← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

٤_ ولا يجوز الركوب على ما لم يخلق للركوب كالبقرة، قال القاضي أبو بكر بن العربي: "لا خلاف في أن البقر لا يجوز أن يحمل عليها، وذهب كثير من أهل العلم إلى أن المنع من ركوبها نظرا ًإلى أنها لا تقوى على الركوب، إنما ينتفع بها فيما تطيقه من نحو إثارة الأرض وسقي الحرث". ٥_ ولا يجوز أن يكون مقود الدابة ضارا ًبها، فقد ورد في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر إلا قطعت"، فذهب بعض أهل العلم في فهم الحديث مذهب الرحمة بالحيوان وقال: إنه أمر بقطع القلائد من أعناق الدواب مخافة اختناق الدابة بها عند شدة الركض لأنها تضيق عليها نفسها، وكراهة أن تتعلق بشجرة فتخنقها أو تعوقها عن المضي في سيرها. رابعا ً: التعسف في استعمال حق التحميل: وحرمت الشريعة الإسلامية الإساءة إلى الحيوان بتحميله من الأثقال ما لا يطيق، وكان الصحابة الكرام يعرفون أن من حمّل دابة ما لا تطيق حوسب على ذلك يوم القيامة، فقد روي عن أبي الدرداء أنه قال لبعير له عند الموت: "يا أيها البعير لا تخاصمني عند ربك، فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك"، وعن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم..فدخل حائطا ً_أي بستانا_ لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل فلما رأى النبي ﷺ حنّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله ﷺ فمسح ذفراه فسكت، فقال: "من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ "فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: " أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكى إليّ أنك تجيعه وتدئبه"أي تعمل عليه عملا متواصلا، رواه أحمد وأبو داود.

стр. 5462

وروى أحمد أيضا ًمن حديث طويل عن يحي بن مرة قال فيه: وكنت معه – أي مع النبي – جالسا ًذات يوم إذ جاء جمل يخب حتى ضرب بحرانه بين يديه، فقال: "ويحك تنظر لمن هذا الجمل؟ إن له لشأنا" قال: فخرجت ألتمس صاحبه، فوجدته لرجل من الأنصار، فدعوته إليه، فقال: "ما شأن جملك هذا"فقال: وما شأنه؟ لا أدري والله ما شأنه، عملنا عليه، ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية، فأتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه، قال: "فلا تفعل، هله لي أو بعنيه"، وعن سهل بن الحنظلية قال: مر رسول الله ﷺ ببعير قد لصق ظهره ببطنه فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم فاركبوها صالحة.." رواه أبو داود وابن خزيمة، إلا أنه قال: "قد لحق ظهره". وإذا كانت الشريعة قد حرمت ركوب ما لم يخلق للركوب من الحيوان، فقد حرمت أيضاً أن يحمل على ما لم يخلق للحمل منه كالبقر مثلا، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أخلق لهذا ولكني إنما خلقت للحرث"قال القرطبي في الجامع (١٠/٧٢) معقبًا: "فدل هذا الحديث على أن البقرة لا يحمل عليها ولا تركب"ويقول أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُم﴾ : "في هذه الآية دليل على جواز السفر بالدواب وحمل الأثقال عليها، ولكن على قدر ما تحتمله من غير إسراف في الحمل مع الرفق في السير". وروى أبو داود بسنده إلى المسيب بن آدم قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يضرب جمّالا وقال: تحمل على بعيرك ما لا يطيق؟ ". أحكام فقهية تحدد حقوق الحيوان:

стр. 5463

كتُب الفقه الإسلامي طافحة بالأحكام المتعلقة بالحفاظ على حقوق الحيوان وهي كثيرة لا يتسع المجال لذكرها في هذه المقالة الموجزة، ومن ذلك ما قرره الفقهاء من وجوب القيام على سقي الدابة وإطعامها، وإذا قصر مالك الحيوان في ذلك أجبره القضاء عليه، فإن لم يقم للدابة بما يجب عليه من حسن تغذيتها وسقيها، باعها القاضي ولم يتركها تحت يد صاحبها تقاسي. ويقول القاضي أبو يعلى في كتابه (الأحكام السلطانية ص ٣٠٥) : "وإذا كان في أربا المواشي من يستعملها فيما لا تطيق الدوام عليه أنكره المحتسب عليه، ومنعه منه وإن لم يكن فيه مستعد _ أي مخاصم _ إليه، فإن ادعى المالك احتمال الدابة لما يستعملها فيه جاز للمحتسب أن يفكر فيه، لأنه وإن افتقر إلى اجتهاد فهو عرفي يرجع فيه إلى عرف الناس وعادتهم وليس باجتهاد شرعي". وفي الفتاوى البزازية (٦/٣٧٠) ما نصه: "المختار أن النملة إذا ابتدأت بالأذى لا بأس بقتلها وإلا يكره، وإلقاؤها في الماء يكره مطلقًا"، لأنه تعذيب لا مبرر له، "وقتل القملة لا يكره، وإحراقها وإحراق العقرب بالنار يكره"والهرة إذا كانت مؤذية لا تضرب ولا تعرك أذنها بل تذبح بسكين حاد. ويقول النويري في نهاية الأرب (٩/٢٥٨) : "وسمعوا بعض المفسرين يقول في قوله : ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ أن المحروم هو الكلب". وقال الصنعاني في سبل السلام: (١/٢٣٢) بعد حديث المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها: "والحديث دليل على تحريم قتل الهرة لأنه لا عذاب إلا على فعل محرّم"ومثل هذه الأحكام في كتب الفقه الإسلامي لا حصر لها. هذا وقد بلغ المسلمون في الرفق بالحيوان حدًا يكاد يكون متطرفاً، حتى أن عدي بن حاتم كان يفت الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات ولهن حق، كما رواه النووي في تهذيب الأسماء.

стр. 5464

وكان الإمام أبو إسحاق الشيرازي يمشي في طريق يرافقه فيه بعض أصحابه، فعرض لهما كلب فزجره رفيق الإمام أبي إسحاق فنهاه الإمام وقال: أما علمت أن الطريق بيني وبينه مشترك. وأمثال ذلك في تراثنا كثير، وكان الدافع إلى كل ذلك هو الرغبة الشديدة في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية نصاً وروحاً. وأخيرا نقول: إن شريعة فيها من ضمان حقوق الحيوان ما ذكرنا بعضه القليل، ماذا يمكن أن تشرع للإنسان من حقوق؟

стр. 5465

مهمة المسجد في بناء المجتمع الإسلامي لفضيلة الشيخ محمد المجذوب: المدرس بكلية الدعوة بالجامعة بحث قدمته الجامعة الإسلامية إلى مؤتمر رسالة الجامعة بمكة المكرمة في رأس الحقائق البديهية أن عبادة الله هي المهمة الأولى للثقلين الجن والإنس، ويؤكد ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فهاهنا قصر الخلق على صفة العبادة وحدها، فكأنه لا غرض من وجود الجن والإنس سوى عبادة الخالق وحده، وبذلك يصبح مفهوم العبادة أوسع مدى من الشعائر الخاصة كالصلاة والصوم والزكاة والحج وما إليها مما يدخل بداهة في هذا النطاق، حتى يتناول كل تحرك يأتيه الإنسان في حياته، فلا يستثني من ذلك طعامه وشرابه ومختلف تصرفاته، إذ المفروض أن هذا الإنسان على وعي تام لسلطان الخالق ومراده من خلقه، فلا يأتي شيئاً أو يذر شيئاً إلا وفق الأفضل والأرضىله.. ومتى استوفى الإنسان هذه الصفة كان عبداً ربانياً، وكان كل تحرك له عبادةً لله خالصة. ولقد تكاملت هذه الخصائص العليا في شخص محمد رسول الله ﷺ وفي رسالته الخاتمة، فكانت الأرض كلها له مسجدا وطهورا، وكان كل عمله من ثم تحقيقاً لفضيلة العبودية الخالصة لله القائم على كل نفس بما كسبت.. والإسلام متتام الأجزاء، أول أركانه بعد شهادة الحق الصلاة، التي عدها رسول الله ﷺ عمود الدين، وكما تنهض على العمود عوالي البناء، هكذا كانت الصلاة الصحيحة منطلق البواعث المحركة لطاقة الفرد في طريق الحياة السعيدة، تسكب روحها في كل تصرفاته.. ومن هنا كان للمسجد أثره العظيم في تكوين المجتمع الإسلامي الأمثل، ولهذا رأينا أول عمل يقوم به رسول الله ﷺ بعد استقراره في المدينة هو تأسيس مسجد قباء، ثم إنشاء مسجده المبارك، الذي شارك بنفسه في بنائه مع صحابته الأكرمين.

стр. 5466

من هذا المسجد المبارك تفجرت ينابيع العلم والهدى وأصول الحضارة المثلى، التي ما لبثت أن عمت العالم فغيرت معالمه، وشقت له الطريق إلى تاريخ لا عهد له بمثله من قبل. وأدرك الرعيل الأول عظم الأمانة، فتزود لها بكل ما وسعه من معاني الوحي حتى كان الواحد منهم يغشى سوق المدينة، فيخشى أن يشغل المسلمون بصفقاتها عن ذلك الخير الأكبر، فيهيب بهم أن هلم إلى مسجد رسول الله ﷺ ليشاركوا في ميراثه الذي يتقاسمه الناس هناك [١] ... وما ميراث النبوة سوى العلم الذي به سيشقون الأعين الكمه، ويفتحون القلوب الغلف.. لقد بدأ هذا المسجد مهامه في تنظيم المجتمع من أول يوم، فكان أشبه بمحطة الكهرباء، تمتد أسلاكها إلى كل ناحية، فتضيء وتحرك وتزود الجميع بكل نافع.. في هذا المسجد تلتقي الجماعة المؤمنة للصلوات الخمس خلف إمامها الأعظم ﷺ فتتعلم منه كيف تؤديها بالخشوع الذي يحقق أهدافها العليا، وفيه تنتظم حول هاديها لتتلقى منه تعاليم السماء، التي تدربها على تنظيم مسيرتها في الطريق اللاحب الذي لا يعتري سالكه ضلال، وإلى هذا المسجد تهرع الجماعة المؤمنة كلما دعاها إمامها إلى (صلاة جامعة) تطرح في أعقابها المشكلة أو المشكلات الطوارئ، ليشاركوا في معالجتها بما أوتوا من خبرة وإخلاص لدينهم ولمصلحة مجتمعهم فيكتسبوا بذلك الدربة التي تعوزهم لضبط سلوكهم في نطاق الخير العام، ومن ثم لقيادة الأمم التي سيستخلفهم الله على إصلاحها وتوجيهها في قابل الأيام.

