← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

أخبار الجامعة صاحب السمو الملكي ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية يرأس المجلس الأعلى للجامعة في السابع عشر من شهر ربيع الأول القادم سيعقد بمشيئة الله المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في السابع عشر من شهر ربيع الأول دورته الأولى للعام الدراسي ٩٥- ١٣٩٦هـ في مقر الجامعة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية، ويبحث المجلس في هذه الدورة العديد من الموضوعات ومن بينها مشروع ميزانية الجامعة للعام المالي ٩٦-١٣٩٧هـ وإنشاء فرع لكلية الشريعة بالجامعة في مقاطعة القصيم لتكون نواة لجامعة في تلك المنطقة في المستقبل القريب بمشيئة الله. كما سيقوم بدراسة بعض لوائح الجامعة مثل لائحة قسم الدراسات العليا، ولائحة المجلس العلمي، ولائحة مجلس شؤون الدعوة، واللائحة المالية للجامعة، ولائحة المكتبات، كما سيتم في هذه الدورة تعيين عمداء للكليات من هيئة التدريس وأعضاء في مجلس الجامعة، وإنشاء أقسام في الكليات. وسيتفضل سمو الرئيس الأعلى للجامعة بمناسبة قدومه الميمون إلى المدينة المنورة لرئاسة المجلس الأعلى للجامعة بمناسبة قدومه الميمون إلى المدينة المنورة لرئاسة المجلس الأعلى للجامعة بتفقد أقسام الجامعة وسماع بعض المحاضرات في بعض كليات الجامعة. وهذه اللفتة الكريمة من سموه نموذج مما تتلقاه الجامعة من سموه باستمرار من رعايته إعلاءً لشأنها وتقديراًً لرسالتها وتشجيعها لها على السير قدماً نحو تحقيق أهدافها السامية. الدكتور حافظ غانم نائب رئيس الوزراء ووزير التعليم العالي المصري يزور الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

стр. 5427

زار الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة صباح الخميس ٥ صفر معالي الدكتور محمد حافظ غانم نائب رئيس الوزراء ووزير التعليم العالي بجمهور مصر العربية يرافقه الدكتور صوفي أبو طالب مدير جامعة القاهرة وبعض المسئولين عن التعليم العالي في مصر، وكان في استقبالهم فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد نائب رئيس الجامعة وفضيلة الأمين العام الشيخ عمر محمد فلاتة وعمداء الكليات وعدد من أساتذة الجامعة وقد رحب بهم فضيلة نائب رئيس الجامعة وتحدث إليهم عن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ورسالتها العالمية وعنايتها بتثقيف الطلاب المسلمين من سائر أنحاء العالم الثقافة الإسلامية الصافية. وبالدعوة إلى الإسلام وتبليغ رسالته الخالدة إلى العالم أجمع، وأشار فضيلته إلى أهمية الدراسات الإسلامية للطلاب المسلمين في سائر الجامعات. ثم تحدث معالي الدكتور محمد حافظ غانم عن دور الجامعات في نقل الثقافات من جيل إلى جيل وأشاد برسالة الجامعة الإسلامية. وبعد انتهاء الاجتماع زار معالي الضيف الكريم ومرافقوه بعض أقسام الجامعة ثم ودعوا بما استقبلوا به من حفاوة وتكريم. وفي مساء اليوم غادر الوفد المدينة المنورة متوجهاً في رعاية الله إلى جدة وكان في وداعه بالمطار فضيلة نائب رئيس الجامعة والأمين العام والعمداء وبعض المسئولين في الجامعة.

стр. 5428

أضواء من التفسير لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس بكلية الشريعة بالجامعة قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ . المناسبة: بعد أن ذكر أطماعهم وشهواتهم، وهم يطمعون أن تشفع لهم هذه الأصنام، أقنطهم من هذه الشفاعة، ببيان أن الملائكة المقربين لا تغني شفاعتهم إلا من بعد إذن الله ورضاه لمن يكون أهلا للشفاعة، فكيف تشفع الأصنام لمن يعبدها؟ القراءة: قرأ الجمهور ﴿شَفَاعَتُهُمْ﴾ ، وقرئ شفاعته، وقرئ شفاعاتهم. المفردات: ﴿كَمْ﴾ خبرية للتكثير. ﴿مَلَك﴾ ٍ واحد من الملائكة مأخوذ من المأْلَكَةَ وهي الرسالة، ومنه قولهم ألكني إلى فلان أي أبلغه عني. وسمي الملك لأنه يبلغ عن الله تعالى ﴿لا تُغْنِي﴾ لا تدفع ولا تنفع. ﴿يَأْذَنَ﴾ أي يبيح للشافع أن يشفع. ﴿تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ أي يقولون إنهم بنات الله. ﴿تَوَلَّى﴾ أعرض. ﴿ذِكْرِنَا﴾ أي القرآن. ﴿مَبْلَغُهُمْ﴾ غايتهم. ﴿ضل﴾ حاد. التراكيب:

стр. 5429

قوله ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ كم في محل رفع على الابتداء، والخبر لا تغني، وأفردت الشفاعة على قراءة الجمهور لأنها مصدر، ولأنه لو شفع جميعهم لواحد لم تغن شفاعتهم عنه شيئاً. وجمع الضمير في شفاعتهم مع إفراد الملك باعتبار المعنى أي وكثير من الملائكة. وقوله ﴿شَيْئا﴾ مفعول مطلق أي شيئاً من الإغناء. واللام في قوله ﴿لِمَنْ يَشَاء﴾ بمعنى في. والواو في قوله ﴿وَيَرْضَى﴾ لمطلق الجمع. وإذنه تعالى لا يصدر إلا إذا رضي عن عبده المذنب فإذا رضي عنه أذن للشافع أن يشفع له، وهو سبحانه لا يرضى إلا بالتوحيد. وقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ التعبير بالاسم الموصول لتسجيل كفرهم وللإشارة إلى نوع الخبر وأنه من نوع القبائح. فإن قيل: زعمهم لشفاعة أصنامهم إيمان منهم بالآخرة؛ قلنا: هم لا يجزمون بالحشر ويقولون إن كان حشر فهم يشفعون. وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ حال من فاعل يسمون، أي يسمونهم والحال ألا علم لهم بما يقولون أصلاً، وعلم مبتدأ مؤخر، ولهم خبر مقدم. وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ الفاء فصيحة. وكان مقتضى الظاهر أن يقول ﴿فأعرض عنهم﴾ ولكنه وضع الموصول موضع الضمير للتوسل به إلى وصفهم بما في حيز الصلة من الأوصاف القبيحة مع تعليل الحكم بها. وقوله: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْم﴾ قيل الجملة مقررة مضمون ما قبلها من قصر الإرادة على الحياة الدنيا. والإشارة فيه قيل إلى ما هم فيه من التولي وقصر الإرادة على الحياة الدنيا. وقيل الإشارة إلى جعلهم الملائكة بنات الله. وقيل إلى الظن أي غاية ما يعلمون أن يأخذوا بالظن. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ

стр. 5430

بِمَنِ اهْتَدَى﴾ تعليل للأمر بالإعراض ووعيد شديد لهم. وإنما كرر ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ لزيادة التقرير والإيذان بكمال تباين المعلومين. المعنى الإجمالي: وكثير من الملائكة الذين هم عباد مكرمون لا يستطيعون أن يطلبوا أن يخفف العذاب عن أحد إلا إذا رضي الله عمن يشفع فيه وأذن للشافع في الشفاعة مع أنه لا يرضى إلا عن أهل التوحيد. إن هؤلاء الجاحدين للبعث ليصفون الملائكة الذين هم عند الرحمن بصفات الإناث فيقولون هم بنات الله. والحال أنه لا علم لهم بهذا الاسم الذي يطلقونه، فإنهم لم يشهدوا خلقهم، ولم يبصروا أجسامهم. ما ينقادون إلا للخواطر الشيطانية، وإن الخواطر الشيطانية لا تكون سبيلا للصدق. وإذا كانوا بهذه المثابة فلا تقتل نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا، فإن دأبهم الإعراض، وديدنهم البعد عن مصدر الخير والشرف. وليست لهم أهداف نبيلة، ولا مثل عليا. وإنما همهم بطونهم وما يدور حولها. هذا الذي وصفناهم به هو منتهى علمهم، وغاية معارفهم، وسيجدون عاقبة كفرهم خزياً ووبالا.. وستجد عاقبة صبرك نصراً وعزا، لأن ربك لا يعزب عنه أحوالهم الخبيثة، ولا يضيع عنده صبرك الجميل. ما ترشد إليه الآيات: ١_ إقناط الكفار من شفاعة أصنامهم. ٢_ لا شفاعة إلا في أهل التوحيد. ٣_ لابد للشافع من سبق الإذن. ٤_ تسمية الملائكة بنات الله من الرجم بالغيب. ٥_ الرمي بالظنون لا يكون علماً. ٦_ الأمر بالصبر عليهم. ٧_ الوعيد الشديد لهم.

