← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

وأيضا فأبو بكر وعمر ﵄ كان اختصاصهما بالنبي ﷺ فوق اختصاص غيرهما. وأبو بكر ﵁ كان أكثر اختصاصا فإنه كان يسمر عنده عامة الليل يحدثه في العلم والدين ومصالح المسلمين - إلى أن قال - وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: "وضع عمر ﵁ على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم فلم يرعني إلا رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت فإذا هو علي ﵁ فترحم على عمر ﵁ وقال: ما خلفت أحد أحب إلي أن ألقى الله بعلمه منك وأيم الله إن كنت لا أظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذلك أني كنت كثيرا ما أسمع النبي ﷺ يقول: "جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" فإن كنت لأرجوا أو أظن أن يجعلك الله معهما". وفي الصحيحين وغيرهما أنه لما كان يوم أحد قال أبو سفيان لما أصيب المسلمون: أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟؟ فقال النبي ﷺ : "لا تجيبوه" فقال أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال النبي ﷺ : "لا تجيبوه" فقال أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال النبي ﷺ : "لا تجيبوه" فقال لأصحابه أما هؤلاء فقد كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه أن قال: كذبت يا عدو الله إن الذين أعددت أحياء وقد بقي لك ما يسوءك"وذكر الحديث. فهذا أمير الكفار في تلك الحال إنما سأل عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ دون غيرهم لعلمه بأنهم رؤوس المسلمين. النبي ووزيراه. ولهذا سأل الرشيد مالك بن أنس عن منزلتهما من النبي ﷺ في حياته فقال: "منزلتهما في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته". قلت: وقد تقدم عن علي بن الحسين أنه أجاب بنحو هذا

стр. 5007

الجواب". وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس رحمه الله تعالى في جواب آخر أن الرشيد قال لمالك لما أجابه بهذا الجواب: "شفيتني يا مالك". قال شيخ الإسلام ﵀ تعال: ى: "وكثرة الاختصاص والصحبة مع كمال المودة والائتلاف والمحبة والمشاركة في العلم والدين تقتضي أنهما أحق بذلك من غيرهما وهذا ظاهر بيِّن لمن له خبرة بأحوال القوم. أما الصديق فإنه مع قيامه بأمور من العلم والفقه عجز عنها غيره حتى بيَّنها لهم لم يحفظ له قول يخالف نصا وهذا يدل على غاية البراعة.

стр. 5008

وأيضا فالصحابة في زمن أبي بكر ﵁ لم يكونوا يتنازعون في مسألة إلا فصلها بينهم أبو بكر وارتفع النزاع بينهم فلا يعرف بينهم في زمانه مسألة واحدة تنازعوا فيها إلا ارتفاع النزاع بينهم بسببه كتنازعهم في وفاته ﷺ ومدفنه وفي ميراثه وفي تجهيز جيش أسامة وقتال مانعي الزكاة وغير ذلك من المسائل الكبار. بل كان خليفة رسول الله ﷺ فيهم يعلمهم ويقوِّمهم ويبيِّن لهم ما تزول معه الشبهة فلم يكونوا معه يختلفون. وهذا يدل على غاية العلم. وقام مقام رسول الله ﷺ وأقام الإسلام فلم يُخِل بشيء منه بل دخل الناس من الباب الذي خرجوا منه مع كثرة المخالفين من المرتدين وغيرهم وكثرة الخاذلين فكمل به من علمهم ودينهم ما لا يقاومه فيه أحد حتى قام الدين كما كان - إلى أن قال - وأيضا فعلي بن أبي طالب تعلم من أبي بكر بعض المسائل بخلاف أبي بكر فإنه لم يتعلم من علي بن أبي طالب كما في الحديث المشهور الذي في السنن حديث صلاة التوبة عن علي ﵁ قال: "كنت إذا سمعت من النبي ﷺ حديثا ينفعني الله منه بما شاء أن ينفعني فإذا حدثني غيره استحلفته فإذا حلف لي صدقته وحدثني أبي بكر وصدق أبو بكر عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويحسن الوضوء ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له".

стр. 5009

ومما يبين هذا أن أئمة علماء الكوفة الذين صحبوا عمر وعليا ﵄ كعلقمة والأسود وشريح القاضي وغيرهم كانوا يرجحون قول عمر على قول علي. وأما تابعوا أهل المدينة ومكة والبصرة فهذا عندهم أظهر وأشهر من أن يذكر وإنما الكوفة ظهر فيها فقه علي وعلمه بحسب مقامه فيها مدة خلافته، وكل شيعة علي الذين صحبوه لا يعرف عن أحد منهم أنه قدمه على أبي بكر وعمر ﵄ لا في فقه ولا علم ولا غيرهما بل كل شيعته الذين قاتلوا معه عدوه كانوا مع سائر المسلمين يقدمون أبا بكر وعمر ﵄ إلا من كان علي ﵁ ينكر عليه ويذمه مع قتلهم في عهد علي وخمولهم وكانوا ثلاث طوائف طائفة غلت فيه كالتي ادعت فيه الإلهية وهؤلاء حرقهم علي ﵁ بالنار. وطائفة كانت تسب أبا بكر وكان رأسهم عبد الله بن سبأ فلما بلغ عليا ذلك طلب قتله فهرب. وطائفة كانت تفضله على أبي بكر وعمر قال: "لا يبلغني عن أحد منكم أنه فضلني على أبا بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري". وقد روي عن علي ﵁ من نحو ثمانين وجها وأكثر أنه قال على منبر الكوفة: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر"- إلى أن قال - ورأس الفضائل العلم وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . والدلائل على ذلك كثيرة وكلام العلماء في ذلك كثير".

стр. 5010

ثم قرر الشيخ رحمه الله تعالى أن أبا بكر وعمر ﵄ أعلم من علي ومعاذ بن جبل ﵄ إلى أن قال: "ولم يختص علي ﵁ بتبليغ شيء من العلم إلا وقد اختص غيره بما هو أكثر منه فالتبليغ العام الحاصل بالولاية حصل لأبي بكر وعمر وعثمان منه أكثر مما حصل لعلي. وأما الخاص فابن عباس ﵄ كان أكثر فتيا منه وأبو هريرة ﵁ أكثر رواية منه وعلي ﵁ أعلم منهما كما أن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ أعلم منهما أيضاً فإن الخلفاء الراشدين قاموا من تبليغ العلم العام بما كان الناس أحوج إليه مما بلغه من بلغ بعض العلم الخاص - إلى أن قال - وما يذكر أنه كان عنده - أي عند علي ﵁ علم باطن امتاز به عن أبي بكر وعمر وغيرهما فهذا من مقالات الملاحدة الباطنية ونحوهم الذين فيهم من الكفر ما ليس في اليهود والنصارى"انتهى المقصود من كلامه ملخصا. وفيه أبلغ رد على أبي تراب فيما شذ به من تفضيل بعض الصحابة في العلم والفقه على أبي بكر وعمر ﵄ وهذه جراءة سيئة من أبي تراب حاصلها الغض من أبي بكر وعمر ﵄. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضاً في منهاج السنة: "أهل السنة يقولون ما اتفق عليه علماؤهم إن أعلم الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وقد ذكر غير واحد الإجماع على أن أبا بكر أعلم الصحابة كلهم"انتهى. وقد خرق أبو تراب الإجماع وخالف أهل السنة حيث فضَّل أبا هريرة والبخاري على أبي بكر وعمر ﵄ بالعلم. وفضَّل عليا ومعاذا وابن مسعود وابن عمر ﵃ على عمر ﵁ بالعلم والفقه. وأما قوله: "وهو نفسه يشهد بذلك".