стр. 5467

من هذه الأصول الأولى تعرف المسلمون أهمية المسجد في حياتهم فكان لهم على مر الدهر المعبد الذي فيه يجتمعون لإقامة الصلاة، والمدرسة التي يتلقون فيها علم الدنيا والآخرة، والندوة التي يبحثون في ظلها معضلاتهم اليومية والأسبوعية، والمركز الذي يتدربون فيه على تطبيق معاني الإسلام في سلوكهم الفردي والاجتماعي والسياسي، والملاذ الآمن الذي يعمق بينهم روابط الأخوة، ويفتت الفوارق التي يحدثها اختلاف المنازل الاجتماعية بين الناس فيعودون كما يريد لهم الإسلام خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، أمة تجمعها أخوة الإيمان، ويتساوى فيها الأفراد في حق الكرامة والعدالة والحياة، فلا يستكبر فيها قوي على ضعيف، ولا يذل ضعيفها لقوي، لأنهم كلهم أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين... جامعات شعبية: وهكذا أخذ المسجد سبيله في ضبط المسيرة الإسلامية، حتى لقد كانت المساجد الجامعة في صدر الإسلام تؤدي بجانب رسالتها الدينية عدة مهام، فمن على منابرها تذاع أوامر الدولة وجيهاتها، وفيها تنعقد مجالس القضاء للحكم بين الناس. "وقد شاهد ناصر خسرو في جامع عمرو بن العاص ﵁ محرري الصكوك والعقود، كما رأى فيه مجلس قاضي القضاة ويقول إنه: كان في الزيادة الغربية من المسجد، كما كان فيها مجلس قاضي الحكم الشافعي، ومجلس القاضي المالكي..."ٍ، وكذلك عاين ابن رستة وهو من رجال القرن الثالث الهجري، بيت المال الخاص بحفظ أموال اليتامى في هذا المسجد نفسه، ووصفه بأنه كان أمام المنبر، وأنه شبه قبة عليها أبواب من حديد، ثم نقل إلى صحن المسجد، وحتى اليوم لا يزال البناء الخاص ببيت المال قائماً في الجامع الأموي بدمشق، وفي الجامع الكبير بمدينة حماة وإن هو قد خلا من كل مال...

стр. 5468

أما الجانب التعليمي من حياة المسجد فلا يزال من أبرز مقوماته بعد الصلاة، على الرغم من كل العوائق التي اعترضت طريق الإسلام، وبخاصة في أيامنا هذه، وقلما ترى مسجدا في قرية أو مدينة لا يقوم فيه مدرس أو مدرسون، أو مقرئون يعلمون صغار المسلمين كتاب الله حتى الساعة. إنها بقية من ماض مجيد، كان المسجد فيه يتخذ صفة الجامعة الشعبية مفتحة الأبواب لكل راغب في المعرفة، لا تقيده بدوام، ولا تفرض عليه مادة دون أخرى، بل تفتح لمواهبه سبيل الانتخاب الطبيعي، فينتقل من حلقة إلى أخرى، حتى يستقر في الاتجاه الذي يتلاءم مع استعداده، وبهذه الطريقة أتيح للمسجد أن يخرج أكبر العباقرة الذين تسنموا مقاعد الإمامة في الدنيا والدين.. ولقد زاحمت المدارس والجامعات النظامية مدرسي المساجد منذ مطلع العصر العباسي، ولكن المسجد لم يتخل عن مهمته لها، بل جعل يضاعف من نشاطه بإزاء ما واجه المسلمين من البدع والفتن والمذاهب التي أحدثتها الفلسفات الوثنية فكان كطوف النجاة وسط الخضم الهائج يفند الباطل، ويدعم الحق، ويعلى رايته فوق كل راية.. ولعل عهود المماليك كانت أحفل عهود الإسلام بالنشاط المسجدي في الشام ومصر، إذ أقبلوا يتنافسون على عمران المساجد، والتفنن في رعايتها وتقويتها، فكان لكل مسجد جامع ملحقاته من الحجرات والمكتبات، يأوي إليها أهل العلم من طلبة وأساتذة فتجري عليهم المساعدات السخية الثابتة لتوفر لهم العيش الكريم، فلا ينصرفوا عن العلم إلى البحث عن الخبز. وما كاد المسجد يفقد بعض مميزاته في عهود الدول المتتابعة حتى أطل بوجهه الجديد من عاصمة الخلافة العثمانية، يحيي ما اندرس أو كاد يندرس من نشاطه المبارك في خدمة المجتمع المسلم.

стр. 5469

يصف أحد المستشرقين اثنين من مساجد العاصمة فيقول: "في عهد العظمة التركية كان المسجد مركزاً اجتماعياً، فمسجد محمد الفاتح مثلا كان على جانبيه كليات وفندق ومستشفى ومركز لتوزيع الطعام، وعلى رابية أخرى كان يربض أوسع المساجد إطلاقاً وهو مسجد سليمان القانوني، الذي كان حوله عشر مؤسسات منها كليات أربع، والمدرسة لم تكن خاصة بالدين، بل كانت وحدة للسكن، وكان المسجد نفسه قاعة للدرس والمحاضرات، وكان بوسعك أن ترى لعهد قريب أساتذة في صحن المسجد خلال الصيف، وفي المسجد نفسه أثناء الشتاء، يدرسون جماعات صغيرة من الطلاب". بين أمس واليوم: أجل... إن المسجد لم يفقد حتى اليوم تأثيره في حياة المسلمين فهو لا يزال قائماً لاستقبال المصلين، ولا يخلو في كثير من الأحيان والبلدان من مكتبة صغيرة تمد المسجد بنسخ من كتاب الله للتبرك ببعض التلاوة، وقد تحتوي بعض الكتب الإسلامية الأخرى تبرع بها بعض المحسنين دون تفريق بين النافع منها وغير النافع. على أن قليلا من التأمل في أوضاعها على ضوء الغاية العليا التي من أجلها وجد المسجد في الإسلام يؤكد لنا أن ثمة فجوة هائلة تفصل بين مسجد اليوم ومسجد الأمس.. لا من حيث بناؤه وشكله وأثاثه، فقد توافر لمسجد اليوم من ذلك الشيء الكثير، ولكن من حيث الروح الذي يجب أن يهيمن على واقعه فيجعل منه منطلق حياة وتكوين وتوجيه.

стр. 5470

لقد جرد المسجد الحديث من الطاقات التي تمكنه من العمل في بناء الفكر والقلب وتصحيح المفهومات الخاطئة، فقلما نجد على منبره الخطيب المزود بسلاح العلم الواسع، وإذا وجد فقلما تجد لديه الإخلاص الذي يجعل الحق أعلى وأغلى في قلبه من الحياة- إلا من رحم الله- لقد سيطر الرعب على خطيب المسجد ومدرسه وضاقت في أعينهما سبل الرزق، فلا يريان سبيلا للوصول إليه إلا بإرضاء المتسلطين على مرافق الحياة، ممن لا يقيم وزنا لدين الله ولا يعرف حقا لشريعة الله.. ويكاد أن يكون هذا هو واقع المسجد في معظم ديار المسلمين، إلا من رحم الله.. ولا عجب في ذلك ما دام المسلمون في تلك الأقطار محكومين بغير نظام الإسلام، فكل محاولة لتوعية المصلين، وتزويدهم بحقائق دينهم ستصطدم برغبات المخالفين لها من أصحاب السلطان وأعوانهم، ممن باعوا أنفسهم للشيطان بأبخس الأثمان.. فكيف إذا أخذنا بعين الاعتبار نوعية الخطباء والمدرسين الذين يقع اختيار أولئك المتسلطين عليهم، حيث يكونون من المرتزقة الذين لا يهمهم إلا منافعهم العابرة، فلا يتورعون عن أن يجعلوا الحق باطلاً والباطل حقاً، والظالم عادلا والصالح باغيا.. التطور المدمر: إن الإسلام في توكيده على عمران المساجد إنما يستهدف من ذلك توفير وسائل التوعية الدائمة التي لا مندوحة عنها لإقامة المجتمع الصالح.. المجتمع الذي يعرف كل فرد منه ماله وما عليه، ذلك لأن الجماعة المسلمة هي المادة التي منها تتكون دولة الإسلام، وهي القاعدة التي عليها ترتكز، وإذا كانت وظيفة المجتمع المسلم _شعباً ودولة _ هي تبليغ رسالة الله وإقامة الحكم الأفضل، فطبيعي أن يجد هذا المجتمع من الرعاية والحرية ما يمكنه من تحقيق واجبه في الاستعداد للنهوض بأعباء هذه الرسالة في نفسه أولا، ثم في أوساط الشعوب الأخرى ثانياً..

стр. 5471

ولا شيء أفعل في تحقيق هذه المعاني في قلب المسلم من كلمة الحق يسمعها في بيوت الله مؤيدة بآيات الوحي من كتابه وسنة رسوله ﷺ ، ولا أدل على ذلك من توكيد الشريعة على حضور الجماعة في صلوات النهار الخمس وظهيرة الجمعة، وإيجاب صلاة العيدين على كل مكلف من ذكر وأنثى، حتى الحيض والعواتق كيلا تفوتهم المشاركة في شهود الخير، والتفاعل مع روحانية الجماعة، لتستمر للفرد صلته الوثقى بأمته وملته، فتظل الأفكار متقاربة، والأذواق متناغمة، فلا يجد الشيطان مجالا للتسلل إلى وحدة الصفوف.. تلك هي رسالة المسجد في أوضح صورها، وحين تؤدى هذه الرسالة على الوجه الصحيح، لن يتعرض المجتمع الإسلامي لمثل هذه الهزات التي تهب عليه من كل صوب، حاملة إلى أجياله جراثيم التشكيك والتخريب تحت مختلف الأسماء والعنوانات... ولكن المسجد أوشك أن يفقد سلطانه على النفوس بعد هذه التطورات التي سلخته من معظم مقوماته، وسلطت عليه حتى من لا يؤمن برسالته، فهو اليوم في جل ديار المسلمين أداة شلاء لا يكاد يؤدي أي وظيفة اجتماعية هادفة، بل لا نغالي إذا قلنا إنه بما يعتوره من المعوقات المختلفة، لا يزيد الواقع الاجتماعي إلا بلبلة واضطرابا. لنبدأ من هنا: على ضوء هذه الأحاديث وجدتني وأنا أهم بكتابة هذا البحث أتساءل: ما الحصيلة التي سيرجع بها المجتمعون في هذا المؤتمر إلى بلادهم؛؟ ... وإلى أي مدى يمكنهم أن يضعوا مقرراتهم في حيز التنفيذ؟ ...

