Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.
стр. 5706
إن ذوي الفكر الشرير قابضون على ناصية الإعلام وفنونه المغرية في كل مكان، وقد أعدوا لكل مستوى عقلي ما يلاءمه من هاتيك الوسائل.. تساعد على تحقيق أغراضهم الطاقات الهائلة الموضوعة تحت تصرفهم من دول الإلحاد ومنظمات الإفساد، على حين لا يكاد الفكر البناء المؤمن يجد سبيله إلى الظهور إلا في أردأ المظاهر.. لأنه في الغالب مجهود أفراد فقراء لا مدد لهم ولا عُدد، فإذا نحن في عالمنا الإسلامي نجحنا في القضاء على الأمية، وسننجح بمشيئة الله فماذا أعددنا لاستقبال هذه الجماهير التي ستكون مستعدة لالتهام كل ما تقع عليه من مطبوعات تلاءم مستواها الفكري؟
ذلك هو السؤال الذي يجب على كل ذي غيرة على عروبته ودينه أن يطرحه على نفسه، وأن يفكر بجوابه الأفضل، ومن أجل أن يكون نجاحنا صحيحا في هذا الميدان لابد لنا من تهيئة الغذاء الفكري الصالح لبنية هؤلاء الوافدين حديثا إلى مائدة المعرفة..
قبل أن يخرج الله ﵎ الإنسان إلى هذه الدنيا أعدها لاستقباله بكل ما يساعده على بناء المدنيات، فلما أطل عليها وجد كل شيء على أتم الاستعداد لمساعدته على مهمته في إعمار الأرض، وعلينا نحن أن نتعلم من هذه السنن الإلهية كيف نهيئ الضرورات الأساسية لذلك الجيل الذي فتحنا أعينه على عالم القلم.. وهذا يقتضي في مفهومي أن يجد مادة القراءة الصالحة لتحسين واقعه النفسي، صحفا تقدم له وجباته الأولية من الثقافة الصحيحة، وكتبا تتدرج معه في مختلف المستويات، قصة ومقالة وبحثا ... ثم تخصيصه ببرامج من الإذاعة اليومية مسموعة ومرئية، تأخذ بيده في طريق التطور الصاعد.. ولا حاجة إلى التذكير بأن ذلك كله يجب أن يستمد من معين الإسلام، في أساليب مبسطة من البيان العربي السليم..
стр. 5707
أما إذا اكتفينا من هذه المهمة بتمكين الأمي من فك الحرف دون أن نزوده بالمقومات التي تصونه من السقوط في حبائل الشياطين، فمعنى ذلك أننا حررناه من أمية الفطرة لنسلمه لقمة سائغة لأمية أخرى هي أخطر عليه وعلى مجتمعه وعلى البشرية من الجهل، وأمامنا نماذج لا تحصى من أولئك الذين عبدت لهم الطرق إلى أعلى الشهادات، فكانوا كما وصف الله زملاء لهم سابقين بقوله الحكيم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً..﴾ ، أو كما قال سبحانه في عالم إسرائيلي اشترى بآيات الله ثمنا قليلا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٧-١٤٧) .
وهل أنا بحاجة للإشارة إلى هؤلاء المساكين الذين اجتالهم الشيطان، فاتخذوا من ألقابهم العلمية الوهمية ذريعة للطعن على دين الله، فراحوا يعقدون المؤتمرات للدعوة إلى تهديم ما بناه الله! أجل.. أجل إنها أمية جديدة تتبجح بالشهادات ولا مندوحة لحماية الناس، ولاسيما أولئك الذين فارقوا الأمية من مخاطر دعواتهم الخبيثة رحمة بأمتنا وبإخوتنا.. وبإنسانيتنا على الأقل، ومن لهذه المهمة الضخمة سوى معاقل العلم العالية، تسهم في إعداد الحصانة اللازمة لهؤلاء الوافدين على العلم!.
وإنها لأعباء ثقيلة.. ولكنها جديرة بعاتق الجامعات العربية، ولاسيما في هذه المملكة الناهضة، وفي عصر التيارات الفكرية المتضاربة.
ورطة لابد من علاجها:
стр. 5708
وثمة قضية على جانب كبير من الغرابة والخطورة معا، تلك هي إجماع وزارات المعارف في كل بلد عربي على تعليم الأجنبية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وهو أمر لا يزال يثقل كاهل التلاميذ بأعباء غير يسيرة، على حساب العربية والدين وغيرهما من المواد الرئيسية.. وقد أثبتت التجربة الطويلة أن المردود الوحيد الذي جنيناه من هذا الاتجاه هو ضحالة الثقافة مطلقا، وشحن نفوس الشباب بشعور التبعية للأمم التي فرضت عليهم لغاتها.. يضاف إلى ذلك أن هذا الطالب المسكين لا يكاد يطأ أرض العالم الغربي للدراسة الجامعية حتى يفاجأ بصدمة الجهل التام للغة المفروضة، فيلجأ إلى المعهد الخاص لإعداد أمثاله، وقد تستغرق هذه المحاولة زمنا غير يسير ليتمكن من الالتحاق بالقسم الذي يريد.. ولو نحن أمعنا الفكر في قوادم هذا الوضع وخوافيه لأدركنا عظم الخطأ الذي اقترفناه بذلك التقليد غير الواعي.. إذ أضعنا جزءا كبيرا من حياة هذا الطالب دون ثمرة، سوى ما أسلفناه من شعور التبعية، والإحساس بصغار الجنس الذي ينتمي إليه، بإزاء الأمة التي أكره على إذابة الكثير من طاقاته في التشمم للغتها.. ولعل هذا أشد ما يكون بروزا في دور إعداد المعلمين للمرحلة الابتدائية، حيث يهدر الزمن غير القصير من حياة الطالب في دروس الأجنبية، دون أن يحتاج إلى كلمة منها طوال جهاده في تعليم الصغار.
أجل.. إنني بكل صراحة، وبعد تجربة ثلث قرن في ميدان التعليم، أرفع صوتي بهذا الاقتراح وهو إنقاذ الجيل العربي من هذه الورطة.. وبديهي أن اقتراحي يشمل الدراسة الجامعية نفسها التي سبق أن أشرت إلى ضرورة وقفها على العربية وحدها إلا في الأقسام الخاصة باللغات الأجنبية ...
стр. 5709
وما دمنا في حاجة إلى الدراسات الأجنبية في نطاق العلوم العملية فبالإمكان تدارك ذلك بافتتاح معاهد خاصة لتعليم اللغات الأخرى ضمن سنتين، لينطلق بعدهما لمتابعة دراسته في المادة المرادة دون تعثر.. وذلك على غرار مدرسة اللغات التي أنشأها محمد علي لإعداد البعثات التي رأى ضرورة إرسالها إلى الخارج.. وعلى شاكلة دار الترجمة التي أنشأها المأمون لنقل العلوم عن اليونانية إلى العربية دون أن يكره الناس على تعلمها في المدارس أو الجامعات، ولا أذهب بعيدا للتدليل على سداد ما أشير إليه، ففي الكثير من تجارب المملكة مع بعثاتها إلى الخارج ما يؤكد أن تأخير دراسة الأجنبية إلى ما بعد الثانوية خير وأجدى على المبتعث من أن يلزم دراستها قبل ذلك.. وفي المملكة _ ولعل منهم بيننا الآن _ حملة دكتوراه من الغرب كانوا قد تخرجوا في المعاهد العلمية، حيث انقطعوا إلى دراسة دينهم ولغتهم والعلوم التي لا غنى عنها للمثقف دون أن يدرسوا حرفا من الأجنبية إلا بعد أن توجهوا إلى بلادها ... على حين أن كثيرين ممن درسوا الأجنبية طوال المرحلة الإعدادية والثانوية لم ينتفعوا منها بشيء إلا بعد أن تفرغوا لها في بيئتها، فأقبلوا على دراستها من جديد.
وقل اعملوا:
ولعل من غير البعيد عن مهمة الجامعات ولاسيما في هذه المملكة الغالية أن تعمل لإنشاء مجمع علمي للغة العربية إلى جانب مجمع كبار العلماء، يحشد له أساطين العربية والمتخصصين في مختلف العلوم ذات الصلة بها سواء من داخل المملكة أو خارجها، يكون من مهامه متابعة التطورات العلمية، وإمداد الجامعات ومؤسسات الإعلام بما يسد الحاجة إلى المستحدثات اللغوية عن طريق الاشتقاق أو الاصطلاح أو النحت أو المجاز، وما يتصل بذلك مما تضمنته المعاجم القديمة من أصول يمكن الانتفاع بها إلى مدى بعيد في تنمية البيان العربي.
стр. 5710
إن عملا جليلا كهذا لا يتجاوز حدود الممكنات إذا تضافرت عليه جهود الجامعات العربية وكلياتها.
وإذا كان ذلك حقا على كل جامعة في بلاد العرب فهو حق أكبر على جامعات البلاد التي منها انطلقت لغة العرب إلى الدنيا، ومن حرميها المكرمين تدفقت أشعة الوحي، الذي أمد هذه اللغة بما أهلّها للمكان العالمي الذي تبوأته في عهود المجد والازدهار، ولا جرم أنها حين تتداعى للنهوض بهذا العبء ستجد من العون الكريم لدى حكومة جلالة الفيصل ما يؤمن لها كل وسائل النجاح إن شاء الله.
وما أسعدنا ببشرى رسول الله ﷺ التي تخبرنا أن طائفة من أمته لا تزال ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون، وقد ذهب أكابر علماء السلف إلى أن الطائفة الظاهرة هذه هي العرب، حملة رسالة القرآن بلغة القرآن إلى أهل الأرض.