стр. 5011

فجوابه أن يقال لم يثبت ذلك عن عمر ﵁ وعلى تقدير ثبوته فإنما ذلك من باب التواضع..ومن هذا الباب قصته مع المرأة حين قال وهو على المنبر: يا أيها الناس لا تغلوا في صداق النساء. ونهاهم أن يزيدوا على أربعمائة درهم. فقامت امرأة فقالت: إن الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً من ذهب﴾ - وهي هكذا في قراءة بن مسعود ﵁ فرجع عمر ﵁ عن قوله وقال: "كل الناس أفقه من عمر". فهذا من باب التواضع وليس معناه أن تلك المرأة أو غيرها أفقه من عمر ﵁ على الإطلاق كما قد يفهمه بعض الجهلة الأغبياء. وتواضع عمر ﵁ مع المرأة وغيرها يعد من المناقب لا من المعايب. أما قوله: "ولكنهم لم يكونوا أفضل منه". فجوابه أن يقال: لو كان علي ومعاذ وابن مسعود ﵃ أفقه من عمر ﵁ لكانوا أفضل منه لأن العلم رأس الفضائل وأكملها وأشرفها ولكنه ﵁ قد فاقهم كلهم في العلم والفقه وفي غير ذلك من الخصال الحميدة فلذلك كان أفضل منهم. وأما قوله: "وليس لإنسان أن يقرن الفضل بالعلم". فالجواب أن يقال: بل ليس لإنسان أن يفرق بين الفضل وبين العلم لأن العلم خصلة من خصال الفضائل وهو رأسها وأكملها وأشرفها ولا يكون الإنسان فاضلا إلا بالعلم وإذا لم يتصف بالعلم فإنه لا يكون فاضلا وإنما يكون ناقصا وكفى بالعلم شرفا وفضيلة وكفى بالجهل نقصا ووضيعة.. وههنا أمر ينبغي التنبيه عليه وهو أن العلم لا يكون فضيلة في حق كل أحد وإنما يكون فضيلة في حق من يعمل بعلمه فيخشى ربه ويسارع إلى ما يرضيه من الأقوال والأعمال ويجتنب ما يسخطه منها. وأما الذي يكون معه علم وهو لا يخشى ربه ولا يلتمس رضاه ولا يجتنب نهيه فهذا جاهل في الحقيقة وعلمه لا يكون فضيلة في حقه وإنما يكون حجة عليه ووبالا يوم القيامة.

стр. 5012

وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: "كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار جهلا"رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد. وروى عبد الله أيضاً في كتاب الزهد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية". وروى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ يرفعه: "أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينفعه علمه". وما أكثر هذا الضرب الرديء في زماننا لا أكثرهم الله. يتبع

стр. 5013

حجية السنة النبوية ومكانتها في التشريع الإسلامي لفضيلة الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي المدرس بمعهد الحرم المكي الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، والصلاة والسلام على رسول الهدى محمد المصطفى وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فهذه فذلكة مجملة، وكلمة مختصرة عن سنة المصطفى ﷺ الأصل الثاني للتشريع الإسلامي العظيم، وإن كنت لست فارسا من فرسان هذا الميدان الخضم إلا أني حملت حبا عظيما، وشعورا فياضا، وعاطفة دينية في نفسي الصغيرة نحو أولئك الأمجاد الكرام من الصحابة التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين خدموا هذا الأصل العظيم خدمة ممتازة ضخمة لا نظير لها في تاريخ الإنسانية الطويل، فأتوا بالعجب العجاب في هذه الخدمة المشار إليها، فأحببت أن يكون لي في تمجيد هؤلاء ورفع شأنهم بعض الحظ حتى أقف به بين يدي المولى في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وبحب هؤلاء الكرام، وبجهودهم، وخدماتهم الطويلة، ورحلاتهم الشاسعة إلى أقطار العالم في سبيل حفظ هذا الأصل الأصيل - السنة المطهرة على صاحبها أفضل السلام وأتم التسليم - أتقرب إليه جل وعلا إن كان ليس عندي غير هذا العمل وسأذكر في هذه الكلمة المتواضعة: ١- معنى السنة لغة واصطلاحا. ٢- مكانتها ومنزلتها من التشريع الإسلامي. ٣- ذكر بعض الجهود الضخمة التي قام بها العلماء المحدثون من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين في حفظها، وصيانتها، وذكر بعض نماذج السير لرجالها الذين كانوا حماتها وحفاظها.

стр. 5014

أما معنى السنة لغة: فهي على وزن فعلة بمعنى مفعولة، وجمعها السنن، قال العلامة الإمام ابن الأثير: "قد تكرر في الحديث ذكر السنة، وما تصرف منها، والأصل فيها الطريقة، والسيرة، وإذا أطلقت في الشرع، فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ ، ونهى عنه، وندب إليه قولا، وفعلا مما لا ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال: في أدلة الشرع الكتاب والسنة. أي القرآن والحديث". وقال أيضاً: "ويجوز أن تكون من سننت الإبل إذا أحسنت رعيتها، والقيام عليها، ومنه الحديث: "أنه نزل المحصب، ولم يسنه"- أي لم يجعل سنة يعمل بها، وقد يفعل الشيء لسبب خاص لا يعم غيره" [١] قلت: ورد هذا المعنى اللغوي في الأحاديث الكثيرة منها حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "رمل رسول الله ﷺ وليس بسنة"- أي أنه لم يسنه لكافة الأمة، ولكن لسبب خاص وهو أن يرى المشركين قوة أصحابه، وهو مذهب ابن عباس وحده من الصحابة، وغيره يرى أن الرمل في طواف القدوم سنة [٢] . ومنها حديث أخرجه الإمام مالك في موطئه عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عمر قال: "لا أدري ما أصنع بالمجوس، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: "أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب" [٣] . فالمقصود أنها تطلق على الطريقة سواء كانت حسنة أو قبيحة كما جاء في حديث أخرجه مسلم في الصحيح والنسائي في السنن والإمام أحمد في المسند من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه مرفوعا: "من سن سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" [٤] . ومنها حديث أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا، ذراعا ذراعا حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم، قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " [٥] .

стр. 5015

وبهذا المعنى اللغوي جاء به كتاب الله تعالى كقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ [٦] وقال تعالى في سورة الحجر حاكيا عن الكفار الذين لا يؤمنون بهذا القرآن قال: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [٧] وقال جل وعلا في سورة الإسراء: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ [٨] وقال عز من قائل في سورة الكهف: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً﴾ [٩] . قال جل وعلا في سورة الأحزاب: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [١٠] . وقال أيضاً في سورة الأحزاب: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [١١] . وقال جل وعلا في سورة فاطر: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [١٢] وقال أيضا في سورة غافر: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [١٣] وقال جل وعلا في سورة الفتح: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [١٤] وقال في سورة آل عمران: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ

стр. 5016

الْمُكَذِّبِينَ﴾ [١٥] وقال في سورة النساء: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [١٦] فكلمة السنة الواردة في هذه الآيات الكريمات بمعناها اللغوي، وهو الطريقة، والسيرة، وقد اقتصرت على نقل هذه الكلمة من الكتاب الكريم والسنة النبوية لكونهما منبعا أصيلا، ومنهلا عذبا لأخذ العلوم كلها. معنى السنة اصطلاحا: وأما معنى السنة في اصطلاح علماء الإسلام، فقد اختلف فيه باختلاف أعراضهم وفنونهم: ١- فهي عند العلماء الأصوليين عبارة عما صدر عن رسول الله ﷺ ما عدا القرآن الكريم من قول, أو فعل, أو تقرير، فيخرج من السنة عندهم ما صدر من غيره ﵊ رسولا كان أو غير رسول، وما صدر عنه ﷺ قبل البعثة. ٢- وأما الفقهاء فهي عندهم عبارة عن الفعل الذي دل الخطاب على طلبه من غير إيجاب، ويرادفها المندوب والمستحب، والتطوع، والنفل، والتفرقة بين معاني هذه الألفاظ اصطلاح خاص لبعض الفقهاء، وقد تطلق على ما يقابل البدعة منه قولهم طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا، فهم بحثوا عن رسول الله صلة الله عليه وسلم الذي تدل أفعاله على حكم شرعي.