стр. 5472

لقد تكررت المؤتمرات التي عقدت لعرض أحوال المسلمين، ولدراسة أوضاعهم على مختلف المستويات، وإن في مقرراتها الكثير من العلم والخير... غير أني أتطلع في كل اتجاه لأرى آثارها العملية فلا أكاد ألمح شيئا... ولا جرم أن اجتماعا يعقد لتصحيح أوضاع المسجد والمسجديين جدير بكل تقدير واهتمام، إذا كان من شأنه تغيير هذا الواقع الذي انتهى إليه المسجد وأهله... ولكن ما السبيل إلى ذلك وهو الذي لا سبيل إليه إلا عن طريق الذين لا يريدون هذا التغيير... في اعتقادي أن أعظم خدمة نقدمها لإحياء رسالة المسجد هو أن نبدأ هذا التصحيح في مساجد هذه المملكة أولا... فإذا نجحت المحاولة هنا كانت الخطوة التالية إقناع الأقطار الإسلامية الأخرى بنقل هذه التجربة إلى مساجدها. إن المملكة السعودية هي البيئة الإسلامية المتميزة، فقضاؤها إسلامي صرف، وتعليمها لا يزال مرتبطاً بأهداف الإسلام، ونشاطها الإسلامي لا يكاد يفوته جانب من أرض المسلمين، وفي إمكاناتها المادية ولله الحمد ضمان لإنجاح أي مشروع إسلامي من هذا النوع.. فلتكن هي المنطلق الأول لتحقيق الأنموذج الأفضل الذي تتطلع إليه أبصار المصلحين وبصائرهم... لقد كتب الكاتبون، وألّف المؤلفون، وخطب المحاضرون، وتغنى الشعراء الإسلاميون بعظمات الإسلام وإمكاناته العجيبة لإصلاح الإنسان، وبناء الأوطان وإقامة الحكم الصالح، وإعطاء البشرية أفضل الأنظمة في السياسة والاقتصاد والعدالة... ولكن شيئاً من ذلك لم يترجم إلى نطاق العمل المنظور خارج هذه البلاد حتى الآن، لذلك ستظل هذه الكنوز حديثاً ماتعاً يسلي القارئ والسامع، على حين أن المسلمي، ن ومن ورائهم العالم كله يظلون أحوج ما يكونون إلى رؤية هذه الكنوز بارزة في متناول الأيدي والأبصار، فمتى يتاح لهذه الحقائق الإسلامية أن تحتل مكانها في عالم الواقع، ليقتنع العالم أن لدينا ما نقدمه لإنقاذه من مهامه الضياع.

стр. 5473

إن الضمير الإنساني يطالب المسلمين بإقامة أنموذج صحيح للمجتمع الذي يستطيع الإسلام أن يبنيه بإمكاناته الخاصة وحدها، فيكون مجتمعاً ربانياً يحكمه نظام الإسلام في كل شيء، دون أن يسمح للتيارات الدخيلة بأي تأثير في خصائصه العليا، حتى يكون حجة الإسلام على العالم، الذي مزقته التجارب البشرية المقطوعة عن طريق الوحي.. وما لم يتفق المسلمون على هذه الحقيقة وما لم يتقدم من الشعوب الإسلامية من يحقق هذا الأنموذج، فسيظل كماخض الماء، لا يتجاوز حدود الأحلام. المسجد الذي نريده: أما المسجد الأنموذج الذي تتطلع إليه أبصار المفكرين فهو الذي توافرت فيه كل الوسائل المساعدة على استعادة منزلته وتحقيق رسالته التي أنشئ لها من أول يوم أول مسجد أسس على التقوى. ولن يكون المسجد كذلك إذا قصرنا العناية فيه على الشكل دون المضمون.. أو على المضمون دون الشكل. إن الذي قدح فكرة إصلاح المسجد في قلوب المصلحين هو شعورهم بحاجة المجتمع العميقة إلى مؤثرات هذه المؤسسة الإسلامية الهامة، ولابد في تحقيق هذه الغاية من مراعاة التطور الاجتماعي الذي تعيشه الإنسانية في كل مكان وزمان. ومن موحيات ذلك التطور أن يكون المسجد وحدة اجتماعية متكاملة، تؤمّن لمرتاديها كل متطلباتهم الروحية والعقلية، وحين نفعل ذلك لن نبتعد كثيراً عن أوضاع هذه المؤسسات في ظل الخلافة العثمانية أو عهد المماليك مثلا، ذلك لأن أولئك الذين أنشئوا تلك المساجد، وأحاطوها بالمرافق الاجتماعية المختلفة، إنما صنعوا ذلك بحافز من الوعي التام لرسالة المسجد في نطاق الحاجات الاجتماعية الطارئة.. وعلى هذا فالمسجد الذي يراد أن تتمثل فيه الوحدة الاجتماعية المتكاملة هو الذي يجد فيه المصلون على اختلاف مستوياتهم كل الفرص التي يستطيع توفيرها ناد مزود بكل المرغبات الصالحة...

стр. 5474

إن قاعة الصلاة جزء من هذه الوحدة يفيء إليها روادها كلما دعا إليها الداعي في أوقاتها الخمسة، ثم مكتبة عامرة بأفضل المؤلفات الإسلامية في شتى العلوم والفنون، على أن يعنى فيها باختيار الطبعات الرائعة من كتاب الله، فلا تقع فيها العين ولا اليد على تلك المصاحف التجارية التي طبعت أردأ طبع، وجلدت أسوأ تجليد، فلا يتكرر لمسها حتى تتفتت، وتتحول إلى ركام من الأوراق الممزقة. ثم تلحق بهاتين القاعتين ثالثة للجلوس يجتمع فيها أهل الفكر من أبناء المحلة أو زوار الوحدة، حيث يتداول الرأي في أمورها وأحوال روادها، وما ينبغي عمله لاستمرار تقدمها وازدهارها على أن تكون من السعة بحيث تصلح لإلقاء المحاضرات، وإقامة الندوات الفكرية تحت إشراف المسئول عن الوحدة. وسيكون من الإحياء للسنة إجراء عقود النكاح في هذه القاعة، ليحضرها رواد المسجد والمكتبة والمجاورون، فيكون ذلك مدعاة لتقوية الروابط بين أهل المحلة، وأفضل وسيلة لمكافحة السرف الذي اعتاد الناس أن يتنافسوا به في مثل هذه المناسبات. ولن ننشد المستحيل عندما نتمنى أن تكتمل هذه الوحدة بإضافة مستوصف يتناسب مع حاجة البيئة، يقوم عليه طبيب أو أطباء بصورة ثابتة أو بالتناوب بين أطباء يخصصون بعض وقتهم لخدمة المترددين على هذا المستوصف على أن تصرف لهم الأدوية الأولية من الصيدلية الملحقة به.. إن مركزاً إسلامياً كهذا من شأنه أن يقدم لبيئته أجل الخدمات، ويهب للإسلام أفضل نماذج الدعاية، التي تعرف الناس قدراً غير قليل من جمال هذا الدين، الذي يهدي للتي هي أقوم، ويهيب بالمؤمنين أن يتعاونوا _ دائماً وأبداً _ على البر والتقوى.

стр. 5475

على أن كل مجهود يبذل لتوفير هذه المصالح سيظل أبتر معرضاً للخلل فالزوال، إذا لم توجه مثل هذه العناية إلى نوعية الرجال الذين سيشرفون عليها. ولهذا نرى أن أول الشروط التي على أساسها يختارون هو الكفاية الخلقية ثم الكفاية العلمية، فما ينبغي لغير مؤمن بهذا الدين أن يعهد إليه بالإشراف على المسجد وملحقاته، ولا يصح أن يوسد أمرها إلى خبير عليم اللسان فاسد الجنان، لأنه واحد من زمرة الشياطين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، كما أنه سيكون من الجناية على المشروع أن يعين لها الدراويش من ذوي التقوى، الذين لا يملكون نصيباً وافياً من العلم العاصم، لأن تولية أي من هؤلاء سيكون نذيرا بدماره حسب منطوق الحديث الصحيح: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" وقد فهم أولو العلم أن المراد بالساعة هنا ساعة خراب الأمر. إن المسجد الجديد لا يصلح إلا بما صلحت به أوليات المساجد التي أسست على تقوى من الله، وفي رأس ذلك الجمع بين العلم والإيمان، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإصلاح أوضاع المشرفين الأعلين على مصاير المساجد في بلاد المسلمين، فلا يرفع إلى تلك المناصب من لا خشية عنده لله، ولا غيرة على حرمات الإسلام، وإني لأكتب هذه الكلمة وفي رأسي ذكرى يوم رافقت فيه أحد مديري الأوقاف في بلد مسلم إلى أحد المساجد التاريخية، وهناك أدركتنا صلاة العصر فإذا هو يستعجل بفراقنا لأنه لايريد الصلاة _أو لا يعلم كيف يصلي_ وما أكثر هؤلاء في معظم ديار المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. نعم.. لابد من التركيز على نوعية الخطيب والمدرس والإمام والمشرف العام، فكم من إمام لا يحسن إقامة الآية من كتاب الله، وكم من خطيب لا يصلح إلا للتنفير من دين الله، وكم من مدرس يعلم الناس الخير، وهو غارق بالفساد إلى صماخيه....

