Полный текст (23 804 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
سعيد: -يتقدم من أقصى القاعة- وأنا أيضا أحسن صناعة الموت، فاقبلني في رحلتك أيها البطل..
الملك: حتى أنت يا سعيد.. تتركني في اللحظة الأخيرة!.
موسى: إنها انتفاضة الإيمان تسمو بالنفوس الكريمة إلى ذروة التضحية.
سعيد: لم يبق في الحياة ما يستحق البقاء..
(يدخل الحاجب)
الحاجب: إن فارسا قادما من السور يلتمس مقابلة القائد موسى.
موسى: من الفارس؟.
الحاجب: لم يذكر اسمه، وهو غارق في الحديد لم أر غير عينيه.
موسى: (يلمح الفارس خارج القاعة) أقبل أيها الفارس.
الفارس: سيدي القائد. إن العدو المتكاثر يكاد يغلب جنودك على الباب الجنوبي.
موسى: إننا قادمون. وسنفتح هذا الباب.
الفارس: ماذا؟.. أتفتحون الباب للعدو؟!
موسى: أجل سنفتحه لنسده بأجسامنا.
القائدان وسعيد: أجل لنسده بأجسامنا.
الفارس: الله أكبر.-يتقدم من موسى، وقد لان صوته وظهرت في نبراته رقة الأنوثة- ألا يسرّك يا سيدي القائد أن نتجرع معا كأس الشهادة؟! موسى: -مندهشا يتلمس الفارس في حنان- فاطمة!..هذا أنت؟ تعالي.. تعالي.. أشد ما يسعدني أن نلتقي في ساعتنا الأخيرة!. أجل ليكونن ما تريدين، وسيحتفل بزواجنا ملائكة السماء بعد أن عقدنا رباط الزوجية في جنان غرناطة الحبيبة.
الجميع: الله أكبر!..
الملك: هنيئا لكم هذا المصير الكريم. إن مثلكم لا يصلح لغير الحياة الكريمة، أو الموت الكريم.. أما أنا.. ويلاه!..يشرق بدموعه، ويهوي على مقعده.
موسى: -في لهجة تختلط فيها الشفقة بالاحتقار- حق لمثلك أن يبكي أيها الملك التعس..ولكن!..
ابن رضوان: (هامسا) ولكن.. هيهات للدمع أن يغسل الآثام..
موسى: هلموا يا رفاقي نلق على العدو درسنا الأخير. أما الشيوخ ...
فاطمة: فليفتشوا عن الترياق في أنياب الأفعى ...
موسى: وإن لم يظفر أحدنا بقبر يضم أشلاء.. فلن يعدم سماء تغطيه.
стр. 527
الجميع: (فاطمة ورفاقها الثلاثة شاهرين سيوفهم) الله أكبر يا رياح الجنة هي.. (ويخرجون وراء موسى مرددين) :
الله أكبر ... الله أكبر ...
стр. 528
أفضل الأعمال
للشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس في الجامعة
روى الشيخان واللفظ لمسلم من طريق أبي ذر الغفاري ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله والجهاد في سبيله". قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: "أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا"قال قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تعين صانعا أو تصنع لأخرق". قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعف عن بعض العمل؟ قال: "تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك".
لقد قرر رسول الله ﷺ فيما أجاب به الصحابي الجليل أبا ذر رضي الله عيه قرر أسس التوجيهات التي تصل بالمجتمع الإنساني إلى أسمى درجات الكمال وقد بين ﷺ أن الآخذ بهذه التوجيهات النبوية الكريمة قائم بأفضل الأعمال. وأولى هذه المبادئ الإسلامية التي تضمنها هذا التوجيه النبوي الكريم هو الإيمان بالله ولاشك أن الإيمان بالله هو أول قاعدة من قواعد العدل، وهو الباب الرئيسي الذي لا بد من ولوجه لمن أراد السلوك إلى الله ﵎، وهو كذلك الأساس المتين الذي تقوم عليه الوحدة الإنسانية بين الإنسان وأخيه الإنسان، ففي بوتقة الإيمان بالله تنصهر جميع الفروق اللونية والجنسية والوطنية والأخوية وتموت في ظله جميع الحزازات العنصرية وبها ولا شك تقوم الدعامة الحقيقية لحقوق الإنسان.
стр. 529
أما التوجيه الثاني من هذه التوجيهات الرشيدة التي أشار إليها رسول الله ﷺ فإنها تفرض على من أنعم الله عليه بهذه النعمة العظيمة نعمة الإيمان بالله تفرض عليه أن يدعو الناس إلى مشاركته في هذه النعمة وأن يبذل كل جهد وأن يستفرغ كل وسع في دعوة الناس إليها وحملهم عليها وأن يسلك في ذلك كل طريق معتدل يوصل إلى هذه الغاية ويشيع في الأمم هذا الخير حتى يسعدوا بالله وحتى يسلموا من عذاب الله، وحتى يهتدوا إلى طريق مستقيم أما التوجيه الثالث من التوجيهات النبوية الكريمة التي تضمنها هذا الحديث الجليل فهو لفت النظر الإنسان في كافة أنحاء الأرض إلى أن الإسلام يقرر أن من أقرب ما يقرب العبد من ربه تحرير العبيد وفك الرقاب وبذل النفيس المال في سبيل هذا تحرير وقد أكترث الشريعة الإسلامية من الحض على منح الحريات وفك الرقاب وساقت في ذلك نصوصا كثيرة. بل جعلت أن المسلم لا يقتحم العقبة الحقيقية التي تحول بين العبد وبين مرضاة الله إذا كان من أهل القدرة على تحرير الرقاب إلا إذا منح هذه الحرية لهذه الرقاب وأعان اليتامى والضعفاء ولو بلقمة عيش تشد أصلابهم أودهم وفي ذلك يقول الرب ﵎: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾
стр. 530
بل جعل الرب ﵎ تحرير العبيد أحد المصارف الثمانية التي تنفق فيها أموال المسلمين الزكوية مع كثرتها وفي ذلك يقول الرب ﵎: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ بل وعد الله ﵎ من يعتق رقبة بأن يعتق منه بكل عضو أعتق عضوا منه من النار لذلك روى البخاري من حديث سعيد ابن مرجانة صاحب علي بن الحسن ﵄ قال سعيد: قال لي أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل أعتق امرأ مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار" قال سعيد بن مرجانة ﵀ فانطلقت به أي بهذا الحديث إلى علي بن الحسين فعمد علي رضى الله إلى عبد له قد أعطاه به عبد الله ابن جعفر عشرة آلاف درهم او ألف دينار فأعتقه وقد أقامت الشريعة الإسلامية أسبابا شتى تهدف إلى تحرير الأرقاء وإعتاق العبيد٠ فقد جعل الإسلام من أنواع الكفارات تحرير الرقاب ففي كفارة اليمين يقول ﵎: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وفي كفارة القتل يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ثم يقول: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ثم يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وفي كفارة الظهار يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا
стр. 531
ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ . بل كان رسول الله صلى عليه وسلم يأمر أصحابه بالعتاقة عند حدوث بعض البلايا أو وقوع بعض المخوفات فلقد روى البخاري رحمة الله من طريق أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت:"أمر رسول الله ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس.."وفي لفظ لها ﵂: "كنا نؤمر عند الكسوف بالعتاقة"، وكلما كانت الرقبة ذات نفع متعد كأن يكون المملوك مجيدا لبعض أنواع الصناعات أو الفنون فإن الشريعة الإسلامية تجعل عتقه أفضل أنواع العتق.
