Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
وعندي أن هذا المذهب ضعيف مستبعد، وفيه كثير من التكلف، وليس هناك من تقارب بين اللفظ العربي ((تاريخ)) وبين الأصل الفارسي المدَّعى، وإذا لبعضهم أن هناك نوعا من تقارب، فليس هو عندي بالذي يسوغ الحكم بفارسية أصل هذه الكلمة، على أن التقارب في النطق بين لفظين –مهما كان قويا وواضحا- لا يعني بحد ذاته أن أحد هذين اللفظين المتقاربين مأخوذ من الآخر، بل لابد من ثبوت هذا الأخذ بالتقصي والدليل العلميين، ألسنا نجد في بعض اللغات كلمات متقاربة في النطق تقاربا يلفت النظر، ومع ذلك فلا يمكن لمجرد هذا التقارب أن يقال: إن هذه الكلمات مأخوذ بعضها عن بعض، ولأضرب لذلك مثلا كلمة ((نَيِّف)) بمعنى الزيادة، أو ((نايف)) بمعنى عالٍ مرتفع، فإنهما تتقاربان في النطق وكلمة ((KNIFE)) الإنكليزية التي تعني مدية أو سكينًا تقاربًا كبيرا، ولكن أيسوغ هذا التقارب وحده الإذعان بأن إحدى اللغتين العربية أو الإنكليزية قد (أخذت كلمتها عن الأخرى) ، دون توفر ((التقصي والدليل العلميين)) ؟
ولست أقول ذلك تعصبا مني من شعوب الإسلام على شعب آخر، إني –بحمد الله- من المسلمين إسلاما مطلقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [٥] .
ولقول رسوله ﷺ : "لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس لآدم، وآدم من تراب" [٦] .
على أن ذلك لا يحرم الرأي العلمي حقه، بل يوفيه إياه، ويمنحه فسيح المجال على مستوى التفكير، والتعبير، والعمل.
والخلاصة أن كلمة ((تاريخ)) عربية الأصل، وأنها لغة شمالية عدنانية، لا جنوبية كما يقول بعضهم، ولها في لغات القبائل العدنانية جذرها ومأخذها الواضحان، ولها تصرف هذه القبائل بها تصرفها بأصيل كلامها... هذا هو التاريخ لغة، أما التاريخ حقيقة أو اصطلاحا، فإني مبينه فيها يأتي بمقدار ما يفتح الله سبحانه ويعين.
стр. 5637
لقد عرف المؤرخون التاريخ تعريفات شتى تختلف عمقا، ودقة، وشمولا، وبعدا من الصواب أو مقاربة له، وإليكم نمادج منها.
أولا: قال ابن خلدون [٧] (٧٣٢-٨٠٨هـ-١٣٣٢-١٤٠٦م) :
((فن التاريخ...هو في ظاهره لا يزيد على أخبارٍ عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، وباطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة [٨] وعريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق)) .
ثانيا- يقول محيي الدين محمد بن سليمان الكافيجي [٩] (٧٨٨-٨٧٩هـ-١٣٨٦-١٩٧٤مـ) : "وأما علم التاريخ فهو علم يبحث فيه عن الزمان وأحواله، وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوقيته".
ثالثا: -يقول محمد بن عبد الرحمن السخاوي [١٠] (٨٣١-٩٠٢هـ-١٤٢٧-١٤٩٧مـ) : "التاريخ في الاصطلاح التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة، ووفاة.. ورحلة وحج، وحفظ وضبط وتوثيق، وتخريج، وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة، من ظهور ملمة، وتجديد.. خليفةٍ ووزير، وغزوة، وملحمة، وحرب، وفتح بلد، وانتزاعه من متغلَّب عليه، وانتقال دولة، وربما يتوسع فيه لبدء الخلق، وقصص الأنبياء، وغير ذلك من أمور الأمم الماضية وأحوال القيامة، ومقدماتها مما سيأتي، أو دونها كبناء جامع أو مدرسة، أو قنطرة، أو رصيف، أو نحوها، مما يعم الانتفاع به، مما هو نافع مشاهد، أو خفي سماوي، كجراد، وكسوق، وخسوف وكسوف، أو أرضي كزلزلة، وحريق، وسيل، وطوفان، وقحط، وطاعون، وموتان، وغيرها من الآيات العظام، والعجائب الجسام، والحاصل أنه فن يبحث فيه عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيت بل عما كان في العالم".
стр. 5638
رابعا-يذهب سيد قطب [١١]﵀ إلى أن التاريخ ليس هو الحوادث وإنما هو تفسير هذه الحوادث، والاهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع شتائها، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيات، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان.
وبذلك يستحيل التاريخ عملية استبطان وتجاوب في ضمائر الأشياء والأشخاص والأزمان والأحدث، ويتصل بناموس الكون ومدارج البشرية ويصبح كائنا حيا ومادة حياة".
هذه التعريفات التي ذكرناها مختلفة- كما قلنا- عمقا ودقة وشمولا، فتعريفا الكافيجي والسخاوي يتفقان في التركيز على ((التعيين والتوقيت)) أو على تعيين زمان ((الأحوال والوقائع)) وينفرد السخاوي في النص على شمول مفهوم التاريخ لما عدَّد من الأمور، أما ابن خلدون فيركز على ما يسمى في عصرنا بفلسفة التاريخ، حين ينص على الاهتمام بتعليل الكائنات ((الحوادث والموجودات"وتعرف أسباب وجودها وكيفيته، مما يفضي إلى معرفة نتائجها، ومعرفة علاقتها بالوقائع والأحوال التي تسبقها أو تلحقها أو تواكبها تأثرا وتأثيرا، بحيث يبدو التاريخ سلسلة منطقية من الوقائع والكائنات المترابطة بمبدأ الأسباب والمسببات... وهذا المعنى من ملاحظة واستنتاج ابن خلدون، وقد أدرك به أو كاد المعنى الحقيقي للتاريخ، وبذلك سبق علماء الغرب في هذا المضمار سبقا جديرا بالتقدير والإعجاب، واعتبر رائد علم الاجتماع، والبحث التاريخي العلمي...، وقد علق ((إيف لاكوست)) صاحب كتاب ((ابن خلدون واضع علم ومقرر استقلال [١٢] على هذه الناحية بقوله: "يستهل ابن خلدون مقدمته بمقطع رائع يشعر قراءه أنه أمام نفحة ستقود ديكارت [١٣] بعد ذلك بثلاثة قرون، وليس مثال ذلك السبق بنادر بين تراث الأدب العربي (الإسلامي) الذي خلفه لنا العصر الوسيط".
стр. 5639
ولست أسوق قول: ((لاكوست)) هذا للتَّقَوِّي به، فنحن –بحمد الله- في غنى عنه، وأرجو أن يكون إدراكنا لروائع تراثنا، وفضائل رجالنا ذاتيا استقلاليا، وجل ما في الأمر أني سقته لبيان أن عبقرية ابن خلدون قد فرضت نفسها حتى على الباحثين الأجانب، وقادتهم إلى الاعتراف بفضلها وتوجيهها لواحد من عباقرتهم المعدودين...
أما سيد –﵀ فقد أقر ما ذهب إليه ابن خلدون، مضيفا إليه فكرة إتصال التاريخ –إذا فسر على النحو الذي نصه- بناموس الكون ومدارج البشرية، وصيرورته كائنا حيا، ومادة حياة، وقد استقل-﵀ في كتابات أخرى له في الموضوع نفسه برسم منهج متكامل يضع دراسة التاريخ الإسلامي في نصابها الصحيح، ويواجه مواجهة ظافرة مستعلية عبث المستشرقين وأتباعهم في كتابة تاريخنا ودراسته...
ولعلنا بعدما تقدم نستطيع أن نقول في تعريف التاريخ: "إنه علم تبحث فيه الوقائع والكائنات المختلفة التي تحدث على مسرح الحياة بحثا يحدد زمانها، ويبين أسبابها وكيفياتها، ونتائجها، وآثارها في مجرى الحياة والأحياء، بحيث يظهرنا هذا البحث على السنن الله التي لا تحويل لها ولا تبديل، والتي تسير الحياة تسييرا سببيا منظما، خاليا من الاعتباط، حتميا، ولكن في نطاق مشيئة الله تعالى وقدرته، وفي نطاق قضائه وقدره".
هل التاريخ علم؟
قبل الإجابة عن السؤال لابد من بيان المعنى الاصطلاحي ((للعلم)) الذي نورد هذا السؤال بناءًا عليه، إن هذا المعنى يراد به المعرفة التي تقوم على مبادئ كلية ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، ويمكن الاستشفاف (التنبؤ) على أساسها، كعلم الكمياء، الفيزياء، والرياضيات...
ويذهب فريق من الباحثين إلى أن التاريخ هو علم بهذا المعنى، منهم المؤرخ الفرنسي
foustel de coulange الذي يقول: "إن التاريخ ليس فنا ولكنه علم محض" [١٤] .
стр. 5640
ويقول هؤلاء إن للتاريخ قواعد ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان [١٥] ، ويذكرون منها مايلي:
أ-إن العبقرية لا تظهر إلا إذا توفرت لها ظروف ملائمة، فعندهم أن هذه القاعدة تحفظ بصحتها في كل زمان ومكان، فعمر بن الخطاب –مثلا- لولا الظروف التي هيأها ظهورها الإسلام لما كان بالإمكان أن يكون عمر الذي نعرفه، جل ما هنالك، أنه كان من الممكن أن يكون رجلا كبيرا من رجالات قريش، وكذلك سيف الله خالد بن الوليد- ﵀ لولا الظروف المواتية التي هيأها الإسلام، لما أمكن أن يكون أكثر من فارس بارز بين فرسان قريش أو فرسان العرب، فهذه القاعدة- عندهم- تنطبق على كل عبقرية لمعت في الشرق أو في الغرب، وعندي أنه لابد من تخصيص هذه القاعدة بغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنهم لا يخضعون لهذه القاعدة، وإنما يقوم أمرهم على ما يؤيدهم به الله تعالى من حق، وعون، وإعجاز...
