← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

وكان الوحي ينزل خلال بيوتهم وينزل على رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله ﷺ وهديه الذي هو يفصل القرآن ويفسره فكيف يكون أحد من الأمة بعدهم أولى بالصواب منهم في شيء من الأشياء.. هذا عين المحال". وقال ابن القيم أيضا في ((إعلام الموقعين)) : "والمقصود أن أحدا ممن بعدهم - أي بعد الصحابة - لا يساويهم وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته - ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أمثلة من ذلك إلى أن قال - وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرا من رأينا لأنفسنا. وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورا وإيمانا وحمة وعلما ومعرفة وفهما عن الله ورسوله ونصيحة للأمة وقلوبهم على قلب نبيهم ولا وساطة بينهم وبينه وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضا طريا لم يشبه إشكال ولم يشبه خلاف ولم تدنسه معارضة فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس". وقال ابن القيم أيضا في ((إعلام الموقعين)) : "فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين وهلم جرا. وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب - إلى أن قال - فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين".

стр. 5357

وقال ابن القيم أيضا في ((إعلام الموقعين)) : "وأي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت وأحزابهم ﵃ قد أخبر عن حكم الله أنه كيت وكيت في مسائل كثيرة وأخطأ في ذلك ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى نبغ من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة وأصابوا الحق الذي أخطأه أولئك الأئمة.. سبحانك هذا بهتان عظيم.."انتهى.. المقصود من كلامه رحمه الله تعالى. وإذا علم هذا فنقول أي إزراء بالصحابة وأي وصمة عليهم أعظم من أن يقال إن مرتبة البخاري في العلم تفوق مراتب الصحابة فيه. سبحانك هذا بهتان عظيم. وقد تقدم عن عمر ﵁ أنه أنكر على من فضله على أبي بكر ﵁ وضربه ضربا شديدا وقال: "خير هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر فمن قال سوى هذا فهو مفتر عليه ما على المفتري". وتقدم عن علي ﵁ أنه قال: "لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري". وإذا كان الذي يفضل عمر على أبي بكر أو يفضل عليا على أبي بكر وعمر ﵃ يعد مفتريا ويجلد حد المفتري ثمانين سوطا فكيف بمن فضل البخاري على أبي بكر وعمر عثمان وعلي وسائر الصحابة في العلم الذي هو رأس الفضائل وأكملها وأشرفها فهذا أولى أن يوصف بالافتراء وإن يعامل معاملة المفتري. ويقال أيضا: إن الصحابة ﵃ هم الذين حفظوا القرآن والسنة وبلغوهما إلى الناس فكل الناس بعدهم أتباعهم لهم وعيال عليهم في علم الكتاب والسنة. وقد كان للصحابة ﵃ من البصيرة النافذة في علم الكتاب والسنة ما ليس لمن بعدهم.

стр. 5358

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((مدارج السالكين)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ قال: "يريد أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم وهي البصيرة التي تكون نسبة المعلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر وهذه الخصيصة التي اختص بها الصحابة على سائر الأمة وهي أعلى درجات العلماء". انتهى. وإذا علم هذا فمن زعم أن مراتب غير الصحابة في العلم تفوق مراتب الصحابة فقد تنقصهم وغض من قدرهم وقابلهم بغير ما يستحقونه من الإجلال والاحترام ولا شك أن هذا من الأذية لهم وأذيتهم ليست بالأمر الهين. وقد تقدم حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الله. . الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه" رواه الترمذي. وتقدم أيضا قول محمد بن سيرين: "ما أظن رجلا ينتقص أبا بكر وعمر يحب النبي ﷺ "رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب حسن [١] . وأما قول أبي تراب: "إن البخاري اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع" فجوابه أن يقال: هذه مجازفة يكذبها الواقع وبيان ذلك من وجوه. أحدها: أن يقال من المستحيل أن تجتمع أحاديث الصحابة وفقههم لرجل واحد ولو بلغ في العلم والفقه ما بلغ، وهذه كتب الحديث والآثار موجودة وليس فيها شيء قد جمع الأحاديث والآثار كلها. ومن أكبر كتب الحديث وأوسعها مسند الإمام أحمد ومع هذا لم تجتمع فيه أحاديث الصحابة كلها ولا الآثار المروية عنهم بل في غيره من كتب الصحاح والسنن والمسانيد ما ليس فيه. وفي كل منها ما ليس في الآخر. وفي هذا أكبر شاهد على بطلان ما زعمه أبو تراب.

стр. 5359

الوجه الثاني: أن كثيرا من كبار الصحابة الذين طالت صحبتهم لرسول الله ﷺ وكانوا يلزمونه حضرا وسفرا قد مات كثير منهم بعد وفاة النبي ﷺ بمدة يسيرة فلم يؤخذ عنهم الكثير مما عندهم من الفقه ولم يرو عنهم الكثير مما سمعوه من النبي ﷺ وما شاهدوه من أفعاله وهديه وسيرته. وقد تقدم ما ذكره ابن سعد عن محمد بن عمر الأسلمي أنه قال: "إنما قلَّت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم هلكوا قبل أن يحتاج إليهم - إلى أن قال -ومضى كثير من أصحاب رسول الله ﷺ قبله وبعده بعلمه لم يؤثر عنه بشيء ولم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله ﷺ ". وتقدم أيضا قول ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن ما انفرد به الصحابة من العلم عنا أكثر من أن يحاط به فلم يرو كل منهم كل ما سمع - إلى أن قال - وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه. ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافا مضاعفة". انتهى. وفي هذا أبلغ رد على مجازفة أبي تراب حيث زعم أن البخاري قد اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع. الوجه الثالث: أن في صحيح البخاري وغيره من كتبه أعظم رد على أبي تراب وأكبر شاهد على بطلان ما زعمه عن البخاري أنه اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع. فالذي في كتب البخاري من أحاديث الصحابة وفقههم لا يبلغ عشر ما روي عنهم من الأحاديث والآثار ولا نصف العشر. وقد جاء في كتب الصحاح والسنن والمسانيد والمستخرجات والمعاجم من الأحاديث الصحيحة والحسنة التي لم يخرجها البخاري أكثر مما في صحيح البخاري. وجاء فيها من الآثار عن الصحابة أكثر مما جاء في كتب البخاري فكيف يقال والحالة هذه: إن البخاري اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع. هذا كلام لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل.

стр. 5360

الوجه الرابع: أن يقال: إن في شيوخ البخاري ومن قبلهم من أكابر العلماء من هم أكثر جمعا لأحاديث الصحابة وفقههم من البخاري ولا سيما الإمام أحمد فقد جمع من الأحاديث وآثار الصحابة أكثر مما جمع البخاري بكثير ومع هذا لا يجوز أن يقال فيه ولا في غيره من علماء التابعين ومن بعدهم من أكابر العلماء: إن مراتبهم في العلم تفوق مراتب الصحابة. بل الصحابة أعلى مراتب في العلم وفي سائر الفضائل من جميع الذين جاءوا من بعدهم. الوجه الخامس: إن البخاري رحمه الله تعالى قال: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني". وإذا كان البخاري قد استصغر نفسه عند علي بن المديني الذي لا تقاس مرتبته في العلم بأدنى مراتب علماء الصحابة فكيف يقال إن مرتبة البخاري في العلم تفوق مراتب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة.. هذا كلام لا يقوله عاقل ولا يرضى به مؤمن. ولو قيل هذا القول السيئ في حياة البخاري لكان حريا أن يجاهد قائله بكل ما يقدر عليه. وأما قوله: ولكنه لا يفوقهم ولا يدانيهم البتة في الفضل والشرف والمنزلة والكرامة. فجوابه أن يقال: إذا كان البخاري رحمه الله تعالى لا يداني الصحابة ﵃ في هذه الأمور فبطريق الأولى أن يقال: إن مراتبهم في العلم تفوق مرتبته ومراتب غيره من التابعين وتابعيهم ومن جاء بعد ذلك من كبار العلماء. وقد تقدم قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أن العلم رأس الفضائل.. وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه. وتقدم أيضا قول ابن القيم رحمه الله تعالى أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها.

