← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

الفتاوى يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة السؤال الأول: هل كتابة التعاويذ من الآيات القرآنية وغيرها وتعليقها في الرقبة شرك أو لا؟ والجواب: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه وأخرج أحمد أيضاً وأبو يعلى والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له"وأخرجه أحمد من وجه آخر عن عقبة بن عامر بلفظ "من تعلق تميمة فقد أشرك" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والتميمة هي ما يعلق على الأولاد أو غيرهم من الناس لدفع العين أو الجن أو المرض ونحو ذلك ويسميها بعض الناس حرزاً ويسميها بعضهم الجامعة وهي نوعان: أحدهما ما يكون من أسماء الشياطين أو العظام أو الخرز أو المسامير أو الطلاسم وهي الحروف المقطعة أو أشباه ذلك وهذا النوع محرم بلا شك لكثرة الأدلة الدالة على تحريمه وهو من أنواع الشرك الأصغر لهذه الأحاديث وما جاء في معناها وقد يكون شركاً أكبر إذا اعتقد معلق التميمة أنها تحفظه أو تكشف عنه المرض أو تدفع عنه الضر من دون إذن الله مشيئته، والنوع الثاني ما يعلق من الآيات القرآنية والأدعية النبوية أو أشباه ذلك من الدعوات الطيبة فهذا النوع اختلف فيه العلماء فبعضهم أجازه وقال إنه من جنس الرقية الجائزة وبعض أهل العلم منع ذلك وقال إنه محرم واحتج على ذلك بحجتين: إحداهما عموم الأحاديث في النهي عن التمائم والزجر عنها والحكم عليها بأنها شرك فلا يجوز أن يخص شيء من التمائم بالجواز إلا بدليل شرعي يدل على ذلك وليس هناك ما يدل على التخصيص أما الرقى فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ما كان منها بالآيات القرآنية والأدعية الجائزة فإنه لا بأس به إذا

стр. 4867

كان ذلك بلسان معروف المعنى ولم يعتمد المرقى عليها بل اعتقد أنها سبب من الأسباب لقول النبي ﷺ : "لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً" وقد رقى النبي ﷺ ، ورقى بعض أصحابه، وقال: "لا رقية إلا من عين أو حمة" والأحاديث في ذلك كثيرة أما التمائم فلم يرد في شيء من الأحاديث استثناء شيء منها فوجب تحريم الجميع عملاً بالأدلة العامة، الحجة الثانية سد ذرائع الشرك، وهذا أمر عظيم في الشريعة ومعلوم أنا إذا جوزنا التمائم من الآيات القرآنية والدعوات المباحة انفتح باب الشرك واشتبهت التميمة الجائزة بالممنوعة وتعذر التمييز بينهما إلا بمشقة عظيمة فوجب سد الباب وقفل هذا الطريق المفضي إلى الشرك وهذا القول هو الصواب لظهور دليله، والله الموفق. السؤال الثاني: يقول كثير من علمائنا أنه من الممكن أن نرى رسول الله ﷺ في المنام وأن رؤيته في المنام حقيقة لأن الشياطين لا يستطيعون أن يتمثلوا بشخصية الرسول ﷺ وهل مثل هذه العقيدة شرك أم لا؟

стр. 4868

الجواب: هذا القول حق وهو من عقيدة المسلمين وليس فيه شرك لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي" متفق على صحته.. فهذا الحديث الصحيح يدل على أنه ﷺ قد يرى في النوم وأن من رآه في النوم على صورته المعروفة فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل في صورته ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون الرائي من الصالحين ولا يجوز أن يعتمد عليها في شيء يخالف ما علم من الشرع بل يجب عرض ما سمعه الرائي من النبي ﷺ من أوامر أو نواهي أو خبر أو غير ذلك من الأمور التي يسمعها أو يراها الرائي للرسول ﷺ على الكتاب والسنة الصحيحة فما وافقهما أو أحدهما قبل وما خالفهما أو أحدهما ترك لأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها وأتم عليها النعمة قبل وفاة النبي ﷺ فلا يجوز أن يقبل من أحد من الناس ما يخالفهما علم من شرع الله ودينه سواء كان ذلك من طريق الرؤيا أو غيرها وهذا محل إجماع بين أهل العلم المعتد بهم أما من رآه ﵊ على غير صورته فإن رؤياه تكون كاذبة كأن يراه أمرد لا لحية له أو يراه أسود اللون أو ما أشبه ذلك من الصفات المخالفة لصفته ﵊ لأنه قال ﵊ فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي فدل ذلك على أن الشيطان قد يتمثل في غير صورته ﵊ ويدعي أنه الرسول ﷺ من أجل إضلال الناس والتلبيس عليهم ثم ليس كل من ادعى رؤيته ﷺ يكون صادقاً وإنما تقبل دعوى ذلك من الثقات المعروفين بالصدق والاستقامة على شريعة الله سبحانه وقد رآه في حياته ﷺ أقوام كثيرون فلم يسلموا ولم ينتفعوا برؤيته كأبي جهل وأبي لهب وعبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين وغيرهم فرؤيته في النوم ﵊ من باب أولى.

стр. 4869

السؤال الثالث: هل الرسول ﷺ حي في قبره أم لا وهل يعلم في قبره بأمور الدنيا وهل هذه العقيدة شرك أم لا؟ الجواب: قد صرح الكثيرون من أهل السنة بأن النبي ﷺ حي في قبره حياة برزخية لا يعلم كنهها وكيفيتها إلا الله سبحانه وليست من جنس حياة أهل الدنيا بل هي نوع آخر يحصل بها له ﷺ الإحساس بالنعيم ويسمع بها سلام المسلم عليه عندما يرد الله عليه روحه ذلك الوقت كما في الحديث الذي رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد ﵇" وخرج البزار بإسناد حسن عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" وأخرج أبو داود بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تجعلوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهذه الحياة البرزخية أكمل من حياة الشهداء التي أخبر الله عنها سبحانه بقوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وفي قوله : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ وروحه ﵊ في أعلا عليين عند ربه وهو أفضل من الشهداء فيكون له من الحياة البرزخية أكمل من الذي لهم ولكن لا يلزم من هذه الحياة أنه يعلم الغيب أو يعلم أمور أهل الدنيا بل ذلك قد انقطع بالموت لقوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" خرجه مسلم في صحيحه وقوله ﵊: "يذاد رجال يوم القيامة عن

стр. 4870

حوضي فأقول يا رب أصحابي فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد" متفق على صحته والأحاديث في هذا الباب كثيرة وهو ﷺ لا يعلم الغيب في حياته فكيف يعلمه بعد مماته وقد قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ وقال آمراً نبيه أن يبلغ الناس: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ والآيات الدالة على أنه ﷺ لا يعلم الغيب كثيرة، وهكذا غيره من الناس من باب أولى ومن ادعى أنه يعلم الغيب فقد أعظم على الله الفرية كما قالت ذلك عائشة أم المؤمنين ﵂ ولما قذف بعض الناس زوجته عائشة ﵂ في بعض غزواته وأشاع ذلك بعض المنافقين ومن قلدهم لم يعلم النبي ﷺ براءتها حتى نزل القرآن بذلك ولو كان يعلم الغيب لقال لها وللناس: إنها بريئة ولم ينتظر نزول الوحي في ذلك وهكذا لما ضاع عقدها في بعض أسفاره بعث أصحابه يلتمسونه فلم يجدوه ولم يعلم النبي ﷺ مكانه حتى أقاموا البعير الذي كانت تحمل عليه فلما أقاموه وجدوه تحته والأحاديث في ذلك كثيرة وفيما ذكرت إن شاء الله كفاية.

стр. 4871

السؤال الرابع: هل يكون من الشرك إذا قال أحد في أي بقاع الأرض يا محمد يا رسول يناديه. الجواب: قد بين الله سبحانه في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم أن العبادة حق الله ليس فيها حق لغيره وأن الدعاء من العبادة فمن قال من الناس في أي بقعة من بقاع الأرض يا رسول الله أو يا نبي الله أو يا محمد أغثني أو أدركني أو انصرني أو أشفني أو انصرني أو أشفني أو انصر أُمتك أو أشف مرضى المسلمين أو اهد ضالهم أو ما أشبه ذلك فقد جعله شريكاً لله في العبادة وهكذا من صنع مثل ذلك مع غيره من الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء أو الجن أو الأصنام أو غيرهم من المخلوقات لقول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .

стр. 4872

ولقوله في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقوله سبحانه ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ قوله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ فسمى الدعاء عبادة وأخبر أن من استكبر عنها سيدخل جهنم داخراً أي صاغراً وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ وقال سبحانه ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ وقال : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وهذه الآيات وما جاء في معناها من الآيات والأحاديث كلها تدل على أن العبادة حق الله وحده وأن الواجب تخصيصه بها لكونه خلق العباد لذلك وأمرهم به كما تدل على أن جميع المعبودين من دون الله لا يسمعون دعاء من يدعوهم ولو فرض سماعهم لم يستجيبوا له كما دلت أيضاً على أن المعبودين من دون الله يتبرأون من عابديهم يوم القيامة وينكرون عليهم ذلك ويخبرونهم أنهم كانوا غافلين عن عبادتهم

стр. 4873

إياهم وبين سبب البيان بيان لطالب الحق وقد بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم خاتمهم وأفضلهم نبينا محمد ﷺ يدعون الناس إلى عبادة الله وحده ويحذرونهم من عبادة ما سواه كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال في سورة الرعد آمراً نبيه ﷺ أن يبلغهم ما أمره به: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ وقال ﵊ في الحديث الصحيح: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً" متفق عليه من حديث معاذ ﵁، وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار" وقال ﵊: "الدعاء هو العبادة" وفي لفظ آخر "الدعاء مخ العبادة" وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار" وفي صحيح مسلم أيضاً عن طارق الأشجعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله " والأحاديث في هذا الباب كثيرة ولا شك أن المستغيث بالنبي ﷺ أو بغيره من الأولياء والأنبياء والملائكة أو الجن إنما فعلوا ذلك معتقدين أنهم يسمعون دعاءهم ويقضون حاجاتهم وأنهم يعلمون أحوالهم وهذه أنواع من الشرك الأكبر لأن الغيب لا يعلمه إلا الله ولأن الأموات قد انقطعت أعمالهم وتصرفاتهم في عالم الدنيا سواء كانوا أنبياء أو غيرهم ولأن الملائكة والجن غائبون عنا مشغلون

стр. 4874

بشئونهم. وليس لنا أن نصرف لهم شيئاً من حق الله أو ندعوهم مع الله لأن الله سبحانه أمرنا أن نعبده وحده دون ما سواه وأخبر أنه خلق الثقلين لذلك كما تقدم ذكر الآيات في هذا المعنى ولأن جميع المعبودين من دون الله لا يستطيعون قضاء حاجات عابديهم ولا شفاء مرضاهم ولا يعلمون ما في نفوسهم وإنما الذي يقدر على ذلك ويعلم ما في الصدور هو الله وحده وسبب ذكر الآيات الدالة على هذا المعنى مثل قوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فسمى سبحانه في هذه الآية دعاء غيره شركا وفي آية أخرى سماه كفرا كما في قوله : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ وبين في آية أخرى أن المعبودين دون الله من الأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف الضر عن داعيهم ولا تحويله من حال إلى حال ولا من مكان إلى مكان أو من شخص إلى شخص آخر كما قال في سورة الإسراء: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة. تنبيه هام:

стр. 4875

ليس من عبادة غير الله التعاون بين العباد الأحياء القادرين بمقتضى الأسباب الحسية كطلب الإنسان من الإنسان الحي القادر الحاضر أو الغائب بالمكاتبة ونحوها أن يعينه على تعمير بيته أو إصلاح سيارته أو أن يقرضه شيئاً من المال أو يساعده في الجهاد أو على التحرز من اللصوص أو قطاع الطريق أو نحو ذلك وهكذا خوف الإنسان من عدوه الحي أو من اللصوص أو من المؤذين طبعاً كالسباع والحيات والعقارب ونحو ذلك ومن الأدلة على ذلك قول الله سبحانه في سورة القصص في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وقوله : ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وقل النبي ﷺ : "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة فينبغي التنبه لهذا الأمر والعناية به لأن كثيراً من الجهال والمشركين يلبسون على بعض دعاء التوحيد بمثل هذه الأمور والله المستعان. السؤال الخامس: إذا جاء أحد عند قبر النبي ﷺ ليصلي ويسلم عليه هل يسمعه ويراه وهل هذه العقيدة شرك أم لا؟ والجواب: المشروع للمسلم إذا زار مسجد الرسول ﷺ أن يبدأ بالصلاة في مسجده ﵊ وإذا أمكن أن يكون ذلك في الروضة الشريفة فهو أفضل ثم يتوجه إلى قبر النبي ﷺ ويقف أمامه بأدب وخفض صوت ثم يسلم على رسول الله ﷺ وعلى صاحبيه ﵄.

стр. 4876

وقد أخرج أبو داود بسند جيد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد ﵇". وقد احتج جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على أنه ﷺ يسمع سلام المسلمين عليه إذا ردت عليه روحه، وقال آخرون من أهل العلم ليس هذا الحديث صريحاً في ذلك وليس فيه دلالة على أن ذلك خاص بمن سلم عليه عند قبره بل ظاهر الحديث يعم جميع المسلمين عامة وقد ثبت عنه ﵊ أنه قال: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" خرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد حسن، وسبق قوله ﷺ : "لا تجعلوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" أخرجه أبو داود بإسناد حسن، وسبق أيضاً قوله ﷺ : "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على أنه ﷺ يبلغ صلاة المصلين عليه وسلامهم وليس فيها أنه يسمع ذلك فلا يجوز أن يقال إنه يسمع ذلك إلا بدليل صحيح صريح يعتمد عليه فإن هذه الأمور وأشباهها توقيفية ليس للرأي فيها مجال وقد قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ وقد رددنا هذه المسألة إلى القرآن العظيم وإلى السنة الصحيحة فلم نجد فيهما ما يدل على سماعه ﷺ صلاة المصلين وسلامهم وإنما في السنة الدلالة على أنه يبلغ ذلك وفي بعضها التصريح بأن

стр. 4877

الملائكة هي التي تبلغه ذلك والله سبحانه أعلم، أما كونه ﷺ يرى المسلم عليه فهذا لا أصل له وليس في الآيات والأحاديث ما يدل عليه كما أنه ﵊ لا يعلم أحوال أهل الدنيا ولا ما يحدث منهم لأن الميت قد انقطعت صلته بأهل الدنيا وعلمه بأحوالهم كما تقدمت الأدلة على ذلك وما يروى في هذا الباب من الحكايات والمرائي المنامية وما يذكره بعض أهل التصوف من حضوره ﷺ بينهم واطلاعه على أحوالهم وهكذا ما يذكر بعض المحتفلين بمولده ﵊ من حضوره بينهم فكل ذلك لا صحة له ولا يجوز الاعتماد عليه لأن الأدلة الشرعية محصورة في كلام الله سبحانه وكلام رسوله ﷺ وإجماع أهل العلم المحقق أما الآراء والمنامات والحكايات والأقيسة فليس لها مجال في هذا الباب ولا يعتمد على شيء منها في إثبات شيء مما ذكرنا، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 4878

أضواء على التفسير بقلم فضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ . المناسبة: بعد أن ذكر استبعادهم للبعث، ورد عليهم بتحقيق قدرته تعالى وعلمه، وبين أن جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة عليهم، أتبع ذلك ببيان ما يلاقونه لا محالة من الموت والبعث وما يتفرع عليه من الأحوال والأهوال. القراءة: قرأ الجمهور: ﴿سَكْرَةُ﴾ .. بالإفراد، وقرأ ابن مسعود ﴿سكرات﴾ بالجمع، وقرأ الجمهور بفتح التاء في ﴿كُنْتَ﴾ والكاف في ﴿عَنْكَ﴾ و ﴿غِطَاءَكَ﴾ و ﴿فَبَصَرُكَ﴾ وقرئ بكسر التاء والكاف. وقرأ الجمهور ﴿عَتِيدٌ﴾ بالرفع وقرئ بالنصب. المفردات: ﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ شدته الذاهبة بالعقل عند النزع. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بحقيقة الأمر الذي نطقت به كتب الله ورسله أو حقيقة الأمر وجلية الحال من سعادة الميت وشقاوته. أو بالأمر الثابت الذي لا بُد أن يكون. ﴿تَحِيدُ﴾ تهرب منه وتنفر عنه، تقول أعيش كذا وأعيش كذا فمتى فكر في قرب الموت حاد بذهنه عنه وأمل طول الأجل.

стр. 4879

﴿الصُّورِ﴾ القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﴿الْوَعِيدِ﴾ أي يوم إنجاز العذاب الموعود للكفار. ﴿سَائِقٌ﴾ حاث على السير من الملائكة. ﴿شَهِيدٌ﴾ أي مخبر بأعمالها. قيل هو ملك آخر يشهد عليها بما فعلت. وقيل الشهيد الكتاب الذي يلقاه منشوراً. وقيل السائق والشهيد ملك واحد جامع بين الوصفين كأنه قيل معها ملك يسوقها ويشهد عليها. ﴿غَفْلَةٍ﴾ لهو وسهو. ﴿فَكَشَفْنَا﴾ أزحنا. ﴿غِطَاءَكَ﴾ حجاب غفلتك. ﴿حَدِيدٌ﴾ نافذ قوي. ﴿قَرِينُهُ﴾ الملك الذي يسوقه أو الملك الموكل بتعذيبه من زبانية جهنم. ﴿عَتِيدٌ﴾ معد حاضر. التراكيب: قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ الواو للعطف على إذ يتلقى، والباء في بالحق للتعدية أي أحضرت سكرة الموت الحق، ويجوز أن تكون الحال أي متلبسة بالحق، والتعبير بالماضي في هذا والذي بعده للإيذان بتحقق الوقوع.