стр. 5017

٣- وأما المحدثون، فإن الرأي السائد بينهم - ولا سيما المتأخرين منهم - أن الحديث والسنة مترادفان متساويان يوضع أحدهما مكان الآخر وهذا هو بحثنا اليوم [١٧] وعلى هذا المعنى قال العلامة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "الحديث النبوي عند الإطلاق ينصرف إلى ما حدث به رسول الله ﷺ بعد النبوة من قول أو فعل أو إقرار، فإن سنته ﷺ ثبتت عن هذه الوجوه الثلاثة وإن كان تشريعا إيجابا أو تحريما أو إباحة وجب اتباعه فيه ﷺ فإن الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله تعالى فلا يكون خبرهم إلا حقاً" [١٨] . فالسنة على هذا المعنى في اصطلاح أهل الحديث ما أثر عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية.

стр. 5018

قال العلامة السيد سليمان الندوي - وهو من علماء الأحناف الكبار في الهند وقد توفي رحمه الله تعالى-: "وأما الذين فرقوا بين الحديث والسنة فقد لاحظوا بينهما معناهما اللغوي فقالوا: إن الحديث اسم من التحديث وهو الإخبار ثم سمي به قول، أو فعل أو تقرير نسب إلى النبي ﷺ . وأما السنة - فهي تبعا لمعناها اللغوي - كانت تطلق على الطريقة الدينية التي سلكها الرسول ﷺ في سيرته المطهرة، لأن معنى السنة في اللغة الطريقة والسيرة كما سبق بيانه. فإن كان الحديث عاما يشمل قول النبي ﷺ ، وفعله، وتقريره فالسنة خاصة بأعمال النبي ﷺ وفي ضوء هذا التباين الظاهري بين المفهومين نجد أن بعض العلماء يقولون أحيانا هذا الحديث مخالف للقياس والسنة والإجماع، ويقولون أحيانا إمام في الحديث، وإمام في السنة وإمام فيهما معا، فالحديث على هذا هو كل قول، أو فعل، أو تقرير نسب إلى المصطفى ﷺ ، وبتعبير آخر الحديث هو الرواية اللفظية لأقوال الرسول ﷺ ، وأفعاله، وتقريراته. وأما السنة فهي اسم لكيفية عمل الرسول ﷺ المنقول إلينا بالعمل سواء كان متواترا أو آحادا بأنه عمله النبي ﷺ ثم من بعده الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وهلم جرا، ولا يشترط تواترها بالرواية اللفظية فيمكن أن يكون الشيء متواترا عملا ولا يكون متواترا معنى، وأما المتداول بين علماء الحديث المتأخرين كما سبق فإنهما في معنى واحد، ولا يخفى ارتباط معناهما اللغوي بالمعنى الاصطلاحي وهذا واضح جلي إن شاء الله تعالى" [١٩] مكانة السنة ومنزلتها من التشريع الإسلامي:

стр. 5019

وأما مكانتها، ومنزلتها من التشريع الإسلامي، فلقد انتهى العلماء المحققون من السلف والخلف رحمهم الله تعالى إلى أن الحديث النبوي الشريف والذي صح حسب القواعد الأصولية حجة على جميع الأمة، وقد أجمعوا على ذلك إجماعا استناده الكتاب الكريم، والسنة النبوية. وأما الكتاب فقوله جل وعلا في سورة النساء: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ [٢٠]

стр. 5020

قال الإمام السيوطي: "أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معاوية قال: "يا بني هاشم إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة كما استحقيتم [٢١] النبوة ولا يجتمعان لأحد، وتزعمون أن لكم ملكا؟ "فقال له ابن عباس: "أما قولك إنا نستحق الخلافة بالنبوة، فإن لم نستحقها بالنبوة فبم نستحقها؟ وأما قولك أن النبوة والخلافة لا يجتمعان لأحد، فأين قول الله تعالى ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ فالكتاب النبوة، والحكمة السنة" [٢٢] هذا هو الشاهد من إيراد هذه الرواية، وقد يسأل السائل أين إسناد هذه الرواية وإن كانت موقوفة، فأقول له قد بحثت عن هذا الكتاب ببعض البحث حتى أطلع على إسناده فلم أجد له أثرا في الفهارس الموجودة بين أيدينا، وقد ذكره بن النديم في الفهرست وعمر ابن شبة النميري في تاريخ المدينة وهو كتاب عظيم نافع جمعه الإمام الزبير بن بكار الأسدي المدني من شيوخ ابن ماجه رحمه الله تعالى وهو صاحب كتاب جمهرة نسب قريش المطبوع منه الجزء الأول بتحقيق الأستاذ محمود محمد شاكر، ولرواية ابن عباس الموقوفة شاهد قوي من مرسل قتادة ابن دعامة السدوسي، والحسن البصري رحمهما الله تعالى أخرجهما الإمام العلامة أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره تحت قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال أبو جعفر: "اختلف أهل التأويل في معنى الحكمة التي ذكرها الله تعالى في هذا الموضع، فقال بعضهم: هي السنة"، ثم قال: "وذكر من قال ذلك"ثم ساق إسناده بقوله: "حدثنا بشر بن معاذ، قال حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة: الحكمة: أي السنة" [٢٣] قلت: لا يخفى على من له علم بأسماء الرجال أن هذا الإسناد هو من أصح

стр. 5021

الأسانيد المروية إلى قتادة بن دعامة السدوسي الإمام الثقة الحافظ الثبت التابعي. وقال العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره في هذا الموضع: "الحكمة السنة قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم" [٢٤] وهكذا فسرها في جميع المواضع التي وردت في القرآن الكريم، الحكمة هي السنة، وهكذا قال العلامة الشوكاني في تفسيره فتح القدير [٢٥] . فإذا علم هذا وفهم فاسمعوا ما قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [٢٦] وقال أيضاً في هذه السورة: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [٢٧] ، وقال تعالى في سورة آل عمران حاكيا عن عبده ورسوله عيسى ﵊: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ [٢٨] .

стр. 5022

فهذه الآية، وآية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [٢٩] فهذا نص صريح على أن الله تعالى لم يخص نبيه ﷺ وحده بالسنة بل إنه جل وعلا سن هذه السنة لجميع رسله، وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام الذين أكرمهم بالنبوة والرسالة، ونحو هذا المعنى قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ [٣٠] وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [٣١] وقال عز من قائل في سورة النساء: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [٣٢] وقال جل وعلا في حق أمهات المؤمنين في سورة الأحزاب: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ [٣٣] ، قال العلامة السيوطي