стр. 5361

ويقال أيضا لأبي تراب: هل تقول إن العلم شرف وفضيلة ومنزلة عالية وكرامة في حق من يعمل بعلمه أم لا؟ فإن قال إنه شرف وفضيلة ومنزلة عالية وكرامة لزمه أحد أمرين إما أن يقول: إن البخاري قد فاق جميع الصحابة في الفضل والشرف والمنزلة والكرامة. وإما أن يرجع عما زعمه من رفع مرتبة البخاري في العلم على مراتب الصحابة ويعترف أن مراتب الصحابة في العلم تفوق مراتب العلماء بعدهم وأنهم لا يقاس بهم أحد ممن كان بعدهم كائنا من كان.. وإن قال: إن العلم ليس بشرف ولا فضيلة ولا منزلة عالية ولا كرامة كما هو ظاهر كلامه ههنا وفي قوله أيضا: وليس لإنسان أن يقرن الفضل بالعلم وقوله أيضا إن الفضيلة شيء والعلم شيء آخر. قيل هذا كلام لا يقوله إلا من رفع عنه التكليف فلا يعول عليه ... الموضع الخامس: زعم أبو تراب أن الفقهاء يخالفون مذاهب الصحابة في مئات المسائل. وزعم أيضا أن الفقهاء خالفوا الصحابة في المسائل الاجتهادية التي يخالف فيها الصحابة بعضهم بعضا زعم أيضا أن أبا حنيفة قال: "هم رجال ونحن رجال". والجواب أن يقال: ظاهر كلام أبي تراب في عبارته الأولى أن الفقهاء يخالفون مذاهب الصحابة حتى في المسائل التي أجمع عليها الصحابة ﵃ وهذا خطأ ظاهر فإن الفقهاء لم يخالفوا ما أجمع عليه الصحابة ﵃. ولو قدر أن أحدا من الفقهاء خالف إجماع الصحابة فخلافه مردود عليه لأن إجماع الصحابة حجة قاطعة. وكذلك قول الصحابي إذا لم يخالفه غيره من الصحابة فإنه حجة يجب المصير إليه قاله الشافعي وغيره من أكابر العلماء..

стр. 5362

ولا أعلم أحدا خالف إجماع الصحابة سوى أبي تراب فإن الصحابة ﵃ أجمعوا على تفضيل أبي بكر ثم عمر ﵄ على سائر الأمة ولم يستثنوا في التفضيل أحدا من الصحابة لا أُمهات المؤمنين ولا غيرهم ولو يستثنوا في التفضيل شيئا من خصال الفضل لا العلم ولا غيره ولم يخالف هذا الإجماع أحد من التابعين ولا من بعدهم من العلماء حتى جاء أبو تراب في آخر القرن الرابع عشر من الهجرة فشذ عن أهل العلم وخالف إجماع الصحابة حيث فضل أمهات المؤمنين على عمر ﵁ وفضل كثيرا من الصحابة على أبي بكر وعمر ﵄ في حفظ القرآن وفي العلم والفقه. ولم يكتف بذلك بل فضل البخاري في العلم على سائر الصحابة وقد قال الشاعر: خلافا لقولي من فيالة رأيه. كما قيل قبل اليوم خالف لتذكرا. وهذا البيت مطابق لحال أبي تراب غاية المطابقة. وأما المسائل الاجتهادية التي اختلفت فيها أقوال الصحابة ﵃ واختلفت فيها الفقهاء بعدهم بحسب اختلافهم فهذه لا يقال فيها إن الفقهاء قد خالفوا الصحابة كما عبر به أبو تراب لأن ظاهر عبارته يقتضي أن الفقهاء قد خالفوا الصحابة كلهم في المسائل الاجتهادية. وهذا خطأ فإن الفقهاء لم يخالفوا جميع أقوال الصحابة في المسائل الاجتهادية وإنما كانوا يأخذون بأقوال الصحابة أو ببعضها ويختلفون بحسب اختلاف الصحابة وإذا ظهر لهم الدليل من الكتاب أو السنة أخذوا به وتركوا ما سواه من الأقوال. هذا هو المعروف عن المحققين من العلماء وليس في فعلهم نقص على الصحابة ولا غض من قدرهم.

стр. 5363

قال الشافعي رحمه الله تعالى في رسالته البغدادية التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني - وهذا لفظه -: "وقد أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين. أدوا إلينا سنن رسول الله ﷺ وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عاما وخاصا وعزما ورشادا. وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا. وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا. ومن أدركنا ممن يرضى أو حكى لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله ﷺ فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرقوا. وهكذا نقول ولم نخرج عن أقاويلهم. وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله". انتهى. وقد نقله عنه ابن القيم رحمه الله تعالى في ((إعلام الموقعين)) قال: "وقد صرح الشافعي في الجديد من رواية الربيع عنه بأن قول الصحابي حجة يجب المصير إليه فقال المحدثات من الأمور ضربان أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهذه البدعة الضلالة". قال ابن القيم: "والربيع إنما أخذ عنه بمصر وقد جعل مخالفة الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ضلالة وهذا فوق كونه حجة". وقال ابن القيم أيضا في ((إعلام الموقعين)) : "وقال الشافعي في رواية الربيع عنه والبدعة ما خالف كتابا أو سنة أو أثرا عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ". قال ابن القيم: "فجعل ما خالف قول الصحابي بدعة". انتهى.

стр. 5364

وأما قوله: "إن أبا حنيفة قال هم رجال ونحن رجال.." فجوابه أن يقال: لم يقل أبو حنيفة هذا القول في حق الصحابة كما توهمه أبو تراب وإنما قاله في حق التابعين. قال الحافظ الذهبي في مناقب أبي حنيفة: "قال نعيم بن حماد: "سمعت أبا عصمة وهو نوح الجامع قال: "سمعت أبا حنيفة يقول: "ما جاء عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين وما جاء عن الصحابة اخترنا وما كان من غير ذلك فهم رجال ونحن رجال". وذكر ابن عبد البر في الانتقاء عن إبراهيم بن هانئ النيسابوري قال: "قيل لنعيم بن حماد ما أشد إزراءهم على أبي حنيفة فقال: إن ينقم على أبي حنيفة ما حدثنا عنه أبو عصمة قال: سمعت أبا حنيفة يقول: "ما جاءنا عن رسول الله ﷺ قبلناه على الرأس والعينين وما جاءنا عن أصحابه اخترنا منه ولم نخرج عن قولهم وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((إعلام الموقعين)) : "وقال نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك قال سمعت أبا حنيفة يقول: "إذا جاء عن النبي ﷺ فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن الصحابة نختار من قولهم وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم". انتهى. ومراد أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يقلد أحدا من التابعين وإنما يأخذ بما جاء عن النبي ﷺ ويختار من أقوال الصحابة ولا يخرج عنها وإذا لم يجد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه اجتهد رأيه ولم يأخذ بآراء التابعين. وهذا آخر ما تيسر إيراده والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. حرر في ٢٦-٣-١٣٩٥هـ. --------------------------------------------------------------------------------

стр. 5365

[١] قول ابن سيرين هذا من الكلام المأثور وليس بحديث. ولعل عبارة (رواه الترمذي..) أقحمت بعده سهوا. (المجلة)

