← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

إن الداعين لإخراج (المرأة) من بيتها وإلباسها لبوسا يكشف الأشياء الحساسة من جسدها بحكم (الموضة) وعرضها هذا العرض (المزري) على كل من هب ودب..كأي (دمية) تضحك.. ولكنها لا تسر!! إنما يهدفون في ذلك لانتزاع ورقة الحياء من على وجهها..لرميها على قارعة الطريق يدوسها من شاء وكيف شاء ويتفرج عليها الغادي والرائح وكأنها في حديقة حيوان. جريدة النداء العدد ٤٢٣ للسنة التاسعة. إن رجلا واحد يعمل ويطبق أفضل من ألف رجل يبحث ويدرس ويخطب، وأن رقعة ضيقة من الأرض تتحرك بالتجربة الأخلاقية عملا وسلوكا أفضل من أقطار شاسعة غارقة في شهادة الجدل الأخلاقي. توفيق حمد سبع –رئيس قسم اللغويات بكلية اللغة العربية بالرياض. عن مجلة رابطة العالم الإسلامي الشباب ليس خيرا محضا أو شرا محضا، الشباب عبارة عن الدم الفائر، عن قابلية اكتساب كل ما هو حديث، عن كائن إذا اقتنع بشيء أنه حقيقي بالاكتساب لا يتأخر عن التضحية بالنفس في سبيله، بغض النظر عما إذا كان ذلك الشيء سيئا أو حسنا. وقوة الشباب هذه مثلها كمثل حد السيف سواء يستخدمه المجاهد في سبيل الله أو قاطع الطريق. إن الشباب هم الذين كانوا دعاة المساوئ والمنكرات في أقدم العصور كما كانوا هو الجيش العرمرم لرفع ألوية الخير والصلاح، حسنة كانت أو سيئة، إن الشباب هم أسرع اندفاعا إليها من الشيوخ. مجلة رابطة العالم الإسلامي. لقد انتقد اليكسس كاريل ما ارتكبه المجتمع العصري من غلطة جسيمة-على حد تعبيره- باستبداله تدريب المدرسة بالأسرة استبدالا تاما، حيث تركت الأمهات أطفالهن لدور الحضانة حتى ينصرفن لأعمالهن ووظائفهن أو منازلهن وهواياتهن الأدبية والفنية وارتياد دور السينما والمراقص.

стр. 5602

وبذلك اختفت وحدة الأسرة واجتماعاتها التي يتصل فيها الطفل بالكبار فيتعلم أمورا كثيرة.. لأن الطفل يتشكل نشاطه الفسيولوجي والعقلي والعاطفي مما يتعلمه من الكبار.. وفي المدارس ودور الحضانة لا يستطيع أن يحقق ذلك لأن زملاءه من أمثاله الأطفال لا يمنحون شيئا زائدا عما يملكه هو.. ولذلك يظل غير مكتمل. عن مجلة رابطة العلم الإسلامي. ويؤيد هذا الرأي الكاتب الإنجليزي (روبرت ولدالي) في كتابه (قصة إسلامي) إذ يقول: "إن اكتساب المسلمين للثقافة الغربية والعادات الأجنبية البذيئة كتقصير ثياب النساء حتى تتكشف أفخاذهن..ليس من الإسلام، لأنه غاية الفساد". روبرت ولزلي عن مجلة رابطة العالم الإسلامي الإسلام هو المدنية يقول مستر "ولز"أكبر مؤرخي هذا العصر.. "كل دين لا يسير مع المدنية في أي طور من أطوارها فاضرب به عرض الحائط ولا تبال به، لأن الدين الذي لا يسير مع المدنية جنبا إلى جنب لهو شر مستطير على أصحابه يجرهم إلى الهلاك، وأن الديانة الحقة التي وجدتها تسير مع [١] المدنية أنَّى سارت هي الديانة الإسلامية، وإذا أراد الإنسان أن يعرف شيئا من هذا فليقرأ القرآن. إن كثيرا من أنظمته تستعمل في وقتنا هذا وستبقى مستعملة حتى قيام الساعة، وإذا طلب منى القارئ أن أحدد له (الإسلام) فإني أحدده بالعبارة التالية: الإسلام هو المدنية.. وهل في استطاعة إنسان أن يأتيني بدور من الأدوار كان فيه الدين الإسلامي مغايرا "للمدنية والتقدم". مجلة المجتمع في عددها ٢٤٩٥ السنة السابعة – الثلاثاء ١٣ ربيع الآخر ٩٦هـ. -------------------------------------------------------------------------------- [١] التعبير الأصح أن يقال: تسير معها المدنية

стр. 5603

ندوة الطلبة قصيدة للطالب: عبد الرحمن شميله الأهدل الطالب بالسنة الثانية من كلية الشريعة لله درّ ذوي التفكير والعبر بدقة بحثوا في الكون في البشر وراجعوا أنفسا ضلّت برمّتها إلى الصواب بصدق القول في الخبر وأفحموا كلّ من يرجو معاندة دليل عقل مع الآيات والسّور حتى أقرّوا بأن الرب موجدهم إقرار صدق بما أبدوه من نظر إلا الألى مرقوا كالسهم حين رمت تالله إنهم في معظم الخطر خذوا قواعدهم فيها تروا عجبا أو اسمعوا فتروني صادق الخبر إن الوجود يُرى لا شك عندهم وعكسه عدم بل كل مستتر وهكذا حكموا أن لا إله ولا مدبرا لجميع الخلق ذو ظفر ثم الطبيعة قالوا أصل خلقتنا فقلت خلّوا سبيل الكاشح الأشر أعمى البصيرة مفقود الشعور فلا يعي كلاما ولا يبدي سوى الهذر هلاّ تأمّل ما في الكون أجمعه ومن يسيّره لو كان ذا بصر من الذي مرج البحرين فالتقيا عذب فرات وملح طيب الأثر والمزن تحمل ماء حيثما أمرت به فتسقي جميع الأرض والمدر من الذي قادها في أرض مجدبة فاخضرّ عود وغنّى الطير في الشجر والليل أكبر آيات مبينة على وجود عظيم الشّآن مقتدر وكوكب الصبح عمّ الأرض منه سنا سبحان من زانه والليل بالقمر

стр. 5604

أخبار الجامعة المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية يعقد دورته الأولى برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى للجامعة عقد المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة دورته العادية الأولى لعام ١٣٩٦هـ بمقر الجامعة في المدة من يوم الأربعاء السابع عشر من ربيع الأول إلى يوم الجمعة التاسع عشر منه عام ١٣٩٦هـ. وقد رأس الجلسة الافتتاحية لهذه الدورة المنعقدة في الساعة الثانية عشرة ظهر يوم الأربعاء ١٧ من ربيع الأول ١٣٩٦هـ صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية، وأناب سموه في رئاسة الجلسات التالية سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز عضو المجلس الأعلى للجامعة، ورئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. وحضر الدورة أعضاء المجلس التالية أسماؤهم وصفاتهم مرتبين حسب حروف الهجاء: فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي أمين عام ندوة العلماء - لكنو - بالهند. سعادة الدكتور أحمد عبيد الكبيسي أستاذ مساعد بجامعة بغداد. سمو الأمير خالد بن فهد بن خالد وكيل وزارة المعارف. معالي الشيخ صالح الحصين. سماحة الشيخ عبد الله غوشه رئيس قضاة الأردن. فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد نائب رئيس الجامعة. معالي الدكتور عبد العزيز الفدا مدير جامعة الرياض. فضيلة الشيخ عمر محمد فلاتة الأمين العام. سعادة الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة عميد الكلية الزيتونية بتونس. معالي الشيخ محمد صالح القزاز أمين عام رابطة العالم الإسلامي. معالي الدكتور محمد عمر زبير مدير جامعة الملك عبد العزيز بالنيابة. فضيلة الشيخ محمد الغزالي أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز.