стр. 5431

قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ . المناسبة: لما قرر أنه عالم بالضال والمهتدي أردف ذلك ببيان أنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض، على سبيل التأكيد للوعيد الشديد. القراءة: قرأ الجمهور ﴿لِيَجْزِيَ﴾ الياء، وكذلك ﴿ويجزي﴾ ، وقرئ ﴿لنجزي﴾ ﴿ونجزي﴾ بالنون فيهما. وقرأ الجمهور ﴿كَبَائِرَ الإِثْمِ﴾ وقرئ ﴿كبير الإثم﴾ . المفردات: المفردات: ﴿لِيَجْزِي﴾ ليكافئ، ﴿أَسَاءُوا﴾ أي ارتكبوا القبائح، ﴿أَحْسَنُوا﴾ فعلوا الجميل، ﴿الحسنى﴾ الجنة. ﴿يَجْتَنِبُون﴾ اجتناب الشيء تركه والابتعاد عنه كأنه ترك جانبه وناحيته. ﴿كَبَائِرَ الإِثْم﴾ كبائر جمع كبيرة قيل هي المعصية التي توجب الحدّ، وقيل كل ذنب قرن بالوعيد. وقيل كل ما نص الكتاب على تحريمه. وسميت كبيرة لعظم خطرها وثقل وقعها. وأما من قرأ ﴿كبير الإثم﴾ فقيل أريد الجنس وقيل الشرك. ﴿الإثْمِ﴾ الذنب. ﴿َالْفَوَاحِش﴾ جمع فاحشة وهي ما يشتد قبحه من الذنوب، يقال فحش يفحش فحشا وفاحشة. وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل. ﴿اللَّمَم﴾ ما قل وصغر، وقال أبو العباس المبرد: أصل اللمم أن يلم بالشيء من غير أن يرتكبه، يقال ألم بكذا إذا قاربه، ولم يخالطه. وقال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في المقاربة والدنو يقال ألَمّ يفعل كذا بمعنى كاد يفعل، قال جرير: على ومَن زيارته لمام بنفسي من تَجَنيّه عزيز وقال آخر:

стр. 5432

لقاء أخلاء الصفا لمام ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ خلقكم وأوجدكم. ﴿مِنَ الأَرْض﴾ من التراب والطين. ﴿أَجِنَّة﴾ جمع جنين وهو الولد في البطن، سمي بذلك لاستتاره. والاجتنان: الاستتار. ﴿فَلا تُزَكُّوا﴾ فلا تمدحوا على سبيل الإعجاب. ﴿اتَّقَى﴾ خاف ربه وعمل بطاعته فاتخذ لنفسه وقاية من عذابه. التراكيب: قوله ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ تقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر، وأنها لله خلقاً وملكاً، لا لغيره أصلا لا استقلالا ولا اشتراكاً. والتعبير بما التي لغير العاقل للتغليب لكثرة أفراده. وقوله ﴿لِيَجْزِي﴾ قيل اللام متعلقة بما دل عليه معنى الملك في قوله ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ... ﴾ الخ. أي فيضل ويهدي ليجزي. وعليه فالواو في قوله ﴿وَلِلَّهِ﴾ للاستئناف. وقيل اللام للصيرورة والعاقبة، لا للتعليل أي عاقبة أمرهم جميعاً للجزاء بما عملوا. وقيل اللام متعلقة بما دل عليه أعلم، كأنه قيل فيعلم ضلال من ضل واهتداء من اهتدى ويحفظهما ليجزى. وعلى هذا فجملة ولله ما في السموات الخ اعتراضية. وتكرير الفعل يجزي لإبراز كمال الاعتناء بأمر الجزاء أو للتنبيه على تباين الجزاءين.

стр. 5433

وقوله ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ..﴾ الموصول منصوب بدلا من الذين أحسنوا. وصيغة الاستقبال في صلته للدلالة على تجدد الاجتناب واستمراره. أو منصوب بإضمار أعني، أو هو مرفوع خبرا لمبتدأ محذوف أي هم الذين يجتنبون. وقوله: ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ من عطف الخاص على العام. والاستثناء في قوله: ﴿إِلاَّ اللَّمَم﴾ منقطع لأنه ليس قبله ما يندرج فيه. وقوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ تعليل لاستثناء اللمم وتنبيه على أن إخراجه عن حكم المؤاخذة ليس لخلوه عن الذنب في نفسه بل لسعة المغفرة الربانية. وقيل إنما عقب وعيد المسيئين ووعد المحسنين بهذا لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمة الله تعالى. وقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ استئناف مقرر لشمول علمه وإحاطته سبحانه بأحوال عباده، ووقت إيجادهم من التراب، ووقت استتارهم في بطون أمهاتهم، وأفعل التفضيل فيه لا مانع أن يكون على بابه. والفاء في قوله ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُم﴾ فصيحة. وقوله ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ استئناف مقرر للنهي. المعنى الإجمالي: المعنى الإجمالي: ولله كل كائن في العالم العلوي والسفلي خلقاً وملكاً، فيعلم ضلال من ضل واهتداء من اهتدى، ويحفظهما ليكافئ الذين ارتكبوا القبائح بما يسود وجوههم، ويكافئ الذين فعلوا الجميل بالجنة، الذين يتركون عظائم الذنوب، وما اشتد قبحه منها إلا ما قلّ وصغر. إن سيدك ومالكك ومدبر أمرك عظيم التجاوز عن هفوات عباده، هو أعلم بكم وقت إيجادكم من التراب ووقت استتاركم في بطون أمهاتكم، وإذا كان الأمر كذلك فلا تمدحوا أنفسكم على سبيل الإعجاب بها. هو أعلم بمن خاف ربه، وعمل بطاعته، فاتخذ لنفسه وقاية من عقابه. ما ترشد إليه الآيات: ١_ الكائنات كلها لله.

стр. 5434

٢_ الجزاء من جنس العمل. ٣_ اجتناب الكبائر يكفر الصغائر. ٤_ سعة عفو الله تعالى. ٥_ إحاطة علمه بأحوال العباد. ٦_ الإعجاب بالنفس مذموم. ٧_ من مدحه الله هو الممدوح. قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وأن سعيه سوف يرى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ . المناسبة: لما بيّن في الآيات السابقة أن الكائنات له، وأنه عالم الغيب، أنكر هنا أن يكون غيره يعلم الغيب، ثم عدد نعمه ونقمه ترغيباً وترهيبا. سبب النزول: قال مجاهد وغيره: "نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد سمع قراءة رسول الله ﷺ فقرب من الإسلام، ثم عاتبه رجل من المشركين، فقال له: أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى دين آبائك وأنا أتحمل لك بكل شيء تخافه في الآخرة على أن تعطيني كذا من المال فوافقه الوليد على ذلك ورجع عما هَمّ به من الإسلام، وضل ضلالا بعيدا ثم قطع باقي العطاء فنزلت". القراءة:

стр. 5435

قرأ الجمهور ﴿وَفَّى﴾ بتشديد الفاء وقرئ بتخفيفها. وقرأ الجمهور ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ بفتح همزة أن. وكذلك ما بعدها من المواضع. وقرئ بالكسر فيهن. وقرأ الجمهور ﴿وَثَمُودَ﴾ بغير تنوين. وقرئ بالتنوين. المفردات: ﴿تَوَلَّى﴾ أي أعرض عن الإسلام، ﴿أَكْدَى﴾ أصله من الكدية، يقال لمن حفر بئرا ثم وصل إلى حجر لا يتهيأ له فيها حفر قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يتم، ولمن طلب شيئاً فلم يبلغ آخره. قال الحطيئة: ومن يبذل المعروف في الناس يحمد فأعطى قليلا ثم أكدى عطاءه

стр. 5436

ويقال: كديت أصابعه إذا كلت من الحفر، وكدا البيت قل ريعه. وأكدى الرجل قلّ خيره. ﴿وَفَّى﴾ أتم ما أمر به نحو ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُن﴾ . ﴿تَزِرُ﴾ تحمل. ﴿وَازِرَةٌ﴾ نفس آثمة. ﴿وزر﴾ إثم. ﴿سَعَى﴾ عمل وقدم. ﴿يرى﴾ أي يبصر في الآخرة عند العرض. ﴿الأَوْفَى﴾ الأكمل. ﴿الْمُنْتَهَى﴾ المرجع والمصير بعد الموت. ﴿أَضْحَكَ﴾ أفرح حتى انطلقت الأسارير. ﴿أَبْكَى﴾ أحزن حتى سالت العيون. ﴿تُمْنَى﴾ تدفق في الرحم. ﴿النَّشْأَةَ﴾ الإحياء بعد الموت. ﴿أَغْنَى﴾ دفع الحاجة وأكسب المال. ﴿أَقْنَى﴾ أرضى أو أفقر. ﴿الشِّعْرَى﴾ هو الكوكب المضيء الذي يطلع بعد الجوزاء. وطلوعه في شدة الحر ويقاله مرزم الجوزاء. وكانوا يعبدونه في الجاهلية. ﴿عَاداً﴾ قوم هود. ﴿الأُولَى﴾ أي القدماء أو المتقدمون الأشراف. أو أن هناك عادا الأخرى من ولد عاد الأولى. وقيل الأخرى ثمود. ﴿ثَمُودَ﴾ قوم صالح ﵇. ﴿فَمَا أَبْقَى﴾ فما ترك فيهم من باقية. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل عاد وثمود. ﴿أَظْلَمَ﴾ أكثر تجاوزا للحد في الإيذاء. ﴿وَأَطْغَى﴾ أشد عتوا. ﴿والْمُؤْتَفِكَةَ﴾ هي مدائن قوم لوط من دائرة الأردن. وسميت مؤتفكة لأنها انقلبت. ومنه الإفك لأنه قلب الحق كذبا. ﴿أَهْوَى﴾ أسقط بعد أن رفعها إلى السماء وجعل عاليها سافلها. ﴿فَغَشَّاهَا﴾ فألبسها وكساها وجعل فوقها من الحجارة ما الله به وحده عليم. ﴿آلاءِ﴾ نعم. ﴿تَتَمَارَى﴾ تتشكك، أو تجحد. التراكيب:

стр. 5437

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ الهمزة للاستفهام التعجبي. والفاء للعطف على محذوف يقتضيه السياق، ورأى بصرية مفعولها الموصول، وقيل علمية، والمفعول الثاني جملة أعنده علم الغيب، فهي داخلة في حيز الاستفهام المقصود منه الإنكار. ويرى علمية أي فهو يعلم أن غيره يتحمل عذاب الآخرة، وهذه الجملة المقدرة سدت مسد مفعولي يرى. وقوله: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أم فيه منقطعة بمعنى بل، والهمزة وتقديم موسى في الذكر لأن صحفه عندهم أشهر وأكثر، وقوله: ﴿وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أن هي المخففة من الثقيلة وهي في محل جر بدلا من ما في قوله ﴿بمافِي صُحُفِ مُوسَى﴾ أو في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف، كأن قائلا قال: ما في صحفهما؟ فقيل: ألا تزر وازرة وزر أخرى. وقوله ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ أن فيه مخففة من الثقيلة أيضاً واسمها ضمير الشأن محذوف. ولم يفصل هنا بينها وبين الفعل لأنه لا يتصرف. ومحلها الجر أو الرفع عطفاً على أن قبلها. وقوله ﴿وأن سعيه سوف يرى﴾ معطوف على ما قبله فهو في محل جر أو رفع كذلك. وقوله ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ الضمير المرفوع في يجزاه عائد على الإنسان والمنصوب عائد على سعيه. والجزاء مصدر مبين للنوع. وقد تعدى يجزى إلى المفعول بنفسه هنا. وقوله ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ بفتح أن عطفاً على ما قبله، وكذلك المواضع السبعة الباقية. وعلى هذا فيكون مضمون هذه الجمل موجودا في الصحف المذكورة. وأما على قراءة كسر الهمزة في هذه المواضع الثمانية فعلى الاستئناف، ولا يكون مضمون هذه الجمل موجودا في الصحف المذكورة فيكون ما في الصحف قد تم بيانه وانتهى عند قوله ﴿الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ وقوله ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ المفعول في هذه الأفعال محذوف لقصد

стр. 5438

العموم. وقد أتى بضمير الفصل لدفع ما يتوهم من أنها بفعل الإنسان. وكذلك الحال في قوله ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ وأما قوله ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ فإنه لم يؤكد بالفعل لأنه لا يتوهم إنسان أنها بفعل أحد من الناس. وهكذا الحال في الإنشاء الآخر وإهلاك عاد. والتعبير بعليه في قوله ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ للإشعار بوجودها لا محالة كأنه تعالى أوجب ذلك على نفسه. وقوله ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ جيء فيه بضمير الفصل لأن الشعرى لما عبدت من دون الله تعالى نص على أنه تعالى هو ربها وموجدها. وقوله ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ ثمود معطوف على عاداً. وهو بالصرف اسم لأبي القبيلة. والضمير في قوله ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ لقوم نوح. وأنهم أطغى من عاد وثمود. ويجوز أن يكون الضمير لجميع من تقدم من الأمم الثلاثة أي كانوا أطغى من قريش. ويكون ذلك تسلية لرسول الله ﷺ . وقوله ﴿هُمْ﴾ يجوز أن يكون توكيداً للضمير المنصوب الواقع اسما لإن، ويجوز أن يكون فصلا، لأنه واقع بين معرفة وأفعل التفضيل. وإنما حذف المفضول بعد الواقع خبر لكان لأنه جار مجرى خبر المبتدأ، وحذفه فصيح فيه فكذلك في خبر كان. وقوله ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ يجوز أن تكون المؤتفكة منصوبة بأهوى، ويجوز أن يكون معطوفاً على ما قبله. وأهوى جملة في محل نصب على الحال لتوضيح كيفية إهلاكهم أي وأهلك المؤتفكة مهوياً بها. وقوله ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ يجوز أن يكون الفاعل ضميرا يعود على الله ، وقوله ﴿مَا غَشَّى﴾ مفعول به. ويجوز أن يكون الموصول هو الفاعل. والإيهام للتهويل. وقوله ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ الباء للظرفية والخطاب للسامع، والاستفهام للإنكار، وقد سبق ذكر نعم ونقم وقد جعلها كلها آلاء لما في النقم من الزجر والوعظ وهو نعمة لأصحاب العقول.

стр. 5439

المعنى الإجمالي: أمددت عينك فأبصرت الذي أعرض عن الإسلام، وأعطى شيئاً قليلا لمن تعهد بتحمل العذاب عنه، وقلّ خيره. ننكر أن يكون لديه علم الغيب، وأنه يعلم أنه غيره يتحمل عنه عذاب الآخرة، بل ألم يخبر بالخبر الذي في أسفار موسى من التوراة، وأسفار إبراهيم الذي أتم ما أمر به، أنه لا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس مذنبة أخرى، وأن الحال والشأن ليس لأحد من الخلق ثواب ولا عقاب إلا على عمله، وأن ما يعمله الإنسان سوف يبصره معروضاً عليه في الآخرة، ثم يثاب عليه الثواب الأتم. وأن إلى ربك المصير والمرجع. وأنه سبحانه لا غيره أفرح من شاء حتى انطلقت أساريره، وأحزن من شاء حتى سالت عيونه، وأنه سبحانه لا غيره سلب الحياة ممن شاء ومنحها من شاء، وأنه أوجد الصنفين الذكور والإناث من سائر الحيوانات من مني عند تدفقه في الرحم، وأن الإحياء الآخر بعد الموت حتم لابد من وجوده. وأنه أكسب المال وأرضى أو أفقر. وأنه سبحانه لا غيره مالك مرزم الجوزاء الذي عبده الجاهلون، وأنه دمر قوم هود وقوم صالح لما كذبوا الرسل، فما ترك منهم باقية. وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود. إن قوم نوح كانوا أشد تجاوزا للحد في إيذاء الرسل، وأعتى من قوم هود وقوم صالح. والمدائن المنقلبة من دائرة الأردن أسقطها بعد أن رفعت إلى السماء على طرف ريشة من جناح جبريل فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليها حجارة من سجيل. ففي أي أنعم الله المتعددة تتشكك؟. ما ترشد إليه الآيات: ١_ سوء حال من نزلت فيه الآيات. ٢_ أن الغيب لله. ٣_ أن صحف موسى وإبراهيم المشتهرة تنص على أنه لا يتحمل أحد وزر أحد. ٤_ لا ينال الإنسان غير عمله. ٥_ سيعرض عليه عمله فيجازى عليه. ٦_ تشريف المحسن وتوبيخ المسيء. ٧_ إثبات القضاء والقدر. ٨_ لابد من البعث حتماً. ٩_ تدمير المكذبين. ١٠_ ظهور أنعمه تعالى.

стр. 5440

تتعين كتابة المصحف على الرسم العثماني لفضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي الأستاذ بكلية القرآن الكريم بالجامعة نشرت صحيفة ((المدينة)) بعددها الصادر في ١٥ من شهر ذي القعدة سنة ١٣٩٥هـ الموافق ١٨ نوفمبر سنة ١٩٧٥م - كلمة تحت عنوان ((من وحي آية قرآنية كريمة)) رسم المصحف على قواعد الإملاء ((للأستاذ الكاتب الكبير علي حافظ)) يحدثنا الأستاذ فيها عن حوار حمي وطيسه بينه وبين صديقيه الدكتور عمر أسعد -والأستاذ سامي كتبي - في تصحيح قوله تعالى في سورة المعارج ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ فالأستاذ يقرؤها ﴿برب المشرق والمغرب﴾ ويصمم على ذلك، ويؤكده نظرا لحذف الألف بعد الشين في المشارق، وبعد الغين في المغارب، ولم ينتبه الأستاذ إلى أن فوق كل من الشين والغين ألفا صغيرة يسميها علماء رسم القرآن.. ((ألف الإشارة)) لأنها تشير إلى الألف المحذوفة، وتقوم مقامها وتدل عليها، واستمر الشجار بينه وبين الأستاذ سامي إلى أن جاء الصديق الدكتور عمر أسعد، ونبه الأستاذ إلى هذه الألف، وأكدله أن صحة الآية ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ فاقتنع الأستاذ برأي صديقه، ورجع إلى الآية يقرؤها على وجه الصواب كما أنزلها الله تعالى. ثم خلص الأستاذ من الحوار وتصحيح الآية إلى التساؤل لماذا لا يطبع المصحف بالرسم الإملائي المتداول، والذي أصبح علماً يدرس في المدارس، لتسهل قراءة كتاب الله على المسلمين. ثم قال: إننا في حاجة قصوى لطبع القرآن الكريم على قواعد الإملاء.