стр. 5023

تحت هذه الآية الكريمة: "أخرج بن سعد وعبد الرزاق، وابن جرير الطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى - ثم ذكر هذه الآية ثم قال - القرآن والسنة عتب عليهن بذلك" [٣٤] وقال جل وعلا: في سورة الجمعة ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [٣٥] وهذه الجملة كبيرة من الآيات الكريمات تنص على أن السنة هي وحي الله تعالى إلى سائر رسله، وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام. منهم هذا النبي الكريم ﵊. قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري تحت قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ قال: "وما أنزل عليكم من الحكمة وهي السنن التي علمكموها رسول الله ﷺ ، وسنها لكم" [٣٦] ، وقال أيضا تحت قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ﴾ ثم ساق إسناده إلى قتادة برقم (٨٠٧١) وقال: "الحكمة السنة"وكذا نقل عن عبد الملك بن جريج بإسناده الصحيح. وقال أبو جعفر مفسرا لهذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الآية.. قال: "يعلمهم الله كتاب الله الذي أنزله عليه، ويبين لهم تأويله، ومعانيه، والحكمة السنة التي سنها الله تعالى للمؤمنين على لسان رسوله ﷺ وبيانه لهم"ثم أيد هذا المعنى بأثر قتادة بسياق طويل وهو برقم (٨١٧٧) وإسناده من أصح الأسانيد المروية إلى قتادة وأيد هذا المعنى العلامة السيوطي ... في رسالته القيمة (مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة) نقلا عن أئمة الإسلام الكبار مثل الإمام الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، ومالك رحمهم الله تعالى ونقل أقوالهم، ونصائحهم

стр. 5024

فيما يتعلق بالعمل بسنة رسول الله ﷺ [٣٧] ونحو هذا المعنى في سورة النور قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [٣٨] ، ولقد عرفنا إن شاء الله تعالى خلال سرد هذه الآيات البينات أن السنة النبوية لها مكانة سامية، ومنزلة رفيعة في التشريع الإسلامي، وهي مفسرة، ومبينة لكتاب الله تعالى ومقيدة لعمومه كما قال تعالى في هذا المعنى في سورة الأنعام: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [٣٩] .

стр. 5025

وقال تعالى: في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [٤٠] ، وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ [٤١] وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [٤٢] والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولو تضرب الأمثلة لبيان هذا التفصيل الوارد في الكتاب الكريم لم يكف لنا النهار كله، فالآيات كلها تعطينا بيانا واضحا، وتفسيرا شافيا عن منزلة السنة من القرآن الكريم، ولقد عرفنا جميعا إن شاء الله تعالى حجية السنة والاستدلال بها على ما يستدل به على أحكام الشرع حلالا، وحراما، وأمرا، ونهيا، وقال جل وعلا في سورة النساء: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما﴾ [٤٣] قال السيوطي [٤٤] : "أخرج عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير الطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والبيهقي من طريق الزهري أن عروة بن الزبير حدث عن الزبير بن العوام، أنه خاصم رجلا من الأنصار وقد شهد بدرا مع رسول الله ﷺ في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري: "سرح الماء يمر"فأبى عليه، فقال رسول الله ﷺ : "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك" فغضب الأنصاري وقال: "يا رسول الله أن كان بن عمتك"، فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء

стр. 5026

حتى يرجع إلى الجدار، ثم أرسل الماء إلى جارك"، واستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري، فلما لم يرضى الأنصاري استوعى للزبير حقه في صريح الحكم فقال الزبير: "ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك، ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ " وهكذا أخرجه الحميدي في مسنده، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، فقضى للزبير، فقال الرجل إنما قضى له لأنه ابن عمته، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهكذا أخرجه الإمام ابن الجارود في المنتقى، والإسماعيلي فيما نقل عنه الحافظ في الفتح" [٤٥] .

стр. 5027

قلت: إن هذه الآية الكريمة وما في معناها نص صريح في وجوب اتباع سنة الرسول ﷺ . قال العلامة أبو جعفر الطبري مفسرا لهذه الآية: "فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد، واستأنف القسم جل ذكره، فقال: وربك يا محمد لا يؤمنون أي لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك، حنى يحكموك فيما شجر بينهم، يقول: حتى يجعلوك حكما بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه، قال رحمه الله تعالى: شجر يشجر شجورا، شجرا، وتشاجر القوم إذا اختلفوا في الكلام والأمر ﴿بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أي لا تأثم بإنكارها ما قضيت وشكها في طاعتك، وإن الذي قضيت به بينهم حق، لا يجوز لهم خلافه، ثم ساق أسانيده الكثيرة بهذا المعنى في أسباب نزول هذه الآية، ومنها حديث الزبير بن العوام ﵁ المتفق عليه بين الشيخين وغيرهما، وحققها، وخرجها العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على ابن جرير الطبري [٤٦] وللإمام عمدة المفسرين العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى كلام جيد في تفسير هذه الآية الكريمة فليراجع منه [٤٧] . وقال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [٤٨] قال العلامة الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره تحت هذه الآية بعد إيراده روايات عديدة في أسباب نزولها، قال: " ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي عن أمر الرسول ﷺ وهو سبيله، ومنهاجه، وطريقته، وسنته، وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال، بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِل، وما خالفه فهو مردود على قائله،

стр. 5028

وفاعله، كائنا من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ وليخش من خالف شريعة الرسول ﷺ باطنا، وظاهرا، ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي في قلوبهم من كفر، أو حد، أو حبس، أو نحو ذلك كما روى الإمام أحمد، فقال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش، وهذه الدواب اللائي يقعن في النار وجعل يحجزهن، ويغلبنه فيقتحمن فيها"قال: "فذلك مثلي، ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار (أمنعكم عن النار) فتغلبوني وتقتحمون فيها" أخرجاه من حديث عبد الرزاق". قلت: أخرجه البخاري [٤٩] ومسلم [٥٠] والترمذي [٥١] والإمام أحمد في مسنده [٥٢] والغوي في شرح السنة [٥٣] . ورواه همام بن منبه عند البغوي بالإخبار. وقال العلامة الإمام البغوي في نهاية الحديث هذا حديث: "متفق على صحته أخرجه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، وأخرجاه من أوجه عن أبي هريرة"اهـ. ونحو هذا المعنى قوله جل وعلا في سورة النور: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [٥٤] .

стр. 5029

والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا وكلها نص صريح في وجوب اتباع الرسول ﷺ واتباعه يتمثل في اتباع سنته الصحيحة الثابتة عنه ﷺ ، وتثبت حجية السنة النبوية ثبوتا واضحا مبينا من قوله جل وعلا في سورة البقرة قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [٥٥] . والشاهد في هذه الآية الكريمة هو أنه ﷺ كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يؤمر بالتوجه إلى الكعبة المشرفة، وكان صلاته ﷺ إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى ولكن أين هذا الأمر في القرآن الكريم؟ قال العلامة الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى ملخصا ما ذكره قبل هذا الكلام: "حاصل الأمر أنه كان ﷺ أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس فكان بمكة يصلي بين الركنين، فيكون بين يدي الكعبة وهو مستقبل الصخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، قاله ابن عباس والجمهور". ثم قال: "وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة" [٥٦] . وهكذا قال الإمام العلامة أبو جعفر في تفسيره [٥٧] أخرج الإمام الشافعي في الرسالة [٥٨] والإمام أحمد في المسند [٥٩] وأبو داود [٦٠] والترمذي [٦١] وابن ماجه [٦٢] والبغوي في شرح السنة [٦٣] وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم [٦٤] من حديث أبي رافع مولى رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ قال: "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول لا أدري ما وجدناه في كتاب الله تعالى اتبعناه". قال العلامة الإمام البغوي في شرح السنة: "قال الأزهري: كل من اتُكِئَ عليه فهو أريكة. وأراد بهذه الصفة أصحاب الترفه، والدعة، الذين لزموا البيوت، وقعدوا عن طلب العلم". وفي الحديث دليل على