ولذلك أجاب رسول الله ﷺ أبا ذر ﵁ حينما سأله أي الرقاب أفضل فقال ﷺ : "أغلاها ثمنا" وفي لفظ البخاري: "أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها" وهذا من المقررات في الشريعة الإسلامية فإن أحسن ما يتصدق به ما كان محبوبا طيبا ولذلك يقول الله ﵎: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ويقول: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
стр. 532
أما التوجيه الرابع من هذه التوجيهات النبوية الكريمة المرشدة لأفضل الأعمال وأحسن الخصال فهو التعاون العملي ولا سيما ممن لا يستطيع أن يمد يد المساعدة بالتعاون المالي وقد قسم الرسول الله ﷺ هذا النوع من التعاون إلى قسمين وجعل الأول منهما إعانة الصانعين وفي هذا الإرشاد النبوي إشارة واضحة إلى ما يجب أن يكون عليه المجتمع الإسلامي وإنه مجتمع المثالي في الحقل التعاوني وفي قوله ﷺ تعين صانعا ما يدل على أن الشريعة الإسلامية تستحب إشاعة الصناعة وبذل المعونة لذوي الصناعات في الأفراد أو الشركات فرب صانع لا يجد المواد الأولية التي لابد منها في صناعته ورب صانع لا يجد اليد العاملة التي تحقق غايته٠
فقد حض الرسول الله ﷺ من يريد أعلى الدراجات ومن يبتغي أفضل الأعمال أن يسارع بمد يد المساعدة وعلى قدر جهده وطاقته لمعاونة الصناع وتقوية الصناعات كما أشار رسول الله ﷺ إلى أن من أعظم ما يقرب العبد من ربه كذلك مساعدة الأخرق الضائع الذي لا يستطيع الصناعة إما بتدريبه على الصناعة أو بالصناعة له وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ :"أو تصنع لاخرق"
стр. 533
وفي هذا كذلك تكثير لليد الصانعة وبهذا تستغني الأمة الإسلامية في صناعاتها وتستقل استقلالا ذاتيا في هذا السبيل ولما قال أبو ذر ﵁ لرسول الله ﷺ : "أرأيت إن ضعفت عن ذلك؟ "أي ماذا أفعل إن عجزت عن إعانة الصانع أو الصناعة لبضائع فأجيب من مشكاة النبوة بقوله: "تكف شرك عن الناس" أي فهذا صدقتك. ولذلك روى البخاري من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "على كل مسلم صدقة"قالوا: فإن لم يجد قال: "فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق" قالوا: فإن لم يستطع قال: "فيعين ذا الحاجة الملهوف" قالوا: فإن لم يفعل قال: "فليأمر بالخير" قالوا: فإن لم يفعل قال: "فليمسك عن الشر فإنه له صدقة".
стр. 534
التخطيط لمباني ومنشآت الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة طريقته وأهدافه ومستقبله
للمهندس محمد وهبي الحريري
في عام ١٣٨٥هجرية، أعلنت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عن رغبتها في إنشاء مبان جديدة تنحصر وظائفها في الأمور التالية:
- مباني للإدارة العامة والإدارات المالية وإدارة شؤون الطلاب.
- فصول وإدارة كليتي الشريعة وأصول الدين.
- مكتبة وقاعة للمحاضرات.
وكنت من بين من تقدموا لوضع الدراسات المطلوبة لهذه المباني.
ولم تمض سوى مدة قصيرة حتى أصبحت مسؤولا عن وضع هذه الدراسات، وأخذت اتصل بالمسؤولين في الجامعة كي اطلع على وجهات النظر بالنسبة لبرنامج هذه المباني ووظائفها وملحقاتها، وبالنسبة للمراحل التنفيذية التي ستتم بموجبها وكنت ولا أزال ألمس عند المسؤولين في الجامعة الإسلامية إيمانا صادقا بالرسالة الإسلامية التي كرسوا أنفسهم وجهودهم لها، كما كنت ولا أزال أجد لديهم تفهما كاملا لكل الأمور والقضايا الفنية والمعمارية.
وبعد مدة تم وضع الدراسات المطلوبة-ورصدت لها المبالغ والمخصصات اللازمة لإقامتها، ثم رست عمليات التنفيذ على (مؤسسة بخيت) في المدينة المنورة التي سبق لها تنفيذ بعض المباني في الجامعة.
وحتى ذلك التاريخ كان الموقع المخصص لهذه المباني منحصرا بين السور الشرقي، وبين المباني القائمة في مسافة لا يزيد طولها على مائة متر تقريبا، وهي مسافة ضيقة جدا. ثم قامت وزارة الداخلية مشكورة بمنح الجامعة الإسلامية مساحات جديدة من الجهة الغربية لهذا الموقع تمتد حتى الطريق الإسفلتي الجديد الواصل بين آبار علي والمطار.
стр. 535
وعلى هذا الأساس، أصبحت الدراسات الموضوعة للموقع المذكور غير صالحة للموقع الجديد الواسع، وفي هذه الأثناء تقدمت مصلحة الأشغال العامة بشخص سعادة وكيلها الشيخ عبد العزيز أبو بطين وكلفتني رسميا بالدراسات وبالأعمال المترتبة على الموقع الجديد كما تقدمت الجامعة ببرنامج مفصل للمباني والمنشآت الواجب إحداثها في السنين العشر القادمة.
المخطط الجديد للمباني:
وتم وضع مخطط عام يشتمل على المباني والمنشآت التالية:
١- مباني الإدارة والمكتبة والمحاضرات والمسجد والكليات والمعاهد.
٢- مباني مهاجع النوم وهى مخصصة لأربعة آلاف طالب، وبالقرب منها يوجد مطعم يضم أربع قاعات تتسع لألفي طالب مرة واحدة.
٣- ملاعب مختلفة: كرة قدم وكرة مضرب ومسبح وملاعب أخرى مغطاة ومكشوفة.
٤-مستشفى يتسع لمائة سرير، ومباني سكنية لبعض الموظفين والأطباء.
وقد روعي في هذا التخطيط أن يكون الطريق الرئيسي بين الأقسام المذكورة مارا من الشرق إلى الغرب ويبلغ عرضة ٣٢مترا مع الأرصفة، وطوقه ١٤٠٠مترا تقريبا. وبوشر في تنفيذ المرحلة من هذا المخطط، بإشراف مصلحة الأشغال العامة.
الإقليم والجو ودرجات الحرارة:
إن جو المدينة المنورة بصورة عامة هو جاف، والشمس ساطعة في كل فصول السنة، وإذا كانت درجات الحرارة مرتفعة في الصيف فتبلغ أحيانا ٤٨درجة مئوية في بعض أيام شهري تموز وآب، إلا أنها تنخفض في شهور كانون أول وكانون الثاني وشباط فتبلغ حتى٥-٦درجات مئوية، وإن هذا الانخفاض في درجات الحرارة يقع بعد هطول الأمطار، وهبوب الرياح الباردة، ولكنه لا يستمر إلا أياما معدودة ثم لا تلبث الغيوم أن تنحسر من السماء وتنقشع عن سماء زرقاء أو خضراء صافية.
стр. 536
أما أيام السنة بصورة عامة فجوها لطيف، والريح تهب باستمرار فتلطف الحرارة، والشمس إذا كانت شديدة لكن الظل لطيف ومقبول جدا، وهنا تظهر عوامل وإمكانيات كثيرة تتعلق بالأماكن المغطاة والمظللة.
موصفات المباني وتوجيهها:
كما يظهر للعيان ضرورة توفر أماكن كثيرة يتمكن الطلاب من الانتقال في ظلالها طيلة أيام الدراسة، أما المدة المخصصة للدراسة فإنها تبتدئ بصورة عامة في مطلع الخريف، وتنتهي مع بداية الصيف.
واستنادا لهذه المبادئ يمكن تحديد أشكال المعالم اللازمة لتوجيه مباني الإدارة، ومباني الفصول الدراسية.
وربط هذه المباني بمظلات واسعة تتسع مساحاتها لعدد الطلاب المستفيدين منها.
وجعلت نوافذ مباني الإدارة منفتحة نحو الشمال والجنوب، كما جعلت نوافذ مباني الفصول الدراسية متجهة نحو الشرق والغرب وغطيت بأجزاء معمارية تسمى (عاكسات الشمس) تحول دون مرور الشمس إلى داخل الفصول، ولكنها تسمح للهواء الغربي والشرقي أن يمر من بينها.
مواصفات مواد البناء:
إن المتجول في المدينة المنورة بين مبانيها القديمة والحديثة، وبين سهولها وتلالها، وهي تلال كثيرة تحيط بها من كل الجهات، تقع عيناه من خلال نور الشمس الصافي الذي لا تعلق بهوائه ذرات من الرطوبة أو الغبار، على نوعين اثنين من الحجارة والصخور:
النوع الأول: وهي صخور بركانية سوداء اللون، يصعب قطعها والبناء بها.
النوع الثاني: وهي صخور بركانية حمراء اللون من الممكن الاستفادة منها في البناء والعمارة والتزيين.
وقد سبق للإنسان القديم أن قام بقطع وتهذيب الحجارة السوداء ولا زالت آثارها باقية حتى الآن في مختلف المباني، وبصورة خاصة في المباني من العهد العثماني.
كما تضمنت أعمال توسيع الحرم النبوي الشريف في المدينة المنورة الاستفادة من الحجارة السوداء والحمراء في الأقسام السفلية من الجدران الخارجية.
стр. 537
وعلى كل حال فإن إقامة المباني بالحجارة الحمراء هي ممكنة وشيقة، إذ تنسجم ألوانها مع ألوان التلال والرمال التي تحيط بالمدينة المنورة.