стр. 5441

ثم ذكر بعد ذلك أنه - منذ نحو سنتين - تقدم للحكومة بمشروع - ورجا الحكومة الرائدة الموفقة أن تحتضنه وتعمل على تنفيذه، وقد تضمن مشروعه أن تأمر الحكومة بإنشاء مطبعة ضخمة متكاملة خاصة بالمشروع، لا عمل لها إلا طبع المصاحف الشريفة - على قواعد الرسم الإملائي طبعاً - وتجليدها بمختلف الأحجام، ثم توزيعها على العالم الإسلامي كله لتختفي بعد ذلك الطبعات الأخرى التي لا يستطيع القارئون فيها أن يقرءوا بدون أخطاء. الخ ما قال. أخي الأستاذ الكبير السيد.. علي حافظ. أحب أن أقص عليك من أنباء سلف الأمة، وأعلام الإسلام، وأئمة القرآن ما يثبت فؤادك، ويثلج صدرك ويملأ قلبك إيماناً ويقينا بوجوب كتابة المصحف على مقتضى الرسم العثماني القديم. وأسوق لك من الأدلة القواطع، والحجج النواهض على ذلك ما فيه الغناء إن شاء الله تعالى:

стр. 5442

كان للنبي ﷺ كتّاب يكتبون له الوحي، وقد كتبوا القرآن كله بهذا الرسم، وأقرهم الرسول ﷺ على كتابته. فانتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى وقد كتب القرآن كله على هذه الكيفية المخصوصة لم يحدث فيها تغيير ولا تبديل. ثم ولي الخلافة بعده أبو بكر الصديق ﵁، فأمر بكتابة القرآن كله في الصحف على هذه الهيئة، ثم جاء الخليفة الثالث عثمان ﵁ فأمر بنسخ المصاحف من صحف أبي بكر على هذا الرسم أيضاً - ووزع عثمان هذه المصاحف على الأمصار الإسلامية - لتكون إماماً للمسلمين، وأقر أصحاب رسول الله ﷺ عمل أبي بكر وعثمان في المصاحف، ولم ينكر أحد منهم عليهما شيئاً بل ظفر كل منهما بإقرار جميع الصحابة لعملهما واستمرت المصاحف مكتوبة بهذا الرسم في عهد بقية الصحابة، ثم في عهد التابعين، وتابعي التابعين، والأئمة المجتهدين، في عصورهم التابعين، والأئمة المجتهدين في المختلفة، ولم يثبت أن أحداً من هؤلاء جميعاً حدثته نفسه بتغيير هجاء المصاحف ورسمها الذي كتبت عليه أولا، وكتابتها برسم آخر يساير الرسم المحدث الذي حدث في عهد ازدهار التأليف في الكوفة والبصرة بل ظل هذا الرسم القديم قائماً مستقلا بنفسه، بعيداً عن التأثر بالرسم الحادث. نعم ظل الرسم القديم منظورا إليه بعين التقديس والإكبار في سائر العصور المختلفة. والأزمنة المتفاوتة، مع أنه قد وجد في هذه العصور المختلفة أناس يقرءون القرآن ولا يحفظونه، وهم في الوقت نفسه لا يعرفون من الرسم إلا هذا الرسم المحدث الذي وضعت قواعده في عصر التأليف والتدوين، وشاع استعمال هذه القواعد بين الناس في كتابة غير القرآن ولم يكن وجود هذا الصنف من الناس مما يبعث الأمة على تغيير رسم المصحف بما تقضي به هذه القواعد الجديدة.

стр. 5443

وإذا ثبت أن الرسم القديم الذي كتبت عليه المصاحف قد حظي بإقرار النبي ﷺ له، وإجماع الصحابة عليه، ورضا أئمة الصدر الأول – وهم خير الأمة - عنه. واتفاق التابعين وأتباعهم، والأئمة المجتهدين عليه، فلا يجوز العدول عنه إلى غيره، لا سيما وأنه أحد أركان القراءة الصحيحة. وهاك نصوص الأئمة من صدور هذه الأمة وعظمائها. روى الإمام السخاوي - من أجلاء علماء القراءات - أن مالك بن أنس إمام دار الهجرة سئل: أرأيت من استكتب مصحفاً أيكتب على ما أحدثه الناس من الهجاء اليوم؟ فقال مالك: لا أرى ذلك ولكن يكتب على الكتبة الأولى، قال السخاوي: والذي ذهب إليه مالك هو الحق، إذا فيه بقاء الحالة الأولى إلى أن تعلمها الطبقة الأخرى. ولا شك أن هذا هو الأحرى، إذ في خلاف ذلك تجهيل بأولية ما في الطبقة الأولى انتهى. وقال الإمام أبو عمرو الداني: لا مخالف لمالك من علماء هذه الأمة. وقال الداني أيضاً: سئل مالك عن الحروف في القرآن.. مثل الواو، والياء والألف، أترى أن يغير من المصحف إذا وجد فيه شيء من ذلك؟ قال: لا، قال أبو عمرو: يعني الواو والياء والألف الزائدات في الرسم. المعدومات في اللفظ، نحو: لا أذبحنه، بأييد، وأولو، وهكذا.. وقال الإمام أحمد بن حنبل: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو، أو ياء.. أو ألف أو غير ذلك. وقال صاحب المدخل: يتعين على كاتب المصحف أن يترك ما أحدثه بعض الناس في هذا الزمان من نسخ المصحف على غير المرسوم الذي اجتمعت عليه الأمة. انتهى. وقال الإمام النيسابوري: وقال جماعة من الأئمة إن الواجب على القراء والعلماء وأهل الكتابة أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف، فإنه رسم زيد بن ثابت وكان أمين رسول الله ﷺ وكاتب وحيه. انتهى.

стр. 5444

وقال الإمام البيهقي في شعب الإيمان: من كتب مصحفاً ينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه، ولا يغير مما كتبوه شيئاً، فإنهم كانوا أكثر علما، وأصدق قلباً ولسانا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم.. انتهى. ونقل الإمام الجعبري وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتباع رسم المصحف العثماني. ٢- إن قواعد الهجاء والإملاء الحديثة عرضة للتغيير والتنقيح في كل عصر، وفي كل جيل، فلو أخضعنا رسم القرآن لهذه القواعد لأصبح القرآن عرضة للتغيير والتبديل، وحيطتنا للكتاب العزيز، وتقديسنا له يضطرنا إلى أن نجعله بمنأى من هذه التغييرات في رسمه وكتابته. ٣- إن تغيير الرسم العثماني ربما يكون مدعاة - من قريب أو من بعيد - إلى التغيير في جوهر الألفاظ والكلمات القرآنية، ولا شك أن في ذلك القضاء على أصل الدين. وأساس الشريعة، وسد الذرائع - مهما كانت بعيدة - أصل من أصول الشريعة الإسلامية التي تبنى عليها الأحكام، وما كان موقف الأئمة من الرسم العثماني إلا بدافع من هذا الأصل العظيم، مبالغة في المحافظة على كيان ألفاظ القرآن، وصيانتها من تطرق التحريف إليها، والعبث فيها، ومن طريف ما يذكر في هذا الموضوع أن محكمة استئناف مصر حكمت بمصادرة مصحف، وعللت حكمها بأن هذا المصحف مكتوب حسب قواعد الإملاء، ومخالف للرسم العثماني الذي يجب أن تكتب المصاحف كلها حسب قواعده، وكان من حيثيات حكمها أيضا أن الأمم الراقية تحافظ على آثار سلفها، وتجعلها في المحل الأول من العناية والمحافظة. ومن ذلك أن الشعب الإنجليزي لم يسمح لطابع ما، ولا لناشر كائنا من كان أن يكتب أشعار "شكسبير"شاعرهم العظيم بغير لغة العصر الذي عاش فيه مع تغير كثير من كلماته وطرق إملائه عن العهد المتداول في عصر الشاعر المذكور.

