Полный текст (23 804 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
تكونُ سبيلَ الهُدى والظفَر
فكانتْ حياةً لمن قد أجاب
وكان الضياعُ لمن قد نَكِرْ
أَضَعْنا الذي قد دعوتَ إليهِ
ورُمنا النجاةَ لَدَى من كَفَرْ
فيا للخِداعِ ويا للصِّراعِ
ويا لدماءٍ تسيلُ هَدَرْ
تعالَيْ تعالَيْ رياحَ الشتاءِ
تعالَيْ فُرادَى تعالَيْ زُمَرْ
تولَّى الخريف وفوقَ الغصون
وريقاتُ صُفرٌ ولمَّا تطِر
لعلَّ ربيعًا يعودُ جديدًا
فيَشفي الصدورَ ويجلُو البَصَرْ
стр. 562
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب
لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي المدرس في الجامعة
الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين وأشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الحمد لله الذي ختم الرسل بهذا النبي الكريم عليه من الله الصلاة والتسليم, كما ختم الكتب السماوية بهذا القرآن العظيم, وهدى الناس بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم, فأخباره كلها صدق, وأحكامه كلها عدل, وبعضه يشهد بصدق بعض ولا ينافيه, لأن آياته فصلت من لدن حكيم خبير. ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ .
أما بعد فإن مقيد هذه الحروف, عفا الله عنه, أراد أن يبين في هذه الرسالة ما تيسر من أوجه الجمع بين الآيات التي يتوهم فيها التعارض في القرآن العظيم, مرتبا لها بحسب ترتيب السور, يذكر الجمع بين الآيتين غالبا في محل الأولى منهما وربما يذكر الجمع عند محل الأخيرة وربما يكتفي بذكر الجمع عند الأولى وربما يحيل عليه عند محل الأخيرة ولاسيما اذا كانت السورة ليس فيها مما يتوهم تعارضه إلا تلك الآية فإنه لا يترك ذكرها والإحالة على الجمع المتقدم, وسميته:
(دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)
فنقول وبالله نستعين وهو حسبنا ونعم الوكيل راجين من الله الكريم أن يجعل نيتنا صالحة وعملنا كله خالصا لوجهه الكريم, إنه قريب مجيب رحيم.
سورة البقرة
стр. 563
قوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أشار الله تعالى إلى القرآن في هذه الآية إشارة البعيد وقد أشار له في آيات أخر إشارة القريب كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وكقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ الآية وكقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ , وكقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ , إلى غير ذلك من الآيات, وللجمع بين هذه الآيات أوجه: -الأول-ما حرره بعض علماء البلاغة من أن وجه الإشارة إليه بإشارة الحاضر القريب أن هذا القرآن قريب حاضر في لأسماع والألسنة والقلوب, ووجه الإشارة إليه بإشارة البعيد هو بعد مكانته ومنزلته عن مشابهة كلام الخلق وعما يزعمه الكفار من أنه سحر أو شعر أو كهانة أو أساطير الأولين.
الوجه الثاني: هو ما اختاره ابن جرير الطبري في تفسيره من أن ذلك إشارة إلى ما تضمنه قوله: ﴿الم﴾ وأنه إشارة إليه إشارة البعيد لأن الكلام المشار إليه منقض ومعناه في الحقيقة القرب لقرب انقضائه وضرب له مثلا بالرجل يحدث الرجل فيقول له مرة: والله إن ذلك لكما قلت, ومرة يقول: والله إن هذا لكما قلت, فإشارة البعيد نظرا إلى أن الكلام مضى وانقضى وإشارة القريب نظرا إلى قرب انقضائه.
الوجه الثالث: أن العرب ربما أشارت إلى القريب إشارة البعيد فتكون الآية على أسلوب من أساليب اللغة العربية ونظيره قول خفاف ابن ندبة السلمي لما قتل مالك بن حرملة الفزارى:
فعمدا على عيني تيممت مالكا
فإن تك خيلى قد أصيب صميمها
تأمل خفافا إنني أنا ذلكا
أقول له والرمح يأطر متنه
стр. 564
يعني أنا هذا وهذا القول الأخير حكاه البخارى عن معمر بن المثنى أبي عبيدة قاله ابن كثير. وعلى كل حال فعامة المفسرين على أن ذلك الكتاب بمعنى هذا الكتاب. قوله تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذه نكرة في سياق النفي ركبت مع لا فبنيت على الفتح. والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص في العموم كما تقرر في علم الأصول, و ﴿لا﴾ هذه التي هي نص في العموم هي المعروفة عند النحويين بـ (لا) التي لنفى الجنس, أما (لا) العاملة عمل ليس فهي ظاهرة في العموم لا نص فيه, وعليه فالآية نص في نفي كل فرد من أفراد الريب عن هذا القرآن العظيم, وقد جاء في آيات أخر ما يدل على وجود الريب فيه لبعض من الناس كالكفار الشاكين كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ , وكقوله: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ , وكقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ . ووجه الجمع في ذلك أن القرآن بالغ من وضوح الأدلة وظهور المعجزة ما ينفي تطرق أي ريب إليه, وريب الكفار فيه إنما هو لعمى بصائرهم, كما بينه بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ فصرح بأن من لا يعلم أنه الحق أن ذلك إنما جاءه من قِبل عَماه ومعلوم أن عدم رؤية الأعمى للشمس لا ينافي كونها لا ريب فيها لظهورها:
فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة
وأجاب بعض العلماء بأن قوله لا ريب فيه خبر أريد به الإنشاء أي لا ترتابوا فيه وعليه فلا إشكال.
стр. 565
قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ . خصص في هدى هذا الكتاب بالمتقين, وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أن هداه عام لجميع الناس, وهي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ﴾ الآية. ووجه الجمع بينهما أن الهدى يستعمل في القرآن استعمالين أحدهما عام والثاني خاص. أما الهدى العام فمعناه إبانة طريق الحق وإيضاح المحجة سواء سلكها المبين له أم لا ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي بينا لهم طريق الحق على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع أنهم لم يسلكوها بدليل قوله : ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ , ومنه أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ , أي بينا له طريق الخير والشر بدليل قوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ . وأما الهدى الخاص فهو تفضل الله بالتوفيق على العبد ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ , فإذا علمت ذلك فاعلم أن الهدى الخاص بالمتقين هو الهدى الخاص وهو التفضل بالتوفيق عليهم والهدى العام للناس هو الهدى العام, وهو إبانة الطريق وإيضاح المحجة, وبهذا يرتفع الإشكال أيضا بين قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ مع قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ , لأن الهدى المنفي عنه ﷺ هو الهدى الخاص لأن التوفيق بيد الله وحده ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا, والهدى المثبت له هو الهدى العام الذي هو إبانة الطريق وقد بينها ﷺ حتى تركها محجة بيضاء ليلها كنهارها, والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ
стр. 566
عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . هذه الآية تدل بظاهرها على عدم إيمان الكفار, وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن بعض الكفار يؤمن بالله ورسوله كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف﴾ الآية. وكقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ وكقوله: ﴿وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ , ووجه الجمع ظاهر وهو أن الآية من العام المخصوص لأنه في خصوص الأشقياء الذين سبقت لهم في علم الله الشقاوة المشار إليهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ . ويدل لهذا التخصيص قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية وأجاب البعض بأن المعنى لا يؤمنون مادام الطبع على قلوبهم وأسماعهم والغشاوة على أبصارهم فإن أزال الله عنهم ذلك بفضله آمنوا.
قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ الآية. هذه الآية تدل بظاهرها على أنهم مجبورون لأن من ختم على قلبه وجعلت الغشاوة على بصره سلبت منه القدرة على الإيمان. وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن كفرهم واقع بمشيئتهم وإرادتهم كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ , وكقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ , وكقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ الآية, وكقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُم﴾ الآية, وكقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُم﴾ الآية.
стр. 567
والجواب: أن الختم والطبع والغشاوة المجعولة على أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم, كل ذلك عقاب من الله لهم على مبادرتهم للكفر وتكذيب الرسل باختيارهم ومشيئتهم, فعاقبهم الله بعدم التوفيق جزاء وفاقا. كما بينه تعالى بقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وبقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ الآية وقوله: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ , إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ الآية. أفرد في هذه الآية الضمير في قوله استوقد وفي قوله ما حوله وجمع الضمير في قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ , مع أن مرجع كل هذه الضمائر شيء واحد وهو لفظة الذي من قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي﴾ , والجواب عن هذا أن لفظة الذي مفرد ومعناها عام لكل ما تشمله صلتها, وقد تقرر في علم الأصول أن الأسماء الموصولة كلها من صيغ العموم, فإذا حققت ذلك فاعلم أن إفراد الضمير باعتبار لفظة الذي وجمعه باعتبار معناها, ولهذا المعنى جرى على ألسنة العلماء أن الذي تأتي بمعنى الذين ومن أمثلة ذلك في القرآن هذه الآية الكريمة, فقوله كمثل الذي استوقد أي كمثل الذين استوقدوا بدليل قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وقوله: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي كالذين ينفقون بدليل قوله: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلَى
стр. 568
شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ بناء على الصحيح من أن الذي فيها موصولة لا مصدرية ونظير هذا من كلام العرب قول الراجز:
في قائم منهم ولا في من قعد
يا رب عبس لا تبارك في أحد
إلا الذي قاموا بأطراف المسد
وقول الشاعر وهو أشهب بن رميلة وأنشده سيبويه لإطلاق الذي وإرادة الذين:
هم القوم كل القوم يا أم خالد
وأن الذي حانت بفلج دماؤهم
وزعم ابن الأنبارى أن لفظة الذي في بيت أشهب جمع الذ بالسكون وأن الذي في الآية مفرد أريد به الجمع وكلام سيبويه يرد عليه وقول هديل بن الفرخ العجلى:
غوايتهم غيي ورشدهم رشدي
وبت أساقى القوم إخوتي الذي
وقال بعضهم المستوقد واحد لجماعة معه ولا يخفى ضعفه.
قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ الآية هذه الآية يدل ظاهرها على أن المنافقين لا يسمعون ولا يتكلمون ولا يبصرون, وقد جاء في آيات أخر ما يدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ وكقوله: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِم﴾ الآية, أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم, وقوله: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَاد﴾ إلى غير ذلك من الآيات, ووجه الجمع ظاهر, وهو أنهم بكم عن النطق بالحق وإن رأوا غيره, وقد بين تعالى هذا الجمع بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً﴾ الآية, لأن مالا يغني شيئا فهو كالمعدوم والعرب ربما أطلقت الصمم على السماع الذي لا أثر له ومنه قول قعنب بن أم صاحب:
وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به
وقول الشاعر:
وأسمع خلق الله حين أريد
أصم عن الأمر الذي لا أريده
عن الجود والفخر يوم الفخار
فأصممت عمرا وأعميته
وكذلك الكلام الذي لا فائدة فيه فهو كالعدم.
стр. 569
قال هبيرة بن أبي وهب المخزومى:
لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها
وإن كلام المرء في غير كنهه
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ الآية. هذه الآية تدل على إن هذه النار كانت معروفة عندهم, بدليل أل العهدية, وقد قال تعالى في سورة التحريم: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ , فتنكير النار هنا يدل على أنها لم تكن معروفة عندهم بهذه الصفات. ووجه الجمع أنهم لم يكونوا يعلمون أن من صفاتها كون الناس والحجارة وقودا لها فنزلت آية التحريم فعرفوا منها ذلك من صفات النار, ثم لما كانت معروفة عندهم نزلت آية البقرة, فعرفت فيها النار بأل العهدية لأنها معهودة عندهم في آية التحريم, ذكر هذا الجمع البيضاوى والخطيب في تفسيريهما وزعما أن آية التحريم نزلت بمكة وظاهر القرآن يدل على هذا الجمع لأن تعريف النار هنا بأل العهدية يدل على عهد سابق والموصول وصلته دليل على العهد وعدم قصد الجنس ولا ينافي ذلك أن سورة التحريم مدنية وأن الظاهرنزولها بعد البقرة, كما روي عن ابن عباس لجواز كون الآية مكية في سورة مدنية كالعكس.
стр. 570
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية. هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء بدليل لفظة ثم التي هي للترتيب والانفصال وكذلك آية حم السجدة تدل أيضا على خلق الأرض قبل خلق السماء لأنه قال فيها: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى أن قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ الآية. مع آية النازعات تدل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء لأنه قال فيها: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ . قال: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ واعلم أولا أن ابن عباس ﵄ سئل عن الجمع بين آية السجدة وآية النازعات فأجاب بأن الله تعالى خلق الأرض أولا قبل السماء غير مدحوة ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعا في يومين ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك بعد خلق السماء, ويدل لهذا أنه قال: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ولم يقل خلقها, ثم فسر دحوه إياها بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ الآية. وهذا الجمع الذي جمع به ابن عباس بين هاتين الآيتين واضح لا إشكال فيه مفهوم من ظاهر القرآن العظيم إلا أنه يَرِد عليه إشكال من آية البقرة هذه وإيضاحه أن ابن عباس جمع بأن خلق الأرض قبل خلق السماء ودحوها بما فيها بعد خلق السماء وفي هذه الآية التصريح بأن جميع ما في الأرض مخلوق قبل خلق السماء لأنه قال فيها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية. وقد مكثت زمنا طويلا أفكر في حل هذا الإشكال حتى هداني الله إليه ذات يوم ففهمته من القرآن العظيم, وإيضاحه أن هذا الإشكال مرفوع من وجهين كل منهما تدل عليه آية من
стр. 571
القرآن:
الأول-إن المراد بخلق ما في الأرض جميعا قبل خلق السماء الخلق اللغوي الذي هو التقدير لا الخلق بالفعل الذي هو الإبراز من العدم إلى الوجود والعرب تسمي التقدير خلقا ومنه قول زهير:
ض القوم يخلق ثم لا يفرى
ولانت تفري ما خلقت وبعـ
والدليل على أن المراد بهذا الخلق التقدير أنه تعالى نصّ على ذلك في سورة فصلت حيث قال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ الآية.