وليس في الدنيا من يزاحم أهل هذه الديار العزيزة على مركزها من قلب العروبة وصميمها وذؤابتها.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ .. والحمد لله رب العالمين.. وصلاته وسلامه على أكرم المرسلين سيد الأولين والآخرين، محمد وعلى آله وصحبه وذريته الطاهرين ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] أذاع صوت أميركا تقريرا عن الفن بمصر يوم ١١-٤-٧٦ فجاء فيه أن أربعين راقصا قد تخرجوا من معهد الباليه، وقد التحقوا أو التحقن بالفرقة الفنية ...
[٢] رواه أحمد عن ابن مسعود ﵁.
[٣] انظر جمع الفوائد ج ٢ ص ١٦٢ رقم ٦٧٠٤.
[٤] من حديث طويل رواه الطبراني في الكبير عن علقمة، ويرى العلماء سنده في مرتبة الحسن. انظر: الترغيب والترهيب ج رقم ٢٠٥.
стр. 5711
رسالة بدماء القلب
إلى صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز
رئيس الهيئة العليا للدعوة الإسلامية
ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام
لفضيلة الشيخ إبراهيم محمد سرسيق
يا صاحب السمو الملكي ... أعزك الله بالإسلام وأعز الإسلام بك، وأرشدك إلى الحق وأرشد الحق إليك، ورغبك في الخير ورغب الخير فيك، وجعلك من الدعاة إلى الدين الحق لا تبتغي بذلك سوى وجهه الكريم ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ..؟
أما بعد فإني أحمد إليك الله الذي لا إله هو، وأصلي وأسلم على نبيه ومصطفاه محمد ﷺ وأستفتح إن شاء الله تعالى بما هو خير..
يا صاحب السمو الملكي:
حينما ترامت إلينا الأنباء من جميع الأنحاء، تزفّ إلينا بشرى تنصيبك رئيسا للهيئة العليا للدعوة الإسلامية بالمملكة العربية السعودية فرحنا واستبشرنا وامتلأت قلوبنا بالأمل والغبطة لأسباب عدة:
أولها: هو تأسيس هذه الهيئة نفسها للدعوة الإسلامية في شتى أنحاء الأرض، فهذا واجب وضعته المملكة على عاتقها منذ إنشائها، بل هو الأساس الصلب الذي قامت عليه حين أسسها البطل القوي الأمين الملك عبد العزيز طيب الله ثراه وجعل الجنة مأواه.
ثانيها: هو اختيارك على رأس هذه الهيئة المباركة، وأنت رجل مخلص لهذه الدعوة الخالدة، وقد بدا هذا في تصريحاتك التي أدليت بها للصحفيين غداة إعلان تأسيس هذه الهيئة، حيث أعربت عن سرورك بالمشاركة في العمل على نشر الدعوة الإسلامية والقيام بهذا الواجب، لأن الدعوة إلى الله فيها عز هذه الأمة.
وثالثها:
стр. 5712
إن مئات الملايين من مسلمي العالم اليوم، في كل القارات تقريبا، يتلفتون في كل الاتجاهات بحثا عن الجهة التي يمكنهم أن يشعروا بالانتماء إليها، ثم يولون وجههم شطر المملكة العربية السعودية، وكلهم ثقة أن هذه الأرض التي شهدت تفجر النور الإسلامي لابد أن تظل تحتضنه وترعاه، ولا تتخلى عنه قيد شعرة، وإنه لواجب مقدس أن تنهض هذه المملكة بالذات ـ وتتصدى لنشر الدعوة الإسلامية واللغة العربية في كل مكان ـ هذا دورها وتلك رسالتها التي قدّر لها أن تنهض بها بحكم قيادتها للعالم الإسلامي.
فلهذه الأسباب وغيرها آثرت أن أكتب لكم هذه الرسالة بدماء قلبي، لأن ما شاهدته وعانيته وأنا أدعو إلى الإسلام في قارة إفريقية وكل مشاكل المسلمين فيها متشابهة يجعل أي غيور على الإسلام ينتفض غضبا لما يراه ويسمعه، وسأنقل إليكم الآن بعض ما يهمكم أن تعرفوه بحكم منصبكم الجديد، وبحكم رسالتكم في هذا العالم، وبحكم ما تقتضيه الأخوة الإسلامية من واجب الرعاية والحماية والنصح والإرشاد.
أولا: مشكلات الدعاة..
يا صاحب السمو الملكي..
إن من أكبر معوقات النجاح بالنسبة للدعاة في الخارج اختلاف الجهات التي تبتعث الدعاة، وبالتالي اختلاف المستويات الاقتصادية بينهم، ولكي أزيد الأمر وضوحا أقول:
إن هناك حاجة ماسة لتجميع الجهات التي تتولى إرسال الدعاة في هيئة إسلامية دولية واحدة، وليس ذلك بعسير على الإطلاق ما دامت النية الصادقة معقودة على خدمة الدعوة الإسلامية والعمل على نشرها بشتى الوسائل، انظروا بارك الله فيكم كيف يتم إرسال عدد من الدعاة إلى منطقة واحدة من عدة منظمات إسلامية مثل:
أ- دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية.
ب- إدارة البعثات بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بمصر.
ج- هيئة الدعوة الإسلامية بالجمهورية العربية الليبية.
стр. 5713
هذا بالإضافة إلى جهود تطوعية يقوم بها عدد من المدرسين وغيرهم من العرب وغيرهم، وكلهم ذوو اتجاهات متعددة إن لم تكن متباينة، وقد يخدم بعضهم أغراضا غير دينية، بينما يتوقع الناس أن يكون لهم جميعا صوت إسلامي واحد.
هذا بالإضافة إلى أن تفاوت مرتباتهم يجعلهم مختلفين على أنفسهم، ما بين أناس شغلتهم الدنيا عن الآخرة، وآخرين أغرقوا أنفسهم بما لا يجوز لهم من انهماك في تعويض ضالة المرتبات بالاشتغال ببعض الأعمال الإضافية التي تؤثر في صورتهم المثالية باعتبارهم دعاة مخلصين، والآن أتساءل: لماذا لا تكون هناك هيئة متخصصة في تدريب الدعاة، وفي تقويم ألسنتهم وفي تثقيف عقولهم وتنقيتها من البدع والخرافات، ثم ابتعاثهم إلى بلاد الله لنشر دين الله؟ ثم لماذا لا تكون المملكة هي المركز الأول الذي تتبعه جميع المراكز والمعاهد التي تتكفل بشؤون الدعوة في بلادها؟ لماذا لا تكون هناك وحدة في الإعداد والتوجيه بدلا من هذه الازدواجية في الإشراف والمتابعة والتمويل؟ ألا نستطيع أن نقضي على الفوارق الضارة في مجال الدعوة، امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [١] .
لا جرم أن هذه الاختلافات في جهات الابتعاث تؤدي إلى آثار ضارة ووخيمة، وتقود إلى نتائج لا تحمد عقباها في مجالات الهداية والتأثير، أهمها ما يأتي:
١- أن الاختلافات المذهبية بين الدعاة تؤثر في نفور الناس منهم بلا استثناء، كما أنهم قد يتباعد بعضهم عن بعض كما قد يكيد بعضهم لبعض، وقد سجنت إحدى الحكومات الإفريقية مبعوثا ثم طردته من أرضها، لأنه أحدث الفرقة بينه وبين إخوانه، ثم أحدث بلبلة في نفوس المسلمين فكان جزاؤه الطرد لما تسبب فيه من شحناء بين المسلمين [٢] .
стр. 5714
إن الاختلافات بين المستويات الاقتصادية للدعاة نتيجة تفاوت المرتبات يجعل بعضهم ينأى عن بعض، وقد يتسبب هذا في إثارة حفيظة بعضهم على بعض.. ومن الواجب حفظ الكرامة الشخصية للدعاة، ومنع بعضهم من التطاول على بعض، لأن ذلك قد يحدث ولو بطريقة غير شعورية نتيجة المعاملة المالية غير العادلة التي يعامل بها بعض المبعوثين، لاسيما إذا أدخلنا في الاعتبار ما طرأ على أسعار السلع الأساسية، وما طرأ على إيجارات العقارات من ارتفاع جنوني في مختلف بلاد العالم.
تتفاوت جهات الابتعاث في مدى الجدية أو التهاون في متابعة نشاط المبعوثين، ومن هنا قد ينشط بعضهم تلقائيا، وقد لا يظهر بعضهم إلا في المناسبات الرسمية الدينية، وقد يكتفي بعضهم بأداء وظيفة المدرس في إحدى المدارس الدينية لمدة قليلة كل يوم، أو يوما بعد يوم.