стр. 5445

لم يسمح الإنجليز بهذا، لأن شعر الشاعر المذكور أصبح في نظرهم مقدساً لا يجوز المساس به حتى في طريقة إملائه، أفلا يكونا الأجدر بالمسلمين - وهم يقدسون كتابهم أشد من تقديس الإنجليز لشعر هذا الشاعر- أن يحافظوا على رسمه وكتابته؟؟ انتهى. وأما ما يستند إليه الأستاذ الكاتب، ويتعلل به في وجوب طبع المصحف على قواعد الإملاء من أن أي قارئ – حتى ولو كان طالباً جامعياً – لا يستطيع القراءة في المصاحف المكتوبة على الرسم العثماني دون أخطاء متواصلة، ولو طبع المصحف برسم الإملاء لاستطاع الجميع قراءته مع تفادي الأخطاء، ولكانت تلاوته ميسورة للمسلمين القارئين – فنقول له في صراحة إن ما استندت إليه وتعللت به يجافي الحقيقة، ولا يتلاقى مع الواقع، فإن المصاحف في هذا العصر – وبخاصة المصاحف المصرية – قد ضبطت بالشكل التام، ووضعت فيها علامات مخصوصة تدل على الحروف المحذوفة التي ينطق بها، وأمارات معينة تدل على الحروف الزائدة التي لا ينطق بها، وألف جمهور المسلمين القراءة في هذه المصاحف دون أخطاء، ومرنوا على القراءة فيها دون تعثر أو مشقة. ومن يقرأ - بإمعان وروية - اصطلاحات رسم المصحف وضبطه الموضوعة في ذيل كل مصحف مصري تحت عنوان "التعريف بالمصحف الشريف "يستطيع أن يقرأ في المصحف بغاية اليسر والسهولة. ٤- ذكر أئمة القرآن أن للرسم العثماني مزايا جليلة، وفوائد جمة نقتصر منها على فائدتين اثنتين:

стр. 5446

الأولى: الإشارة إلى ما في الكلمة من قراءات، فإذا كان في الكلمة القرآنية قراءتان فإنها تكتب بصورة تحتمل كلتا القراءتين، وإذا لم يكن في الكلمة إلا قراءة واحدة كتبت بهيئة لا تحتمل غيرها، ومن أمثلة ذلك كلمة ((سراجا)) وردت في القرآن في سورة الفرقان في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ آية ٦١ وفي سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ آية ٤٦ وفي سورة النبأ في قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾ آية ١٣ كتبت كلمة ((سراجاً)) في سورة الفرقان بحذف الألف، لأن فيها قراءتين، إحداهما بضم السين والراء من غير ألف بعدها على الجمع، والأخرى بكسر السين وفتح الراء وألف بعدها على الإفراد. فكانت كتابتها بحذف الألف لتحتمل القراءتين، قراءة الإفراد وقراءة الجمع، ولو كتبت بإثبات الألف لم تكن محتملة إلا لقراءة الإفراد. وكتبت في سورة الأحزاب وسورة النبأ بإثبات الألف لاتفاق القراء على قراءتها بكسر السين وفتح الراء وألف بعدها على الإفراد في الموضعين. الفائدة الثانية: إفادة بعض لغات العرب، وذلك مثل كتابة هاء التأنيث تاء مفتوحة في بعض المواضع للإيذان بجواز الوقف عليها بالتاء على لغة (طيئ) نحو ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ في الأعراف، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ في إبراهيم، ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ في التحريم، ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ في الأنفال، ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ في الدخان. ومثل: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغ..﴾ في الكهف، كتبت كلمة ((نبغ)) بحذف الياء على لغة هذيل التي تحذف لام الفعل المضارع المعتل من غير دخول جازم عليه.

стр. 5447

وأخيراً يقول الأستاذ الكاتب: إنني أتحدى أي طالب جامعي فضلا عن الطالب الابتدائي والثانوي أتحداه أن يقرأ القرآن في المصاحف الموجودة دون أخطاء متواصلة، ثم يقول: وأؤكد أن المصحف الشريف إذا طبع برسم الإملاء العلمي استطاع الجميع قراءته مع تفادي الأخطاء. وأقول أنا: ((إنني مع الأستاذ في هذا التحدي، بيد أني أضيف إلى الطالب الجامعي السواد الأعظم، والكثرة الكاثرة من المثقفين على اختلاف ثقافتهم، وتنوع معارفهم، وتباين استعدادهم، فإن أحداً من هؤلاء مهما علا كعبه في العلم، وسمت درجته في الألمعية والفضل لا يستطيع أن يقرأ في المصحف القراءة الصحيحة السليمة ولو كان المصحف مكتوباً على قواعد الإملاء، فإن في قواعد التجويد، وقوانين الترتيل من الأحكام ما لا يمكن أخذها من المصحف ولا يمكن تطبيقها إلا بالتلقي، والأخذ عن العلماء الأثبات الثقات المبرزين في علوم القرآن، وفنون التجويد والقراءات، وخذ مثلا لذلك: النون الساكنة والتنوين فقد قرر علماء التجويد أنه يجب إظهارهما إذا لقيا حروفاً معينة، ويجب إدغاهما في حروف مخصوصة، ويجب إخفاؤهما عند حروف مخصوصة ولا يمكن أحدا تطبيق هذه الأحكام إلا بواسطة أستاذ ماهر مجيد لعلم التجويد.

стр. 5448

ومثلا آخر: قرر علماء التجويد قاطبة أن النون في كلمة ((تأمنا)) في قوله تعالى في سورة يوسف ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ تقرأ بوجهين لجميع القراء، وهما الروم والإشمام، وقد وضعت في المصحف علامة فوق النون تدل على الإشمام، ولم توضع علامة أخرى تدل على الروم، ولا يستطيع قارئ ما أن يتعلم كيفية النطق بالإشمام أو الروم من المصحف أياً كانت كتابته ورسمه، وليت شعري هل يستطيع قارئ ما أن يتعلم من المصحف كيف ينطق بفاتحة سورة الأعراف ((المص)) أو فاتحة سورة مريم ((كهيعص)) أو فاتحة سورة القصص ((طسم)) أو فاتحة سورة الشورى ((حم عسق)) لعلك توافقني على أن المصحف لا يعلم أحدا النطق الصحيح بشيء من ذلك، وقصارى القول أن من يريد تلاوة القرآن تلاوة صحيحة سليمة مراعى فيها جودة الترتيل، وحسن الأداء، بحيث تكون مطابقة لمقاييس القراءة، وموازين التلاوة التي وضعها أئمة الأداء وشيوخ الإقراء - من يريد قراءة القرآن - القراءة الموعود عليها بعظيم الأجر وجزيل المثوبة - فعليه ألا يعول على المصحف وحده، بل عليه أن يتعلم أحكام التجويد النظرية العلمية ثم يطبقها عملياً بقراءة ختمة من أولها إلى آخرها على أحد الحفاظ الثقات الأثبات المهرة بالقرآن الكريم، المجيدين للتعليم والتلقين، والله وحده الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 5449

حقوق الحيوان والرفق به في الشريعة الإسلامية لفضيلة الشيخ أحمد عبيد الكبيسي طبيعة التشريع الإسلامي: عن الفقه الإسلامي يقول الدكتور ((أنريكو انساباتو)) في كتابه الإسلام وسياسة الخلفاء: "ولا يجوز قط أن يهدم هذا الصرح العظيم من العلوم الإسلامية، ولا أن يغفل شأنه، أو أن تمسه يد بسوء، وأنه أوجد للعالم أرسخ الشرائع ثباتاً، وأنها لشريعة تفوق الشرائع الأوربية في كثير من التفاصيل". وهذه الحقيقة التي أدركها انساباتو أدركها العديد من فقهاء الغرب ومشرعيه، وهي ناتجة عن الطابع العام للشريعة الإسلامية الذي يحدد مقاصدها، ويوسع مداراتها، وهو الذي يستلهمه الفقهاء فيما يقررون من أحكام. وفيما نحن بصدده من الكلام في حقوق الحيوان يتجلى أثر الطابع الجماعي للشريعة الإسلامية في مسألة ((الحق)) أي مدى ما لصاحبه من سلطان في الانتفاع به واستعماله والتصرف به، وما يكون من تقييد الشارع له بألاّ يضر هذا الاستعمال الغير. وهذا يقوم على قاعدة راسخة ثابتة تقرر من أول الأمر: أن الإنسان وكل ما يملك ملك لله وحده، ومن هنا كان تقييد استعمال ((الحق)) من نواح عديدة، وقد تولد عن هذا التقييد حقوق للغير، والحيوان من جملة هذا الغير، في الوقت الذي نجد فيه أن أعرق القوانين الوضعية قد جعلت الفردية طابعها العام، فإن القانون الروماني _ في مراحله الأول _ مبني على فكرة استبداد صاحب الحق بما يزعمه من حقه الذي يملكه، والقوانين الوضعية _ في مجملها _ تعتبر حق الفرد حقاً طبيعياًله، فهي تعمل على حمايته له، وتمكينه من الانتفاع به على ما يشاء ما دام يتصرف بزعمه في خالص حقه، وبهذا الإطلاق في استعمال ((الحق)) ضاعت بعض حقوق الغير، والحيوان من جملة هذا الغير أيضاً. أعود إلى موضوعنا فأقول:

стр. 5450

في عام ١٨٢٤ تأسست في إنجلترا أول جمعية للرفق بالحيوان، ثم انتشر هذا التقليد بعد ذلك في كثير من أقطار الأرض، فقامت هنا وهناك جمعيات تهدف إلى الرفق بالحيوان عند المصاحبة، والإحسان إليه في المعاملة، والتلطف معه في السلوك. غير أن هذه الجمعيات جميعاً إنما تقوم على أسس أخلاقية صرفة، وقواعد إنسانية عامة، ليس لها أساس من القواعد التشريعية، أو القوانين الملزمة، وليس لها خلفية فقهية تنظم مسائلها، وتوضح حدودها المتعلقة بحفظ حقوق الحيوان المتعاون مع الإنسان في هذه الحياة، ومن هنا بقيت هذه الجمعيات ذات صفة طوعية اختيارية، وهي لذلك لا ترتب ثواباً لممتثل، ولا توجب عقاباً على مخالف، فماذا فعلت الشريعة الإسلامية في هذا الصدد؟ الرفق مبدأ إسلامي: يعتمد الإسلام مبدأ الرفق بصورة عامة في جميع شؤون الحياة، فيجعل منه سمة تميز المؤمن، وعنصرا ًيقوي الإيمان، وفضيلة تزين العمل، وفي ذلك يقول رسول الله من حديث عائشة عن البخاري ومسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله "وفي رواية لمسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه"، وروى مسلم بسنده عن عائشة: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه". وعن جرير بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق، وإذا أحب الله عبداً أعطاه الرفق، ما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير" رواه الطبراني، ورواه مسلم وأبو داود مختصراً. وعن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: "من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وروي عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله قال: "الرفق يمن، والخرق شؤم" رواه الطبراني في الأوسط.