стр. 5366

العدد ٣٢ فهرس المحتويات ١- تأييد وشكر لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ٢- أضواء من التفسير: لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد ٣- تتعين كتابة المصحف على الرسم العثماني: لفضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي ٤- حقوق الحيوان والرفق به في الشريعة الإسلامية: لفضيلة الشيخ أحمد عبيد الكبيسي ٥- مهمة المسجد في بناء المجتمع الإسلامي: لفضيلة الشيخ محمد المجذوب ٦- رسائل لم يحملها البريد: لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي ٧- البيان البلاغي عند العرب معناه وأطواره: الدكتور عبد الحميد العبيسي ٨- حديث عن التفرقة والتمييز في الماضي والحاضر: الشيخ عبد الفتاح العشماوي ٩- توحيد الله - الحكمة في خلق الجن والإنس: لفضيلة الشيخ عبد الله أحمد قادري ١٠- تفاعل المسلمين مع دينهم يرجع إلى الجانب الروحي فيهم: بقلم الدكتور محفوظ إبراهيم فرج ١١- الإسلام دين الأخوة والوحدة: فضيلة الشيخ محمد عبد المقصود ١٢- صراع مع الملاحدة حتى العظم: لفضيلة الشيخ محمد شريف الزيبق ١٣- القاعدة الصلبة من المهاجرين والأنصار: لفضيلة الشيخ زهير الخالد ١٤- نقض القانون المدني: لفضيلة الشيخ إبراهيم جعفر السقا ١٥- من الصحف والمجلات: إعداد العلاقات العامة ١٦- جراح الإسلام: شعر: محمد المجذوب ١٧- من الأدب الإسلامي إليك أيها الداعية: بقلم فضيلة الشيخ إبراهيم محمد سرسيق ١٨- ندوة الطلبة - الجِّد: للطالب أحمد حسن المعلم ١٩- أخبار الجامعة عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 5367

تأييد وشكر لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فقد اطلعت على ما كتبه أخونا العلامة الشيخ أحمد محمد جمال في مقالاته الأسبوعية المنشورة في صحيفة المدينة الصادرة بتاريخ ١١/ ١١/ ٩٥هـ و ١٨/ ١١/ ١٣٩٥هـ و ٢٥/ ١١/ ٩٥ المتضمنة استنكار ما اقترحه بعض الكتاب من إيجاد دور سينمائية في البلاد تحت المراقبة، وما وقع من بعض الشركات وغيرها من توظيف النساء في المجالات الرجالية من سكرتيرات وغيرهن والإعلان في بعض الصحف لطلب ذلك. وإني لأشكر لأخينا العلامة أحمد محمد جمال هذه الغيرة الإسلامية والحرص على سلامة هذه البلاد مما يشينها ويفسد مجتمعها ويعرضها لما أصاب غيرها من التحلل والفساد وانحراف الأخلاق واختلال الأمن وظهور الرذيلة واختفاء الفضيلة، فجزاه الله خيرا وضاعف مثوبته، وإني أؤيده كل التأييد فيما دعا إليه من سد الذرائع المفضية إلى الفساد والقضاء على جميع وسائل الشر في مهدها حماية لديننا وصوناً لمجتمعاتنا وتنفيذاً لأحكام شرعنا الذي جاء بتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، ودعا إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال وبالغ في التحذير من سفاسف الأخلاق وسيئ الأعمال، وإن هذه البلاد كما قال أخونا الأستاذ أحمد هي قبلة المسلمين وأستاذهم وقدوتهم، فيجب على حكامها وجميع المسئولين فيها أن يتكاتفوا على جميع ما يصونها ويصون مجتمعاتها من عوامل الفساد وأسباب الانحطاط، وأن يشجعوا فيها الفضيلة ويقضوا على أسباب الرذيلة وأن يحافظوا على جميع أحكام الله في كل الشئون وأن يمنعوا توظيف المرأة في غير محيطها النسوي، وأن يدعوا مجتمعات الرجال للرجال وأن يمنعوا منعاً باتاً كلما يفضي إلى الاختلاط بين الجنسين في التعليم والعمل وغيرهما، ولا

стр. 5368

فرق في هذا كله بين المرأة السعودية وغيرها وحسبنا في هذا الباب قوله ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ الآية وقوله سبحانه ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ الآية، وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ الآية، وقوله ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ففي هذه الآيات الكريمات وما جاء في معناها الأمر بالحجاب وغض النظر وإخفاء الزينة سدا لباب الفتنة وتحذيراً مما لا تحمد عقباه، فكيف يمكن تنفيذ هذه الأوامر مع وجود المرأة بين الرجال في المكاتب والمعارض وميادين الأعمال، وحسبنا

стр. 5369

أيضاً في هذا المعنى قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ".. وقوله ﷺ أيضاً في الحديث الصحيح: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء". فكيف تتقى هذه الفتنة مع توظيف النساء في ميدان الرجال، ويكفينا عظة وعبرة ما وقع في غيرنا من الفساد الكبير والشر العظيم بسبب السماح بعمل الفتيات في ميدان الرجال. (والسعيد من وعظ بغيره) والعاقل الحكيم هو الذي ينظر في العواقب ويحسم وسائل الفساد ويسد الذرائع المفضية إليه، ومما ذكرناه من الأدلة يتضح لذوي البصائر ورواد الفضيلة والغيورين على الإسلام أن الواجب على حكام هذه البلاد والمسئولين فيها وفقهم الله جميعاً أن يمنعوا منعاً باتاً فتح دور السينماء مطلقاً لما يترتب على السماح بذلك من الفساد العظيم والعواقب الوخيمة، والرقابة في مثل هذه الأمور لا يحصل بها المقصود، ومعلوم أن الوقاية مقدمة على العلاج وأن الواجب سد الذرائع وحسم مواد الفساد وفي واقع غيرنا عبرة لنا كما سلف، كما يجب تطهير الإذاعة والتلفاز من جميع ما يخالف الشرع المطهر ويفضي إلى فساد الأخلاق والأسر.. ويتضح أيضاً أن الواجب على المسئولين منع توظيف النساء في غير محيطهن سواء كن سعوديات أو غيرهن، وفي ذوي الكفاية من الرجال ما يغني عن توظيف النساء في ميادين الرجال، وليس هناك ما يدعو إلى توظيفهن في ميدان أعمال الرجال إلا التأسي بما نهينا عن التأسي بهم من أعداء الله ، أو قصد إفساد هذا المجتمع الذي يجب أن يحافظ عليه وأن يحمى من أسباب الفساد، ويجب على حملة الأقلام من ذوي الغيرة الإسلامية وعلى أعيان الشعب أن يتكاتفوا مع الحكومة والمسئولين في كل ما يحمي بلادهم ومجتمعهم من وسائل الشر والفساد لقول الله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ

стр. 5370

اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وقوله سبحانه ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وقوله ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ والله المسئول أن يوفق حكومتنا وسائر المسئولين فيها لكل ما فيه رضاه وصلاح عباده وأن يصلح أحوال المسلمين جميعاً وأن يمنحهم الفقه في دينه وأن يوفق علماءهم وكتابهم للتمسك بدينه والغيرة له والحفاظ عليه والدعوة إليه على بصيرة وأن يعيذ الجميع من مضلات الفتن ونزغات الشيطان إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 5371

تفاعل المسلمين مع دينهم يرجع إلى الجانب الروحي فيهم بقلم الدكتور: محفوظ إبراهيم فرج المدرس بكلية الشريعة بالجامعة إن شريعة الإسلام الخالدة خصها الله تعالى لأفضل نبي وأكرم رسول سيدنا محمد ﷺ وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، حمل تلك الشريعة الخالدة المسلمون السابقون قوية نقية في إطار جميل من المعاملة الطيبة والاحترام الصادق للحقوق والأموال والأعراض، وساعد على ذلك ما أدركوه وفقهوه في الإسلام من أن الدين المعاملة لأنها وجه الدين وظاهره الذي يتجلى أمام الناس. ولقد أشبعت الشريعة الإسلامية حاجة الناس الشديدة إلى القواعد العادلة المعتدلة للعلاقات الاجتماعية ولجميع المعاملات، فأيقظت بذلك الضمائر وخوفتها من رقابة الله تعالى، وعلقت الامتياز والخيرية بأمر هو في إمكان الناس جميعاً وهو التقوى قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . تمتع المسلمون السابقون بتعاليم الإسلام عقيدة وسلوكا فبددت العقيدة ما في القلب من ظلمات ومتاهات، وأشعرته بعظمة الله ﷻ ، وبأن الله معه في سره وعلانيته ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ . وكان سلوك الواحد منهم في حياته الخاصة والعامة انعكاساً لما يقوم به من طاعة وما يؤديه من عبادة مرتفعاً عن الأغراض والأهواء لا تتحكم فيه الغرائز والميول، وإذا ما قدر له أنه استجاب لداعي شهوة أو غريزة ذكر الله فاستغفره كي تظل حياته عامرة بنور الإيمان، ولا يجد حرجاً أن يعلن عن مخالفته ليرجع إلى الله بالتطهير مما اقترف.

