← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ . إلى قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (الأعراف: ٧٣-٧٨) . وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ (الأنعام: ٨٠) . وقال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (يوسف: ٣٩_٤٠) . وقال عن موسى ﵇: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وأنا أخترتك وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ . (طه: ٩-١٤) .

стр. 5322

وقال عن عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (المائدة:١١٦- ومن آية ١١٧) . وقال عن نبينا ﵊: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ . (الأعراف: ١٥٨) . وبهذا يتضح أن تحقيق هذا النوع من أنواع التوحيد كان هدف جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكان الرسول ﷺ يوصي أصحابه بالبداءة به في الدعوة، كما قال لمعاذ بن جبل ﵁: "إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله"، وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله". وسبب ذلك أن توحيد الألوهية هو الأساس الذي تقوم عليه جميع شرائع الإسلام وكل عمل صالح ما هو إلا ثمرة له. قال الأستاذ المودودي وفقه الله في كتابه: (مبادئ الإسلام) : "وهذا الإيمان بألا إله إلا الله هو الركن المهم الأساسي من تعليم النبي ﷺ وهو مركز الإسلام وأصله ومصدر قوته، وكل ما عداه من معتقدات الإسلام وأحكامه وقوانينه إنما تقوم على هذا الأساس نفسه، ولا تستمد قوتها إلا منه. والإسلام لا يبقى منه شيء لو زال هذا الأساس من مكانه"اه .

стр. 5323

قلت ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى في أعمال الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ (الفرقان: ٢٣) ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ (إبراهيم:١٨) . وهكذا يجب أن يكون تحقيق توحيد الألوهية والدعوة إليه وموالاة أهله، ومعاداة خصومه هدف كل داع إلى الله اقتداء بالرسل عليهم الصلاة والسلام ولا سيما نبينا محمد ﷺ . وقد سبق أن توحيد الربوبية كان دليل الرسل على توحيد الألوهية ولم يكونوا يدعون الناس إلى الأول - الذي هو الدليل - لأن الناس كانوا مقربين به إذ ذاك، ولكن طائفة الملحدين في هذا العصر أنكرت هذا النوع من أنواع التوحيد (توحيد الربوبية) ، ولهذا يجب التركيز عليه وإبراز الحجج العقلية والنقلية عليه لشباب المسلمين وغيرهم لأنه لا يمكن إقناع الملحد بتوحيد الألوهية ما لم يقتنع بتوحيد الربوبية، لأن الثاني دليل الأول، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ . وهذا هو معنى: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ التي لا يصح إسلام أحد بدونها. كما قال ﷺ : "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، وقال: "بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله"الحديث وقال لمعاذ: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله الله". معنى لا إله إلا الله. الإله معناه المعبود الذي يخضع له ويذلك ويحب. ومعنى: لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله. وهذا القيد: (بحق) يخرج كل ما عبد من دون الله لأن عبادة غير الله ليست بحق كما هو واضح.

стр. 5324

فمن عبد الله فقد عبده بحق، ومن عبد غيره فقد عبده بالباطل والضلال، كما قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ . ولهذه الكلمة ركنان: الأول: نفي الألوهية عما سوى الله. والثاني: إثبات الألوهية لله وحده. شروط هذه الكلمة: وقد ذكر العلماء لهذه الكلمة - أي لصحة إسلام من نطق بها - شروطا كثيرة ومنها: الشرط الأول: العلم بمعناها، فلو قالها الكافر دون أن يعلم ما دلت عليه لا يكون بذلك مسلما، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ . وقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وفي الحديث: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة". ومقتضى العلم بـ (لا إله إلا الله) الالتزام بما دلت عليه من نفي وإثبات ولقد جهل كثير من المسلمين معنى هذه الكلمة التي يرددها المؤذنون من على رءوس المآذن في جميع المساجد كل يوم مرات ومرات وتنقلها الإذاعات فيسمعها القاصي والداني، ويكررها المصلون في تشهدهم في كل صلاة، ويواظب عليها الذاكرون في أورادهم صباح مساء، أقول: لقد جهل المسلمون معنى هذه الكلمة جهلا فاضحا حتى أصبحوا يرددونها بدون وعي لما دلت عليه، ولذلك تراهم يخالفون مقتضاها مخالفة قد تخرج الكثير منهم عن الإسلام وقد تبعد كثيرين عن فرائضه. فمنهم من خالف ما دلت عليه في الاعتقاد كمن يدعو غير الله ويذبح له أو يجعل لغيره حق التشريع فيما يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومنهم من يخالف ما دلت عليه - عملا - كمرتكبي الزنا وشرب الخمر والتعامل بالربا وغير ذلك مما يدخل في الأول والثاني.

стр. 5325

ولقد كان المشركون في عهد رسول الله ﷺ يعلمون معنى هذه الكلمة فلا ينطق بها إلا من تجرد عن كل ما سوى الله وأخلص له الدين فنبذ لك اعتقاد أو عمل أو قول من أمور الجاهلية، وإلا بقى على شركه مستنكرا مضمونها كما قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ عكس ما عليه كثير من المسلمين في الأزمان المتأخرة حيث تجدهم يخالفهم ذلك المضمون وهم يدعون أنهم مسلمون. الثاني: اليقين الذي ينفي الشك، بأن يكون قائلها على يقين بما دلت عليه دون تردد ولا ارتياب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ . (الحجرات: ١٥) . ومن قال: لا إله إلا الله وهو مرتاب فهم منافق كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (التوبة:٤٥) . وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "أشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة". وعنه ﵁ أن النبي ﷺ بعثه بنعليه فقال: "من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد ألا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة".

стр. 5326

الشرط الثالث: قبول ما دلت عليه وعدم رده، فمن رد ذلك لا يكون مسلما كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ . (الزخرف: ٢٣-٢٤) . الشرط الرابع: الانقياد لها، أي الاستسلام لله تعالى وترك العناد والاستكبار قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ والعروة الوثقى: لا إله إلا الله. وقال تعالى في تاركي مدلولها والمستكبرين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ .

стр. 5327

الشرط الخامس: الصدق، أي أن يكون قائلها صادقا في قولها بأن يواطئ قلبه لسانه، كما قال تعالى: ﴿أَلم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ . فإذا قالها الشخص وهو غير صادق في قولها فهو منافق، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ . وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من أحد يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله النار"، وقال لضمام بن ثعلبة: "أفلح إن صدق" بعد أن قال ضمام والله لا أزيد عليها ولا أُنقص يعني أركان الإسلام.

стр. 5328

الشرط السادس: الإخلاص، وهو تصفية العمل بالنية الصالحة عن جميع شوائب الشرك كما قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقال: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه". وعن عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ". الشرط السابع: المحبة: أي محبة هذه الكلمة وما تقتضيه من نفي الشرك وفروعه ومحبة أهلها العاملين بها (وكذلك بغض أعدائها) ، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه﴾ ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ . وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان.. أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار".