стр. 5451

والأحاديث في ذلك كثيرة متوافرة سقنا بعضها على سبيل التمثيل لا الحصر، وكلها تنص على أن الرفق مبدأ إسلامي يبني التشريع الإسلامي قواعده وأصوله عليه. نظرة الإسلام إلى الحيوان: ينظر الإسلام إلى عالم الحيوان إجمالا ًنظرة واقعية ترتكز على أهميته في الحياة ونفعه للإنسان، وتعاونه معه في عمارة الكون واستمرار الحياة، ومن هنا كان الحيوان ملء السمع والبصر في كثير من مجالات الفكر والتشريع الإسلامي، ولا أدل على ذلك من أن عدة سور في القرآن الكريم وضع الله لها العناوين من أسماء الحيوان مثل سورة البقرة، والأنعام، والنحل، والنمل، والعنكبوت، والفيل. ويعود القرآن بعد ذلك لينص على تكريم الحيوان، وبيان مكانته، وتحديد موقعه إلى جانب الإنسان، فبعد أن بين الله في سورة النحل قدرته في خلق السموات والأرض، وقدرته في خلق الإنسان، أردف ذلك بقوله ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . وقد استنبط الفقهاء والمفسرون من هذه الآيات الأربع من سورة النحل ما يلي: أولا: أن الحيوان شديد الارتباط بالإنسان، وثيق الصلة به، قريب الموقع منه، ومن هنا كان للحيوان على الإنسان حرمة وذمام. (القرطبي ١٠/٦٩) . ثانياً: أن أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي _ بعد الإنسان - سائر الحيوانات لاختصاصها بالقوى الشريفة وهي الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب (الرازي ١٩/٢٢٧) .

стр. 5452

ثالثا: أن الله - سبحانه - قصد بهذه الآيات أن يبتعد بالإنسان عن أن ينظر إلى الحيوان نظرة ضيقة لا تتعلق إلا بالجانب المادي المتعلق بالأكل والنقل واللباس والدفء، فوسع نظرته إليه مشيراً إلى أن للحيوان جانباً معنوياً، وصفات جمالية تقتضي الرفق به في المعاملة، والإحسان إليه في المصاحبة، والإقبال عليه بحب واعتزاز، فقال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ، وقال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ . قال الرازي (١٩/٢٢٨) "واعلم أن وجه التجمل بها، أن الراعي إذا روحها بالعشي وسرحها بالغداة تزينت عند تلك الإراحة والتسريح الأفنية، وتجاوب فيها الثغاء والرغاء، وفرحت أربابها، وعظم وقعهم عند الناس بسبب كونهم مالكين لها". وقال القرطبي (١٠/٧٠) : "وجمال الأنعام والدواب من جمال الخلقة، وهو مرئي بأبصار موافق للبصائر، ومن جمالها: كثرتها وقول الناس إذا رأوها: هذه نعم فلان، ولأنها إذا راحت توفر حسنها، وعظم شأنها وتعلقت القلوب بها". رابعاً: أن ذكر بعض الحيوانات بأسمائها في هذه الآيات لا يعني أن غيرها ليس كذلك، بل إنه ذكرها على سبيل المثال لا الحصر بدليل قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . ويقول الرازي في تفسير ذلك (١٩/٢٣١) : "لأن أنواعها وأصنافها وأقسامها كثيرة خارجة عن الحد والإحصاء فكان أحسن الأحوال ذكرها على سبيل الإجمال كما ذكر الله تعالى في هذه الآية". ثناء الإسلام على بعض الحيوانات:

стр. 5453

وقد أناط الإسلام وجوب الإحسان إلى بعض الحيوانات بمنافعها المعنوية وصفاتها الحميدة، فأوجب الرفق بها لذلك، ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر، أنه ﷺ قال: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة"، ووقع في رواية ابن إدريس عن حصين في هذا الحديث من الزيادة قوله ﷺ "والإبل عزّ لأهلها، والغنم بركة" أخرجه البرقاني في مستخرجه، ونبه عليه الحميدي، ونقله ابن حجر (فتح الباري ٦/٣٩٥) . وروى النسائي عن زيد بن خالد الجهني عن رسول الله قوله: "لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة". رواه أبو داود أيضاً وابن حبان في صحيحه، إلا أنه قال: " فإنه يدعو للصلاة" على ما نقله المنذري (٥/١٣٣) . الرفق بالحيوان عبادة لله: توافرت النصوص على أن الإحسان إلى الحيوان والرفق به عبادة من العبادات التي قد تصل في بعض الأحيان إلى أعلى درجات الأجر وأقوى أسباب المغفرة، ومن ذلك حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه الحر، فوجد بئرا ًفنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفرله، قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرا ً؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر" رواه مالك، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن حبان في صحيحه إلا أنه قال: "فشكر الله له فأدخله الجنة". وأخرج مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن امرأة بغيا رأت كلبا ًفي يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها _أي استقت له بخفها _ فغفر لها " فقد غفر الله لهذه البغي ذنوبها بسبب ما فعلته من سقي هذا الكلب.

стр. 5454

وعن عبد الله بن عمرو أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أنزع في حوضي حتى إذا ملأته لأبلي ورد عليّ البعير لغيري فسقيته، فهل في ذلك من أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن في كل ذات كبد أجرا " رواه أحمد ورواته ثقات مشهورون. وعن محمود بن الربيع أن سراقة بن جعثم قال: يا رسول إن الضالة ترد على حوضي فهل لي فيها من أجر إن سقيتها؟ قال: "أسقها، فإن في كل ذات كبد حراء أجرا ً"رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه ابن ماجة والبيهقي. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسلمة من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال في مرج أو روضة فما أصابت في طلبها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت أرواؤها وأثارها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له.."الحديث. الإساءة للحيوان معصية لله: وبنفس القدر الذي أوصلت به الشريعة الإسلامية به الإحسان إلى الحيوان والرفق به إلى أعلى درجات العبادة، أوصلت الإساءة للحيوان وتعذيبه إلى أعمق دركات الإثم والمعصية، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ على ما أخرجه البخاري ومسلم: "عذبت امرأة في هرة لم تطعمها ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض"، وروى البخاري بسنده إلى أسماء بنت أبي بكر أن النبي ﷺ قال: "دنت مني النار حتى قلت: أي رب وأنا معهم، فإذا امرأة حسبت أنه قال: تخدشها هرة _: قال ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعا ً" قال النووي في شرح هذا الحديث عن مسلم (٩/٨٩) : "إن المرأة كانت مسلمة وإنها دخلت النار بسببها، وهذه المعصية ليست صغيرة بل صارت بإصرارها كبيرة".

стр. 5455

وقد حرم الإسلام تعذيب الحيوان ولعن المخالفين على مخالفتهم، فقد روى مسلم بسنده إلى ابن عباس أن النبي ﷺ مرّ على حمار قد وسم في وجهه فقال: "لعن الله الذي وسمه" وفي رواية له: "نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه"، ورواه الطبراني بإسناد جيد مختصرا ً: "إن رسول الله ﷺ لعن من يسم في الوجه"وروى الطبراني أيضا ًعن جنادة بن جراد أحد بني غيلان بن جنادة قال: أتيت النبي ﷺ بإبل قد وسمتها في أنفها، فقال رسول الله: "يا جنادة فما وجدت عضوا تسمه إلا في الوجه أما إن أمامك القصاص" فقال: أمرك إليها يا رسول الله. وعن جابر بن عبد الله قال: مرّ حمار برسول الله ﷺ قد كوي وجهه يفور منخراه من دم، فقال رسول الله ﷺ : "لعن الله من فعل هذا" ثم نهى عن الكي في الوجه والضرب في الوجه"رواه الترمذي مختصرا ًوصححه، والأحاديث في النهي عن الكي في الوجه كثيرة. وقد حرمت الشريعة الإسلامية تصبير البهائم – أي أن تحبس لترمى حتى تموت _ كما حرمت المثلة _ وهي قطع أطراف الحيوان _ فقد روي عن ابن عمر أنه قال: "نهى النبي ﷺ عن أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل". وأخرج البخاري ومسلم عن المنهال بسنده إلى عبد الله بن عمر أنه قال: "لعن النبي ﷺ من مثّل بالحيوان" قال العسقلاني في شرح صحيح البخاري (٨/٨٤) : "واللعن من دلائل التحريم كما لا يخفى".