стр. 5372

فنجد ماعزا ﵁ يأتي إلى رسول الله ﷺ قائلاً: يا رسول الله زنيت فأقم علي الحد فيراجعه الرسول ﷺ مرة ومرة ويظل على رأيه لا يحيد عنه فيأمر الرسول ﷺ بإقامة الحد عليه. وتجيء العامرية إلى رسول ﷺ وتقول له: زنيت، هذا الحمل من سفاح، وتصر على الاعتراف لأنها تريد أن تتطهر مما حلّ بها فيؤخر الرسول ﷺ إقامة الحدّ عليها حتى تضع حملها وتلد ويستغني الولد عن اللبن بالفطام، وتأتي بعد ذلك ليقام عليها الحد وهي راضية كي تزيل الدنس الذي علق بها فتلقى الله وهي طاهرة. ويروي البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذا جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، فقال: "ما لك"، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ :"هل تجد رقبة فتعتقها"؟ قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين"؟ قال: لا، قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينا"؟ قال: لا، فمكث عند النبي ﷺ فبينما نحن على ذلك أتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر _ العرق المكتل _ قال: "أين السائل"؟ فقال: أنا، قال: "خذ هذا فتصدق به"، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله، فو الله ما بين لابتها _ يريد الحرثين _ أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: "أطعمه أهلك". فهذا الصحابي تحت تأثير الشهوة يجامع امرأته في نهار رمضان، ولما أفاق من غمرته تحرك فيه الوازع الديني فجاء إلى رسول ﷺ معترفاً بذنبه نادماً على أهله قائلا يا رسول الله هلكت، ليجد عند الرسول ﷺ منقذا لنجاته.

стр. 5373

هذه أمثلة _ وغيرها كثير _ توضح كيف أن المسلمين حققوا المعاني الإسلامية في تفكيرهم، وأحسنوا تنفيذها في معاملاتهم ورجعوا إليها إذا انحرفوا عنها تحت تأثير شهوة أو غفلة أو ميل لإيمانهم بتلك التعاليم التي اعتنقوها مبدأ وسلوكا، فلا عجب أن يعترف الواحد منهم بجرمه كي يطهر نفسه ولو كان في ذلك قضاء على حياته، لأن مراقبة الله تمكنت في قلبه ويعلم أن دنياه فانية وأن الدار الآخرة هي الباقية، ويؤمن بقوله تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ . تمتع المسلمون وهم على هذا النهج القويم بالقوة والمنعة، ودانت لهم الدنيا وملكوا العالم وسادوا الشعوب، ومكن الله لهم في الأرض وتحقق وعد الله القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ . ودار الفلك دورته وعاد الإسلام غريبا كما بدا. وهذه الفرية نعيشها اليوم في عصر العلم وغزو الفضاء!!! فمع التفوق العلمي في جميع ميادين الحياة نشاهد طغيان المادة على القيم والمبادئ، كما أننا نلمس أن الغرائز كانت سببا في إضلال عقول الناس لبعدهم عن غذاء النفس وتقويتها، فكان التصدع بين الأفراد والجماعات وبين الدول والشعوب نتيجة ظلم الإنسان للإنسان، وتعدي الجماعة على الجماعة. في هذا الجو المكفهر المشحون بالمخالفات يتحقق فينا ذلك الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريبا كما بدا فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس ".

стр. 5374

فنجد تعاليم الإسلام غير مألوفة لما عليه الناس في حياتهم الخاصة والعامة، ولم يدركوا تشريعها، ولم يتذوقوا حلاوتها، ولم يتجاوبوا معها، حيث ظهرت الأنانية ووهنت روابط المجتمع وكادت تنعدم الإنسانية في الإنسان وأوشكت الصلات أن تنهار في محيط الأسرة وفي دائرة المجتمع وعاش الناس في أزمة ضمير وقال قائلهم: الدين تخلف وجمود ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ . من هذه المقارنة بين الماضي والحاضر نجد أن تفاعل المسلمين مع دينهم يرجع إلى الجانب الروحي في الإنسان قوة وضعفا. ولم يشهد التاريخ قوة للإسلام ولا عزة للمسلمين إلا حينما كانوا يتخلقون بما في مبادئ الإسلام من أخلاق ويتعاملون بما فيها من مبادئ. والقوة في هذه المبادئ أنها تنظم جميع الأفراد وأنها عامة يتساوى فيها الكبير والصغير والغني والفقير، فليس هناك تفاضل بالأموال والأنساب أو الجاه وإنما التفاضل بالعمل الصالح والتنافس فيه. ولما بدأ التفاعل بين المسلمين وتعاليم الإسلام يضعف أخذ الإسلام مع الأسف المحض يتحول في نفوس أهله من حياة قوية متوثبة إلى تقاليد وشكليات فكان أن دب الضعف في الصف الإسلامي، ولعب الاستعمار دوره معهم فصرفهم عن دينهم، وقتل فيهم حيويته فتشتتوا بعد تكتل وتمزقوا بعد تجمع، وقلّ الوازع الديني الذي يجمع الصف ويوحد الكلمة، وليس من علاج لعودة المسلمين إلى وضعهم الأول من القوة والثقة إلا كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁: "لا صلاح لهذه الأمة إلا بما صلح به أولها". رجوع إلى الله في كل الأمور وتمسك بكتاب الله ﷻ واعتصام بسنة رسول الله ﷺ _ وما ذلك على الله بعزيز _. والسعد لا شك تارات وهبات الناس بالناس ما دام الحياة بهم تقضى على يده للناس حاجات وأفضل الناس ما بين الورى رجل

стр. 5375

ما دمت مقتدرا فالسعد تارات لا تمنعن يد المعروف عن أحد إليك لا لك عند الناس حاجات واشكر فضائل صنع الله إذ جعلت وعاش قوم وهم في الناس أموات قد مات قوم وما ماتت مكارمهم الإمام الشافعي

стр. 5376

الإسلام دين الأخوة والوحدة فضيلة الشيخ محمد عبد المقصود المدرس بكلية الدعوة بالجامعة الحمد لله الذي هدانا للإيمان وشرفنا بالإسلام، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين. فقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . الأمة الإسلامية أمة إلهها واحد، ورسولها واحد، ودينها واحد، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، وكتابها هو القرآن الذي أنزله الله على رسوله العظيم، دواء للإنسانية من أمراضها وأسقامها، وعللها وآفتها، أفرغ بآياته وشرائعه البينة الواضحة على أتباعه المؤمنين به، المستظلين بظله، صبغة الوحدة والجماعة والأخوة الإنسانية، منحيا عنها عصبيات الجنسية والإقليمية، فلم يؤثر فردا على فرد ولا فئة على فئة، ولا جماعة على جماعة، فأزال العصبية القبلية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وأزال العصبية الوطنية بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ . وأزال العصبية الجنسية بقول الرسول الكريم ﵊ "ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل".

стр. 5377

سما بالإنسانية عن هذه الاعتبارات التي كثيرا ما تدفع بأصحابها إلى التفرق والخصام، وتغرى بينهم بالعداوة والبغضاء، فتفصم عرى الإنسانية الفاضلة، وتقضي على روح التعاون والتراحم، وتطمس معالم السعادة والهناءة، ووجه الناس إلى الأخذ بيد الإنسانية الفاضلة، وشهادة الموحد لأبنائه، الوحدة في التوجه إلى الله والإخلاص له وتلقي دعوته. وأفرغ الإسلام علينا وحدة العقيدة ووحدة العبادة، ووحدة السلوك، ووحدة الأهداف، ووحدة الرحم، ونادانا في ذلك بنداءات إلهية كريمة، تركت في نفوسنا كل معاني الوحدة، وبواعثها مترابطة متعانقة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ، ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ، ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .

стр. 5378

فكشف الله لنا بهذه النداءات الغطاء عن المعتصم الذي يحب أن نتمسك به ولا نحيد عنه، وهو تقوى الله، والاتجاه إليه، والاستعانة به في تنفيذ أوامره، والعمل بما وضعه من سنن في سبيل الله إسعاد البشرية ورقيها.. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ وبهذا التعارف والارتباط تتقارب المصالح وتتحد المنافع، ويصبح المسلمون في أنحاء الأرض قوة واحدة، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويرعى قويهم حق ضعيفهم، وغنيهم حق فقيرهم، وصحيحهم حق مريضهم، وبذلك ينتظم شملهم وتقوى وحدتهم وتعز بلادهم، وتسود أوطانهم، ويصبح جانبهم مرهوبا، وحقهم محفوظا فتأتلف قلوبهم وتتحد مشاعرهم، وائتلاف القلوب والمشاعر واتحاد الغايات والمناهج من أوضح تعاليم الإسلام، وألزم خلال المسلمين. ولا ريب ولا عجب في أن توحيد الصفوف واجتماع الكلمة هما الدعامة الوطيدة لبقاء الأمة، ودوام دولتها، ونجاح رسالتها والإسلام يكره للمسلم أن ينأى بمصلحته عن مصلحة الجماعة، وأن ينحصر في نطاق نفسه، وأن يستوحش في تفكيره، وإحساسه. عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" متفق عليه. وفي الحديث: "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مؤمن، إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين ولزوم جماعتهم، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم" رواه البزار.

стр. 5379

وإذا كانت كلمة التوحيد باب الإسلام، فإن توحيد الصفوف سر المحافظة عليه والإبقاء على مقوماته، والضمان للقاء الله بوجه متهلل، وصفحة مشرقة، والإسلام قد جعل العمل الواحد في حقيقته وصورته مختلفا في الأجر حين يؤديه الإنسان منفردا وحين يؤديه مع آخرين، إن صلاة الفجر وصلاة العشاء هي هي لم تزد شيئا حينما يؤثر المرء أداءها في جماعة عن أدائها في عزلة، ومع ذلك فقد ضعّف الإسلام أجرها وزاد في ثوابها بضعا وعشرين درجة، أو يزيد عندما يقف المسلم مع غيره لأدائها بين يدي الله. وتأمل معي قول رسول الله ﷺ فيما يرويه عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ (الفرد) بسبع وعشرين درجة" متفق عليه. وفي هذا حرص من النبي ﷺ على الأخوة الإسلامية والوقوف مع الجماعة والانضواء تحت لوائها ونبذ العزلة، ودفع للمسلم إلى الانسلاخ من وحدته والاندماج في أمته. وانظر معي وتأمل فيما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة (أي لا يحضرون الجماعة) فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء" متفق عليه. والعرق: العظم إذا كان عليه لحم.. والمرماة: ما بين ضلع الشاة من اللحم. وفي هذا التهديد من رسول الإنسانية ومعلم البشرية سيد المرسلين وخير الخلق أجمعين محمد ﷺ ما يدعو المسلم إلى الامتزاج بالمجتمع الذي يحيا ويعيش فيه، فشرع الله الجماعة للصلوات الخمس اليومية ورغب في حضورها وتكثير الخطا إليها.

стр. 5380

عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا ينزعه إلا الصلاة، لم تزل رجله اليسرى تمحو عنه سيئة، وتكتب له اليمنى حسنة حتى يدخل المسجد، ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا" رواه البيهقي في شعب الإيمان والحاكم في مستدركه والطبراني في الكبير. وشرع الله لأهل القرية أو الحمى الآهل أو المصر أن يلتقوا كل أسبوع مرة لصلاة الجمعة وفي كل عيد دعاهم إلى اجتماع أعظم يؤمهم إمام واحد يقوم فيقومون ويركع فيركعون ويسجد فيسجدون يتجهون إلى إله واحد.، وإلى قبلة واحدة. والزكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم لكي يشعروا جميعا أنهم جسم واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، عن النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه مسلم وأحمد. والصيام يوحد بين المسلمين في أوقات الفراغ والعمل، وأوقات الطعام والشراب، ويفرغ عليهم جميعا صفة الإنابة والرجوع إلى الله "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". ويرطب ألسنتهم بالتسبيح والتقديس، ويعفها عن الإيذاء والتجريح، ويسد عليهم منافذ الشر والتفكير فيه، ويملأ قلوبهم بمحبة الخير والبر بعباد الله، ويغرس في نفوسهم خلق الصبر الذي هو عدة الحياة... "الصوم نصف الصبر، والصبر نصف الإيمان". والحج الذي يضم أشتات المسلمين في المشرق والمغرب، في مكان معلوم هو مكة المكرمة، وزمان معلوم هو أشهر الحج، يطوفون حول بناء واحد وهو بيت الله الحرام، فيكون اللقاء بين أجناس المسلمين أمرا محتوما ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ .

стр. 5381

فديننا والحمد لله يدعو المسلمين في جميع تشريعاته التي شرعها الله لعباده، وتعبدهم بها يدعوهم إلى التعاون والتآزر، والتعاضد والمؤاخاة ليربط المسلمين جميعا برباط واحد وثيق، لتكون أمتهم أمة واحدة قوية، تخشى صولتها الأمم، وتحسب حسابها الشعوب، تغضب الدنيا لها إذا غضبت، وتضحك الدنيا لها إذا رضيت، يرهب الأعداء بأسها، ويخطب الأصدقاء ودها. وهكذا كانت أمة الإسلام من قبل قوة جبارة وصولة باطشة، وسلطانا قاهرا، وقوة غالبة، وحصنا منيعا. وذلك طبيعي في أمة تجمعت أفرادها واتحدت قواها ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ . وقد حدثنا التاريخ أن المسلمين بوحدتهم وتجمع صفوفهم استطاعوا أن يدكوا عروش القياصرة والأكاسرة، وأن يطوِّحوا بتيجان الجبابرة. وإن الأوربيين ما سادوا وخضعت لهم الدنيا، ودان لهم العالم، وأسلمت الحياة قيادها لهم وأصبحوا يهددون أمن المسلمين وسلامتهم، مع خسة في العنصر، ولؤم في الطبع، وإفلاس في الدين، وزيغ في العقيدة، ما وصلوا إلى ذلك إلا بفضل تجمعهم واتحادهم. ولكن في صفوفهم انضمام فما سادوا بمعجزة علينا والإسلام حريص على سلامة أمته، وحفظ كيانها، وهو لذلك يطفئ بقوة الخلاف، ويهيب بالأفراد كافة أن يتكاتفوا على إخراج الأمة من ورطات الشقاق ومصايرة السوء "يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار﴾ . هذا هو السياج الذي يحفظ على الأمة الإسلامية وحدتها، ويقيها شر العواصف والانهيار، ويمكنها من المحافظة على سلامتها وأمنها، فتتم النعمة ويعود الشعار إلى أصله، أمة واحدة، ورب واحد ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ . والتاريخ الحديث خير شاهد على أن المسلمين والعرب إذا تمسكوا بدينهم، وعادوا إلى وحدتهم، وجمعوا صفوفهم كان الله معهم، وتحقق النصر لهم.