стр. 5329

وعلامة محبة المرء لهذه الكلمة وما تقتضيه متابعته للرسول ﷺ في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وتسمى هذه الآية آية المحنة، لأن الله امتحن بها من ادعى المحبة كما هو واضح. وما أكثر من ادعى هذه المحبة وهو عنها بعيد. وكل يدعي وصلا لليلى. وليلى لا تقر لهم بذاكا. فإن توفرت هذه الشروط في قائل: لا إله إلا الله أثمرت فعل الواجب - والمندوب - وترك المحرم - والمكروه - وقد يقع قائلها في ترك واجب أو فعل محرم فإن تاب تاب الله عليه وغفر له، ومن لم يتب فهو تحت المشيئة الإلهية، إن شاء الله غفر الله له وأدخله الجنة وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم أدخله الجنة، فدخول الجنة للموحد مقطوع به. ويتضح مما سبق من النصوص الرد على ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: زعمت أن مجرد معرفة القلب كاف في ضمان دخول الجنة استدلالا بمثل قوله ﷺ : "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة". وهو زعم مردود، لأن (لا إله إلا الله) كما قيدت بالعلم قيدت بغيره كالنطق بها والإخلاص لله. الطائفة الثانية: زعمت أن مجرد إظهار الشهادتين كاف في دخول الجنة، وإن لم يحصل اعتقاد، وهم غلاة المرجئة استدلالا بمثل قوله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".

стр. 5330

الطائفة الثالثة: زعمت أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار وإن قال لا إله إلا الله بقيودها المذكورة، وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مردود كذلك بدليل حديث أبي ذر ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ وهو نائم عليه ثوب أبيض ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فجلست إليه فقال: "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال:"وإن زنا وإن سرق"قلت وإن زنا وإن سرق؟ قال: "وإن زنا وإن سرق"، ثلاثا ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر". والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .

стр. 5331

العيد في الإسلام معناه وحقيقته لفضيلة الشيخ محمد أمان علي المدرس بكلية الشريعة بالجامعة شرع الله للمسلمين عيدين اثنين في الإسلام لا ثالث لهما فشرع كل عيد بعد عبادة عظيمة وركن من أركان الإسلام. أحدهما عيد الفطر، والآخر عيد الأضحى. أما عيد الفطر فقد شرع في أول يوم من شهر شوال بعد الفراغ من عبادة الصيام والقيام وغيرهما من أنواع القربات التي يتقرب بها العباد إلى الله في شهر رمضان المبارك. أوجب الله تعالى صيام هذا الشهر المبارك وجعله ركنا من أركان دين الإسلام ورتب عليه أجرا لم يرتبه على عبادة سواها- إذ يقول الرسول ﵊ فيما يرويه عن ربّه: "قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" وفي رواية البخاري: "يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي". يا لها من إضافة ما ألطفها وما أعظم شأنها "إلا الصوم فإنه لي" إضافة تدل على إكرام الله لعبده الصائم وتشريفه إياه إذ يضيف الرب تعالى عمل عبده إلى نفسه ويخبر أن الصوم له وأنه سوف يجزي عليه عبده جزاء لا يقدر قدره إلا الله سبحانه تفضلا وإحسانا إنه جواد كريم، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، كما صح عنه قوله ﵊: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". هكذا شرع الله لنا الصيام ورتب عليه ذلك الجزاء - جزاء الصابرين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ كما شرع فيه قيام لياليه سنة مؤكدة سنها رسول الله ﷺ ..

стр. 5332

وفي ختام هذه النعمة العظيمة التي امتن الله على عباده شرع لهم عيد الفطر.. يفطرون فيه بعد أن كانوا صائمين ويتمتعون فيه بطيبات أحلها الله لهم ويخرجون إلى المصلى بأجمل ما لديهم من اللباس مكبرين الله تعالى ومهللين وحامدين شاكرين هكذا حتى يصلوا ركعتي العيد. فعيد الفطر إذا شكر لله تعالى على تلك النعمة الجسيمة التي سبق أن وصفناها آنفا هكذا يتم العيد ثم ينصرفون من المصلى بعد أن استمعوا إلى الخطبة التي تلقى بهذه المناسبة العظيمة.. ينصرفون وقد غمرهم الفرح بنعمة الله تعالى - وفقهم إلى الصيام فصاموا فيسر لهم القيام فقاموا ثم أدوا صلاة العيد شكرا لله على هذا التوفيق والتيسير. نعم ينصرفون من مصلى العيد يهنئ بعضهم بعضا بالعيد السعيد هكذا ينتهي العيد ليتبعوا صوم رمضان بست من شوال تطوعا لعل الله يجبر بصوم الست من شوال ما قد يحصل من النقص والخلل في صيام رمضان بل ليكون الصائم بذلك كصائم الدهر. إذ يقول رسول الله ﷺ : "من صام رمضان واتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر". ولئلا تتمادى به فرحة العيد إلى حد الإسراف والترف. هذا هو عيد الفطر - وهذا معناه وحقيقته والله وأعلم.

стр. 5333

وأما عيد الأضحى فقد شرعه الله لنا بعد عبادة - هي بحق جهاد لا قتال فيه. وهي عبادة حج بيت الله الحرام وقد صح هذا المعنى عن النبي ﷺ في حديث عائشة ﵂ عند البخاري حين سألت رسول الله عليه وسلم: "هل على النساء من جهاد؟ "فقال ﵊: "عليهن جهاد لا قتال فيه.. الحج والعمرة". وقبيل الانتهاء من أعمال هذه العبادة العظيمة، حج بيت الله الحرام شرع الله لعباده عيد الأضحى في العاشر من ذي الحجة بعد أن منَّ الله على حجاج بيته بوقوف يوم عرفة متضرعين تائبين خاشعين. وبعد أن أدى غير الحجاج في ذلك اليوم عبادة الصيام. الصيام الذي يكفر الله به السنة الماضية والسنة الباقية. فهو عيد عظيم بعد يوم عظيم يوم شكر لله المنعم المتفضل على ما أنعم به من حج وصيام، وفي هذا اليوم يتقرب عباد الله إلى الله حجاجا كانوا أو غير حجاج بذبح الهدى والأضاحي ليطعموا البائس الفقير بعد أن يأكلوا منها ما تيسر لهم اتباعا لنبيهم محمد ﵊ وشكرا لربهم، ويقضون هذا اليوم وثلاثة أيام بعده في ذكر الله تعالى مع التنعم والتمتع بطيبات أحلها الله لهم من الطعام والشراب والطيب وغير ذلك من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، هكذا تتجلى المعاني السامية والحكمة البالغة في العيدين الإسلاميين عيد الفطر، وعيد الأضحى.