стр. 5456

وقال العقيلي: "جاء في النهي عن صير البهيمة أحاديث جياد"، وقال ابن حجر (فتح الباري ١٢/٦٥) : "وفي هذه الأحاديث تحريم تعذيب الحيوان"والتحريم يقتضي العقاب، والعقاب أثر من آثار الجريمة، وهذا يعني: أن الإساءة إلى الحيوان وتعذيبه وعدم الرفق به يعتبر جريمة في نظر الشريعة الإسلامية، وورد النهي عن خصاء البهائم كما جاء في شرح معاني الآثار للطحاوي من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يخصى الإبل والبقر والغنم والخيل وإذا دعت الضرورة إلى ذلك في الحيوان الذي يخشى عضاضه ووجد طريق آخر لمنع أذاه من غير طريق الخصاء فإنه لا خلاف في منع الخصاء حينئذ، لأنه تعذيب. تحريم أنواع من التصرفات مع الحيوانات: من الفنون التي تشيع هنا وهناك ما لا تتم إلا بتعذيب الحيوان بإغراء بعضه على بعض وتهييجه، كمصارعة الثيران، ومصارعة الديكة، والكباش ونحو ذلك، أو نصبه غرضا ًللرماية والصيد، أو قتله بدون فائدة ولا منفعة، أو إرهاقه بالعمل الشاق، وقد اعتبرت الشريعة الإسلامية ذلك من الفعل المحرم الذي يستحق العقوبة. فقد روي عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﷺ عن التحريش بين البهائم" رواه أبو داود والترمذي متصلا ًومرسلا عن مجاهد وقال في المرسل: هو أصح. وروي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمّرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تعرش، فلما جاء رسول الله قال: "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها" وعن الشريد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قتل عصفورا عبثا ًعجّ إلى الله يوم القيامة يقول: يا رب إن فلانا قتلني عبثا ًولم يقتلني منفعة" رواه النسائي وابن حبان في صحيحه.

стр. 5457

وعن ابن عمر أنه مرّ بفتيان من قريش طيرا ًأو دجاجة يترامونها، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ "لعن من اتخذ شيئا ًفيه الروح غرضا" رواه البخاري ومسلم. قال الصنعاني في سبل السلام (٤/٨٦) بعد أن أورد هذا الحديث بلفظ مسلم: "الحديث نهى عن جعل الحيوان هدفا يرمى إليه، والنهي للتحريم لأنه أصله، ويؤيده قوة حديث "لعن الله من فعل هذا"ووجه حكمة النهي أن فيه إيلاما للحيوان. ومن الرفق بالحيوان تجنب أذيته في بدنه ولطمه على وجهه، فقد روي عن المقداد بن معد يكرب قال: سمعت رسول الله ﷺ "ينهى عن لطم خدود الدواب"، وفي صحيح مسلم: أن امرأة كانت على ناقة فنفرت فلعنتها فسمع ذلك رسول الله ﷺ فأمر بإعراء الناقة مما عليها وإرسالها، عقوبة لصاحبتها. تحريم التعسف في استعمال الحق مع الحيوان: إذا كان الله- سبحانه- قد أجاز للإنسان أن يستعمل حقه في الانتفاع بالحيوان، فإنه اشترط لذلك أن يتم على الوجه المشروع، فإن كان فيه شيء من التعسف فقد ورد النهي عنه في نصوص كثيرة ومن ذلك ما يلي:- أولا: التعسف في استعمال حق الذبح: لقد جعل الإسلام من حق الإنسان أن يذبح الحيوان المأكول للاستمتاع بالطيب من لحمه، ولكنه أمر بالإحسان في ذبحه، فقال رسول الله ﷺ : "وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" وقد وضع فقهاء الإسلام آدابا ًلذبح الحيوان المأكول اقتباسا ًمما جاء في الرفق بالحيوان من أصول، فقال أمير المؤمنين عمر: "من الإحسان للذبيحة أن لا تجر الذبيحة إلى من يذبحها". وقال ربيعة الرأي: "من الإحسان أن لا تذبح ذبيحة وأخرى تنظر إليها".

стр. 5458

وقرر الفقهاء أنه على الذابح أن لا يحد شفرته أمام الذبيحة، وأن لا يصرعها بعنف، فعن ابن عباس أن رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته، فقال النبي ﷺ "أتريد أن تميتها موتتين هلا أحددتك شفرتك قبل أن تضجعها" رواه الطبراني في الكبير والأوسط، والحاكم واللفظ له وقال: صحيح على شرط البخاري. وعن معاوية بن مرة عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله، إني لأرحم الشاة أن أذبحها، فقال: "إن رحمتها رحمك الله"رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. وعن الوحين بن عطاء قال: إن جزارا ًفتح بابا على شاة ليذبحها، فانفلتت منه فاتبعها، فأخذ يسحبها برجلها فقال رسول الله ﷺ "يا جزار سقها سوقا رفيقا" رواه عبد الرزاق في مصنفه. وعن ابن سيرين أن عمر ﵁ رأى رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له: "ويلك قدها إلى الموت قودا ًجميلا ً"رواه عبد الرزاق أيضا. ثانيا: التعسف في استعمال حق القتل: أذن الإسلام في قتل الحيوان المؤذي، كالكلب العقور، والأفعى السام، والفأر المخرب، وما أشبه ذلك، غير أنه أمر بالإحسان في قتله، فقال رسول الله ﷺ "إن الله كتب الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة"والمعروف أن القتل يستعمل للحيوان الذي لا يؤكل، على خلاف الذبح الذي يستعمل للحيوان المأكول.

стр. 5459

وعن ابن مسعود قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فرأى قرية نمل قد حرقناها فقال: "من حرق هذه؟ " قلنا: نحن، قال: "إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب العالمين" رواه أبو داود، وقد أمر رسول الله بقتل ((الوزغ)) وهو الكبار من أفعى سام أبرص، إلا أنه أمر بالإحسان في قتله، وذلك بقتله بضربة واحدة دون تعذيبه بضربات متعددة، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الحسنة الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة دون الحسنة الثانية" رواه مسلم، وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وفي رواية لمسلم "من قتل وزغا ًفي أول ضربة كتبت له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك". وفي حديث سقيا الكلب الذي يلهث قال المفسرون: فيه دلالة على وجوب الإحسان إلى الحيوان المؤذي المأمور بقتله، فقد أمر الإسلام بقتل الكلب العقور إلا أنه أثاب من سقاه من البئر بأعلى درجات الثواب فأدخله الجنة، فلا تعارض بين الأمر بقتله والأمر بالإحسان إليه امتثالا لحديث: فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة. ثالثا: التعسف في استعمال حق الركوب: سخر الله الحيوان لنقل الإنسان من مكان كما جاء في قوله تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ غير أن هذا الحق ليس مطلقا ًوإنما قيدته الشريعة الإسلامية بقيود ترتكز كلها على أصل الرفق بالحيوان والإحسان إليه ومراعاة حقوقه. ومن حقوق الحيوان في ذلك:-

стр. 5460

١_ أن تتاح له فرصة الرعي والاستراحة في السفر الطويل، فقد أخرج البخاري ومسلم من طرق متعددة بالسند إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض"قال النووي في شرح هذا الحديث عند مسلم (٨/١٢٨) : "ومعنى الحديث الحث على الرفق بالدواب، ومراعاة مصلحتها، فإن سافروا في الخصب قللوا السير وتركوها ترعى في بعض النهار وفي أثناء السير، فتأخذ حظها من الأرض بما ترعاه منها". وقد جاء في أول هذا الحديث من رواية مالك: "إن الله رفيق يحب الرفق". ٢_ ومن حق الدابة المعدة للركوب أن لا يركب عليها ثلاثة في آن واحد، فقد أخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يركب ثلاثة على دابة"، وفي رواية أبي سعيد: "لا يركب الدابة فوق اثنين"، وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل زاذان: أنه رأى ثلاثة على بغل، فقال:"لينزل أحدكم فإن رسول الله ﷺ لعن الثالث"وأخرج الطبراني عن علي قال: "إذا رأيتم ثلاثة على دابة فارجموهم حتى ينزل أحدهم". وقد حمل الفقهاء هذه النصوص على ما إذا كانت الدابة غير مطيقة للثلاثة، فإن أطاقتهم جاز. قال ابن حجر في فتح الباري (١٢/٥٢٠) : "يحمل ما ورد في الزجر من ذلك على ما إذا كانت الدابة غير مطيقة كالحمار مثلا، وعكسه على عكسه كالناقة والبغلة". وقال النووي في شرح مسلم (٩/١٣٥) : "مذهبنا ومذهب العلماء كافة جواز ركوب ثلاثة على دابة إذا كانت مطيقة"وحكى القاضي عياض منعه عن بعضهم مطلقا ً، وقال ابن حجر: "لم يصرح أحد بالجواز مع العجز". ٣_ ومن المحرم في الشريعة الإسلامية وقوف الراكب على الدابة وقوفا ًيؤلمها، فقد ورد في سنن أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس".