وتم تخصيص أقسام كبيرة من بعض الجدران لبنائها بالحجارة الحمراء، كما تم تخصيص أقسام أخرى من الجدران لتشييدها بالطوب الخرساني بعد طلائها وتغطيتها بطبقة من (التلييس) والالوان الكاشفة الزاهية٠
المباني ومواصفاتها:
وإذا كانت هذه المناسبة لا تتسع إلى وصف المباني بصورة كاملة وإلى ذكر أقسامها وأجزائها، فإنه من المفيد أن نأتي على بعض أوصافها ووظائفها:
فإذا كان المدخل الرئيسي الشرقي يقع في الجهة اليمنى من المصور، فإن مباني الإدارات نراها واقعة على الجهة الجنوبية من هذا المدخل، كما نجد مبنى قاعتي المكتبة والمحاضرات على الجهة الشمالية منه، ويمتد مقابل مبنى قاعتي المكتبة والمحاضرات فسحة كبيرة جدا مستطيلة الشكل يقع ضلعها الشرقي بشكل متواز مع نهاية هذه الفسحة أي في الجهة المقابلة تماما لمبنى قاعتي المكتبة والمحاضرات مسجد كبير يتسع لألفي شخص.
وإلى الجهة الغربية من مبنى قاعتي المكتبة والمحاضرات سيقام كل من مبنى القسم الإعدادي، والقسم الثانوي، ويقابل هذه المباني إلى الجهة الجنوبية كل من المباني المخصصة للوظائف التالية: المطبعة والمجلة، وقسم التخصص، وقسم الدعوة والبحوثات الإسلامية، ومباني كليتي الشريعة وأصول الدين التي تم إنشاؤها في الوقت الحاضر، وسيجري الاستفادة منها في مطلع العام الدراسي القادم، وهناك متسع كبير لإقامة المباني الأخرى في المستقبل.
стр. 538
أما مباني المهاجع المخصصة للطلاب فإنها تمتد في الجهة الشمالية وتتألف من ثمانية أبنية ضخمة يتسع كل منها لخمسمائة طالب، وسوف ينشأ في منتصفها مطعم كبير تتسع قاعاته الأربعة لألفي طالب، وسوف تكون المطابخ والبرادات والملحقات في منتصف مبنى المطعم، وتبلغ قدرة هذه المطابخ حدا تستطيع فيه أن تقدم ألفي وجبة طعام في الساعة الواحدة.
وإلى الجهة الجنوبية من مباني المهاجع تمتد الأماكن المخصصة للملاعب المختلفة، ويليها مشفى يتسع لمائة سرير، وإلى جانبه المباني السكنية وهي على نوعين اثنين:
الأول: وهي مباني سكنية انفرادية.
الثاني: وهي مباني سكنية مزدوجة.
وكلها مخصص للأساتذة والأطباء وكبار الموظفين.
وزيادة في الإيضاح فإنه حققت الأرقام التالية:
الرقم١: وهي مباني الإدارات.
الرقم٢: وهي مباني قاعتي المكتبة والمحضرات.
الرقم٣: وهي مبنى كليتي الشريعة وأصول الدين.
ويجري في الوقت الحاضر استكمال تنفيذ هذه المباني وسوف تكون جاهزة للاستلام في نهاية شهر صفر من عام ١٣٨٩هـ. وقد بلغت تكاليف هذه المباني حوالي أربعة ملايين وخمسمائة ألف ريال.
وتم وضع الدراسات المعمارية الكاملة لأحد مباني المهاجع، وسوف يشرع في تنفيذه في مطلع السنة المالية الجديدة إن شاء الله، وتقدر المبالغ المخصصة لإنجازه حوالي ستة ملايين ريال.
وهناك خطة موضوعة سيتم بموجبها تنفيذ سائر المباني بشكل منتظم ودقيقة خلال مدة معينة ومحدودة.
نوع التصميم وطابعه:
لقد روعي في تصميم المباني بصورة عامة أن يكون توجيهها صحيا ومفيدا، وأن تكون المواد المستعملة في إقامتها قادرة على العزل الجداري بالمقدار المطلوب واللازم، وغطيت بعض الفتحات بعاكسات الشمس بحيث يدخل من بينها ضوء الشمس دون أشعتها.
стр. 539
أما المظلات فقد أقيم كثير منها بين المباني، بحيث يتمكن الموظفون والمراجعون والطلاب من السير تحتها والاستفادة من ظلها.
وأقيمت بين المباني بصورة عامة فساحات كي تغرس الأشجار فيها وكي يتمكن ظل هذه الأشجار من تعديل جو الغرف والمكاتب والفصول، وسوف يراعى في انتقاء الأشجار القدرة على النمو والثبات في جو المدينة المنورة.
وقد طبع التصميم بطابع الهندسة المعمارية الحديثة تماما، تلك العمارة المعاصرة الناطقة بكل ما هو بسيط ومفيد وحديث.
ولما كانت الأرض الطبيعية مستقيمة في كل أطراف هذا الموقع، رغم وجود انحدار بسيط من الجهة الغربية إلى الجهة الشرقية، فإن المباني والمظلات والفسحات جعلت في مرتفعات مختلفة كي تعيش وتحيا في أجواء ومرتفعات من شأنها أن تظهر للعين بأشكال كثيرة تعلو وتهبط وتتداخل وتتباعد تتخللها الخضرة ولون الحجر الوردي، أما ألوان الواجهات فإنها صبغت بالألوان الزاهية الكاشفة كي تعكس أشعة الشمس عنها.
خاتمة:
وإذا كان طلاب الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ينتسبون إلى بلاد وأقطار كثيرة إسلامية وغير إسلامية فإن التعليم الذي يتلقونه فيها واحد للجميع.
وإن تصميم المباني بصورة عامة قد روعي فيه البساطة والجدة، والانفتاح إلى الأرض والسماء، وإلى كل ما هو كائن بينهما، وأمام الطالب الذي يتلقى العلم والمعرفة في هذه الأماكن أن يستشعر الجمال، والنظافة والنظام، وأن يحمد الله الذي منحنا الهداية لعبادته والإيمان بوجوده، والذي أمرنا أن نخلص له في العبادة والإيمان والعمل، وأن نهيأ أنفسنا إلى لقاء وجهه الكريم بقلوب تطفح بالإيمان، والخير والعمل الصالح، والله ولي التوفيق والهداية وإليه المصير.
стр. 540
الثقافة التي نحتاج إليها
الدكتور محمد تقي الدين الهلالي المدرس في الجامعة
هذا موضوع مهم جدا وواسع يحتاج بيانه بالتفصيل إلى تأليف كتاب مستقل، ولكن نجمل الكلام فيه إجمالا حسبما يسمح به المقام فنقول: إن كل شعب يبغى أن يعيش سعيدا يحتاج إلى أمور..
أولها: القوة الروحية وهي تتوقف على الدين الصحيح الذي يملأ قلوب أبناء الشعب إيمانا وحماسة ويؤلف بينهم ويكون العروة الوثقى التي لا تنفصم، ومن أراد أن يرى بعينيه شاهدا على ذلك فلينظر إلى العرب قبل الإسلام وبعده. وأما حالهم قبل الإسلام فكل من له أدنى إلمام بالتاريخ يعرفها حق المعرفة. ومن لم يكن له إلمام بالتاريخ ففي القرآن الذي هو كتاب متواتر لا يشك في تواتره أحد لا موافق ولا مخالف، فيرى فيه أن العرب كانوا يقتلون أولادهم بسبب الفقر ويئدون بناتهم لأسباب خسيسة وكانوا لا يورثون الإناث ولا الصبيان لأنهم كانوا يحصرون امتلاك الأموال في من يحمل السلاح ويقاتل لأن العاجز عن ذلك كالنساء والصبيان لا يستطيع أن يدافع عن المال ويصد عنه غارات المغرين المتوالية إذ كان يجب على كل من يملك شيئا أن يقاتل عنه ضرورة أنه لم يكن لهم قانون ولا دولة ولا نظام ولا وازع ديني يكفّهم عن سلب الأموال والأرواح بل كانوا يرثون النساء زيادة على عدم توريثهم كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً﴾ سورة النساء.
стр. 541
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "قال البخاري بسنده إلى ابن عباس قال كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية.. هكذا ذكره البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم من حديث أبي إسحاق الشيبانى. ومن هنا نعلم فضل الإسلام على العرب أولا ثم على جميع المسلمين ثم على جميع العالمين كيف رفع قدر النساء بعد أن كن متاعا يورث كسائر الأموال ولم يكن أحد يفكر لا من العرب ولا من غيرهم في تسويتهن بالرجال في حرية التصرف بأنفسهن وفي أموالهن حتى جاء الإسلام فرفع عنهن هذه العبودية وأعطاهن حقا مساويا للرجال في الميراث فيما فرض الله لهن وفي أنهن إذا كن بالغات سن الرشد لا يتزوجن إلا برضاهن ولا يستطيع أحد أن يكرههن على التزوج بمن لا يرغبن فيه، ودونك الدليل: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن"قالوا: "يا رسول الله وكيف إذنها؟ "قال: "أن تسكت".