ومن الناحية العلمية:
стр. 5715
قد ينسى بعضهم كل ما تلقاه أو بعضه إزاء تكاسله عن أداء واجبه المقدس، حتى ليستفتيه الناس فلا يفتيهم، وما أكثر هؤلاء الآن في حقل الدعوة، وما عادوا يستحقون أن يلقبوا بالدعاة، ولذلك فإن من أوجب الواجبات على جهات الابتعاث أن يكون لديها تقريرات وافية ومفصلة عن نشاط الداعي، وتحركاته طوال شهر كامل، ومدى فاعليته في تبليغ الدعوة، وعدد من أسلموا عليه، وهل استطاع أن يربط قلوب الناس بالإسلام؟ ولا مانع مطلقا من رصد حوافز مادية أو أدبية للداعي، لأنه مهما كان مثاليا فهو قبل كل شيء بشر، أما أن نرسل الداعي إلى المنطقة التي اختير لها دون دراسة مسبقة عن شخصيته وملامح ثقافته، وما يعرف من لغات أو لهجات، وما يتحمل من صعاب أو مكائد، فذلكم هو العبث بعينه، وقد نستطيع أن نتعلم الكثير إذا أحطنا علما بطرق تدريب المبشرين، ووسائلهم في التنقل من مكان إلى مكان، وفي التأقلم مع ظروف كل بيئة على حدة، وفي دراسة لهجات القوم كأنهم عاشوا معهم منذ نعومة أظفارهم، أما نحن فنزود الداعية بطائفة من النصائح الشفهية غير الكافية، ثم نقذف به في خضم الموج ونقول له: لا تغرق، وهو لذلك في العادة يحيا على هامش المجتمع الذي نرسل به إليه، وإلا فكم من الدعاة أجرى مسحا شاملا اجتماعيا أو دينيا أو جغرافيا للإقليم الذي عاش فيه، وكم منهم من كتب بحثا مستفيضا عن عادات الشعوب وتقاليدها وخصائصها النفسية، وكم منهم استطاع أن يحقق أغلبية إسلامية في المدينة التي يقطنها، وكم منهم من استطاع أن يترك مؤسسات تعمل من بعده في الدعوة أو التعليم أو تحقيق التضامن الإسلامي.
يا صاحب السمو الملكي..
إن كل نجاح في ميدان الدعوة الإسلامية يبدأ من الداعي وينتهي به، وبقدر ما تنجح الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في تدريب الداعي وتوسيع أفقه وتهذيب روحه فسوف يكون نجاحه كاملا بإذن الله، مع ضرورة وضع النقاط التالية موضع الاعتبار:
стр. 5716
١- ليس كل متخرج من الجامعات الإسلامية صالحا لأن يكون داعيا إلى الإسلام، والمفروض أن الدعوة تتطلب نوعية خاصة من الرجال العلماء العاملين، الأذكياء المقتدرين، الراغبين في الدعوة والمتحمسين لها والساعين إليها أو من يمكن أن يكونوا كذلك بعد حضورهم تدريبا معينا.
٢- التدريب الذي أقترحه:
يستهدف تحويل الطالب إلى داعية، ويستغرق ما لا يقل بأي حال من الأحوال عن ستة أشهر كاملة، يدرس فيها:
(أ) الصفات العقلية والجسدية والعلمية التي يجب أن تتوفر في الدواعي، مستقاة من حياة وجهاد الرسول الأعظم ﷺ .
(ب) بعض النظريات السكلوجية المستمدة من علم النفس الاجتماعي وسيكلوجية الجماهير وعلم النفس الكلينيكي وسيكلوجية الفرد.
(ج) دراسة مستوعبة وشاملة للمنطقة التي يختار الداعية للعمل بها، تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا وحضاريا بما في ذلك العادات والتقاليد.
د) استيعاب كامل وشامل لتجارب الدعاة السابقين، وكتب الرحالة المسلمين من أمثال فضيلة الشيخ العامودي في كتابه في أفريقية الخضراء، وفضيلة الشيخ الصواف في كتابه رحلاتي في الديار الإسلامية وغيرهما من كتب الرحلات وكتب الدعوة الإسلامية، حتى يكون لدى الداعية خبرات واسعة تملأ عقله وقلبه وسمعه وعينه وأذنيه، فيكون محيطا بما يمكن أن يصادفه من مخاطر، وما أكثر المخاطر التي تقع في طريق الدعاة المجاهدين!.
стр. 5717
هـ) الدراسة لإحدى اللغات الحيّة مسألة لا يختلف فيها اثنان على أهميتها للداعي، وكم من الدعاة قد تعرضوا لمواقف مخزية نتيجة عدم إلمامهم لا باللغة الرسمية التي يتكلم بها المثقفون، وتقدّم بها البرامج الإعلامية والصحف الرسمية، ولا باللهجة المحلية التي يستطيع الداعية عن طريقها أن يدخل في حياة الناس الاجتماعية اليومية ويشاركهم أحاديثهم ومحاوراتهم، ويمكنه إفهاهمهم ما يريده من أحاديث دينية سواء في المساجد أو الأماكن العامة أو غير ذلك من أماكن التجمعات العامة أو الخاصة.
ثانيا: تخطيط شئون الدعوة:
صحيح أن النجاح مرهون بقوة الداعي وأمانته.. ولكن.. هل يكفي ذلك وحده لتحقيق الأهداف المطلوبة من وراء نشر الدعوة الإسلامية؟ كلا، على الإطلاق، إذن فالواقع أننا محتاجون، يا صاحب السمو الملكي إلى قادة أشبه بقادة الفتح الإسلامي، يجلسون معا، ويفكرون معا، ويخططون معا، وبيد كل منهم معلومات مفصلة، وأرقام دقيقة، ومسح جغرافي شامل لأماكن الأقليات الإسلامية وأسباب انكماشها، ووسائل إنعاشها، وتقريرات مفصلة عن جهود الدعاة هناك، وأسباب تقدمها، ومعوقات نجاحها، وهلم جرا..
نحن في حاجة إلى تخطيط شئون الدعوة، وتخطيط شئون الدعوة يستلزم بالضرورة وجود خبراء ومتخصصين في شئون الدعوة وهؤلاء الخبراء نعثر عليهم من بين:
أ- الدعاة السابقين والحاليين المتمرسين بالدعوة، وأصحاب السبق والفضل فيها، والمشهود لهم بالنشاط والحركة الإيجابية والقوة والجرأة في التبليغ.
ب- كبار المفكرين الإسلاميين في العالم الإسلامي، ممن لهم نظرة أفقية مستعرضة لمشكلات المسلمين وجذورها الفكرية والحضارية، وهم أصحاب فلسفة يجدر الاستفادة بها في تخطيط شئون الدعوة.
ج) كبار العلماء والفقهاء الذين يستطيعون تقديم خلاصات مركزة مستوحاة من التراث الفقهي والسيرة النبوية، ودروس من حيوات الإعلام ودعاة الإسلام على مدى عصور التاريخ.
стр. 5718
وهؤلاء الخبراء يستطيعون أن يتقدموا في مجال تخطيط شئون الدعوة بأعمال ممتازة، وهذه بعض النماذج:
- إعداد خرائط دعوة.. تتضمن بعض المعلومات عن مناطق تركيز الدعاة، ومناطق ندرتهم، ومناطق تناوب العمل فيما بينهم، الخ..
- تقديم بعض المعلومات عن الشكل الأمثل الذي يبرز فيه الداعي، والطريقة المثلى التي يعرض بها دعوة الحق، والتي تختلف باختلاف المناطق والقارات، طبقا لما تتميز به بعض الشعوب من طباع وتقاليد ونفسيات خاصة.
- إخراج مجلة أكاديمية متخصصة يتم تعميمها على الدعوة بوجه خاص، تتناول أخبار نشاطهم، وأبرز أعمالهم، وتبادل المشورة بينهم، وعقد مؤتمر عالمي يضم البارزين منهم، وتعرض فيه بحوثهم ومشكلاتهم، (والدعاة في جميع أركان الأرض محتاجون إلى كلمة تجمعهم أو صحيفة تضم خبراتهم والعوائق التي توضع في طريقهم وقد تعطل بالكلية عملهم) على أن تصدرها جهة مركزية واحدة يحملون لها في قلوبهم الإجلال والاحترام، ولن تكون هذه الجهة سوى الهيئة العليا للدعوة الإسلامية بالمملكة العربية السعودية.
- إنتاج سلسلة من كتب الدعوة الإسلامية في الجانبين النظري والتطبيقي يتوفر على كتابتها كل مشهود له بالعلم والإخلاص وبذل الخير للناس، بحيث يجد فيها الدعاة تجديدا لفكرهم، وحلا لمشكلاتهم، وتنويرا لأذهانهم، وحبذا لو قامت هذه السلسلة على مشكلات حية بالفعل، يعرضها الدعاة على أهل الذكر ليكونوا معهم على البعد، يأخذون بيدهم ويقودونهم دائما إلى الطريق الصحيح.
يا صاحب السمو الملكي ...
стр. 5719
إن ترك شئون الدعوة للارتجال، أو ترك الحبل على الغارب لأولئك الرجال في كل جزء من أجزاء المعمورة أمر يجب أن يتوقف فورا، ومنذ أنشئت هذه الهيئة المباركة فإن الدعاة الإسلاميين بعامة، والمبتعثين من دار الإفتاء بخاصة يتوقعون أن يتلقوا المزيد من الدعم والتأييد، وأن يجدوا زادا من الإرشاد يحملهم على العمل الدائب، ويزيح عنهم شبح الكسل الرهيب، ويشعل في داخل صدورهم ذبالة الأمل في متابعة العمل.
وإني أقدم لسموكم بعض الملاحظات الضرورية في هذا الصدد على ضوء ما عاينته وعانيت منه:
أ- موقف السفارات من الدعاة:
إن الشكوى مرة في حلوق الدعاة من بعض السفارات والقنصليات العربية في الخارج، (أقول من بعضها ولا أقول كلها، فهناك والحمد لله نماذج مشرفة للتعاون الإيجابي) لأن بعض هذه السفارات أو القنصليات لا تحترم عمل الداعي، إما قولا أو سلوكا، وإلا فدعوني أتساءل: هل من المروءة أن يدعو الداعية في المسجد أو غيره إلى طاعة الله والعمل بكتابه وسنة رسوله، بينما يعكف الديبلوماسيون على الخمر، ويتهاونون في أداء الصلاة، ويعبثون بكرامة الوطن وقدسية الدين؟ وما مقام الداعية حينئذ بينهم؟ وما موقفه أمام ربه؟ ثم أمام المساكين من أبناء قومه؟ هل يرفع عليهم السلاح؟ هل يجاهر بالإنكار لما يعملون؟ ثم ماذا يكون حاله لو سوّل لهم الشيطان فشوهوا صورته أمام جهة الابتعاث وكالوا لهم التهم جزافا؟ أو جعلوه سلفا ومثلا للآخرين؟ إن الدعاة محتاجون إلى ملحق ديني في كل سفارة يتابع عملهم، وينسق بينهم، ويحفظ كرامتهم ويحل مشكلاتهم، حتى ولو كلف أحد الدعاة بهذا العمل لتتحقق التبعية اللازمة المحققة لآمال الدعاة في تخطيط سليم ومباشر على أرض المعركة.