стр. 5334

وأما تلك الاحتفالات المبتدعة في مناسبات مختلفة التي ابتدعها بعض الناس بعد انقراض القرون المفضلة المشهود لها بالخير. ابتدعوها ثم أطلقوا عليها اسم (أعياد إسلامية) فليست من الإسلام في شيء بل هي محدثة وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. وهي بعد ذلك كله مجالات لاختلاط الجنسين وميدان للفساد الخلقي ولهو ولعب.. دفوف وطبول ورقص وتصفيق.. وهكذا إلى آخر الأعمال الجاهلية التي يعرفها كل مطلع. وإطلاق اسم (أعياد إسلامية) بعد هذا كله على هذه الاحتفالات المبتدعة يعتبر في نظري جناية على الإسلام. وهو أمر لا يخفى على كل ذي بصيرة في دينه ودارس للفقه الإسلامي، ومن أمثلة تلك الاحتفالات المبتدعة الاحتفال باسم (المولد النبوي) والاحتفال: بليلة الإسراء - وبليلة النصف من شعبان - وأخيرا أُضيفت أعياد جاهلية أُخرى كعيد الحسين - وزينب وعيد البدوي، وغيرها من الاحتفالات الجاهلية التي زينها الشيطان لأهلها وللأسف الشديد أن عوام المسلمين وأشباه العوام أنشط في إقامة هذه الاحتفالات منهم في أداء الفرائض والعبادات المشروعة والله المستعان.

стр. 5335

نداء من الجامعة الإسلامية عدوان جديد من اليهود على المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل إن عداء اليهود للإسلام والمسلمين قديم ومستمر بينه القرآن الكريم في قوله تبارك الله وتعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وسجل التاريخ أحداثا وصورا لا تحصى لهذا العداء، وما عودتهم إلى فلسطين - الأرض المقدسة - في هذا القرن بعد طردهم منها منذ مئات السنين إلا تنفيذ لمخطط صهيوني خطير، يظاهره أعداء الإسلام في كل مكان، ويستهدف تهويد المنطقة وإزالة المقدسات الإسلامية بالهدم أو التحويل إلى معابد أو مؤسسات أُخرى يهودية، ومحاربة الإسلام بكل الوسائل، وتفتيت قوة المسلمين وتمزيق تضامنهم وتشتيت وحدتهم وتحقيق المطامع الصهيونية والاستعمارية في أوطانهم وثرواتهم. ومنذ وقت قريب أحرق الإسرائيليون المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث المسجدين ولم يكتفوا بذلك بل هم يحفرون من حوله، ومن تحته بحثا عما يزعمونه - هيكل سليمان - والآن يتجهون إلى المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل يقتسمونه مع المسلمين ويحتلون الجزء الأكبر منه، يشربون فيه الخمر وينفخون الأبواق، ويقيمون الولائم، والحفلات الصاخبة لأعراسهم وختانهم، ويشوشون على المصلين المسلمين في الجزء الذي أبقوه لهم من المسجد بشتى الوسائل، ويمنعونهم من إعلان الأذان وإقامة الصلاة إلا في الأوقات التي يحددونها ويحرمون عليهم دخول المسجد إلا من باب واحد، ويعتدون على أئمة المسجد وسدنته.

стр. 5336

وإن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إذ تستنكر ذلك كل الاستنكار وتعده عدوانا صارخا وآثما على الإسلام والمسلمين، ليس في فلسطين فحسب بل في سائر أنحاء الأرض حيثما وجد مسلم لتهيب بالمسلمين في كل مكان أن يهبوا في وجه هذا العدوان البربري على دينهم ومقدساتهم وأن يواجهوه بكل قوتهم، ولا ترى الاكتفاء باجتماع - لجنة القدس - لصد هذا الخطر. بل تدعو المؤتمر الإسلامي لعقد دورة خاصة لدراسة الخطوات الإيجابية التي تتبع في مواجهة العدوان الصهيوني، المستمر على المقدسات الإسلامية في فلسطين ووضع خطة عملية لرده، تلتزم جميع الدول الإسلامية حكومات وهيئات بدورها في التنفيذ وعدم الاكتفاء بإصدار التوصيات أو الاستنكارات التي لا يعبأ بها الإسرائيليون، ويسخرون منها، ويمضون في تنفيذ خططهم العدوانية الإجرامية الواحدة تلو الأخرى طالما أنهم لا يجدون أمامهم قوة رادعة تصدهم عن غيهم وتردهم عن بغيهم. وإن القيام بذلك، والوقوف في وجه الصهيونية بكل قوة لواجب على المسلمين جميعا يأثمون بتركه أو التهاون به أو تأخيره عن وقته، وقد فرض الله على المسلمين الجهاد في سبيله كما قال سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه﴾ وضمن لهم النصر على عدوهم وعدوه كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ . وقد عودنا الصهاينة في أساليب اعتداءاتهم المتكررة على المسلمين ومقدساتهم أن يخطو خطوتهم الآثمة ويضربوا ضربتهم العدوانية، ثم يتابعوا صداها بين المسلمين فإذا لم يجدوا عملا يردعهم أقدموا على خطوة أُخرى.

стр. 5337

فليتنبه المسلمون إلى ذلك وليحذروا الأخطار التي تتهددهم في دينهم ومقدساتهم وحياتهم من جانب الصهاينة المعتدين وليتحدوا جميعا في مواجهتها ودرئها والله معهم إذا اتقوه وصبروا كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ .

стр. 5338

تنزيه الأصحاب عن تنقص أبي تراب (٢) لفضيلة الشيخ حمود عبد الله التويجري الموضع الثالث: زعم أبو تراب أن أبا بكر وعمر ﵄ ماتا ولم يحفظا القرآن كله وقد حفظ أبو بكر من الأحاديث مائة واثنين وأربعين.. وعمر خمسمائة حديث وسبعة وثلاثين.. ولكن ابنه كان أعلم منه فقد حفظ ألفي حديث وستمائة وثلاثين. وغلب الجميع أبو هريرة فله خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة أحاديث فهل نقول أن أبا هريرة كان أفضل من أبي بكر. كلا.. فالفضل غير العلم والفقه والاجتهاد والحفظ. والجواب أن يقال: لا يخفى ما في هذا الكلام من الجرأة والتهجم على أبي بكر وعمر ﵄. وما يدري أبا تراب أن أبا بكر وعمر ﵄ ماتا ولم يحفظا القرآن كله. إنا نطالبه بإقامة الدليل على ذلك. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" رواه مسلم وغيره من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.. وثبت عنه ﷺ من عدة أوجه في الصحيحين وغيرهما أنه أمر أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس في مرضه الذي مات فيه. وقد ترجم البخاري على ذلك بقوله: ((باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة)) . وفي الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فتقدم أبو بكر ﵁ يصلي بالناس. الحديث. وقد أقر النبي ﷺ أبا بكر على فعله ورضي بما صنع. وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : "لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره"رواه الترمذي فعلم من هذا أن أبا بكر ﵁ كان أعلم الصحابة بالسنة وأقرأهم لكتاب الله تعالى.