стр. 542
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر وإذنها سكوتها" رواه مسلم. وفي لفظ أي من رواية ابن عباس "ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تستأمر.." رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان. اهـ. وإنما اكتفى الشارع الحكيم من البكر بالصمت لغلبة الحياء عليها. قال العلماء فإن وقع شك في رضاها أمرت بالتكلم ويجب أن تخبر قبل ذلك بأنه لا مكره لها وأنها إن امتنعت لا يستطيع أحد أن يزوجها كما سيأتي صريحا في الحديث. قال صاحب سبل السلام: "والإذن من البكر دائر بين القول والسكوت إنما اكتفى منها بالسكوت لأنها قد تستحي من التصريح. وقد ورد في رواية أن عائشة قالت: يا رسول الله إن البكر تستحي قال: "رضاها صماتها". أخرجه الشيخان، ولكن قال ابن المنذر: "يستحب أن يعلم أن سكوتها رضي، قال ابن شعبان يقال ثلاثا إن رضيت فاسكتي وإن كرهت فانطقي"اهـ.
حديث آخر عن ابن عباس أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها رسول الله ﷺ . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وأعل بالإرسال، وأجيب عنه بأنه رواه أيوب بن سويد عن الثوري عن أيوب موصولا، وكذلك رواه معمر ابن سليمان الرقى عن يزيد بن حبان عن أيوب موصولا، وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله فالحكم لمن وصله، قال المصنف: "الطعن في الحديث لا معنى له لأن له طرقا يقوي بعضها بعضا"اهـ.
стр. 543
وقال صاحب سبل السلام عقب هذا الحديث: "وقد تقدم حديث أبي هريرة المتفق عليه وفيه "ولا تنكح البكر حتى تستأذن". وهذا الحديث أفاد ما أفاده فدل على تحريم إجبار الأب لابنته البكر على النكاح وغيره من الأولياء بالأولى وإلى عدم جواز إجبار الأب. ذهبت الحنفية والأوزاعى والثوري وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر وهو إحدى الروايتين لأحمد لما ذكر ولحديث مسلم: "البكر يستأذنها أبوها" وإن قال البيهقي زيادة الأب في الحديث غير محفوظة فقد رده المصنف بأنها زيادة عدل يعني فيعمل بها"اهـ..
قال كاتب هذا المقال ومراده بالمصنف الحافظ ابن حجر العسقلاني.
وذهب أحمد والشافعي وإسحاق إلى أن للأب إجبار ابنته البكر البالغة على النكاح عملا بمفهوم "الثيب أحق بنفسها" كما تقدم فإنه دل أن البكر بخلافها وأن الولي أحق بها ويرد بأنه مفهوم لا يقاوم المنطوق وبأنه لو أخذ بعمومه لزم في حق غير الأب من الأولياء وأن لا يخص الأب بجواز الإجبار، وقال البيهقي في تقوية كلام الشافعي: "إن حديث ابن عباس هذا محمول على أنه زوجها من غير كفء"، قال المصنف: "جواب البيهقي هو المعتمد لأنها واقعة عين فلا يثبت الحكم بها تعميما"، قلت كلام هذين الإمامين محاماة عن كلام الشافعي ومذهبهم وإلا فتأويل البيهقى لا دليل عليه فلو كان كما قال لذكرته المرأة بل قالت إنه زوجها وهى كارهة فالعلة كراهتها فعليها علق التخيير لأنها المذكورة فكأنه قال ﷺ : إذا كانت كارهة فأنت بالخيار.
стр. 544
وقول المصنف: "إنها واقعة عين" كلام غير صحيح بل حكم عام لعموم علته فأينما وجدت الكراهة ثبت الحكم وقد أخرج النسائي عن عائشة ﵂ أن فتاة دخلت عليها فقالت: "إن أبي زوجني من ابن أخيه يرفع بي خسيسته وأنا كارهة"قالت: "اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ "فلما جاء وسول الله فأخبرته فأرسل إلى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها فقالت: "يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي. ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء". ولفظ النسائي "علم للبكر والثيب"وقد قالت هذا عنده ﷺ فأقرها عليه والمراد بنفي الأمر عن الآباء نفي للتزويج للكراهة لأن السياق في ذلك اهـ.
قال صاحب هذا المقال: إن كان الأب مجبرا فما فائدة استئذان البكر وما فائدة صمتها أو تصريحها بالآباء إذ لابد للاستئذان من نتيجة وهي إما صمت يدل على الرضا فتزوج أو تصريح بالآباء يدل على الامتناع والكراهية فلا تزوج وإلا كان الاستئذان عبثا وأوامر العقلاء تصان عن العبث فكيف بأمر سيد العلماء والحكماء صلوات الله وسلامه عليه ولا عجب من الشارح كيف لم يتنبه إلى هذا المعنى ومن سوء الحظ أنه ليس عندي في الوقت الحاضر من شروح كتب الحديث غيره..
قولها: "ليرفع بي خسيسته"قال في اللسان: "يقال رفعت من خسيسته إذا فعلت به فعلا يكون فيه رفعته".
قال الأزهري: "يقال رفع الله خسيسة فلان إذا رفع حاله بعد انحطاطها"إهـ
стр. 545
قال كاتب هذا المقال: ولا يخفى أن المصاهرة ترفع حال المتزوج وتلحقه بمنزلة من تزوج ابنته فإذا كان الشاب يتيما فقيرا، وإن كان البلوغ يضع لليتم حدا لكن عواقبه تستمر معه وكان عمه غنيا نابها من إشراف القوم فزوجه ابنته رفع ذلك قدره وأعلا منزلته بين الناس. وكأني بغراب من عبيد الاستعمار ينعب يقول: كيف تدعون أن الإسلام أعطى النساء حقوقهن في الميراث كاملة غير منقوصة مع أنه لم يجعل للمرأة إلا نصف ميراث الرجل، فأقول في جوابه أن الإسلام حين جعل للمرأة نصف ميراث الرجل قد وفاها حقها ولم ينقصها شيئا لأنه أوجب على أخيها أن ينفق عليها إن كانت محتاجة ولم تكن متزوجة ولأن الإسلام أوجب على أخيها صداقا يقدمه لزوجته زيادة على نفقتها ونفقة أولاده وإخوته الصغار ووالديه إذا كانا محتاجين أما أخته فإن تزوجت أخذت صداقها تتصرف فيه كيف تشاء وتأخذ ميراثها من والديها ونفقتها على زوجها وكذلك نفقة أولادها وإن كانت غنية، فلو أن الإسلام سوّى بين الأخ وأخته مع ما أوجبه على الأخ من النفقات التي لا يجب منها شيء على الأخت لكان قد حمّله ما لا يطيق فإذا كانت الأخت نفقتها على أبيها أو أخيها أو زوجها ومع ذلك تأخذ نصف ما يأخذه أخوها على سبيل الاحتياط تحفظه لتقلبات الزمان فقد رفق بها الإسلام غاية الرفق وأكرمها غاية الإكرام.
стр. 546
ولو أن هذا الغراب كان منصفا لوجّه اللوم لسادته المستعمرين الذين ليس لهم نظام سماوي في الميراث فهم يوزعونه على حسب الهوى ويضيعون أولادهم وبناتهم. ومتى بلغت الفتاة عندهم ست عشرة سنة وكانت من الطبقة الفقيرة أو المتوسطة يقول لها الوالدان باللسان الفصيح ارحلي عنا واشتغلي لتكسبي رزقك فحسبنا أن نكتسب معيشتنا ومعيشة من يبقى من الصغار، وهنا أذكر قصة سمعتها من إذاعة لندن وهي أن فتى مصريا كان يتعلم في بريطانية وكان له صديق في سنه من البريطانيين وكان بينهما ألفة ومحبة يدرسان جميعا ويتنزهان جميعا فجاء البريطاني يوما إلى الفتى المصري يودّعه فقال الفتى المصري إلى أين فقال أنا مسافر إلى حيث أجد رزقي قال وكيف ذلك؟ قال: البارحة أعطاني والدي بضعة دنانير وقالا لي يا ولدنا اذهب في أرض الله واكتسب رزقك فقد بلغت ست عشرة سنة وانتهى واجبنا معك، فأخذ الفتى المصري يبكى بكاء شديدا وقال كيف يكون هذا؟ كيف يسمح والداك بفراقك من أجل لقمة الخبز؟ أقم معي هنا وأنا أقتسم معك ما يبعثه لي والدي فتبسّم الفتى الإنكليزي وشكر صديقه المصري على طيب نفسه وقال له: يا صديقي هذا قانون عام في بلادنا يجري علي وعلى غيري وودّعه وانصرف وتركه في بكائه.