стр. 5720
وغير خاف: من هو الشخص الذي يوكل إليه أمر الدعاة؛ إنه لابد أن يكون داعية في الأساس أو فيه روح الداعية، من حب الدين والرغبة في العمل به، على أن يكون الداعية للدعوة فقط لا للعمل في أي مجال آخر سوى الدعوة نفسها، وبكل الإمكانات المتوفرة للداعي دون تعويق أو تثبيط ودون تهاون أو تجاهل.
ب- وضع خطة عمل للدعاة..
وسواء وضعت هذه الخطة في مكتب ((الملحق الديني)) أو غيره، فالهدف منها ينبغي أن يكون واضحا، وهو تغطية الدولة كلها بالمبعوثين حسب الجدول الزمني للخطة؛ بحيث يتحرك الدعاة في كل ركن، ويلتقوا بجميع الناس، ويناقشوا كل مثقف أو داعية مسيحي أو وثني، ويتصدوا لأرباب المذاهب الضالة التي تجد صيدها في البلاد ذات الأقليات الإسلامية، وينبغي أن يكون ارتياد المساجد خاضعا لجدول زمني وموضوعي كذلك؛ بحيث لا تتكرر الموضوعات العامة التي يعالجها كل داعية لا يقدّر المسئولية، ولا يحمل نفسه على الاطلاع وبذل الجهد في الاستزادة من العلم، ويخرج إلى الناس وهو أشبه بالطبل الأجوف، بل ينبغي أن يسمع الناس اليوم ما لم يسمعوا بالأمس، وأن يكون حديث الدعاة حديثا في قلب الدين وجوهر أحكامه، لا في ترديد شعارات عامة مجردة يحسنها كل من له ثقافة ضحلة ولم يتلق قسطا وافرا من علوم الدين.
وبهذا يعتبر الدعاة مسئولين عن هذه الرعية التي تبحث عما يحييها من هدى الله وشرعه، فهناك للأسف الشديد مناطق واسعة تقع على الحدود المشتركة لمختلف الدول لم تبلغها الدعوة إلى الآن! ولا يزالون عاكفين على الأصنام أو عبادة الأنهار أو الأشجار، أو تقديس الكواكب والنجوم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
ج- ازدواجية التعليم وأخطارها
стр. 5721
ما جنى المسلمون على أنفسهم وأولادهم في كثير من الدول الإفريقية والآسيوية بمثل ما جنوه حين عزلوا أولادهم عن نظام التعليم الرسمي في دولهم، اكتفاء بما أقاموه من مدارس متهاوية أو كتاتيب مختفية بين الغابات وفي المغاور وسموها مدارس إسلامية، وكان يمكنهم أن يفعلوا الشيء نفسه لأولادهم عقب انتهائهم من دراستهم اليومية في المدارس الرسمية الحكومية، التي تكفل لهم العمل بوظائف الحكومة، والانخراط في سلك الجندية، والرقي إلى المناصب الوزارية وبذلك يكونون أقدر على نشر دينهم، وخدمة بنيهم وذويهم، والإسهام في خدمة دينهم ودنياهم، ولكنهم للأسف وبدافع من الحب المكين لدينهم، فعلوا ذلك ثم التمسوا العون في إصلاح ما فعلوه.
عرضت هذه المشكلة لأنها من أخطر ما يصادف عمل الدعاة ويعوق انطلاقهم مع من ابتعثوا إليهم، حيث يبقى الجميع في معظم الدول وراء ستار، لا يتحركون إلا بصعوبة، ولا يملكون التأثير في غيرهم إلا بحذر شديد وجهد أشد، وكل هذا محسوب على عمل الدعاة ومقلل من أثره.
يا صاحب السمو الملكي.
هذا أوان الملحمة.. اليوم يبدأ العمل الجاد لخدمة أهداف الدعوة الإسلامية العالمية.
اليوم نترقب، ونحن في غاية الشوق واللهفة، إلى ما يعيد مجد الإسلام في ديار الإسلام على يد دعاة الإسلام.
سوف تدب الروح إن شاء الله تعالى في هذا الجسد الذي طالما أثخن بالجراح وهبت عليه سوافي الرياح، حتى كاد أن يقعد عن مواصلة الكفاح.
يا صاحب السمو الملكي، يا صاحب السمو الملكي، البدار البدار، قبل أن يرين اليأس على القلوب، فكم من نفوس تزايدت فيها الأنفاس، وكم من جماعات اشرأبت فيها الأعناق، وكم من دعاة طال عليهم الليل قد لمحوا أشعة الفجر، وهاهو ذا نور الدعوة يترامى في الآفاق، لا يحتاج في حمله إلى قلوب الناس إلا دعاة أخلصوا لله همتهم وعملهم، ليجزل الله ثوابهم ويضاعف أجرهم ويحسن عاقبتهم.
стр. 5722
كان الله في عونكم، وسدد على طريق الخير خطاكم، والله معكم ولن يتركم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إبراهيم محمد سرسيق
داعية سابق إلى الإسلام في إفريقية
ومدرس بكلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية
--------------------------------------------------------------------------------
[١] المؤمنون ٥٢.
[٢] انظر رحلاتي في الديار الإسلامية للشيخ محمد محمود الصواف ١-٥٨٨.
стр. 5723
موازنة بين النثر والشعر في التهنئة بفتح القدس
لفضيلة الدكتور محمد نغش
في التهنئة بفتح القدس
لم تحظ موقعة في تاريخ الدولة الأيوبية بالفرحة بالنصر مثلما حظي بذلك فتح بيت المقدس، فقد انبرى الشعراء في مختلف أنحاء الأقطار الإسلامية ينظمون القصائد الكثيرة في هذه الموقعة الشهيرة.
وكان من أوائل الذين وصلوا إلى مخيم السلطان صلاح الدين من مصر الجواني المصري، وقصيدته مطلعها:
أتُرى مناما ما بعيني أبصر
القدس يفتح والفرنجة تكسر
وأتى إلى مخيم السلطان أيضا الشاعر المصري ابن سناء الملك، وهنأه بقصيدة مطلعها:
لست أدري بأي فتح تهنا
يا منيل الإسلام ما قد تمنى
كما نظم ابن الساعاتي شاعر مصر والشام في زمانه قصيدة منها:
أعيا وقد عاينتم الآية العظمى
لأية حال ندخر النثر والنظما
وكان من شعراء مصر الذين هنئوا السلطان بيوم الفتح ابن الجويني فخر الكتاب، وقصيدته تبدأ هكذا:
جند السماء لهذا الملك أعوان
من شك فيهم فهذا الفتح برهان
ومن المصريين أيضا ابن المجاور الوزير العزيزي هنأ السلطان صلاح الدين بقصيدة جاء فيها:
بالنصر المهدي والهادي إلى
سبل الجهاد أتى المظفر يوسف
والفرق بين ما كتبه القاضي الفاضل بشأن القدس في رسالته الطويلة إلى الخليفة العباسي وبين ما كتبه هؤلاء الشعراء جميعا أن القاضي الفاضل وصف المعركة وصفا مفصلا، بينما هؤلاء الشعراء أتوا بوصفهم مجملا، فالنثر الذي تكتب به الرسائل الديوانية بطبيعته أقدر على استيعاب التفصيلات الدقيقة، لأن الكاتب يدبجه بغرض الإبلاغ بحوادث معينة، مستقصيا فيها أطراف الموضوعات، بخلاف الشعر الذي يعبر عن خلجات نفسية ولمحات فنية، فكل شاعر يركز على معنى أو أكثر من المعاني التي بهرته ويفرغ فيها طاقاته.
стр. 5724
ولنقارن بين رسالة القاضي الفاضل وما وصلنا من أبيات القصائد السالفة الذكر، فكلاهما الرسالة والقصائد قيلا في غرض واحد وهو فتح القدس.
ولنبدأ بذكر بناء كل منهما، ونثني بذكر المعاني الواردة فيهما، ثم نختم بالصور الفنية التي يشتملان عليها، فمقدمة القاضي الفاضل طويلة، وفيها تفاصيل كثيرة، وإليك نصها:
((أدام الله أيام الديوان _ العزيز النبوي الناصري _ ولا زال مظفر الجِد [١] بكل جاحد، غنيا بالتوفيق عن رأي كل رائد، موقوف المساعي على إقناء مطلقات المحامد، مستيقظ النصر والنصل في جفنه [٢] راقد، وارد الجود والسحاب على الأرض غير وارد، متعدد مساعي الفضل وإن كان لا يلقى بشكر واحد، ماضي حكم القول بعزم لا يمضي إلا بنسل [٣] غوى وريش [٤] راشد، ولا زالت غيوث فضله إلى الأولياء أنواء [٥] إلى المرابع [٦] وأنوارا إلى المساجد، وإلى الأعداء خيلا إلى المراقب [٧] وخيالا وإلى المراقد)) .