стр. 4880

وقوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ على تقدير القول أي يقال له في وقت الموت: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ والإشارة فيه إلى الموت، والخطاب للإنسان الذي جاءته سكرة الموت. وقوله ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ معطوف على قوله ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ والمراد النفخة الثانية. وقوله ﴿ذَلِكَ﴾ الإشارة فيه إلى الزمان المفهوم من نفخ فإن الفعل كما يدل على الحدث يدل على الزمان. أي يوم النفخ. وقيل الكلام على حذف المضاف أي وقت ذلك، وإنما قال: ﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ مع أنه يوم الوعد أيضاً لتهويله ولذلك بدئ ببيان حال الكفرة. وقوله ﴿مَعَهَا سَائِقٌ﴾ معها خبر مقدم وسائق مبتدأ مؤخر والجملة في حل جر صفة لنفس. وجوز أن تكون في محل رفع صفة لكل. وأنكر أبو حيان على الزمخشري إنكاراً شديداً لما جعلها في محل نصب على الحال من كل لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة، قال أبو حيان: هذا كلام ساقط لا يصدر عن مبتدئ في النحو لأنه لو نعت كل نفس لما نعت إلا بالنكرة. فهو نكرة على كل حال فلا يمكن أن يتعرف كل وهو مضاف إلى نكرة. وقوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ محكي بإضمار قول هو إما صفة أخرى وإما على سبيل الاستئناف البياني كأنه قيل: فماذا يفعل بها! فقيل: يقال: لقد كنت في غفلة من هذا، وقرأ الجمهور بفتح تاء الخطاب حملاً على لفظ كل من التذكر أو على التأويل بالشخص كما في قول جبلة بن حريث: يا نفس إنك باللذات مسرور فاذكر وهل ينفعك اليوم تذكير وأما من قرأ بكسر التاء فالخطاب للنفس. وكذلك فيمن قرأ: ﴿غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ﴾ على التذكير والتأنيث.

стр. 4881

وقوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ معطوف على ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ ٌ﴾ وإنما عطفت هذه الجملة لأن المقصود التشريك مع ما قبلها في الحصول أعني مجيء كل نفس مع السائق والشهيد وقول قرينه هذه المقالة. والإشارة فيه يجوز أن تكون للكافر إن قلنا إن القرين هو الملك الموكل بسوقه، والتعبير عنه بما التي لغير العاقل، لأنه لم ينهج نهج العقلاء. والتقدير هذا الكافر الذي أسوقه لدى حاضر، ويجوز أن تكون الإشارة للعذاب إن قلنا إن القرين من زبانية جهنم والتقدير هذا العذاب لدي لهذا الكافر الحاضر ويجوز أن تكون الإشارة إلى صحيفة عمله إن قلنا إن القرين هو الملك الموكل به في الدنيا، والتقدير هذا الذي سجلته عليه حاضر مهيأ للعرض. و ﴿ما﴾ إن جعلت نكرة موصوفة فعتيد صفتها وإن جعلت موصولة فعتيد بدل منها أو خبر بعد خبر أو خبر لمبتدأ محذوف. ومن قرأ ﴿عَتِيدٌ﴾ بالنصب فهو على الحال والأولى حينئذ أن تكون ما موصولة. المعنى الإجمالي: وأحضرت شدة الموت الذاهبة بالعقل عند النزع حقيقة الأمر الذي نطقت به كتب الله ورسله، ذلك الموت الذي كنت تنفر عنه وتهرب منه، وصوت إسرافيل في القرن الصوت الثاني، ذلك الوقت يوم إنجاز العذاب الموعود للكفار، وأتت كل نفس يصحبها ملك يسوقها، وشهيد يخبر بأعمالها، لقد كنت أيها الإنسان في لهو وسهو من هذا النازل بك، فأزحنا عنك حجاب غفلتك فبصرك اليوم حاد قوي نافذ. وقال الملك الموكل به: هذا الذي عندي مهيأ حاضر. ما ترشد إليه الآيات: ١ - إن للموت سكرات. ٢ - عند سكرة الموت يظهر الحق لمن عمي عنه. ٣ - يصحب كل نفس إلى المحشر سائق وشهيد. ٤ - عند القيامة لا توجد نفس تكذب بها. ٥ - حب الله للعدل في القضاء حتى على الكافرين.

стр. 4882

قال تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ . المناسبة: بعد أن أقيمت البينة العادلة على إجرام المجرم أمر الله بإلقائه في النار، وبين كيف يتبرأ القرين من قرينه في هذا الموقف الخطير. القراءة: قرأ عامة القراء ﴿أَلْقِيَا﴾ بالألف، وقرأ الحسن البصري شاذاً ﴿ألقين﴾ بنون التوكيد الخفيفة، وقرئ ﴿يوم نقول﴾ بالنون، وقرئ ﴿يقول﴾ بالياء، وقرئ ﴿يقال﴾ مبنياً للمجهول. المفردات: ﴿أَلْقِيَا﴾ اطرحا وارميا. ﴿عَنِيدٍ﴾ مجاف للحق معارض للدين ﴿لِلْخَيْرِ﴾ قيل المال وقيل الإسلام. ﴿مُعْتَدٍ﴾ ظالم متجاوز للحد في الإثم ﴿مُرِيبٍ﴾ شاك في دينه. ﴿قَرِينُهُ﴾ شيطانه ومغويه في الدنيا. ﴿أَطْغَيْتُهُ﴾ أضللته. ﴿بَعِيدٍ﴾ طويل لا يرجع عنه إلى الحق. ﴿لا تَخْتَصِمُوا﴾ لا تعتذروا. ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ بمجازاة العصاة ﴿مَا يُبَدَّلُ﴾ ما يغير ﴿بِظَلاَّمٍ﴾ بذي ظلم. التراكيب: قوله ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ خطاب من الله تعالى للملكين السائق والشهيد، وقيل للملكين من ملائكة العذاب، والألف فيه لضمير الاثنين. وقال مجاهد وجماعة: هو خطاب للواحد وهو إما السائق وإما أحد زبانية جهنم واعتذر لهذا القول عن مجيئه على صورة خطاب الاثنين بأن المقصود منه تثنية الفعل وتكريره، كأنه قيل (ألق ألق) على حد قول القائل: فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر

стр. 4883

وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا أو بأن الألف ليست للتثنية لا حقيقة ولا صورة بل هي منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة والأصل ألقين على حد قوله: وأبدلنها بعد فتح ألفا وقفا كما تقول في قفن قفا ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، قالوا ويؤيد هذا قراءة الحسن البصري الشاذة، وظاهر اللفظ يؤيد أن الخطاب لاثنين لا لواحد وليست هناك ضرورة تدعو إلى الخروج عن ظاهر اللفظ، وارتكاب هذه التمحلات. وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ الذي مبتدأ متضمن لمعنى الشرط، وقوله ﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾ خبره، ودخلت فيه الفاء لأن المبتدأ فيه معنى الشرط، ويجوز أن يكون منصوباً بدلاً من كل كفار، وجوز أن يكون مجروراً بدلاً من كفار، ومن أعرب الموصول بدلا جعل ﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾ توكيداً، وقوله ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ جاءت هذه الجملة بلا واو لأنها قصد بها الاستئناف كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول كأن الكافر قال: ربي هو أطغاني. قال قرينه ربنا ما أطغيته، فهو جواب لمحذوف دل عليه المذكور فإنه منبيء عن سابقة كلام اعتذر به الكافر.. وهذا بخلاف قوله فيما تقدم: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ فإنها عطفت على ما قبلها بالواو الدالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول يعني مجيء كل نفس مع السائق والشهيد وقول قرينه هذه المقالة. وقوله: ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ استئناف بياني وقع في جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال الله؟ فقيل: قال: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ والفاعل في قال هو الله. وقوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ الجملة حال فيها تعليل للنهي على معنى لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد حيث قلت لإبليس لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين فاتبعتموه معرضين عن الحق فلا وجه للاختصام في هذا الوقت. ولا تكون الجملة حالا إلا