стр. 5382

وما وقفة الأمة العربية بقيادة شهيد الإسلام والعروبة المغفور له جلالة الملك فيصل بجانب مصر وسوريا، يشد أزرهما ويقوي عضدهما بوضع جميع إمكانياته تحت تصرفهما حتى تحقق النصر في العاشر من رمضان سنة ١٣٩٣ على العدو الصهيوني، وأصبح العرب القوة الثالثة في العالم يخشون بأسهم، ويحسبون حسابهم ويخطبون ودهم، ويعترفون لهم بحقوقهم. ومن رعاية الله العلي القدير للأمة الإسلامية وتوفيقه لها أن خليفة جلالته على العرش الملك المعظم خالد بن عبد العزيز يسير على نهج سلفه العظيم، ويضع يده في يد إخوانه من القواد العرب في سبيل مصلحة الأمة العربية والإسلامية، لا يضن بمال ولا يبخل بجهد ما دام في ذلك رفعة الإسلام ونصر العروبة، والمحافظة على الحقوق، واستعادة الأمجاد وحفظ التراث. وفق الله العاملين للخير، وجمعهم على الخير إنه نعم المولى ونعم النصير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 5383

صراع مع الملاحدة حتى العظم لفضيلة الشيخ محمد شريف الزيبق المدرس بكلية الدعوة بالجامعة ظهر حديثاً هذا الكتاب ومؤلفه الأستاذ عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني، وهو في خمس مائة صحيفة، وهو الحلقة الثانية للمؤلف من "سلسلة أعداء الإسلام "وكانت الحلقة الأولى "مكايد يهودية عبر التاريخ ". والإلحاد من أبرز سفاهات الإنسان ومن أشنع حماقاته، وقد دفعه إليه قديماً وحديثاً تكبره وفجوره، وظلمه وإجرامه، وغفلته وجهله، وهو قديم في البشر قدم هذه الآفات فيهم، ولكنه فشا في العصر الحديث بصورة تلفت النظر، وتدعو إلى التفكر، وقد بات من الجلي أمام الباحثين أن أبرز من ينشر الإلحاد في هذا الزمان أعداء الله والبشرية (اليهود) ، وأن الشيوعية الملحدة وسيلة من وسائلهم في نشره، وأن مقصدهم من وراء ذلك هدم إنسانية الإنسان ليصير حيواناً بشرياً يمكنهم امتطاؤه وتسخيره لمصالحهم، كما يصرحون بذلك في (تلمودهم) وفي (بروتوكولاتهم) ، كما اتضح أن عداء البابوية للعلم والعلماء في فجر النهضة الأوربية كان من أسباب انتشار الإلحاد أيضاً.

стр. 5384

والعجيب في إلحاد هذا الزمان أنه يضرب بسيف العلم، ويدفع عقيدة الإيمان بالله سبحانه بحجة أن العلم يأباها، وأن الدين والعلم متناقضان ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ ، ولهذا شن الملحدون معركة ضد الدين عامة وضد الإسلام خاصة، وإن الإنسان ليعجب لهذه الفرية الكبرى فأنى للإسلام أن يتناقض مع العلم؟ أليس العلم قوانين أوجدها الله في كونه، والدين كلمة الله أنزلها على أنبيائه؟ فكيف يتناقض شيئآن مصدرهما الحكيم العليم، وكيف يمكن لإنسان عنده شيء من عقل ووعي أن يزعم أن الإسلام يتناقض مع العلم، وهو الذي يدعو إليه ويشجعه؟ ويقول فيما يقول للبشر: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ويدعوهم للانتفاع بكل شيء في الكون بقوله ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ . والحق أن الدين الصحيح صديق حميم للعلم، وأن العلم الصحيح عدو مبين للإلحاد، ولكن الملحدين يحلو لهم دائما الكذب والبهتان، واللجاج في الباطل والطغيان. وقد غزا الإلحاد فيما غزا بلاد الإسلام وقام في ربوعها ناعقون يرددون سفاهاته وينشرون ضلالاته، ثم برز في مؤخرة ركب الملحدين حمال أثقال اسمه ((صادق جلال العظم)) الحائز على لقب ((دكتور)) من الذين دسّوا الكفر في فكره، فجمع ترهات الملحدين في كتاب أسماه (نقد الفكر الديني) وحشاه بالأغاليط والأكاذيب والجهل، ومنته نفسه ورفاقه الملحدون الأماني من وراء مفترياتهم، وطغا عليهم غرورهم، فكان لابد من الرد عليه، ومع اعتقاد المؤلف المفضال أن الإلحاد لا سند له، وأنه أو هي من بيت العنكبوت، إلا أن خوفه من تأثر الناشئة المسلمين بتضليلات العظم وسواه دعاه للرد على العظم رداً أتى فيه على قواعد الملحدين فنسفها بالعلم الصحيح والحجة القوية والاطلاع الواسع.

стр. 5385

وقد وجد المؤلف في كتاب (نقد الفكر الديني) لصادق العظم أمثلة كثيرة للمغالطات وأنواع السقطات المقصود بها تضليل من يطالع كتابه من مراهقي الفتيان والفتيات من أجيال الأمة الإسلامية، خدمة للماركسية والداروينية والفرويدية وسائر النظريات بل الفرضيات اليهودية دون أن يطرح مناقشات علمية نقدية تتحرى الحقيقة، وقد جمع كل الأديان وكل ما فيها من حق وباطل، وكل ما نسب إليها من ضعيف وقوي وفاسد وصحيح، وقال: هذه هي الأديان، ثم وجه النقد اللاذع للباطل الظاهر وللضعيف البين وللفاسد المعروف فساده، ثم صنع من ذلك مقدمة فاسدة استنتج منها إبطال الدين كله.. وقد أحصى المؤلف جدليات الملاحدة المعتمدة على المغالطات الفاحشة الوقحة، والمقنعة بالحيلة والخداع في هذه العناصر: ١_ تعميم أمر خاص. ٢_ تخصيص أمر عام. ٣_ ضم زيادات وإضافات ليست في الأصل. ٤_ حذف قيود وشروط لازمة، يؤدي حذفها إلى تغيير الحقيقة. ٥_ التلاعب في معاني النصوص. ٦_ طرح فكرة مختلفة من أساسها للتضليل بها. ٧_ تصيد بعض الاجتهادات الضعيفة لبعض العلماء وجعلها هي الإسلام مع أنها اجتهادات مردودة. ٨_ التقاط مفاهيم شاذة موجودة عند بعض الفرق التي تنتسب إلى الإسلام، وإطلاق أنها مفاهيم إسلامية مسلم بها عند المسلمين، والإسلام منها بريء براءة الحق من الباطل. ٩_ نسبة أقوال أو نصوص إلى غير قائليها. ١٠_ كتمان أقوال صحيحة وعدم التعرض إليها مطلقاً مع العلم بها وشهرتها. ١١_ الإيهام بأن العلوم المادية ملحدة على خلاف ما هي عليه في الواقع.

стр. 5386

وقد أفرد المؤلف فصلاً من فصول الكتاب الأحد عشر للنقد الذاتي حول مفاهيم المسلمين للإسلام، بيّن فيه المفاهيم الدخيلة الغريبة عن الإسلام التي حاول أعداؤه إلصاقها بتعاليمه الناصعة، وكيف تحولت هذه المفاهيم الدخيلة إلى مواريث ثقيلة، وبدع شنيعة أحسنت ظهور الأجيال، وعرقلت سبيل تقدمها، وهيأت المناخ المناسب لفساد الأجيال التي حملت شعار التخلص منها على غير هدى ولا بصيرة، فتخلصت منها ومن الجوهر النافع الذي هو الأصل السليم، وقد وجدت طائفة من هذه الأجيال بسبب تلك الشوائب الدخيلة مبررات كثيرة تلبي عن طريقها الرغبة في الانطلاق والتحرر والانسياق وراء الأهواء، ومن وراء هذه الطائفة شياطين يمدون خراطيهم في الظلمات من ديار الحرب إلى دار الإسلام، فيوسوسون لها ويمنونها ويكيدون في ذلك لها وللأمة الإسلامية ما يكيدون من شر عظيم، ووسائلهم في ذلك الإغراء بالمال، أو الإطماع بالحكم والسلطان، أو الفتنة بالنساء أو الخمر والميسر والمخدرات وأصناف اللهو، وإضعاف القوى الفردية والاجتماعية عن طريقها والخداع بمظاهر الحضارة المادية الخلابة. ويرجع انحراف المفاهيم الإسلامية في رأي المؤلف إلى عدة صور مصابة بالخلل أو الفساد أو التزوير، ويذكر لها عشرة أسباب مع طرق علاجها وهي: ١_ الجهل وفتور الهمة عن تفهم تعاليم الإسلام الصحيحة. ٢_ اتباع الهوى. ٣_ الغلو في الدين غير الحق. ٤_ النظر الضيق المحدود الذي يلازمه النظر إلى جوانب خاصة معينة من الإسلام واعتبارها الإسلام كله. ٥_ الجمود. ٦_ التحلل. ٧_ الفتنة بكل جديد قبل اختباره. ٨_ التعصب لكل قديم مهما كان شأنه، ولو كان مخالفاً للحقيقة البينة ولأسس الإسلام الصحيحة الصافية. ٩_ الأثرة التي تولد الإعجاب الشديد بالرأي، وتولد التعصب والفردية في الأعمال، وتشتت الشمل وتفرق الكلمة.