وهو يمدح بها الخليفة بأنه رجل موفق دائما، منصور دائما، جواد يعم بجوده جميع الناس، ذو عزم قوي ينفع نفعا محققا إذا أراد، ويضر ضررا محققا إذا كانت الحكمة في ذلك، ذو هيبة في قلوب أعدائه، تفزعهم في اليقظة، وتقض مضاجعهم في النوم، والقاضي الفاضل يحرص في مقدمته على الالتزام بالسجع والطباق والجناس، بينما نرى الشعراء المصريين في تهنئتهم للسلطان صلاح الدين يتركون التقديم لقصائدهم بمقدمات غزلية، وينهجون نهج القاضي الفاضل في رسالته هذه وفي غيرها من الرسائل، فهم يقدمون لقصائدهم بديباجة تعد بمثابة المقدمة الموسيقية فهي تدور مباشرة في جو القصيدة، وهو التهنئة بهذا الفتح العظيم.
وإليك ما قاله ابن سناء الملك في هذه المناسبة:
لست أدري بأي فتح تهنا
يا منيل الإسلام ما قد تمنى
أنهنيك إذ تملكت شاما
أم نهنيك إذ تملكت عدنا
قد ملكت الجنان قطرا فقطرا
إذ فتحت الشام حصنا فحصنا
стр. 5725
إن دين الإسلام منّ على الخلق (م)
وأنت الذي على الدين منا
مقدمة رائعة وإن كانت قصيرة بالنسبة لمقدمة القاضي الفاضل، كما أنها لا تحمل من المعاني ما حملته مقدمة القاضي الفاضل، وفيها نرى الشاعر في حيرة جميلة أمام بطل إسلامي فاز بالفخار في الدنيا بانتصاراته الرائعة، وفاز بثواب الله في الآخرة.
وهذه المقدمة رغم روعتها في التصوير إلا أن المحسنات البديعية قليلة فيها، فهي لا تعدو الجناس الناقص الذي يأتي عرضا دون تكلف.
وتختم رسالة فتح بيت المقدس بخاتمة ديوانية ليست فيها صور بلاغية ولا محسنات بديعية، وهي: ((والله الموفق إلى الصواب، والحمد لله رب العالمين، وعليه توكلت وإليه أنيب)) .
بينما إحدى القصائد التي وصلتنا كاملة وهي قصيدة ابن سناء الملك تختم ببيتين بليغين من الشعر، وهما:
قد ملكت البلاد شرقا وغربا
وحويت الآفاق سهلا وحزنا
واغتدى الوصف في علاله حسيرا
أي لفظ يقال بل أي معنى؟
فالشاعر هنا أمام هذا الملك العظيم أصبح لا تسعفه الألفاظ ولا المعاني ليصف أمجاده التي يجل عنها الوصف، وتشخيص ابن سناء الملك للوصف بأنه أصبح حسيرا يعطي لهذه الخاتمة حسنا وبهاء.
ولما كانت التهاني التي أنشدها الشعراء للسلطان صلاح الدين وليست للخليفة العباسي فسنترك مدح القاضي الفاضل للخليفة وكذلك تبشيره بالفتح جانبا، لننتقل إلى الفقرة التي جاءت في رسالة القاضي الفاضل في الإشادة بالسلطان صلاح الدين وهي:
стр. 5726
"وكان الخادم لا يسعى سعيه إلا لهذه العظمى، ولا يقاسي تلك البؤسى إلا رجاء هذه النعمى، ولا يناجز من استمطله في حرية، ولا يعاتب بأطراف القنا من تمادى في عتبه، إلا لتكون الكلمة مجموعة، والدعوة إلى سامعها مرفوعة فتكون كلمة الله هي العليا، وليفوز بجوهر الآخرة لا بالعرض الأدنى من الدنيا، وكانت الألسنة ربما سلقته [٨] فأنضج قلوبها [٩] بالاحتقار، وكانت الخواطر ربما غلت عليه مراجلها فأطفأها بالاحتمال والاصطبار، ومن طلب خطيرا خاطر، ومن رام صفقة رابحة تجاسر، ومن سما لأن يجلى [١٠] غمرة [١١] غامر، وإلا فإن القعود يلين تحت نيوب الأعداء المعاجم [١٢] فتقضها، ويضعف في أيديها مهر [١٣] القوائم فتقضها [١٤] ، هذا إلى كون القعود لا يقضى فرض الله في الجهاد، ولا يرعى به حق الله في العباد، ولا يوفى به واجب [١٥] التقليد الذي تطوقه الخادم من أئمة قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون".
ولما كان الكتاب مرسلا إلى الخليفة، فقد رأى القاضي الفاضل برأيه الحصيف أن ينسب فضل الجهاد إلى الخلفاء العباسيين ولكنه لم ينس الإشادة بصلاح الدين الذي جاهد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، رعاية لحق الرعية، وحق التقليد الذي في عنقه للخلافة العباسية التي تقضي بالحق والعدل.
وهو يقرر في هذه الفقرة سعي صلاح الدين لهذه الغاية، ومقاساته الأهوال من أجلها، وهو يعلم أن من الناس من ربما سلقوه بألسنتهم من أجل نهوضه بالجهاد، فما لهؤلاء عنده من جواب غير الاحتقار، وأن منهم من يتغيظون تغيظا كبيرا، فلا يقابل ذلك منهم إلا بالحلم والاصطبار.
والفن الفاضلي يتجلى في هذه العبارة "وكانت الألسنة ربما سلقته، فأنضج قلوبها بالاحتقار"فالمراد بقلوبها هنا هو قلوب أصحاب الألسنة، فهنا مجاز لطيف من إبداع القاضي الفاضل.
стр. 5727
ولما كانت هذه الرسالة مرسلة إلى الخليفة العباسي والمدح معظمه له، فنستعين بكتاب آخر صادر عن القاضي الفاضل إلى السلطان صلاح الدين في التهنئة بفتح القدس وهذه الفقرة التي نوردها منه في مدح السلطان صلاح الدين، وهي:
"نحن أصدق أفئدة، وأقصر ألسنة أن نتولى شكر مولانا والأولى به الأنبياء الذين أظهر آثارهم، والملائكة الذين روح من سماع الكفر أسرارهم، والإسلام الذي رفع غمامته، وثبت دعامته، ورد إلى داره زعامته، والبيت الحرام الذي فك أخاه من الأسر، ومكان المسرى النبوي الذي كان ينتظر من مولانا مطلع الفجر، وأبواب الرحمة التي فتحها، وكان دونها غلق التاج، والمسجد الأقصى وكان عنه التصريح وإن كان منه المعراج.
فليهن مولانا أنه قد أصبح مولاي ومولى كل مسلم، وأنه قائم بوعد الله للدين القيم، وأنه نور الله الذي أضاء به كل فجر للكفر مظلم، وأن الله أنهضه بما أقعد عنه ملوك الأمم، وحرس به الإسلام في أصلاب رجال العرب والعجم".
فالقاضي الفاضل يقف موقف الشعراء في حيرتهم اللطيفة، التي يبغون من ورائها التعبير عن قصورهم في تأدية الشكر لممدوحهم، والكاتب هنا يقول:
إن السلطان أحق بشكر الأنبياء والملائكة والإسلام والبيت الحرام والمسجد الأقصى، فكل هؤلاء مدينون له بتطهير بيت المقدس من رجس الكافرين والمعتدين. ولهذا فليهنأ السلطان بمكانته كزعيم للمسلمين وبنصره للدين، فهو النور الذي أضاء كل فجر للكفر مظلم، وأنه أتى بما عجز عنه ملوك الأمم، فبه حفظ الله الإسلام في أصلاب رجال العرب والعجم.
والفن الفاضلي يتجلى في أنه جعل للإسلام غمامة يكنى بها عن الاحتلال لأرضه ثم رد السلطان صلاح الدين له زعامته، والبيت الحرام يفك أخاه المسجد الأقصى من الأسر، وما إلى ذلك.
فهذه صور من التشخيص للجمادات والتجسيم للمعنويات التي ذاع صيت القاضي الفاضل في الإتيان بها متلاحقة في هذه الرسالة وفي غيرها من رسائله.
стр. 5728
ونعرض الآن المعاني والصور التي وردت في قصائد هؤلاء الشعراء السابق الإشارة إليهم، لنرى أنهم لا يخرجون عن كونهم تلاميذ للقاضي الفاضل، يدورون في فلكه ويعجزون عن اللحاق به، فهذا الجواني المصري يقول:
قد جاء نصر الله والفتح الذي
وعد الرسول فسبحوا واستغفروا
يا يوسف الصديق أنت لفتحها
فاروقها عمر الإمام الأطهر
ملك غدا الإسلام من عجب به
يختال والدنيا به تتبختر
فهذه الأبيات في مدح السلطان صلاح الدين فيها الحيرة التي رأيناها عند القاضي الفاضل، عن أي معنى يقال ويذكر لهذا البطل الإسلامي، ونعته السلطان بأنه كالنبي يوسف ﵇، وكالقائد المظفر عمر بن الخطاب، وأن الإسلام به يفخر ويتبختر من الفرحة بهذا النصر الكبير، لا يساوي كل هذا ما أضفاه القاضي الفاضل على هذا القائد المظفر من التمجيد والتقدير.