فهؤلاء الغربان الذين يقدسون المستعمرين ويتلقون كل ما جاء منهم بالقبول والإجلال لا يفكرون أبدا في فظاعة طرد الأبوين ابنتهما في الوقت الذي تكون فيه أحوج ما كانت إلى الحماية والرعاية في سن السادسة عشرة ويعرضانها للفجور كمن يخرج درة من صدفها ويلقيها في مزبلة بل هذه أقبح ولكن عبيد الاستعمار مضروبون بسوط هيبته قد فقدوا العقول التي وهبهم الله ليميزوا بها الحسن من القبيح فهم يرون كلما يفعله أئمتهم وإن كان في غاية القبح حسنا وكل ما يخالفهم وإن كان في غاية الحسن قبيحا كما قال الشاعر:
كما أن عين السخط تبدي المساويا
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
стр. 547
هذا شأن عبيد الاستعمار الغربي، وكذلك عبيد الاستعمار الشيوعي فإنهم مثلهم أو أضل سبيلا فإنهم يقدسون الزعيم ويخترعون له من المزايا والفضائل حتى تضيق العبارات عما يريدون أن يصفوه به فإذا ملّه رفقاؤه وأرادوا أن يتخلصوا منه ليستبدلوه بغيره وقلبوا له ظهر المجن وأنزلوه من العرش وملأوا الدنيا بذمه وانتقاده انقلب مادحوه والمعجبون به، وسلقوه بألسنة حداد وقد لا يكون بين إغراقهم في مدحه ومبالغتهم في ذمه إلا عشية أوضحاها كما وقع لرؤساء اليهود حين أسلم عبد الله بن سلام ﵁ فإنه قال: "يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإنهم إذا علموا بإسلامي بهتوني وعابوني فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي"فسألهم النبي ﷺ فقالوا: "سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا"، فخرج عبد الله بن سلام وكان النبي ﷺ قد خبأه في بعض بيوته فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله"فقالوا: "أرذلنا وابن أرذلنا وأجهلنا وابن أجهلنا" والقصة مذكورة في صحيح البخاري.
وكنت قبل بضع سنين في برلين فرآني شاب شيوعي أتيمم على تراب فلما صليت قال لي: "ما فائدة التمسح على التراب؟ الوضوء معقول لأن فيه نظافة، وأما التمسح على التراب فهو أمر شكلي ما فيه فائدة"فقلت له: "أنت أخبرتني أن ستالين ألف كتابا في علم التربية وأنه كتاب مقرر في المدارس لتعليم علم التربية، ومن المعلوم أن ستالين لم يكن قط معلما ولا مدير مدرسة فضلا عن أن يكون من المختصين بعلم التربية فكيف صار تأليفه في علم التربية مقدما على غيره وهو رجل عسكري قضى عمره كله في الحروب وليس له إلمام بالتربية لا علما ولا تعليما فتأليفه في علم التربية أمر شكلي أما التيمم بالتراب فمعناه التواضع لله تعالى والخضوع له وطلب العون منه والشفاء من المرض الذي حال بين المتيمم وبين الوضوء وهذا معنى الصلاة أيضا".
стр. 548
فانظر إلى ما فشا في الناس من نتن
هذا الزمان زمان الجهل والفتن
حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
يقضى على المرء في أيام محنته
والنتن الدخان الذي يشربه الناس.
والحاصل أن المقلدين للشرق والغرب خسروا أنفسهم وفقدوا عقولهم وصاروا كالأنعام بل هم أضل سبيلا فهم كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ومع كل هذا التقديس تنكروا لإلههم بعد موته وكان الذي أنكره وأظهر عيوبه وجرائمه هو نائبه وشريكه في الحكم عشرات السنين (خروتشوف) ثم حلّ محله وتربى على منصة السيادة وورثه وظن أنها تدوم له فلم يلبث أن ذاق مرارة العزل وهو حي وأصبح في خبر كان وكل ما جاء مقدس جديد اشتعلوا به ونسوا الذي قبله ولم يبالوا بالتناقض فصار مدح هؤلاء وذمهم سواء لأن الذي يمدحونه اليوم يذمونه غدا والذي يثبتونه اليوم ينفونه غدا وبالعكس وما أحسن ما حكاه الإمام أبو محمد بن حزم، قال: "كان عندنا بالأندلس فقيه من أهل الفتوى وكان لا يفتي حتى يتقدمه غيره فيكتب تحته قوله: موافق لما قاله الفقيه أعلاه. فاتفق أن الفقهاء اختلفوا في مسألة فبعضهم أفتى فيها بالجواز وبعضهم أفتى بالتحريم فلما جاءوا بالصحيفة كتب أسفلها قولي موافق لما قاله الفقهاء أعلاه فقيل له إنهم تناقضوا فقال وأنا أيضا أتناقض كما تناقضوا".
стр. 549
وكانوا يعضلون النساء ويمنعوهن من الزواج لأغراض خسيسة فنهاهم الله عن ذلك في مواضع من كتابه وإنما ذكرنا بعض أخلاقهم قبل الإسلام ليعلم من لا يعلم فضل الإسلام الصحيح عليهم وعلى كل من دان به من غيرهم، وأما حالهم بعد الإسلام فهي أوضح وأظهر من شمس يوم الصحو، فما الذي غيّر حالهم من التشتت إلى الاجتماع، ومن التخاذل إلى التعاون، ومن الجهل إلى الحلم، ومن الذل إلى العز، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الضعة إلى الرفعة إلى السيادة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الفوضى إلى النظام, ومن تلك البقعة القاحلة الجرداء إلى الأراضي المخصبة والجنات المثمرة، والأنهار المطردة والأزهار الجملية، ومن البيوت الحقيرة إلى القصور الشامخة في آسية وأوروبة وافريقية؟ وكيف صارت الدول العظام التي كانت قبل إسلامهم هي الصالحة للبقاء لا تصلح إلا للفناء.
الجواب أن علماء التاريخ وعلماء العمران وعلماء تطور الأمم اتفقوا على أمر وهوان العرب بعد الإسلام صاروا أقوياء أغنياء سعداء متمدنين ذوي دولة ونظام، ثم اختلفوا، فالعقلاء المؤمنون بالله قالوا إن السبب المباشر في ارتفاعهم من حضيض الهمجية إلى سماء المدنية الفضلى هو الدين. وأما الذين لا يؤمنون بالله وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون فقد اعتقدوا أن القرآن ودعوة محمد ﷺ نفخا فيهم روح الحياة وهذه الروح جعلتهم يتعلمون المدنية والعلوم من الأمم المغلوبة التي اندثرت مدنيتها وقد نسي هؤلاء أو تناسوا القاعدة العظيمة وهي: "إن فاقد الشيء لا يعطيه".
стр. 550
لأن تلك الأمم وهي الفرس والبيزنطيون والروم لو كانت مدينتهم صالحة للبقاء والنمو والحياة ما تغلب عليهم قوم متوحشون جهال - بزعمكم - خارجون من الصحراء ليس لهم علم ولا أخلاق، ولا معرفة بالعمران ولا بالنظام وعلوم المغلوبين وأخلاقهم لو بقيت فيها حياة وصلاح ما غلبوا ولنفعت أهلها فكيف لا تنفع أهلها وهم أعلم الناس بها وتنفع أعداءهم؟ وهذا هو الحال عينه.
فهل سمعت بطبيب يصيبه مرض يعرف دواءه فيستعمل ذلك الدواء فلا ينفعه فيموت من علته ويموت كل قومه ثم يأتي أعداؤهم فيقرؤون كتاب ذلك الطبيب ويأخذون منه الدواء فيستعملونه فيصحون عليه وهكذا يقال في الصيدلي يركب دواء فلا ينفع ذلك الدواء أحدا، ثم يأتي عدوه فيقرأ كتابه ويتعلم منه تركيب الأدوية فيدرك ما لم يدركه الصيدلي الذي اخترع الدواء وجربه مرارا وهكذا يقال في الفلاح والصانع نعم لو قيل أن المسلمين انتصروا على أهل الأرض بالأخلاق القرآنية ثم خدمتهم جنود السماوات والأرض كما وعدهم الله بذلك فتعلموا من الصناعات والحضارات ما زادهم قوة ونظاما لكان ذلك قريبا. أما أن الغالب يأخذ القوة من المغلوب، والحي يكتسب الحياة من الميت، والقوي يقتبس القوة من الضعيف فذلك مالا يكون أبدا.