стр. 4884

على هذا التأويل إذ لولاه لاختلف الزمانان: زمان التقديم وزمان النهي عن الاختصام. فإنه إنما صح التقديم عندهم في الآخرة فاجتمعا بذلك في زمان واحد، واجتماعهما في زمن واحد واجب، والباء في قوله ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ إما مزيدة أو للتعدية إن كان قَدَّم بمعنى تقدم. وقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ﴾ الخ يجوز أن يكون استئنافاً لتيئيسهم وتقرير عدله سبحانه، ويجوز أن يكون معمولاً لقدمت. وعلى هذا فقوله ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ متعلق بمحذوف هو حال من المفعول أو من الفاعل والتقدير: قدمت إليكم هذا القول ملتبساً بالوعيد مقترناً به أو قدمته إليكم موعداً لكم به. وقوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ يوم منصوب بظلام، ونفي الظلم عنه في هذا اليوم دليل على نفي الظلم عنه في غيره من باب أولى. ويجوز أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره: اذكر أو أنذر. وقوله ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ المقصود من الاستفهام الأول تحقيق وعده بملئها إذ قال: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّم﴾ والاستفهام الثاني يجوز أن يكون بمعنى النفي يعني أفي موضع للزيادة ومعناه لا أحتاج إلى زيادة، وعلى هذا فالسؤال والجواب بعد امتلائها. وبهذا قال الحسن وبعض أهل العلم. وقيل: المراد من الاستفهام الرغبة في الزيادة والاستكثار من الداخلين فهو بمعنى الطلب أي زدني. وعلى هذا فالسؤال والجواب قبل امتلائها. وحينئذ فمزيد مصدر يعني هل من زيادة! فإني لم أمتلئ بعد. وقد جاء في صحيحي البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قط قط وعزتك! فينزوي بعضها على بعض وتقول قط قط وعزتك وكرمك. ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة".

стр. 4885

وهذا لفظ مسلم. وهذا السؤال والجواب منها حقيقة وليس على منهاج التمثيل والتخييل والله أنطق كل شيء. المعنى الإجمالي: اطرحا في النار المحرقة البعيدة القاع كل جحود مخالف للحق معارض للدين، كثير الحيلولة بين الخير وأهله متجاوز للحد في الإثم، مشكك في الإسلام الذي أشرك بالله فطرحناه في العذاب القاسي الأليم. قال شيطانه المقارن له في دنياه متبرئاً منه معتذراً إلى ربه: سيدنا ومالكنا ما أضللته ولم أقهره على تجاوز حده في الإثم، ولكن كان هو بذاته في تحير طويل! قال الله: لا تعتذروا عندي الآن وقد صح عندكم الآن أنه سبق أن خوفتكم هذا العذاب. فما أنا براحمكم، ولست بذي ظلم، يوم نقول للنار المحرقة البعيدة القاع هل تحتاجين إلى زيادة وتقول: ليس بي متسع! أو تقول: زدني فأزيدها حتى تقول قط قط قد امتلأت. ما ترشد إليه الآيات: ١ - تخويف الكفار من هذا الموقف الخطير. ٢ - تبرؤ قرين الشر من قرينه. ٣ - سب الشيطان لقرينه. ٤ - لات ساعة مندم. ٥ - نفي الظلم عن الله . ٦ - لا بُد من امتلاء جهنم. قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ . المناسبة: بعد أن بين الله حال الكفار عند النفخ في الصور وما يلاقونه من أهوال عظام يشيب لها الولدان. شرع في بيان حال المؤمنين، وما يلاقونه من السلام والتكريم. وإنما بدأ بأحوال الكفار لأن المقام للتخويف والتهويل. القراءة: قرأ الجمهور ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ بالتاء وقرئ بالياء أيضاً. المفردات:

стр. 4886

﴿وَأُزْلِفَتِ﴾ قربت. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ للمتخذين لأنفسهم وقاية باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه. ﴿أَوَّابٍ﴾ رجاع إلى الله. ﴿حَفِيظٍ﴾ صائن لحدود الله ﴿خَشِيَ﴾ خاف. ﴿الرَّحْمَنَ﴾ المتصف بالرحمة الواسعة ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي في الخلوة حيث لا يراه أحد، أو خافه ولم يره. ﴿مُنِيبٍ﴾ مقبل على طاعة الله ﴿بِسَلامٍ﴾ أي مسلمين أو مسلماً عليكم من الله وملائكته. أو سالمين من العذاب. ﴿الْخُلُودِ﴾ الدوام في الجنة. ﴿يَشَاءُونَ﴾ يريدون ويطلبون ﴿مَزِيدٌ﴾ زيادة. قال أنس وجابر هي النظر إلى وجه الله الكريم. التراكيب:

стр. 4887

قوله ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ عطف على نفخ. وقوله ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ صفة لموصوف محذوف أي إزلافاً غير بعيد وإنما جاء بقوله ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ للتأكيد من باب قوله (هو قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل) . والإشارة بقوله ﴿هَذَا﴾ إلى نعيم الجنة. وقوله ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ بالتاء على الالتفات إلى الخطاب لكمال العناية بهم. وقوله ﴿أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ بدل من قوله ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ بإعادة الجار وعليه فقوله ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ اعتراض. ﴿ومَن﴾ في قوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ بدل من كل، بعد اعتبار كون كل بدلا من المتقين. قالوا ولا يصح أن يكون بدلاً من المتقين لأن تكرار البدل مع كون المبدل منه واحداً لا يجوز. ويصح أن يكون مَن خبراً لمبتدأ محذوف أي هم من خشي الرحمن أو مبتدأ خبره ادخلوها بسلام بتأويل يقال لهم، والجمع باعتبار معنى من. وقوله ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من المفعول أي خشيه وهو غائب عن بصره ولم يره. ويجوز أن يكون حالاً من الفاعل أي خشي الرحمن في خلوته والتعرض لعنوان الرحمانية للثناء على الخاشي حيث علم أنه رحمن ومع هذا لا يصده ذلك عن خشيته تعالى. وإنما وصف القلب بالإنابة لأنه العمدة في اعتبار الرجوع إلى الله تعالى. وقوله ﴿بِسَلامٍ﴾ حال من فاعل ادخلوها. والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ إلى الزمان المفهوم من ادخلوها فإن الفعل كما يدل على الحدث أي يوم الدخول المقرون بالسلام وقيل الكلام على حذف مضاف أي وقت ذلك يوم الخلود. وهذا معادل لقوله في الكفار ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ فيما تقدم. وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ لهم خبر مقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر ويشاءون صلته والعائد محذوف وفيها متعلق بيشاءون. وقيل بمحذوف حال من الموصول أو من عائده. المعنى الإجمالي:

стр. 4888

وقربت الجنة للمتخذين لأنفسهم وقاية من عذاب الله باتباع أوامره سبحانه واجتناب نواهيه.. وأدنيت لهم إدناء غير بعيد. هذا الذي يعد لكم وقد سبق به الوعد من أنبياء الله وفي كتبه.. لكل رجاع إلى طاعة الله تعالى صائن لحدود الله، من خاف من واسع الرحمة ولم يره، أو خاف منه في خلوته وأتى إلى الله في القيامة بقلب مقبل على الله، ادخلوا الجنة مسلماً عليكم من الله تعالى وملائكته أو يحيي بعضكم بعضاً أو سالمين من العذاب. يوم الدخول المقرون بالسلام هو يوم الإقامة الدائمة الأبدية بجنات عدن لهؤلاء السعداء ما يطلبون في الجنة. وعندنا زيادة فوق ما يطلبون، لا تخطر بالبال، ولا تندرج تحت مشيئتهم، من معالي الكرامات، التي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ما ترشد إليه الآيات: ١- تحقيق وعد الله لعباده الصالحين. ٢- تكريم المتقين وتأمينهم عند فزع الناس. ٣- قدرة الله على إدناء الأماكن المحبوبة للمحبين. ٤- العبرة برجوع القلب. ٥ - يلقى المؤمن عند دخول الجنة تحية وسلاماً. ٦- يعطى المؤمنون فيها ما يطلبون وفوق ما يطلبون. دعاة جهنم قال حذيفة كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: "يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم، فقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هدي تعرف منهم وتنكر، قلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها، قلت يا رسول الله صفهم لنا؟ قال: نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا". رواه البخاري ومسلم