стр. 5605

فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني من العلماء. فضيلة الشيخ مصطفى أحمد علوي مدير دار الحديث الحسنية بالرباط. فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية بقطر. وتخلف عن حضور هذه الدورة معالي الدكتور كامل محمد الباقر مدير جامعة أم درمان الإسلامية. وقد بدئت الجلسة الافتتاحية للدورة بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، ثم افتتح سمو الرئيس الأعلى للجامعة الدورة بكلمة أكد فيها أن حكومة المملكة العربية السعودية لن تدخر وسعا أو أي مجهود تستطيع أن تقدمه للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لنشر العقيدة الإسلامية، ومساعدة إخواننا المسلمين في كل مكان، وقال سموه: إن هذا اليوم هو من أعز الأيام إلى نفسي، وقد شرفني جلالة الملك برئاسة هذه الجلسة ورئاسة مجلسها، وإنني لأرجو من الله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يوفقنا لما فيه خير ديننا ثم دنيانا، ويوفقنا لأداء الواجب وأداء الأمانة التي ألقيت على عاتق هذه البلاد إنه على كل شيء قدير، كما أرجو أن نوفق في جلستنا هذه لما فيه خير الإسلام والمسلمين والنهوض بهذه الجامعة الفتية. ثم ألقى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز كلمة نيابة عن أعضاء المجلس شكر فيها سمو الرئيس، وأشاد بالمنجزات التي حققتها الجامعة بفضل الدعم الذي تلقاه من المسئولين في الدولة وعلى رأسهم جلالة الملك خالد المعظم، وسمو ولي عهده الأمين، كما نوه بجهود المملكة في رفع راية الإسلام والمسلمين في كل مكان. ثم شرع المجلس في النظر في الموضوعات المدرجة بجدول أعماله، واتخذ قرارات بشأنها ومن أهم ما أقره: ١- الموافقة على ما اقترحته الجامعة من صرف مكافآت شهرية قدرها مائتان وخمسون ريالا لكل طالب من طلاب كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، إضافة إلى الإعانة المقررة لطلاب الكليات الأخرى في الجامعة.

стр. 5606

٢- الموافقة على اقتراح إنشاء كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة ورفعه لجلالة الملك المعظم رجاء التفضل بالموافقة السامية عليه تطبيقا للمادة الرابعة من نظام الجامعة. ٣- الموافقة على ترحيل من يرغب من الطلاب الوافدين من خارج المملكة الناجحين في الدور الأول إلى بلادهم ذهابا وإيابا في العطلة الصيفية كل عام على حساب الجامعة مع حسم المكافأة من الطالب المرحل مدة العطلة. ٤- تعيين الدكتور محمد أمين المصري رئيسا لقسم الدراسات العليا بالجامعة لمدة ثلاث سنوات. وتعيين الدكتور محمد نايل عميدا لكلية اللغة العربية والآداب بالجامعة لمدة ثلاث سنوات. وتعيين الدكتور محمد قناوي الأستاذ بكلية اللغة العربية والآداب بالجامعة عضوا بمجلس الجامعة لمدة سنتين. وتعيين فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي الأستاذ بكلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية عضوا بمجلس الجامعة لمدة سنتين. ٥- الموافقة على مشروع ميزانية الجامعة للعام المالي ٩٦- ١٣٩٧هـ. ٦- الموافقة على لائحة قسم الدراسات العليا، واللائحة المالية ولائحة مكتبات الجامعة. حفل بقاعة المحاضرات بمناسبة زيارة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية للجامعة بمناسبة زيارة سموه للجامعة أقامت الجامعة احتفالا بقاعة المحاضرات حضره أساتذة الجامعة وطلبتها وأعيان المدينة المنورة، وقد بدئ الحفل بتلاوة آيات من الذكر الحكيم رتلها الطالب محمد أيوب أحد طلاب السنة الثالثة من كلية الشريعة، ثم ألقى نائب رئيس الجامعة الإسلامية عبد المحسن بن حمد العباد كلمة، وتلاه الدكتور محمد نائل الأستاذ بكلية اللغة العربية بإلقاء كلمة ارتجالية، ثم ألقى أحد طلبة الجامعة قصيدة، وفيما يلي كلمة نائب رئيس الجامعة وقصيدة الطالب.

стр. 5607

الحمد لله على نعمه التي لا تحصى وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحابته وأتباعهم بإحسان. صاحب السمو الملكي الرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية: يسرني أصالة عن نفسي ونيابة عن أسرة الجامعة أن أرحب برائد العلم في جامعة العلم في مدينة العلم، فأهلا وسهلا ومرحبا بسموكم الكريم في طيبة الطيبة، طبتم وطابت أوقاتكم وأعمالكم ودمتم موفقين لكل ما فيه عزة الإسلام ورفعة شأن المسلمين. صاحب السمو الملكي الرئيس الأعلى للجامعة: لقد كانت هذه المدينة المباركة مصدر إشعاع وهداية للبشرية منذ هاجر رسول الله ﷺ إليها، وقد صدرت للعالم رجالا انتشروا في الأرض يوزعون بين الناس ميراث النبوة، ويهدون غيرهم إلى الصراط المستقيم، وهاهي بحمد الله تستعيد سيرتها الأولى بوجود هذه الجامعة المباركة فيها إذ تستقبل أبناء المسلمين من كل مكان لتثقيفهم الثقافة الخالصة النقية على هدى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة السلف الصالح ثم يعودون إلى بلادهم دعاة إلى الخير وهداة إلى الصراط المستقيم والفضل في ذلك لله ثم لحكومة هذه المملكة أيدها الله وأدام توفيقها لكل خير. صاحب السمو الملكي الرئيس الأعلى للجامعة:

стр. 5608

إن لهذه الجامعة أياما تاريخية، وإن هذا اليوم الذين تشرفون فيه الجامعة بهذه الزيارة يعد من أبرز هذه الأيام، ففي صباح هذا اليوم تفضلتم بافتتاح الجلسة الأولى من جلسات المجلس الأعلى للجامعة في أول دورة يعقدها في ظل نظامها الجديد، وفي مسائه الآن نحتفل في هذه القاعة وفي أول اجتماع يجري فيها مغتبطين بلقاء سموكم الكريم معبرين عما تكنه أسرة الجامعة لسموكم الكريم من صادق الود وما تلهج به من جميل الذكر وخالص الدعاء لما تولونه هذه الجامعة من رعاية وعناية تمكنت بها بتوفيق الله تعالى من مواصلة السير والتقدم إلى الأمام في سبيل أداء رسالتها وتحقيق أهدافها، فإن الكل يكن المودة ويعترف بالجميل ويتقدم بالشكر لسموكم الكريم وليس بشاكر لله من لا يشكر الناس. صاحب السمو الملكي الرئيس الأعلى للجامعة: إن هذه الرحلة الميمونة من الرياض إلى المدينة لرئاسة المجلس الأعلى للجامعة وتفقد بعض أقسامها من أوضح الشواهد وأبين الأدلة على مدى الاهتمام والعناية التي تحظى بها هذه الجامعة من سموكم الكريم، وذلك لسمو أهدافها وشمول نفعها وكونها والحمد لله جامعة تعليم ودعوة يستفيد طلابها من منحها الدراسية ويستفيد غيرهم ممن يزورها أو يراسلها بما تطبعه وتوزعه من كتب ونشرات مفيدة. صاحب السمو الملكي الرئيس الأعلى للجامعة:

стр. 5609

يسرني أن أعلن في هذا الملأ أن الجامعة على الرغم من قصر المدة التي مرت من عمرها خرّجت ألفا وخمسة وتسعين جامعيا ينتمون إلى ستين قطرا تقريبا من أقطار العالم، وإن في الجامعة في كلياتها الأربع وقسم الدراسات العليا والمعاهد ودور الحديث التابعة لها طلبة يزيدون على ثلاثة آلاف طالب ينتمون إلى أكثر من ثمانين قطرا من أقطار العالم، وإن الجامعة قامت خلال السنتين الماضيتين بطباعة خمس وعشرين رسالة من الرسائل المفيدة بكميات كبيرة لتوزيعها، وذلك بفضل الله ثم بالعناية والرعاية التي تلقاها هذه الجامعة من جلالة الملك خالد وسموكم الكريم وسلفكم في الخير جلالة الملك فيصل ﵀، وأسأل الله تعالى أن يجزل مثوبتكم جميعا وأن يكتب لكم مثل أجور كل من استفاد خيرا بسبب هذه الجامعة. ولا يفوتني قبل أن أختم هذه الكلمة أن أشيد بالجهود العظيمة والأعمال المجيدة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز خلال أربعة عشر عاما مضت له في رئاسة هذه الجامعة. وأسأل الله تعالى أن يثيبه خيرا وأن يتولى الجميع بتوفيقه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. دارة العلم قد أهلّ السناء مشعل لاح للمعالي يضاء أقبل الفهد فاطمئنت قلوب ملؤها الحب دائما والولاء مرحبا فهد مرحبا في ربوع تمّ فيها الرضا وتمّ الهناء هاهنا روضة أتانا شذاها وتناهى إلى القلوب النداء فسعينا لنجتني من ثمار قد رعاها وصانها العلماء ننشد الحق خالصا في بلاد لم تخالط ربوعها الأهواء في ظلال القرآن والدين نحيا لا نبالي بما يرى الأدعياء ننهل العلم صافيا ثم نمضي شرعة الله في هداها الشفاء من شيوخ قد بارك الله فيهم وهم اليوم عندنا الأوفياء نشر النور في الدياجير حتى يغمر الكون والبرايا الضياء