الوجه الثاني: أنه لما خلق الأرض غير مدحوه وهي أصل لكل ما فيها كأنه خلق بالفعل لوجود أصله فعلا والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع وإن لم يكن موجودا بالفعل. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَة﴾ الآية. فقوله خلقناكم ثم صورناكم أي بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم هو أصلكم. وجمع بعض العلماء بأن معنى قوله والأرض بعد ذلك دحاها, أي مع ذلك فلفظة بعد بمعنى مع ونظيره قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ وعليه فلا إشكال في الآية, ويستأنس لهذا القول بالقراءة الشاذة وبها قرأ مجاهد: الأرض مع ذلك دحاها, وجمع بعضهم بأوجه ضعيفة لأنها مبنية على أن خلق السماء قبل الأرض وهو خلاف التحقيق منها: أن (ثم) بمعنى الواو. منها: أنها للترتيب الذكري كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ الآية. أفرد هنا تعالى لفظ ﴿السَّمَاءِ﴾ ورد عليه الضمير بصيغة الجمع في قوله ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ وللجمع بين ضمير الجمع ومفسره المفرد وجهان:
الأول: إن المراد بالسماء جنسها الصادق بسبع سموات وعليه فأل جنسية.
стр. 572
الثاني: أنه لا خلاف بين أهل اللسان العربي في وقوع إطلاق المفرد وإرادة الجمع مع تعريف المفرد وتنكيره وإضافته, وهو كثير في القرآن العظيم وفي كلام العرب. فمن أمثلته في القرآن واللفظ معرف قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي بالكتاب كلها بدليل قوله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِه﴾ , وقوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ يعني الأدبار, كما هو ظاهر, وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ يعني الغرفات بدليل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي الملائكة بدليل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ الآية, يعني الأطفال الذين لم يظهروا, وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ الآية يعني الأعداء.
стр. 573
ومن أمثلته واللفظ منكر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ يعني وأنهار بدليل قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية, وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ يعني أئمة, وقوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ يعني سامرين, وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ يعني أطفالا, وقوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي بينهم, وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ أي رفقاء, وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ , أي جنبين أو أجنابا وقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ أي ظاهرون لدلالة السياق فيها كلها على الجمع. واستدل سيبويه لهذا بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً﴾ أي أنفسا.
ومن أمثلته واللفظ مضاف قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيفِي﴾ الآية, يعني أضيافي, وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية أي أوامره وأنشد سيبويه لإطلاق المفرد وإرادة الجمع قول الشاعر, وهو علقمة بن عبدة التميمى:
فبيض وأما جلدها فصليب
بها جيف الحسرى فأما عظامها
يعني وأما جلودها فصليبة. وأنشد له أيضا قول الآخر:
فإن زمانكم زمن خميص
كلوا في بعض بطنكم تعفوا
يعنى في بعض بطونكم.
ومن شواهده قول عقيل بن علفة المرى:
وكنت لهم كشر بني الأخينا
وكان بنو فزاره شر عم
يعنى شر أعمام. وقول العباس بن مرداس السلمي:
وقد سلمت من الإحن الصدور
فقلنا أسلموا أنا أخوكم
يعني أنا إخوانكم. وقول الآخر:
إن العواذل ليس لي بأمير
يا عاذلاتي لا تردن ملامة
يعني لسن لي بأمراء.
وهذا في النعت بالمصدر مطرد كقول زهير:
هم بيننا هم رضى وهم عدل
متى يشتجر قوم يقل سرواتهم
стр. 574
ولأجل مراعاة هذا لم يجمع في القرآن السمع والطرف والضيف لأن أصلها مصادر كقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ وقوله: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيفِي﴾
قوله تعالى: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ يتوهم معارضته مع قوله: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ .
والجواب: أن قوله: ﴿اسْكُنْ﴾ أمر بالسكنى لا بالسكون الذي هو ضد الحركة فالأمر باتخاذ الجنة مسكنا لا ينافي التحرك فيها وأكلهما من حيث شاءا.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ الآية.
جاء في هذه الآية بصيغة خطاب الجمع في إفراد والجمع في شئ واحد: أن معنى ولا تكونوا أول كافر أي أول فريق كافر, فاللفظ مفرد والمعنى جمع فيجوز مراعاة كل منهما, وقد جمع اللغتين قول الشاعر:
وإذا هم جاعوا فشر جياع
فإذا هم طعموا فألأم طاعم
وقيل هو من إطلاق المفرد وإرادة الجمع كقول ابن علفة:
وكان بنو فزاره شر عم ... كما تقدم قريبا
стр. 575
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ الآية. هذه الآية تدل بظاهرها على أن الظن يكفي في أمور المعاد, وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ وكقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ . ووجه الجمع أن الظن بمعنى اليقين, والعرب تطلق الظن بمعنى اليقين ومعنى الشك. وإتيان الظن بمعنى اليقين كثير في القرآن وفي كلام العرب. أمثلته في القرآن هذه الآية وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَة﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ أي أيقنوا وقوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ أي أيقنت.
ونظيره من كلام العرب قول عميرة بن طارق:
واجعل مني الظن عيبا مرجما
بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم
أي اجعل مني اليقين غيبا.
وقول دريد بن الصمة:
سراتهم في الفارسي المسرد
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج
فقوله ظنوا أي أيقنوا.
стр. 576
قوله تعالى لبني إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ لا يعارض قوله تعالى في تفضيل هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية. لأن المراد بالعالمين عالموا زمانهم بدليل الآيات والأحاديث المصرحة بأن هذه الأمة أفضل منهم كحديث معاوية بن حيدة القشيرى في المساند والسنن, قال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله "ألا ترى أن الله جعل المقتصد منهم هو أعلاهم منزلة حيث قال: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ , وجعل في هذه الأمة درجة أعلى من درجة المقتصد وهي درجة السابق بالخيرات حيث قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُم﴾ الآية.
ظاهر هذه الآية الكريمة يدل على أن استحياء النساء من جملة العذاب الذي كان يسومهم فرعون. وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أن الإناث هبة من هبات الله لمن أعطاهن له وهي قوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ فبقاء بعض الأولاد على هذا خير من موتهم كلهم كما قال الهذلى:
خراش وبعض الشر أهون من بعض
حمدت إلهى بعد عروة إذ نجا
والجواب عن هذا أن الإناث وإن كن هبة من الله لمن أعطاهن له فبقاؤهن تحت يد العدو يفعل بهن ما يشاء من الفاحشة والعار ويستخدمهن في الأعمال الشاقة نوع من العذاب, وموتهن راحة من هذا العذاب وقد كان العرب يتمنون موت الإناث خوفا من مثل هذا. قال بعض شعراء العرب في ابنة له تسمى مودة:
مودة تهوى عمر شيخ يسره
لها الموت قبل الليل لوانها تدرى
يخاف عليها جفوة الناس بعده
стр. 577
ولا ختن يرجى أود من القبر
وقال الآخر:
والموت أكرم نزال على الحرم
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا
وقال عقيل بن علفة المري لما خطبت عنه ابنته الجرباء:
إني وان سيق الى المهر
عبد والفان وذود عشر
أحب اصهاري إلى القبر
وقال بعض الأدباء:
سروران مالهما ثالث
حياة البنين وموت البنات
وفي القرآن إشارة إلى أن الإنسان يسوءه إهانة ذريته الضعاف بعد موته في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ , هذه الآية الكريمة تدل على أن الله أكرم بني إسرائيل بنوعين من أنواع الطعام وهما المن والسلوى, وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أنهم لم يكن عندهم الإطعام واحد, وهى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ , وللجمع بينهما أوجه:
الأول-إن المن وهو الترنجبين على قول الأكثرين من جنس الشراب والطعام الواحد هو السلوى, وهو على قول الأكثر ين السماني أو طائر يشبهه.