стр. 5476

لقد آن للمسئولين عن رعاية المساجد أن يحسنوا لها الاختيار، فلا يقل مؤهل الإمام والخطيب عن الشهادة الثانوية الشرعية في أوساط القرى والبوادي، وأما في المدن والحواضر فلا يصل إلى هذه الأعمال امرؤ يقل مؤهله الدراسي عن مستوى الإجازة من إحدى الكليات الإسلامية، وذلك بعد الاستيثاق الكامل من مؤهله الخلقي، على أن هذا يقتضي أن يوفر للعاملين في خدمة المسجد كل ما يؤمن لهم الحياة الكريمة، وقد درج بعض المحسنين أن يلحقوا بالمسجد منزلاً خاصاً للإمام والخطيب، وإنها لسنة حسنة يجدر بالمؤتمر ألا يغفلها. وإذا كان هذا صحيحاً بالنسبة إلى كل مسجد في أي مكان، فهو أحق بالتحقيق في المسجد الأنموذج، الذي يراد له أن يكون مناراً للهداية، ومنطلقاً للدعوة إلى دين الله بين مختلف عباد الله. المراكز الإسلامية: وبحث كهذا في شأن المسجد لا يستكمل عناصره ما لم نلق من خلاله نظرة إلى ما يسمى اليوم بالمراكز الإسلامية المنشآت خارج أقطار المسلمين... إن لبعض هذه المراكز نشاطاً ملحوظاً في خدمة المسلمين وفي الدعوة إلى الإسلام، وقد حقق هذا البعض بفضل الله غير قليل من النجاح في أوساط الجاليات الإسلامية، وطلاب الحق والخير من غيرها... بيد أن الملاحظ أن أكثر هذه المراكز نجاحاًً في خدمة الإسلام هي التي يقوم على خدمتها عناصر حرة من الشباب المؤمن، الذي لا تقيده وظيفة رسمية.. ففي ظل هؤلاء الأحرار يحسن عرض الإسلام لجاهليه من الأجانب، وتنظم برامج تعليم لصغار المسلمين ممن لا يتاح لهم معرفة شيء من دينهم إلا عن طريق هؤلاء المتطوعة..

стр. 5477

هذا على حين نرى المراكز الأخرى التي تتولى أمرها قيادات رسمية لا يهمها من أمرها إلا تحقيق الدعاية السياسية التي تفرضها الدولة.. ومن هنا رأينا مراكز تنفق عليها الأموال الطائلة، ثم لا مردود لها سوى زيادة البلبلة في أوساط الجاليات الإسلامية.. ولقد حدثني زميل فاضل تولى إمامة أحد هذه المراكز من قبل هيئة خاضعة للحكومة فلم يستطع أن يحقق فيه أي مهمة إسلامية، بل لم يستطع حمايته من المفاسد التي ينكرها أهل الإيمان، لأن الذي عهد إليه بإدارته كان أبعد الناس عن فضائل الإسلام، حتى إنه ليفطر رمضان دون عذر، ويأتي من المنكرات ما لا يكتمه زميلي الفاضل لو سئل عنه.. وقد شكا أمره إلى المسئول الأعلى فلم يجد أي مردود سوى التهديد والوعيد... وهكذا تذهب آمال المسلمين ببعض هذه المراكز مع الريح.. ولا جرم أن إخفاق أي مركز إسلامي في الغرب يجر معه إخفاقاً أكبر للدعوة الإسلامية، إذ يكون سبباً لتشويه الإسلام، وصرف الراغبين عنه إلى البحث عن علاج حيرتهم في غيره.... طموح مشكور يرجى تحقيقه: ومرة أخرى أسمح لنفسي بالقول: إن هذه المملكة أحق بلاد الإسلام في عهدنا هذا بإصلاح هذا الوضع، وذلك بإحداث مراكز للإسلام في مختلف حواضر العالم الغربي، يقوم على رأسها رجال جمعوا بين قوة العلم وأمانة التبليغ، كبعض أولئك الذين خرجوا من هنا بدعوة الله قبل قليل إلى أوربة والفاتيكان، فأحسنوا العرض والحوار وعادوا مكللين بالأجر والغار.

стр. 5478

وفي ظني أن أهم واجب يتحمل تبعته كل مركز إسلامي ينشأ خارج البلاد العربية هو لمُّ شعث الجوالي الإسلامية تحت راية الصلاة، ثم تخصيص برامج أسبوعية لتعليم أبنائهم ما لابد من علمه عن كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ إلى برامج أخرى خاصة لنشر العربية والإسلام بين الأجانب والأعاجم، ودعم كل من البرنامجين بمكتبة صالحة تيسر لطالب العلم الحصول على بغيته من أقرب سبيل، على أن يراعى فيها مستوى كل من القسمين، مع الاهتمام الكبير بنوعية المنشورات والكتب، بحيث تكون مقصورة على عرض الإسلام وتيسير العربية دون انحراف نحو الدعايات السياسية الخاصة. لقد حدثني قبل أيام فتى سعودي كري، م على اتصال بسمو الأمير المؤمن العامل محمد بن الفيصل منشئ (مؤسسة الإيمان للتربية والتعليم والثقافة الإسلامية) التي تنتشر مدارسها النموذجية حتى الآن في الرياض وجدة والمدينة المنورة، حدثني بخبر يسر كل مسلم هو أن سموه يعتزم أن يوسع دائرة المشروع إلى أبعد من حدود المملكة حتى تشمل أمريكة، فيغزوها بالإسلام عن طريق التعليم، كما تقوم هي بغزو المسلمين بالنصرانية والخنفسة عن طريق المبشرين والهيبيين. وقد أشار إلى ذلك المنشور الخاص بهذه المؤسسة المباركة، إذ يقول في نهاية الفقرة الرابعة منه: "وتعد المؤسسة مشروعاً لتحويل مدارسها إلى مدارس دولية إسلامية تكون لها نظائر خارج المملكة، سواء في الدول الإسلامية أو الأجنبية". وقد علمت بعد ذلك من أحد العاملين في هذه المؤسسة أنها ستبدأ خطواتها الأولى على هذا الطريق في القاهرة والإسكندرية، لتكون منطلقاً إلى عمل تعليمي على مستوى العالم الإسلامي...

стр. 5479

وياله من طموح يستسهل في سبيل الله كل صعب، ويدغدغ الآمال بمستقبل مشحون بالنصر والمجد، وما أحوج مؤتمر رسالة المسجد إلى مثل هذا الطموح، الذي من شأنه أن يرد بفضل الله وتوفيقه إلى المسجد رسالته العظمى، في إيصال هداية الله إلى كل مستحق لها من الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. -------------------------------------------------------------------------------- [١] مضمون حديث حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه

стр. 5480

رسائل لم يحملها البريد لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي المدرس بكلية الشريعة بالجامعة صديقي الأعز وعدوي الألدّ... لست أدري بأي اسم من أسمائك الكثيرة أسميك، ولا بأي نداء من نداءتك العديدة أخاطبك، أأسميك باسم الدرهم والدينار، أم أخاطبك باسم الجنيه والدولار، أم أكتب إليك بأقرب الأسماء إلى شفتيّ، وأكثرها وروداً على سامعيّ، وأوسعها أخذا وعطاء أمام ناظرتيّ، فأقول يا أيها الريال؟! أم أترك أسماءك وألقابك إلى أشكالك وصورك، وكم لك فوق الأرض وفي باطنها من شكول وصور تخطف الأبصار وتزيغ البصائر وتهزّ العقائد والقلوب هزا عنيفا. أنا لا يهمني أسماؤك ولا ألقابك، ولا يعنيني أشكالك ولا صورك، سواء أكنت ورقا مصقولا مكفولا منمنما تتخطفه الأيدي، أم كنت ذهبا أصفر مشعّاً لا يتحرك إلا بتؤدة ولا يجلس إلا مجلساً كريماً، أم كنت تجارة متداولة، أم عمارة متطاولة، أم سائمة تملأ المراعي، أم نباتا يطعمه الناس. أنا لا يهمني شيء من ذلك، وإنما يهمني حقيقتك ومعناك، يهمني هذا الدور الذي تقوم به على مسرح هذا العالم مذ هبط آدم إلى الأرض إلى أن يدس أبناؤه في التراب. ولقد دعا هذه الخواطر التي أكتبها إليك داع ربما لم يكن دعاؤه نديا، ولكنه على كل حال قد دعا سواء أكان دعاؤه ندياً أم خفيتاً خفيا، دعاها أبيات قالها النمر بن تولب العكلي لعاذلة أغلب الظن أنها كانت زوجه، ولعلها كانت تلومه في إنفاق، وتعتب عليه بسط يد، وتطلب إليه أن يمسك عليه ماله، قال: بعيدا نآني صاحبي وقريبي أعاذل إن يصبح صداي بقفرة وأن الذي أنفقت كان نصيبي ترى أن ما أبقيت لم أك ربه أخو نصب في رعيها ودؤوب وذي إبل يسعى ويحسبها له وبدل أحجارا وجال قليب غدت وغدا رب سواه يقودها

стр. 5481

ما أكثر ما أنشدت هذه الأبيات التي تتحدث عنك، وما أكثر ما ردّدت هذا الشعر الذي يصور نزاعاً فيك، زوجة تحرص عليك وتضن بك، وتحبك حباً جماً ولا تطيق فراقا، وزوج يعدّك ماله ينتفع بك، ويراك نصيبه حين ينفقك، أما حين يحبسك ويغلق دونك الأبواب فلست له مالا، وإنما أنت مال أناس آخرين ستأتيهم برداً وسلاما، دون أن ينصبوا فيك أو يدأبوا لك أو يقوموا عليك قياما. وقد تسألني وتقول: وما قضاؤك لو قضيت؟ أي الزوجين كان على حق؟ وأي الرأيين كان صواباً؟ أما عقلي فمع الرجل، وأما هواي فمع المرأة، ويا لله من ذاك الهوى!! لقد أفسدت عليّ أيها المال حياتي، أفسدت عليّ ديني، وأفسدت عليّ خلقي، وسلبتني الرأي، وباعدت ما بيني وبين الكتب. شتان ما حالي وقد حرمتك، وحالي بعد أن عرفتك وذقتك، كان لي قبل أن أراك رأي أقوله لا أبالي فيه العواقب ولا أخشى الثبات، أرى الباطل فأقول هذا باطل، واسمع المفتري فأناديه يا ذا الإفك والبهتان، وأحضر مجالس المنافقين والمرائين فيكون لي فيها رأي لا يطيب لهم سماعه، كنت قبل أن تقوم بيننا هذه المودة أشتري بالقليل القليل الذي أجمعه منك كتب علم وأدب أوسع بها معارفي، وأصقل بها ذوقي، وأثقف بها نفسي، وأملأ بها سمعي وقلبي، كنت أفضل ذلك على أن أشتري بك أطعمة لذيذة يتمتع بها حسي، ويتضخم بها جسمي، ويتبلد بها ذهني، ويموت فيها نشاطي، كنت أفضل ذلك على أن أشتري بك ثياباً جديدة جميلة أختال فيها كما تختال الطواويس، وأميس فيها كما يميس الصغار والفتيان في ثيابهم الجديدة أيام أعيادهم السعيدة.