стр. 5339

وقد ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب عن عبد خير قال سمعت عليا ﵁ يقول: "رحم الله أبا بكر كان أول من جمع ما بين اللوحين". وقال ابن كثير في البداية والنهاية: "والمقصود أن رسول الله ﷺ قدم أبا بكر الصديق ﵁ إماما للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام العملية. قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: "وتقديمه أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام". قال: "وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء أن رسول الله ﷺ قال: "يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنا فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلاما" قال ابن كثير: "وهذا من كلام الأشعري ﵀ مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ﵁ وأرضاه"انتهى. وقد تقدم قول ابن مسعود ﵁: "إن عمر كان أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله"وفي هذا أبلغ رد على أبي تراب في قوله إن أبا بكر وعمر ماتا ولم يحفظا القرآن كله.. وأما قوله وقد حفظ أبو بكر من الأحاديث مائة واثنين وأربعين وعمر خمسمائة حديث وسبعة وثلاثين. فجوابه أن يقال: وما يُدري أبا تراب أن أبا بكر وعمر ﵄ لم يحفظا من الأحاديث سوى ما ذكره. لقد أخطأ أبو تراب وأبعد عن الصواب في هذا القول الذي لم يتثبت فيه. ولو كان الأمر على ما زعمه لكان أبو بكر وعمر ﵄ من أقل الصحابة علما وهذا معلوم البطلان بالضرورة.

стр. 5340

ويقال أيضا: من المعلوم أن أبا بكر الصديق ﵁ كان ملازما للنبي ﷺ منذ بعثه الله تعالى إلى أن توفاه وكان لا يفارقه في حضر ولا سفر. وكذلك عمر رضي عنه قد كان ملازما للنبي ﷺ منذ أسلم إلى أن توفي الله نبيه ﷺ وكان لهما من الاختصاص بالنبي ﷺ ما ليس لغيرهما فيبعد كل البعد أن تكون روايتهما عن النبي ﷺ أقل من رواية من لم يصحب النبي ﷺ إلا مدة يسيرة ولم يكن لهم من الاختصاص بالنبي ﷺ ما كان لأبي بكر وعمر ﵄. فالذي لا يشك فيه أن أبا وعمر ﵄ قد حفظا عن النبي ﷺ علما كثيرا.. ولا يبعد أن يكون ما حفظاه من الحديث أكثر مما حفظه بعض المكثرين من الرواية. ومما يدل على ذلك أن النبي ﷺ أمر أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس في مرضه الذي مات فيه وأنه ﷺ أقره على الصلاة بالناس لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم.

стр. 5341

وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" فدل على أن أبا بكر ﵁ أعلم بالسنة من جميع الصحابة ﵃. وعلمه بالسنة إنما تكون بكثرة الرواية والحفظ عن رسول الله ﷺ والفهم لأقوال الرسول ﷺ والعلم بأفعاله وسيرته وهديه. وكان ﵁ يفتي ويأمر وينهى في حياة النبي ﷺ ولم يكن يفعل من ذلك شيئا إلا بما علمه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . وكان الصحابة ﵃ في زمن ولاية أبي بكر ﵁ يرجعون إليه في المسائل التي يتنازعون فيها فيفصل بينهم ويرتفع النزاع بينهم بسببه ولم يكن يرجع إليهم إلا في القليل النادر. وهذا يدل على غزارة علمه وكثرة روايته عن النبي ﷺ وأنه كان أكثر الصحابة أو من أكثرهم حفظا لأقوال النبي ﷺ وأفعاله. وقد تقدم ما رواه ابن سعد في الطبقات عن ابن عمر ﵄ أنه سئل من كان يفتي الناس في زمن رسول الله ﷺ فقال أبو بكر وعمر ما أعلم غيرهما. وأما قلة الرواية عن أبي بكر ﵁ فلها أسباب كثيرة. منها قصر مدته بعد وفاة النبي ﷺ بحيث لم يتمكن الناس من إكثار الرواية عنه. ومنها أن كبار الصحابة ﵃ كانوا متوافرين في زمن الصديق ﵁ فكان الناس يكتفون بسؤالهم وأخذ الحديث عنهم عن الرجوع إلى الصديق ﵁ لأنه كان مشغولا بالنظر في أمور الرعية عن الجلوس للتحديث.

стр. 5342

ومنها أن المسلمين نفروا في زمانه إلى قتال المرتدين ثم إلى قتال الفرس والروم ولم يبق من المسلمين في المدينة إلا القليل فكان المسلمون في تلك الأقطار النائية عن المدينة يكتفون بسؤال من عندهم من الصحابة ويأخذون عنهم الحديث ولا يذهبون إلى الصديق ومن كان معه من الصحابة في المدينة. ومنها أن المكثرين من الرواية عن النبي ﷺ من صغار الصحابة إنما كان جل روايتهم بواسطة كبار الصحابة كالصديق وعمر وغيرهما من كبار الصحابة وكانوا يكتفون بنسبة الحديث إلى النبي ﷺ ولا يذكرون الواسطة بينهم وبينه إلا قليلا لثقتهم بصحة ما نقل إليهم عنه ﷺ ولهذا تجدهم يقولون في أكثر رواياتهم: قال رسول الله ﷺ ولا يذكرون السماع من رسول الله ﷺ أو الرؤية لأفعاله إلا قليلا. وقد ذكر الحافظ بن حجر في كتاب الإصابة في ترجمة أبي بكر الصديق ﵁ أنه روى عنه عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عمرو وابن عباس وحذيفة وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر ومعقل بن يسار وأنس وأبو هريرة وأبو أمامة وأبو برزة وأبو موسى وابنتاه عائشة وأسماء وغيرهم من الصحابة ﵃. وروى عنه من كبار التابعين الصنابحي ومرة بن شراحبيل الطبيب وواسط البجلي وقيس بن أبي حازم وسويد بن غفلة وآخرون انتهى. ويستفاد مما ذكره الحافظ ابن حجر من رواية هؤلاء عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قد حفظ عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة جدا رواها عنه كثير من علماء الصحابة وكبار التابعين ولكن الصحابة ﵃ كانوا يكتفون بذكر النبي ﷺ ولا يذكرون الواسطة بينهم وبينه لأنهم كلهم أهل صدق وعدالة.

стр. 5343

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب ((الوابل الصيب)) : "وهذا عبد الله بن عباس ﵄ حبر الأمة وترجمان القرآن مقدار ما سمع من النبي ﷺ لم يبلغ نحو العشرين حديثا الذي يقول فيه سمعت ورأيت. وسمع الكثير من الصحابة وبورك له في فهمه والاستنباط منه حتى ملأ الدنيا علما وفقها"انتهى.. وقد روى البزار عن ابن عباس ﵄ قال: "لما فتحت المدائن أقبل الناس على الدنيا وأقبلت على عمر"فكان عامة حديثه عن عمر قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". وروى الطبراني في الكبير عن حميد قال: "كنا مع أنس بن مالك ﵁ فقال: "والله ما كل ما نحدثكم عن رسول الله ﷺ سمعناه منه ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضا". قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". وروى الإمام أحمد عن البراء ﵁ قال: "ما كل الحديث سمعناه من رسول الله ﷺ كان يحدثنا أصحابه عنه كانت تشغلنا عنه رعية الإبل". قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".. وأما عمر ﵁ فإنه كان أعلم الأمة بعد أبي بكر الصديق ﵁ وقد تقدم ذكر ما وصفه به ابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وعمرو بن وإبراهيم النخعي من غزارة العلم. وهذا العلم الغزير الذي امتاز به عمر ﵁ على سائر الصحابة إنما كان بالفهم في كتاب الله تعالى وكثرة الرواية عن رسول الله ﷺ والفهم لأقوال الرسول ﷺ والعلم بأفعاله.