ب- إن تعليم الشعوب والعناية بشؤونها الحيوية إذا سارا معا جنبا.. هذه الشعوب الهزات العنيفة، والقلاقل والثورات، وأنالها حياة الاستقرار والرفاهية، ووضعاها على درب التقدم والإسهام في تصحيح مسيرة البشرية وإسعادها، وأما إذا عُلمت دونما عناية جدية بشؤونها كان حدوث هذه الهزات في حياتها أمرا حتميا...
ونستطيع أن نجد لهذه القاعدة تطبيقات كثيرة على مدى حياتنا الإسلامية، أذكر منها تطبيقين اثنين، الأول في عهد عمر بن عبد العزيز، لقد نشر العلم والتوعية والهداية في أرجاء بلاد الخلافة، وعُني في الوقت نفسه بشؤون الأمة، فأخلدت إلى السكينة، وجعل الخوارج يجنحون إلى الهدوء، ولو قد طال عمره ﵀ -لنعمت البلاد والعباد باطمئنان واستقرار تغير منهما مجرى الحياة الإسلامية، بل مجرى حياة العالم كله.. ولنسأ –والأمر بيد الله- في عمر الدولة الأموية ذاتها.
стр. 5641
والتطبيق الثاني هو ما نلاحظه في إحدى الدول الإسلامية المعاصرة، فبينما تبنى في ربوعها المدارس، وتشاد المعاهد، وتؤسس الجامعات، وتتزايد المشروعات التي تعنى بشؤون الشعب، فمن مشروعات زراعية إلى مشروعات صناعية، ومن برامج إسكانية إلى أخرى تتعلق بالتوعية الإسلامية، وتعمل على تنظيم النهضة، وضبط مسيرتها، وبوتقتها وحمايتها من الآفات المضيعة المعرفة كالانحراف والجنوح.
وهذا في نظر علم التاريخ من الرشاد في السياسة، والله هو المسؤول أن يوفق إلى مزيد من وضوح الرؤية، وسداد الخطى، على أنه من الملاحظ أن الدول المعاصرة كثيرا ما تعمل على التسابق في هذه الحلبة نتيجة القيمة المتزايدة التي تحتلها الشعوب على نحو ما في برامج الحكام العقلاء مسلمين كانوا أو غير مسلمين.
ويبدو أن القائلين بأن التاريخ ((علم محض)) كالفيزياء والكيمياء، والرياضيات قد بالغوا، إنه لما يبلغ هذه المنزلة، وربما بلغها يوم تنضج العلوم العديدة التي يعتمد عليها، والتي يسمونها ((بالعلوم المساعدة)) كاللغات، وفقهها، وعلم قراءة الخطوط، وعلم النميات (علم النقود والمسكوكات) والاقتصاد، والآدب، وعلم النفس [١٦] ...
ويوم تتهيأ الشروط اللازمة للهيمنة على اكتشاف سنته (قوانينه) ونواميسه... على أنه في وضعه الراهن له من خصائص ((العلم)) إمكان الاستشفاف به أو التنبؤ به كما يقال، وإلى ذلك يشير ابن الأثير [١٧] (٥٥٥-٦٣٠هـ-١١٦٠-١٢٣٢مـ) ﵀ بقوله:
"ومنها (أي من فوائد علم التاريخ) مايحصل للإنسان من التجارب، والمعرفة بالحوادث، وما تصير إليه عواقبها.
وأيًّا ما كان الأمر فلعلنا نستطيع أن نقول أن التاريخ –كما هو الآن- هو علم باعتبارين على الأقل:
الأول: كون وقائعه تحدث حسب سنن ((إلهية ثابتة)) ، وإن لم نحط علما بالكثير منها كما أحطنا بسنن العلوم الأخرى، كالفيزياء، والكيمياء، والرياضيات.
стр. 5642
الثاني: كونه ذا منهج للبحث يسهم في تحرير مسائله، ونقدها، وتخليصها من الشوائب، وخلاصة هذا المنهج ما يلي:
١-جمع مواد البحث من روايات ونقول وأخبار.
٢-نقدها سندا ومضمونا، وإسقاط ما لا يثبت على هذا النقد.
٣-دراسة الباقي وتفهمه وتحليله.
٤-تنظيمه وتنسيقه، ومقارنة بعضه ببعض، وتبين ما بين أجزائه من روابط...
٥-استنتاج النتائج على شكل مبادئ وضوابط.
والخلاصة أن التاريخ لما يبلغ مرتبة العلوم البحتة، بالرغم من تقدم الدراسات التاريخية تقدما كبيرا، وما تزال آخذة بالتقدم، وربما أصبح التاريخ علما محضا حين تنضج- كما قلنا- علومه المساعدة، ويوم تتهيأ الشروط اللازمة للهيمنة على اكتشاف سننه ونواميسه، ولعلنا ننصف التاريخ في مرحلته الحالية إذا قلنا عنه:
إنه اليوم علم بحسب الاعتبارين السابقين على الأقل، كما أنه-في الوقت نفسه- حكمة في فحواه، أدب في طريقة عرضه وأدائه، وفي تأثيره وإمتاعه.
فوائد علم التاريخ:
لهذا العلم فوائد جوهرية منها ما يلي:
أولا –إنه يغذي العقل، وينمي الفكر، ويخصب التجارب، بحيث يكون من عرفه كمن عاش الدهر كله، وجرب الأمور بأسرها، وباشر بنفسه كل ما باشر السابقون من الأحوال، ومن هنا نرى عباقرة الحكام في الإسلام، كمعاوية ﵁ يعنون بدراسة التاريخ عناية فائقة، فلقد كانت له أوقات معينة من كل ليلة تقرأ عليه فيها أخبار الأمم والدول الماضية، وأخبار سياساتها ومعالجاتها لشؤون الحكم، وكان لديه رجال مختصون بتهيئة هذه المجالس، وما يكون فيها أحاديث...
стр. 5643
وأبو جعفر المنصور لما هم بقتل عبد الرحمن بن مسلم (أبو مسلم الخرساني) سقط -كما يقول الجاحظ- بين الاستبداد برأيه، والمشاورة فيه، فأرق في ذلك ليلته، فلما أصبح دعا بإسحق بن مسلم العقيلي وسأله عن خبر الملك الفارسي سابور الأكبر مع أحد كبار رجال دولته، وما أن سمع هذا الخبر التاريخي وتملاه حتى خرج من تردده، وصمم على قتله، لما استبان له من وجه الاتعاظ في تلك السابقة التاريخية [١٨] .
وكان الأشرف برسباي من حكام مصر (٨٢٥-٨٤٦١هـ) يطلب من البدرالعيني أن يقرأ عنده التاريخ، وقد قال الأشرف ما معناه، إنه ما عرف الإسلام إلا منه [١٩] .
وممن كانوا يعنون بدراسة التاريخ السلطان العظيم محمد الفاتح (١٤٥١-١٤٨١مـ) والسلطان المحنك عبد الحميد الثاني، ومن يقرأ مذكراته يَرَ أنه قبل أن يقدم على اتخاذ الخطوة الأخيرة بحق مدحت باشا، قد استعرض بدقة وحصافة السوابق التاريخية كسابقة المنصور مع أبي مسلم، وسابقة الرشيد مع البرامكة... ثم أرسل من بعدُ مدحت باشا إلى قلعة الطائف.
وما يزال رجال السياسة الكبار، ولن يزالوا يعنون بدراسة التاريخ والتعلم منه، حتى قيل عنه: ((إنه علم رجل الدولة)) ، ويلاحظ أن المسابقات التي تجريها وزارات الخارجية في العالم لاختبار موظفين دبلومسيين لا يمكن أن تخلو البتة من مادة ((التاريخ)) .
ولا يقتصر الاهتمام به على رجال السياسة، بل يشاركهم في ذلك رجال الدعوة، وكل مشتغل بالأمور التوجيهية من معلمين، وإداريين، وقادة أحزاب، ورؤساء جمعيات.
стр. 5644
ومن ثم نرى أئمة الدعوة يستعينون بالتاريخ في تحقيق مهامهم، فها إن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ يعمد إلى دراسة تاريخ قبة الصخرة حين أراد أن يسوق الأدلة على أنه لا يشرع تعظيم هذه الصخرة، ولا الصلاة عندها [٢٠] ، وكلنا يعلم أن مجدد القرن الثاني عشر محمد عبد الوهاب، وابنه الشيخ عبد الله -تغمدهما الله برحمته- قد ألفا في السيرة كتابين قيمين - والسيرة أصل التاريخ الإسلامي [٢١] ليستعينا بهما في الدعوة إلى استئناف الحياة المسلمة...
وبناء على ذلك نقول: إن التاريخ هو علم رجل الدعوة، ورجل الإدارة، ورجل الإرشاد والتوجيه، كما أنه علم رجل الدولة [٢٢] ...
ثانيا: إن دراسة التاريخ والإطلاع على سير الهداة من أنبياء وأئمة ومصلحين، تشد من عزمات القارئ، وتبعث من همته، وتقذف في نفسه الصبر والقوة والصمود، ولنا أن نستلهم ذلك من قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [٢٣] .
ثالثا: إن دراسة التاريخ تؤثر تأثيرا بالغا في نظرة الأمم إلى ذاتها، فإذا ما درست أمة من الأمم تاريخها دراسة صحيحة أمكنها أن تعرف نفسها، وأن تدرك ذاتها الحقيقية إدراكا صحيحا، فالأمة الإسلامية مثلا إذا درست تاريخها دراسة سليمة عارية من دس الأعداء، وتحريفهم، وعبثهم في تفسيره، أدركت ذاتها، أو هويتها الإسلامية، وعرفت أنها أمة دعوة، وأنها أمة مسلمة قبل كل شيء، وبعد كل شيء، بل عرفت أنها مسلمة وحسب.
أما إذا تسلطت على دراستها لتاريخها عوامل التشويش، والتحريف، وفسر على غير وجهه، فإنها تضل عن ذاتها، وتضيّع ((هويتها)) وتصبح فكرتها عن نفسها، ونظرتها إلى ذاتها مشوشة، محرفة، مهزوزة مزيفة...