стр. 4889

رسائل لم يحملها البريد بقلم فضيلة الشيخ عبد الرؤف اللبدي المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية صديقي العزيز: بشراك يا صديقي! لقد أحلت على التقاعد، التقاعد الذي كنت أتمناه على الله مذ سنين، مذ أكل جسمي مرض السكر، ولبست عيناي نظارات القراءة، وناءت ساقاي بالوقوف الطويل في غرف التدريس. جاءني كتاب الإحالة، فوجف القلب لأول وهلة، وجف الحلق بعد القراءة الأولى، واضطربت ساقاي من تحتي فهبطت إلى الأرض أحملها ثقلي وأقول: ويحك يا نفس! ألم يك هذا ما تطلبينه وتواصلين فيه الطلب، وتلحين فيه وتضربين على الإلحاح؟؟! فما عدا مما بدا؟! ما هذا الخفقان المجنون في القلب؟! وما هذه الرعدة المحمومة في الفرائص؟! الوظيفة التي تقاعدت عنها لم تجيء بالهيل والهيلمان، ولم يكن لها في الناس رهبة ولا سلطان، وما كانت تُمِرّ ولا تحلى لدى كثير من أناسيّ هذا المجتمع. لم يكن لك من تلك الوظيفة تعظيم جماهير تختالين فيه وتمسين، ولم يكن لك منها نفاق مذبذبين تستنيمين إليه وتستعذبين، ما كان لك من تلك الوظيفة مصاهرات حرص عليها الناس لتقربهم إلى السلطة العليا زلفى، حتى إذا تقاعدت تخلوا عنها وكانوا فيها الزاهدين، فما هذه الغاشية التي تغشاك؟! وما هذا الزلزال الذي يهزّك هزّاً؟! تكلمي، ما بالك صامتة لا تقولين شيئاً ولا تهمسين؟! أما كنت تتمنين ليلاً ونهاراً، وتضرعين إلى الله سراراً وجهاراً، تسألينه أن يخلصك من حياة الوظيفية والموظفين، وما في تلك الحياة من شوائب النفاق والخداع والكذب والزلفى، وما في تلك الحياة من الحدود والقيود والأنظمة التي تضيق بها الصدور، وترخص فيها الأنفس، ويستذل بها الأحرار؟! فما هذا الخوف الذي تخافينه، وفيم هذا القلق الذي تقلقين؟!

стр. 4890

ألم تشتر هذه الكتب التي تنطح برأسها السقف، وتزحم بمنكبيها الزوايا؟! ألم تعديها حين الشراء بالقراءة والدراسة وطول السهر وجميل الصحبة، ثم اعتذرت بضيق الوقت وأعباء الوظيفة، وضربت لها موعداً آخر هو سنوات الإحالة وحياة الشيخوخة؟! هاهو ذا الموعد قد حان، وهاهي ذي سنوات الإحالة قد أقبلت، فلم لا تفرحين بأكرم لقاء؟! ولم لا تنجزين أثمن موعد، ولم لا تنجزين؟! انظري إلى هذه الكتب، ثم ارجعي البصر إليها كرتين، بعضها قد نام وعلاه الغبار من طول الإهمال والانتظار، وبعضها يقظان غضبان ينظر إليك بعتب وزراية، ألا تصغين إلى ما تقوله وتسمعين! تقول إذا كنت لا تريدين لنا صحبة، ولا تجدين في مجالسنا أنساً، فأطلقي سراحنا وافتحي لنا الأبواب، إن أناساً كثيرين سوف يفتحون لنا آذانهم وأعينهم والقلوب، وسوف نجد عندهم كريم صحبة وصادق إلف وجميل إحسان. لم نؤلف نحن - معاشر الكتب - لنكون على الجدران زينة وجمالاً، ولا لنكون في البيوت أثاث تفاخر ومباهاة، وإنما نحن زاد عقول ونور قلوب، وأصدقاء أوفياء لمن كان لنا وفيا. لقد لقينا نحن - معاشر الكتب - منك أيتها النفس جفاء غير حميد، واستقبالا غير ودود، وإعراضاً وصدا طال عليهما الأمد، أمن الحق أن تقضى الساعات الطويلة تصغين إلى المذياع، وتنظرين في التلفاز، وتجترين الأحاديث المكرورة في مجالس القهوة والشاي، حتى إذا نبهناك إلى حقنا عليك، وإلى نصيبنا من جهدك وأوقات فراغك، رحت تزعمين التعب والإرهاق، وتدعين الحاجة إلى النوم والراحة. لو كنت ذات صناعة أو تجارة أو عمل، ولم تكوني منسوبة إلى العلم وأهله، لكان لك شيء من عذر، ولكنك - وا أسفاه - تنسبين إلى العلم وذويه، وتعدين فيهم حين يدعو الداعي إلى مغنم أو وليمة.

стр. 4891

ألا تثوبين إلى الرشد وترجعين عن هذا الضلال!! ألا تحمدين الله وتشكرينه على هذه النعمة الجديدة المرتجاة منذ أزمان طويلة!! ألا تحمدين الله - أيتها النفس - وتشكرين!!؟ وبهذه النجوى الصامتة وهذا الهمس الهامس، استطعت - يا صديقي - أن أعود بنفسي إلى دنياها، فأخذت تتنفس بسهولة، وتتحرك بنشاط، وتشعر بما يشعر به الأحياء من جوع وعطش، وشبع وريّ وحرّ وقرّ، وليل ونهار. ولكنني - يا صديقي - لا أزال في حيرة من هذا الذي أصاب نفسي ودهاها، وهي التي كانت تسعى إلى هذا التقاعد وتتمناه، ولا يكاد يفتر لها شوق إلى لقياه، حتى إذا جاءها فجأة - وما هو بالفجاءة - اضطربت له وزلزلت زلزالا شديداً. فإلى أي شيء تعزو ذلك، وبماذا تعلله؟! أترى ما حلّ بي عائداً إلى ضعف اعتمادي على الله وقلة توكلي عليه؟ وإلى أن صلاتي وصيامي وسائر عباداتي إنما هي عادات قمت بها أول أمري تقليداً لوالديّ وطاعة لهما، ثم تمكنت فيّ بكرّ الزمن وطول الممارسة، دون أن يكون لها أقوى أثر وعميق صدى في تصرفاتي المعاشية وسلوكي في الحياة، حتى إذا ما ابتلاني ربي أو خيّل إليّ أنه قد ابتلاني نسيت نفسي حق الله وحق عبادة الله وحق أن تسلم أمرها إلى ربها وتقول في اطمئنان وثقة: إنا لله وإنا إليه راجعون. أم ترى ذلك راجعاً إلى سوء الطريقة التي بها تعلمت، لقد كانت طريقة تقوم على تلقين المعلومات تلقيناً وسردها سرداً، وما عليّ إلا أن أحفظ دروسي حفظاً أصم لا تعقل فيه ولا فهم، لا أشارك في أي جهد علمي، ولا أتحمّل أيّ مسؤولية في الكتساب أي معرفة، فتخرجت أتردد في إبداء الآراء، وأقلد غيري في قضايا العلم والأدب، وأكره أشد ما يكون الكره أن أستقل في أداء الأعمال.

стр. 4892

أم ترى ذلك عائداً إلى ما يغشى هذا العالم هذه الأيام من قلق وذعر وجوع وفقر، فالناس لا يطمئنون إلى شيء، ولا يستقرون على حال، يصبحون وهم يخشون شيئاً يأتي به الليل، ويمسون وهم لا يستبشرون بما يطلع به النهار، ليس في صدورهم إيمان يبعث الطمأنينة والأمن، وليس في قلوبهم عقدة تكل الأمور إلى الله بعد أخذ بأسباب الحياة. أم ترى ذلك راجعاً إلى أنه قد غبر من عمري دهر طويل وأنا عبد وظيفة، لي رزق معلوم أجده محضراً في آخر كل شهر، لا أخشى عليه ضياعاً، ولا أخاف فيه نقصاً، ولي عمل مرسوم لا أملك أن أحيد عنه أو أجتهد في تغييره، ولي وقت محدود لا أستطيع له تقديماً ولا تأخيراً، ومن حولي أشياء كثيرة يباح فيها القول فأقول فيها ليلا ونهارا، وأشياء قليلة لا يباح فيها القول فأكون ممن يحسبهم أيقاظاً وهم رقود، وبينهما أمور مشتبهات أصمت فيها صمت أهل القبور. ما كان أكثر ما يخدع الناس بهذا الصمت فيظنونه حكمة وحسن بصر في الأمور، وما هو من هذا ولا ذاك في شيء، ولكنه.. وحب العيش أعبد كل حر وعلّم ساغباً أكل المَرار أم ترى ذلك راجعاً إلى هذه التربية السهلة الضعيفة العاجزة التي ينشأ عليها كثير من الأبناء في بلادنا، وقد كنت منهم، يتربون كلولا على والديهم، يأكلون ويشربون ويلبسون ويتعلمون دون أن يكسبوا لقمة خبز أو جرعة ماء، إلى أن يحصلوا على الوظيفة لاهثين يتصببون عرقاً، أو تأتيهم وهم متكئون على الأرائك منقادة إليهم تجرّر أذيالها. أم ماذا ترى يا صديقي؟! لقد عهدتك ذا نظر ثاقب وبصر في الأمور حديد، فأرجو أن ترى لي الرأي في هذه الظاهرة العجيبة التي ألمت، وهذه الصدمة التي عميت فيها الأسباب. ولعلك تسألني من بعد هذا وتقول: أي شيء تحسّ وقد ألقيت الطباشير من بين أصابعك، وماذا تجد بعد أن قلبت لسبورة الفصل ظهر المجن، وماذا خلفت وراءك بعد هذا السفر الطويل الجاهد؟