وانظر إلى حل الجواني لآيتين من القرآن الكريم في بيت واحد من الشعر، وهما:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ و ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْه﴾ ، ثم انظر إلى هذه الاستعارة اللطيفة في قوله:
ملك غدا الإسلام من عجب به
يختال والدنيا به تتبختر
وهذا ابن سناء الملك يمدح السلطان صلاح الدين بقوله:
لست أدري بأي فتح تهنا
يا منيل الإسلام ما قد تمنى
أنهنيك إذ تملكت شاما
أم نهنيك إذ تملكت عدنا
قد ملكت الجنان قطرا فقطرا
إذ فتحت الشام حصنا فحصنا
إن دين الإسلام منّ على الخلق
وأنت الذي على الدين منّا
لك مدح على السموات ينشا
ومحل فوق الأسنة يبنى
تخرج الساكنين منه ورب البيت (م)
في بيته أحق بسكنى
كم تأنى النصر العزيز على الشا (م)
م ولما نهضت لم يتأنى
قمت في ظلمة الكريهة كالبدر سنا (م)
ءً والبدر يطلع وهنا
стр. 5729
لم تقف قط في المعارك إلا
كنت يا يوسف كيوسف حسنا
يجتنى النصر من ظباك كأن الـ (م)
عضب قد صحفوه فصار غصنا
قصدت نحوك الأعادي فرد الله (م)
ما أملوه عنك وعنّا
وكما احتار القاضي الفاضل والجواني المصري، فكذلك يحتار ابن سناء الملك، ووصف الشاعر فضل السلطان على الإسلام وعلى المسلمين وإتيانه بالنصر الذي عجز عنه ملوك الشام من قبل، وما النصر إلا من عند الله الذي ينصر عباده المؤمنين.
كل هذه المعاني كما ترى جزء مما جاء في تهنئة القاضي الفاضل للسلطان صلاح الدين.
أما الصور الفنية فتتمثل في التشخيص، فالدين يمنّ على الخلق، والنصر يتأنى عن الشام وعن السلطان صلاح الدين لم يتأن، واجتناء النصر من ظباه، ثم استخدامه للمصطلحات اللغوية في قوله: "كأن العضب قد صحفوه فصار غصنا"وهذا بخلاف إتيانه بالجناس التام والناقص ليتخذ منه جرسا موسيقيا في شعره.
وابن الساعاتي يقول:
أعيا وقد عاينتم الآية العظمى
لأية حال ندخر النثر والنظما
وقد شاع فتح القدس في كل منطق
وشاع إلى أن أسمع الأسل الصما
فليت فتى الخطاب شاهد فتحها
فيشهد أن السيف من يوسف أصمى
وما كان إلا الداء أعيا داؤه
وغير الحسام العضب لا يحسن الحسما
وأصبح الثغر للدين جزلان باسما
وألسنة الأغماد توسعه لثما
سلوا الساحل المخشى عن سطواته
فما كان إلا سلاحا صادف اليما
стр. 5730
فهي حيرة أيضا بنفس الطريقة السابقة، ونفس المعاني مشتقة من تهاني القاضي الفاضل، فهذا الفتح الذي ذاع صيته حتى أسمع الجماد، ويذكر الشاعر اسم البطل الإسلامي عمر بن الخطاب، ويتمنى أن يكون حاضرا ليشهد مقدرة القائد المظفر صلاح الدين، وهكذا يبتسم الدين من الفرحة الكبرى، وكما ترى يغلب على هذه القصيدة التشخيص كذلك، واللجوء إلى الجناس في مثل قوله ((الصما)) و ((أصمى)) كل واحدة قافية لبيت.
أما قصيدة ابن المجاور فما بين أيدينا منها كله في مدح السلطان صلاح الدين البطل المغوار والرجل المتدين، فمما قاله عن صفات السلطان الكريمة:
ملك إذا ملك الملوك جنابه
لاذوا بأكرم من يؤم وأشرف
وإذا أتوا أسرى إلى أبوابه
وقفوا بأعظم من يصول وأردف
مولى غدا للدين أكرم والد
حدب على أبنائه مترفرف
ثم يمدح الأتراك الذين ينتسب إليهم السلطان صلاح الدين، فيقول:
هم فتية الأتراك كل مجفجف
يغشى الكريهة فوق كل مجنجف
قوم يخوضون الحمام شجاعة
لا ينظرون إليه من طرف خفي
إن صبحوا الأعداء في أوطانهم
تركوا ديارهم كقاع صفصف
أنت اصطفيتهم لنصرة ديننا
لله در المصطفى والمصطفي
والشاعر هنا يأتي بالجناس التام بين كلمتي ((مجفجف)) أي فارسي، و ((مجنجف)) أي حصان أصيل، وبين كلمتي ((المصطفى)) أي النبي محمدا و ((المصطفي)) أي المختار، وتظهر الثقافة الدينية لديه في حله للقرآن الكريم، من مثل ((ينظرون من طرف خفي)) و ((قاع صفصف)) .
ثم نأتي إلى وصف الحرب التي انتهت بظفر المسلمين ببيت المقدس، ولنبدأ بما قاله الشعراء في هذا الصدد، فالجواني المصري يقول:
وقمامة قمت من الرجس الذي
بزواله وزوالها يتطهر
ومليكهم في القيد مصفود ولم
ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر
نثر ونظم طعنه وضرابه
فالرمح ينظم والمهند ينثر
стр. 5731
حيث الرقاب خواضع حيث العيو (م)
ن خواشع حيث الجباه تعفر
غاراته جمع فإن خطبت له
فيها السيوف فكل هام منبر
إذ لا ترى إلا طلى بسنابك
تحذى نعالا أو دماء تهدر
وصوائنا تختار أن تطأ الثرى
فبصدها عنه طلى وسنور
تمشي على جثث العدا عرجا ولا
عرج بها لكنها تتعثر
والشاعر يعبر في قصيدته عن فرحة المسلمين بالنصر وبتطهير بيت المقدس، ووقوع ملك الصلبيين في الأسر، والفرحة بالانتقام بقتل العدو الذي لا حصر له، حتى غدت الجياد تتعثر في جثثهم، وكأنها تعرج وما بها من عرج.
وأهم ما في هذه الأبيات من الصور الفنية هو تشخيص الشاعر للمعركة، حيث الرمح كالشاعر ينظم، والسيف كالكاتب ينثر، ووصفه الغارات بأنها كأيام الجمع، وأن السيوف تخطب فيها على المنابر ويعني بها الرؤوس ...الخ.
هذا بخلاف حرص الشاعر على أن يتوافر الجناس في أبياته.
ويصف ابن سناء الملك المعركة بهذه الأبيات:
حملوا كالجبال عظما ولكن
جعلتها حملات خيلك عهنا
جمعوا كيدهم وجاءوك أركا (م)
نا فمن قد فارسا هد ركنا
لم تلاق الجيوش منهم ولك (م)
نك لاقيتهم جبالا ومدنا
كل من يجعل الحديد له ثو (م)
با وتاجا وطيلسانا وردنا
خافهم ذلك السلام فلا الرو (م)
ح يغني ولا المهند طنا
وتولت تلك الخيول فكم يث (م)
ني عليها بأنها ليس تثني
وتصيدتهم بحلقة صيد
تجمع الليث والغزال الأغنا
وجرت منهم الدماء بحارا
فجرت فوقها الجزائر سفنا
صنعت فيهم وليمة عرس
رقص المشرفي فيها وغنى
ظل معبودهم [١٦] لديك أسيرا
مستشافا فاجعل النار سجنا
واللعين الإبرنس أصبح مذبو (م)
حا بيمني لم يعدم الدين يمنا
стр. 5732
وابن سناء الملك يزيد في الصورة السالفة بأن يصف بلاء المسلمين في مقاتلة الصلبيين الذين جمعوا الأعداد الهائلة، والعدد المدمرة القاتلة، ولكن جيش المسلمين أسال دماءهم بحارا، واستحالة الموقعة إلى وليمة عرس، يرقص فيها السيف، ويغني فيها الرمح، وأسر صليب الصلبوت المقدس لديهم.
وأخيرا يبر السلطان صلاح الدين بيمينه فيقتل البرنس أرناط الذي كان يسخر من الدين الإسلامي الحنيف.
والصور الفنية نراها في تشبيه الشاعر جيش العدو بالجبال في ضخامته، وأن حملات السلطان صلاح جعلتها كالعهن، وهي صورة مقتبسة من القرآن الكريم في وصفه ليوم القيامة، حيث قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ .
وهنا يخونهم سلاحهم، وفي هذا المجاز عن غلبتهم، وتفر خيولهم، ويتصيدهم السلطان ورجاله، وهنا تجري دماؤهم بحارا، وتستحيل الموقعة كما قلنا إلى وليمة عرس، يرقص فيها السيف ويغني الرمح..
وبعد أن استعرضنا ما قاله الشعراء في وصف المعركة نستطيع أن نقول بالرغم مما حملته هذه القصائد من معان مما أبدعه الشعراء من صور فنية، إن هذا كله لا يصل إلى مرتبة القاضي الفاضل الذي أعطى بوصفه لهذه المعركة لوحة فنية رائعة، مليئة بالزخارف والصور البديعية، بالإضافة إلى ما تحتويه الصور الدقيقة من تفاصيل المعركة، وقد رأيت هنا أن أعرض لفقرة من هذا الوصف لنستشف منه الصور الفنية لدى القاضي الفاضل، وهو: ((وكتاب الخادم هذا وقد أظفر الله بالعدو الذي تشظت [١٧] قناته [١٨] شفقا [١٩] ، وطارت فرقة فرقا، وفل سيفه فصار عصا، وصدعت حصاته [٢٠] وكان الأكثر عددا وحصى، فكلت حملاته، وكانت قدرة الله تصرف فيه العنان بالعيان [٢١] عقوبة من الله ليس لصاحب يديها يدان.