стр. 551
ومثال آخر في البلدان التي يغلب على أهلها الجهل بالكتاب والسنة ويكون للدجالين فيها سلطان عظيم فترى أحدهم يبيع قصور الجنة بأثمان بخسة ويهب الأولاد للمصابين بالعقم من الرجال والنساء ويعطي الغنى وطول العمر والنجاح في الامتحان والترقي في مناصب الدولة وقدوم الغائب بسلامة وشفاء الأمراض.. كل ذلك بدريهمات قليلة فيصدقه الأغبياء، ومرة جاء أحد الدجاجلة وقال: من يشترى قصرا في الجنة بمائة ريال فقام رجل من العقلاء وقال هذا ألف ريال أعطني به بيتا في هذه القرية وحين تسلمه لي أسلم لك ألف ريال، وأنا أعلم أنك لا تقدر على ذلك وإذا كنت عاجزا أن تملك بيتا ولو حقيرا في هذه القرية فكيف تملك قصرا في الجنة يا قليل الحياء؟. فسقط في يده وضحك عليه الناس.
ومرة جاء دجال آخر وقال لرجل أبسط ثوبك فأخذ يأخذ بيديه كلتيهما حفنة من الهواء ويضع في ثوبه ويقول هذا الرزق ثم يأخذ حفنة أخرى ثم يقول هؤلاء الأولاد الصالحون ثم يأخذ حفنة أخرى ويقول هذا العمر الطويل ثم يأخذ حفنة أخرى ويقول هذا الحج إلى النبي المصطفى (والجهال في المغرب يظنون أن الحج في حجرة النبي ﷺ ثم يأخذ حفنة أخرى ويقول هذا العز والجاه ثم يأخذ حفنة أخرى ويقول هذه قصور الجنة وهكذا لم يترك شيئا من الخير إلا وضعه في ثوبه بالكلام المجرد ثم قال أعطني شيئا فجمع الرجل يده وغرف غرفة وأعطاه إياها فقال خذ هذا مما أعطيتني..
وهذا القرآن وهذه الدعوة المحمدية ليسا من الأشياء التي كانت فبانت كما يتوهمه الجاهلون وليسا من الفصائل الحيوانية والنباتية التي انقرضت وحلّت محلّها فصائل أخرى ولن تعود إلى الوجود أبدا كما يريد أن يوهمنا الاستعمار بل هما قوة باقية خالدة لا تزول ولا تحول، ولك أن تطلب الدليل البارز الشاهد وعلى أن أدلي به فأقول: كيف نشأت الدولة العثمانية؟ ومن أين استمدت قوتها.. من (هولاكو وتيمورلنك وجنكيز خان) ؟.
стр. 552
لا والله فإن هؤلاء كانوا غزاة متوحشين والتاريخ أصدق شاهد، وإنما استمدت قوتها ووجودها وصارت إمبراطورية عظيمة استولت على آسيا وقسم كبير من أوروبة وإفريقية من الإسلام، ودونك شاهدا غير بعيد ولا منقرض بل هو قائم حاضر وهو المملكة السعودية.
كيف نشأت هذه المملكة في قلب الإمبراطورية العثمانية، وناهيك بما كان للإمبراطورية العثمانية، من الحول والطول وقد تصدت بجميع قواها الحرية والدعائية لتحطيم الحركة الدينية الإصلاحية التطهيرية التي أشرق نورها من قلب جزيرة العرب بجوار الحرمين الشريفين اللذين هما شريان الخلافة العثمانية.
لأن أجل ألقاب السلطان العثماني (خادم الحرمين) وزوال هذا اللقب ينذر بزوال الخلافة ثم بزوال الإمبراطورية وهو نتيجة محتومة لزوال الخلافة ولذلك جمع السلطان العثماني كل قواه وعبأ جيشه العظيم تحت قيادة محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا وزحفوا على الإمارة مدح النبي ﷺ السعودية بعد ما شنوا عليها حملات أقلام مضللة فعبأت الدولة العثمانية أسطولا بحريا وجيوشا برية بأحدث ما في ذلك العصر من الأسلحة من المدافع والبنادق المجهزة بالحراب والسيوف واستمرت الحرب بين الدولة العثمانية بجيوشها المختلفة الألوان واللغات وانضم إليهم لصوص الجزيرة وخرابها بقيادة محمد على باشا ثم ابنه إبراهيم وابنه طوسون من سنة ١٢٢٦هـ إلى سنة ١٢٣٣هـ ففتحوا الحجاز ثم نجدا بلدا فبلدا، وقرية فقرية، بل حيا فحيا.
стр. 553
وهذا من خوارق العادات أن إمارة تقاوم دولة عالمية زهاء إحدى عشرة سنة دون أن تتلقى مددا من أي جهة من الجهات وقد شهد المؤرخ المصنف عبد الرحمن الجبرتي المصري أن جيش إبراهيم باشا لم يكونوا يصلون ولا يذكرون الله وكانوا يشربون الخمر حدثه بذلك شاهد عيان وأن جيش الأمير عبد الله بن سعود كانوا محافظين على الصلاة، وفي أوقات الشدة كانوا يصلون صلاة الخوف وهؤلاء الغزاة العثمانيون وإن كانوا قد دوّخوا بلاد الحجاز ونجد وفتكوا بأهلها وخربوا مدينة الدرعية وأخذوا أميرها عبد الله بن سعود مع أصحابه إلى بلادهم وقتلوه شر قتلة فإن الله جعل العاقبة للمتقين وهو القائل: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ سورة النمل.
ونقلوا رؤساء آل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إلى مصر الذين لم يقتلوا في المعركة وظنوا أنهم قد قضوا على الحركة الإصلاحية الدينية، والنهضة العربية التحريرية فخاب ظنهم، وكيف كانت عاقبة آل سعود؟ وآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب؟ الجواب أن الله بارك فيهم حتى كأنهم لم يرزءوا شيئا ومن قتل منهم فاز بالشهادة وهي إحدى الحسنيين وكيف كانت عاقبة محمد علي باشا وسادته آل عثمان؟ لم يبق منهم ديار ولا نافخ نار وعد الله لا يخلف الله وعده، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ سورة القصص.
стр. 554
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ سورة الرعد.
أما الحركة السعودية الدينية والسياسية فصارت أقوى مما كانت عليه، ولم تزل في تقدم واتساع حتى صارت أعظم مملكة في جزيرة العرب وما يليها إلى حدود الشام والعراق.
ولاتزال بحمد الله تزداد نموا وازدهارا وقوة ولاسيما في هذا الزمان الذي منّ الله عليها فيه بملك همام حنكته التجارب وعرف كيف يسير بالمملكة في طريق الرقي وكيف يسير سفينتها بحكمة وبعد نظر وحزم إلى شاطئ السلامة في هذا الخضم المتلاطم الأمواج ألا وهو صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز زاده الله توفيقا وتسديدا وقوة ونصرا على أعداء الإسلام ووفق جميع ملوك المسلمين ورؤسائهم إلى اتباع رضوانه.
وهناك شاهد ثالث من نوع آخر على أن الإسلام قوة عظيمة معنوية ومادية لمن تمسك به بإخلاص. وهو أن جميع دول أوروبا بملوكها وجيوشها غزت البلاد المقدسة (فلسطين) وأوقدت فيها نار حرب بينها وبين المجاهدين دامت مائتي سنة وختمت بهزيمة تامة لدول أوروبا، ومن قابل ذلك بحال فلسطين في هذا الزمن لا يجد مندوحة من الاعتراف بأن الإسلام الصحيح قوة لا تقهر، وأن كل شعب سعد أسلافه وارتفعوا بالإسلام لن يسعد ولن يرتفع إلا بما ارتفع به أسلافه.
ومن ظن خلاف هذا فهو مخدوع يخبط خبط عشواء في ليلة حالكة ظلماء ومضمون له الخيبة والخسران.
стр. 555
وإنما قيدت الدين بكونه صحيحا في أول المقال احترازا من الدين المبدل الذي لا يقوم على القرآن بل كما فهمته العرب في القرن الأول وسيرة الرسول ﷺ والخلفاء الأربعة، وأما الدين المبدل في العقائد والأخلاق والأحكام فلن يأتي بتلك الثمرة أبدا، بل قد يبلغ به التبديل والتغيير إلى أن يصير شرا وضرا محضا ويأتي بعكس المطلوب. وبذلك يفسر نجاح الاستعمار وإخفاق الحركات الدينية التي تصدت لمقاومته. وإنما الدين الإسلامي دواء وصفه طبيب نطاسي بارع في معرفة العلل النفسية للأمم والشعوب فمن خالف وصفة الطبيب أو الاستعمال فمن تلك المخالفة أُتي، لا من الدواء فهو صالح كما قدّمنا شواهده لك في كل زمن ومكان، إلى أن ينتهي أجل هذا الكون الذي نعيش فيه.