стр. 5030

أنه لا حاجة بالحديث إلى أن يعرض على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ كان حجة بنفسه، وقال النبي ﷺ : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" قلت: أورده السيوطي في مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، وقال رحمه الله تعالى: "وأخرج البيهقي بسنده عن المقدام بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "حرم رسول الله ﷺ أشياء يوم خيبر من الحمار الأهلي وغيره فقال ﷺ : "يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث حديثي، فيقول بيني وبينكم كتاب الله تعالى فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه وإنما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله"، الحديث أخرجه العلامة البغوي في شرح السنة برقم (١٠١) وخرجه الشيخ شعيب في التعليق وقال: "أخرجه أحمد والدارمي وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه وقال: حسنه الترمذي"اهـ قلت: نعم أخرجه الإمام الترمذي في الجامع تحت باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث رسول الله ﷺ ، وحسنه ثم قال: "وروى بعضهم عن سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر عن النبي ﷺ مرسلا، وسالم أبي النضر عن عبيد الله ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي ﷺ ، وكان ابن عيينة إذا روى هذا الحديث على الانفراد بين حديث المنكدر من حديث سالم أبي النضر، وإذا جمعهما روى هكذا"وأبو رافع مولى النبي ﷺ . قال العلامة المحدث المباركفوري: "روي هذا الحديث موقوفا على أبي رافع كما ترى في طريق الترمذي ورواه أبو داود في السنن مرفوعا"ثم قال: "رواه أبو داود في السنن فقال: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، وعبد الله بن محمد النفيلي، قالا: حدثنا سفيان، عن أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن النبي ﷺ ثم ذكر الحديث". قلت: الذين رووه بالرفع هم أكثر عددا من الذين

стр. 5031

رووه بالوقف، ورواه البغوي مرفوعا وكذا ابن ماجه، وأبو داود، وأحمد في المسند، والدارمي في سننه من غير هذا الوجه مرفوعا برقم (٥٩٢) ثم قال العلامة المباركفوري: "وهذا الحديث دليل من دلائل النبوة، وعلامة من علاماتها، فقد وقع ما أخبر به ﷺ فإن رجلا قد خرج في البنجاب من أقليم الهند. وسمى نفسه بأهل القرآن، شتان بينه وبين أهل القرآن بل هو من أهل الإلحاد، وكان قبل ذلك من الصالحين - قلت ما كان من الصالحين ولم يتمكن الإيمان من قلبه - فأضله الشيطان، وأغواه، وأبعده عن الصراط المستقيم فتفوه بما لا يتكلم به أهل الإسلام، فأطال لسانه في رد الأحاديث النبوية بأسرها ردا بليغا وقال هذه كلها مكذوبة، ومفتريات على الله تعالى، وإنما يجب العمل على القرآن العظيم فقط دون أحاديث النبي ﷺ ، وإن كانت صحيحة متواترة، ومن عمل على غير القرآن فهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، وغير ذلك من أقواله الكفرية وتبعه على ذلك كثير من الجهال، وجعلوه إماما، وقد أفتى علماء العصر بكفره، وإلحاده، وأخرجوه من دائرة الإسلام كما قالوا". ثم خرج هذا الحديث بقوله: "أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي في الدلائل" [٦٥] . قلت: أخرجه الإمام أحمد في مسنده من ثلاث طرق، طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفيه أبو معشر وهو ضعيف إلا أنه يكتب حديثه ويستشهد به، وطريق آخر وهو طريق أبي رافع مولى رسول الله ﷺ واسمه أسلم وهو طريق جيد، وطريق ثالث وهو طريق المقدام بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه وهو أيضا طريق جيد، وأنهي هذا الموضوع بآيات من الذكر الحكيم قال تعالى في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا﴾ [٦٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا

стр. 5032

مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [٦٧] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً. وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [٦٨] وقال جل وعلا في سورة الأحزاب: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [٦٩] وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [٧٠] وقال عز من قائل في سورة الحديد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . فالإيمان برسول الله ﷺ هو الإيمان الكامل بما جاء به من عند الله تعالى من كتاب وسنة صحيحة ثابتة والعمل بهما ظاهرا وباطنا وتسليم الأمر إليهما والدعوة إليهما، والاستماتة في سبيلهما حتى يأتيه الموت فيلقى ربه بلقاء عظيم مرضي. جهود العلماء في حفظ السنة:

стр. 5033

أما جهود العلماء المحدثين من الصحابة ومن تبعهم في حفظ السنة النبوية فإنها جهود مباركة ضخمة، وقعت مصداقا لقوله جل وعلا في سورة الحجر ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [٧١] ولقوله جل وعلا: في سورة التوبة: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [٧٢] ومصداقا لقوله ﷺ في حديث أخرجه الإمام أحمد في المسند [٧٣] وأبو داود في السنن [٧٤] والترمذي في الجامع [٧٥] وابن ماجه [٧٦] والدارمي [٧٧] في سننيهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نضر الله امرأً سمع مني حديثا فحفظه، حتى يبلغه فرب مبلغ أحفظ له من سامع" قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى (في مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة) : "هذا الحديث متواتر" [٧٨] . وقال في تدريب: "روي من ثلاثين صحابيا". وقال الشافعي رحمه الله تعالى: "فلما ندب رسول الله ﷺ إلى استماع مقالته، وحفظها، وأدائها دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة، على من أدى إليه، وأن ما يؤدى عنه حلال يؤتى، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ، ويعطى، ونصيحة في دين، ودنيا". أخرج الإمام نصر المقدسي في كتاب الحجة على ترك المحجة بسنده عن أبي الدرداء ﵁ قال رسول الله ﷺ : "من غدا أو راح في طلب سنة مخافة أن تندرس كان كمن غدا أو راح في سبيل الله ومن كتم علما علمه الله إياه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار" وأخرج عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ظهرت البدع في أمتي وشتم أصحابي فليظهر العالم علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". ومن هنا كانت تلك الجهود

стр. 5034

الضخمة والمباركة التي كانت فريدة في نوعها، وعزيزة في وجودها ولا يوجد لها مثيل في سائر الأمم الماضية، يقول الدكتور اسبر نكر أحد علماء الألمان البارزين فيما نقل عنه العلامة المحدث المباركفوري في سيرة البخاري قال: "إن علم أسماء الرجال اختصت به هذه الأمة الإسلامية دون سائر الأمم، وإنه مفخرة كبيرة للمسلمين، وثورة علمية هائلة جُمِعَت لهم من أسلافها، وميدان خضم ولهم في ذلك أقدام راسخة". قلت: هكذا يمجد هذا المستشرق هذا العلم الشريف وهو بكلامه هذا يقضي على جميع الشبه التافهة التي أوردها أعداء السنة النبوية حديثا، وقديما، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الجامع الصحيح في كتاب العلم، باب الخروج في طلب العلم: "ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد". وأشار رحمه الله تعالى بهذا التعليق إلى الحديث رواه في كتاب الأدب المفرد في باب المعانقة ص ٣٣٧ من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "بلغني من رجل من أصحاب النبي ﷺ سمعه من رسول الله ﷺ ، فاشتريت بعيرا، ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت نعم.. فخرج عبد الله بن أنيس فاعتنقني، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من النبي ﷺ فخشيت أن أموت، أو تموت قبل أن أسمعه فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله الناس يوم القيامة عراة، غرلا، بُهْماً، قلنا ما بهما؟ قال: ليس عليهم شيء، فينادهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة" يعني لا يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار إلا بعد تصفية الحساب. قال الحافظ في الفتح بعد إيراد حديث جابر هذا ورحلته إلى عبد الله