الوجه الثاني-إن المجعول على المائدة الواحدة تسميه العرب طعاما واحد وإن اختلفت أنواعه. ومنه قولهم: أكلنا طعام فلان, وإن كان أنواعا مختلفة. والذي يظهر أن هذا الوجه أصح من الأول لأن تفسير المن بخصوص الترنجبين يرده الحديث المتفق عليه: "الكمأة من المن.." الحديث.
الثالث-أنهم سموه طعاما واحدا لأنه لا يتغير ولا يتبدل كل يوم, فهو مأكل واحد وهو ظاهر.
قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ .
стр. 578
هذه الآية تدل على أنهم قتلوا بعض الرسل, ونظيرها قوله تعالى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ الآية.
وقوله: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ . وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن الرسل غالبون منصورون كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ , وكقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ , وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وبيّن تعالى أن هذا النصر في دار الدنيا أيضا كما في هذه الآية الأخيرة وكما في قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية.
والذي يظهر في الجواب عن هذا أن الرسل قسمان: قسم أمروا بالقتال في سبيل الله, وقسم أمروا بالصبر والكف عن الناس, فالذين أمروا بالقتال وعدهم الله بالنصر والغلبة في الآيات المذكورة, والذين أمروا بالكف والصبر هم الذين قتلوا ليزيد الله رفع درجاتهم العلية بقتلهم مظلومين, وهذا الجمع مفهوم من الآيات لأن النصر والغلبة فيه الدلالة بالالتزام على جهاد ومقاتلة, ولايرد على هذا الجمع قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ الآية. أما على قراءة ﴿قُتِلَ﴾ بالبناء للمفعول فنائب الفاعل قوله: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ لا ضمير نبي وتطرق الاحتمال يرد الاستدلال, وأما على القول بأن غلبة الرسل ونصرهم بالحجة والبرهان فلا إشكال في الآية والله أعلم.
стр. 579
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية. الاستفهام في هذه الآية إنكاري أظلم ممن منع مساجد الله. وقد جاءت آيات أخر يفهم منها خلاف هذا كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ الآية. وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ..﴾ الآية, إلى غير ذلك من الآيات.
وللجمع بين هذه الآيات أوجه: منها-تخصيص كل موضع بمعنى صلته: أي مساجد الله-ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبا, وإذا تخصصت بصلاتها زال الإشكال.
ومنها-أن التخصيص بالنسبة إلى السبق, أي لما لم يسبقهم أحد إلى مثله حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سالكا طرقهم وهذا يؤول معناه إلى ما قبله, لأن المراد السبق إلى المانعية والافترائية مثلا.
ومنها-وادعى أبوحيان أنه الصواب, هو ماحاصله أن نفي التفضيل لا يستلزم نفي المساواة, فلم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر لأنهم يتساوون في الأظلمية فيصير المعنى: لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله ومن افترى على الله كذبا ومن كذب بآيات لله, ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية ولا يدل على أن أحدهم أظلم من الآخر كما إذا قلت لا أحد أفقه من فلان وفلان مثلا. ذكر هذين الوجهين صاحب الاتقان.
стр. 580
وما ذكره بعض المتأخرين من أن الاستفهام في قوله: ومن أظلم المقصود منه التهويل والتفظيع من غير قصد إثبات الأظلمية للمذكور حقيقة ولا نفيها عن غيره كما ذكره عنه صاحب الاتقان يظهر ضعفه لأنه خلاف ظاهر القرآن. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ الآية. أفرد في هذه الآية المشرق والمغرب وثناهما في سورة الرحمن في قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ وجمعهما في سورة سأل سائل في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب﴾ , وجمع المشارق في سورة الصافات في قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ .
والجواب أن قوله هنا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ المراد به جنس المشرق والمغرب فهو صادق بكل مشرق من مشارق الشمس التي هي ثلاثمائة وستون, وكل مغرب من مغاربها التي هي كذلك كما روي عن ابن عباس وغيره.
قال ابن جرير في تفسير هذه الآية ما نصه:
"وإنما معنى ذلك ولله المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم فتأويله إذا كان ذلك معناه: ولله ما بين قطري المشرق وقطري المغرب إذا كان شروق الشمس كل يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحول الذي تعده وكذلك غروبها", انتهى منه بلفظه. وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ يعني كشرق الشتاء ومشرق الصيف ومغربهما كما عليه الجمهور.
وقيل: مشرق الشمس والقمر ومغربهما, وقوله: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب﴾ أي مشارق الشمس ومغاربها كما تقدم. وقيل مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ عبر في هذه الآية بـ ﴿ما﴾ الموصولة الدالة على غير العقلاء, ثم عبر في قوله: ﴿قَانِتُونَ﴾ بصيغة الجمع المذكر الخاص بالعقلاء.
стр. 581
ووجه الجمع: أن ما في السماوات والأرض من الخلق منه العاقل وغير العاقل, فغلب في الاسم الموصول غير العاقل, وغلب في صيغة الجمع العاقل, والنكتة في ذلك أنه قال: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وجميع الخلائق بالنسبة لملك الله إياهم سواء عاقلهم وغيره, فالعاقل في ضعفه وعجزه بالنسبة إلى ملك الله كغير العاقل. ولما ذكر القنوت وهو الطاعة وكان أظهر في العقلاء من غيرهم عبر بما يدل على العقلاء تغليبا لهم.
قوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . هذه الآية تدل بظاهرها على أن البيان خاص بالموقنين.
وقد جاءت آيات أخر تدل على أن البيان عام لجميع الناس كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وكقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ . ووجه الجمع أن البيان عام لجميع الخلق, إلا أنه لما كان الانتفاع به خاصا بالمتقين خص في هذه الآية بهم لأن ما لانفع فيه كالعدم.
ونظيرها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْر﴾ الآية, مع أنه منذر للأسود والأحمر, وإنما خص الإنذار بمن يخشى ومن يتبع الذكر لأنه المنتفع به.
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه﴾ الآية. قوله تعالى في هذه الآية إلا لنعلم يوهم أنه لم يكن عالما بمن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه مع أنه تعالى عالم بكل شئ قبل وقوعه, فهو يعلم ما سيعمله الخلق كما دلت عليه آيات كثيرة كقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ , وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ .
стр. 582
والجواب عن هذا أن معنى قوله تعالى إلا لنعلم علما يترتب عليه الثواب والعقاب فلا ينافي كونه عالما به قبل وقوعه, وقد أشار تعالى إلى أنه لا يستفيد بالاختبار علما جديدا لأنه عالم بما سيكون حيث قال تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .
فقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تعد قوله: ﴿َلِيَبْتَلِيَ﴾ دليل على أنه لا يفيده الاختبار علما لم يكن يعلمه عن ذلك بل هو تعالى عالم بكل ما سيعمله خلقة وعالم بكل شيء قبل وقوعه كما لا خلاف فيه بين المسلمين, لا يعزب عنه مثقال ذرة الآية.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ الآية هذه الآية تدل بظاهرها على أن الشهداء أحياء غير أموات, وقد قال في آية أخرى لمن هو أفضل من كل الشهداء ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ .
стр. 583
والجواب عن هذا أن الشهداء يموتون الموتة الدنيوية فتورث أموالهم وتنكح نساءهم بإجماع المسلمين, وهذه الموتة التي أخبر الله نبيه أنه يموتها ﷺ وقد ثبت في الصحيح عن صاحبه الصديق ﵁ أنه قال لما توفي ﷺ : "بأبي أنت وأمي والله لا يجمع الله عليك موتتين, أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها"وقال: "من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات". واستدل على ذلك بالقرآن ورجع إليه جميع أصحاب النبي ﷺ التي ثبت في الحديث أنه يرد بها السلام على من سلم عليه فكلتاهما حياة برزخية ليست معقولة لأهل الدنيا, أما في الشهداء فقد نص تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ , وقد فسرها النبي ﷺ بأنهم: "تجعل أرواحهم في حواصل طيور خضر ترتع في الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فهم يتنعمون بذلك", وأما ما ثبت عنه ﷺ من أنه لا يسلم عليه أحد إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇ وأن الله وَكَّل ملائكته يبلغونه سلام أمته فإن تلك الحياة أيضا لا يعقل حقيقتها أهل الدنيا لأنها ثابتة له ﷺ مع أن روحه الكريمة في أعلى عليين مع الرفيق الأعلى فوق أرواح الشهداء فتعلق هذه الروح الطاهرة التي هي في أعلى عليين بهذا البدن الشريف الذي لا تأكله الأرض يعلم الله حقيقته ولا يعلمها الخلق كما قال في جنس ذلك ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ولو كانت كالحياة التي يعرفها آهل الدنيا لما قال الصديق ﵁ أنه ﷺ مات ولما جاز دفنه ولا نصب خليفة غيره ولا قتل عثمان ولا اختلف أصحابه ولا جرى على عائشة ما جرى ولسألوه عن الأحكام التي اختلفوا فيها بعده كالعول وميراث الجد والاخوة ونحو ذلك.
стр. 584
وإذا صرح القرآن بأن الشهداء أحياء في قوله تعالى بل أحياء, وصرح بأن هذه الحياة لا يعرف حقيقتها أهل الدنيا بقوله: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ , وكان النبي ﷺ أثبت حياته في القبر بحيث يسمع السلام ويرده وأصحابه الذين دفنوه ﷺ لا تشعر حواسهم بتلك الحياة عرفنا أنها حياة لا يعقلها أهل الدنيا أيضا, ومما يقرب هذا للذهن حياة النائم فإنه يخالف الحي في جميع التصرفات مع أنه يدرك الرؤيا ويعقل المعاني والله تعالى أعلم.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الروح ما نصه: "ومعلوم بالضرورة أن جسده ﷺ في الأرض طرى مطرا وقد سأله الصحابة: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" ولو لم يكن جسده في ضريحه لما أجاب بهذا الجواب, وقد صح عنه "إن الله وكل بقبره ملائكة يبلغونه عن أمته السلام", وصح عنه أنه خرج بين أبي بكر وعمر وقال: "هكذا نبعث" هذا مع القطع بأن روحه الكريمة في الرفيق الأعلى في أعلى عليين مع أرواح الأنبياء, وقد صح عنه أنه رأى موسى يصلي في قبره ليلة الإسراء ورآه في السماء السادسة أو السابعة, فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر وإشراف عليه وتعلق به بحيث يصلي في قبره ويرد سلام من يسلم عليه وهي في الرفيق الأعلى ولا تنافي بين الأمرين, فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان". انتهى محل الغرض من كلام ابن القيم بلفظه, وهو يدل على أن الحياة المذكورة غير معلومة الحقيقة لأهل الدنيا. قال تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ والعلم عند الله.
стр. 585
قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ . هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن الكفار لا عقول لهم أصلا لأن قوله شيئا نكرة في سياق النفي فهي تدل على العموم وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الكفار لهم عقول يعقلون بها في الدنيا كقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ . والجواب أنهم يعقلون أمور الدنيا دون أمور الآخرة كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ الآية. هذه الآية تدل بظاهرها على جميع أنواع الدم حرام, ومثلها قوله تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ الآية, وقوله في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية. وقد ذكر في آية أخرى ما يدل على أن الدم لا يحرم إلا إذا كان مسفوحا وهي قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ الآية.
стр. 586
والجواب أن هذه المسألة من مسائل تعارض المطلق والمقيد والجاري على أصول مالك والشافعي وأحمد حمل المطلق على المقيد لا سيما مع اتحاد الحكم والسبب, كما هنا وسواء عندهم تأخر المطلق عن المقيد في سورة الأنعام وهى نزلت قبل النحل مع أنهما مكيتان آيات معروفة, والدليل على أن الأنعام قبل النحل قوله تعالى في النحل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية, والمراد به ما قص عليه في الأنعام بقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية وأما كون الأنعام نزلت قبل البقرة والمائدة فواضح لأن الأنعام مكية بالإجماع والمائدة من آخر ما نزل من القرآن ولم ينسخ منها شيء لتأخرها, وعلى هذا فالدم إذا كان غير مسفوح كالحمرة التي تظهر في القدر من أثر تقطيع اللحم فهو ليس بحرام لحمل المطلق على المقيد وعلى هذا كثير من العلماء, وما ذكرنا من عدم النسخ في المائدة قال به جماعة وهو على القول بأن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ الآية.
وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ غير منسوخين صحيح وعلى القول بنسخهما لا يصح على الإطلاق, والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية.
стр. 587
هذه الآية تدل بظاهرها على أن الله لا يكلم الكفار يوم القيامة لأن قوله تعالى ولا يكلمهم فعل في سياق النفي, وقد تقرر في علم الأصول أن الفعل في سياق النفي من صيغ العموم وسواء كان الفعل متعديا أو لازما على التحقيق خلافا للغزالي القائل بعمومه في المتعدي دون اللازم خلاف الإمام أبي حنيفة ﵀ في ذلك في حال لا في حقيقة لأنه يقول إن الفعل في سياق النفي ليس صيغة للعوم ولكنه يدل عليه بالالتزام أي لأنه يدل على نفي الحقيقة ونفيها يلزمه نفي جميع أفراده وإيضاح عموم الفعل في سياق النفي أن الفعل ينحل عن مصدر وزمن عند النحويين وعن مصدر وزمن ونسبة عند بعض البلاغيين, فالمصدر داخل في معناه إجماعا فالنفي الداخل على الفعل ينفي المصدر الكامن في الفعل فيؤول إلى معنى النكرة في سياق النفي ومن العجيب أن أبا حنيفة ﵀ يوافق الجمهور على أن الفعل في سياق النفي أن أكد بمصدر نحو لا شربت تربا مثلا أفاد العموم مع أنه لا يوافق على إفادة النكرة في سياق النفي للعموم. وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الله يكلم الكفار يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ الآية.