стр. 556
ولنا من أهل هذا العصر شهود عدول نذكر بعض أسمائهم للقردة من أبناء المسلمين الذين لا يكفيهم القرآن ولا الحديث ولا شواهد التاريخ، لأنهم بزعمه أن هذا العصر تبدّلت فيه المقاييس وانقلبت فيه الأمور لأنه عصر الذرة وغزو الفضاء الخارجي فهم لا يقتنعون إلا بشهادات الأوروبيين فمنهم (الشيخ عبد الله ويليام الإنكليزي) ألف كتابا سماه: (الإسلام) باللغة الإنكليزية وأثبت فيه بالبراهين القاطعة أن الإسلام هو الدين الصالح لسعادة البشر من الوجهة الروحية ومن الوجهة المادية، في كل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ومنهم اللورد هدلي هداه الله إلى الإسلام وهو من الحاصلين على لقب لورد أي من النبلاء في الدولة البريطانية وحج بيت الله سنة (١٣٤١هـ) وأعطاه الشريف حسين عربة تجرّها الخيل ذهبت به من مكة إلى عرفات ورأيته فيها محرما حاسر الرأس أصهب الشعر. وله دفاع مجيد عن دين الإسلام وإسلامه وحده كاف لزجر أعداء الإسلام والطاعنين فيه من الداخل والخارج، ومنهم (خالد شلدريك) صحفي إنكليزي نشر مقالات في فضل الإسلام، ومنهم الأستاذ محمد مارماد ديوك بكثل رئيس المحاكم في حيدر آباد دكن ومفسر القرآن الكريم بالإنكليزية، بيني وبينه معرفة ومكاتبات، ومنهم الأستاذ الجليل البروفسور (كرينكو) أستاذ الأدب العربي في جامعة كمبردج وهو ألماني الأصل، وكان أستاذا للغة العربية في جامعة عليكرة بالهند أسلم منذ زمان طويل وسمى نفسه عبد الكريم الكرنكوى، وكانت له غيرة عظيمة على الإسلام والمسلمين ولم تنقطع الكتابة بيني وبينه حتى توفي ﵀، ومنهم العالم الفرنسي (خير الدين دنيى) الذي ألف كتاب الرحلة إلى بيت الله وكتبا أخرى باللغة الفرنسية وقد ترجم بعضها إلى العربية، فهؤلاء كلهم أوروبيون أسلموا ونصروا الإسلام. وممن نصروا الإسلام ولم يبلغلنا إسلامهم الكاتب العالمي المشهور (برناردشو) والبريطانيون يمجدونه غاية التمجيد ولا ينقصه
стр. 557
عندهم إلا الدين فإنهم يصفونه بالإلحاد وبأنه كان يعادي دينهم النصراني، ولم يكن ملحدا، ولكن العقائد الكنسية تجد في عقله مكانا أما الإسلام فإنه مدحه وأثنى عليه ومن جملة ما قاله فيه: "إن الأوروبيين النصارى لن يزالوا في تنازع وتطاحن ولا يجدون لأمراضهم الاجتماعية دواء إلا في الإسلام". ومنهم الفيلسوف الإنكليزي (كارليل) في كتابه الذي سماه (الأبطال) وذكر منهم النبي محمدا ﷺ وعظّمه غاية التعظيم وبين فضل تعاليمه. ومنهم الفيلسوف الروسي (تولستوي) فإنه وأفاض في الثناء عليه. انظر تراجم هؤلاء في دائرة المعارف.
وبعد هذا التمهيد والبحث المفيد نخرج بالنتيجة التالية وهي: إن الركن الأول من ثقافة العرب الذين نحن جزء منهم وثقافة المسلمين الذين يؤلفون الأمة التي ننتمي إليها هو تعليم الدين تعليما علميا عقديا أخلاقيا جديا من روضة الأطفال إلى آخرسنة في الجامعة.
وكل ثقافة تخل بهذا الركن الأساسي أو تقرره تقريرا لفظيا فارغا من معناه ومن العقيدة والعمل والخلق والمعلمين الأكفاء فنتيجتها صفر على اليسار.
ومن زعم أن الدول الأوروبية السعيدة القوية التي مضت على سعادتها وقوتها وتعاونها وثباتها ونجاحها في جهادها في حربها وسلمها مئات السنين قد هجرت الدين وكان ذلك سبب نجاحها فهو لا يخلو من أن يكون جاهلا مقلدا إمعة قد استهواه الاستعمار الروحي وأفسد فطرته وتفكيره أو عالما بالحقيقة لكنه منافق مخادع يظهر خلاف ما يعتقد جبنا وخوفا من فوات رغبة شخصية أو طمعا في رغبة جديدة تصل إليها نفسه الأمارة. على أن دينهم ليس فيه من الحياة والقوة والمطابقة للعقل والكفالة بسعادة الروح والبدن مثل ما في ديننا.
لغة القرآن
стр. 558
وإذا تقرر أن الركن الأساسي من أركان الثقافة التي نحتاج إليها هو معرفة الدين الصحيح والعمل به والتقيد بأحكامه والدعوة إليه فمفتاح هذه الثقافة هي لغة القرآن والسنة، فبدونها لا يمكن أن نعرف هذا الكنز العظيم الذي فرض مقدس على جميع الشعوب العربية والإسلامية وعلى قدر أدائه والتقدم فيه يكون تقدمها.
ومن سوء الحظ أن هذه اللغة الكريمة قلّ ناصرها وكثر خاذلها ولم تزل في إدبار منذ مئات السنين ثم جاءها الاستعمار اللغوي فكان ضغثا على إبالة فاختلط الحابل بالنابل فبعد ضياع الإعراب والصرف تسرب الوهن إلى قواعدها وتغيرت مفرداتها وأسلوبها وذهب جمالها وبلاغتها وكثر الخطأ فيها حتى عسر على المصلحين عدّه فكيف بتلافيه وإصلاحه وصارت غربة علمائها كغربة علماء الإسلام، كل من قبض منهم لم يوجد له خلف فنحن اليوم نعيش على المعاجم التي ألفت في القرن الثامن الهجري وما قبله سواء أكانت معاجم لغة أو معاجم أدباء أو النحو والصرف وغيرها من علوم الأدب، أما الكلمات التي حدثت في القرون المتأخرة وهي كثيرة والكتاب والخطباء في حاجة إليها لأن معانيها لازمة للناس في معايشهم وتفكيرهم وحديثهم فقد بقيت مهملة فاضطر الناس إلى التعبير بالكلمات الأعجمية، وأما ضعف الأسلوب فسببه إعراض المسلمين عن تراثهم واشتغالهم بلغات الأعاجم، ومن العجب أن نرى أمة تعد بمائة مليون ليس لها دائرة معارف تجمع شمل علومها وآدابها إلا تأليفين لرجلين هما محمد فريد وجدي وبطرس البستاني وهذا الثاني لم يتم ولو أن المتكلمين باللغة العربية قاموا بواجبها لبلغت دائرة معارفهم على أقل تقدير مائة مجلد لأن دائرة المعارف الإسبانية ستون مجلدا والفرق بين اللغتين في كثير من العلوم والآداب كما بين السماء والأرض فعسى الله أن يوفق المسلمين إلى إحياء تراث أسلافهم وغسل هذا العار عنهم بإحياء الثقافة الإسلامية حتى يقال ما أشبه الليلة بالبارحة، والغادية بالرائحة، وآخر
стр. 559
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 560
رسائل لم يحملها البريد
للشيخ/ عبد الرؤوف اللبدي المدرس في الجامعة
سلامٌ عليكَ رسولَ الإلهِ
سلامٌ يَضُوعُ كفَوحِ الزَّهَرْ
تَمُرُّ القُرون وتأتي القرونُ
وذِكْرُك عَبْرَ القُرون عَطِرْ
وقِفتُ بقَبرك ذَات صباحٍ
وقَدْ صَحبْتني طيوفُ الذِّكَرْ
ذكرتُ السيوفَ على أرضِ بدرٍ
تُجالِدُ أهْلَ الضلالِ النُّكُرْ
وفي يَومِ أحْدٍ ذَكرتُ الجراحِ
تسيلُ كفاحًا لأمر قُدِر
ويَومَ حُنَيْنٍ ذكرتُ الثباتَ
وقدْ فَرَّ كلُّ شجاعٍ ذَكَرْ
ذكرتُ جيوشكَ وابن الوليد
وسَعْدًا وعَمْرًا وأسْدًا أخَرْ
جيوشٌ تسيرُ إلى مَغْربٍ
وأخْرى إلى ما وراءَ النَّهَرْ
وهذي تشُقُّ فجاجَ الصَّحاري
وتلك تشُقُّ عُباب البَحَرْ
وحِطِّينَ يومَ التقى المسْلمون
وفي صَدرهم لَهَبٌ مُسْتَعِرْ
بجيشِ غُزاةٍ أتى مِنْ بَعيدٍ
يَرُومُ المُقامَ وطولَ المقرْ
وكم في حياتِكَ من ذكرياتٍ
تُضيءُ تُضيءُ ولا تَنْكدِرْ
وقفت ُ بقبركَ ذاتَ مساءٍ
وقد غَشِيتني همومٌ كُبَرْ
أسائِلُ في لَهْفَةٍ لا تَغيضُ
ودمعٍ عصيٍّ مَضى يَنْحدِرْ
فما بالُ أحفادِ تلك القُرونِ
تُوَلِّي أمامَ العدوِّ الدُّبُرْ
وما كان ذلكَ عن قلَّةٍ
جرادٌ بساح الوغى منتشِرْ
وأسلحةٌ قد تدكُّ الجبالَ
وأخرى السماءُ بها مُنْفطِرْ
وإِني لأعجبُ كيف استمعتُ
إلى كلماتٍ بأُذْني تَصِر:
وما كان جَدْوَى أولاءِِ الجنودِ
وما كان جَدْوَى السلاحِ الخَطِرْ