стр. 4893

حنانيك يا صديقي!! لم ألق الطباشير بعد، ولا أزال صديقاً وفيا لسبورة الفصل، أحييها كل صباح، وأودعها وعلى أطراف أصابعي وأعطاف ملابسي آثار وغبار. لقد كنت من قبل الإحالة مدرس تقاعد، وهأنذا اليوم قد صرت مدرس تعاقد، غير أني لا أكتمك أن شعوري قد تبدّل وأن إحساسي قد اختلف، ما أبعد الفرق بين طائرين: طائر قيده في جناحيه، وطائر قيده في رجليه. لقد وقفت طويلاً أسرح الطرف إلى الطريق التي سرت عليها خمسة وعشرين عاما أغذّ السير وأواصل السرى والكلال، لا أعرف الراحة في وضح النهار ولا في غسق الليل، ولا أجد الظل البارد ولا الماء الفرات في حمارة القيظ، ولا أملك الكنّ الدفيء ولا الحساء السخين في صبارة القرّ. لم أستطع يا صديقي أن أرى الطريق جميعاً على الرغم من أني وقفت أطل عليها من فوق ربوة عالية بعضها كان ضبابا، وبعضها كان أودية وشعاباً، وبعضها كان يغطيه الثلج، وبعضها كان قد جرفته الأمطار والسيول، والقليل القليل الذي استطعت أن أراه كان بهيجاً يسر الناظر، ويهيج الأشواق والمشاعر، كان زهره ذا عطر، وكان شجره ذا ثمر، وما أظنني أنساه مدى الحياة، أو تغيب عن مخيلتي ذكراه. وجدت الذين قالوا: (إن المعلم شمعة تحترق لتضيء لغيرها) كانوا صادقين يصدرون عن واقع وينطقون عن تجربة، غير أن (تحترق) هذه ليست دقيقة التعبير ولا صادقة التصوير، ولو أنهم قالوا بدلاً منها (تُحرق) بالبناء للمجهول لكانوا أصدق وأدق. الناس الذين تحترق لهم الشمعات يمضون لطياتهم مبصرين، ويسيرون على دروبهم لا يعترون، أما الشمعات فكيف حالها، وماذا كان مآلها؟! ما أكثر ما تصبح (رماداً) يا صديقي!! يمر بها أحياناً أولئك الذين استضاءوا بنورها، فيقفون عليها كما كان شعراء الجاهلية يقفون على الدمن التي لا تتكلم، ولا يعرفونها إلا بعد لأي وتوهم، فيخاطبونها بشعر فيه رثاء وعطف، وفيه ذكريات وُد وسرور.

стр. 4894

لعلك فهمت من كلامي هذا أني ساخط على التدريس متبرم به، نادم على العمل في ميدانه، لا وربك يا صديقي!! فلو استقبلت من أمري ما استدبرت، وأعطيت الخيار في العمل، ما اخترت غير التدريس عملا، ولا رضيت من ميدانه بديلا، فأنا خلقت معلما بالفطرة، وإن هذه هي الوجهة التي أنا موليها، وإن هذا هو المنبر الذي أستطيع أن أقول من فوقه كلمة حق تجد لها أذنا واعية. وإني لأشكر الله على ذلك وأحمده حمداً كثيراً، ولكن لا بُد للمصدور أن ينفث ويقول: لماذا هؤلاء المدرسون؟! ولماذا لا يضيئون من غير أن يصبحوا رماداً؟!! عبد الرءوف اللبدي هل تملك لسانك؟؟ قال أسود بن أصرم المحاربي: "قلت: يا رسول الله أوصيني؟ قال: هل تملك لسانك؟ قلت: ما أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: فهل تملك يدك؟ قلت: فما أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: فلا تقل بلسانك إلا معروفاً ولا تبسط يدك إلا إلى خير". رواه الطبراني.

стр. 4895

من آثار معركة بدر بقلم الأستاذ: أحمد محمود الأحمد المدرس في كلية الدعوة وشعبة اللغة بالجامعة الإسلامية لقد كانت معركة بدر معركة (فاصلة) حقا، لأنها غيرت مجرى الأحداث بعدها أيما تغيير، وتركت آثارها البعيدة بل الحاسمة في قريش وفي المدينة، وفي قبائل العرب ولاسيما المحيطة بها، وناهيك بآثارها في مستقبل العالم كله. أولاً: آثار بدر في قريش. لقد كانت الآثار التي تركتها بدر في قريش متعددة النواحي، ومن أبرزها ما يلي:- أ: الناحية النفسية: ١- كانت معركة بدر ضربة موجعة مفاجئة لقريش، هزتها من الناحية النفسية هزا عنيفا وأشعرتها أن المسلمين أصبحوا قوة غالبة وأنهم مؤيدون بقوة أخرى لا يستطيعون حيالها شيئاً، وجعل بعضهم يعتذر بهذه القوة عن هزيمتهم، يقول أبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب، وقد سأله أبو لهب عما حصل في بدر: "والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض، الله ما تليق شيئاً ولا يقوم لها شيء" [١] ولا شك أن مثل هذا الكلام، وما ينطوي عليه من اعتراف بتأييد المسلمين بقوة غير عادية - وهي الملائكة - ليدلان على مبلغ اهتزاز نفسية قريش نتيجة معركة بدر العظيمة. ٢- لقد أذهلت نتائج بدر رجالات قريش، حتى الذين لم يحضروا المعركة وأذلتهم يدل على ذلك أنه لما قدم الحيسمان بن عبد الله الخزاعي مكة بهذه النتائج، وجعل يعدد أشراف قريش الذين قتلوا، ذهل القوم، وشكوا في صدقه بل في عقله [٢] فقال صفوان بن أمية ابن خلف: والله إن يعقل هذا فسلوه عني، فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: هو ذاك جالساً في الحجر، والله لقد رأيت أباه وأخاه حين قتلا.

стр. 4896

وفي مقابل هذا الذهول الذي منّي به رجالات قريش جعل المسلمون المستضعفون في مكة يعزون، وجعلت معنوياتهم ترتفع بما أفاء الله سبحانه على الدعوة وأهلها من النصر والتأييد، حتى سمت بهم مشاعرهم إلى الوقوف في وجه جبابرة قريش، ومواثبتهم، وما كانوا ليجرأوا على هذا من قبل بدر، ومما يدل على ما ذكرناه من ذلة رجالات قريش وعزة المؤمنين المستضعفين بسبب معركة بدر، ما يرويه أبو رافع مولى رسول الله ﷺ من أنه كان غلاماً للعباس بن عبد المطلب، وأنه كان رجلاً ضعيفاً ينحت الأقداح في حجرة زمزم، ولما أخبر أبو سفيان الحارث أبا لهب أنهم لقوا في المعركة رجالاً بيضاً على خيل بلق كما أوردنا في الفقرة السابقة قال أبو رافع: تلك والله الملائكة، فصفعه أبو لهب صفعة شديدة، فما كان من أبي رافع إلا أن هجم على أبي لهب وثاوره، وانتهى الأمر بأن نهضت أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب لتدافع عن أبي رافع، فأخذت عموداً من عمد الحجرة، وشجت به رأس أبي لهب شجة منكرة، فقام موليا، ولم يعش بعدها إلا سبع ليال، فرماه الله بالعدسة، ومات ذليلاً مغموراً [٣] . ولولا ما ألحقت غزوة بدر من ذل وهوان برجالات قريش، لما كان من الممكن أن يجرؤ أبو رافع ﵁ على أبي لهب وهو سيد من سادات الوادي.

стр. 4897

٣- إن نتائج غزوة بدر أحزنت قريشاً، وعذبتهم عذاباً معنوياً أليما، وذلك أنه لما تحقق أهل مكة من نتائج بدر ناحوا على قتلاهم، وقطعت النساء شعورهن، وعقرت خيول كثيرة ورواحل [٤] وكان يؤتى براحلة الرجل منهم أو بفرسه فيجتمع الناس حولها ويأخذون في البكاء [٥] ثم تناهوا عن البكاء كيلا يسمع ببكائهم المسلمون فيشمتوا بهم، كما تناهوا عن السعي في فداء أسراهم كيلا يأرب المسلمون في فدائهم هم ... فكان إمساكهم عن البكاء، وبقاء أسراهم في أيدي المسلمين مما زاد في عذابهم المعنوي حتى كادت أكبادهم تنصدع، لأن البكاء على الميت مما يبل فؤاد الحزين، وكذلك عودة الأسرى مما يخفف المصاب. والخلاصة أن غزوة بدر قد هزت قريشاً هزة نفسية عنيفة، وأذهلتها أيما ذهول، وآلمتها إيلاماً معنويا بليغاً، وفي مقابل ذلك جعلت المسلمين يحيون في آفاق نفوسهم بالعزة وارتفاع المعنويات، وزيادة الثقة بالنصر الذي هو آت. ب: الناحية الاقتصادية: من المعلوم أن حياة قريش تقوم - في معظمها - على التجارة، ولتجارتها رحلتان أساسيتان، رحلة الصيف إلى الشام، ورحلة الشتاء إلى اليمن، وإن كلتا الرحلتين تكمل الأخرى، فليس لأحدها - وحدها - كبير جدوى على قريش لأن البضاعة التي يؤتى بها من الشام تحمل إلى اليمن، والعكس بالعكس...