стр. 5387

١٠_ ما يكيده أعداء الإسلام من مكايد، ويدخل تحت هذا السبب صور كثيرة. وفي فصل آخر من فصول الكتاب يبرز المؤلف الحقائق البينة التي تؤكد موافقة العلم للدين الحق الإسلام، وأن الإسلام يدعو إلى الطرق العلمية في البحث، ويفند مغالطات الملاحدة الذين كثيراً ما يدعون أن فرضية أو نظرية من النظريات قد أصبحت حقيقة علمية غير قابلة للنقض أو التعديل، مع أن هذه النظرية لا تملك أدلة إثبات يقينية تجعلها حقيقة نهائية، أو حقيقة مقطوعا بها، وذلك بشهادة العلماء الذين وضعوا هذه النظرية أو ساهموا في تدعيمها. ومن أمثلة ذلك الدارونية بالنسبة إلى نشأة الكون وخلق الإنسان فهي لا تملك أدلة إثبات قاطعة أو شديدة الترجيح، ولكن كثيراً من العلماء الماديين يقبلونها تسليماً اعتقادياً لا تسليماً علمياً، إذ ليس لديهم اختيار بعدها إلا الإيمان بالخلق الرباني، وهذا أمر لا يجدون أنفسهم الآن مستعدين له ما دام منطق الإلحاد هو المسيطر على اعتقادهم في بيئتهم. ويأتي أنصاف المتعلمين، كالعظم فيدعون وجود التناقض بين الدين والحقائق العلمية، استناداً إلى وجود اختلاف بين بعض المعارف الدينية وبعض الفرضيات أو النظريات التي لم تثبت ولم ترق إلى درجة الحقائق العلمية وهم يزعمون كذباً أو يتصورون خطأ أن هذه الفرضيات أو النظريات قد أصبحت حقائق علمية ثابتة بشكل قطعي غير قابل للنقض، وهنا يقعون في غلط علمي فاحش جداً، ويتبع ذلك سقوطهم في ضلال اعتقادي كبير تجاه الدين وأصوله ومعارفه، علماً بأن طائفة من النظريات التي نسبت إلى العلم قد وضعت خصيصاً لدعم قضية الإلحاد والكفر بالله على أيدي يهود أو أجراء لليهود، وصيغت لها المقدمات والمبررات التي ليس لها قواعد منطقية علمية صحيحة.

стр. 5388

يقول المؤلف: "فالواجب إذن يحتم علينا _ أخذاً بطريق البحث العلمي السليم المحرر الذين أمرنا به الإسلام _ أن نمعن النظر فيما قدمته شهادة العقل ووسائل البحث العلمي الإنسانية، وفيما قدمته شهادة النصوص الدينية، وأن نخضع هذه الشهادات للضوابط العلمية الصحيحة المتفق عليها في أصول العقل وأصول الدين.. وإني لأجزم بكل يقين أننا لن نجد مسألة واحدة يستحكم فيها الخلاف بين شهادة النصوص الدينية اليقينية قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وبين الشهادة القاطعة التي يقدمها العقل، أو الشهادة القاطعة التي يقدمها البحث العلمي الإنساني البحت، بل اليقيني من كل ذلك لابد أم يتطابق في شهادته متى استطاع أن يصل إلى الحقيقة التي هي موضوع البحث، فإن وصل بعضها وبعضها الآخر لم يصل أعلن كلّ عن مبلغه من العلم، قصر في المعرفة أو زاد وفي هذا لا يوجد تناقض أو خلاف، ولكن يوجد بيان جزئي، وبيان أشمل وأكمل، أو بيان جزئي من جهة وبيان جزئي من جهة أخرى". وفي فصل (صراع من أجل قضية الإيمان بالله والفكر الديني الصحيح حولها) يقول: "إن الملحدين جميعاً لم يستطيعوا مجتمعين أو متفرقين أن يقدموا أية حجة منطقية أو واقعية مقبولة عند العقلاء تثبت عدم وجود خالق لهذا الكون، وقد قرأنا ما كتبه هذا الملحد وما كتبه غيره من أساطين الإلحاد فلم نجد لديهم دليلاً واحداً صحيحاً ينفي وجود الخالق جل وعلا، بل لم نجد في كل ما كتبوه دليلاً واحداً يقدم ظناً بعدم وجود الخالق، فضلاً عن تقديم حقيقة علمية.. جلّ ما لديهم محاولات للتشكيك بعالم الغيب، والتزام بأن لا يثبتوا إلا ما شاهدوه من مادة بالوسائل العلمية المادية.

стр. 5389

وهذا الارتباط بحدود المادة التي لم يشهد العلم حتى العصر الحاضر إلا القليل منها إن هو إلا موقف يشبه موقف الأعمى الذي ينكر وجود الألوان لأنه لا يراها، أو الأصم الذي ينكر وجود الأصوات لأنه لا يسمعها، أو موقف الحمقاء حبيسة القصر التي ترى أن الوجود كله هو هذا القصر الذي تعيش فيه، لأنها لم تشاهد في حياتها غيره.. فما حظ هؤلاء من العلم والأمانة العلمية ومطابقة الحقيقة والواقع؟ كذلك الملحدون لا حظ لهم من العلم والأمانة العلمية ومطابقة الحقيقة والواقع، إذ ينكرون الخالق جل وعلا ويصرون على إنكاره ولا يملكون دليلاً واحداً على نفي وجوده، قد يستخدمون عبارات ضخمة يستغلون فيها أسماء التقدم العلمي والصناعي وتطور مفاهيم العصر، والبحوث العلمية في المختبرات والمعامل للتمويه بها.. مع أن التقدم العلمي والصناعي لم يتوصل إلى قياس شيء من عالم الغيب، بل ما يزال عاجزاً عن قياس أمور كثيرة داخلة في العالم المادي الذي هو مجال كل أنواع التقدم العلمي الذي انتهت إليه النهضة العلمية الحديثة. والعلماء الماديون الذين يستخدمون المعامل والمختبرات والأجهزة العلمية المتقدمة جداً.. يحاولون تفسير كل ما شاهدوه من ظواهر بنظريات استنتاجية يغررون فيها حقائق غير مرئية وغير مشاهدة، وهي بالنسبة إليهم وبالنسبة إلى أدواتهم ما زالت أموراً غيبية، ومع ذلك فإنهم يضطرون إلى إقرارها والتسليم بها، ويجعلونها قوانين ثابتة يقولون عنها إنها قوانين طبيعية. وفي هذا الفصل يتناول ما يردده العظم من الحجة الشيطانية القديمة التي تقول في آخر سلسلة التساؤل: ومن خلق الله؟ ويناقش حججه المادية سارداً أقوال بعض علماء المادة مثل إدوارد كيسل الذي يقول: "أثبتت البحوث العلمية دون قصد أن لهذا الكون بداية، فأثبتت تلقائياً وجود الأدلة، لأن كل شيء ذي بداية لا يمكن أن يبتدئ بذاته، ولا بد أن يحتاج إلى المحرك الأول، الخالق الإله".

стр. 5390

ويعقد المؤلف فصلاً لمناقشة (برتر أندرسل) و (فرويد) وإمامي العظم، مبينا أن الأول صدر في إلحاده عن الهوى التعصب للدين لأنه يجعل ما يقبله من تفسيرات علمية مقبولاً بصفة ترجيحية لضرورة العجز عن الوصول إلى اليقين... وأما الثاني فهو يهودي متعصب للصهيونية وقد وصفت إحدى مساعداته في التحليل النفسي إلحاده بأنه كان زائفاً لأنه تركه بعد ذلك متشبثاً باليهودية الصهيونية، وفيا لها، سائراً في طريقها، منفذاً لخططها. ويطول الكلام لو وقفنا عند فصل من فصول الكتاب واقتباس بعض عباراته، والإشارة إلى القضايا الفكرية التي يعالجها ببيان مشرق وأسلوب يمتاز بالقوة والرصانة وعمق الفكرة، وأدع للقارئ أن يستمتع بقراءة هذا الكتاب النفيس سائلا الله أن يهدي به الضالين، ويثبت المؤمنين ويزيدهم إيماناً وأن يجزي المؤلف فضيلة الشيخ عبد الرحمن حنبكة أحسن الجزاء.