стр. 5344

والأسباب في قلة الرواية عن عمر ﵁ هي نفس الأسباب المذكورة في قلة الرواية عن أبي بكر ﵁. وتزيد عليها بسبب آخر وهو أن عمر ﵁ كان يحث الناس على قراءة القرآن وحفظه والتفهم لما فيه وينهاهم عن الإكثار من الرواية خوفا من التزيد في الأحاديث والكذب على رسول الله ﷺ . وقد كان الناس يهابونه أشد الهيبة فلا يخالفون أمره ولا يرتكبون نهيه ولا يتجاسرون على سؤاله عما عنده من الأحاديث كما يتجاسرون على سؤال غيره من الصحابة فلهذا كان المروي عنه من الأحاديث قليلا بالنسبة لما يروى عن المكثرين من الحديث.

стр. 5345

وقد قال محمد بن سعد في الطبقات: "قال محمد بن عمر الأسلمي - يعني الواقدي - إنما قلَّت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم هلكوا قبل أن يحتاج إليهم وإنما كثرت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لأنهما وليا فسئلا وقضيا بين الناس. وكل أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أئمة يقتدى بهم ويحفظ عليهم ما كانوا يفعلون ويستفتون فيفتون وسمعوا أحاديث فأدوها فكان الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ أقل حديثا عنه من غيرهم مثل أبي بكر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبي عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبيّ بن كعب وسعد بن عبادة وعبادة بن الصامت وأسيد بن الحضير ومعاذ بن جبل ونظرائهم فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء من الأحاديث عن أصحاب رسول الله ﷺ مثل جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن العباس ورافع بن خديج وأنس بن مالك والبراء بن عازب ونظرائهم. وكل هؤلاء كان يعد من فقهاء الأصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم وكانوا يلازمون النبي ﷺ مع غيرهم من نظرائهم وأحدث منهم مثل عقبة بن عامر الجهني وزيد بن خالد الجهني وعمران بن الحصين والنعمان بن بشير ومعاوية بن أبي سفيان وسهل بن سعد الساعدي وعبد الله بن يزيد الخطمي ومسلمة بن مخلد الزرقي وربيعة بن كعب الأسلمي وهند وأسماء ابني جارية الأسلميين وكانا يخدمان رسول الله ﷺ ويلازمانه فكان أكثر الرواية والعلم في هؤلاء ونظرائهم من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم بقوا وطالت أعمارهم واحتاج الناس إليهم ومضى كثير من أصحاب رسول الله ﷺ قبله وبعده بعلمه لم يؤثر عنه بشيء ولم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله ﷺ .."انتهى..

стр. 5346

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((إعلام الموقعين)) : "إن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به فلم يرو كل منهم كل ما سمع. وأين ما سمعه الصديق والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة ﵃ إلى ما رووه فلم يرو عن صديق الأمة مائة حديث وهو لم يغب عن النبي ﷺ في شيء من مشاهده بل صحبه من حين بعث إلى أن توفيَ وكان أعلم الأمة به ﷺ بقوله وفعله وهديه وسيرته.. وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه. ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافا مضاعفة فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين وقد روى عنه الكثير - إلى أن قال - إنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ﷺ ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي ﷺ مرارا ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون قال رسول الله ﷺ ". انتهى. وأما زعم أبي تراب أن ابن عمر ﵄ كان أعلم من أبيه لأنه حفظ ألفي حديث وستمائة وثلاثين وأن أبا هريرة غلب الجميع فله خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة أحاديث فجوابه أن يقال: لا شك أن ابن عمر ﵄ كان من علماء الصحابة وحفاظهم ولكنه مع ذلك لا يماثل أباه في العلم فضلا عن أن يكون أعلم منه. وكذلك أبو هريرة ﵁ فإنه وإن كان من علماء الصحابة وحفاظهم فليس أعلم من ابن عمر ﵄ فضلا عن أن يكون أعلم من عمر ﵁. وقد تقدم من الأحاديث الدالة على غزارة علم عمر ﵁ ما يكفي في الرد على أبي تراب. وكذلك ما تقدم عن ابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وعمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي أنهم وصفوا عمر ﵁ بغزارة العلم ففيه أبلغ رد على أبي تراب.

стр. 5347

وقد روى الدارمي في سننه عن عبد الله بن أبي يزيد قال: "كان ابن عباس ﵄ إذا سئل عن الأمر فكان في القرآن أخبر به وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله ﷺ أخبر به فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر فإن لم يكن قال فيه برأيه". قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في ((منهاج السنة)) : "وسعيد بن المسيب كان من أعلم التابعين باتفاق المسلمين وكان عمدة فقهه قضايا عمر وكان ابن عمر يسأله عنها"انتهى. فهذا حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ كان يفتي بقول أبي بكر وعمر ﵄ فيما لم يجده في الكتاب ولا في السنة. وفي هذا أوضح دليل على أنه لم يكن في الصحابة ﵃ من يماثل أبا بكر وعمر ﵄ في العلم فضلا عن أن يكون فيهم من هو أعلم منهما. ولو كان الأمر على ما زعمه أبو تراب من أن أبا هريرة ﵁ غلب الصحابة كلهم بعلمه وأن عليا ومعاذا وابن مسعود كانوا أفقه من عمر وأن ابن عمر كان أعلم من أبيه لكان ابن عباس ﵄ يأخذ بأقوال هؤلاء ويدع قول أبي بكر وعمر ﵄. وفيما ذكره شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى عن سعيد بن المسيب الذي اتفق المسلمون على أنه من أعلم التابعين أن عمدة فقهه قضايا عمر وأن ابن عمر ﵄ كان يسأله عنها أبلغ رد على أبي تراب فيما زعمه من تفضيل ابن عمر ﵄ على أبيه في العلم.