стр. 4898

وجاءت غزوة بدر، وما سبقها من معاهدات عقدها الرسول ﷺ مع القبائل التي تمر تجارة قريش في أراضيها، لتسد الطريق في وجه هذه التجارة مما أوقع قريشاً في حرج شديد، وجعلها على عتبة أزمة اقتصادية خانقة، يدل على ذلك تصريح صفوان بن أمية أحد رجالات قريش وأغنيائها، إذ وقف يوماً يحدد معالم الأزمة الاقتصادية التي أمست قريش على عتبتها ويقول: "إن محمداً وأصحابه قد عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه؟! لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟! وإن أقمنا نأكل رؤوس أموالنا، ونحن في دارنا هذه مالنا فيها بقاء، وإنما نزلناها على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء" [٦] . وهنا يتقدم رفعة بن الأسود [٧] ليدل صفوان بن أمية على رجل يسلك به طريق العراق إلى الشام على أن هذا الطريق أطول من الطريق الأول، وأشق مسلكا، ولكن لا بد منه، لأن الأول قد سيطر عليه الصحابة، وأضحى سلوكه غير مأمون على تجارة قريش... وكان هذا الرجل فرات بن حيان من بني بكر بن وائل، فاستأجرته قريش، وجهزته عيراً عظيمة، خرج معها - فيمن خرج - أبو سفيان بن حرب... وعلم رسول الله ﷺ بخروج هذه العير، فبعث زيد بن حارثة في مائة راكب ليعترضها [٨] فأدركها على ماء في نجد يدعى (القردة) قريب من الربذة، ففر الرجال الذين كانوا يحرسون العير واستاقها زيد ﵁ وأسر دليلها فرات بن حيان، وكان أسره من حسن حظه، لأنه أسلم وحسن إسلامه. ثم خمس الرسول ﷺ هذه العير، فبلغ خمسها خمسة وعشرين ألفاً. وكانت غزوة القردة هذه بعد بدر بستة أشهر [٩] . وهكذا نجح المسلمون في ضرب حصار اقتصادي على قريش، مما سيكون له أثره في إضعافها كقوة كبيرة تقف بعناد وإصرار على رأس قوى الشرك العربية المناوئة للدعوة. جـ: الناحية القيادية:

стр. 4899

لقد أودت معركة بدر بعدد من كبار قادة قريش، وذوي الرأي فيها، كعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأمية بن خلف، وأبي جهل بن هشام، وأبي البختري العاص بن هشام، ومما يدل على القيمة القيادية لهؤلاء القتلى في مجتمع قريش أن الرسول ﷺ قال لسلمة بن سلامة: أي ابن أخي، أولئك الملأ (الأشراف والرؤساء) ، وذلك حين قال سلمة للمسلمين الذين لقوا رسول الله ﷺ بالروحاء يهنئونه بما فتح الله عليه: ما الذي تهنئوننا به؟ إن لقينا إلا عجائز صلعا، كالبدن المعلقة فنحرناها [١٠] .. وكذلك يدل على قيمتهم القيادية أيضاً قول الأسود بن المطلب يبكي قتلى بدر [١١] : ولولا يوم بدر لم يسودوا ألا قد ساد بعدهم رجال ولا شك أن مصاب قريش بملئها هؤلاء قد كان رزءاً عظيماً عليها، وقد أسهم في زج مجتمعها وأضعافه في حلبة الصراع وبين دعوة الحق. د: الناحية العسكرية: إن هزيمة قريش في بدر طامنت من كبريائها العسكرية، وخفضت من ثقتها بنفسها إزاء المسلمين، خصوصاً، وأن هذه الهزيمة قد نكبتها - كما ذكرنا آنفاً - بعدد كبير من ملئها، وقادتها وسادتها، وكلهم ذو مكانة في حياتها العسكرية. وما زلت حالتها العسكرية بعد هذه النكبة بين مد وجزر ضمن اتجاه عام آخذ في الانحدار حتى بلغ حضيضه يوم جلا المشركون عن الخندق ـ وعادوا إلى بلادهم يوم قال رسول الله ﷺ : "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم" [١٢] .

стр. 4900

وقد يعترض على هذا الرأي بغزوة أحد، وأقول في الجواب عن هذا الاعتراض: إن غزوة أحد ليست في حقيقتها - سوى مد أعقبه جزر ضمن الاتجاه العام المنحد المذكور، وهي بالنسبة إلى قريش إخفاق عسكري محقق [١٣] أو هي على أحسن تقدير نصر جزئي أطاحت به هزيمتان: أحدهما في بداية المعركة، والأخرى عقب حمراء الأسد، حين بلغهم مخرج النبي ﷺ ، ففت ذلك في أعضادهم وكسرهم، وتمادوا في الانسحاب إلى مكة، وقد كانوا أرادوا الرجوع إلى المدينة لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين [١٤] ، وسيأتي تفصيل ذلك في حينه إن شاء الله. محاولة: لم تستسلم قريش لما حل بها نتيجة وقعة بدر، وليس من المتوقع أن تستسلم وهي راس القبائل العربية، وإمامتها في مناوءة (دعوة الحق) ، ولا بُد لها من أن تحاول أعمالا تشفي بهذه الأعمال غيظها وتسترد بها شيئاً من قيمتها التي تزلزلت في نظر القبائل العربية. ومن ثم نذر أبو سفيان - ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو النبي ﷺ وينتقم لما أصابه في بدر، ويسترد اعتباره في دنيا القبائل العربية. وقد استطاع أن يجهز جيشاً قوامه مائتا فارس، وتوجه به نحو المدينة، ونزل إلى جبل يقال له (نيب) يبعد عنها نحواً من بريد ٢٢,١٧٦كم [١٥] ثم خرج من الليل واتصل بسلاّم بن مشْكل سيد من سادات بني النضير، وتدارسا الموقف العام إزاء النبي ﷺ وأصحابه، وتذاكرا فيما يجب عمله للقضاء على دعوة الحق، وفي آخر الليل رجع إلى جيشه، وبعث رجالاً إلى المدينة، فأتوا ناحية تسمى (العريض) فحرقوا نخلاً، وأصابوا رجلاً من الأنصار في حرث له هو وحليفه فقتلوهما، ... وبعد ذلك انصرف أبو سفيان بمن معه راجعاً إلى مكة.

стр. 4901

علم الرسول ﷺ بهؤلاء، فخرج في أثرهم، ولكنهم امعنوا في الغوار، حتى أنهم اضطروا إلى إلقاء أزوادهم تخففاً، والتماساً للنجاة... وطاردهم المسلمون إلى قرقرة الكدر فلم يظفروا هم، لمبالغتهم في الهرب، وكان أكثر ما اطرحوه من أزوادهم السويق، وقد أصاب المسلمون منه شيئاً كثيراً وسميت هذه الغزوة (غزوة السويق) لكثرة ما طرح الكفار منه وهم فارون أمام جيش النبي ﷺ . وقد كانت هذه الغزوة لخمس خلون من ذي الحجة، أي بعد بدر بشهرين وأيام. وأنت ترى أن أبا سفيان أخفق في تحقيق هدفه، فهو لم يستطع أن يقوم بأي عمل يعتبر شيئاً إزاء ما أصاب قومه في بدر، وجل ما هناك أن جيشه في غزاته هذه أغار إغارة اللصوص وفر فرار الجبناء فلم يشف غيظا، ولم يستعد اعتبارا، ولم يغسل عاراً، بل لعله قد جدده بغواره وأكده. غزوة أحد: إن غزوة السويق - كما عرفنا - لم تجد على قريش شيئاً، وأنى لها أن تجدي؟! لذلك بقيت قريش تجتر أحقادها على المسلمين، وتتذكر كما أصابها في بدر، وقد أذكت هذه الأحقاد، والهبت هذه الذكريات أمور منها إخفاقها في غزوة السويق، واستياق زيد بن حارثة عيرهم في غزوة القردة، وقد سلفت الإشارة إليها، زد على ذلك تحريض كعب بن الأشرف المرابي اليهودي لهم وبكاؤه قتلاهم [١٦] ، وقد اجتمع في أنفسهم من هذه الأسباب ما حفزهم إلى غزو المدينة، فاستفرغوا وسعهم في حشد جيش قوامه ثلاثة آلاف، منهم ومن أحابيشهم، ومن أطاعهم من قبائل كنانة، وأهل تهامة [١٧] ثم قصدوا المدينة وكانت بينهم وبين المسلمين معركة أحد المشهورة، غير أن عاقبتها كانت بالنسبة لقريش - كما قلنا آنفاً - إخفاقاً عسكريا، أو كانت على أحسن تقدير نصراً جزئياً بين هزيمتين وسيأتي الكلام مستوفى - إن شاء الله - في هذه الغزوة في حينه.