стр. 5610

فيموت القُنُوط واليأس فينا نحن للدين في الرزايا الفداء يا شبابا توافدوا من بعيد همّه المجد والعلا والإباء أنتم اليوم من ثمانين قطرا بل تزيدون والأماني وضاء كان وهما وكان حلما جميلا بل خيالا تقوله الشعراء فالمنى أصبحت حياة وصدقا والدّنا أشرقت وطال البناء يا شبابا نعده خير درع إن بكى القدس وشكت سيناء إنما المؤمنون في كل عصر شأنهم كلهم جميعا إخاء همُّهم أن يسود لله شرع تشهد الأرض عدله والسماء عالم يزدهي بشرع حنيف كوكب الدين فوقه لألاء إنما النصر في ثنايا كتاب يمنح الله نصره من يشاء صرحنا ((فيصل)) بناه فأعلى هكذا ينصر الهدى الأتقياء وتلاه البناة من خير قوم خالد حكمة، وفهد مضاء هم يحوطون بالمعالي حمانا قادة معدن العلاء أقوياء كلهم ((فيصل)) إذا ما أدلهمت نازلات الأيام والبأساء غرس عبد العزيز طابوا أصولا لهم الحب عندنا والدعاء ثمانمائة منحة دراسية تقدمها الجامعة لأبناء العالم في عامها الدراسي ٩٦-١٣٩٧هـ. تولي حكومة المملكة العربية السعودية الجامعة الإسلامية اهتماما بالغا لعالميتها وشمول رسالتها وسمو أهدافها، وتبذل لها المال بسخاء، لتحقق الأهداف النبيلة التي أسست من أجلها، وقد بلغت المنح الدراسية التي قدمتها الجامعة لأبناء العالم في العام الدراسي القادم ٩٦-١٣٩٧هـ ثمانمائة منحة موزعة على أكثر من مائة قطر من أقطار العالم.

стр. 5611

وفود الجامعة في العطلة الصيفية للدعوة إلى الله من أهداف الجامعة الإسلامية تبليغ رسالة الإسلام الخالدة إلى العالم عن طريق الدعوة والتعليم الجامعي والدراسات العليا، وقد قامت في صيف العام الماضي بإرسال وفود من أساتذتها للدعوة إلى الله وتقديم تقارير عن أحوال المسلمين وذلك إلى الأقطار التالية: أمريكا - بريطانيا - اليابان - مالي - النيجر - الهند - الباكستان - وأقطار أخرى، وسيتم بميشئة الله إرسال وفود أخرى في صيف العام الحالي إلى كندا وأستراليا وجنوب السودان وتركيا وأقطار أخرى. أقر مجلس الجامعة الإسلامية مواعيد الامتحانات والعطلة الصيفية للعام الدراسي ٩٥-١٣٩٦هـ كالتالي: ١- يبدأ امتحان الدور الأول في الجامعة في يوم السبت الموافق ١٤/٦/٩٦هـ. ٢- تبدأ الإجازة الصيفية يوم السبت ١٣/٧/١٣٩٦ وتنتهي في ٥/١٠/٩٦هـ. ٣- يبدأ امتحان الدور الثاني يوم السبت ٩/١٠/١٣٩٦هـ. ٤- تبدأ الدراسة للعام الدراسي ٩٦/١٣٩٧هـ يوم الثلاثاء الموافق ١٩/١٠/٩٦هـ. ستقيم الجامعة بمشيئة الله حفلا لتوزيع الشهادات على الخريجين والجوائز على المتفوقين وذلك في ليلة الخميس الموافق ١١/٧/١٣٩٦هـ ومن الجدير بالذكر أن كل طالب يحصل على تقدير ممتاز في الشهادات والنقل يمنح ألف ريال جائزة. الجامعة تطبع كتبا مفيدة للتوزيع الجامعة الإسلامية تحقيقا لأهدافها في الدعوة إلى الله ونشر التوعية الإسلامية تطبع سنويا رسائل مفيدة بكميات كبيرة لتوزيعها في داخل المملكة وخارجها وقد طبعت في العام الدراسي ٩٣/١٣٩٤هـ سبعة كتب، وفي العام الدراسي ٩٤/١٣٩٥هـ سبعة عشر كتابا، وفي العام الدراسي الحالي ٩٥/١٣٩٦هـ قامت الجامعة بترسية طباعة كتب مفيدة تبلغ تكاليفها أكثر من نصف مليون ريال.

стр. 5612

محاضرات الموسم الثقافي تقيم الجامعة محاضرات ثقافية يقوم بإلقائها بعض أساتذة الجامعة يستمع لها جموع كبيرة من أساتذة الجامعة وطلابها وأهالي المدينة المنورة، وقد بلغ عدد هذه المحاضرات هذا العام والعامين قبله خمسا وأربعين محاضرة، وقد قامت الجامعة بطباعة محاضرات عام ٩٣-١٣٩٤هـ وعددها خمس عشرة محاضرة في كتاب مستقل، كما قامت بطباعة محاضرات عام ٩٤-١٣٩٥هـ وعددها خمس عشرة محاضرة في كتاب مستقل أيضا، وستقوم الجامعة بمشيئة الله بطبع محاضرات هذا العام ٩٥-١٣٩٦هـ وعددها خمس عشرة محاضرة في كتاب، وفيما يلي بيان موضوعات العام الحالي وأسماء المحاضرين: ١- تقوى الله أساس كل خير لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. ٢- الإيمان منطلق الفكر الإسلامي لفضيلة الشيخ أبي بكر الجزائري المدرس في كلية الشريعة بالجامعة. ٣- نظرات في التاريخ لفضيلة الشيخ أحمد محمود الأحمد المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين. ٤- نور الإيمان لفضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني أحد علماء اليمن. ٥- الدعوة إلى الله في القارة الإفريقية لفضيلة الشيخ إبراهيم سرسيق المدرس بكلية الشريعة بالجامعة. ٦- حديث عن التفرقة والتمييز في الماضي والحاضر لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي المدرس بالمعهد الثانوي التابع للجامعة. ٧- موقف الإسلام من المجتمع الجاهلي للدكتور إبراهيم جعفر السقا المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين. ٨- مع أحسن القصص لفضيلة الشيخ محمد أبو طالب شاهين المدرس في كلية الشريعة. ٩- أثر الإسلام في توجيه وتهذيب النقد الأدبي العربي لفضيلة الدكتور عبد الحميد العبيسي المدرس بكلية الدعوة.

стр. 5613

١٠- سطحية التفكير لدى الملحدين وتخريفاتهم وحقيقة الصراع بين الدين والعلم لفضيلة الشيخ زهير الخالد المدرس في المعهد الثانوي التابع للجامعة. ١١- صراع اللغة العربية في سبيل البقاء للدكتور محمد نائل عميد كلية اللغة العربية والآداب بالجامعة. ١٢- منبع القراءات ومنشؤها والرد على الملحدين لفضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي الأستاذ بكلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية بالجامعة. ١٣- الإعلام والدعوة الإسلامية للدكتور طه مقلد المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة. ١٤- تربية القادة للدكتور محمد أمين المصري رئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة. ١٥- الإسلام في أفريقيا عبر التاريخ لفضيلة الشيخ محمد أمان بن علي المدرس بكلية الشريعة.

стр. 5614

التمسك بالإسلام سبب النصر في الدنيا والنجاة في الآخرة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه. أما بعد: فإن الله إنما خلق الخلق ليعبد وحده لا شريك له، وأنزل كتبه وأرسل رسله للأمر بذلك والدعوة إليه كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، وقال : ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ .

стр. 5615

فهذه الآيات وأمثالها كلها تدل على أن الله إنما خلق الثقلين ليعبد وحده لا شريك له وأن ذلك هو الحكمة في خلقهما، كما تدل على أنه إنما أنزل الكتب وأرسل الرسل لهذه الحكمة نفسها، والعبادة هي الخضوع له والتذلل لعظمته بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه عن إيمان به سبحانه وإيمان برسله وإخلاص له في العمل وتصديق بكل ما أخبر به ورسوله محمد ﷺ ، وهذا هو أصل الدين وأساس الملة وهو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود بحق إلا الله، فجميع العبادات من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك من يجب أن يكون لله وحده، وأن لا يصرف من ذلك شيء لسواه للآيات السابقات، ولقوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ الآية، وقوله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ .

стр. 5616

وقال : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ، فأبان سبحانه في هذه الآيات أنه المالك لكل شيء وأن العبادة حقه سبحانه، وأن جميع المعبودين من دونه من أنبياء وأولياء وأصنام وأشجار وأحجار وغيرهم لا يملكون شيئا ولا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو سمعوا دعاءه لم يستجيبوا له، وأخبر أن ذلك شرك به ، ونفى الفلاح عن أهله، كما أخبر سبحانه أنه لا أضل ممن دعا غيره، وأن ذلك المدعو من دون الله لا يستجيب لداعيه إلى يوم القيامة، وأنه غافل عن دعائه إياه، وأنه يوم القيامة ينكر عبادته إياه، ويتبرأ منها، ويعاديه عليها، فكفى بهذا تنفيرا من الشرك وتحذيرا منه، وبيانا لخسران أهله وسوء عاقبتهم، وترشد الآيات كلها إلى أن عبادة ما سواه باطلة، وأن العبادة بحق لله وحده، ويؤيد ذلك صريحا قوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل﴾ الآية من سورة الحج، وذكر سبحانه في مواضع أخرى من كتابه أن من الحكمة في خلق الخليقة أن يعرف سبحانه بعلمه الشامل وقدرته الكاملة، وأنه سيجزي عباده في الآخرة بأعمالهم كما قال : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَّرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأََمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ، وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ، فالواجب على كل ذي لب أن ينظر

стр. 5617

فيما خلق له، وأن يحاسب نفسه ويجاهدها لله حتى يؤدي حقه وحق عباده، وحتى يحذر ما نهاه الله عنه ليفوز بالسعادة والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، وهذا العلم هو أنفع العلوم وأهمها وأفضلها وأعظمها، لأنه أساس الملة وزبدة ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وخلاصة دعوتهم ولا يتم ذلك ولا يحصل به النجاة إلا بعد أن يضاف إليه الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم إمامهم وسيدهم وخاتمهم نبينا محمد ﷺ ، ومقتضى هذا الإيمان تصديقه ﷺ في أخباره وطاعة أوامره وترك نواهيه، وأن لا يعبد الله سبحانه إلا بالشريعة التي جاء بها ﵊... وهكذا كل أمة بعث الله إليها رسولا لا يصح إسلامها ولا يتم إيمانها ولا تحصل لها السعادة والنجاة إلا بتوحيدها لله وإخلاص العبادة له ومتابعة رسولها ﷺ وعدم الخروج عن شريعته، وهذا هو الإسلام الذي رضيه الله لعباده، وأخبر أنه هو دينه كما في قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ وقوله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ وبهذا يتضح لذوي البصائر أن أصل دين الإسلام وقاعدته أمران: أحدهما: أن لا يعبد إلا الله وحده، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني: أن لا يعبد إلا بشريعة نبيه محمد ﷺ ، فالأول يبطل جميع الآلهة المعبودة من دون الله ويعلم به أن المعبود بحق هو الله وحده، والثاني يبطل التعبد بالآراء والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، كما يتضح به بطلان تحكيم القوانين الوضعية والآراء البشرية ويعلم به أن الواجب هو تحكيم شريعة الله في كل شيء، ولا يكون العبد مسلما إلا بالأمرين جميعا كما قال الله : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ

стр. 5618

أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ وقال سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وقال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وهذه الآيات تتضمن غاية التحذير والتنفير من الحكم بغير ما أنزل الله، وترشد الأمة حكومة وشعبا إلى أن الواجب على الجميع هو الحكم بما أنزل الله والخضوع له والرضا به، والحذر مما يخالفه، كما تدل أوضح دلالة على أن حكم الله سبحانه هو أحسن الأحكام وأعدلها، وأن الحكم بغيره كفر وظلم وفسق، وأنه هو حكم الجاهلية الذي جاء شرع الله بإبطاله والنهي عنه، ولا صلاح للمجتمعات ولا سعادة لها ولا أمن ولا استقرار إلا بأن يحكم قادتها شريعة الله وينفذوا حكمه في عباده ويخلصوا له القول والعمل ويقفوا عند حدوده التي حددها لعباده، وبذلك يفوز الجميع بالنجاة والعزة في الدنيا والآخرة، كما يفوزون بالنصر على الأعداء والسلامة من كيدهم واستعادة المجد السليب، والعز الغابر كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ

стр. 5619

عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ولما حذر سبحانه من اتخاذ الكفار بطانة من دون المؤمنين، وأخبر أن الكفار لا يألون المسلمين خبالا وأنهم يودون عنتهم قال بعد ذلك: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وهذا الأصل الأصيل والفقه الأكبر هو أولى ما كتب فيه الكاتبون وعني به دعاة الهدى وأنصار الحق، وهو أحق العلوم أن يعض عليه بالنواجذ وينشر بين جميع الطبقات حتى يعلموا حقيقته ويبتعدوا عما يخالفه، وأن جميع المجلات والصحف الإسلامية لجديرة بأن تعنى بهذا العلم وأن تستكتب فيه خواص الكتاب ونخبة حملة الأقلام حتى ينتشر ذلك بين الأنام ويعلمه الخاص والعام لعظم شأنه وشدة الضرورة إليه، ولما وقع بسبب الجهل به في غالب البلدان الإسلامية من الغلو في تعظيم القبور، ولا سيما قبور من يسمونهم بالأولياء واتخاذ المساجد عليها وصرف الكثير من العبادة لأهلها كالدعاء والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك، ولما وقع أيضا بسبب الجهل بهذا الأصل الأصيل في غالب البلاد الإسلامية من تحكيم القوانين الوضعية والآراء البشرية، والإعراض عن حكم الله ورسوله الذي هو أعدل الأحكام وأحسنها.. فنسأل الله أن يرد المسلمين إليه ردا حميدا وأن يصلح قادتهم وأن يوفق الجميع للتمسك بشريعة الله والسير عليها والحكم بها والتحاكم إليها والتسليم لذلك والرضا به والحذر مما خالفه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وأصحابه ومن سار على طريقه واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

стр. 5620

أضواء من التفسير لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد قال تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُُولَى أَزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ . المناسبة: لما ذكر أحوال الأولين الذين كذّبوا من أنذروهم فأهلكوا، ذكر أن محمدا ﷺ من جنس هؤلاء المنذرين الأولين، وأن إنذاره كإنذارهم. المفردات: ﴿نَذِيرٌ﴾ رسول يخبر عن الله تعالى ويخوف من عقابه. ﴿الأُُولَى﴾ القدماء السابقون. ﴿أَزِفَتِ﴾ دنت وقربت، قال كعب بن زهير: ولا أرى لشباب بائن خلفا بان الشباب وهذا الشيب قد أزفا وقال النابغة الذبياني: أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأنا قد ﴿الآزِفَةُ﴾ القيامة الموصوفة بالقرب، وقيل الآزفة علم بالغلبة على الساعة هنا. ﴿كَاشِفَةٌ﴾ أي نفس مجلية لوقتها فإنه لا يجليها لوقتها إلا هو سبحانه أو رفع لضرها على أن كاشفة مصدر كالعافية. ﴿الْحَدِيثِ﴾ أي الكلام يعني القرآن. ﴿تَعْجَبُونَ﴾ تستغربون وتنكرون. ﴿َتَضْحَكُونَ﴾ وتستهزئون. ﴿تَبْكُونَ﴾ تحزنون، يعني عند سماعه مع أنه لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا. ﴿سَامِدُونَ﴾ لاهون لاعبون. قال الشاعر: ألا أيها الإنسان إنك سامد كأنك لا تفنى ولا أنت هالك وقال الآخر: قيل قم فانظر إليهم ثم دع عنك السمودا

стр. 5621

وقال أبو عبيدة: السمود الغناء بلغة حمير، يقولون: يا جارية اسمدي لنا أي غني لنا، وكانوا إذا سمعوا القرآن غنوا تشاغلا عنه. وقيل السمود الاستكبار من سمد البعير إذا رفع رأسه، وقيل هو الجمود والخشوع. قال الشاعر: رمى الحدثان نسوة آل حرب بأمر قد سمدْن له سمودا فرد شعورهن السود بيضا ورد وجوهن البيض سودا ﴿فَاسْجُدُوا﴾ فصلوا أو خروا له على وجوهكم عند سماع هذه الآية على أن المراد به سجود التلاوة. ﴿وَاعْبُدُوا﴾ أي أفردوه بالعبادة ولا تذلوا أنفسكم لأحد سواه. التراكيب: قوله: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُُولَى﴾ الإشارة إلى محمد ﷺ الموصوف بعنوان صاحبكم في أول السورة، ونذير على هذا اسم فاعل من أنذر وهو غير قياسي إذ القياس فيه منذر. ووصف النذر بالأولى على معنى الجماعة وإلا فإنه كان مقتضى الظاهر أن يقول الأول، ويجوز أن تكون الإشارة راجعة إلى القرآن، ونذير مصدر بمعنى الإنذار وهو من أنذر وهو غير قياسي أيضا بل القياس فيه إنذار، والتنوين في نذير للتفخيم، ومن متعلقة بمحذوف وهو نعت لنذير. وقوله: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ قيل اللام في الآزفة للعهد لا للجنس لئلا يخلو الكلام عن الفائدة لأنه لا معنى لوصف القريب بالقرب، وقيل لا مانع أن تكون للام للجنس، ووصف القريب بالقرب يفيد المبالغة في قربه. وقوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ يجوز أن تكون كاشفة وصفا، والتأنيث فيه لأجل أنه صفة لمؤنث محذوف أي نفس كاشفة، أو التاء للمبالغة كنسابة، أي ليس لها إنسان كاشفة أي كثير الكشف، والأول أقرب، ويجوز أن تكون كاشفة مصدرا كالعاقبة، ومعنى الكشف هنا إما من كشف الشيء أي عرف حقيقته كقوله لا يجليها لوقتها إلا هو، وإما من كشف الضر أي أزاله.

