملة لكافة الأديان التي عرفت في عهدهم منفصلة عن العلوم الأخرى فكان لهم فضل السبق في تدوينه علماً مستقلاً عن غيره من العلوم بعد أن كان لدى الأمم الأخرى من يونان ورومان وفرس وغيرهم ممتزجاً بغيره من العلوم الأخرى تتقاذفه الأمواج فتارة يأتي مع علوم الجدل وأُخرى مع علوم الفلسفة وهكذا..
стр. 4936
أما الميزة الثانية: فهي أنهم اعتمدوا في تحرير كتاباتهم عن الأديان الأخرى على المصادر الموثوق بها وتجنبوا الكتابة بالظن والاستنتاج ولم يأخذوا بالأخبار العامة التي يتناقلها الناس من غير بحث ولا تمحيص ولا اعتمدوا على الجاهلين بالدين ولا على أعداء أهله ممن لا يسلمون من الهوى والغرض فجاءت كتاباتهم وافية وصادقة بقدر الاستطاعة البشرية ثم اتخذوا له منهجاً علمياً سليماً متجرداً عن الهوى خالصاً من خطر التعصب فسلم فيه الموضوع وسلم فيه التطبيق.
ومن هذه المؤلفات العربية المشهورة:-
١) جمل المقالات لأبي الحسن الأشعري المتوفى سنة ٣٣٠ هـ وقد جمع فيه مقالات الإسلاميين ومقالات غير الإسلاميين.
٢) المقالات في أصول الديانات للمسعودي المتوفى سنة ٣٤٦ هـ
٣) الفَرْق بين الفرق لعبد القاهر بن طاهر البغدادي الاسفرائيني المتوفى سنة ٤٢٩هـ
٤) كتاب الفصل في الملل والنحل لابن حزم المتوفى سنة ٤٥٦ هـ
٥) كتاب الملل والنحل للشهرستاني المتوفى سنة ٥٤٨ هـ
٦) كتاب اعتقادات المسلمين والمشركين للفخر الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ
ولكل من هؤلاء طريقته التي قد يتفق فيها مع غيره أو يختلف عنه مما سأعرض له عند البحث في مناهج المؤلفين إن شاء الله تعالى.
ثانياً: أما الحديث فهو بحث تحليلي عن التدين ومنشئه في الحياة الإنسانية وتدرجه مقابلة ذلك عند الأمم المختلفة، بعضه ببعض بياناً للقوانين العامة التي خضعت لها حياة الإنسانية الدينية وبياناً للعلاقات الفكرية والعملية بين الأديان المختلفة وتفاعلها وانفعالها، وكذلك الحديث عن عقائد كل دين وكتبه المقدسة عند أهله وحياته على هذا النحو من التعليل والتحليل.
وهو بحث أشبه ما يكون بفلسفة التاريخ إذا حسبنا البحث القديم (التاريخ العادي)
стр. 4937
وهذا البحث الحديث حديث الظهور بدأ في أول القرن التاسع عشر (كما مر) تحت اسم علم الأديان، على يد عالمين: أحدهما وهو صاحب الفضل فيه يدعى فردريك ماكس مولر F.M.Muller ألماني الجنسية ولد سنة ١٨٢٣ وتوفي سنة ١٩٠٠م والثاني إنجليزي ويسمى (أدوارد تيلور) R.Tylor ولد سنة ١٨٣٢ وتوفي سنة ١٩١٧م
وقد استفاد الحديث من القديم وزاد عليه وأفاد الدارسون لهذه المادة بتوسع من دراسة المنهجين: من القديم بوصفه ودقته ومن الحديث باستقصائه كل ملة وربط الديانات بعضها ببعض واستنباط العنصر أو العناصر المتحدة فيها ووجوه التشابه بينها، ومعرفة أن التدين ظاهرة وجدت في كل الجماعات البشرية مشتركة بين الأمم المتحضرة والبادية والحاضرة والماضية والبائدة والباقية حتى اليوم مما يجد الباحث نفسه أمام لافتة كتب عليها ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ .
وقد اتسعت جوانب البحث في هذه المادة فشملت القارات الخمس وذهب الباحثون ينقبون في أدغال أفريقية وأستراليا كما شمل البحث الأمم البدائية والأمم البائدة وامتد إلى ما وراء التاريخ المعروف ولم يعد قاصراً على الأمم ذات التاريخ والتدوين وجند له علوم طبقات الأرض والآثار وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأجناس البشرية وعلم اللغات المقارن وعلم التصوير والتمثيل الرمزيين
ذلك العلم هو:
تاريخ الأديان أو تاريخ الملل والنحل
ويقتضينا البحث المنطقي إذا أردنا أن نتعرف حقيقة هذا المركب الإضافي الذي نتكلم عنه أن نتعرف أولاً مفرداته التي تركب منها ثم ننتقل إلى حقيقة ومميزات ما تركب من المتضايفين وإذا عرفنا كل عنصر على حدة سهل معرفة الوليد من اجتماعهما.
أما العصر الثاني فهي: (دين) (ملة) (تاريخ)
أولاً: الدين في اللغة:
стр. 4938
أما كتب اللغة العربية فكانت كالتاجر الغني اليقظ الذي جمع في متجره لكل صنف عديد الأنواع والألوان والمقاسات ومختف الخامات بحيث لا يحتاج المشتري إلى سواه فقد حشدت جيشاً من المعاني التي يصدق عليها أنها مسميات لاسم الدِّين (بكسر الدال) ليختار القارئ من بينها ما يوصله إلى ضالته المنشودة وهدفه المطلوب.
وإذاً فلا نطالب كتب اللغة بما هو فوق اختصاصها وجزى الله من ألفوها خير الجزاء، وإنما نطلب منها الدلالة على الطريق الموصل لنسلكه مستعملين ما وهبنا الله من عقل عسانا نصل إلى المرغوب.
وكلمة الدين التي نحن بصدد تعريفها ـ تطلق ـ في كتب اللغة على ما يلي:
العادة، والعبادة، الطاعة، الجزاء، القضاء، المجازاة، الحساب، الحكم، الإكراه، الإحسان، الحال، الداء، السيرة، الورع، الاستيلاء، السلطان، الملك، الذل، العز، الخضوع، الإسلام، التوحيد، كل ما يتعبد به.....الخ
ونستطيع أن نرجع هذه المعاني كلها إلى ثلاثة أصول يرتبط بعضها ببعض بأوثق روابط المودة والتلازم، فإن كلمة (دان) وردت في كلام العرب إما متعدية بنفسها وإما متعدية بحرف الجر، وحرف الجر هو إما اللام وإما الباء:
١ـ فإذا تعدت بنفسها إلى مفعولها كما يقال: دانه، يدينه، ديناً.. فيكون المراد أن الأول أعلى من الثاني تسلط عليه وقهره وأذله وحاسبه وجازاه.. وملكه..الخ.. ما يشعر بغلبة الأول وتسلطه على الثاني وسلطانه عليه ومنه قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
٢ـ وإذا تعدت باللام كما يقال: (دانه فدان له) فيكون مطاعاً للمعنى الأول ونلحظ فيه الانقياد والخضوع من المفعول للفاعل.
٣ـ وإذا تعدت بالباء كما يقال: (دان بكذا) فيكون المعنى اتخذ الفاعل ذلك الشيء مذهباً وعقيدة ومنهجاً ودستوراً يلتزم به ويسير على نهجه.
стр. 4939
وعلى هذا يكون معنى كلمة (الدين) بالنسبة لله .. القهر والسلطان والعظمة والعزة وكل ما يدور في فلك هذه المعاني من التعظيم ويكون الدين بالنسبة للفرد المتدين: الخضوع والانقياد لمن دان له، ويكون المعنى بالنسبة للمعتدي بالباء: هو الرباط والشريعة والدستور الذي التزم به المتدين والتزم بالسير على قواعده وهو المتعبد به.