إذا لم يكنْ في القلوبِ الشُّعاعُ
يُضيءُ الطريقَ لمنْ يَنتصِر
دعوتَ إلى خطةٍ في الحياة
стр. 561
تكونُ سبيلَ الهُدى والظفَر
فكانتْ حياةً لمن قد أجاب
وكان الضياعُ لمن قد نَكِرْ
أَضَعْنا الذي قد دعوتَ إليهِ
ورُمنا النجاةَ لَدَى من كَفَرْ
فيا للخِداعِ ويا للصِّراعِ
ويا لدماءٍ تسيلُ هَدَرْ
تعالَيْ تعالَيْ رياحَ الشتاءِ
تعالَيْ فُرادَى تعالَيْ زُمَرْ
تولَّى الخريف وفوقَ الغصون
وريقاتُ صُفرٌ ولمَّا تطِر
لعلَّ ربيعًا يعودُ جديدًا
فيَشفي الصدورَ ويجلُو البَصَرْ
стр. 562
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب
لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي المدرس في الجامعة
الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين وأشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الحمد لله الذي ختم الرسل بهذا النبي الكريم عليه من الله الصلاة والتسليم, كما ختم الكتب السماوية بهذا القرآن العظيم, وهدى الناس بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم, فأخباره كلها صدق, وأحكامه كلها عدل, وبعضه يشهد بصدق بعض ولا ينافيه, لأن آياته فصلت من لدن حكيم خبير. ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ .
أما بعد فإن مقيد هذه الحروف, عفا الله عنه, أراد أن يبين في هذه الرسالة ما تيسر من أوجه الجمع بين الآيات التي يتوهم فيها التعارض في القرآن العظيم, مرتبا لها بحسب ترتيب السور, يذكر الجمع بين الآيتين غالبا في محل الأولى منهما وربما يذكر الجمع عند محل الأخيرة وربما يكتفي بذكر الجمع عند الأولى وربما يحيل عليه عند محل الأخيرة ولاسيما اذا كانت السورة ليس فيها مما يتوهم تعارضه إلا تلك الآية فإنه لا يترك ذكرها والإحالة على الجمع المتقدم, وسميته:
(دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)
فنقول وبالله نستعين وهو حسبنا ونعم الوكيل راجين من الله الكريم أن يجعل نيتنا صالحة وعملنا كله خالصا لوجهه الكريم, إنه قريب مجيب رحيم.
سورة البقرة
стр. 563
قوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أشار الله تعالى إلى القرآن في هذه الآية إشارة البعيد وقد أشار له في آيات أخر إشارة القريب كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وكقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ الآية وكقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ , وكقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ , إلى غير ذلك من الآيات, وللجمع بين هذه الآيات أوجه: -الأول-ما حرره بعض علماء البلاغة من أن وجه الإشارة إليه بإشارة الحاضر القريب أن هذا القرآن قريب حاضر في لأسماع والألسنة والقلوب, ووجه الإشارة إليه بإشارة البعيد هو بعد مكانته ومنزلته عن مشابهة كلام الخلق وعما يزعمه الكفار من أنه سحر أو شعر أو كهانة أو أساطير الأولين.
الوجه الثاني: هو ما اختاره ابن جرير الطبري في تفسيره من أن ذلك إشارة إلى ما تضمنه قوله: ﴿الم﴾ وأنه إشارة إليه إشارة البعيد لأن الكلام المشار إليه منقض ومعناه في الحقيقة القرب لقرب انقضائه وضرب له مثلا بالرجل يحدث الرجل فيقول له مرة: والله إن ذلك لكما قلت, ومرة يقول: والله إن هذا لكما قلت, فإشارة البعيد نظرا إلى أن الكلام مضى وانقضى وإشارة القريب نظرا إلى قرب انقضائه.
الوجه الثالث: أن العرب ربما أشارت إلى القريب إشارة البعيد فتكون الآية على أسلوب من أساليب اللغة العربية ونظيره قول خفاف ابن ندبة السلمي لما قتل مالك بن حرملة الفزارى:
فعمدا على عيني تيممت مالكا
فإن تك خيلى قد أصيب صميمها
تأمل خفافا إنني أنا ذلكا
أقول له والرمح يأطر متنه
стр. 564
يعني أنا هذا وهذا القول الأخير حكاه البخارى عن معمر بن المثنى أبي عبيدة قاله ابن كثير. وعلى كل حال فعامة المفسرين على أن ذلك الكتاب بمعنى هذا الكتاب. قوله تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذه نكرة في سياق النفي ركبت مع لا فبنيت على الفتح. والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص في العموم كما تقرر في علم الأصول, و ﴿لا﴾ هذه التي هي نص في العموم هي المعروفة عند النحويين بـ (لا) التي لنفى الجنس, أما (لا) العاملة عمل ليس فهي ظاهرة في العموم لا نص فيه, وعليه فالآية نص في نفي كل فرد من أفراد الريب عن هذا القرآن العظيم, وقد جاء في آيات أخر ما يدل على وجود الريب فيه لبعض من الناس كالكفار الشاكين كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ , وكقوله: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ , وكقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ . ووجه الجمع في ذلك أن القرآن بالغ من وضوح الأدلة وظهور المعجزة ما ينفي تطرق أي ريب إليه, وريب الكفار فيه إنما هو لعمى بصائرهم, كما بينه بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ فصرح بأن من لا يعلم أنه الحق أن ذلك إنما جاءه من قِبل عَماه ومعلوم أن عدم رؤية الأعمى للشمس لا ينافي كونها لا ريب فيها لظهورها:
فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة
وأجاب بعض العلماء بأن قوله لا ريب فيه خبر أريد به الإنشاء أي لا ترتابوا فيه وعليه فلا إشكال.
стр. 565
قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ . خصص في هدى هذا الكتاب بالمتقين, وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أن هداه عام لجميع الناس, وهي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ﴾ الآية. ووجه الجمع بينهما أن الهدى يستعمل في القرآن استعمالين أحدهما عام والثاني خاص. أما الهدى العام فمعناه إبانة طريق الحق وإيضاح المحجة سواء سلكها المبين له أم لا ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي بينا لهم طريق الحق على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع أنهم لم يسلكوها بدليل قوله : ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ , ومنه أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ , أي بينا له طريق الخير والشر بدليل قوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ . وأما الهدى الخاص فهو تفضل الله بالتوفيق على العبد ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ , فإذا علمت ذلك فاعلم أن الهدى الخاص بالمتقين هو الهدى الخاص وهو التفضل بالتوفيق عليهم والهدى العام للناس هو الهدى العام, وهو إبانة الطريق وإيضاح المحجة, وبهذا يرتفع الإشكال أيضا بين قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ مع قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ , لأن الهدى المنفي عنه ﷺ هو الهدى الخاص لأن التوفيق بيد الله وحده ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا, والهدى المثبت له هو الهدى العام الذي هو إبانة الطريق وقد بينها ﷺ حتى تركها محجة بيضاء ليلها كنهارها, والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ
следующие страницы →