стр. 5645
وقد أدرك أعداؤنا أثر تشويش التاريخ الإسلامي في ((ضياع)) الأمة الإسلامية فراحوا يدرسونه دراسة عميقة منظمة، ويتلاعبون في تفسيره، ويعطونه من المفاهيم والعلل والنتائج ما يخدم مآربهم، وما يحرفه عن مواضعه، وقد بلغ الأعداء غايتهم من هذا النحو إلى حدٍ كبير، فأضاع المسلمون هويتهم الإسلامية الأصلية أو كادوا.
يقول أحد الذين درسنا عليهم التاريخ [٢٤] : "ونحن العرب أحق الناس أن نذكر أن التقهقر ابتدأ فينا منذ أن طغت العناصر الأعجمية علينا، وإننا إذا شئنا أن ننهض فيتوجب علينا إزالة هذا العامل بادئ ذي بدء".
وقد غاب عن هذا الأستاذ أن التقهقر ابتدأ فينا منذ أن بدأنا نحن العرب -نضيع هويتنا المسلمة الأصيلة، وجعلنا نغادر الخط النبوي الراشدي في التصور والسلوك، على اختلاف ضروبه في شؤوننا الداخلية والخارجية، ولن نقال من عثارنا حتى نستعيد تلك الهوية، ونراجع ذلك الخط.
ولكن لا تثريب على هذا الأستاذ، فإنه لم يعرف التاريخ إلا من خلال أساتذته في الجامعات الأجنبية، أي لم يعرفه من خلال دراسة موضوعية علمية تتفهم الأشياء بمنطق طبائع الأشياء ذاتها، لا بمنطق مستعار يفرض عليها فرضا، وما أكثر المشتغلين بالتاريخ في أيامنا هذه، ممن يذهبون مذهب أستاذنا هذا؟
وقد ترتب على ضياع الأمة هذا الضياع ضعف بنيتها الإسلامية، وزوال مناعتها إلى حد بعيد، وقد كان إيمانها بدينها، واعتصامها بهويتها الإسلامية مصدرا لقوة بنيتها ومناعتها في الوقت ذاته.
إن الجسم الذي تضعف بنيته، وتزول مناعته يصبح مضيافا للجراثيم، مفتح الأبواب أمام مختلف الأمراض، وهكذا أضحت الأمة الإسلامية مضيافة لمختلف الأفكار، مفتحة الأبواب أمام أي عقيدة، أو فلسفة، أو نزعة...فالقومية، والعرقية، والإقليمية، والعلمانية، والانحلالية، كلها تجد في كيان هذه الأمة مراعي خصبة...
стр. 5646
والواجب الآن على العناصر السليمة الواعية من المسلمين أن تجهد في تهيئة الغذاء الصحيح المقوي الذي يرد على الأمة صحتها، ويقوي بنيتها ومناعتها، ويريح عليها هويتها الأصلية المضاعة.
وهذا الغذاء يتمثل في أمور، في مقدمتها دراسة التاريخ الإسلامي دراسة أصلية من خلال العقيدة الإسلامية المستقاة من الكتاب والسنة، ومن واقع سيرة النبي ﷺ ، وواقع تاريخ أصحابه، وخلفائه الراشدين، ومن نحا نحوهم دون تأول أو انحراف أو عبث...
رابعا- ومما يدخل في بيان فوائد التاريخ أن الاشتغال به يفضل الاشتغال بكثير من مسائل علم الكلام، والجدل، والفلسفة، التي لا تعود على المسلمين بغير التشكيك وضياع الوقت، وتشويش الأذهان، كالكلام في الزمان هل له ابتداء وانتهاء، وأول وآخر، وهل كان هنالك شيء قبل خلق الله للزمان، وهل الزمان فان أو باق، وأمثال ذلك من المسائل التي لا ينتهي العقل بشأنها إلى مفيد أو مطمئن، وخير من ذلك أن ينصرف المسلم إلى دراسة التاريخ الذي يغذي مداركه، وخصب تجاربه، ويزيد من خبراته، ويصله بسير الأنبياء والصالحين، وعظماء الرجال، مما يأخذ بيده إلىملء الوقت بالأعمال الإيجابية التي تعود على الأمة وأبنائها بالخير في دنياها وآخرتها.
خامسا-إن للتاريخ فائدة إجتماعية أخلاقية، وإن شئت فقل: ((فضيلة قضائية)) ذلك أنه ينصف الرجال الذين ظلمهم دهرهم، وتنكر لهم معاصروهم، فأساؤوا القالة فيهم، والحكم عليهم، فيجيء التاريخ بدوره ويعدل فيهم، بإظهار حقيقتهم وتفنيد المظالم التي وقعت عليهم، كما أنه قد يفعل العكس فيميط اللثام عن واقع أشخاص استطاعوا أن يستأثروا بتعظيم معاصريهم، بسبب ما توفر لديهم من مال وسلطان، أو ذكاء استعملوه في غير وجهه.
стр. 5647
فها إن أحمد بن تيمية ﵀ (٦٦١-٧٢٨هـ-١٢٦٣-١٣٢٨مـ) يلاقي ما يلاقي في حياته ويموت حبيسا في قلعة دمشق، ثم ينصفه التاريخ بعد ذلك، ويميط اللثام عن فضائله وخصائصه، فيكون من أكبر الأئمة المقدرين في صفوف المتدينين الدعاة في أيامنا هذه، وها إن السلطان عبد الحميد (١٨٤٢-١٩٤٢) يظلمه عصره حسب خطط أجنبية محكمة، ولكن بدأ التاريخ يميط اللثام عن حقيقته، وشرع يعطيه المكانة التي يستحقها، وفي التاريخ الأفرنسي نجد الملك لويس الخامس عشر (١٧١٠-١٧٧٤مـ) يعيش محفوفا بالتبجيل والتعظيم، مع أنه من أسوأ الحكام الذين عرفتهم فرنسا، غير أن التاريخ كشفه فيما بعد، وحقق ما كان يقوله فيه معاصره الفيلسوف الفرنسي النابغة فولتير (١٦٩٤-١٧٧٨مـ) : ((مجدوه مجدوه فسيلعنه التاريخ)) وقد لعنه فعلا...
سادسا-من فوائد التاريخ أنه يخدم الدين، ألم تر أنه يدلنا كيف يتقلب الزمان بأهله، فكم من دول تظهر ويشتد ساعدها، وأخرى تسقط ويتهاوى بنيانها، وكم من أغنياء يفتقرون، وفقراء يغنون، وأعزة يذلون، وأذلة يعزون، ومدبر الجميع ومحول الأحوال باقٍ لايحول ولا يزول... أليس في ذلك ما يبعث على التوحيد، الاعتراف بوحدانية البارئ ، وكمال قدرته، وبالغ حكمته وعظيم سلطانه؟!، يقول ابن الساعي المؤرخ المعروف بابن أنجب (١٩٣-٦٧٤هـ -١١٩٧-١٢٧٥مـ) :
إن في تدبر مجاري الأقدار، وتقلب الأدوار، واختلاف الليل والنهار، وتوالي الأمم وتعاقبها، وتداول الدول وتناوبها، عظة للمتقين، وتنبيها للغافلين، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ولو لم يكن في ذلك إلا ما ينتفع به المعتبر، من قلة الثقة بالدنيا الفانية، وكثرة الرغبة في الآخرة الباقية لكفى ما تتوجه إليه البصيرة من جميل الأفعال، وتحث عليه من صالح الأعمال.
стр. 5648
ويذهب الحافظ السخاوي في بيان قيمة التاريخ، وشرح فوائده إلى أنه فن من فنون الحديث النبوي، وأداة لحفظ الكثير من أحكام الدين، ومدعاة للاحتفاظ بمآثر الصالحين، كما يذهب إلى أنه فرض من فروض الكفاية.. واستمع إليه يقول [٢٥] :
علم التاريخ فن من فنون الحديث النبوي، وزين تقرّ به العيون، حيث سلك فيه المنهج القويم المستوي، بل وقعه من الدين عظيم، ونفعه يتعين في الشرع؛ إذ به يعلم أهل الجلالة والرسوخ ما يفهم به الناسخ من المنسوخ، ويظهر زيف مدعي اللقاء.. وتحفظ به الأنساب.. ولذا نعلم منه آجال الحقوق، واختلاف النقود والأوقات التي ينشأ عنها من الاستحقاق ما هو معهود، وينتفع به الاطلاع على أخبار العلماء والزهاد والفضلاء، والخلفاء والملوك والأمراء والنبلاء، وسيرهم ومآثرهم في حربهم وسلمهم، وما أبقى الدهر من فضائلهم.. بعد أن أبادهم الحدثان، وأبلى جديدهم الملوان... ولهذا صرح غير واحد من العلماء بأنه فرض من فروض الكفايات والراجح ارتقائه على فرض العين، للاندفاع بقيامه به عن غيره التأثيمات.
سابعًا-من فوائد التاريخ أن دراسته مسلاة، فإذا نزل بالإنسان هم أو غم، وقرأ تواريخ الأنبياء، والعظماء، وما انتابهم من أرزاء فصبروا عليها، ولم ينهاروا أمامها شعر بقوة في نفسه، وراحة في قلبه، ووجد في قصصهم مسلاة وعزاء، وجلاء لهمه، وذهابا لغمه... بل يجد فيه فوق ذلك مسرة ومتاعا.
ثامنًا- إن التاريخ يحقق التعارف الذي تندبنا إليه الآية الكريمة، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [٢٦] .
стр. 5649
وأي فرق بين أن نتعارف نحن والمعاصرين أو بين أن نتعارف نحن والماضين عن طريق دراسة تاريخهم؟! إن كلا التعارفين سيجر- في أحوال معينة كثيرة- إلى إعجاب، فحب، وهذان يجران إلى التأسي والإقتداء... فإذا درسنا تاريخ الأنبياء، والأصحاب، والهداة، والأبطال عرفناهم، وأعجبنا بهم، وانتهينا إلى الاقتداء بهم على نحو من الأنحاء، وإذن فالتاريخ أداة تعارف، وحب، وأسوة، ومن ثم أداة ((تربية)) فعالة عظيمة أيضا، وهو -كما قلنا- أداة لتطبيق الآية الكريمة الآنف ذكرها.
والخلاصة أن التاريخ علم جم الفوائد، لا يكاد يستغنى عنه أحد، ولا سيما إذا كان ذا شأن أو مسؤولية، وكيف يستغنى عنه وهو -كما عرفنا- حكمة في فحواه، علم في منهج بحثه وتمحيصه، فن في عرضه وأدائه، وتأثيره وإمتاعه.