والجواب عن هذا بأمرين:
الأول-وهو الحق: أن الكلام الذي نفى الله أنه يكلمهم به هو الكلام الذي فيه خير, وأما التوبيخ والتقريع والإهانة فكلام الله لهم به من جنس عذابه لهم ولم يقصد بالنفي في قوله: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ﴾ .
الثاني: أنه لا يكلمهم أصلا وإنما تكلمهم الملائكة بإذنه وأمره.
стр. 588
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ هذه الآية تدل بظاهرها على أن القصاص أمر حتم لابد منه بدليل قوله تعالى كتب عليكم لأن معناه فرض وحتم عليكم مع أنه تعالى ذكر أيضا أن القصاص ليس بمتعين لأن ولي الدم بالخيار في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ الآية. والجواب ظاهر وهو أن فرض القصاص إلزامه فيما إذا لم يعف أولياء الدم أو بعضهم, كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ . الآية.
стр. 589
هذه الآية تعارض آيات المواريث بضميمة بيان النبي ﷺ لأن المقصود منها إبطال الوصية للوارثين منهم وذلك قوله ﷺ : "إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" والجواب ظاهر وهو أن آية الوصية هذه منسوخة بآيات المواريث والحديث المذكور بيان للناسخ وذهب بعض العلماء إلى أنها محكمة لا منسوخة وانتصر لهذا القول ابن حزم غاية الانتصار وعلى القول بأنها محكمة فهي من العام المخصوص فالوالدان والأقربون الذين يرثون والحديث وأما الوالدان اللذان لا ميراث لهما كالرقيقين, والأقارب الذين لا يرثون فتجب لهم الوصية على هذا القول ولكن مذهب الجمهور خلافة وحكى العبادي في الآيات البينات الإجماع على أنها منسوخة مع أن جماعة من العلماء قالوا بعدم النسخ قال مقيده عفا الله عنه: التحقيق أن النسخ واقع فيها يقينا في البعض لأن الوصية للوالدين الوارثين والأقارب الوارثين رفع حكمها بعد تقرره إجماعا وذلك نسخ في البعض لا تخصيص قصر العام على بعض أفراده لدليل, أما رفع حكم معين بعد تقرره فهو نسخ لا تخصيص كما هو ظاهر, وقد تقرر في علم الأصول إن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:
نسخ والغير مخصصا جلى
وإن أتى ما خص بعد العمل
والله تعالى أعلم..
стр. 590
عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر
للشيخ عبد المحسن العباد المدرس في الجامعة
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، نحمد الله على نعمه ونسأله المزيد من فضله وكرمه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعملنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وقال مخاطبا له: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه، بعثه الله إلى الناس كافة بين يدي الساعة بشير ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، أتم الله به الدين خبرا وأمرا، فأحكامه عدل وأخباره صدق، لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. .
أخبر أمته عن الأمم الماضية بأخبار لا بد في الإيمان من التصديق بها وإنها وقعت وفق خبره ﷺ وبذلك كانوا شهداء على الناس كما أخبر عن أمور مستقبلة لا بد من التصديق بها واعتقاد أنها ستقع على وفق ما جاء عنه ﷺ ، وما من شيء يقرب إلى الله إلا وقد دل الأمة عليه ورغبها فيه، وما من شر إلا حذرها منه، فصلوات الله وسلامه الأتمان الأكملان عليه وعلى آله وأصحابه الذين شرفهم الله بصحبته وإكرام أبصارهم في هذه الحياة الدنيا بالنظر إلى طلعته وأتم عليهم النعمة بأن جعلهم حملة سنته وعلى من حذا حذوهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين.
стр. 591
أما بعد: فلما كان من بين الأمور المستقبلة التي تجرى في آخر الزمان عند نزول عيسى بن مريم ﵊ من السماء خروج رجل من أهل بيت النبوة من ولد الحسن بي علي بن أبي طالب ﵁ يوافق اسمه اسم الرسول ﷺ واسم أبيه اسم أبيه ويقال له المهدي يتولى أمرة المسلمين ويصلي عيسى بن مريم ﷺ خلفه وذلك لدلالة الأحاديث الكثيرة المستفيضة عن رسول الله ﷺ التي تلقتها الأمة بالقبول واعتقدت موجبها إلا من شذ رأيت أن يكون الكلام حول هذا الأمر موضوع محاضرتي وذلك لأمرين:
الأول:- أن الأحاديث الواردة في المهدي لم ترد في الصحيحين على وجه التفصيل بل جاءت مجملة، وقد وردت في غيرهما مفسرة لما فيهما فقد يظن ظان أن ذلك يقلل من شأنها وذلك خطأ واضح فالصحيح بل والحسن في غير الصحيحين مقبول معتمد عند أهل الحديث.
стр. 592
الثاني:- أن بعض الكتاب في هذا العصر أقدم على الطعن في الأحاديث الواردة في المهدي بغير علم بل بجهل أو بالتقليد لأحد لم يكن من أهل العناية بالحديث وقد اطلعت على تعليق لعبد الرحمن محمد عثمان على كتاب تحفة الأحوذي الذي طبع أخيرا في مصر قال في الجزء السادس في باب ما جاء في الخلفاء، قال في تعليقه: "يرى الكثيرون من العلماء أن كل ما ورد من أحاديث عن المهدي إنما هي موضع شك وأنها لا تصح عن رسول الله ﷺ بل إنها من وضع الشيعة"، انتهى. وقال معلقا بشأن المهدي في باب ما جاء في تقارب الزمن وقصر الأمل في الجزء المذكور: "ويرى الكثيرون من العلماء الثقاة الأثبات أن ما ورد من أحاديث خاصة بالمهدي ليست إلا من وضع الباطنية والشيعة وأضرابهم وأنها لا تصح نسبتها إلى الرسول ﷺ "، انتهى بل لقد تجرأ بعضهم إلى ما هو أكثر من ذلك فنجد محي الدين عبد الحميد يقول في تعليقه على الحاوي للفتاوى للسيوطي، يقول في آخر جزء في العرف الوردي في أخبار المهدي ص ١٦٦من الجزء الثاني: "يرى بعض الباحثين أن كل ما ورد عن المهدي وعن الدجال من الإسرائيليات"، انتهى. وأخطر من ذلك وأطم تعليق أبو عيبة رئيس بعثة الأزهر في لبنان في العام الماضي على كتاب النهاية لابن كثير بما معناه أن ما جاء من الأحاديث في شأن المهدي ونزول عيسى بن مريم والدجال إنما هو رمز لانتصار الحق على الباطل.
لهذين الأمرين ولكون الواجب على كل مسلم ناصح لنفسه أن لا يتردد في تصديق الرسول ﷺ فيما يخبر به رأيت أن يكون الكلام حول هذا الأمر موضوع محاضرتي كما قلت وقد جعلت عنوانها عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر. .
ولكي تكون أيها المستمع على علم مقدما بعناصر المحاضرة أسوقها لك فيما يلي:
الأول:- ذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن رسول الله ﷺ .