стр. 5482

كنت من قبل أن تقوم بيننا هذه المودة أعيب أيما عيب أناساً على رغم ما يتسمون به من العلم والفضل يقبلون على جمعك وادخارك بشراهة، لا يعرفون فيك سكينة ولا أمنا، ولا يذوقون فيك راحة ولا نوما، وإذا ما سألت: علام هذا النصب الناصب، وفيما هذا السعي اللاغب؟! قال قائلهم: أريد أن أؤمن مستقبلي ومستقبل أولادي من بعدي، أتريد أن يعيش التجار ورجال الأعمال وأصحاب المهن وسائر الناس في سعة من العيش وخفض، ونعيش نحن رجال العلم في ضيق من العيش وحرمان من الدنيا وزهد في نعيم الحياة؟! ألسنا يا أخي بشراً من هؤلاء البشر؟! أفلا يكون حقاً وعدلا أن نستمتع كما يستمتعون وننعم كما ينعمون؟! لقد وفّر الناس لأنفسهم أموالا ضمنت لهم مستقبلهم، ونالوا من الطيبات ما طابت به أنفسهم، وأخذوا من أسباب الحياة ما نعمت به حياتهم، فإذا وفرنا لأنفسنا ما وفروا، ونلنا من الطيبات ما نالوا، أفنكون بذلك قد اجترحنا السيئات ونلقى من بعد أثاما؟! كنت قبل أن عرفتك أيها المال أنعم بحياتي، وأحسن التصرف فيما أدع وفيما آتي، وأجد أيامي راضية واسعة مباركة، أعبد الله في طمأنينة وسكينة وحضور قلب، وأحضر دروس غير معجل ولا كاره، وأذهب إلى مكان تدريسي مبكراً، وألقى طلابي هاشاً باشاً نشيطاً، ثم لا أعدم مع هذا أوقاتاً طيبة أصاحب فيها علماء رحلوا عن هذه الحياة الدنيا منذ قرون، وقد شغلوا عن تأمين مستقبلهم ومستقبل أبنائهم في الحياة الدنيا، وعن التمتع بالطيبات من الرزق والرفاه من العيش، قد شغلوا عن ذلك كله بتأمين مستقبلهم في الدار الآخرة، وتأمين مستقبل أبناء المسلمين بتركة مباركة غنية من العلم والأدب والمعرفة.

стр. 5483

كنت ... وكنت ... وما أكثر ما كنت ... وما أقل ما كنت ... ثم ذقت طرفا من حلاوتك، وتمليت بقية عمر في صحبتك، وأصبحت أدور معك حيث تدور، وأقف معك حيثما تقف، قد استعبدني هواك وحبي إياك، حتى لم أعد أبصر الأمور إلا بعينيك، ولا أسمع الأشياء إلا بأذنيك، ولا يطيب لي العيش إلا حيث تكون. بالأمس أمسكت حزمة سمينة من أوراقك الثمينة، أقلبها تارة وأعدّها تارة أخرى، ثم أرفه عن نفسي بتقسيمها ألفاً ألفا، ثم بتقسيمها ألفين ألفين، ثم أضمها كلها بعضها إلى بعض، وأسرح الطرف إليها في زهو وإعجاب، ثم حملني الزهو والإعجاب على أن أملأ جيبي بتلك الأوراق وأجوب بها الأسواق، ومع أن عينيّ كانتا تلبسان نظارات طبية جديدة، وكان إبصاري بهما قويا حديدا، مع ذلك كنت لفرط زهوي وغروري لا أرى الناس والأشياء إلا أشباحاً وظلالا، وعلى رغم أني فارقت شبابي منذ عهد بعيد، فقد خطوت خطوات الشباب السريعة الواسعة الواثبة، ومضيت في السوق لا ألوي على شيء، ولا أعوج بشيء، وسرعان ما صدمت أحد العابرين فإذا هو لقى على الأرض يئن ويتلوى، ونظرت إليه من عل فوجدت فيه مسكيناً غريباً زريّ الهيأة، فحقرت شأنه، ومضيت لطيّي لا أبالي، والناس يرجمونني بنظرات ملؤها السخط والمقت، وفجأة رأيتني وأنا لا أدري أمام مكتبة ضخمة فخمة تموج بالكتب وبالمشترين موجا، وكاد حنيني الكمين القديم يقذفني إلى الداخل لولا صوت رنّ في أذني يقول: إلى أين؟! أتريد أن تعود إلى عهدك القديم وسيرتك الأولى؟! علام ذلك وفيمه؟! لقد نلت الشهادة منذ سنين بعيدة، وأصبحت بها موظفاً ذا درجة حميدة، فما أنت والكتب والمكتبات؟! تلك أيام قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وما بك من حاجة أن تعود، أتريد أن تدرس وتطالع؟ وما حاجتك إلى المطالعة والدرس؟! كان ذلك من أجل الامتحانات وقد نجحت في تلك الامتحانات، أتريدها توسيعاً لمعلومتك وتعميقاً لمفهوماتك في تحضير دروسك لطلابك؟ ولكن ما حاجتك إلى ذلك؟!

стр. 5484

تدبير تجارتك وتربيب أموالك أولى بوقتك واهتمامك، أم تخشى أن يفجأك المفتش فيلقاك مقصراً مهملا، ولكنك تعلم أنه لا تثريب عليك في ذلك ولا تأثيم، فكثيراً ما دعوت رؤساء ذلك المفتش ومن بيدهم الحل والعقد إلى حفلات تقيمها لهم وموائد، وكثيراً ما قدمت إليهم الهدايا والتحف، فأنت بهذا في حصن حصين من غوائل الوظيفة، وفي مأمن أمين من عوادي الإهمال والتقصير. وهممت أن أجادل وأدافع وأبين ما في قوله من خطأ وجناية وتضييع أمانة، ولكن صوت المؤذن لصلاة العشاء وخروج المشترين من المكتبة إلى المسجد لم يدعا مجالا للجدل ولا للبيع والشراء. ودخلت المسجد مع الداخلين، وصليت مع المصلين وأنا مشغول البال مهموم القلب ثائر العواطف، وانتهت الصلاة وأنا لا أذكر شيئا من صلاتي ولا شيئا مما قرأه الإمام في تلك الصلاة، ولم تصح نفسي إلا وأنا علة عتبات المسجد أدس قدمي في الحذاء. وما أسرع ما تعزيت وتخففت من تلك الهموم بتلك اللمسات التي أحسّ بها جيبي وما في تلك الجيب من أوراق نقدية قد ملأت منها كل جانب، وكانت تلك اللمسات متتابعة ما تكاد تنقضي حتى تبدأ، وكثيراً ما كانت عيني تحسد يدي على تلك اللمسات فترسل النظرات وراءها تشارك وتستمتع، وما كانت أذني بمعزل عن تلك المتعة، فما أكثر ما قالت ليدي في رقة واستعطاف: ناشدتك الله يا أختي أن تحركي تلك الأوراق بقوة فإن لها خشخشة مطربة وحفحفة لذيذة!! وقبل أن أخلص من السوق بقليل روعت يدي ترويعاً شديداً حين لمست جيبي فهوت ولم تجد تلك الربوة الصغيرة التي كانت تملأ كفها وتزيد، وكاد يصيبها شلل لولا أن الشلل في تلك اللحظات كان مصيبة أخرى، فاستجمعت قواها وأخذت تروح وتجيء في الجيوب كلها محمومة مرتعشة تظن جيباً أخرى قد استضافت تلك الأموال، ولكن تلك الأموال كان قد استضافها مكان آخر بعيد لا يعلمه إلا الله.

стр. 5485

ورجعت أدراجي أرسل النظرات هنا وهناك فوق أرض الشارع وفي زحمة الخطأ واشتجار الأقدام، لعل تلك الأوراق سقطت في الطريق. وبينا أنا ذاهل عما حولي مطرق الرأس إلى الأرض إذا شيء يصدم ذلك الرأس بعنف فيلقيني على الأرض، وتجمع الناس من حولي يساعدونني على القيام ويلومونني ويقولون: هذا الرجل الذي يحمل صناديق الخشب على ظهره كان يصيح بأعلى صوته مراراً وتكرارا يحذر الناس! الخشب الخشب! أفلم تسمع إذا كنت لا ترى؟! أو لم تر إذا كنت لا تسمع؟! وأقبل الرجل الحامل يعتذر بكلمات أحسست فيها الحسرة وبنبرات صوت شاع فيها الأسف، وقبلت عذر الرجل، فقد بذل في تحذيري كل جهد، وكانت الصدمة منه على غير قصد، وكانت مني غفلة وشرود خاطر. وسرت إلى البيت وئيد الخطا ظالع المشية، وكانت نفسي تحدثني في أثناء العودة وتقول: كان لابد من قبول عذر الرجل، فقد ضاعت ثروتك وأصبحت ضعيفاً مسكينا لا حول ولا طول ولا مال، ومن كان في مثل هذه الحال فلا ينبغي له أن يفعل غير ما فعلت، أما لو كان مالك لا يزال في جيبك فما كان ينبغي لك إلا أن تلطم وتصدم وتغلظ القول. ولم يعجبني حديث نفسي هذا، فأعرضت عنه وجعلته دبر أذنيّ وتحت قدميّ، فقد كان في اعتذار الرجل إليّ تكريم لي وتعظيم، وكان في قبولي العذر منه إحسان ومودة، ثم كان فيما قدمه من عذر وفيما قدمته من عفو مؤاخاة أضاءت لها وجوه الناس، وعمل صالح لا يضيع أجره عند الله. وطرقت باب البيت، واستقبلني أهله وقد راعهم كدم في الجبين، واضطراب في الخطا، وصفرة في الوجه، ونبرات صوت حزينة أليمة خافتة لا تكاد تبلغ الآذان، وأجبت قبل سؤال: لا تراعوا زلة قدم، وسقطة جسم، وكدوم ليست بذات بال. - ولكن ما بال صوتك يبكي؟! وما بال عينيك قد غامتا؟! وها هو ذا وجهك قد غارت دماؤه!!