في دراسة التاريخ الإسلامي:
إن دراسة التاريخ الإسلامي-ولا سيما تاريخ الصدر الأول- دراسة تعليل واستبطان، لا تستقيم إلا لمن عرف العقيدة الإسلامية معرفة تذوق وممارسة، وعرف إشعاعاتها، وفيوضها، ومبلغ تأثيرها في تكوين شخصيات أصحابها، وتحديد معالم سلوكهم على مستوى الفرد والجماعة.
إن هذا التاريخ في حقيقته -إنبثاق من هذه العقيدة، وثمرة من ثمراتها، فهي منه بمنزلة السبب، وهو منها بمنزلة النتيجة، وأنى لباحث أن يعلل أمرا، وبينه وبين علته حجاب، فهو غريب عنها غربة معرفة، وتذوق، واستيطان، وممارسة.
إن أي باحث يحاول تفسير التاريخ الإسلامي-ولا سيما تاريخ الصدر الأول- سيأتي تفسيره مجانبا للصواب، ولعلنا لا نبالغ حين نقول: سيأتي تفسيره تخبطا ورجما بالغيب إلا إذا سلك فيه أو إليه طريق العقيدة الإسلامية وخصائصها، وإيحاءاتها، وما أودع الله تعالى فيها من نواميس قادرة على صياغة الحياة، وتكوين الإنسان على نحو ليس في متناول سواها من العقائد أو المبادئ...
стр. 5650
التاريخ الإسلامي- ولا سيما تاريخ الصدر الأول- فذ في التواريخ، إنه لئن أمكن تعليل هذه التواريخ بالعوامل الجغرافية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وما إليها، فإن التاريخ الإسلامي لا سبيل إلى تعليله إلا بالعقيدة الإسلامية وإيحاءاتها، وتأثيراتها...أما العوامل الأخرى التي ذكرناها، والتي اعتاد المؤرخون أن يعللوا بها التواريخ، فها إن وقعت في شيء من تعليل التاريخ الإسلامي فإنما تقع في منزلة تالية للعقيدة.
إن التعليل الجوهري لتاريخ الصدر الأول، ولمراحل تاريخية إسلامية أخرى متفرقة جاءت على غراره إنما تلتمس- من حيث الأصل- في مثل ما يلي:
١- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ سورة محمد-٤٧.
٢- ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) ﴾ سورة غافر.
٣- ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ سورة الحج-٤٠.
٤- ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ المائدة ٥٦.
٥- ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ سورة الأعراف ١٩٦.
٦- ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة آل عمران ٦٨١.
٧- ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ سورة الجاثية ١٩.
стр. 5651
٨- ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ (١١) ﴾ سورة محمد-١٠.
٩- ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ سورة غافر ٦٠.
١٠- ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ سورة الأنفال-٦٠.
علما بأن تولي الله تعالى هو نصره، ونصر دينه، وطاعته في نهيه وأمره في توحيده، وعبادته، والصبر على الجهاد في سبيله، والجد والاستيعاب في الإعداد لهذا الجهاد.
ولعلنا نلاحظ في الآيات الآنف ذكرها أن الله سبحانه قد ربط ربطا وثيقا ظاهرا بين تولي المؤمنين إياه ونصره وبين توليه سبحانه إياهم ونصرهم، وعلى أساس هذا الربط، ومن خلال هذا الربط انبثق التاريخ الإسلامي، ولا سيما تاريخ الصدر الأول.
والخلاصة أن التاريخ الإسلامي-كما أسلفنا- هو ثمرة عقيدة، ولا تستقيم دراسته دراسة تعليل واستبطان إلا من خلالها.
ما هي المؤهلات الواجب توفرها فيمن يتصدى؟
للاشتغال بالتاريخ الإسلامي؟
إن التاريخ الإسلامي-كما عرفنا- ذو خصائص يتميز بها عن سواه، إنه انبثاق من عقيدة، وثمرة من ثمراتها، ومن ثم بات من الضروري أن تتوفر فيمن يتصدى للاشتغال به شروط خاصة منها:
стр. 5652
أ-معرفة العقيدة الإسلامية على وجهها الذي بلغه رسول الله ﷺ والذي عرفه الأصحاب كأبي بكر وعمر، وأبي عبيدة، ومعرفة قدراتها، ومناحيها وإيحاءاتها في صياغة الإنسان على مختلف المستويات الفردية والاجتماعية، الداخلية والخارجية.
ب-تجربة العيش في ظل العقيدة، وممارسة الحياة التي تنبثق منها، وتذوقها، والشعور بمعطياتها، والتفاعل بها...
جـ-الإلمام بالعلوم الإسلامية من تفسير، وسنة، خصوصا ما يتعلق منهما بالسير والجهاد، وأهدافه، وآدابه، والإلمام بعلم مصطلح الحديث، وتمثل قواعده في النقد والتقويم، والجرح والتعديل [٢٧] .
د- التمكن من اللغة العربية بالدرجة الأولى، والتمرس بفهم مختلف أساليب المؤرخين المسلمين، ومذاهبهم في تدوين التاريخ.
هـ-العدالة والضبط، ومخافة الله تعالى، بحيث يراعي الصدق والأمانة فيما يرويه أو يدونه، دون محاباة قريب لقرابته، أو ذي سلطان لسلطانه، ودونما جورٍ على بغيضٍ، أو منافس، أو معاصر.
و الشجاعة، ونبل النفس، والترفع عن مفاتن الحياة الدنيا، مما يسهل عليه التزام الحق، واجتناب الباطل.
ذلك إلى جانب ما يجب أن يتوفر في المؤرخ من حيث هو من جدٍ في البحث وصبرٍ على تقصي الحقائق، وذكاء، وزكانة [٢٨] ، ودقة ملاحظة، وقد أشار ابن خلدون إلى هذه الشروط فقال [٢٩] :
стр. 5653
يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السير والأخلاق، والعوائد والنحل والمذاهب، وسائر الأحوال، والإحاطة بالحاضر من ذلك (أي يجب أن يحيط بأحوال عصره) ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون (بعد) ما بينهما من الخلاف، وتعليل المتفق منهما والمختلف، والقيام على أصول الدول...ومبادئ ظهورها، وأسباب حدوثها، ودواعي كونها، وأحوال القائمين بها وأخبارهم، حتى يكون مستوعبا لأسباب كل حادث، واقفا على أصول كل خير، وحينئذ يعرض المنقول على ما عنده من القواعد والأصول فإن وافقها، وجرى بمقتضاها كان صحيحا، وإلا زيفة، واستغنى عنه.
وبناء على هذه الشروط، وغيرها مما رأى العلماء توفره في المؤرخ ولا سيما المسلم نرى أن التاريخ علم جليل القدر، وأن التصدي للاشتغال به يحتاج إلى مواهب فطرية فذة، وطاقات عظيمة، وأخلاق رفيعة، ودين صحيح.. فكيف وقد صار الاشتغال به في هذه الأيام -غالبا- إلى العلمانيين، والمستشرقين الكاشحين، وأتباعهم المقلدين؟!!
منطلقات في دراسة تاريخ الصحابة:
لابد للمشتغل بالتاريخ الإسلامي من دراسة الدور الذي قام به الصحابة ﵃ في هذا التاريخ، ولا غرو، فدورهم هذا، مع دور الرسول ﷺ هو أساسه ونبراسه، وقد كثر في دورهم الخلاف، وتشابكت فيه وجهات النظر في كثير من الأحيان.. وقد انتهيت - بعد تأمل- إلى منطقات في دراسة هذا الدور الجليل الدقيق الحساس أذكر خلاصتها فيما يلي، ولعلي قد أصبت الحق فيها:
أ-عندما ندرس تاريخ الصحابة يجب ألا يغيب عنا أنهم هم الطبقة المثلى التي فهمت الإسلام على حقيقته، وعملت به.
ب-إن الروايات في خلافاتهم يجب أن نقف منها موقفا غاية في الحذر والتحقيق، والنقد والتمحيص، لأن حقبتهم أضحت مجالا كبيرا لدس ذوي الأغراض المنحرفة والمآرب النفعية من سياسية ودينية وما إليها...
стр. 5654
جـ- إذا درسنا ما نسب إليهم من خلاف، أو غلط، على الأساس المتقدم اضطررنا أو هدينا إلى رد أكثره، وما يتبقى منها فهو قليل جدا...وهذا القليل إذا درسناه دراسة استبطانية ألفيناه قائما على الاجتهاد في طلب الأفضل، والأرضى لله...والمجتهد إما مصيب فله أجران، أو مخطئ فله أجر واحد.
د-يجب ألا يغيب عن البال أن الخطأ الاجتهادي الذي لم يخل منه تاريخ الصحابة -ومن الطبعي ألا يخلو منه- والذي بولغ في روايته لنا على شكل فتن وزعازع إذا قيس بفضائلهم بدا شيئا يسيرا لا يكاد يستحق الذكر، على أنهم ليسوا بالمعصومين والله سبحانه لم يتعبدنا بأفعالهم، ولسنا ملزمين باتباعها إلا من خلال الكتاب والسنة، اللذين هما مصدرا الدين [٣٠] وهما المقياس الذي نقيس به كل ما عداهما من أقوال البشر وأفعالهم، فما وافقهما قبلناه، وما خالفهما فارقناه إليهما...
وعلى كل حال فحسن الظن بالأصحاب واجب، والاعتقاد بعدالتهم يستلزمه الدين، والبحث العلمي الدقيق.
هذه المنطلقات أرى أن تراعى حين ندرس ما يتعلق من التاريخ الإسلامي بهذه الفئة، خير الناس بعد الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، عسى أن تكتب لنا الإصابة والسلامة.
نظرة إلى تقسيم العصور التاريخية:
من المنافذ التي نفذت إلينا من خلالها وجهة نظر الغرب في تفسير تاريخنا، تقسيم العصور التاريخية المنقول عن المؤرخين الغربيين.