стр. 593
الثاني:- ذكر أسماء الأئمة الذين خرجوا الأحاديث والآثار الواردة في المهدي في كتبهم.
الثالث:- ذكر الذين أفردوا مسألة المهدي بالتأليف من العلماء.
الرابع:- ذكر الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي وحكاية كلامهم في ذلك.
الخامس:- ذكر بعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث التي لها تعلق بشأن المهدي.
السادس:- ذكر بعض الأحاديث في شأن المهدي الواردة في غير الصحيحين مع الكلام عن أسانيد بعضها.
السابع:- ذكر بعض العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي واعتقدوا موجبها وحكاية كلامهم في ذلك.
الثامن:- ذكر من وقفت عليه ممن حكى عنه إنكار أحاديث المهدي أو التردد فيها مع مناقشة كلامه باختصار.
التاسع:- ذكر بعض ما يظن تعارضه مع الأحاديث الواردة في المهدي والجواب عن ذلك.
العاشر:- كلمة ختامية.
اسماء الصحابة الذين رووا عن رسول الله ﷺ أحاديث المهدي:
جملة ما وقفت عليه من أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن رسول ﷺ ستة وعشرون هم:-
١- عثمان بن عفان ﵁.
٢- علي بن أبي طالب ﵁.
٣- طلحة بن عبيد الله ﵁.
٤- عبد الرحمن بن عوف ﵁.
٥- الحسين بن علي ﵁.
٦- أم سلمة ﵂.
٧- أم حبيبة ﵂.
٨- عبد الله بن عباس ﵁.
٩- عبد الله بن مسعود ﵁.
١٠- عبد الله بن عمر ﵁.
١١- عبد الله بن عمرو ﵁.
١٢- أبو سعيد الخدري ﵁.
١٣- جابر بن عبد الله ﵁.
١٤- أبو هريرة ﵁.
١٥- أنس بن مالك ﵁.
١٦- عمار بن ياسر ﵁.
١٧- عوف بن مالك ﵁.
١٨- ثوبان مولى رسول الله ﵁.
١٩- قرة بن إياس ﵁.
стр. 594
٢٠- علي الهلالي ﵁.
٢١- حذيفة بن اليمان ﵁.
٢٢- عبد الله بن الحارث بن جزء ﵁.
٢٣- عوف بن مالك ﵁.
٢٤- عمران بن حصين ﵁.
٢٥- أبو الطفيل ﵁.
٢٦- جابر الصدفي ﵁.
اسماء الأئمة الذين خرجوا الأحاديث والآثار الواردة في المهدي في كتبهم:
وأحاديث المهدي خرجها جماعة كثيرون من الأئمة في الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد وغيرها قد بلغ عدد الذين وقفت على كتبهم أو اطلعت على ذكر تخريجهم لها ثمانية وثلاثين هم:
١- أبو داود في سننه.
٢- الترمذي في جامعه.
٣- ابن ماجه في سننه.
٤- النسائي ذكره السفاريني في لوامع الأنوار البهية والمناوي في فيض القدير وما رأيته في الصغرى ولعله في الكبرى.
٥- أحمد في مسنده.
٦- ابن حبان في صحيحه.
٧- الحاكم في المستدرك.
٨- أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف.
٩- نعيم بن حماد في كتاب الفتن.
١٠- الحافظ أبو نعيم في كتاب المهدي وفي الحلية.
١١- الطبراني في الكبير والأوسط والصغير.
١٢- الدارقطني في الأفراد.
١٣- البارودي في معرفة الصحابة.
١٤- أبو يعلى الموصلي في مسنده.
١٥- البزار في مسنده.
١٦-الحارث بن أبي أسامة في مسنده.
١٧- الخطيب في تلخيص المتشابه وفي المتفق والمفترق.
١٨- ابن عساكر في تاريخه.
١٩- ابن منده في تاريخ أصبهان.
٢٠- أبو الحسن الحربي في الأول من الحربيات.
٢١- تمام الرازي في فوائده.
٢٢- ابن جرير في تهذيب الآثار.
٢٣- أبو بكر بن المقري في معجمه.
٢٤- أبو عمرو الداني في سننه.
٢٥- أبو غنم الكوفي في كتاب الفتن.
٢٦- الديلمي في مسند الفردوس.
٢٧- أبو بكر الإسكاف في فوائد الأخبار.
٢٨-أبو الحسين بن المناوي في كتاب الملاحم.
стр. 595
٢٩- البيهقي في دلائل النبوة.
٣٠- أبو عمرو المقري في سننه.
٣١- ابن الجوزي في تاريخه.
٣٢- يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده.
٣٣-الروياني في مسنده.
٣٤- ابن سعد في الطبقات.
٣٥- ابن خزيمة.
٣٦- الحسن بن سفيان.
٣٧- عمر بن شبه.
٣٨- أبو عوانة.
وهؤلاء الأربعة ذكر السيوطي في العرف الوردي كونهم ممن خرج أحاديث المهدي دون عزو التخريج إلى كتاب معين.
ذكر لبعض الذين ألفوا كتبا في شأن المهدي:
وكما اعتنى علماء هذه الأمة بجميع الأحاديث الواردة عن نبيهم ﷺ تأليفا وشرحا كان للأحاديث المتعلقة بأمر المهدي قسطها الكبير من هذه العناية فمنهم من أدرجها ضمن المؤلفات العامة كما في السنن والمسانيد وغيرها ومنهم من أفردها بالتأليف. . كل ذلك حصل منهم-﵏ وجزاهم خيرا- حماية لهذا الدين وقياما بما يجب من النصح للمسلمين فمن الذين أفردوها بالتأليف:
١- أبو بكر ابن خيثمة زهير بن حرب قال ابن خلدون في مقدمة تاريخه ولقد توغل أبو بكر ابن أبي خيثمة على ما نقل السهيلي عنه في جمعة للأحاديث الواردة في المهدي:
٢- ومنهم الحافظ أبو نعيم ذكره السيوطي في الجامع الصغير وذكره في العرف الوردي بل قد لخص السيوطي الأحاديث التي جمعها أبو نعيم في المهدي وجعلها ضمن كتابه العرف الوردي وزاد عليها فيه أحاديث وآثارا كثيره جدا.
٣- ومن الذين أفردوا أحاديث المهدي بالتأليف السيوطي فقد جمع فيه جزاء سماه العرف الوردي في أخبار المهدي وهو مطبوع ضمن كتابه الحاوى للفتاوى في الجزء الثاني منه قال في أوله "الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى هذا جزء جمعت فيه الأحاديث والآثار الواردة في المهدي لخصت فيه الأربعين التي جمعها الحافظ أبو نعيم وزدت عليه ما فاته ورمزت عليه صورة"ك".
стр. 596
والأحاديث والآثار التي أوردها السيوطي في شأن المهدي تزيد على المائتين تلك الأحاديث والآثار فيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع وإذا أورد الحديث الواحد أضافه إلى كل من الذين خرجوه فيقول مثلا في الحديث الواحد أخرج أبو داوود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أم سلمة سمعت رسول الله سلى الله عليه وسلم يقول: "المهدي من عترتي من ولد فاطمة".