стр. 5035

بن أنيس: "وفي هذا الحديث ما كان عليه الصحابة من الحرص على تحصيل السنن النبوية قال الخطيب البغدادي في رسالته القيمة (الرحلة في طلب الحديث) بإسناده عن أبي عثمان النهدي قال: "بلغني عن أبي هريرة حديث أنه قال: إن الله ليكتب لعبده بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة فحججت ذلك العام، ولم أكن أريد الحج إلا للقائه في هذا الحديث فأتيت أبا هريرة ,فقلت: يا أبا هريرة بلغني عنك حديث فحججت العام ولم أكن أريد الحج إلا لألقاك، قال: فما هو؟ قلت إن الله ليكتب لعبده المؤمن الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة فقال أبو هريرة: ليس هكذا قلت: إنما قلت إن الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة، ثم قال: أو ليس في كتاب الله تعالى ذلك؟ قلت: كيف؟ قال: لأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ والكثير عند الله أكثر من ألفي ألف وألف ألف"اهـ وقال الخطيب أيضا في هذه الرسالة بإسناده الطويل: "عن عطاء بن أبي رباح قال: خرج أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة ابن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ ، فلما قدم أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو أمير مصر، فأخبر به فعجل فخرج إليه فعانقه، وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب قال حديث سمعته من رسول الله ﷺ ولم يبق أحد سمعه غيري وغيرك في ستر المؤمن قال: نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ستر مؤمنا في الدنيا ستره الله يوم القيامة، فقال له أبو أيوب: صدقت ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعا إلى المدينة". قلت: هكذا نجدهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين حريصين أشد الحرص على حفظ السنة وصيانتها، ثم قال الخطيب بإسناده عن عبد الله بن بريدة: "إن رجلا من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر، فقدم عليه، فقال: إني لم آتيك زائرا ولكن سمعت أنا وأنت

стр. 5036

حديثا من رسول الله ﷺ رجوت أن يكون عندك منه علم قال: فما هو؟ قال كذا وكذا". وساق الحديث، وهكذا نجد سيد التابعين وعالم المدينة الإمام سعيد بن المسيب، كما قال الإمام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية قال مالك عن يحي بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: "كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد". قال الحافظ الإمام ابن أبي حاتم الرازي الحنظلي في مقدمة الجرح والتعديل في ترجمة أبيه الإمام أبي حاتم الرازي عند ذكر رحلته في طلب الحديث قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: أول ما خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، لم أزل أحصي فلما زاد على ألف فرسخ تركته، وأما ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصى كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، خرجت من البحر من قرب مدينة (سلا) إلى مصر ماشيا، ومن مصر إلى الرملة ماشيا، ومن الرملة إلى بيت المقدس ماشيا، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية إلى طرسوس ثم رجعت من طرسوس إلى حمص، وكان بقي عليَّ شيء من حديث أبي اليماني، فسمعته، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت إلى الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل ومن النيل إلى الكوفة كل ذلك ماشيا هذا في سفري الأول، وأنا ابن عشرين سنة أجول سبع سنين، خرجت من الري سنة ٢١٣هـ، في شهر رمضان، ورجعت سنة ٢٢١هـ"، هكذا نجدهم رحمهم الله تعالى في رحلاتهم، وسفراتهم يتنقلون راجلين يقطعون آلاف من الأميال والفراسخ لحفظ سنة رسول الله ﷺ . وهذا الدارقطني صاحب السنن يعلن في بغداد في الأسواق والشوارع: "يا أهل بغداد لا يمكن لأحد منكم أن يكذب على رسول الله ﷺ ما دمت حيا". وهذا أبو حامد الشرقي صاحب كتاب الصحيح وهو تلميذ نجيب

стр. 5037

للإمام مسلم النيسابوري كانت حياته كلها حاجزة بين الكذب على رسول الله ﷺ ، وهذا أبو زكريا يحي بن معين نودي في جنازته بصوت عال مرتفع هذا الذي كان يذب الكذب عن رسول الله ﷺ ، وهذا الجبل الناطح الإمام البارع أبو عبد الله أحمد بن حنبل وقف وقفة رائعة مثالية في الدفاع عن السنة النبوية أمام أكبر حكومة كانت على وجه الأرض حتى قال الإمام ابن حبان البستي فيما نقل عنه الحافظ بن حجر في التهذيب: "أغاث الله تعالى به أمة محمد ﷺ ". وهذا البخاري صاحب الصحيح الذي اتسم كتابه بأصح الكتب بعد كتاب الله تعالى قال الحافظ في مقدمة الفتح قال: "وراقة محمد بن خراش يقول: سمعت أحيد بن حفص يقول: دخلت على إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته فقال: لا أعلم من مالي درهما من حرام، ولا درهما من شبهة". ثم قال الحافظ: "حكى وراقة أنه ورث من أبيه مالا جليلا، وكان يعطيه مضاربة، فقطع له غريم خمسة وعشرين ألفا، فقيل له: استعن بكتاب الوالي فقال: إن أخذت منهم كتابا طمعوا، ولن أبيع ديني بدنياي، ثم صالح غريمه على أن يعطيه كل شهر عشرة دراهم، وذهب ذلك المال كله". ثم قال الحافظ: "ومات إسماعيل ومحمد صغير، فنشأ في حجر أمه، ثم حج مع أمه، وأخيه أحمد، وكان أسن منه فأقام بمكة مجاورا، يطلب العلم، ورجع أخوه أحمد إلى بخارى، فمات بها". روى نمنجار في تاريخ البخاري واللالكائي في شرح السنة في باب كرمات الأولياء منه: "أن محمد بن إسماعيل ذهبت عيناه في صغره، فرأيت والدته الخليل إبراهيم في المنام، فقال لها: يا هذه رد الله على ابنك بصره بكثرة دعائك قال: فاصبح وقد رد الله عليه بصره"، قال الفربري: "سمعت محمد بن أبي حاتم وراق البخاري يقول: سمعت البخاري يقول: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب، قلت: كم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يوماً فيما

стр. 5038

كان يقرأ الناس، سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت يا أبا الزبير: لم يرو عن إبراهيم [٧٩] ، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل، إن كان عندك؟ فدخل فنظر فيه، ثم رجع فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير وهو ابن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم، وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت، قال: فقال له إنسان ابن كم حين رددت عليه فقال: ابن إحدى عشرة سنة". قلت: هذه الرواية تدل على عظمة الرجل العظيم في الإسلام في هذه السن المبكرة يوجهه الله تعالى إلى أن يقف هذا الموقف العظيم من معرفة الرجال الذين نقلوا إلينا هذا العلم الشريف، وكان لما ورث من أبيه من مال حلال أثر عظيم في تربيته، وتنشئته ثم قال الحافظ: "قال البخاري: فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء يعني أصحاب الرأي قال: ثم خرجت مع أمي وأخي إلى الحج". قلت: فكان أول رحلة على هذا سنة عشر ومائتين ولو رحل أول ما طلب لأدرك ما أدركته أقرانه من طبقة عالية وإن كان أدرك ما قاربها كيزيد بن هارون، وأبي داود الطياليسي، ثم قال: "فلما طعنت في ثماني عشرة صنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين، ثم صنفت التاريخ في المدينة عند قبر النبي ﷺ " وقال: "وكنت أكتبه في الليالي المقمرة". قال: "وقل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت أن يطول الكتاب"ثم ذكر الحافظ رحلة البخاري في طلب الحديث، تلك رحلة عظيمة تعطينا فكرة أصيلة عن اهتمامهم البالغ، وسعيهم الحثيث لحفظ سنة رسول الله ﷺ فهذه جهود فردية قام بها هؤلاء رحمهم الله تعالى في هذا الميدان العظيم وأما الجهود الجماعية فإنها جهود كبيرة شامخة لا يتسع لها هذا الوقت وأرجو أن أوفق لها إن شاء الله في حلقة قادمة. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5039