стр. 5486

- أشرت إلى جيبي التي كانت على صدري، كانت خواء مطبقاً بعضها على بعض كأن لم تغن قبل قليل بأوراق ثمينة لم تعرفها جيب عاقل قط. - أصلحك الله! لقد حذرناك، ولكنك ركبت رأسك واتبعت هواك، وعلى كل حال فنعم الله علينا كثيرة لا تنفذ، ولقد كنا من قبل أن نعرف هذا المال في نعمة، ومن يدري؟! فلربما كان في ذلك المال شر لنا فصرفه الله عنا، فارض بما قضى الله وقدّر، ولا تأس على ما فات، هاهو العشاء محضر فتفضل. - الحمد لله على كل حال وأسأله تعالى الخير لنا فيما يختار، أما العشاء فأنا متعب وأريد أن أستريح قليلا. وما كدت أضع رأسي على الوسادة حتى سمعت صوتاً غريباً يرن في أرجاء الغرفة ويقول: إنني أنا المال، أتحدث إليك من أرجاء العالم كلها، ومن أنحاء الأرض جميعاً، إنني أحب الحرية، أحب أن أسيح في الأرض، وأن أنطلق من يد إلى يد، ومن صاحب إلى صاحب أحمل البر والخير، وأنقل الإخاء والرخاء، لا أحب أن يستعبدني إنسان، ولا أن يحبسني مكان، لقد خلقني الله فتنة للناس ومحنة، وتجربة كبرى لهم واختبارا، فكم من أناس يراهم الناس شامخة أنوفهم على ارتفاع ثلاثين أو أربعين ألف قدم، سرعان ما يخرون إلى الأرض يمرغون جباههم بالثرى وأنوفهم بالرغام، حينما يرونني مقبلا من بعيد أو بارقة في الظلام. وكم من فقير كان يلبس ثياب التقوى ويدعو إلى الدين في حرارة قول وصدق يقين، ثم ساقني الله إليه فنسي الناس ونسي ما كان يعظ به الناس، وتلهى عن حق العباد وحق الله فيما وهب له الله، ثم اتبع خطوات الشيطان وكان عاقبة أمره غيا. وكم من قاض جلس يحكم بين الناس فكان العدل هو الذي يقضي، وكان الحق هو الذي يحكم، ثم طرقت _ أنا المال _ عليه الأبواب الخلفية، فانفتحت فرجة صغيرة تسللت منها على شيء من الخوف وقليل ثقة واطمئنان ثم كثرت زياراتي، ونجحت وساطاتي وتفتحت ليّ الأبواب.

стр. 5487

وكم من وزير وموظف كبير تولى مصالح الناس وتصريف شؤون الدولة، جلست _أنا المال _ في كفة ميزان، وجلست مصالح الناس ومصالح الدولة في الكفة الأخرى، فوضع يده في كفتي فثقلت ورجحت، وأعرض عن الأخرى فخفت وشالت. وكم صيحة صحت يا حسرة على المسلمين حين رأيت ثلة من زعمائهم وفئة من علمائهم لا يفتر لهم لسان عن ذكري، ولا يطيب لهم حديث غيري وليس لهم مشغلة إلا أياي. قليل قليل جداً أولئك الذين جئتهم فظلت أقدامهم ثابتة لا تزل، وظلت عيونهم مبصرة لا تعشو، وظلت قلوبهم مضيئة لا تلتف بضباب، ولا يغفلها سحاب. ولقد كرمني الله فجعلني من هذه القواعد التي يقوم عليها المجتمع، ومن هذه الأشياء التي تصلح بها أمور الناس، وأولئك الذين يرمونني بالإثم، ويتهمونني بأنني مثير ضغائن وحروب بين أفراد وشعوب، ويجتهدون أن يقيموا مجتمعاً بدوني، وأن يبنوا أمة ليس لي فيها وجود، أولئك ساء ما يقولون، وضلة ما يحاولون، فأنا مطية ذلول يمتطيني صاحبي على طريق الخير إن كان من أهل الصلاح والبر، ويسوقني صاحبي على دروب الشر إن كان من أهل الفساد والضر. وعلى رغم ما ألاقيه في هذا العالم من تكريم وتعظيم، فإن حياتي لا تخلو من أحزان، ومما يحزنني في هذه الحياة أن أناسا يجمعونني على غير هدى وإبصار، وأن قوماً يدخرونني ولا يدرون فيما يكون هذا الادخار، وأن أيديا طائشة كثيرة تنفقني على غير حاجة ولا رشدة. ليت الذين يجمعونني يجمعون كما تجمع أريها النحل، وليت الذين يدخرونني يدخرون لما تدخر له النمل، وليت الذين ينفقونني ينفقون كما أمر الله وفي سبيل الله وكيما ينتفع الناس بي في هذه الحياة. ولقد نسيت أن أبدي لك رأيي فيما قاله بعض الشعراء ف إنفاق المال، كقول هذا العكلي الذي ذكرت. وقول حاتم الطائي الذي لم يذكر: بصير إذا ما مت نهبا مقسّما أهن في الذي تهوى التلاد فإنه إذا نال مما كنت تجمع مغنما

стр. 5488

قليلا به ما يحمدنك وارث وقول طرفة بن العبد: فدعني أبادرها بما ملكت يدي فإذا كنت لا تستطيع دفع منيتي فأنا لا يعجبني هذا الذي بعث هؤلاء على... ويفتح باب ويهتف صوت: لعلك استرحت وزال عنك ما شكوت. إن العشاء لا يزال ينتظر. وفررت أيها المال وفر صوتك معك، ليتك اصطبرت قليلا وأتممت ذلك الحديث! هل إلى رجوع من سبيل؟ عبد الرؤوف اللبدي

стр. 5489

البيان البلاغي عند العرب معناه أطواره الدكتور عبد الحميد العبيسي الأستاذ المساعد بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الحمد لله الرحيم الرحمن علّم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان، والصلاة والسلام على رسول الله أفصح من نطق وأبان وبعد: فقد وردت كلمة "البيان"في المعاجم العربية بمعنى: ما تبين به الشيء من الدلالة وغيرها؛ تقول بان الشيء بيانا: اتّضح، فهو بيّن، والجمع: أبْيناء، والبيان: الفصاحة واللَّسَن، وكلام بيّن: فصيح، وفلان أبْين من فلان، أفصح وأوضح كلاماً منه، والبيان: الإفصاح مع ذكاء، والبيان إظهار المقصود بأدلّ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب مع اللَّسَن، وأصله الكشف والظهور. فمادة البيان تدور حول معنى: الدلالة، والفصاحة، والوضوح، والكشف، والظهور، وقد استمرت هذه المعاني مستقرة حتى ظهرت باكورة الدراسات البيانية المتخصصة متمثلة في كتاب (البديع) لمؤلفه الأمير الشاعر ابن المعتز المتوفى سنة ٢٩٦هـ؛ استجابة لدعوة الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥هـ القائمة على تحقيق التأنق في رسم الصورة الأدبية، والكشف عن الوسائل التي تزدان بها تلك الصورة، وتزداد بها وضوحاً وروعة، وكتاباه: (البيان والتبيين) ، (الحيوان) يمثلان أسلوبه ومنهجه في هذه الدعوة إلى النهج البياني، وبهما اعتبره البعض مؤسس البيان العربي. ولقد كان صنيع الجاحظ حقاً بداية التحوّل بالبيان إلى معنى: الأدب وفنونه، والدلالة على أسباب نضجه الفني، والتعريف بالمقومات التي قد تعترض نموّه؛ إذ لكل موضوع طريقة خاصة في التعبير عنه، فالموضوع الأدبي له العبارات الأدبية، والألفاظ المنتقاة، والتشبيهات، والاستعارات، والكنايات التي تعبر عن العواطف المختلفة [١] ، بل إن لكل صناعة ألفاظها قد حصلت لأهلها بعد امتحان سواها، فلم تلزق بصناعتهم إلا بعد أن كانت مُشَاكِلاً بينها وبين تلك الصناعة.

стр. 5490

وقبيح بالمتكلم أن يفتقر إلى ألفاظ المتكلمين في خطبة أو رسالة، أو مخاطبة العوام والتجار، أو في مخاطبة أهله وعبده، أو في حديثه إذا تحدّث، أو خبره إذا أخبر، وكذلك من الخطأ أن يجلب ألفاظ الأعراب، وألفاظ العوام وهو في صناعة الكلام داخل، ولكل مقام مقال، ولكل صناعة شكل [٢] . وعلى هذا فالبيان عند الجاحظ هو: الدلالة الظاهرة على المعنى الخفي، وهو اسم جامع لكل شيء كشف لك عن قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير؛ حتى يُفضَى السامع إلى حقيقته، لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع؛ إنما هو: الفهم والإفهام؛ فبأي شيء بلغت الإفهام، وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع. ثم إن أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء: (١) اللفظ، (٢) الإشارة، (٣) العْقَدْ، (٤) الخطّ، (٥) الحال الدّالة التي تُسمى: نِصبة (بكسر النون) . وهكذا ترى أن المعنى اللغوي للبيان هو الذي سيطر على فكر الجاحظ، واستبدّ بخياله، وينتهي القرن الثالث الهجري الذي برز فيه الجاحظ، ويأتي القرن الرابع ليخرج أبو الحسين إسحاق بن وهب الكاتب كتابه: (البرهان في وجوه البيان) مقتفياً طريق الجاحظ في البيان والتبيين ناقداً إيَّاه، من حيث إنه وجد فيه أخباراً منتخلة، ولم يأت فيه بوصف البيان، ولا أتى على أقسامه في هذا اللسان، حتى بات هذا الكتاب غير مستحق لهذا الاسم الذي نسب إليه [٣] والبيان عنده على أربعة أوجه: (١) فمنه بيان الأشياء بذواتها، وإن لم تُبيّن بلغاتها، وهو بيان الاعتبار. (٢) ومنه البيان الذي يحصل في القلب عند إهمال الفكرة واللُّبّ، وهو بيان الاعتقاد. (٣) ومنه البيان: الذي هو نطق باللسان وهو: بيان العبارة. (٤) ومنه البيان بالكتاب: الذي يبلغ من بعُد، أو غاب [٤] .