стр. 5461

٤_ ولا يجوز الركوب على ما لم يخلق للركوب كالبقرة، قال القاضي أبو بكر بن العربي: "لا خلاف في أن البقر لا يجوز أن يحمل عليها، وذهب كثير من أهل العلم إلى أن المنع من ركوبها نظرا ًإلى أنها لا تقوى على الركوب، إنما ينتفع بها فيما تطيقه من نحو إثارة الأرض وسقي الحرث". ٥_ ولا يجوز أن يكون مقود الدابة ضارا ًبها، فقد ورد في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر إلا قطعت"، فذهب بعض أهل العلم في فهم الحديث مذهب الرحمة بالحيوان وقال: إنه أمر بقطع القلائد من أعناق الدواب مخافة اختناق الدابة بها عند شدة الركض لأنها تضيق عليها نفسها، وكراهة أن تتعلق بشجرة فتخنقها أو تعوقها عن المضي في سيرها. رابعا ً: التعسف في استعمال حق التحميل: وحرمت الشريعة الإسلامية الإساءة إلى الحيوان بتحميله من الأثقال ما لا يطيق، وكان الصحابة الكرام يعرفون أن من حمّل دابة ما لا تطيق حوسب على ذلك يوم القيامة، فقد روي عن أبي الدرداء أنه قال لبعير له عند الموت: "يا أيها البعير لا تخاصمني عند ربك، فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك"، وعن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم..فدخل حائطا ً_أي بستانا_ لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل فلما رأى النبي ﷺ حنّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله ﷺ فمسح ذفراه فسكت، فقال: "من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ "فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: " أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكى إليّ أنك تجيعه وتدئبه"أي تعمل عليه عملا متواصلا، رواه أحمد وأبو داود.

стр. 5462

وروى أحمد أيضا ًمن حديث طويل عن يحي بن مرة قال فيه: وكنت معه – أي مع النبي – جالسا ًذات يوم إذ جاء جمل يخب حتى ضرب بحرانه بين يديه، فقال: "ويحك تنظر لمن هذا الجمل؟ إن له لشأنا" قال: فخرجت ألتمس صاحبه، فوجدته لرجل من الأنصار، فدعوته إليه، فقال: "ما شأن جملك هذا"فقال: وما شأنه؟ لا أدري والله ما شأنه، عملنا عليه، ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية، فأتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه، قال: "فلا تفعل، هله لي أو بعنيه"، وعن سهل بن الحنظلية قال: مر رسول الله ﷺ ببعير قد لصق ظهره ببطنه فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم فاركبوها صالحة.." رواه أبو داود وابن خزيمة، إلا أنه قال: "قد لحق ظهره". وإذا كانت الشريعة قد حرمت ركوب ما لم يخلق للركوب من الحيوان، فقد حرمت أيضاً أن يحمل على ما لم يخلق للحمل منه كالبقر مثلا، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أخلق لهذا ولكني إنما خلقت للحرث"قال القرطبي في الجامع (١٠/٧٢) معقبًا: "فدل هذا الحديث على أن البقرة لا يحمل عليها ولا تركب"ويقول أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُم﴾ : "في هذه الآية دليل على جواز السفر بالدواب وحمل الأثقال عليها، ولكن على قدر ما تحتمله من غير إسراف في الحمل مع الرفق في السير". وروى أبو داود بسنده إلى المسيب بن آدم قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يضرب جمّالا وقال: تحمل على بعيرك ما لا يطيق؟ ". أحكام فقهية تحدد حقوق الحيوان:

стр. 5463

كتُب الفقه الإسلامي طافحة بالأحكام المتعلقة بالحفاظ على حقوق الحيوان وهي كثيرة لا يتسع المجال لذكرها في هذه المقالة الموجزة، ومن ذلك ما قرره الفقهاء من وجوب القيام على سقي الدابة وإطعامها، وإذا قصر مالك الحيوان في ذلك أجبره القضاء عليه، فإن لم يقم للدابة بما يجب عليه من حسن تغذيتها وسقيها، باعها القاضي ولم يتركها تحت يد صاحبها تقاسي. ويقول القاضي أبو يعلى في كتابه (الأحكام السلطانية ص ٣٠٥) : "وإذا كان في أربا المواشي من يستعملها فيما لا تطيق الدوام عليه أنكره المحتسب عليه، ومنعه منه وإن لم يكن فيه مستعد _ أي مخاصم _ إليه، فإن ادعى المالك احتمال الدابة لما يستعملها فيه جاز للمحتسب أن يفكر فيه، لأنه وإن افتقر إلى اجتهاد فهو عرفي يرجع فيه إلى عرف الناس وعادتهم وليس باجتهاد شرعي". وفي الفتاوى البزازية (٦/٣٧٠) ما نصه: "المختار أن النملة إذا ابتدأت بالأذى لا بأس بقتلها وإلا يكره، وإلقاؤها في الماء يكره مطلقًا"، لأنه تعذيب لا مبرر له، "وقتل القملة لا يكره، وإحراقها وإحراق العقرب بالنار يكره"والهرة إذا كانت مؤذية لا تضرب ولا تعرك أذنها بل تذبح بسكين حاد. ويقول النويري في نهاية الأرب (٩/٢٥٨) : "وسمعوا بعض المفسرين يقول في قوله : ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ أن المحروم هو الكلب". وقال الصنعاني في سبل السلام: (١/٢٣٢) بعد حديث المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها: "والحديث دليل على تحريم قتل الهرة لأنه لا عذاب إلا على فعل محرّم"ومثل هذه الأحكام في كتب الفقه الإسلامي لا حصر لها. هذا وقد بلغ المسلمون في الرفق بالحيوان حدًا يكاد يكون متطرفاً، حتى أن عدي بن حاتم كان يفت الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات ولهن حق، كما رواه النووي في تهذيب الأسماء.

стр. 5464

وكان الإمام أبو إسحاق الشيرازي يمشي في طريق يرافقه فيه بعض أصحابه، فعرض لهما كلب فزجره رفيق الإمام أبي إسحاق فنهاه الإمام وقال: أما علمت أن الطريق بيني وبينه مشترك. وأمثال ذلك في تراثنا كثير، وكان الدافع إلى كل ذلك هو الرغبة الشديدة في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية نصاً وروحاً. وأخيرا نقول: إن شريعة فيها من ضمان حقوق الحيوان ما ذكرنا بعضه القليل، ماذا يمكن أن تشرع للإنسان من حقوق؟

стр. 5465

مهمة المسجد في بناء المجتمع الإسلامي لفضيلة الشيخ محمد المجذوب: المدرس بكلية الدعوة بالجامعة بحث قدمته الجامعة الإسلامية إلى مؤتمر رسالة الجامعة بمكة المكرمة في رأس الحقائق البديهية أن عبادة الله هي المهمة الأولى للثقلين الجن والإنس، ويؤكد ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فهاهنا قصر الخلق على صفة العبادة وحدها، فكأنه لا غرض من وجود الجن والإنس سوى عبادة الخالق وحده، وبذلك يصبح مفهوم العبادة أوسع مدى من الشعائر الخاصة كالصلاة والصوم والزكاة والحج وما إليها مما يدخل بداهة في هذا النطاق، حتى يتناول كل تحرك يأتيه الإنسان في حياته، فلا يستثني من ذلك طعامه وشرابه ومختلف تصرفاته، إذ المفروض أن هذا الإنسان على وعي تام لسلطان الخالق ومراده من خلقه، فلا يأتي شيئاً أو يذر شيئاً إلا وفق الأفضل والأرضىله.. ومتى استوفى الإنسان هذه الصفة كان عبداً ربانياً، وكان كل تحرك له عبادةً لله خالصة. ولقد تكاملت هذه الخصائص العليا في شخص محمد رسول الله ﷺ وفي رسالته الخاتمة، فكانت الأرض كلها له مسجدا وطهورا، وكان كل عمله من ثم تحقيقاً لفضيلة العبودية الخالصة لله القائم على كل نفس بما كسبت.. والإسلام متتام الأجزاء، أول أركانه بعد شهادة الحق الصلاة، التي عدها رسول الله ﷺ عمود الدين، وكما تنهض على العمود عوالي البناء، هكذا كانت الصلاة الصحيحة منطلق البواعث المحركة لطاقة الفرد في طريق الحياة السعيدة، تسكب روحها في كل تصرفاته.. ومن هنا كان للمسجد أثره العظيم في تكوين المجتمع الإسلامي الأمثل، ولهذا رأينا أول عمل يقوم به رسول الله ﷺ بعد استقراره في المدينة هو تأسيس مسجد قباء، ثم إنشاء مسجده المبارك، الذي شارك بنفسه في بنائه مع صحابته الأكرمين.
следующие страницы →