Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
ولما كان الخطابي أديبا لغويا فإننا نراه يوافق مبدئيا على هذا الرأي، ولكنه يحمل على القائلين به، وينعى عليهم جمودهم وسطحيتهم، ووقوفهم عند حد التقنين والتقليد، كما ينعى عليهم عدم تحليل الأمور وتحقيقها، وقصور كلامهم عن الإقناع ذلك أنهم "صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي اختص بها القرآن، الفائقة في وصفها سائر البلاغات، وعن المعنى الذي يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة قالوا: إنه لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم مباينة القرآن غيره من الكلام وإنما يعرفه العالمون به عند سماعه ضربا من المعرفة لا يمكن تحديده، وأحالوا على سائر أجناس الكلام الذي يقع منه التفاضل، فتقع في نفوس العلماء به عند سماعه معرفة ذلك، ويتميز في أفهامهم قبيل الفاضل من المفضول منه"، فيقول: "وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفى من داء الجهل به، وإنما هو إشكال أحيل به على إبهام".
стр. 5742
من هنا تصدى الخطابي لتحليل موضوع بلاغة القرآن الكريم على طريقته، وحسب مفهومه لتذليل هذا الأمر عليهم، فنراه يذكر الأقسام الثلاثة للكلام المحمود ومراتبها في نسبة التبيان، ودرجاتها في البلاغة، "فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل، فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه، والقسم الثاني أوسطه وأقصده، والقسم الثالث أدناه وأقربه فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعومتهما كالمتضادين، لذلك كان اجتماعهما في نظم القرآن فضيلة خص بها، يسرها الله بلطيف قدرته من أمره لتكون آية بينة لنبيّه، وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وبألفاظها، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بهايكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض".
ويختم الخطابي تحليله لهذا الرأي بقوله: "إنما صار القرآن الكريم معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، متضمنا أصح المعاني من توحيد الله له عزت قدرته، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساوئها، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع من شتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر".
стр. 5743
فعمود البلاغة القرآنية التي تجتمع لها هذه الصفات كما يقرر الخطابي هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به، ومن هنا كاع القوم وجبنوا عن معارضة القرآن لما قد كان يؤودهم ويتصعدهم منه.
وبعد أن يفند الخطابي ما أورده المعترضون من شبه ضد أسلوب القرآن، يحلل كثيرا من النصوص تحليلا جميلا، يكشف فيه عن ذوق الأديب وبصر العالم، وبصيرة المتذوق الفاهم لمواطن جمال الكلام وكماله.
ولكن الأمر الجديد حقا الذي وضعه الخطابي أمام أذهان وأبصار الناس في عصره هو ذلك الفهم الجديد لفكرة الإعجاز القرآني.
стр. 5744
لقد أضاف الخطابي إلى كل الوجوه السابقة التي تداولها وتناقلها العلماء وجها جديدا غفل الناس عنه، هذا الوجه يتصل بالعامل النفسي الوجداني، ذلك هو صنيع القرآن بالقلوب وتأثيره في النفوس، "فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن، منظوما ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها من الوجيب والقلق، وتغشاها الخوف والفرق، تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمواتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدو للرسول ﷺ من رجال العرب وفتاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة وكفرهم إيمانا، خرج عمر بن الخطاب ﵁ يريد رسول الله ﷺ ويعمد لقتله، فسار إلى دار أخته وهي تقرأ ((سورة طه)) فلما وقع في سمعه لم يلبث أن آمن، وبعث الملأ من قريش عتبة بن ربيعة إلى رسول الله ﷺ ليوافقوا على أمور أرسلوه بها، فقرأ عليه رسول الله ﷺ آيات من ((حم السجدة)) فلما أقبل عتبة وأبصره الملأ من قريش قالوا: أقبل أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، ولما قرأ رسول الله ﷺ القرآن في الموسم على النفر الذين حضروه من الأنصار آمنوا به وعادوا إلى المدينة، فأظهروا الدين بها، فلم يبق بيت من بيوت الأنصار إلا وفيه قرآن، وقد روي عن بعضهم أنه قال: "فتحت الأمصار بالسيوف وفتحت المدينة بالقرآن"، ولما سمعته الجن لم تتمالك أن قالت: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِه﴾ [٦] ، ومصداق ذلك ما جاء في القرآن نفسه في أمر القرآن من مثل
стр. 5745
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [٧] ، وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [٨] ، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [٩] ، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ﴾ [١٠] ، في آي ذوات عدد منه، وذلك لمن ألقى السمع وهو شهيد وهو من عظيم آياته ودلائل معجزاته".