стр. 5622

وقوله: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ الهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف يقتضيه المقام أي أجهلتم فمن هذا الحديث تعجبون. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، أخبر الله عنهم بذلك، ويجوز أن تكون حالا من فاعل ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ أي انتفى عنكم البكاء في حال كونكم سامدين. وقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ الفاء فيه فصيحة أي إذا كان الأمر كذلك فاسجدوا لله أنزله واعبدوه وتلقوا هذا الكتاب بالخضوع التام والإيمان الكامل. المعنى الإجمالي: هذا الرسول المبلغ عن الله تعالى من جنس المنذرين الأولين، وقد علمتم أحوال قومهم لما كذّبوهم، فإن كذّبتم لن تفلتوا من عذاب الله في الآخرة، وقد دنت الساعة ولا يوجد أحد يعلم وقتها إلا الله ، أجهلتم فمن هذا القرآن تستغربون فتنكرون وتستهزئون، ولا تخشعون عند تلاوته مع أنه لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، وأنتم لاهون منصرفون عنه، إذا كان هذا حقيقة فصلوا لله وأفردوه بالعبادة وتلقوا هذا الذكر بالإيمان الكامل. ما ترشد إليه الآيات: ١- تهديد من كذّب محمدا ﷺ . ٢- الإشارة إلى عدم استئصالهم. ٣- لا تنفع الكفار شفاعة الشافعين. ٤- العجب من عجب قريش من القرآن وإنكارهم له مع أنه كان ينبغي أن يكونوا أول المؤمنين. ٥- حضهم على تلقي هذا الكتاب بالخضوع التام والإيمان الكامل.

стр. 5623

قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ. وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرَّ. وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ. وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأََنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ. حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ. خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ. مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ . المناسبة: لما ذكر في أواخر السورة السابقة أنه أزفت الآزفة قال هنا اقتربت الساعة. سبب النزول: أن مشركي مكة سألوا رسول الله ﷺ آية ليؤمنوا فانشق القمر فرقتين، فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا اشهدوا" فقال المشركون: سحر محمد أعيننا فنزلت. القراءة: قرأ الجمهور ﴿يَرَوْا آيَة﴾ ببناء يروا للفاعل، وقرئ ﴿يُروا﴾ بالبناء للمفعول. وقرأ الجمهور ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ برفعهما، وقرئ بنصبهما. وقرأ الجمهور ﴿نُكُرٍ﴾ بضم النون والكاف، وقرئ بتسكين الكاف، وقرئ بكسر الكاف فعلا ماضيا مبنيا للمجهول. وقرأ الجمهور ﴿خُشَّعاً﴾ وقرئ ﴿خاشعا﴾ . المفردات: ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ ازدادت في الدنو. ﴿وَانْشَقّ﴾ انفلق. ﴿يَرَوْا﴾ يبصروا. ﴿آيَةً﴾ معجزة تدل على صدق محمد ﷺ . ﴿يُعْرِضُوا﴾ يمتنعوا عن الإيمان بها. ﴿مُسْتَمِرَّ﴾ أي دائم، وقيل محكم قوي من المرة وهي القوة، وقيل غير ذلك. ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ أي منته إلى غاية يستقر ويثبت عليها لا محالة.

стр. 5624

﴿الأََنْبَاءِ﴾ أخبار تدمير الأمم المكذّبة رسلهم. ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ ارتداع، وأصل مزدجر مزتجر أبدلت تاء الافتعال دالا لأن تاء الافتعال تقلب دالا بعد الزاي والدال والذال. ﴿حِكْمَةٌ﴾ عدالة، ﴿بَالِغَةٌ﴾ تامة. ﴿النُّذُرُ﴾ جمع نذير بمعنى المنذر أو مصدر بمعنى الإنذار. ﴿فَتَوَلَّ﴾ فأعرض، ﴿يَدْعُ﴾ ينادي، ﴿الدَّاعِ﴾ المنادي بالحشر لفصل القضاء وهو الملك الموكل بذلك، ﴿نُكُرٍ﴾ فظيع تنكره النفوس لشدته وهوله، نكر بالبناء للمجهول أي جهل وجحد، يقال نكر فلان الأمر كفرح وأنكره واستنكره وتناكره أي جهله. ﴿خُشَّعاً﴾ أذلة، ﴿الأَجْدَاثِ﴾ القبور، ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين مادي أعناقهم كالإبل العطاش، قال الشاعر: بدجلة دارهم ولقد أراهم بدجلة مهطعين إلى السماع وقيل المهطع هو من ينظر في ذل وخضوع لا يقلع بصره عن الشيء قال الشاعر: تعبدني نمر بن سعد وقد أرى ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع ﴿عَسِرٌ﴾ أي صعب شديد يعني على الكافرين. التراكيب: قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ جيء بالجملة شرطية ليدل على أنهم في الاستقبال على مثل حالهم في الماضي. وقوله: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا﴾ جيء بالفعلين فيه بلفظ الماضي للإشعار بأنهما من عادتهم القديمة. وقوله: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مبتدأ وخبر والجملة استئناف مسوق لإقناطهم مما أملوه من عدم استقرار أمر النبي ﷺ . وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأََنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ اللام موطئة للقسم، وما موصولة أو موصوفة وهي فاعل جاء، ومن الأنباء حال منها، وفيه خبر مقدم، ومزدجر مبتدأ مؤخر، والجملة صلتها أو صفتها، ومزدجر اسم مصدر أي ازدجار أو اسم مكان أي موضع ازدجار، وعلى هذا ففي الكلام تجريد.

стр. 5625

وقوله: ﴿حِكْمَةٌ﴾ بالرفع بدل من ما أو خبر لمبتدأ محذوف أو بدل من مزدجر، وأما على قراءة النصب فهو حال من ما سواء كانت موصولة أو موصوفة لأنها إذا جعلت موصوفة فقد تخصصت بالصفة فساغ مجيء الحال منها. وقوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ الفاء فيه فصيحة، وما للنفي أو للاستفهام الإنكاري وهي على الثاني منصوبة، إما مفعول مطلق والتقدير فأي إغناء تغني النذر، وإما مفعول به والتقدير فأي شيء من الأشياء النافعة تغني النذر، أي تحصله وتكسبه، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد عدم الإغناء واستمراره حسب تجدد مجيء الزواجر واستمراره، وقد حذفت الياء من تغن اتباعا لرسم المصحف وموافقة للفظ. وقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ الفاء لترتيب الأمر بالتولي على ما قبله وبيان نتيجته وقد تم الكلام. وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ. خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ. مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ استئناف لبيان أهوال القيامة وسوء أحوال الكافرين، والظرف منصوب بـ "اذكر"مضمرا أو بـ ﴿يَخْرُجُونَ﴾ بعده، ويجوز أن ينتصب بقوله: ﴿فَمَا تُغْنِ﴾ وعلى هذا يكون قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعتراضا، وحذفت الواو من ﴿يَدْعُ﴾ خطا تبعا للفظ، وحذفت الياء من ﴿الدَّاعِ﴾ تخفيفا، قالوا: وهذا إجراء لـ "أل"مجرى ما عاقبها وهو التنوين، فكما تحذف معه حذفت معها. وقوله: ﴿نُكُرٍ﴾ بضمتين صفة على فُُعُل وهو قليل في الصفات ومنه روضة أُنُف، ورجل شُلُل أي خفيف في الحاجة، وعلى قراءة ﴿نكر﴾ فعلا مبنيا للمجهول فالجملة في محل جر صفة لشيء.