стр. 5491

وإنك حين تتأمل في هذه الأوجه تجدها قريبة من صنوف البيان التي قالها من قبل؛ إذ بيان الاعتبار، والاعتقاد عند ابن وهب هما معاً: بيان ((النّصبة)) عند الجاحظ، وبيان العبارة هو بيان ((اللفظ)) عند الجاحظ، وبيان الكتاب هو: بيان ((الخط)) عند الجاحظ، فمحاولة ابن وهب إنما هي ترديد لما صنعه الجاحظ، فلا يدع أن يستمر البيان في نطاق معانيه اللغوية، ونجد عالماً آخر هو الرماني في كتابه: (النكت في إعجاز القرآن) يشرح البيان: بأنه الإحضار لما يظهر به تمييز الشيء من غيره، وأقسامه أربعة: كلام، وحال، وإشارة، وعلامة [٥] . ثم يأتي القرن الخامس الهجري عصر النضج البلاغي، ولا نجد غير التعميم لكلمة: البيان، فنجدها مرادفة للظهور في تعريف الفصاحة عند ابن سنان الخفاجي المتوفى سنة ٤٦٦هـ، كما وردت في معرض كلامه عن الأسباب التي لأجلها يغمض الكلام على السامع، ولا يعني بها إلا الظهور والإيضاح، وكذلك نراها في حديثه عن التشبيه، وحسن الاستعارة [٦] ؛ فلم ترد كلمة البيان إلا مرادفة للكشف والظهور والوضوح، وكذلك كان الأمر عند معاصره إمام البلاغة ومؤسسها عبد القاهر الجرجاني في كتابيه: دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، فنراه يجعل البيان مرادفاً للفصاحة، والبلاغة، والبراعة وكلها تعني عنده: وصف الكلام بحُسن الدلالة، وتمامها فيماله كانت دلالة، ثم تبرجها في صورة هي أبهى وأزين، وأنقى وأعجب [٧] .

стр. 5492

ولم يكن ابن رشيق القيرواني المتوفى سنة ٤٦٢هـ _صاحب (العمدة) [٨] الذي عاش في المغرب- أبعد أثرا من معاصريه: الخفاجي، والجرجاني اللذين عاشا في المشرقن فكل ما صنعه أنه عقد باب ((البيان)) في كتابه، ونقل فيه تعريف الرُمَّاني للبيان، ثم ساق أمثلة للبيان الجيّد، وللبيان الموجز، وأتبع ذلك بأنماط من أقوال الخلفاء الراشدين؛ منهياً إلى أن الجاحظ _وهو عَلاَّمة وقته _ استفرغ الجهد وصنع فيه كتاباً لا يُبلَغ جودة وفضلا ثم ما ادّعى إحاطة بهذا الفن لكثرته، وأن كلام الناس لا يحيط به إلا الله . وظلت هذه المفاهيم: البيان، البلاغة، البراعة، الفصاحة، البديع متشابكة لا تحديد فيها، ومختلطة لا تمييز بينها، حتى كان تقسيم علوم البلاغة على يد صاحب (مفتاح العلوم) أبو يعقوب يوسف السكَّاكي المتوفى سنة ٦٢٦هـ؛ حيث جعل البلاغة علمين هما: المعاني والبيان [٩] ، وألحق وجوه تحسين الكلام وتزيينه بهذين العلمين [١٠] . وبهذا التقسيم برز البيان الاصطلاحي الذي عرّفه السكاكي بقوله: "هو معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه، وبالنقصان؛ ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه" [١١] . ولقد سلم هذا التقسيم وذاك التحديد للسكاكي فكراً وتطبيقاً على الرغم من أن الزمخشري المتوفى في ٥٢٨هـ هو أول من أطلق هذه التسمية! علم المعاني وعلم البيان، في مقدمة تفسيره المعروف بـ (الكشاف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل) ؛ حيث قال: "ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما: علم المعاني، وعلم البيان" [١٢] .

стр. 5493

وواضح أن الزمخشري لم تظهر لديه الفروق بين أنواع هذين العلمين، فخلط بين هذه الأنواع، ولم تكن له مزية سوى السبق إلى هذه التسمية، على أنه مما لا شك فيه أن صنيع السكاكي قد شجع الخطيب القزويني على جعل علوم البلاغة ثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع، وشرح البيان بقوله: "علم يُعرَف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه" [١٣] . وهذا التعريف على وجازته مقتبس من تعريف السكاكي؛ كما ترى. ولما جاء السَّعد التفتازاني المتوفى سنة ٧٩٢هـ صاحب المطوّل، والمختصر في شرح: تلخيص المفتاح للخطيب القزويني ذكر في كتابه المطول تعريف الخطيب السابق، وتعريفاً آخر للبيان قائلا: "والأقرب أن يُقال: علم البيان: علم يُبحث فيه عن التشبيه والمجاز، والكناية [١٤] ..". والذين جاءوا من بعد السعد من علماء البلاغة المتأخرين لم يزيدوا على ذلك شيئاً عن التعريفين المشهورين لدى البيانيين. هذا ومن الوضوح بمكان أن ابن المعتز قد سمَّى كتابه ((البديع)) الذي أرسى به أسس البلاغة الفنية الخالصة، وهو غير البديع الذي جعله الخطيب علماً ثالثاً مستقلا عن علمي: المعاني، والبيان، ذلك أنه يعني بالبديع: الجديد المستحسن لطرافته وغرابته لدى النفوس، بل إن البديع تعبير عن مسلك تجديدي في الشعر العباسي كان يقوده الشعراء: مُسلم بن الوليد، وابن المعتز، وأبو تمام، والبحتري، وغيرهم ممن نهج طريق التجديد البديعي والصياغي.

стр. 5494

ثم ذهب شراح التلخيص إلى القول بأنه يمكن أن تطلق: البديع على علوم البلاغة الثلاثة؛ لبداعة مباحثها وحسنها؛ لأن البديع: وهو الشيء المستحسن؛ لطرافته وغرابته، وعدم وجود مثاله من جنسه، ومباحث هذه العلوم كذلك، كما أنهم ذهبوا إلى أن كثيراً من الناس يسمي الجميع: علم البيان؛ لأن البيان هو: المنطق الفصيح المُعرِب عما في الضمير، ولا شك أن العلوم الثلاثة لها تعلُّق بالكلام الفصيح تصحيحاً وتحسيناً [١٥] . وبهذا تكون طرائق البلاغيين في هذا الإطلاق ثلاثة: (١) التقسيم الثلاثي: المعاني، البيان، البديع، كما يظهر في صنيع صاحب تلخيص المفتاح والإيضاح؛ حيث سَمَّى كل فن منها باسمه. (٢) اتجاه الكثرة إلى إطلاق اسم البيان على العلوم الثلاثة. (٣) اتجاه البعض إلى إطلاق اسم البديع عليها. ومهما تنوعت الطرائق فإن مفهوم البيان يظل دائراً بين معنيين في حياتنا المعاصرة هما: ١_ معنى أدبي واسع: ينتظم الإفصاح عن كل ما يختلج في النفس من المعاني والأفكار، والأحاسيس والمشاعر؛ بأساليب لها حظها الممتاز من الدقة والإصابة، والوضوح والجمال، وهو بهذا التعميم يجمع فنون البلاغة الثلاثة.. ٢_ معنى علمي محدود هو: التعبير عن المعنى الواحد بطريق الحقيقة أو المجاز أو الكناية [١٦] ٢ وهو أحد فروع البلاغة عند أهل الاصطلاح. ولعل التعريف الذي ترتضيه للبيان الاصطلاحي هو: التعبير عن المعنى الواحد بطريق التشبيه، أو المجاز، أو الكناية، ذلك أنها الطرق التي يستخدمها الأدباء في صياغة آثارهم الأدبية الرائعة، بل هي الدلالات الخاصة التي تنتظم أسرار الفصاحة والبلاغة في جو الأساليب التي ينشئها هؤلاء الأدباء؛ تعبيراً عن أفكارهم، وتصويراً لعواطفهم، وهذه الأساليب تتفاوت وضوحاً وخفاء، قوة وضعفا..

стр. 5495

ولا شك أن البيان العربي تجود به الفكرة، وتتضح به الصورة؛ ومن ثمّ كثر عُشّاقه على مرّ العصور يعمدون إليه، ويحرصون عليه، وقد تأكدّت منزلة البيان الرفيعة مع تعاقب الأيام والأعوام؛ لأهمية موضوعه؛ فما موضوعه ذلك؟ وما مكانه من البلاغة؟ هذا موضوع مقال تال ٍنرجو أن نوفق إليه إذا شاء الله تعالى، هذا وبالله التوفيق. -------------------------------------------------------------------------------- [١] الحيوان: ج١/٤٥. [٢] المرجع السابق ج ٣: ١١٤. [٣] نقد النثر (جزء من البرهان) ص ٣ ط ١٩٣٩ وزارة المعارف مصر. [٤] المرجع السابق ص ٩، ص١٠. [٥] النكت (من ثلاث رسائل في إعجاز القرآن) ص ٩٨ ط دار المعارف بمصر. [٦] سر الفصاحة ٥٥، ٢١١، ٢٣٥ ط صبيح بمصر ١٩٥٣م. [٧] دلائل الاعجاز ٤، ٣٠ ط الفنية المتحدة بمصر سنة ١٩٦١م. [٨] العمدة في الصناعة الشعرية ونقده ج ١ ٢٥٤- ٢٥٧ ط السعادة بمصر. [٩] مفتاح العلوم من ص ٨٦ إلى ص ٢٢٤ ط الأدبية بمصر ١٣١٧هـ. [١٠] المرجع السابق من ص ٢٢٤ إلى ص ٢٢٩. [١١] المرجع السابق ص ٨٦. [١٢] الكشاف ج ١ ص ١٤ ط الأميرية سنة ١٣١٨هـ. [١٣] الإيضاح مع شروح التلخيص ج ٣ ص ٢٥٨ ط الأميرية سنة ١٣١٧هـ. [١٤] المطول ص ٣١٠ ط كامل سنة ١٣٣٠هـ. [١٥] شروح التلخيص ج ١ ص ١٥١ ط الأميرية سنة ١٣١٧هـ. [١٦] فن التشبيه علي الجندي ج ١ ص ١٧ ط نهضة مصرية سنة ١٩٥٢م.