стр. 5348

وظاهر كلام أبي تراب أن العلم ملازم للرواية والحفظ فمن كثرت روايته وحفظه للأحاديث مثل أبي هريرة ﵁ فهو أعلم ممن قلت روايته وحفظه. وهذا خطأ ظاهر فليس العلم ملازما للرواية والحفظ وإنما العلم بالفهم لنصوص الكتاب والسنة واستخراج الأحكام منها وإن كان الموصوف بذلك قليل الرواية. قال ابن وهب عن مالك: "إن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما العلم نور يجعله الله في القلب" انتهى.. وقد كانت مرتبة أبي بكر وعمر ﵄ في فهم النصوص واستخراج الأحكام منها فوق مراتب سائر الأمة فهما أعلم الأمة على الإطلاق وقد تقدم بيان ذلك بالأدلة. وأبو هريرة ﵁ وإن كان من علماء الصحابة وأكثرهم رواية وحفظا للأحاديث فلا يقاس بعثمان وعلي ومعاذ وابن مسعود وابن عباس ﵃ في العلم فضلا عن أن يقاس بأبي بكر وعمر ﵄.. وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه ((الوابل الصيب)) : "وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره. وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درسا فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه. وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط وتفجير النصوص وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها"انتهى.. وأما قول أبي تراب إن أبا هريرة ﵁ غلب الجميع أي غلب أبا بكر وعمر وابن عمر ﵃ بالعلم مع قوله فيما تقدم إن أبا هريرة ﵁ غلب الصحابة كلهم بعلمه.. فجوابه أن يقال: هذا خطأ ظاهر وخصوصا تفضيل أبي هريرة ﵁ بالعلم على الخلفاء الراشدين فإن هذا ليس بالأمر الهين. وكذلك تفضيل علي ومعاذ وابن مسعود وابن عمر على عمر بالعلم والفقه فكل هذا خطأ ظاهر وليس بالأمر الهين.

стр. 5349

وقد قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة: "حدثني أبي حدثنا هشيم حدثنا حصين عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "خطب عمر بن الخطاب ﵁ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ألا إن خير هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر فمن قال سوى هذا بعد مقامي هذا فهو مفتر، عليه ما على المفتري" إسناده صحيح على شرط الشيخين. ثم قال عبد الله: "حدثني أبي حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن حصين عن ابن أبي ليلى قال: "تدارؤوا في أبي بكر وعمر ﵄"فقال رجل من عطارد: "عمر أفضل من أبي بكر"فقال الجارود: "بل أبو بكر أفضل منه"فبلغ ذلك عمر ﵁ فقال: "فجعل ضربا بالدرة حتى شغر ثم أقبل إلى الجارود فقال: "إليك عني"ثم قال عمر ﵁: "أبو بكر كان خير الناس بعد رسول الله ﷺ في كذا وكذا"ثم قال عمر: "من قال غير هذا أقمنا عليه ما نقيم على المفتري"إسناده صحيح على شرط الشيخين. قوله حتى شغر معناه اتسع في الضرب وأكثر منه. وقد اختلف في سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمر ﵁ فقال يحي بن معين وأبو حاتم والنسائي: "إنه لم يسمع منه". وقال مسلم في مقدمة صحيحه: "إنه قد حفظ عن عمر" قال ابن كثير: "وهو الصواب إن شاء الله"..

стр. 5350

قلت وفي مسند الإمام أحمد ما يدل على سماعه من عمر ﵁ ففيه بإسناد حسن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "كنت مع عمر ﵁ فأتاه رجل فقال: "إني رأيت الهلال.."الحديث.. وفيه أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر ﵁ قال: "صلاة المسافر ركعتان"الحديث وفي آخره وقال يزيد - يعني ابن هارون - ابن أبي ليلى قال سمعت عمر. وقد روى البخاري في التاريخ الصغير عن ابن أبي ليلى قال: "ولدت لست سنين بقين من خلافة عمر.."وكذا ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه أنه ولد لست بقين من خلافة عمر ﵁. ومثل هذا السن يعقل فيه الذكي كثيرا مما يراه ويسمعه. بل بعض الأذكياء يحفظ كثيرا من الأشياء لأقل من هذا السن. وعلى هذا فظاهر حديثي ابن أبي ليلى عن عمر ﵁ الاتصال. ولم يصنع شيئا من نفي سماعه منه من أجل صغره والله أعلم. وروى عبد الله بن الإمام أحمد أيضا في كتاب السنة عن علي ﵁ أنه قال: "لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري". وروى عبد الله أيضا في كتاب السنة عن علي ﵁ أنه قال على المنبر: "ألا إنه بلغني أن قوما يفضلوني على أبي بكر وعمر ولو كنت تقدمت في ذلك لعاقبت فيه ولكن أكره العقوبة قبل التقدم من قال شيئا من ذلك فهو مفتر، عليه ما على المفتري". قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: "روي عن علي ﵁ أنه قال: "لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري" فمن فضله على أبي بكر وعمر جلد بمقتضى قوله ﵁ ثمانين سوطا.." انتهى. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أيضا: "ورأس الفضائل العلم وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ والدلائل على ذلك كثيرة وكلام العلماء في ذلك كثير.."انتهى.

стр. 5351

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين: "ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل أشرفها". انتهى. وإذا علم هذا فلا يخفى ما في هذا المقال السيئ من الفرى التي يستحق قائلها أن يجلد على كل واحدة منها حد الفرية ثمانين سوطا. الأولى: تفضيل أُمهات المؤمنين على عمر ﵁. الثانية: تفضيل أبي هريرة ﵁ على أبي بكر وعمر ﵄ بالعلم. الثالثة: زعمه أن أبا بكر وعمر ﵄ ماتا ولم يحفظا القرآن كله. وهذا يقتضي تفضيل عدد كثير من الصحابة عليهما. الرابعة: تفضيل علي ومعاذ وابن مسعود وابن عمر ﵃ على عمر ﵁ بالعلم والفقه. الخامسة: تفضيل مرتبة البخاري في العلم على مرتبة أبي بكر وعمر وسائر الصحابة ﵃.. وأما قول أبي تراب فهل نقول أن أبا هريرة كان أفضل من أبي بكر كلا. فجوابه أن يقال: من زعم أن أبا هريرة ﵁ غلب الصحابة كلهم بعلمه لزمه أن يقول إنه أفضل منهم كلهم لأن العلم رأس الفضائل وأكملها وأشرفها كما قرره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى في كلامهما الذي تقدم ذكره قريبا. قال شيخ الإسلام أبو العباس: "وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة فإنه أعلم منه قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ والدلائل على ذلك كثيرة وكلام العلماء في ذلك كثير". انتهى. وإذا علم هذا فمن قال إن أبا هريرة أعلم من الصحابة كلهم وبعضهم أفضل منه فقوله متناقض كما لا يخفى.

стр. 5352

وقد ذكرت من الأدلة الكثيرة على غزارة علم أبي بكر وعمر ﵄ وتفوقهما على جميع الصحابة بالفضائل ما فيه كفاية في الرد على أبي تراب فليراجع. وليراجع أبيضا ما تقدم عن شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قال: "إن ابن عباس ﵄ كان أكثر فتيا من علي ﵁ وأن أبا هريرة ﵁ كان أكثر رواية منه. وعلي ﵁ أعلم منهما كما أن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ أعلم منهما أيضا". انتهى. وأما قول أبي تراب إن الفضل غير العلم والفقه.. فجوابه أن يقال: إن العلم راس الفضائل وأكملها وأشرفها كما قرره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى.. قال شيخ الإسلام أبو العباس: "وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه". انتهى.. وقد قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" وثبت عنه ﷺ أنه قال: "الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" وثبت عنه ﷺ أنه قال: "إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" والآيات والأحاديث في فضل العلم كثيرة جدا وليس هذا موضع ذكرها وإنما المقصود ههنا التنبيه على خطأ أبي تراب حيث فرق بين الفضل وبين العلم الذي هو رأس الفضائل وأكلها وأشرفها.