стр. 5626

وقوله: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ. مُهْطِعِينَ﴾ خشعا حال من فاعل يخرجون مقدم عليه، والتقديم لأن العامل متصرف، وأبصارهم فاعل خشعا، والتذكير على قراءة ﴿خاشعا﴾ لأن فاعله ظاهر غير حقيقي التأنيث. وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ في محل نصب على الحال من فاعل يخرجون، وقوله: ((مهطعين)) حال منه كذلك. وقوله: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ استئناف وقع جوابا عن سؤال مقدر نشأ من وصف اليوم بالأهوال، كأنه قيل: فما يكون حينئذ؟ فقيل: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ . المعنى الإجمالي: دنت القيامة وانفلق القمر، وإن يبصر الكفار برهانا على صدق محمد ﷺ يمتنعوا عن التصديق به ويقولوا سحر دائم أو محكم قوي، وكذبوا وانقادوا لشهواتهم وميولهم الفاسدة، وسيرون عاقبة هذا التكذيب، ولكل أمر غاية يستقر عليها، ووالله لقد أتاهم من أخبار الأمم المكذبة رسلها الذي يكفي لوعظهم لو كانوا يتعظون، عدالة تامة، فأي شيء تحصله الإنذارات إذا عميت القلوب، فأعرض عنهم، اذكر يوم ينادي المنادي إلى أمر خطير تنكره النفوس لشدة هوله، أذلة عيونهم يبرزون من قبورهم مشبهين بالجراد الموزع في الجو مسرعين مادي أعناقهم كالإبل العطاش إلى هذا المنادي يقول الجاحدون هذا يوم صعب شديد. ما ترشد إليه الآيات: ١- قرب الساعة. ٢- انشقاق القمر. ٣- إعراض الكفار عن الإيمان بالآيات. ٤- اتهامهم النبي بالسحر. ٥- بيان أهوال القيامة وسوء أحوال الكافرين فيها.

стр. 5627

قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأََرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ . المناسبة: لما ذكر أنه جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر شرع في تعداد بعض هذه الأنباء على سبيل التفصيل. القراءة: قرأ الجمهور ﴿أَنِّي﴾ بفتح الهمزة وقرئ بكسرها، وقرأ الجمهور ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ وقرئ ﴿فالتقى الماءان﴾ ، وقرأ الجمهور ﴿كُفِرَ﴾ مبنيا للمفعول وقرئ ﴿كفر﴾ مبنيا للفاعل. المفردات: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ انتهر وأوذي، ﴿مَغْلُوبٌ﴾ مقهور، ﴿فَانْتَصِرْ﴾ أي فانتقم لي منهم، ﴿مُنْهَمِرٍ﴾ منصب بشدة وغزارة، ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ شققنا، ﴿أَمْرٍ﴾ حال، ﴿قُدِرَ﴾ قضي في الأزل، ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ كناية عن السفينة، والألواح الأخشاب العريضة والدسر المسامير، ﴿آيَةً﴾ عبرة ظاهرة أو علامة واضحة، ﴿مُدَّكِرٍ﴾ معتبر ومتعظ، وأصل مدكر مذتكر أبدلت التاء دالا وكذلك الذال ثم أدغمت الدال في الذال، ﴿وَنُذُرِ﴾ إنذاري، ﴿يَسَّرْنَا﴾ سهلنا وهيأنا، ﴿لِلذِّكْرِ﴾ للحفظ والتذكر. التركيب: قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ التأنيث في كذبت لمراعاة معنى قوم وهو الأمة والجماعة، والضمير في ﴿قَبْلَهُمْ﴾ لقريش.

стр. 5628

وقوله: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ الفاء فيه لتفصيل الإجمال كقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ﴾ . وقوله: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ يجوز أن يكون معطوفا على قالوا أي لم يكتفوا بهذا القول بل ضموا إليه زجره ونهره، ويجوز أن يكون من مقول القول المذكور أي قالوا هو مجنون واستطير جنونا أي ازدجرته الجن وذهبت بلبه وتخبطته، والظاهر الأول. وقوله: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾ بفتح الهمزة بفتح الهمزة على تقدير بأني مغلوب، وهذا على حكاية المعنى ولو جاء على حكاية اللفظ لقال بأنه مغلوب، ومن قرأ بكسر الهمزة فهو إما على إضمار القول أي فقال إني مغلوب، وإما إجراء للدعاء مجرى القول وهو مذهب الكوفيين. وقوله: ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ الباء فيه للتعدية على جعل الماء كالآلة التي يفتح بها مبالغة، ويجوز أن تكون الباء للملابسة، والجار والمجرور في موضع نصب على الحال، وانتصب عيونا في قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا الأََرْضَ عُيُوناً﴾ على التمييز المحول عن المفعول به أي فجرنا عيون الأرض وتحويله للتمييز أبلغ من أصله، لأن الأرض جعلت كلها كأنها عيون مفجرة.

стр. 5629

وقوله: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ على قراءة الجمهور بإفراد الماء لإرادة الجنس، كأنه قيل فالتقى ماء السماء وماء الأرض، ولإفادة تحقيق أن التقاء الماءين لم يكن بطريق المجاورة والتقارب بل بطريق الاختلاط والاتحاد، ومن قرأ ﴿الماءان﴾ بالتثنية فلاختلاف النوعين، والضمير المنصوب في ﴿وحملناه﴾ لنوح ﵇، وقوله: ﴿تَجْرِي﴾ في محل جر صفة لسفينة المكنى عنها بذات ألواح ودسر، وجمع الأعين في قوله: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ لإضافته إلى ﴿نا﴾ وقد لوحظ أنه إذا وردت العين أو اليد بلفظ المفرد أضيفت إلى ياء المتكلم أو ضمير الواحد فقط، كقوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ وكذلك إذا وردت بلفظ التثنية، وأما إذا وردت بلفظ الجمع فإنها لابد أن تكون مضافة إلى "نا" التي هي للجمع أو للواحد المعظم كما في هذا المقام، فلا تدل على إثبات أكثر من عينين لله لأن الجمع فيها للتعظيم ومناسبة الضمير، والثابت لله تعالى عينان بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تأويل. وانتصب جزاء في قوله: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ بفعل مقدر أي أغرقوا جزاء وانتصارا، وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ يعني نوحا ﵇، والتعبير بكفر لبيان أنه كان نعمة ساقها الله لهم فجحدوها، ومن قرأ ﴿كفر﴾ بالبناء للمعلوم فتقديره أغرقوا عقابا للكافرين. وقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ الضمير المنصوب في تركناها قيل للسفينة وقيل للفعلة، ومدكر مبتدأ وخبره محذوف وتقديره فهل مدكر موجود، والمراد من الاستفهام التوبيخ على عدم الادكار مع ظهور أسبابه. وقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ الاستفهام فيه للتقرير والتعظيم والتعجب، وكيف خبر كان إن كانت ناقصة، وأما إذا كانت تامة فهي في موضع نصب على الحال.

стр. 5630

وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ تكررت هذه الآية والآية السابقة في آخر القصص الأربع تقريرا لمضمون ما سبق من قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌحِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ وتنبيها على أن كل قصة منها مستقلة بإيجاب الادكار فيها، وإشعارا بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب، وليجددوا عقيب سماع كل نبأ اتعاظا، واستئنافا للتنبيه والإيقاظ لئلا يغلب عليهم السهو والغفلة. المعنى الإجمالي: أنكرت قبل قريش جماعة نوح ﵇ فنسبوا عبدنا الصالح نوحا إلى الكذب والافتراء، وقالوا به مس من الجن، ونهروه فسأل ربه بأني مقهور فانتقم من هؤلاء المكذبين، فاستجبنا له، وجعلنا السماء ترسل عليهم الماء الغزير من جميع أبوابها، وشققنا الأرض عيونا فاختلط ماء السماء بماء الأرض على حال قضاها الله تعالى في الأزل، وحملنا نوحا على سفينة ذات أخشاب عريضة ومسامير تسير بسرعة فائقة فوق الماء تحت أبصارنا فأغرقنا الكافرين انتصارا لعبدنا الصالح الذي كان نعمة الله عليهم فجحدوها، ولقد أبقينا هذه السفينة أو هذه الفعلة برهانا واضحا على قدرتنا وانتقامنا من أعدائنا فهل من متعظ موجود. لقد نزل بهم عذابي ووقع عقابي موقعه، ولقد هيأنا القرآن وسهلناه للحفظ والتذكر فهل من متعظ موجود. ما ترشد إليه الآيات: ١- لقريش سلف سيِّء في تكذيب الأنبياء ونسبتهم إلى الجنون. ٢- انتصار الله لعباده الصالحين. ٣- إغراق المكذبين بعذاب بئيس. ٤- إثبات العينين لله بلا تشبيه ولا تمثيل. ٥- تيسر القرآن للحفظ والتذكر. من كلمات فقيد الإسلام الملك فيصل

стр. 5631

لماذا يكون العالم العربي منقسما إلى يمين ويسار ولا يكون عربيا صرفا؟.. لقد كافحنا ضد الغرب ولا نريد بديلا له من الشرق، فالاستعمار واحد سواء من الغرب أو من الشرق، هل ننتظر من أمريكا أو من روسيا أو من إنجلترا أو من فرنسا.. أن تأتي وترتب على ظهورنا وتحل مشاكلنا.. نحن أصحاب تاريخ وتراث وأمجاد.. ديننا خالد، ومجدنا طريف وتالد.. تراثنا أشرف تراث، وتاريخنا أشرف تاريخ، وأمتنا خير أمة أخرجت للناس. كان مكاننا في مقدمة الشعوب.. فلن نرضى أن نكون في مؤخرتها.