стр. 5391

القاعدة الصلبة من المهاجرين والأنصار أمام المحن القاسية وجها لوجه بعد وفاة رسول الله ﷺ لفضيلة الشيخ زهير الخالد ١_ صدى وفاة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. أ_ عند الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.. فوجئ الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - بوفاة رسول الله ﷺ بعد أن رأوه في صلاة الفجر، وأمّلوا شفاءه ومعافاته، فنزل بهم النبأ نزول الصاعقة، فأظلمت الدنيا في عيونهم وغرقوا في بحر من الهم والحزن عميق.. قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: "لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان في اليوم الذي توفي فيه أظلم منها كل شيء"رواه الإمام أحمد. لقد كان مصاب المسلمين بفقد رسول الله ﷺ عظيماً وأليماً.. بل لا يوصف! لقد فقدوا نبيهم ومربيهم وقائدهم وأسوتهم الحسنة، فقدوا الرجل الذي لا يساويه رجل في الدنيا بأي جانب من جوانب الخير والكمال البشري، وفقدوا للترجمة العملية الحية للقرآن الكريم "كان خلقه القرآن".. ثم إنهم فقدوا نزول الوحي بفقده عليه صلوات الله وسلامه، قيل لأم أيمن رضي الله تعالى عنها حاضنة رسول الله ﷺ مواساةً لها ما يبكيك؟ على النبي ﷺ ؟ ما عند الله خير لرسوله، قد أكرم الله نبيه، فأدخله جنته، وأراحه من نصب الدنيا.. فقالت: إني علمت أن رسول الله سيموت، والله ما أبكي أن لا أكون لا أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكني إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا، إنما أبكي على خبر السماء كان يأتينا غضاً جديداً كل يوم، فقد انقطع ورفع فعليه أبكي، فهيجت من عندها على البكاء فجعلوا يبكون..

стр. 5392

وليس هذا فحسب، بل إن الصحابة ﵃ فقدوا نبيهم ﵊ في ظرف عصيب، حيث تحيط بهم الأخطار من كل حدب وصوب، وتتهدد كيانهم ووجودهم فهناك المنافقون في المدينة وحولها، وهناك حديثو العهد بالإسلام ممن قال الله تعالى فيهم ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ، وهناك الطلقاء من زعماء قريش في مكة المكرمة الذين قهرتهم قوة الإسلام، ثم هناك اليهود الموتورون الحاقدون، وكذلك النصارى على التخوم الشمالية للجزيرة العربية، وجيش أسامة بن زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنهما - على الانطلاق إليهم، وأيضاً الفرس، ثم إن هناك المتنبئين الكذابين ومنهم من ما زالت فتنته قائمة كمسيلمة، ومنهم من لم يمض غير وقت قصير بل أيام على القضاء على فتنته كالأسود العنسي. قال محمد بن إسحاق: لما توفي رسول الله ﷺ ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم حتى جمعهم الله على أبي بكر رضي الله تعالى عنه [١] . ب_ صدى وفاته ﵊ في الجزيرة العربية:

стр. 5393

ما إن انتشر خبر وفاته ﷺ في الجزيرة العربية حتى اضطربت فيها الأمور وظهر المنافقون وذوو الأطماع في الزعامة والملك والرئاسة والمال، وقوي أمر من تكذب وتنبأ كمسيلمة الحنفي وطليحة الأسدي وسجاح بنت الحارث التغلبية، وارتدت القبائل العربية، ولم يبق مكان في الجزيرة العربية إلا وحدثت فيه فتنة وردة أو محاولة ردة، حتى إن اكثر أهل مكة هموا بالردة لولا أن الله سبحانه كفهم وخوّفهم بسهيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه [٢] وقد اختلفت المظاهر التي اتخذتها ردة كل قبيلة، فمنهم من ادعى النبوة، ومنهم من تزندق، ومنهم من امتنع عن دفع الزكاة... وبقيت المدينة المنورة وحدها في وجه هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن العاتية الطاغية.. فهي كسفينة في وسط بحر هائج متلاطم الأمواج يريد أن يبتلعها.. ج_ صدى وفاته ﷺ لدى العلم الخارجي: كان يسيطر على العالم خارج الجزيرة العربية إذ ذاك قوتان أو دولتان كبيرتان هما الدولة الرومية في الغرب والدولة الفارسية في الشرق، وتشكلان معسكرين متنافسين غربياً وشرقيا، تسيطر على الغربي منهما الدولة الرومية، وعلى الشرقي الدولة الفارسية. وكان التنافس بينهما مستمراً ومنذ قرون وأجيال، إلا أنه توقف فجأة منذ أن أصبح للمسلمين كيان ودولة في المدينة المنورة تحت قيادة رسول الله ﷺ ، وأصبح كل منهما يحسب لهذه القوة الناشئة ويستعد للانقضاض عليها، إنما ينتظر الفرصة السانحة، بل إن المعسكر الغربي الرومي بدأ يتحرش بالمسلمين على عهد رسول الله ﷺ فكانت غزوة تبوك ومؤتة، فلما توفي الرسول ﵊ أراد أن ينتهز هذه الفرصة لكن جيش أسامة بن زيد ﵄ كان له بالمرصاد.

стр. 5394

أما المعسكر الشرقي الفارسي فقد تحرك هو الآخر حين سمع بنبأ وفاة رسول الله ﷺ فقال كسرى: من يكفيني أمر العرب؟ فقد مات صاحبهم، وهم الآن يختلفون بينهم، إلا أن يريد الله بقاء ملكهم فيجتمعون على أفضلهم [٣] . لقد وجد الصحابة أنفسهم - رضي الله تعالى عنهم - يقفون وجهاً لوجه أمام محن قاسية شديدة وخطيرة، ومهمات كبرى ومسؤوليات ضخمة تمتحن صلابتهم ووعيهم، وتعجم عودهم وجدارتهم للقيام بالأمانة العظمى بعد نبيهم ﵊.. هذه المحن والمهمات يمكن حصرها في نقاط ثلاث وهي: ١_ اجتماعهم قبل كل شيء وبأسرع وقت على رجل منهم خليفة لرسول الله ﷺ . ٢_ الوقوف في وجه الردة الشاملة للجزيرة العربية والمرتدين.. ٣_ حمل الأمانة العظمى، وتبليغ رسالة الله تعالى إلى العالم كله وتحرير البشر بها، وإيصال الإسلام إلى كل إنسان على ظهر الأرض وإزالة كل العراقيل والعقبات "سواء كانت هذه العقبات والعوائق شبهات تحاك، وضلالات تزيّن، أو كانت قوى طاغية تصد الناس عن الدعوة وتفتنهم في الدين.." ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [٤] . وسنتناول - بإذن الله تعالى - هذه النقاط في الأعداد القادمة. -------------------------------------------------------------------------------- [١] البداية والنهاية جزء (٥) فصل احتضاره ووفاته ﵊.. [٢] المرجع السابق. [٣] مختصر السيرة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٣١٩ ط: ١. [٤] في ظلال القرآن للسيد قطب رحمه الله تعالى ج٦ ص٢٩ ط: ٤.

стр. 5395

نقض القانون المدني لفضيلة الشيخ إبراهيم جعفر السقا الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. لم يتخلف المسلمون عن ركب العالم نتيجة لتمسكهم بدينهم أو تعصبهم لإسلامهم، وإنما بدأ هذا التخلف يوم تركوا هذا التمسك بدينهم وتساهلوا فيه، وسمحوا للحضارة الأجنبية أن تدخل ديارهم، وللمفاهيم الغربية أن تحتل أذهانهم وللقوانين غير الإسلامية أن تحكم بلادهم..
следующие страницы →