стр. 4902

وهكذا نرى أن آثار معركة بدر بقيت عالقة بكيان قريش دون أن تستطيع إزالتها، بالرغم من محاولتها الجادة وهيهات أن يستطيع الإنسان دفع شيء أنزله الله به ومن يهن الله فما له من مكرم. ثانياً: آثار بدر في المدينة. كان سكان المدينة المنورة لما جرت معركة بدر أربع طوائف هي: المسلمون، والمشركون والمنافقون، واليهود، واختلف وقع نتائج هذه المعركة الحاسمة باختلاف هذه الطوائف. أ - المسلمون: لقد فرح المسلمون بنتائج هذه المعركة فرحاً عظيماً، وازدادوا إيماناً بما هم عليه من الحق والهدى ويقيناً بأن الله سبحانه ناصر من يجاهد فيه مهما كثر العدد، وتكالبت الظروف، وارتفعت معنوياتهم ارتفاعاً ترك أثره في الأسلوب الذي يعالجون به علاقاتهم بالطوائف الأخرى التي تساكنهم المدينة، لقد كانوا قبل بدر يصبرون على ما يلاقون من أذى هذه الطوائف وتعرضها لهم ولدعوتهم بما لا ينبغي [١٨] أما بعدها فقد آن الأوان لإعمال مشرط الطبيب في إزالة العلل المستعصية، وبتر الأعضاء المريضة التي لا سبيل إلىشفائها من جسم ذلك المجتمع... ومن هنا رأيناهم يقومون بعدة عمليات بتر، منها ما يلي: ١ـ بتر أبي عفك: كان أبو عفك شيخاً من بني عمرو بن عوف، بلغ عشرين ومائة سنة، وكان يحرض على رسول الله ﷺ ، ويقول الشعر في إيذاء المسلمين، والصد عن سبيل الله... وقد صبر عليه المسلمون غير أنه لم يرعو، ولم ينجح فيه سياسة الصبر والرفق، وحين لم يبق في القوس منزع، وأضحى لا بُد من بتره نذر سالم بن عمير، وهو أحد البكائين، ليقتلنه أو ليموتن دونه...

стр. 4903

وجعل سالم ﵀ يطلب غرة أبي عفك، حتى كانت ليلة من ليالي الصيف الحارة، ونام أبو عفك بفناء داره، فأقبل سالم البطل فوضع السيف على كبده، ثم اعتمد عليه حتى نفذ إلى الفراش، وخش فيه وصاح عدو الله والإسلام، فثاب إليه ناس ممن هم على مثل رأيه، فأدخلوه منزله وقبروه، وهكذا بتر هذه العضو المزمنة علته لم يكن بد من بتره، وكان ذك في شوال على رأس عشرين شهراً من مهاجر رسول الله ﷺ [١٩] . وعاش سلم بن عمير ﵁ حتى في خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵀، بعد أن شهد مع رسول الله ﷺ بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خيراً [٢٠] . ٢- بتر عصماء بنت مروان: كانت عصماء هذه يهودية [٢١] ، وكانت تعيب الإسلام وتؤذي رسول الله ﷺ ، وتقول الشعر وتحرض عليه، وقد نافقت بعد مقتل أبي عفك، ولما استمرت في إيذائها لرسول الله ﷺ ، وعيبها الإسلام جاءها عمير بن عدي في جوف الليل، ودخل عليها بيتها وكان حولها نفر من ولدها يتام، وإلى جانبها رضيع، فجسها بيده - وكان أعمى - فلما تحقق منها نحى الرضيع، ووضع سيفه على صدرها، واعتمد عليه حتى أنفذه من ظهرها. ثم صلى الصبح مع النبي ﷺ في المدينة، فقال ﷺ له: "أقتلت ابنة مروان؟ قال: نعم، فهل علي في ذلك شيء؟ فقال: لا ينتطح فيها عنزان" [٢٢] وأثنى عليه النبي ﷺ بعد قتله عصماء، فأقبل على الناس وقال: " من أحب أن ينظر إلى رجل كان في نصرة الله ورسوله فلينظر إلى عمير بن عدي"، فقال عمر بن الخطاب ﵁: "انظروا إلى هذا الأعمى الذي يرى" فقال ﷺ : "مه يا عمر فإنه بصير، وسماه البصير لما رأى من كمال إيمانه وقوة قلبه في الله [٢٣] ".

стр. 4904

ولما رجع عمير إلى قومه بعد قتل عصماء وجد بنيها وهم خمسة رجال في جماعة يدفنونها، فقال: أنا قتلتها، فكيدوني ثم لا تنظرون، فوالذي نفسي بيده، لو قلتم بأجمعكم ما قلت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم [٢٤] . وبعد إزالة هذه العقبة من طريق الدعوة وبتر هذا العضو الفاسد من المجتمع المدني، ظهر الإسلام في بني خطمة، واستعلن بإسلامه من كان يستخفي من مستضعفيهم، وأسلم يومئذ رجال لما رأوا عز الإسلام [٢٥] ... وقد كانت هذه الخطوات التي خطاها المسلمون أمراً لا بد منه في وقته وبحسب الظروف التي كانت تواجه الدعوة. ب - المشركون والمنافقون: لقد أستاء مشركو المدينة ومنافقوها لما سمعوا زيد بن حارثة - وهو على القصواء ناقة رسول الله ﷺ يبشر بالفتح، ويعدد أسماء قتلى قريش، وبعض أسراها، وجعلوا يقولون ما جاء زيد بن حارثة إلا فلاً، وقال رجل من المنافقين لأسامة بن زيد: قتل صاحبكم ومن معه، وقال آخر لأبي لبابة: قد تفرق أصحابكم تفرقاً لا يجتمعون فيه أبداً... قتل محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب، وجاء فلا. غير أن الموقف قد انجلى، إذ لم يمض طويل وقت حتى سبق الأسرى إلى المدينة وعليهم شقران مولى رسول الله ﷺ [٢٦] ولما صدم المشركون بالحقيقة الواقعة التي لا تدفع، استكانوا، وصانعوا المسلمين، ونافق كثير منهم، فأظهروا الإسلام، وهؤلاء كانوا فريقين فريقاً بقوا على شركهم القديم، وفريقاً انحل بالكلية، فلم يبق على شركه، ولم يعتنق الإسلام إلا ظاهراً، بل مضى في طريق الذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [٢٧] (سورة النساء - ١٤٣)

стр. 4905

هذا هو الموقف الإجمالي للمشركين والمنافقين في المدينة بعد غزوة بدر فالمشركون - كما قلنا آنفاً - منهم من بقي على شركه، ومنهم من نافق، وهؤلاء كانوا طائفتين: طائفة انحلت تماماً، وأضحت مذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وطائفة أقامت على شركها في الباطن وإن تظاهرت بالإسلام. أما المنافقون سواء من نافق قبل بدر أو بعدها فقد غاظهم انتصار المسلمين، وضاقوا به أيما ضيق، واستمروا - على ما كانوا عليه - يتآمرون على الدعوة في الخفاء، ويتعاونون مع إخوانهم، بل شياطينهم اليهود، ولم يكتفوا بذلك بل انحدروا إلى مستوى العمالة لقريش، والروم، ونصارى العرب... على أن من المشركين من أدركتهم عناية الله، فثابوا إلى رشدهم، ودانوا بالإسلام، كحويصة ابن مسعود أخي محيصة الذي قتل ابن سبينة [٢٨] التاجر اليهودي، وبتره من جسم المجتمع المدني حين أهدر الرسول ﵊ دماء يهود [٢٩] عقب اغتيال عدو الله، كعب بن الأشرف كما سنرى، وقد كان إهدار دمائهم ضرباً من الإجراءات الرادعة ساق إيه تآمرهم المستمر الخطر على كيان الدعوة ودولتها. جـ - اليهود: لقد كان وقع نتائج غزوة بدر شديداً على نفوس اليهود المقيمين في المدينة شدة الصواعق، واستغربوها وريعوا لها ولما انتهت هذه النتائج إلى كعب بن الأشرف قال: أحق هذا؟ أترون أن محمداً قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان، يعني زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة [٣٠] فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم، لبطن الأرض خير من ظهرها [٣١] .
следующие страницы →