وغير خاف، أن هؤلاء المؤرخين، ومن نحا نحوهم، قد درجوا على تقسيم العصور التاريخية إلى ثلاثة أو أربعة هي:
١-العصور القديمة:
وتبدأ باختراع الكتابة قبل الميلاد بنحو خمسة وأربعين قرنا [٣١] ، وتنتهي بسقوط الإمبراطورية الرومانية على أيدي البرابرة سنة ٤٧٦مـ.
٢-العصور الوسطى:
وتبدأ سنة ٤٧٦مـ، وتنتهي بفتح القسطنطينية سنة ١٤٥٣مـ، أو باكتشاف العالم الجديد سنة ١٤٩٢مـ.
٣-العصور الحديثة:
стр. 5655
وتبدأ بنهاية العصور الوسطى، وتستمر حتى أيامنا هذه، وبعضهم يقسم العصور الحديثة إلى قسمين، الأول يدعى العصور الحديثة وتبدأ بنهاية العصور الوسطى حتى مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، والثاني يدعى التاريخ المعاصر، ويبدأ من مطلع القرن التاسع عشر حتى أيامنا هذه.
ويعتبر المؤرخون الغربيون، ومن تابعهم من الشرقيين العصور الوسطى عصور ظلمات وجهالة وتأخر، حتى أضحت مثلا شرودا في ذلك، فإذا ما أريد غمز شيء أو عيبه قيل فيه: "أنه من بضاعة القرون الوسطى)) وإذا دققنا النظر في هذا التقسيم ألفيناه قائما على نظرة غربية بحتة، وإذا صلح فإنما يصلح لتاريخ الغرب دون التاريخ الإسلامي، ومن الظلم لحقائق العلم والتاريخ أن نعممه على التاريخ الإسلامي، ألم تر أن الإسلام قد ظهر، وأدى رسالته العظمية في هداية البشرية، وتمدينها، وآتى حضارته الفذة خلال الحقبة التي يدعونها بالقرون الوسطى، والتي ينعتونها بالنعوت المنافية تماما لما كانت عليه الحياة الإسلامية، وإن كانت مناسبة لما كانت عليه حياتهم هم.
ومن هنا بات من الواجب أن يعاد النظر في هذا التقسيم على أساس ((أكثر علمية)) وأكثر إنصافا للحقائق التاريخية، وأن يعطى الوجود التاريخي الإسلامي مكانه الطبعي الحق في التاريخ، وحين نعمد إلى تقسيم التاريخ الإسلامي ينبغي أن نبني هذا التقسيم على المراحل التي اجتازها هذا التاريخ نفسه، لا على المراحل التي مر بها تاريخ غيره، وهو التاريخ الغربي.
وقد ألفت لجنة إسلامية [٣٢] لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي وفق مقتضيات العقيدة ومعطياتها، واقترحت تقسيم بحث التاريخ الإسلامي إلى خمس مراحل هي:
١-مقدمات التاريخ الإسلامي.
٢-التاريخ الإسلامي على عهد الرسول ﷺ .
٣-المد الإسلامي.
٤-الانحسار الإسلامي.
٥-العالم الإسلامي اليوم.
стр. 5656
ولا شك أن لهذا الاقتراح وجاهته ومسوغاته، وإذا كان فيه من مآخذ فإن التنفيذ الواجب على الجميع يكشفها، ويساعد على تداركها وإصلاحها..
نظرة في مصطلح ((التاريخ الإسلامي)) .
هذا المصطلح هو مصطلح جديد، يطلق على الحقبة التاريخية التي تبدأ بظهور الإسلام وتنتهي سنة ١٥١٧مـ، وهي السنة التي اجتمعت فيها سورية ومصر وما إليهما مع البلاد الإسلامية الأخرى التي كانت تابعة للدول الإسلامية العثمانية بمساعي السلطان سليم الأول [٣٣] .
وهذا الاصطلاح ليس مسلما، بل هو موضع مناقشة، ومجال شك، ولنا أن نتساءل متى يجوز لنا أن نصف تاريخا ما بأنه إسلامي أو غير إسلامي.
ولعله من الواجب، ومن الدقة العلمية أن نقول في تاريخ ما أنه إسلامي عندما يكون ناس هذا التاريخ مسلمين، وعندما تكون الاعتبارات الإسلامية هي المهيمنة عليهم، وعندما يكون النظام العام الذي يعيشون في ظله، ويمنحونه ولاءهم عائدا إلى الإسلام، ومشتقا منه، وعندما يكون انتماؤهم –حين تترك لهم الحرية- انتماء إسلاميا...
وهذه الشروط ما تزال متوفرة في تاريخنا حتى يوم الناس هذا، فبرغم جميع المخططات والجهود التي بذلت، ومازالت تبذل لتغيير الواقع، فإن المسلمين ما انفكوا مسلمين عقيدة وانتماءا، أملا وألما وولاء، وإن لم يكونوا من الناحية التطبيقية سواء، وكما ينبغي أن يكونوا.
стр. 5657
وإذا تعمقنا الأحداث الكبرى التي جرت في ((تاريخنا المعاصر)) ودققنا في اكتشاف دوافعها وبواعثها وجدناها إسلامية، فمن نشوء الكيان السنوسي في ليبيا الذي أبلى بلاءه المعروف في مقارعة الاستعمار الإيطالي إلى قيام الدولة السعودية الثالثة بقيادة الملك عبد العزيز ﵀ إلى الثورات التحررية في العالم الإسلامي كالثورة السورية سنة ١٩٢٥، والثورة الجزائرية ١٩٥٤، والحركات الاستقلالية في المغرب.. التي انتهت باستقلاله إلى نشوء دولة باكستان إلى استنهاض الزعماء مشاعر الأمة في حرب رمضان ١٣٩٣هـ (تشرين الأول ١٩٧٤مـ) .
فالدوافع والبواعث التي كانت تحرك الجماهير في هذه الأحداث تحريكا رئيسيا إنما كانت إسلامية.
وإذا سلمنا بسداد هذا الاصطلاح فماذا نقول في الإمبراطورية المغولية الإسلامية التي ظهرت في شبه القارة الباكندية (١٥٢٦-١٨٥٧مـ) والتي عرفت مثل الإمبراطور محي الدين أورنكزيب (١٠٦٨-١١٩؟ هـ-١٦٥٧-١٧٠٧مـ) الذي يلحقه بعضهم تديناً، وكفاية، وعزيمة، وتنظيما بالخلفاء الراشدين، بل ماذا نقول في التجديد الكبير الذي قاده المحمدان: محمد بن سعود، ومحمد بن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر؟ أفنجعل ذلك كله خارج التاريخ الإسلامي؟!
والحق أن الإسلام ما زال أكبر محرك يستطيع أن يؤثر في سير التاريخ ((المعاصر)) في العالم الإسلامي، برغم جميع المخططات والجهود الجبارة، والتي بذلت وتبذل –كما قلنا- لإبطال فعاليته، وعلى ذلك فتاريخنا كله هو تاريخي إسلامي، ولكنه مرَّ ويمر في مراحل يقترب في بعضها من حيث التطبيق- من الإسلام، ويزور في بعضها الآخر عنه، ولكنه لا يتنقل إلى سواه البتة برغم جميع المخططات والجهود المشار إليها...
стр. 5658
ثم نفرض جدلا أن سنة ١٥١٧مـ أدخلت البلاد العربية في طور انتهت معه مسوغات وصف تاريخنا فيها بأنه إسلامي، فهل- يا ترى- كان لهذه السنة الأثر نفسه بالنسبة إلى العالم الإسلامي كله، أظن أن الأحداث التي أشرنا إلى بعضها آنفا تأبى ذلك، وتؤكد استمرار إسلامية تاريخنا...
وإذن فإن الحكم على تاريخ هذه الأمة بأن ((إسلاميته)) قد انقضت بدخول العثمانيين هذه المنطقة هو حكم تعوزه مقومات الحكم العلمي السليم...
والصواب الذي لا ريب فيه هو وجوب نسبة تاريخ أمتنا إلى مناط انتمائها وولائها، إلى مفزعها في آلامها وآمالها، إلى الإسلام، وبناء على ذلك يجب أن يقال: أن التاريخ الإسلامي بدأ بظهور الإسلام وما يزال بحمد الله مستمرا، غير أنه لابد من تقسيمه إلى مراحل على نحو ما ذكرنا من اقتراح اللجنة التي ألمعنا إليها...
والخلاصة أن التاريخ علم جليل، يتناول بالبحث- كما قلنا- مختلف الوقائع والكوائن، ومختلف ألوان النشاط البشري التي تحدث على مسرح الحياة، ولا يقف بحثه إياها عند رواية أخبارها، بل يشمل تحديد زمان وقوعها، والوقوف على الروابط الظاهرة والخفية التي تنتظم شتاتها، وبيان كيفية وقوعها، وأسبابه ونتائجه وأثره في حياة الإنسان فردا أو جماعة، حالا أو مالا.
والتاريخ حكمة في فحواه، علم في منهج بحثه، وفي وقوع حوادثه حسب سنن إلهية لا تبديل لها ولا تحويل، أدب أو فن في إمتاعه العواطف البشرية ومناغاتها ومبلغ تأثيره فيها...
وهو ذو فوائد عظيمة جعلت منه علم رجل الدولة، وعلم رجل الدعوة، وعلم رجل التربية، وعلم رجل الإدارة، بل علم كل ذي مسؤولية ذات بال.
стр. 5659
والتاريخ الإسلامي هو ثمرة العقيدة الإسلامية بكل خصائصها ومقوماتها وإشعاعاتها وقدرتها على صياغة الإنسان والمجتمع صياغة متميزة متفوقة، ولا تستقيم دراسته ولا كتابته، كما لا يستقيم تعليله إلا من خلال هذه العقيدة ذاتها...وهذه النقطة هي محور الخلاف بين الإسلاميين والعلمانيين الذين يريدون تقسيم تاريخنا وتعليله على أسس تنافي جوهره وطبيعته الذاتية...
وأنا لا ألومهم بمقدار ما ألوم الإسلاميين الذين طالما أغمضوا العين عن العناية الجادة بالتاريخ هذه المادة التوجيهية العظيمة الفعالة، ولكن ما يزال هناك مجال للاستدراك.
لقد آن الأوان لأن ننظر إلى التاريخ النظرة الجدية التي يستحقها، وأن نؤمن بأنه ليس مجرد حكايات كحكايات العجائز في ليالي الشتاء الطويلة!!