٤- ومنهم الحافظ عماد الدين ابن كثير قال ﵀ في كتابه الفتن والملاحم "وقد أفردت في ذكر المهدي جزءا على حدة ولله الحمد والمنة".
٥- ومنهم الفقيه بن حجر المكي وقد سمى مؤلفه "القول المختصر في علامات المهدي المنتظر"ذكر ذلك البرزنجي في الإشاعة ونقل منه وكذلك السفاريني في لوامع الأنوار البهية وغيرهما.
٦- ومنهم علي المتقي الهندي صاحب كنز العمال فقد ألف في شأن المهدي رسالة ذكرها البرزنجي في الإشاعة وذكر ذلك قبله أيضا ملا علي قاري الحنفي في المرقاة شرح المشكاة، وذكره شارح راموز الحديث.
٧- ومن الذين ألفوا في شأن المهدي ملا علي قاري وسمى مؤلفه "المشرب الوردي في مذهب المهدي"ذكره في الإشاعة ونقل جملة كبيرة منه.
٨- ومنهم مرعي بن يوسف الحنبلي المتوفى سنة ثلاث وثلاثين بعد الألف، وسمى مؤلفه "فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر"ذكره السفاريني في لوامع الأنوار البهية وذكره صديق حسن في الإذاعة وغيرها.
٩- ومن الذين ألفوا في شأن المهدي بالإضافة إلى مسألتي نزول عيسى ﵊ وخروج المسيح الدجال القاضي محمد بن علي الشوكاني وسمى مؤلفه "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح"ذكر ذلك صديق حسن في الإذاعة ونقل جملة منه والشوكاني ممن ألف بشأنه، وحكى تواتر الأحاديث الواردة فيه.
١٠- ومنهم الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني صاحب سبل السلام المتوفى سنة ١١٨٢هـ قال صديق حسن في الإذاعة:
стр. 597
وقد جمع السيد العلامة بدر الملة المنير محمد بن اسماعيل الأمير اليماني الأحاديث القاضية بخروج المهدي وأنه من آل محمد ﷺ وأنه يظهر في آخر الزمان ثم قال: "ولم يأت تعيين زمنه إلا أنه يخرج قبل خروج الدجال"انتهى.
ذكر بعض الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي ونقل كلامهم في ذلك
١- من الذين حكوا على أحاديث المهدي بأنها متواترة الحافظ أبو الحسن محمد ابن الحسين الآبري السجزي صاحب كتاب مناقب الشافعي المتوفى سنة ثلاث وستين وثلاثمائة من الهجرة قال ﵀ في محمد بن خالد الجندي راوي حديث "لا مهدي إلا عيسى ابن مريم"محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلا وأن عيسى ﵇ يخرج فيساعده على قتل الدجال وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه"نقل ذلك عنه ابن القيم في كتابه المنار المنيف وسكت عليه ونقل عنه أيضا الحافظ بن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة محمد بن خالد الجندي وسكت عليه ونقل عنه ذلك وسكت عليه أيضا في فتح الباري في باب نزول عيسى بن مريم ﵊ ونقل ذلك عنه أيضا السيوطي في آخر جزء العرف الوردي في أخبار المهدي وسكت عليه ونقل ذلك عنه مرعي بن يوسف في كتابه "فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر"كما ذكر ذلك صديق حسن في كتابه "الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة"٠
стр. 598
٢- ومنهم محمد البر زنجي المتوفى سنة ثلاث بعد المائة والألف في كتابه الإشاعة لأشراط الساعة قال: "الباب الثلث في الأشراط العظام والأمارات القريبة التي تعقبها الساعة وهي أيضا كثيرة فمنها المهدي وهو أولها واعلم أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر-إلى أن قال: ثم الذي في الروايات الكثيرة الصحيحة الشهيرة أنه من ولد فاطمة-إلى أن قال: تنبيه قد علمت أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان وأنه من عترة رسول الله ﷺ من ولد فاطمة بلغت حد التواتر المعنوي فلا معنى لإنكارها وقال في ختام كتابه المذكور- بعد الإشارة إلى بعض أمور تجري في آخر الزمان-:وغاية ماثبت بالأخبار الصحيحة الكثيرة الشهيرة التي بلغت التواتر المعنوي وجود الآيات العظام التي منها بل أولها خروج المهدي وأنه يأتي في آخر الزمان من ولد فاطمة يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما".
٣- ومن الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي الشيخ محمد السفاريني المتوفى سنة ثمان وثمانين بعد المائة والألف، في كتابه "لوامع الأنوار البهية"قال: "وقد كثرت بخروجه-يعني المهدي-الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم -ثم ذكر بعض الآثار والأحاديث في خروج المهدي وأسماء بعض الصحابة الذين رووها- ثم قال: وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم ﵃ بروايات متعددة وعن التابعين من بعدهم ما يفيد مجموعه العلم القطعي فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة".
стр. 599
٤- ومنهم القاضي محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة خمسين بعد المائتين والألف وهو صاحب التفسير المشهور ومؤلف نيل الأوطار قال في كتابه "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح""والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثا فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر وهي متواترة بلا شك ولا شبهة بل يصدق وصف المتواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة جدا لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك"، انتهى. وقال في مسألة نزول المسيح ﷺ : "فتقرر أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة والأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵊ متواترة"٠
٥- ومنهم الشيخ صديق حسن القنوجي المتوفى سنة سبع بعد الثلاثمائة والألف قال في كتابه الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة "والأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جدا تبلغ حد التواتر المعنوي وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد-إلى إن قال-لاشك أن المهدي يخرج آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام لما تواتر من الأخبار في الباب واتفق عليه جمهور الأمة خلفا عن سلف إلا من لا يعتد بخلافه-إلى أن قال-فلا معنى للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود المنتظر المدلول عليه بالأدلة بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حد التواتر".
стр. 600
٦- وممن حكى تواتر أحاديث المهدي من المتأخرين الشيخ محمد بن جعفر الكتاني المتوفى سنة خمس وأربعين بعد الثلاثمائة والألف قال في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر""وقد ذكروا أن نزول سيدنا عيسى بن مريم ﵊ ثابت بالكتاب والسنة والإجماع ثم قال: والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة وكذا الواردة في الدجال وفي نزول سيدنا عيسى بن مريم ﵊".
٧- ذكر بعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث مما له تعلق بشأن المهدي.
١- روى البخاري في صحيحه في باب نزول عيسى بن مريم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "كيف أنتم إذا نزل عيسى بن مريم فيكم وإمامكم منكم".
٢- وروى مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه عن أبي هريرة ﵁ بمثل حديثه عن البخاري، ورواه أيضا عن أبي هريرة بلفظ: "كيف أنتم إذا نزل بن مريم فيكم فأمكم" ورواه أيضا عن أبي هريرة بلفظ: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم فأمكم منكم"وفيه تفسير ابن أبي ذئب راوي الحديث لقوله "وأمكم منكم" بقوله فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ .
٣- وروى مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الامة".
فهذه الأحاديث التي وردت في الصحيحين تدل على أمرين:
следующие страницы →