стр. 5496

حديث عن التفرقة والتمييز في الماضي والحاضر الشيخ عبد الفتاح العشماوي الجمع الفاضل الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: عندما أتكلم الآن عن التفرقة أو التمييز، وكلاهما تعبير همجي سخيف، لا أقصد بذلك الحديث عن أولئك الذي أيقظوا هذه الفتنة، وأمدوها بوقود الحقد حتى أصبحت ناراً موقدة وامتد أوارها فلم يعد يسلم مكان من لفحها عن أديم الأرض، فهؤلاء الذين أججوها وهم غير مسلمين، لن يكون حديثي عنهم إلا قليلا، فهو منهم ليس بمستغرب، ولا يحرك الجنان ليتكلم عنه اللسان، فقد اختاروا شقاء الضلال وعناء الكفر، حتى ولو أخذت لهم الأرض زخرفها وازينت، وظنوا قدرتهم عليها، فهؤلاء لا يعنينا أمرهم كثيرا في هذه المحاضرة.

стр. 5497

ولكن الذي يهيج المسلم ليتكلم، هو ما يقع من أهل دينه من تصرف صارخ مضاد تماماً لتعاليم هذا الدين، ذلك أن افتك وباء أصبنا به نحن مسلمي هذا الزمان، ما سماه الأعداء بالتطور قد شغفنا حبا، فأصبحنا بهم في كل أعمالهم معجبين متيمين، ولو تظاهرنا في ذلك بالتأبي وعدم الرضا، فالمعروف أن صورة العمل تبطل صورة القول، ولم يسلم حالنا مع عدونا من تقليده في بلاء التفريق والتمييز، فظنه الكثير منا أنه طابع من مدنية القرن العشرين الميلادي، فوباء العنصرية والتفريق بدأ يفشو في الأمة الإسلامية، مع علمها بتحريم الإسلام، وهذا بدافع تقليد عدوها المكب على وجهه من جهة، ومن جهة أخرى لفراغ صدور أهلها من معرفة دينها، ولكي تتسم كلماتنا بالإنصاف نقول إن ملازمة هذه الصفة المقيتة للإنسان، ثابت أمرها من أقدم الأزمان، بل هي أول صفة استعملها الشيطان مع أول بشر، في قصة إبليس مع آدم، لما ميز نفسه وتوهم الفرق بين العنصر الذي خلق منه وهو النار، والعنصر الذي خلق منه آدم وهو التراب ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ فأدت به هذه العنصرية إلى الطرد الأبدي من رحمة الله، إذاً فالأصل في العنصرية أنها صفة إبليسية، ومن تلبس بها فقد يؤدي به ذلك إلى الطرد من رحمة الله كما طرد شيطانه، تلك قضية واقعية لا نمارى فيها، لكن انطواء هذه العنصرية أو انطلاقها على مدى الدهور، يكون حسب معرفة الإنسان لصانعه ولأصل صنعته، فإذا ما أدرك قدرة الصانع الأعظم سبحانه عرف ضالة نفسه باعتباره مصنوعاً، وإذا أدرك أصل صنعته وهو التراب عرف تفاهة قدره، وأن أمره كأمر كل الناس، فلا موجب لديه يجعله يميز نفسه عن غيره، فالصانع واحد هو الله، والأصل واحد هو التراب، تدوسه النعال، كلكم لآدم، وآدم من تراب"، فإذا ما علم هذا وسيطر على الأفهام في أي عصر، سيطرت روح التآخي، وهيمنت مشاعر التواصل، وانزوت نزوات التعالي والكبر،

стр. 5498

فاعتصموا جميعاً بحبل ولم يتفرقوا، أما إذا أخلد الإنسان إلى الأرض واتبع هواه، ونسي ربه الذي سواه، وأصبح فكره حبيس نفس غرور؟ ولم يخطر بباله ذلك الطين الذي خلق منه، حتى ولو ادعى بأن له ديناً فيمسي على الفور عنصريا عصبياً ومفرقاً غريباً، فيبدأ بتمييز ذاته عن ذوات الغير، فإذا انتقل داخل وطنه ميز مسقط رأسه فإذا انتقل إلى وطن آخر ميز وطنه، فإذا انتقل إلى قارة أخرى ميز قارته، ثم لا ينسى أن يميز نفسه بلونه، ولنا في هذا تفصيل يأتي بعد إن شاء الله، بل ووصل الأمر إلى العيب على ما يرتديه الغير من زي، لأنه ليس كما يلبس هو وقومه، على العادات العادية ولأنها تخالف عاداته وقومه، بل وعلى نوع الطعام لأنه مخالف لطريقة ما يطهى عندهم ويطعم، بل وعلى اللهجات يسخر منها حيث لم تكن كما ينطق هو ويتكلم، وهكذا أصبح يعيش في نفس عيابة نسيت عيبها، فقد نسيت بارئها وما منه صُنعت، لأن عنصريته التي قام عليها كيانه، لم تفهم صيحة القرآن في الناس ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ فالنداء المعظم بدأ أولا لكل الناس، يذكركم بأن الأب واحد والأم واحدة، آدم وحواء، أي كلم أشقاء، ولما تكاثرتم نثرناكم في الأرض، فأصبحتم شعوبا وقبائل هنا وهناك، لكن ذلك لا ينسيكم أصل الأبوين، فتعارفوا لتشعروا بأنكم على سواء، والأشقاء في النسب شيء واحد، لكن لن يكونوا شيئاً واحداً إذا ما تحول التعارف بينهم إلى معرفة بربهم، لأن معرفة الله تعطي صفة الإيمان، ومن الإيمان يأتي التآخي وهو أعلى من التعارف، لأن التعارف عام بين كل الناس، والتآخي خاص بين المؤمنين حتى ولو كانوا أشقاء، فقد يكون بين الأشقاء من استقام ومن اعوج، بل قد يكون منهم من آمن ومنهم من كفر، ولهذا سمَت خصوصية التآخي على عمومية

стр. 5499

التعارف، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فإن هنا أكدت معنيين، أولهما تأكيد الأخوة، وثانيهما أن تكون فقط بين المؤمنين، ومن تحت ذلك فيقف أمرهم عند التعارف، وأن نبرهم ونقسط إليهم، ما لم يكونوا مقاتلين أو مخرجين من الديار، وإلا فلا بر ولا قسط، والمكرمات عند الله للمؤمنين الأتقياء رتب تتفاوت، وقد جعلت الآية في النهاية أعلى الرتب في المكرمات، لمن انتقل من تقي إلى أتقى، فلم يقل سبحانه تقيكم، وإنما قال ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ ، ولهذا جاءت الكلمتان بصيغة تفضيل واحدة ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ أما ختام الآية ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ فمتصل ذكر فيها_ كما هو في كل آية في القرآن الكريم_ عليم بخلقكم الذي أعلمتكم به، لكن خبرته بأتقاكم ينفرد بها ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ذلك هو توضيح الآية التي لم نعمل بها، والتي يقرؤها الكثير ولا يعرف قصدها، والله بقصدها أعلم، فلما فهمها أهل القرآن يوماً اتحدوا عليها، فلم يتفاضلوا فيما بينهم، إلا بعمل ما يجعل الواحد منهم يطمع أن يكون من الأتقى، فلما صُمَّت الآذان عن هذه الدعوة المؤلّفة، الأمر الذي كما قلت لم يسلم منه مسلمو اليوم، صار منا العنصريون والمميزون والمفرقون، وأصبحت هذه الكلمات الكريهة لها في أوساط المسلمين وجود، وسنحاول إن شاء الله أن نأخذ من ذلك شيئاً من قديم واقعنا وجديده، كأمثلة فقط تتجمع منها كلمات محاضرة، وليس للإحاطة فهو أمر يطول ولا ضرورة له.

стр. 5500

الأفاضل المحترمون: _ لما شاء الله تعالى أن ينزل من السماء نوره، وقرن هذا النور بالرسول ﷺ حاولت هوام الظلام أن تطفي نور الله هذا، فتشعبت جوانب كيدهم منقضة جميعها على النور البازغ حديثاً في شخص الرسول والقلة التي لا تملك من المنعة شيئاً للدفاع عن نفسها وكان من أبرز جوانب هذه المعركة عنجهية الجاهلية، والتي انحدرت متعاقبة منذ القرون الأولى، فكان أول اصطدامها بضدها في عصر نوح ﵇، وظل شرها المميز يتوارث ويظهر مع رسالة كل رسول، حتى أتى الرسول الخاتم صلوات الله عليه، فأرادت أن تعمل معه عملها الذي تعودته مع غيره فكان أن لقيت حتفها تماماً على يد نبي الإسلام، بما نزل عليه من وحي قاصم لكل عتل غاشم، وما دمنا قد اكتفينا بضرب المثل بأول الرسل وبآخرهم عليهم جميعاً سلام الله، فلنذكر شيئاً مما وقع لكليهما في ذلك، بادئين بنبي الإسلام ﷺ لا تحيزا منا ولا تمييزا، وإنما المرسل سبحانه هو الذي قال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ، فإنه وإن كان نبينا هو الآخر في ترتيب الأزمنة، لكنه الأول في ترتيب المنزلة، فقد وضعه القرآن قبلهم جميعاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فبدأ سبحانه الخطاب به قبل نوح ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ثم بعد ذلك ذكر نوحاً والنبيين بعده، وفي قوله سبحانه ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ فالآية بدأت بالنبيين عامة، وعند الترتيب وضعت نبينا في أول الدرجات قبل نوح ومن بعده ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ وشمل ذلك رسل أولي العزم، وفي القرآن أمر الرسول أن يقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، وأمر نوحا أن يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، ولقد عمدت إلى توضيح هذا لتوهم البعض بأننا نميز رسولنا
следующие страницы →