стр. 5733
وعثرت قدمه وكانت الأرض يقظة تريق [٢٢] نطف [٢٣] الكرى من الجفون، وجدعت أنوف رماحه، وطالما كانت شامخة بالمنى أو راعفة [٢٤] بالمنون، وأضحت الأرض المقدسة الطاهرة وكانت الطامث، والرب المعبود الواحد وكان عندهم الثالث.
فبيوت الشرك مهدومة، ونيوب الكفر مهتومة [٢٥] ، وطوائفه المحامية مجتمعة على تسليم البلاد الحامية وشجعانه المتوافية، مذعنة ببذل المطامع الواقية لا يرون في ماء الحديد لهم عصرة [٢٦] ، ولا في فناء الأفنية لهم نصرة، وقد ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وبدل الله مكان السيئة الحسنة، ونقل بيت عبادته من أيدي أصحاب المشأمة إلى أيدي أصحاب الميمنة.
نرى القاضي الفاضل يقابل بين السيف والعصا وبين المنى والمنون، وبين ذلة الكافرين وعزة المسلمين، ويجانس بين ((فرقه)) بمعنى جموعه و ((فرقا)) بمعنى خوفا، وبين العنان بمعنى اللجام، والعيان بمعنى الرؤية.
انظر إلى التشخيص لدى القاضي الفاضل، فقد جعل للسيوف والرماح عيونا تكسف بالهزيمة، وجعل لهذه العيون جفونا نامت وكانت تذود النوم من عيون المسلمين.
وانظر كيف جعل للسيوف أنوفا جدعت، وكانت تشمخ بالأمل وترعف بالدماء التي تقطر من أجساد المسلمين المجاهدين، ثم كيف جعل من الكفر شخصا له أنياب أصبحت مهتومة بعد الهزيمة.
ويبلغ القاضي الفاضل بتشخيصه الذروة في وصفه للمنجنيقات التي تتولى عقوبات الحصون، ومعاول النقابين التي تمضغ بأنيابها الصخور، ووصفه لحال الصخور والخراب الذي حل بها في فقرة أخرى من رسالته، كما استغل الكاتب فيها القرآن الكريم لنفسه استغلالا فنيا صرفا، فاتخذ منه صبغا من أجل الصياغة الفنية التي ألف بينها بطريقة فنية فاتنة.
стр. 5734
أرأيت إذن إلى أسلوب القاضي كيف يمتاز بالسجع والطباق والجناس، وهي أمور يشترك فيها مع غيره من أصحاب الأساليب الأدبية، ثم يمتاز بتجسيم المعاني وتشخيص الجماد ونثره للقرآن الكريم، وهي أمور أربى فيها على من شاركه فيها من الأدباء، كما امتاز بتلك المعادلات اللفظية التي توحي إلى القارئ بأن ذهن القاضي الفاضل كان ذهنا رياضيا أو به استعداد للتفوق في الرياضة.
ويشهد المؤرخون للقاضي الفاضل بأنه امتاز في النثر والشعر معا، فهذا ابن حجة الحموي يقول: "نظمه ونثره رضيعا لبان وفرسا رهان".
ويقول السبكي: "إنه كتب من الإنشاء الفائق الرائق ما يربو على مائة مجلد".
والقاضي الفاضل كما نعرف صاحب مدرسة، ورائد فن الترسل في عصره وبعد عصره.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الجد: الحظ.
[٢] جفن السيف غلافه.
[٣] مأخوذ من نسل الريش والشعر: سقط.
[٤] راش الصديق: أطعمه وسقاه وكساه.
[٥] أنواء: جمع نوء، وهو المطر.
[٦] المرابع: جمع مربع، منزل القوم في الربيع.
[٧] المراقب: جمع مرقب، المكان المشرف يقف عليه الرقيب.
[٨] سلقه بالكلام: أذاه.
[٩] يقال أنضج قلبه: كأنما الاحتقار كوى القلب بالنار حتى نضج.
[١٠] جلى الأمر: أذهبه.
[١١] الغمرة: الشدة.
[١٢] المعاجم: مفعول به ليلين، جمع معجم اسم مكان من عجمه لاكه.
[١٣] المهر: الغضاريف.
[١٤] قض الشيء: دقه.
[١٥] واجب: أي ما يوجبه التقليد.
[١٦] معبودهم: يعني صليب الصكلبوت.
[١٧] تشظت: تطايرت شظايا.
[١٨] القناة: الرمح.
[١٩] الشفق: الخوف.
[٢٠] الحصاة: الحجر الصغير والجمع حصاة.
[٢١] عنان الدابة: بكسر العين، لجامها، وعيان بكسر العين رؤية.
[٢٢] تريق: تصب.
стр. 5735
[٢٣] نطف: قطرات ماء العين.
[٢٤] الرعاف: الدم يخرج من الأنف.
[٢٥] مهتومة: مكسورة.
[٢٦] العصرة بالضم: المنجاة.
стр. 5736
أبو سليمان الخطابي
لفضيلة الشيخ الدكتور أحمد جمال العمري
شغل موضوع الإعجاز القرآني الفكر الإسلامي والعربي منذ القديم، وتصدى لهذا الموضوع مجموعة من العلماء على اختلاف العصور وتباين الثقافات، وأغلب الظن أن من أوائل من تصدى لهذا الموضوع في القرن الثاني هو أبو عبيدة (٢١٠هـ) في كتابه مجاز القرآن، ثم تابعه مجموعة غير قليلة من العلماء يختلفون في نوع الاهتمامات والتخصصات، من هؤلاء أبو سليمان الخطابي (٣١٩-٣٨٨هـ) ، وقبل أن نتناول مفهوم الخطابي لهذا الإعجاز نود أولا أن نتعرف على الرجل.
أولا: الرجل:
اسمه حَمْد بن محمد بن إبراهيم [١] أبو سليمان الخطابي، البستي الخطابي، نسبة إلى زيد بن الخطاب أخي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، والبستي نسبة إلى مدينة بُسْت من بلاد كابل التي أقام فيها في أخريات حياته إلى أن انتقل إلى بارئه.
كان إماما فاضلا، كبير الشأن، جليل القدر، عفّا صالحا كريما، ثقة فيما يرويه، وكانت له مكانة مرموقة، وسمعة حسنة لدى معاصريه، أثنى عليه الجميع، ولهجوا بفضله وأشادوا بعلمه، وسعة اطلاعه، ومقدرته على تحليل القضايا العلمية، وأطلقوا عليه مجموعة من الصفات مثل العالم الأديب اللغوي المحدّث.
стр. 5737
لقد بذل الخطابي حياته في سبيل العلم، وطوّف شرقا وغربا من أجل التزود بالعلم من أفاضل العلماء في بقاع العالم الإسلامي المترامي الأطراف، رحل إلى العراق، وتلقى العلوم المختلفة بالبصرة وبغداد، ثم انتقل إلى الحجاز وعاش في مكة ردحا من الزمن يسمع ويدون، ثم عاد إلى خراسان واستقر به الحال في نيسابور ما يقرب من سنتين، حيث تفرغ للتصنيف والتأليف، فأنتج مجموعة من الكتب العلمية، جاءت حصيلة تجواله في الأمصار الإسلامية، وفي أخريات حياته انتقل إلى بلاد ما وراء النهر، ومنها إلى مدينة بست حيث انتهى به المطاف والمقام إلى أن توفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة للهجرة.
شيوخه:
اتصل أبو سليمان الخطابي بمجموعة كبيرة من العلماء المشهود لهم بالثقة والعلم، ونهل من فيوض علمهم كثيرا، ولم يقصر اهتمامه على العلوم الدينية فحسب، بل وجهه أيضا صوب علوم اللغة والأدب والنقد والبلاغة، فنجد من شيوخه نخبة كبيرة من علماء بغداد في عصره، منهم: إسماعيل الصفار، وأبو عمر الزاهد، وأبو العباس الأصم، وأحمد بن سليمان النجار، وأبو عمرو السماك وغيرهم من علماء اللغة، كذلك تتلمذ الخطابي لأبي بكر القفال الشاشي وأبي علي بن أبي هريرة وغيرهما من فقهاء الشافعية.
أما تلاميذه:
فقد ذكرت له المصادر عددا غير قليل، منهم أبو مسعود الحسن بن محمد الكرابيسي، وأبو بكر محمد بن الحسن المقرئ، وأبو الحسن الفقيه السجزي، وأبو عبد الله محمد بن علي النسوي، وأبو حامد الاسفراييني والحاكم النيسابوري وغيرهم.
آثاره:
ألف الخطابي مجموعة ضخمة من الكتب يغلب عليها الطابع الديني، أهمها:
١_ معالم السنن: وهو شرح لكتاب سنن أبي داود، وتوجد منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية.
стр. 5738
٢_ غريب الحديث: وهو كتاب صنفه للاستدراك على أبي عبيد القاسم بن سلام وأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في مصنفيهما ((غريب الحديث)) وتوجد منه نسخة مخطوطة بمكتبة عاشر أفندي باستانبول.
٣_ تفسير أسماء الرب .
٤_ شرح أسماء الله الحسنى.
٥_ شرح الأدعية المأثورة.
٦_ شرح البخاري.
٧_ كتاب العزلة ـ أو الاعتصام ـ وتوجد منه نسخة مخطوطة بالاسكوريال.
٨_ إصلاح غلط المحدثين، وتوجد منه نسخة مخطوطة بمكتبة الأستانة.
٩_ كتاب أعلام الحديث.
١٠_ كتاب الغنية عن الكلام وأهله.
١١_ كتاب معالم التنزيل.
١٢_ بيان إعجاز القرآن، وقد طبع هذا الكتاب في دار المعارف المصرية ضمن ثلاث رسائل لأعجاز القرآن.