стр. 5632

رسائل لم يحملها البريد لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي المدرس بكلية الشريعة بالجامعة النبتة الصغيرة نبتة في الغاب قالت وهي في سنّ الصغر عجبا للدوح يهوي كلما الريح عبر أنا إن ملت مع الريح إذا ما الريح مر لا أرى في الغاب غصنا يدعي فيّ الضلال إنني نبتة عام لست في الدوح الكبير ما على مثلي عتب إن دهى أمر خطير وعوى في الغاب عصف الريح ينهى ويشير فانثنت قامتي الهيفاء ذلا وابتهالا سأروض العود أن يقوى على صلب الكفاح رافع الجبهة لا يعنو إذا مرّت رياح لا، ولا يصرخ أنّات الثكالى والنواح هامة كالقمة الشماء تأبى أن تذال ويمرّ العام إثر العام في الغاب الخصيب فإذا الأغراس دوح يملأ الأفق الرحيب وإذا بالنبتة الصغرى لها جذع صليب وفروع باسقات وثمار وظلال داعبتها نسمات الصيف في ضوء القمر فتغنى الورق الأخضر لحنا كالوتر وانثنت أغصانها اللدن بزهو وأشر وتعالت في رحيب الجو عُجْبا ودلال جارة قالت لها إذ قد رأتها تستطيل أو لست النبتة الصغرى التي كانت تقول "عجبا للدوح يهوي كلما الريح عبر" أين أنت الآن يا أختاه من ذاك المقال؟! ويمر الصيف صيف النسمات الوادعات والخريف الأحمق المجنون يصحو من سبات

стр. 5633

فيدوي يملأ الغاب رياحا ذاريات تسلب الأشجار ثوبا كان مرآة الجمال كل ما في الغاب يهوي في ابتهال وخشوع معلنا طاعته العمياء في هذا الركوع ما لهذي الدوحة الكبرى أبت هذا الخنوع أبِها لوثة عقل وغشاوات الخبال؟! نظر الدوح إليها نظرات شزرات وأطل الحقد يعوي للرياح العابرات: يا لها من فعلة نكراء في دنيا النبات قد جنتها هذه الحمقاء كبرا واختيال! حطّميها أيها الريح ولا تبقي أثر إنها بادرة السوء على أرض الشجر حطّميها قبل أن يسري في الغاب الخطر حطّميها وأذيقيها وبالا ونكال ثم جاءت عاصفات في شتاء عاصف جلجلت في الغاب تدوي مثل رعد قاصف فهوى الغاب على الأرض بدمع واكف وأبت دوحته الكبرى ركوعا وابتهال قالت العاصفة الهوجاء والغاب سجود أي شيء أنت يا حمقاء في هذا الوجود؟! أوَ عصيان لأمري وتعدٍّ للحدود؟! عن قريب سترين الموت في ساح القتال دمدم العاصف في الجو رعودا قاصفات ومضى في الغاب يلوي بالجذوع الآبيات صرخة نكراء تعني رحلة عن ذي الحياة ردّدت أصداءها المرّة هامات الجبال فرح الدوح لها إذ قد رآها تصرع لم يعد في الغاب جذع ثائر لا يخضع كل أشجارك يا غاب سجود ركعٌ

стр. 5634

فلتعيشي اليوم يا أشجار في أنعم بال!!

стр. 5635

نظرات في التاريخ لفضيلة الشيخ أحمد محمود الأحمد المدرس بكلية الدعوة بالجامعة يقول أبو بكر محمد بن محمد بن خميس في مقدمة كتابه ((تاريخ مالقة)) [١] منوها بعلم التاريخ: "إن أحسن ما يجب أن يعتنى به، ويلم بجانبه بعد الكتاب والسنة معرفة الأخبار، وتقييد المناقب والآثار، ففيها تذكرة بتقلب الدهر بأبنائه، وأعلام بما طرأ في سالف الأزمان من عجائبه وأنبائه: ونحن، وإن كنا لا نأخذ بحرفية كلامه [٢] ﵀، فإنا نقر بما لعلم التاريخ من قيمة جليلة، وأثر بعيد في صياغة الأمة، وتكوينها على نحو ما، سواء في ذلك أفرادها. أو كتلتها العامة، كوجود اجتماعي، ينبثق منه وجود سياسي هو الدولة. وقصاراي -الآن- أن ألمس هذا العلم الجليل في ضوء الحقائق الإسلامية، وفي ضوء أصولنا الحضارية لمسات، وأن أنظر إليه نظرات، توفي بنا -إن شاء الله -على أفكار ما أحسبنا في غنى عنها. سؤال أريد أن أطرحه الآن في سياق لمساتنا ونظراتنا هذه، ما التاريخ؟ ما التاريخ لغة؟ وما التاريخ حقيقة، وإن شئنا قلنا القولة التقليدية: ما التاريخ اصطلاحا؟ التاريخ لغة هو تعريف الوقت، والتوريخ مثله، يقال: ((أرّخ الكتاب ليوم كذا أي وقته ليوم كذا. [٣] وذهب الأصمعي إلى أن بني تميم يقولون: ورّختُ الكتاب توريخا، وأن قيسا يقول: أرخته تأريخا.. مما يؤكد عربية هذه الكلمة، فهي أصيلة في لهجات القبائل، ولهم فيها من التصرف ما يعرفه اللغويون من تصرفهم بأصل كلامهم، يقول العلماء ((المعجميون)) كابن منظور في لسان العرب: إن كلمة التاريخ مأخوذة من ((الأرْخ)) وهو ولد البقرة الصغير، كأنه شيء حادث كما يحدث الولد... ومع ذلك فقد ذهب ناس إلى أن الكلمة فارسية الأصل، مأخوذة من قولهم: ((ماه روز)) بمعنى حساب الشهور والأيام، فعربوها وقالوا: ((مؤرخ)) ، وجعلوها مصدرا فقالوا: ((التاريخ)) [٤] .

стр. 5636

وعندي أن هذا المذهب ضعيف مستبعد، وفيه كثير من التكلف، وليس هناك من تقارب بين اللفظ العربي ((تاريخ)) وبين الأصل الفارسي المدَّعى، وإذا لبعضهم أن هناك نوعا من تقارب، فليس هو عندي بالذي يسوغ الحكم بفارسية أصل هذه الكلمة، على أن التقارب في النطق بين لفظين –مهما كان قويا وواضحا- لا يعني بحد ذاته أن أحد هذين اللفظين المتقاربين مأخوذ من الآخر، بل لابد من ثبوت هذا الأخذ بالتقصي والدليل العلميين، ألسنا نجد في بعض اللغات كلمات متقاربة في النطق تقاربا يلفت النظر، ومع ذلك فلا يمكن لمجرد هذا التقارب أن يقال: إن هذه الكلمات مأخوذ بعضها عن بعض، ولأضرب لذلك مثلا كلمة ((نَيِّف)) بمعنى الزيادة، أو ((نايف)) بمعنى عالٍ مرتفع، فإنهما تتقاربان في النطق وكلمة ((KNIFE)) الإنكليزية التي تعني مدية أو سكينًا تقاربًا كبيرا، ولكن أيسوغ هذا التقارب وحده الإذعان بأن إحدى اللغتين العربية أو الإنكليزية قد (أخذت كلمتها عن الأخرى) ، دون توفر ((التقصي والدليل العلميين)) ؟ ولست أقول ذلك تعصبا مني من شعوب الإسلام على شعب آخر، إني –بحمد الله- من المسلمين إسلاما مطلقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [٥] . ولقول رسوله ﷺ : "لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس لآدم، وآدم من تراب" [٦] . على أن ذلك لا يحرم الرأي العلمي حقه، بل يوفيه إياه، ويمنحه فسيح المجال على مستوى التفكير، والتعبير، والعمل. والخلاصة أن كلمة ((تاريخ)) عربية الأصل، وأنها لغة شمالية عدنانية، لا جنوبية كما يقول بعضهم، ولها في لغات القبائل العدنانية جذرها ومأخذها الواضحان، ولها تصرف هذه القبائل بها تصرفها بأصيل كلامها... هذا هو التاريخ لغة، أما التاريخ حقيقة أو اصطلاحا، فإني مبينه فيها يأتي بمقدار ما يفتح الله سبحانه ويعين.