هذا ولا بد لمن يريد الاشتغال بالتأريخ من أن تتوفر فيه مؤهلات هامة فطرية وكسبية، أشرنا إليها فيما سلف...
إن تاريخنا الإسلامي يحتاج إلى كتابة جديدة، وتفسير جديد في ضوء العقيدة الإسلامية كما جاءت في الكتاب والسنة، وكما تحققت في حياة النبي ﷺ ، وحياة أصحابه، وفي العهود التالية المتفرقة التي ائتمت بهاتين الحياتين المثاليتين، كعهد عمر بن عبد العزيز ﵀... بحيث تكون هذه الكتابة، وهذا التفسير متحررين من الأفكار المبترة، ومن الاتجاهات التي يريد الآخرون أن يفرضونها عليه لتحريف ((الشخصية الإسلامية)) ، وتفريغها من محتواها الأصيل...
لقد أورثتنا جهود سلفنا في حقل التاريخ ثورة علمية تاريخية لا أحسب أن أمة من الأمم الأخرى في القديم أو الحديث قد حظيت بمثلها.. والواجب علينا الآن أن نكمل جهود ذلكم السلف البر العظيم، فنخدم تاريخنا خدمة جادة حسب الظروف والمقتضيات التي تواجهنا.
стр. 5660
وهناك نواح أخرى في موضوعنا، ما تزال حقيقة بأن ينظر إليها، وبأن تلمس اللمسات المناسبة، ولكن ضيق الوقت حال دون ذلك، وعسى أن يتاح لنا الوقت المناسب في المستقبل.
وإنا لنرجو ونتوقع أن يكون هذه الدولة التي يرفرف علمها بكلمة التوحيد أثرها الخالد في خدمة التاريخ الذي انبثق من كلمة التوحيد، كما نرجو ونتوقع أن يكون لمؤسساتنا العلمية من جامعات وغيرها دورها التاريخي في هذا المجال... على أننا ننيط بجامعتنا الإسلامية العتيدة أكبر الرجاء ونحملها أضخم المسؤوليات في هذا الشأن وأنها لذلك لأهل إن شاء الله.
على قدر أهل العزم يأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
والله سبحانه هو المدعو أن يشد العزائم، ويعلي الهمم إلى مستوى المسؤوليات، ويعين على وضوح الرؤية، ويهدي القافلة إلى السير على طريق رشيد هادف، كما أنه هو المدعو أن يتقبل عمل العالمين المخلصين.
والحمد لله أولا وآخرا...
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر: السخاوي: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص ٢٥، ومحمد عبد الغني حسين علم التاريخ عند العرب ص ١٢.
[٢] نعتقد أن أحسن ما يجب أن يعتنى به ويلم بجانبه بعد الكتاب والسنة هو العلوم التي تقتضيها مصلحة الدعوة وأمتها في ضوء الظروف والأحوال المواجهة، ويبدو أنه كان من مصلحة الدعوة وأمتها منذ قرون أن يعطي المسلمون بعد فقه الكتاب والسنة وبعد العلوم الضرورية له عناية كافية لما نسميه اليوم بالعلوم كالرياضيات والكيمياء والفيزياء..الخ، أنها علوم أساسية في الحياة، وإن تفوق الأعداء علينا في هذه الحقبة من التاريخ يرجع إلى حد بعيد إلى عنايتهم بها، وتفوقهم فيها، والله أعلم.
[٣] ابن منظور لسان العرب ج ٣ مادة ((أرّخ)) .
[٤] سيد عبد العزيز سالم، التاريخ والمؤرخون العرب ص ١٨.
стр. 5661
[٥] سورة الحجرات ١٣.
[٦] ابن تيمية، كتاب الزيارة من الجامع الفريد ص ٤١٩.
[٧] المقدمة ص ٣ طبعة المكتبة التجارية الكبرى القاهرة.
[٨] الحكمة علم بأعيان الموجودات وأحوالها على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية... ومن علوم الحكمة علم الأخلاق، وعلم تدبير المنزل، وعلم السياسة المدنية، وعلم الجبر والمقابلة، وعلم الطب، وعلم الكيمياء، وعلم الفلاحة (محمد علي التهانوي موسوعة اصطلاحات العلوم ج١ ص ٣٧، ٤٩، ٤١، ٤٣) .
[٩] هذا النص منقول من ((فرانز روز نثال)) علم التاريخ عند المسلمين ص ٣٢٧.
[١٠] السخاوي الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص ٧ ط القدس ١٣٤٩هـ.
[١١] مجلة المجتمع العدد ٢٢٨، ١٩ ذي الحجة ١٣٩٤ ص ٢٦ و ٣٠.
[١٢] ص ٣٢ ترجمة زهير فتح الله بيروت ١٩٥٨.
[١٣] ديكارت فيلسوف فرنسي اشتهر بكتابة ((مقالة الطريقة)) الذي كان له الأثر البليغ في الفكر الغربي، وفيه مبدؤه المعروف ((أنا أفكر إذن أنا موجود)) ، وهو مصدر الفلسفة الحديثة. (فرديناند توتل، المنجد في الأدب والعلوم ص ٢٠٥) .
[١٤] ع – حمادة، الشرق والغرب ص: ز
[١٥] ع – حمادة، المرجع السابق ص: د - ز
[١٦] حسن عثمان منهج البحث التاريخي ص ٣.
[١٧] الكامل في التاريخ ج ١ ص ٧ ط بيروت ١٣٨٥هـ – ١٩٦٥م.
[١٨] أحمد فريد الرفاعي عصر المأمون ج ١ ص ٩٨-٩٩.
[١٩] السخاوي الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص ٤٣.
[٢٠] الجامع الفريد كتاب الزيارات ص ٤٥٤.
[٢١] بل إنها الحقبة التاريخية المثلى في التاريخ كله، ماضيه وحاضره، ومستقبله (د. د.) .
стр. 5662
[٢٢] يذهب العالم المربي الانجليزي ج بريستل J.BRIECTLY (١٧٣٣-١٨٠٤) إلى أن التاريخ هو المادة الضرورية لإعداد كل مواطن يمتاز بوعي اجتماعي، وكان بريستلي هذا إلى عنايته بالتربية من العلماء المكتشفين، فهو الذي اكتشف غاز الأوكسجين وغيره من الغازات، وكان واسع الثقافة، يحاضر في اللاتينية والإغريقية، والإفرنسية، والإيطالية، نشر خريطتين زمانيتين، إحداها للسير، والأخرى للتاريخ، وهو من الخارجين على الكنيسة الإنجليزية المعروفين باسم
non conformists، ولو كتب له ولأمثاله أن ينشؤوا في كنف الإسلام الصافي الأصيل لألفوا فيه رعاية وتشجيعا يغنيانهم عن مثل الخروج الذي خرجوه على الكنيسة.
[٢٣] سورة هود ١٢٠.
[٢٤] أغفلنا اسمه إيثارا للموضوعية دون الشخصانية.
[٢٥] الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص ٤٤-٤٥.
[٢٦] سورة الحجرات ١٣.
[٢٧] أرى أن تدريس هذا العلم في أقسام التاريخ ولاسيما الإسلامي في الجامعات على اختلاف ألوانها أمر أساسي لا تكتمل دراسة هذه المادة دونه (د. د) .
[٢٨] الزكانة: الفراسة، وأن يظن الشخص فيصيب.
[٢٩] المقدمة ص ٢٨ ط المكتبة التجارية الكبرى القاهرة.
[٣٠] والمصادر الأخرى كالإجماع والقياس يعود اعتبارها إلى هذين المصدرين: الكتاب والسنة.
[٣١] أقدم كتابة نعرفها حتى الآن هي الكتابة المصرية القديمة، وقد عرفت بعد اكتشاف حجر رشيد، وقراءة رموزه، وقد اكتشف هذا الحجر سنة ١٧٨٩م (محمد مبروك نافع، عصر ما قبل الإسلام ص ١) ..
[٣٢] أعضاء هذه اللجنة هم: الشيخ صادق عرجون، والدكتور محمد يوسف موسى، والدكتور عبد الحميد يونس، والدكتور محمد النجار، وسيد قطب، ومحي الدين الخطيب، وأبو الحسن الندوي، وقد انتقل بعض أعضاء هذه اللجنة إلى رحمة الله.
стр. 5663
[٣٣] كان السلطان سليم (١٥١٢-١٥٢٠) من عباقرة الحكام، وقد أراد تعريب المملكة العثمانية كلها، واستبدال اللغة العربية باللغة التركية وغيرها من اللغات المعروفة في تلك المملكة، وأحسب أنه لو طال حكمه لنفذ فكرته هذه، لأنه كان في توقد ذهنه، ومضاء عزمه شيئا عجبا، يضاف إلى ذلك أنه كان شاعرا بالعربية، ولما دخل سورية ومر في حماة نزل في دار آل الكيلاني، وقد أطربه مناخ حماة، وأعجبه ما كان عليه الكيلانيون من الوهاجة والكرم، فانطلق لسانه بهذين البيتين:
أرى من دونه السبع الطباقا
بني كيلان هنئتم بعيش
كشرف بالجوار حلا وراقا
أطاع لديكم العاصي ولما
والعاصي هو النهر المعروف الذي يمر في حماه، وفي ذلك تورية لطيفة..
стр. 5664
رسالة الجامعة السعودية نحو اللغة العربية والثقافية والإسلامية
لفضيلة الشيخ محمد مصطفى المجذوب
بحث قدمته الجامعة الإسلامية إلى مؤتمر رسالة الجامعة المنعقد بجامعة الرياض
الحمد لله الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين، المبعوث رحمة للعالمين، الذي شرفه بخاتم رسالاته المنزلة بلسان عربي مبين، وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.
القرآن والعرب:
المبدأ الذي لا ينبغي الاختلاف عليه هو أن العرب في استمرار وجودهم كأمة متميزة بخصائصها وقيمها ولغتها، مدينون للقرآن العظيم.. إذ هو الذي صان لهم كيانهم على الرغم من كل العقبات التي اعترضت مسيرتهم التاريخية حتى الساعة.