مفهومه للإعجاز القرآني:
فهم الخطابي الإعجاز القرآني فهما خاصا، يختلف عما فهمه كثير من العلماء والباحثين في عصره، لذلك نراه ينعى على هؤلاء السابقين قصور فهمهم عن إدراك كنه ومعرفة حقيقة هذا الإعجاز، لقد رأى الخطابي أن الناس قديما وحديثا أي في عصره ذهبوا في فهمهم وبحثهم حول هذا الإعجاز كل مذهب من القول، ولكنهم لم يصدروا عن ريّ، وذلك لتعذر معرفتهم الوجه الحقيقي للإعجاز القرآني، أو معرفة الأمر في الوقوف على كيفيته.
стр. 5739
فكون القرآن معجزا للخلق ممتنعا عليهم الإتيان بمثله، فهذا الأمر لا شك فيه، ولا موضع للجدال حوله، والأمر في ذلك أبين من أن نحتاج إلى أن ندل عليه بأكثر من الوجود القائم المستمر على وجه الدهر، من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن، وذلك أن النبي ﷺ قد تحدى العرب قاطبة بأن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا عنه، وانقطعوا دونه، وقد بقي ﷺ يطالبهم به مدة عشرين سنة، مظهرا لهم النكير، زاريا على أديانهم، مسفها لآرائهم وأحلامهم، حتى نابذوه وناصبوه الحرب، فهلكت النفوس، وأريقت المهج، وقطعت الأرحام، وذهبت الأموال، وقد كان قومه _ قريش خاصة _ موصوفين برزانة الأحلام، ووفارة العقول والألباب، وقد كان فيهم الخطباء المصاقع، والشعراء المفلقون، وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بالجدل واللدد، فقال سبحانه: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً﴾ .
ثم يناقش الخطابي جماعة أخرى من العلماء حول فكرة الصّرفة التي عللوا بها إعجاز القرآن فيقول: "وذهب قوم إلى أن العلة في إعجازه الصّرفة أي صرف الهمم عن المعارضة وإن كان مقدورا عليها غير معجوز عنها، إلا أن العائق من حيث كان أمرا خارجا عن مجاري العادات صار كسائر المعجزات".
ويفند الخطابي هذا الرأي قائلا: "وليس ينظر في المعجزة إلى عظم حجم ما يأتي به النبي، ولا فخامة منظره، وإنما تعتبر صحتها بأن تكون أمرا خارجا عن مجاري العادات ناقضا لها، فإذا كانت بهذا الوصف كانت آية دالة على صدق ما جاء بها".
стр. 5740
ويرى الخطابي أن هذا الوجه وإن كان في ظاهره قريبا إلا أن القرآن الكريم يضم من الآيات البينات ما تشهد بخلافه، من مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [٢] .
ثم ينتقل الخطابي إلى تحليل فكرة أخرى رآها البعض وجها هاما من وجوه إعجاز القرآن وهي فكرة تضمن القرآن الكريم للأخبار والأحداث المستقبلة التي حدثت بعد موت الرسول ﷺ وثبت صدقها وصحتها، فيقول: "وزعمت طائفة أن إعجازه إنما هو فيما تضمنه من الأخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان نحو قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [٣] ، ولقوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [٤] . تلك الأحداث والأخبار التي ثبتت صحتها وحدوثها بعد عشرات السنين".
والخطابي لا يشك في أن هذا الأمر وما أشبهه من أخبار القرآن نوع من أنواع إعجازه، إلا أنه ليس بالأمر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن فقد جعل الله في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها، لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثلها، فقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [٥] من غير تعيين أو تحديد، فدل سبحانه على أن المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه.
وينتقل الخطابي بعد ذلك إلى مناقشة أشهر الآراء، وأكثرها شيوعا وهو الذي يذهب إلى أن إعجاز القرآن إنما يرجع إلى بلاغته.
стр. 5741
ولما كان الخطابي أديبا لغويا فإننا نراه يوافق مبدئيا على هذا الرأي، ولكنه يحمل على القائلين به، وينعى عليهم جمودهم وسطحيتهم، ووقوفهم عند حد التقنين والتقليد، كما ينعى عليهم عدم تحليل الأمور وتحقيقها، وقصور كلامهم عن الإقناع ذلك أنهم "صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي اختص بها القرآن، الفائقة في وصفها سائر البلاغات، وعن المعنى الذي يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة قالوا: إنه لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم مباينة القرآن غيره من الكلام وإنما يعرفه العالمون به عند سماعه ضربا من المعرفة لا يمكن تحديده، وأحالوا على سائر أجناس الكلام الذي يقع منه التفاضل، فتقع في نفوس العلماء به عند سماعه معرفة ذلك، ويتميز في أفهامهم قبيل الفاضل من المفضول منه"، فيقول: "وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفى من داء الجهل به، وإنما هو إشكال أحيل به على إبهام".
стр. 5742
من هنا تصدى الخطابي لتحليل موضوع بلاغة القرآن الكريم على طريقته، وحسب مفهومه لتذليل هذا الأمر عليهم، فنراه يذكر الأقسام الثلاثة للكلام المحمود ومراتبها في نسبة التبيان، ودرجاتها في البلاغة، "فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل، فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه، والقسم الثاني أوسطه وأقصده، والقسم الثالث أدناه وأقربه فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعومتهما كالمتضادين، لذلك كان اجتماعهما في نظم القرآن فضيلة خص بها، يسرها الله بلطيف قدرته من أمره لتكون آية بينة لنبيّه، وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وبألفاظها، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بهايكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض".
ويختم الخطابي تحليله لهذا الرأي بقوله: "إنما صار القرآن الكريم معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، متضمنا أصح المعاني من توحيد الله له عزت قدرته، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساوئها، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع من شتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر".
стр. 5743
فعمود البلاغة القرآنية التي تجتمع لها هذه الصفات كما يقرر الخطابي هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به، ومن هنا كاع القوم وجبنوا عن معارضة القرآن لما قد كان يؤودهم ويتصعدهم منه.
وبعد أن يفند الخطابي ما أورده المعترضون من شبه ضد أسلوب القرآن، يحلل كثيرا من النصوص تحليلا جميلا، يكشف فيه عن ذوق الأديب وبصر العالم، وبصيرة المتذوق الفاهم لمواطن جمال الكلام وكماله.
ولكن الأمر الجديد حقا الذي وضعه الخطابي أمام أذهان وأبصار الناس في عصره هو ذلك الفهم الجديد لفكرة الإعجاز القرآني.
стр. 5744
لقد أضاف الخطابي إلى كل الوجوه السابقة التي تداولها وتناقلها العلماء وجها جديدا غفل الناس عنه، هذا الوجه يتصل بالعامل النفسي الوجداني، ذلك هو صنيع القرآن بالقلوب وتأثيره في النفوس، "فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن، منظوما ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها من الوجيب والقلق، وتغشاها الخوف والفرق، تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمواتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدو للرسول ﷺ من رجال العرب وفتاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة وكفرهم إيمانا، خرج عمر بن الخطاب ﵁ يريد رسول الله ﷺ ويعمد لقتله، فسار إلى دار أخته وهي تقرأ ((سورة طه)) فلما وقع في سمعه لم يلبث أن آمن، وبعث الملأ من قريش عتبة بن ربيعة إلى رسول الله ﷺ ليوافقوا على أمور أرسلوه بها، فقرأ عليه رسول الله ﷺ آيات من ((حم السجدة)) فلما أقبل عتبة وأبصره الملأ من قريش قالوا: أقبل أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، ولما قرأ رسول الله ﷺ القرآن في الموسم على النفر الذين حضروه من الأنصار آمنوا به وعادوا إلى المدينة، فأظهروا الدين بها، فلم يبق بيت من بيوت الأنصار إلا وفيه قرآن، وقد روي عن بعضهم أنه قال: "فتحت الأمصار بالسيوف وفتحت المدينة بالقرآن"، ولما سمعته الجن لم تتمالك أن قالت: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِه﴾ [٦] ، ومصداق ذلك ما جاء في القرآن نفسه في أمر القرآن من مثل
стр. 5745
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [٧] ، وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [٨] ، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [٩] ، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ﴾ [١٠] ، في آي ذوات عدد منه، وذلك لمن ألقى السمع وهو شهيد وهو من عظيم آياته ودلائل معجزاته".
هذه هي الفكرة التي تبناها الخطابي ويتضح منها مفهومه للإعجاز القرآني، ولقد أخذ هذه الفكرة وتبناها من بعده كثير من العلماء، مثل السيوطي في الإتقان [١١] وغيره من العلماء، ومن المهم أن نعرف أن هذه الفكرة هي عينها التي أدار الجرجاني حولها بحثه في أسرار البلاغة إذ اعتبر مصدر البلاغة في الكلام هو تأثيره في النفوس.
د. أحمد جمال العمري
--------------------------------------------------------------------------------
[١] ذكره ياقوت في معجم الأدباء باسم أحمد، وقال إنه سئل عن اسمه أحمد أو حمد فقال: سميت بحمد وكتب الناس أحمد.
[٢] سورة الإسراء ١٧.
[٣] سورة الروم ١-٣.
[٤] سورة الفتح ١٦.
[٥] سورة البقرة ٢٣.
[٦] سورة الجن ٢١.
[٧] سورة الحشر ٢١.
[٨] سورة الزمر ٢٣.
[٩] سورة العنكبوت ٥١.
[١٠] سورة المائدة ٨٣.
[١١] انظر الجزء الثاني ص٢٠٥ وما بعدها.
следующие страницы →