-------------------------------------------------------------------------------- [١] النهاية لابن الأثير ١/١٨٦ [٢] أخرجه الأمام أحمد في المسند ١/٢٢٩ وأبو داود في السنن، المناسك (٥٠) . [٣] فتح الباري ٦/٣٦١ وانظر مسند الحافظ أبي يعلى برقم ٤٥٦ والموطأ الزكاة (٤٢) [٤] مسلم العلم (١٥) النسائي الزكاة (٦٤) مسند الإمام أحمد ٤/٣٥٧ [٥] البخاري: الاعتصام بالسنة (١٤) [٦] سورة الأنفال رقم الآية (٣٨) [٧] سورة الحجر رقم الآية (١٣) [٨] سورة الإسراء رقم الآية (٧٧) [٩] سورة الكهف رقم الآية (٥٥) [١٠] سورة الأحزاب رقم الآية (٣٨) [١١] سورة الأحزاب رقم الآية (٦٢) [١٢] سورة فاطر رقم الآية (٤٣) [١٣] سورة غافر رقم الآية (٨٥) [١٤] سورة الفتح رقم الآية (٢٣) [١٥] سورة آل عمران رقم الآية (١٣٧) [١٦] سورة النساء رقم الآية ٢٦ ومسلم العلم (٦) [١٧] نقلا عن رسالة الماجستير التي قدمها أخونا الشيخ لقمان السلفي إلى معهد القضاء العالي بالرياض.. [١٨] مجموع الفتاوى شيخ الإسلام ١٨/٦-١٠ [١٩] انظر تحقيق معنى السنة ص (١٨) نقلا عن رسالة الأخ لقمان السلفي.. [٢٠] سورة النساء (٥٤) .. [٢١] كذا في المطبوع والصواب: استحققتم [٢٢] الدر المنثور ١٧٣/٢ [٢٣] ابن جرير الطبري ٨٦-٨٧/٣ [٢٤] تفسير بن كثير ١٨٤/١ [٢٥] تفسير فتح القدير ١٢٤/١ [٢٦] البقرة (١٥١) [٢٧] البقرة (٢٣١) [٢٨] آل عمران (٤٨) [٢٩] آل عمران (٨١) [٣٠] المائدة (١١٠) [٣١] آل عمران (١٦٤) [٣٢] النساء (١١٣) [٣٣] الأحزاب (٣٤) [٣٤] الدر المنثور٥/١٩٩ [٣٥] الجمعة (٢) [٣٦] تفسير بن جرير الطبري ٥/١٥ من نسخة العلامة أحمد شاكر [٣٧] ص (٨) [٣٨] النور (٥١) [٣٩] الأنعام (١١٩)

стр. 5040

[٤٠] الأعراف (٥٢) [٤١] الإسراء (١٢) [٤٢] هود (١) [٤٣] النساء (٦٥) [٤٤] الدر المنثور ٢/١٨٠ [٤٥] فتح الباري ٥/٢٦ [٤٦] ابن جرير الطبري٨/٥٢٤-٥٢٥ [٤٧] تفسير ابن كثير ١/٢٥٢-٢٥٤ [٤٨] سورة النور (٦٣) [٤٩] البخاري: كتاب الاعتصام، كتاب الأنبياء (٦) الرقاق (٢٦) [٥٠] مسلم: الفضائل حديث رقم (١٧) [٥١] الترمذي الأدب (٨٢) [٥٢] مسند الإمام أحمد ٢/٢٤٤/١٣١٢ [٥٣] البغوي شرح السنة ١/١٨٩ [٥٤] سورة النور (٥١) (٥٢) [٥٥] البقرة (١٤٣) [٥٦] تفسير ابن كثير ١/١٩٥ [٥٧] تفسير ابن جرير الطبري /١٣٨-١٤٠ [٥٨] رسالة الإمام الشافعي ٢٩٥ [٥٩] مسند الإمام أحمد ٦/٨ [٦٠] أبو داود رقم ٤٦٠٥ [٦١] الترمذي ٢٦٦٥ [٦٢] ابن ماجه المقدمة ١٣ [٦٣] شرح السنة ١/٢٠٠-٢٠١ [٦٤] الحاكم في المستدرك١/١٠٨-١٠٩ [٦٥] تحفة الأحوذي ٣/٣٧٤ [٦٦] الحشر ٧ [٦٧] الأحزاب ٣٦ [٦٨] الأحزاب ٢٢ [٦٩] الأحزاب ٦٦ [٧٠] النساء ٥٩ [٧١] الحجر ٩ [٧٢] التوبة ١٢٢ [٧٣] مسند الأمام أحمد ١/ ٤٣٧، ٣/ ٢٢٥، ٤/ ٨٠، ٤/ ٨٢، ٥/ ١٨٣ [٧٤] سنن أبي داود العلم ١٠ [٧٥] الترمذي العلم ٧ [٧٦] ابن ماجه المقدمة ٨ [٧٧] الدارمي المقدمة ٢٠ [٧٨] ص٦ [٧٩] كذا في الأصل

стр. 5041

هل أنت مدمن فيتامينات؟ لسعادة الدكتور سيد أحمد عبد البر إن كنت واحدا من هؤلاء الذين تعودوا على ابتلاع أقراص الفيتامينات بانتظام؟؟ إذا كنت من هذا النوع الذي يطلب من الصيدلية أكبر كمية من الفيتامينات؟ إذا كنت واحداً من هؤلاء فإنني أدعوك إلى قراءة هذا الكلام ... من أجل صحتك ... هناك حقائق أساسية لا بد أن تعرفها عن جسمك.. وكيف يعمل. عن الفيتامينات.. وماذا يكون مفعولها. جسم الإنسان يتكون من مجموعة من الأجهزة لها طاقة عمل معينة.. أي أنك مهما فعلت فلن تستطيع أن تدفع أي عضو في جسمك لأداء عمل أكثر من طاقته. وحتى تؤدي هذه الأجهزة عملها يصبح من الضروري إعطائها الوقود اللازم لها.. إذا نقص هذا الوقود فإن العمل يختل، وإذا زاد فإن العمل يُؤْدِي دون أن يزيد من طبيعته ... تماما مثل السيارة.. بدون بنزين لن تسير.. ومهما حمَّلتها بالبنزين فإنها لن تزيد من سرعتها الطبيعية.. بل إن زيادة دفع البنزين في السيارة قد تؤدي إلى متاعب. نفس الشيء يحدث بالنسبة للفيتامينات وجودها ضروري بل وأساسي أيضا ولكن بكميات محددة معروفة فإذا نقصت الفيتامينات عن هذه النسبة المحددة ظهرت الأعراض المرضية المحددة على الجسم.. فإن نقص أي فيتامين له أعراض محددة يكتشفها الطبيب على الفور.. أما إذا زادت كمية الفيتامين فإن قوة أجهازة الجسم لن تزيد فالجسم في هذه الحالة يختزن كمية من هذه الفيتامينات الزائدة ثم يتولى التخلص من باقي هذه الزيادة.. من الضروري أن تعرف هذه الحقيقة.. إذا أكلت كفايتك من الطعام وكانت عناصر هذا الطعام كافية متنوعة وكانت أجهزة جسمك قادرة على الاستفادة من هذا الطعام فإن الجسم يحصل على كفايته من الفيتامينات دون أي حاجة لدواء الفيتامينات.