لقد بعث محمد ﷺ وأنزل عليه القرآن خاتم كتب الله والعرب قبائل متمايزة لا تدين واحدة لأخرى وقد تفرقت بها المنازل، فلا تلتقي إلا على غزو أو ثأر، أو حلف لهما وبذلك تشقق لسانها حتى كاد يستحيل لغات مستقلة، لولا أثارة من روابط احتفظت بها الأسواق والمواسم إلى حد غير قابل للاستمرار، فبنزول القرآن واندماج العرب في الإسلام تمت لهذه الوحدات المتفرقة شروط التوحد، إذ وجدت نفسها مشدودة إلى وحدة البيان بالتزامها سبيل الوحي، الذي لا سبيل إلى فهمه وتحقيق دعوته إلا عن طريق هذه اللغة التي شرفها الله بالرسالة الخاتمة.
стр. 5665
واستهوت بلاغة الكتاب الحكيم نفوس العرب الذين استولى عليهم سحر الكلمة إذ واجههم بما لم يألفوه في سوامق بيانهم من روائع المعاني، وبدائع الصياغات، فاستهانوا بأساليبهم بجانب أسلوبه الأعلى واستخفوا خطراتهم الفكرية بإزاء علومه الشاملة.. فإذا هم يقبلون عليه حفظا ودرسا، ويتنافسون في استيحائه نثرا ونظما وسلوكا.. وبذلك تفتت حواجز الفروق اللغوية والاجتماعية بين هاتيك الفرق، ثم ما لبثت أن انتهت إلى الانسجام الذي جعل منها خير أمة أخرجت للناس.. ومن هنا كان عظم فضل القرآن على العرب والعربية إذ نقل لهجاتهم من قيود الوحدات المحلية إلى آفاق اللغات العالمية، وأحال كياناتهم القبلية وحدة اجتماعية متكاملة لها أقوى ما لأعظم الأمم من وشائج القربى والاستمرار.
أثر اللغة في مصاير الأمم:
стр. 5666
كان مستحيلا على تلك القبائل ذات الخصائص المستقلة سياسيا واقتصاديا ودينيا أيضا أن تحتفظ ببقائها في عزلة عن مسيرة الركب البشري، إذ يستحيل البقاء لأسباب هذه العزلة في عالم متغير، تتطور فيه كل يوم أساليب المواصلات وتضيق مساحات الأرض حتى تقترب كل مجموعة سكانية من الأخرى بحيث تصبح أخيرا وكأنها منطقة واحدة ضيقة لا سبيل معها لواحدة إلى مقاطعة الأخرى، فالصحاري التي صدت من قبل جحافل الإسكندر عن غزو الجزيرة لم تعد شيئا مذكورا أمام البوينغ وسفن الفضاء ومراكز الإرسال الفضائية، وعشرات الوسائل الأخرى المحطمة لحواجز الفرقة البشرية والعزلة القبلية... وهذا يعني أنه يستحيل في ظل مثل هذه التطورات أن تظل القبائل العربية محصنة ضد الذوبان في الأجناس الأكثر قوة.. لأن اللغة التي هي ملاك هذه الحصانة ستكون خاضعة لقوانين التغير، حتى تتركز عوامل الفصل ما بين حدود اللهجات بصورة نهائية، فتكون كل لهجة أمة متمايزة، كالذي حدث للغة السامية إذ أدى بها تنائي المنازل وتباعد الزمن إلى الانفصام فالتعدد، حتى كانت اللغة لغات، وحتى بات الناطق بالعبرية لا يفقه من العربية شيئا، وكذلك الأرامي والحبشي والبابلي وسائر الفروع المنحدرات من الأصل الواحد.
стр. 5667
ولو نحن رحنا نتقصى مسارب التطور اللغوي وما استتبع من الانفصام القومي لرأينا ذلك القانون هو الحاكم الحاسم في تمايز الشعوب وتكوّن الأمم، وهل كان الناس في أصولهم البعيدة سوى أمة واحدة، ذات لغة واحدة، فجرفتها سيول التطور حتى صارت أمما ولغات تتعدى الإحصاء.. وأقرب الأمثلة على ذلك الأمم التي يلفها حزام الشرق الأقصى، ومثلها المتفرعات من الأصل اللاتيني في أوروبة حيث تمخضت الأمة فنتجت أمما لا يفهم بعضها عن بعض إلا بترجمان... ولا جرم أن العرب هم الأمة المتميزة التي استعصت على هذا القانون، فاحتفظت بوحدتها وخصائصها وتصوراتها على الرغم من عشرات العوامل التي اعترضتها وكانت حرية بتمزيق الأمم مهما بلغت مقوماتها من المناعة.. وإنما مرد ذلك الامتياز إلى القرآن الذي بحفظه لغة الأمة حفظ وجودها فاستعلت على الذوبان في غيرها من الأمم واللغات.. وهي ميزة لم تتح لِلاَّتين ولا لسواهم، إذ لم يكن لهم الكتاب المقدس الذي يجمع الأشتات على الوحدة، فتمزقت أمتهم أمما على الرغم من وحدة الدين وتقارب المصالح فيما بين أجزائها.. على حين قيض القرآن لهذه اللغة مجالا للنمو البشري ما كان ليتصور لولا أثره إذ اجتذبت لغته شعوبا، دخلت العروبة بمجرد اعتناقها الإسلام، فنسيت لغتها الأم على الزمن، مؤثرة عليها لغة الكتاب الذي آثرت هدايته ولغته على كل شيء آخر...
العربية والإسلام:
стр. 5668
ومن هنا كان التلازم قائما إلى الأبد بين العربية والإسلام حتى ليعتبر المسلم الأعجمي هذه العربية لغته الأولى، فيحاول إتقانها ويعتز بإجادتها، لأنها اللغة التي تكلم بها الله في آخر رسالاته المقدسة.. وقد يتساهل في لغته القومية دون غضاضة، ولكنه لا يسمح لنفسه بالتساهل في العربية لغة أدبه ودينه وشريعته.. وبسبب من ذلك تماسكت لغة القرآن فاحتفظت بحيويتها وطلاقتها في أقطار غير عربية، في حين جمدت حتى الخمود في الأقطار العربية نفسها أثناء الفترة التي سبقت عصر النهضة الحديثة.
فبالقرآن إذن صار العرب أمة مميزة، وبالقرآن دخلوا أبواب التاريخ، لا عالة يتكففون كما يحلو لبعض الملاحدة المعاصرين أن يزعموا، بل كما يدخل فريق الإسعاف الصحي بمجالات الوباء، أو كما تقتحم وحدات الإطفاء مناطق الحريق، تحمل إلى المنكوبين أسباب العافية والأمن.
وعلى هذا فمن أوليات الوفاء لهذا الكتاب العزيز أن يعرف العرب حقه، فيصونوا لغته ويلتزموا منهجه في حياتهم كلها، ليظلوا الطاقة البناءة في كيان هذه الإنسانية المهددة كأمسها بالخراب والشقاء..
خصائص العربية في التفوق:
стр. 5669
ولأمر عظيم شاءه الله ﵎ كان للعربية خصائصها المتفوقة التي تجعلها أصلح اللغات للاستجابة إلى حاجات الحضارة، فكأن السنن الكونية جمعاء كانت متجمعة تحت بصر أهلها الأولين، فلم يعجزهم أن يضعوا لكل ظاهرة رمزها المميز المرن، الذي يتابع تحرك الحياة فلا يتخلف عنه ولا يضيق به.. فبالنحت والاشتقاق والاصطلاح والتعريب والمجاز تمددت هذه اللغة من نطاقها الصحراوي المحدود إلى منطلق العالمية، فلم تعي بعلم، ولم تعجز بإزاء فن، ولم تستغلق أمام فلسفة وبذلك تركت بصماتها بارزة غالبة على مقومات الحضارة كلها، فلا علم يزهو به هذا العصر إلا وللعربية فيه الأثر الدال على جلالها، الذي يتضاءل بجانب ضوئه كل جلال، سواء في ذلك خطرات الوجدان وما عملته اليدان، أو ما تكشف للإنسان الحديث من أسرار الكون.
ولا مندوحة عن القطع بأن الذي وهب للعربية خصائص القابلية للنماء إنما هيأها بذلك لاحتواء المعاني الكلية التي ادخرها للرسالة الخاتمة، فكانت لها القوة الدافعة لاستيعابها كل معطيات الحضارة دون استثناء.
الإسلام مفجر المواهب:
стр. 5670
وقد اتضح لكل ذي عينين أن الإسلام هو الذي فجر طاقات العرب فانصرفوا إلى الاهتمام بالكون علوا وسفلا، وانطلقوا يبحثون ويكتشفون ويصححون مناهج السابقين، تحقيقا للوعد الإلهي بالاستخلاف في الأرض، وتوجيه الفكر البشري إلى الحق والانسجام مع قوانين الكون، الذي أنبأهم كتاب ربهم أنه مخلوق لمصلحتهم مسخرا لمنفعتهم.. لقيموا في أكنافه ملكوت العلم الذي ميز به بنو آدم.. ومن هنا جاء التحرك الجديد لمواهب الإنسان، إذ أخذت طريقها للانطلاق وراء الحقائق الكونية في منجاة من قيود الكهنوت الذي أقام نفسه وصيا على العقل البشري طوال حقب التاريخ السابق للبعثة النبوية، واستجابت لغة القرآن للدوافع الجديدة إذ برزت عبقريتها في الانتفاع بكل ما انتهى إليه البحث والكشف والاقتباس، فلم تضق ذرعا بأي مفهوم ولم تقصر يدا عن أي معلوم.. بل أمدت الفكر الإسلامي بكل ما أعانه على النماء في جو من التعاون المتكامل بين مختلف روافد الثقافة الدافقة، وهكذا تسنمت العربية عرش التفوق العالمي، حتى باتت لغة العلم والأدب، يشرف بمعرفتها أساطين الفكر على اختلاف مشاربهم وأديانهم وجنسياتهم.. وحتى راح القسس ينعون لغة اللاتين لما واجهوه من إقبال شباب أوروبة على العربية، وتنافسهم في إتقانها، إيمانا منهم بأنها لغة الجنس الممتاز.. تماما كما يفعل اليوم الكثيرون من الناشئين على فتات الغرب، إذ يرفعون عقائرهم بإكبار لغاته وإصغار لغتهم، حتى يكادوا ينكرون عليها كل فضيلة.. وإن براهين ذلك الماضي لماثلة في الكثير من صنائع الغرب وعلومه، شاهدة على هذه الحقيقة بالمصطلحات العربية الناطقة بعظمتها، المؤكدة أنها على أتم الاستعداد لاستئناف مسيرتها الصاعدة في خدمة الحضارة، إذا وجدت من أبنائها العناية التي تشق لها سبيل النهوض.