стр. 5353

وقد ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيب الكمال عن الوليد الموقري عن الزهري قال: "قدمت على عبد الملك بن مروان فقال: "من أين قدمت يا زهري"قال: "قلت من مكة"قال: "ومن خلفت يسودها وأهلها"قلت: "عطاء بن أبي رباح" قال: "فمن العرب أم من الموالي؟ "قلت: "من الموالي".. قال: "فبم سادهم؟ "قال: "قلت بالديانة والرواية".. قال: "إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا". قال: "فمن يسود أهل اليمن؟ "قلت: "طاووس بن كيسان".. قال: "فمن العرب أم من الموالي؟ "قال: "قلت: من الموالي".. قال: "فبم سادهم؟ "قلت: "بما ساد به عطاء".. قال: "إنه لينبغي ذلك".. قال: "فمن يسود أهل مصر؟ "قلت: "يزيد بن أبي حبيب"قال: "فمن العرب أن من الموالي؟ "قال: "قلت: من الموالي".. قال: "فمن يسود أهل الشام؟ "قلت: "مكحول".. قال: "فمن العرب أم من الموالي؟ " قال: "قلت: من الموالي عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل".. قال: "فمن يسود أهل الجزيرة؟ "قلت: "ميمون بن مهران".. قال: "فمن العرب أم من الموالي؟ "قال: "قلت: من الموالي".. قال: "فمن يسود أهل خراسان"قال: "قلت: الضحاك بن مزاحم"قال: "فمن العرب أم من الموالي؟ "قال: "قلت: من الموالي.."قال: "فمن يسود أهل البصرة؟ "قال: "قلت: الحسن البصري"قال: "من العرب أم من الموالي؟ "قال::قلت من الموالي".. قال: "ويلك ومن يسود أهل الكوفة؟! "قال: "قلت: إبراهيم النخعي" قال: "فمن العرب أم من الموالي".. قال: "قلت من العرب".. قال: "ويلك يا زهري فرجت عني والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها"قال: "قلت يا أمير المؤمنين إنما هو دين من حفظه ساد ومن ضيعه سقط".

стр. 5354

ويستفاد من هذه القصة أن العلم رأس الفضائل وأكملها وأشرفها وإن من جمع بين العلم والديانة نال الفضل والشرف والمنزلة العالية والسيادة وإن كان لا نسب له ولا حسب كما حصل لألئك الموالي الذين ذكر الزهري أنهم سادوا أهل الأمصار بالعلم والديانة وكما حصل لغيرهم قديما وحديثا. الموضع الرابع: زعم أبو تراب أن مرتبة البخاري في العلم تفوق مراتب الصحابة فيه لأنه اجتمع له حديثهم وفقههم أجمع ولكنه لا يفوقهم ولا يدانيهم البتة في الفضل والشرف والمنزلة والكرامة. والجواب أن يقال: هذا من عجر أبي تراب وبجره ولم أر أحدا سبقه إلى هذا القول الباطل. ولا يخفى ما فيه من الجرأة على الصحابة والغض من قدرهم. وقد تقدم حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "شرار أمتي أجرؤهم على صحابتي" رواه أبو نعيم في الحلية. ويكفي في رد هذا القول السيئ ما تقدم عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "من كان مستنا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة.. أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا.. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة"رواه أبو نعيم في الحلية. وروى رزين عن عبد الله بن مسعود ﵁ نحوه. وروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود أيضا ﵁ أنه قال: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ "ورواه البزار والطبراني في الكبير قال الهيثمي ورجاله موثقون.

стр. 5355

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((إعلام الموقعين)) في الثناء على الصحابة ﵃: "إنهم سادات الأمة وقدوة الأئمة وأعلم الناس بكتاب ربهم تعالى وسنة نبيهم ﷺ وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ونسبة من بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل والدين - إلى أن قال - إن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به - إلى أن قال - فلا ريب أنهم كانوا أبر قلوبا وأعمق علما وأقل تكلفا وأقرب إلى أن يوفقوا لما لم نوفق له نحن لما خصهم الله به من توقد الأذهان وفصاحة اللسان وسعة العلم وسهولة الأخذ وحسن الإدراك وسرعته وقلة المعارض أو عدمه وحسن القصد وتقوى الرب تعالى. فالعربية طبيعتهم وسليقتهم والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين بل قد استغنوا عن ذلك كله فليس في حقهم إلا أمران. قال الله كذا وكذا. وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين وأحظى الأمة بهما فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما - إلى أن قال-: والمقصود أن الصحابة ﵃ اجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط. هذا إلى ما خصوا به من قوى إدراكها وكماله وكثرة المعاون وقلة الصارف وقرب العهد بنور النبوة والتلقي من تلك المشكاة النبوية. فإذا كان هذا حالهم فيما تميزوا به علينا فكيف نكون أو شيوخنا أو شيوخهم أو من قلدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل. ومن حدث نفسه بهذا فليعزلها من الدين والعلم - إلى أن قال - وكيف يطيب قلب عالم يقدم على أقوال من وافق ربه تعالى في غير حكم فقال وأفتى بحضرة الرسول ﷺ ونزل القرآن بموافقة ما قال لفظا ومعنى قول متأخر بعده ليس له هذه الرتبة ولا يدانيها. وكيف يظن أحد أن الظن المستفاد من فتاوى السابقين الأولين الذين شاهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التأويل

стр. 5356

وكان الوحي ينزل خلال بيوتهم وينزل على رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله ﷺ وهديه الذي هو يفصل القرآن ويفسره فكيف يكون أحد من الأمة بعدهم أولى بالصواب منهم في شيء من الأشياء.. هذا عين المحال". وقال ابن القيم أيضا في ((إعلام الموقعين)) : "والمقصود أن أحدا ممن بعدهم - أي بعد الصحابة - لا يساويهم وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته - ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أمثلة من ذلك إلى أن قال - وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرا من رأينا لأنفسنا. وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورا وإيمانا وحمة وعلما ومعرفة وفهما عن الله ورسوله ونصيحة للأمة وقلوبهم على قلب نبيهم ولا وساطة بينهم وبينه وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضا طريا لم يشبه إشكال ولم يشبه خلاف ولم تدنسه معارضة فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس". وقال ابن القيم أيضا في ((إعلام الموقعين)) : "فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين وهلم جرا. وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب - إلى أن قال - فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين".