ومن هذا التفصيل نرى كذب ادعاء المستشرقين الذين قالوا: (إن الدين بمعنى القضاء مأخوذ من اللغة الآرامية بواسطة اللغة العبرية، والدين بمعنى المتعبد به مأخوذ من الفارسية، والدين بمعنى العادة عربي أو مأخوذ من الكلمة الفارسية التي في معنى المعتقد، والدين بمعنى الغرض مأخوذ من اللغة اليونانية) [١] .
أما في الاصطلاح:
أولاً: فقد عرفه علماء المسلمين بتعريفات كثيرة نقتصر منها على أربعة تعريفات خوف الإطالة وهي:
١ـ عرفه السيد الجرجاني في التعريفات فقال: (الدين، وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عند الرسول ﷺ .
٢ـ وعرفه ابن قَطْلوبْغا في شرحه على المسايرة فقال: (الدين وضع إلهي سائق بذاته لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير) .
٣ـ وعرفه البهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون فقال: (الدين، وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل) .
٤ـ وعرفه الراغب الأصفهاني في المفردات فقال: (الدين، ما شرع الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء ليتوصلوا به إلى جوار الله تعالى) .
تعليق على هذه التعريفات
وبالنظر في هذه التعريفات يتبين ما يلي:
١) التعريفان (١ و ٢) متساويان على وجه التقريب لا فرق بينهما إلا في قيد الذاتية في السوق. وعلى كل حال فوجهة التعريفين واحدة.
стр. 4940
٢) التعريفان (١،٢) مبينان لقوة التدين أو لقابلية التدين وهي القوة النفسية التي تدفع الإنسان إلى تقبل الرسالات السماوية وهي القوة المسماة في عرف المحدثين (غريزة التدين) .
٣) التعريفان (٣،٤) يتفقان في أنهما تصوير الدين مراداً به التكاليف والشرائع الإلهية المبينة على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولا يخدعنك ما يظهر من توافق التعريض (٢،٣) في أكثر ألفاظهما فلكل منهما اتجاهة عند التحليل.
ثانياً: وفي اصطلاح الغربيين، فقد عرف الغربيون الدين بتعريفات كثيرة نقتصر منها على أربعة تعريفات هي:-
(ديوان الفضيلة والطراز العالي للحياة) .
(جملة العقائد والوصايا التي يجب أن توجهنا في سلوكنا مع الله ومع الناس وفي حق أنفسنا) .
(رباط خضوع يربط الإنسان بالله) .
(شعورنا بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية) .
موازنة بين تعريفات الشرقيين والغربيين
لو أردت الموازنة بين تعريفات الشرقيين وتعريفات الغربيين لتبين لك ما يلي:
أـ أن قصد التعريفات الإسلامية إلى بيان الدين الصحيح أو الإسلام بخاصة أو قوة التدين من حيث هي هادية إلى اختيار الدين الصحيح السماوي.
ب ـ أن قصد التعريفات الغربية إلى بيان التدين أو الدين بمعنى عام يشمل الدين السماوي والدين الأرضي وبمعنى أدق يشمل الدين الصحيح والدين الزائف والذي نقصد إليه في تاريخ الأديان إنما هو دراسة الأديان بوجه عام ويستوي في ذلك الأديان الصحيحة حتى الآن أو التي كانت صحيحة في أصلها ثم دخلها التحريف والتزييف، والأديان الباطلة من أصلها سواء بقيت باطلة أو مالت إلى الصحة متأثرة بدين آخر صحيح..
وقد أطلق القرآن الكريم اسم الدين على الصحيح وعلى الدين الفاسد الباطل من ذلك قوله : ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٢٤ آل عمران.
следующие страницы →