стр. 5637

لقد عرف المؤرخون التاريخ تعريفات شتى تختلف عمقا، ودقة، وشمولا، وبعدا من الصواب أو مقاربة له، وإليكم نمادج منها. أولا: قال ابن خلدون [٧] (٧٣٢-٨٠٨هـ-١٣٣٢-١٤٠٦م) : ((فن التاريخ...هو في ظاهره لا يزيد على أخبارٍ عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، وباطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة [٨] وعريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق)) . ثانيا- يقول محيي الدين محمد بن سليمان الكافيجي [٩] (٧٨٨-٨٧٩هـ-١٣٨٦-١٩٧٤مـ) : "وأما علم التاريخ فهو علم يبحث فيه عن الزمان وأحواله، وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوقيته". ثالثا: -يقول محمد بن عبد الرحمن السخاوي [١٠] (٨٣١-٩٠٢هـ-١٤٢٧-١٤٩٧مـ) : "التاريخ في الاصطلاح التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة، ووفاة.. ورحلة وحج، وحفظ وضبط وتوثيق، وتخريج، وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة، من ظهور ملمة، وتجديد.. خليفةٍ ووزير، وغزوة، وملحمة، وحرب، وفتح بلد، وانتزاعه من متغلَّب عليه، وانتقال دولة، وربما يتوسع فيه لبدء الخلق، وقصص الأنبياء، وغير ذلك من أمور الأمم الماضية وأحوال القيامة، ومقدماتها مما سيأتي، أو دونها كبناء جامع أو مدرسة، أو قنطرة، أو رصيف، أو نحوها، مما يعم الانتفاع به، مما هو نافع مشاهد، أو خفي سماوي، كجراد، وكسوق، وخسوف وكسوف، أو أرضي كزلزلة، وحريق، وسيل، وطوفان، وقحط، وطاعون، وموتان، وغيرها من الآيات العظام، والعجائب الجسام، والحاصل أنه فن يبحث فيه عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيت بل عما كان في العالم".

стр. 5638

رابعا-يذهب سيد قطب [١١]﵀ إلى أن التاريخ ليس هو الحوادث وإنما هو تفسير هذه الحوادث، والاهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع شتائها، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيات، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان. وبذلك يستحيل التاريخ عملية استبطان وتجاوب في ضمائر الأشياء والأشخاص والأزمان والأحدث، ويتصل بناموس الكون ومدارج البشرية ويصبح كائنا حيا ومادة حياة". هذه التعريفات التي ذكرناها مختلفة- كما قلنا- عمقا ودقة وشمولا، فتعريفا الكافيجي والسخاوي يتفقان في التركيز على ((التعيين والتوقيت)) أو على تعيين زمان ((الأحوال والوقائع)) وينفرد السخاوي في النص على شمول مفهوم التاريخ لما عدَّد من الأمور، أما ابن خلدون فيركز على ما يسمى في عصرنا بفلسفة التاريخ، حين ينص على الاهتمام بتعليل الكائنات ((الحوادث والموجودات"وتعرف أسباب وجودها وكيفيته، مما يفضي إلى معرفة نتائجها، ومعرفة علاقتها بالوقائع والأحوال التي تسبقها أو تلحقها أو تواكبها تأثرا وتأثيرا، بحيث يبدو التاريخ سلسلة منطقية من الوقائع والكائنات المترابطة بمبدأ الأسباب والمسببات... وهذا المعنى من ملاحظة واستنتاج ابن خلدون، وقد أدرك به أو كاد المعنى الحقيقي للتاريخ، وبذلك سبق علماء الغرب في هذا المضمار سبقا جديرا بالتقدير والإعجاب، واعتبر رائد علم الاجتماع، والبحث التاريخي العلمي...، وقد علق ((إيف لاكوست)) صاحب كتاب ((ابن خلدون واضع علم ومقرر استقلال [١٢] على هذه الناحية بقوله: "يستهل ابن خلدون مقدمته بمقطع رائع يشعر قراءه أنه أمام نفحة ستقود ديكارت [١٣] بعد ذلك بثلاثة قرون، وليس مثال ذلك السبق بنادر بين تراث الأدب العربي (الإسلامي) الذي خلفه لنا العصر الوسيط".

стр. 5639

ولست أسوق قول: ((لاكوست)) هذا للتَّقَوِّي به، فنحن –بحمد الله- في غنى عنه، وأرجو أن يكون إدراكنا لروائع تراثنا، وفضائل رجالنا ذاتيا استقلاليا، وجل ما في الأمر أني سقته لبيان أن عبقرية ابن خلدون قد فرضت نفسها حتى على الباحثين الأجانب، وقادتهم إلى الاعتراف بفضلها وتوجيهها لواحد من عباقرتهم المعدودين... أما سيد –﵀ فقد أقر ما ذهب إليه ابن خلدون، مضيفا إليه فكرة إتصال التاريخ –إذا فسر على النحو الذي نصه- بناموس الكون ومدارج البشرية، وصيرورته كائنا حيا، ومادة حياة، وقد استقل-﵀ في كتابات أخرى له في الموضوع نفسه برسم منهج متكامل يضع دراسة التاريخ الإسلامي في نصابها الصحيح، ويواجه مواجهة ظافرة مستعلية عبث المستشرقين وأتباعهم في كتابة تاريخنا ودراسته... ولعلنا بعدما تقدم نستطيع أن نقول في تعريف التاريخ: "إنه علم تبحث فيه الوقائع والكائنات المختلفة التي تحدث على مسرح الحياة بحثا يحدد زمانها، ويبين أسبابها وكيفياتها، ونتائجها، وآثارها في مجرى الحياة والأحياء، بحيث يظهرنا هذا البحث على السنن الله التي لا تحويل لها ولا تبديل، والتي تسير الحياة تسييرا سببيا منظما، خاليا من الاعتباط، حتميا، ولكن في نطاق مشيئة الله تعالى وقدرته، وفي نطاق قضائه وقدره". هل التاريخ علم؟ قبل الإجابة عن السؤال لابد من بيان المعنى الاصطلاحي ((للعلم)) الذي نورد هذا السؤال بناءًا عليه، إن هذا المعنى يراد به المعرفة التي تقوم على مبادئ كلية ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، ويمكن الاستشفاف (التنبؤ) على أساسها، كعلم الكمياء، الفيزياء، والرياضيات... ويذهب فريق من الباحثين إلى أن التاريخ هو علم بهذا المعنى، منهم المؤرخ الفرنسي foustel de coulange الذي يقول: "إن التاريخ ليس فنا ولكنه علم محض" [١٤] .

стр. 5640

ويقول هؤلاء إن للتاريخ قواعد ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان [١٥] ، ويذكرون منها مايلي: أ-إن العبقرية لا تظهر إلا إذا توفرت لها ظروف ملائمة، فعندهم أن هذه القاعدة تحفظ بصحتها في كل زمان ومكان، فعمر بن الخطاب –مثلا- لولا الظروف التي هيأها ظهورها الإسلام لما كان بالإمكان أن يكون عمر الذي نعرفه، جل ما هنالك، أنه كان من الممكن أن يكون رجلا كبيرا من رجالات قريش، وكذلك سيف الله خالد بن الوليد- ﵀ لولا الظروف المواتية التي هيأها الإسلام، لما أمكن أن يكون أكثر من فارس بارز بين فرسان قريش أو فرسان العرب، فهذه القاعدة- عندهم- تنطبق على كل عبقرية لمعت في الشرق أو في الغرب، وعندي أنه لابد من تخصيص هذه القاعدة بغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنهم لا يخضعون لهذه القاعدة، وإنما يقوم أمرهم على ما يؤيدهم به الله تعالى من حق، وعون، وإعجاز... ب- إن تعليم الشعوب والعناية بشؤونها الحيوية إذا سارا معا جنبا.. هذه الشعوب الهزات العنيفة، والقلاقل والثورات، وأنالها حياة الاستقرار والرفاهية، ووضعاها على درب التقدم والإسهام في تصحيح مسيرة البشرية وإسعادها، وأما إذا عُلمت دونما عناية جدية بشؤونها كان حدوث هذه الهزات في حياتها أمرا حتميا... ونستطيع أن نجد لهذه القاعدة تطبيقات كثيرة على مدى حياتنا الإسلامية، أذكر منها تطبيقين اثنين، الأول في عهد عمر بن عبد العزيز، لقد نشر العلم والتوعية والهداية في أرجاء بلاد الخلافة، وعُني في الوقت نفسه بشؤون الأمة، فأخلدت إلى السكينة، وجعل الخوارج يجنحون إلى الهدوء، ولو قد طال عمره ﵀ -لنعمت البلاد والعباد باطمئنان واستقرار تغير منهما مجرى الحياة الإسلامية، بل مجرى حياة العالم كله.. ولنسأ –والأمر بيد الله- في عمر الدولة الأموية ذاتها.
следующие страницы →