العربية وأعداؤها:
стр. 5671
ولقد فطن أعداء هذه الأمة إلى الرباط الوثيق بين العربية والإسلام.. فلما يئسوا من إمكان التغلب على دين الله في مواجهة مكشوفة عمدوا لتحقيق مآربهم إلى تفكيك العربية، ففي المناطق التي غلبوا عليها من وطن الإسلام لجئوا إلى تعطيل الدراسة العربية أو تعويقها، فألغوها نهائيا من أوساط الحكم، وأحلوا مكانها لغاتهم، ثم التفتوا إلى الحرف العربي فنفوه من ميدان التعامل، وأقروا محله الحرف اللاتيني في كل قطر تمكنوا من إخضاعه لإرادتهم في هذا الميدان.. فبعد أن كان الحرف العربي هو أداة التسجيل لثقافات الشعوب الإسلامية جميعا تقلص عن معظم أقطارها، كما حدث لأندونسية وتركية، والدول الناطقة بالفرنسية والانجليزية من إفريقية، ولا تزال الجزائر تتخبط في بحران من الاضطراب بين الحرف العربي والحرف اللاتيني بل بين العربية نفسها والفرنسية التي لا تزال تأوي إلى أنصار كبار وكثار من أبناء المسلمين الذين يرفضون العودة إلى لغة القرآن في الجزائر والمغرب ويتشبثون بتلابيب اللغة الغازية على اعتبار أنها بنظرهم الأداة الوحيدة لاستمرار اتصالهم بالحضارة.
ومما يدعو إلى الكثير من الأسى أن دعاة الأجنبية في الشمال الإفريقي من موريتانية إلى تونس يتنافسون عامدين أو غافلين فضل لغة القرآن في صون شعوبهم من الذوبان أمام موجة الغزو التي بلغت من الشراسة أقصى ما يتصور الخيال، وكان عليهم لو أنصفوا أنفسهم وهويتهم أن يجاهدوا ليل نهار لتثبيت سلطان العربية في كل مجال، حتى تسترد قدرتها على تحقيق حاجاتهم الحضارية جميعا، فيتاح لهم أن يتحرروا من اللغة التي تتجسد فيها ذكريات الهوان والرزايا والمجازر التي عاشوا في غمرتها الحقب الطوال.
بعض مؤامراتهم:
стр. 5672
وبديهي أن أولئك المستغربين الذين يتشبثون بلغة المستعمر ويؤثرونها على لغة أمتهم، إنما يفعلون ذلك بدافع من مركب النقص الذي يعانونه بسبب جهلهم للغة الضاد، ثم لسبب أهم وهو انطباعهم بأسلوب التفكير الدخيل الذي تفرضه تلك اللغة الغربية، ذلك لأن اللغة ليست أداة تخاطب وتعبير فقط، بل هي إلى هذا عملية تصور نفسي ومنهج تفكير عقلي، فنشوء النفس في ظل لغة ما صائر بها إلى التفاعل مع مؤثراتها الخاصة، حتى لا تكاد تتذوق سواها إلا في كثير من التكلف.. وما دام القوم قد عاشوا لغة أعدائهم حتى خالطت جوارحهم وطبعت مشاعرهم دون أن يتزودوا من بيان العربية بما يحصنهم من الذوبان في غيرها، فعسير عليهم إن لم يكن مستحيلا أن يتخلصوا من إيحائها، لأن ذلك يكلفهم ما لا طاقة لهم به.
وقد شجع انحراف هؤلاء أخيرا حكومتي الصومال وماليزية، فإذا هما تقتحمان العقبة وتنبذان الحرف العربي، في الوقت الذي لا تنفكان تتحدثان فيه عن الإسلام بكل مناسبة، وتحضران المؤتمرات الإسلامية دون أن تريا في ذلك أي تناقض مع هذا الجفاء الخطير لآخر العلائق الأخوية بين بلادهما ولغة القرآن.. ولم تكن الهجمة على العربية مقصورة على جبهة دون أخرى.. بل كانت من الأحكام بحيث ألفت سلسلة متصلة الحلقات لا تسكت قذائفها من جانب حتى تنطلق من جوانب..
стр. 5673
وليست الدعوة إلى أقلمة اللغة في البلاد العربية نفسها باستعمال العامية مكان الفصحى في نطاق الأدب إلا وجها من هذه المعارك التي لم تخمد.. وهكذا القول في الدعوة إلى تيسير القواعد بمسخها، وتغيير المألوف على القرون من مصطلحاتها إنما هو واحد من عشرات الذرائع لقطع صلة الأجيال العربية بماضيها المشرق كي تجد نفسها أخيرا كفقاع القاع لا يربطها بأصولها رباط من تفكير أو تصور أو منهاج.. ومثل هذا وذاك ما تثيره عصائب المضللين من المتنكرين لقيم العربية من حملات تستهدف تشويه الأدب العربي، والتهوين من شأنه بإزاء الآداب الأجنبية، التي لا ينفكون يضخمونها بمختلف وسائل التضخيم والتعظيم...
وظلم ذوي القربى:
стр. 5674
ومن المحزن المزعج أن تسري عدوى الاستخفاف بالعربية إلى أوساط دارسيها ومدرسيها.. حتى نرى أوفر الناس علما بها أكثرهم تهاونا بإعزازها.. حتى لا يسمحون لأنفسهم باستعمالها خارج حدود الكتابة أو الخطابة.. وفي ما عدا ذلك فهم أكبر مروجي السوقية حتى في حلبات الدرس، حيث يتوقع منهم التزام جانبها، لا يكادون يلجئون إليها إلا بعد تنبيه قد يصل إلى حدود الشكوى.. ولا أكشف سترا إذا قلت إن طلابا من مسلمي الأعاجم يفدون إلى البلاد العربية لاكتساب ملكة اللغة، فيفاجئون بخيبة لاذعة، إذ يجدون أنفسهم بإزاء مدرسين لا يحترمون لغة قرآنهم، بل كل منهم يلوذ بسوقيته فيفسر ويشرح ويقدم بها حتى دروس القواعد العربية.. ومهما أَنس لا أنس يوم لقيت طالبا ثانويا من أبناء أحدهم فسألته عن صحة والده وعن اختباره فلم يفهم مني حرفا لأني كنت أكلمه بلغة العرب.. ومن طريف الأحداث كذلك أن طالبا أعجميا وفد إلى إحدى الجامعات العربية لاستكمال دراسته بلغة القرآن فإذا هو بمدرسين لا يكادون يعرجون عليها، ولا يكاد يفهم منهم، فراح يستوضح عن كل كلمة يعجز عن فهمها حتى تبين أخيرا أن اللغو الذي يسمعه ليس من العربية، فاضطر إلى تذكيرهم بأنه لم يهاجر من بلاده القاصية ليتعلم غير اللغة التي تعينه على فهم كلام الله وكلام رسوله ... ومع أن تذكيره لم يذهب سدى إلا أنه ظل مضطرا إلى تكراره بين الحين والحين، لأن لسان هؤلاء المدرسين قد طبع على العامية فلا يكاد يستطيع مفارقتها إلى الفصحى.. ولعل شيئا من هذا قد حدث لطه حسين أثناء دراسته الأزهرية فدفعه إلى القول بأن الأزهريين لا يحترمون لغة القرآن حتى في تدريسهم للقرآن.. وهو تعميم مسرف لا ينطبق على الواقع كله ولله الحمد.
стр. 5675
وتذكرني هذه المفارقات بطرفة أخرى ذلك أن مؤتمر وزراء التعليم العرب عقد في أحد مصايف لبنان الشمالي في مطلع أيام جامعة الدول العربية فراح كل منهم يرطن بسوقيته فلا يفهم أحد عن أحد.. حتى تذكروا أن لديهم لغة كريمة تستطيع إنقاذ الموقف.
العربية ووسائل التعليم:
وحتى وسائل الإعلام من صحف وإذاعة وتلفزة وهي التي كان بوسعها تدارك الكثير مما فات والقضاء على الكثير من الآفات قد أسهمت إلى حد كبير في إيذاء العربية، والترويج لأفكار أعدائها.. ولو تتبعنا برامج الإذاعة والتلفزة في معظم الربوع العربية لوجدنا نسبة ما تبثه باللغات السوقية يزيد كثيرا على ما يقابله بالفصحى.. ونشير من ذلك بخاصة إلى التمثيليات الشعبية التي تقدم باللهجات المحلية، وإلى الأغاني التي يندر فيها الفصيح، فضلا عما تحتويه من معان توافه تفسد الذوق العام وتسمم الضمير العربي حتى تجعله مستعدا للاستخفاف بكل القيم الفاضلة.
وكثيرون يذكرون مثلي تلك المقالة التي تصدرت ذات يوم إحدى كبريات المجلات الصادرة في بلاد العرب يتحدى بها كاتبها الشهير لغة العرب، إذ ينبزها بالعجز عن مجاراة التطور، بدليل أنه لا يستطيع أن يجد فيها اسما لكل جزء من سيارته الفارهة.. وما أحسب الرجل إلا مدركا مقدار المغالطة في تهمته، لأن المفروض بمثله العلم بأن حيوية كل لغة نابعة من حيوية أهلها.. فإذا جمدوا على أعتاب التخلف لم يطلب إليها أن تسبقهم إلى الأعلى.. ولقد كان الأحرى به أن يعمل قلمه في إلهاب المشاعر لمسابقة الزمن في إعمال المواهب المعطلة المحبوسة في معتقلات التقليد، لتستعيد مكانتها في موكب الحضارة ولتنقلب من محض مستهلك إلى منتج، يقدم للناس مصنوعاته الناجحة مغلفة بطابعه حاملة سماته مسماة بلغته.
следующие страницы →