стр. 5042

ويجب أن تعرف أيضاً أن الجسم في هذه الحالة يختزن كمية من الفيتامينات تعادل كمية كبيرة من احتياجاته الطبيعية.. فالاحتياطي هنا كثير جداً. الطعام وحده هو المصدر الطبيعي والأساسي للفيتامينات التي يحتاجها الجسم.. فالعلاج الصحيح لنقص الفيتامينات لا يكون بابتلاعها ولكن بعلاج المرض الذي يسبب نقصها.. ففي بعض الحالات يجد الطبيب أن المريض يأكل كمية كافية من الطعام ولكن جسمه لا يستفيد منها كما يجب.. وهذه حقيقة لا يؤكدها إلا الطبيب وحده بعد أن يرى العلامات المميزة لحدوث هذا النقص.. ويكون معنى هذا أن المريض يعاني من مرض معين قد يكون في جهازه الهضمي الذي لا يمتص مثلا الفيتامينات التي تمر عليه.. فيقوم الطبيب بعمل التحاليل والفحوص اللازمة لتشخيص المرض ويبدأ بإعطاء العلاج المناسب واللازم لحالته حتى يتم شفاؤه وفي هذه الحالة يصبح من الممكن أن يحصل على حاجته من الفيتامينات من خلال الطعام الغني بالفيتامينات الكافية لحاجة الجسم.. وهكذا يكون علاج حالة نقص الفيتامين بعلاج المرض المسبب لهذا النقص وليس بالاستمرار في ابتلاع كميات ضخمة من الفيتامين بلا فائدة بل يكون مصيرها أن يتخلص منها الجسم ولا يستفيد منها بل قد تعرضه للتسمم. فالفيتامينات مثل أي دواء لها تأثيرها السام على الجسم لو استعملت في غير احتياجاتها السليمة.. فالطبيب هو الذي يحدد نوع الفيتامين وكميته....والطبيب وحده.. وليس المريض.. فكمية محدودة جدا من الفيتامين تكفي وكما قلنا الزيادة سامة وضارة وتذكَّر دائما أنك تبتلع دواء له سميته إذا زادت الكمية. ولهؤلاء - مدمني الفيتامينات - أقول وأكرر أن أي كمية من الفيتامينات لن تعطيهم قوة فوق طاقة أجسامهم لأن طاقة الجسم محدودة ولا يمكن أن تزيد على حدودها الطبيعية مهما زادت كمية الفيتامينات.. بل إنهم يتعرضون لأنواع من التسمم في حالة عدم تمكن الجسم من التخلص من هذه الزيادة.

стр. 5043

وأود أن أذكر أن هناك بعض الحالات المرضية تستخدم فيها هذه الفيتامينات كدواء له تأثير محدد وليس كسد لنقص في نوع هذا الفيتامين ... ولا يمكن أن يحدد ذلك إلا الطبيب الأخصائي الذي يعرف جيدا مفعول هذه الفيتامينات في الجسم. والآن وقبل أن تبتلع قرص الفيتامين الذي حصلت عليه في الصيدلية. تذكَّر جيدا أن الطعام هو أغنى وأحسن مصادر الفيتامينات. وتذكَّر أيضاً أن الفيتامينات التي تزيد عن حاجة الجسم تكون في أغلب الأحيان خطرا عليه إذ أن لها سميتها. وتذكَّر أيضاً أن نقص الفيتامين له علامات واضحة وما دامت هذه العلامات غير موجودة فلا حاجة إلى أقراص الفيتامين أو حقنه. وتذكَّر أيضاً أن العلاج الحقيقي لنقص الفيتامين بعلاج المرض الأصلي الذي تسبب في حدوث هذا النقص. وأخيرا أيها الأخ الصديق هل أنت ما زلت من مدمني تعاطي الفيتامينات؟؟؟

стр. 5044

محنة الإسلام في الصومال لفضيلة الشيخ محمد المجذوب يا صفحةَ العارِ في تاريخنا الدامي سُحقاً لكم من ضوار باسم حكام بكل ما حُمِلتْ مِن هولهِ الطامي أعدتمو ذِكرَ الأُخدودِ حافلة لظاهُ من كلِ كَفَّارٍ وظلاّم فحقّ أن تَشركوا في الوزرِ من سَعَروا على المدى من رزِيات وآلام أنَسيتم الأرضَ ما شبَّ الطغاةُ بها أكفُكم من جنايات وآثام واستنكف الذئبُ أن يُرمى بما اقترفت في القفر إن لم يكن بالساغب الظامي وكيف لا.. وهو لا يَغشى فريستَه الأدنين من كل حرٍ في الورى سامي وتفتكون بلا عذر سوى نِقَمِ كم رحمةُ اللهِ من قُطّاع أرحام يا طُغمةَ الكفرِ في الصومال..لا شَمِلْتـ ما أسلفَ البغيُ من خِزيٍ وإجرام يا عصبةَ الغدرِ.. جاوزتم ببغيكمو إلا العداءَ لِقرآني وإسلامي! ألم تروا غَرضاً يُروى بطولَتكم عُزْلٌ وليس لهم في الخلق من حامي أم غرّكم من حماةِ الحقِ أنهمو من عون (لينينَ) أو (جُنبولَ) أو (سام) [١] وأنكم في ضَمَانٍ لا نفاذَ له كلُّ المُضلات من فَنٍ وإعلام وأن أصواتَهم مخنوقةٌ ولكم كي ينتهوا بين تعذيبٍ وإعدام فرحتمو تصطفون المُهلكات لهم كالأمس لمّا تزلْ أضغاثَ أحلام ولو عقلتم علمتم أنّ بغيتَكم بحادثاتِ الليالي بعضَ إلمام! أليس فيكم أخو رشد فيمنحكم فعاد يَعثر بالأقدام والهام كم حاقدٍ رامَ هذا الدينَ قبلكمو فلم يَرمْ أن تهاوى السهم والرامي أهوى على السهم يبريه ليرميَه (فروقَ) من نسل (هِرْتِزلٍ) و (حيرام) [٢] أين الذي ثَلَّ أركانَ الخلافة في

стр. 5045

من الطواغيت في بغداد والشام أين ابن بِللا وسوكارنو ولفُّهما ربوعَها الخُضرَ بالترويع والسام وأين جلاد مصرٍ والأولى غَمَروا لا يُبصرون إلى تأليهِ أقزام وأين من ضلّلوا الأغرارَ فاندفعوا من كل عاد فأمسوا محضَ أوهام طواهمو من طوى الأجيالَ قبلهمو في موكب العار بين اللعن والذام [٣] وكالوباءِ غداً تمضون إثرَهمو يُفدْه تدبيره ذي حِذق وإحكام ومن تصدّى لحربِ الله خاب ولم لم يلمح النورَ يوما قلبُه العامي وقد يَذِلّ على الإرهاب ذو جَلَدٍ فصبرهم أبداً رغم الردى نامي والمؤمنون وإن جلّتْ كوارثُهم خفضَ الجباه لأِهواءٍ وأصنام مستمسكين بحبل الله قد رفضوا ما قد أصابكم من كل هدّام ويابناةَ العلى في مقدشو..بدمي آماقنا فجفاها دمعُها الهامي ويا دعاةَ الهدى عذراً إذا جَمَدَتْ قلب ينوء بجرح غير ملتأم الخطبُ أكبرُ من آه يرددها وكل أعوانه أشباهُ أيتام لكنها منحةُ الإسلامِ منذ غدا وكان يعرفُهم آساد آجام لا يملكون بغير الهمسِ نصرتَه تروي مآسيهم في غير إبهام في كل صُقع شهودٌ من فواجِعِهمْ خوفَ النوازلِ من خَلف وقدام والعابرون بها يُغضون من جزع كأنهم خُشُبٌ أو بعضُ أنعام ويُحرَقون.. ولا طرفٌ يشيعهم فترجف الأرض من حزن وتهيام وينزل الموتُ في شمطاءَ غاويةٍ يكادُ لا يتعدّى لغوَ تمتام وهان في الناس شرعُ الله فهو لقى الإسلام ما بين صُمّان ونوّام تمضي المعاولُ في تدميره وبنو يصيحُ في ظلام: لا، دون إحجام وأشجعُ الخلق في تلك الملاحمِ مَن لربكم فحباكم كلّ إكرام
следующие страницы →