стр. 5357

وقال ابن القيم أيضا في ((إعلام الموقعين)) : "وأي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت وأحزابهم ﵃ قد أخبر عن حكم الله أنه كيت وكيت في مسائل كثيرة وأخطأ في ذلك ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى نبغ من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة وأصابوا الحق الذي أخطأه أولئك الأئمة.. سبحانك هذا بهتان عظيم.."انتهى.. المقصود من كلامه رحمه الله تعالى. وإذا علم هذا فنقول أي إزراء بالصحابة وأي وصمة عليهم أعظم من أن يقال إن مرتبة البخاري في العلم تفوق مراتب الصحابة فيه. سبحانك هذا بهتان عظيم. وقد تقدم عن عمر ﵁ أنه أنكر على من فضله على أبي بكر ﵁ وضربه ضربا شديدا وقال: "خير هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر فمن قال سوى هذا فهو مفتر عليه ما على المفتري". وتقدم عن علي ﵁ أنه قال: "لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري". وإذا كان الذي يفضل عمر على أبي بكر أو يفضل عليا على أبي بكر وعمر ﵃ يعد مفتريا ويجلد حد المفتري ثمانين سوطا فكيف بمن فضل البخاري على أبي بكر وعمر عثمان وعلي وسائر الصحابة في العلم الذي هو رأس الفضائل وأكملها وأشرفها فهذا أولى أن يوصف بالافتراء وإن يعامل معاملة المفتري. ويقال أيضا: إن الصحابة ﵃ هم الذين حفظوا القرآن والسنة وبلغوهما إلى الناس فكل الناس بعدهم أتباعهم لهم وعيال عليهم في علم الكتاب والسنة. وقد كان للصحابة ﵃ من البصيرة النافذة في علم الكتاب والسنة ما ليس لمن بعدهم.

стр. 5358

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((مدارج السالكين)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ قال: "يريد أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم وهي البصيرة التي تكون نسبة المعلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر وهذه الخصيصة التي اختص بها الصحابة على سائر الأمة وهي أعلى درجات العلماء". انتهى. وإذا علم هذا فمن زعم أن مراتب غير الصحابة في العلم تفوق مراتب الصحابة فقد تنقصهم وغض من قدرهم وقابلهم بغير ما يستحقونه من الإجلال والاحترام ولا شك أن هذا من الأذية لهم وأذيتهم ليست بالأمر الهين. وقد تقدم حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الله. . الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه" رواه الترمذي. وتقدم أيضا قول محمد بن سيرين: "ما أظن رجلا ينتقص أبا بكر وعمر يحب النبي ﷺ "رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب حسن [١] . وأما قول أبي تراب: "إن البخاري اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع" فجوابه أن يقال: هذه مجازفة يكذبها الواقع وبيان ذلك من وجوه. أحدها: أن يقال من المستحيل أن تجتمع أحاديث الصحابة وفقههم لرجل واحد ولو بلغ في العلم والفقه ما بلغ، وهذه كتب الحديث والآثار موجودة وليس فيها شيء قد جمع الأحاديث والآثار كلها. ومن أكبر كتب الحديث وأوسعها مسند الإمام أحمد ومع هذا لم تجتمع فيه أحاديث الصحابة كلها ولا الآثار المروية عنهم بل في غيره من كتب الصحاح والسنن والمسانيد ما ليس فيه. وفي كل منها ما ليس في الآخر. وفي هذا أكبر شاهد على بطلان ما زعمه أبو تراب.

стр. 5359

الوجه الثاني: أن كثيرا من كبار الصحابة الذين طالت صحبتهم لرسول الله ﷺ وكانوا يلزمونه حضرا وسفرا قد مات كثير منهم بعد وفاة النبي ﷺ بمدة يسيرة فلم يؤخذ عنهم الكثير مما عندهم من الفقه ولم يرو عنهم الكثير مما سمعوه من النبي ﷺ وما شاهدوه من أفعاله وهديه وسيرته. وقد تقدم ما ذكره ابن سعد عن محمد بن عمر الأسلمي أنه قال: "إنما قلَّت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم هلكوا قبل أن يحتاج إليهم - إلى أن قال -ومضى كثير من أصحاب رسول الله ﷺ قبله وبعده بعلمه لم يؤثر عنه بشيء ولم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله ﷺ ". وتقدم أيضا قول ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن ما انفرد به الصحابة من العلم عنا أكثر من أن يحاط به فلم يرو كل منهم كل ما سمع - إلى أن قال - وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه. ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافا مضاعفة". انتهى. وفي هذا أبلغ رد على مجازفة أبي تراب حيث زعم أن البخاري قد اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع. الوجه الثالث: أن في صحيح البخاري وغيره من كتبه أعظم رد على أبي تراب وأكبر شاهد على بطلان ما زعمه عن البخاري أنه اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع. فالذي في كتب البخاري من أحاديث الصحابة وفقههم لا يبلغ عشر ما روي عنهم من الأحاديث والآثار ولا نصف العشر. وقد جاء في كتب الصحاح والسنن والمسانيد والمستخرجات والمعاجم من الأحاديث الصحيحة والحسنة التي لم يخرجها البخاري أكثر مما في صحيح البخاري. وجاء فيها من الآثار عن الصحابة أكثر مما جاء في كتب البخاري فكيف يقال والحالة هذه: إن البخاري اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع. هذا كلام لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل.

стр. 5360

الوجه الرابع: أن يقال: إن في شيوخ البخاري ومن قبلهم من أكابر العلماء من هم أكثر جمعا لأحاديث الصحابة وفقههم من البخاري ولا سيما الإمام أحمد فقد جمع من الأحاديث وآثار الصحابة أكثر مما جمع البخاري بكثير ومع هذا لا يجوز أن يقال فيه ولا في غيره من علماء التابعين ومن بعدهم من أكابر العلماء: إن مراتبهم في العلم تفوق مراتب الصحابة. بل الصحابة أعلى مراتب في العلم وفي سائر الفضائل من جميع الذين جاءوا من بعدهم. الوجه الخامس: إن البخاري رحمه الله تعالى قال: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني". وإذا كان البخاري قد استصغر نفسه عند علي بن المديني الذي لا تقاس مرتبته في العلم بأدنى مراتب علماء الصحابة فكيف يقال إن مرتبة البخاري في العلم تفوق مراتب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة.. هذا كلام لا يقوله عاقل ولا يرضى به مؤمن. ولو قيل هذا القول السيئ في حياة البخاري لكان حريا أن يجاهد قائله بكل ما يقدر عليه. وأما قوله: ولكنه لا يفوقهم ولا يدانيهم البتة في الفضل والشرف والمنزلة والكرامة. فجوابه أن يقال: إذا كان البخاري رحمه الله تعالى لا يداني الصحابة ﵃ في هذه الأمور فبطريق الأولى أن يقال: إن مراتبهم في العلم تفوق مرتبته ومراتب غيره من التابعين وتابعيهم ومن جاء بعد ذلك من كبار العلماء. وقد تقدم قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أن العلم رأس الفضائل.. وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه. وتقدم أيضا قول ابن القيم رحمه الله تعالى أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها.
следующие страницы →