هذه هي الفكرة التي تبناها الخطابي ويتضح منها مفهومه للإعجاز القرآني، ولقد أخذ هذه الفكرة وتبناها من بعده كثير من العلماء، مثل السيوطي في الإتقان [١١] وغيره من العلماء، ومن المهم أن نعرف أن هذه الفكرة هي عينها التي أدار الجرجاني حولها بحثه في أسرار البلاغة إذ اعتبر مصدر البلاغة في الكلام هو تأثيره في النفوس.
د. أحمد جمال العمري
--------------------------------------------------------------------------------
[١] ذكره ياقوت في معجم الأدباء باسم أحمد، وقال إنه سئل عن اسمه أحمد أو حمد فقال: سميت بحمد وكتب الناس أحمد.
[٢] سورة الإسراء ١٧.
[٣] سورة الروم ١-٣.
[٤] سورة الفتح ١٦.
[٥] سورة البقرة ٢٣.
[٦] سورة الجن ٢١.
[٧] سورة الحشر ٢١.
[٨] سورة الزمر ٢٣.
[٩] سورة العنكبوت ٥١.
[١٠] سورة المائدة ٨٣.
[١١] انظر الجزء الثاني ص٢٠٥ وما بعدها.
стр. 5746
العدد ٣٤
فهرس المحتويات
١- رسالة من نائب رئيس الجامعة الإسلامية
٢- التقوى سبب كل خير: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
٣- أضواء من التفسير: لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
٤- رسائل لم يحملها البريد: لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
٥- أبو ألحسن الرماني ومفهومه للإعجاز القرآني: للدكتور: أحمد جمال العمري
٦- تعقيب لا تثريب - ملاحظات إسلامية حول كتاب (أبي ذر والشيوعية) : لفضيلة الشيخ محمد المجذوب
٧- الجبال في القرآن آية من الرحمن: الدكتور محمد نغش
٨- تراث الحديث والسنة في الهند: لفضيلة الشيخ تقي الدين الندوي
٩- التعليم المعاصر والتربية الإسلامية: لفضيلة الشيخ محمد الشربيني
١٠- القاعدة الصلبة الواعية من المهاجرين والأنصار: لفضيلة الشيخ زهير الخالد
١١- جوانب من حياة الرسول ﷺ : الدكتور عبد الباقي علي قصة
١٢- الندوة العالمية عن المسكرات: تلخيص فضيلة الشيخ محمود فايد
١٣- الأسلوب الإسلامي لوقاية المجتمع من الخمر والمسكرات: الدكتور أحمد عبيد الكبيسي
١٤- تكذيب الوصية المنسوبة لخادم الحرم: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
١٥- الغناء من علل المجتمع المسلم: بقلم فضيلة الشيخ معوض عوض إبراهيم
١٦- الإخاء الإسلامي قوة وعطء وانتصار: لفضيلة الشيخ أحمد عبد الرحيم السايح
١٧- نعمة العمل بالتشريعات الإسلامية: لفضيلة الشيخ محمد المهدي محمود
١٨- التهاب الزائدة الدودية: للدكتور كايد أحمد الكايد
١٩- موكب النور: لفضيلة الشيخ عبد الحميد ربيع
٢٠- أخبار الجامعة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 5747
رسالة من نائب رئيس الجامعة
الشيخ عبد المحسن العباد
حضرة الأخ المكرم الشيخ حفظه الله
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد.
فإني أحمد إليك الله ، الذي هداك لطريق الخير فقدمت إلى هذه الجامعة الإسلامية ترجو التفقه في دينك، والتزود من التقوى في مدينة رسوله ﷺ ثم سدد - بفضله - خطاك، فأتممت دراستك ومنحت الشهادة العالية من جامعتك في هذا العام ٩٥ /١٣٩٦ لتبدأ مرحلة جهادك في كتائب الدعوة إلى ربك: هداية للناس، وتقويما لمناهج حياتهم، وتحقيقا لسعادتهم في دنياهم وفوزهم في أخراهم.
ومرحلة جهادك هذه هي - كما تعلم - رسالة جامعتك وهي الغاية التي من أجلها جئت من بلدك، ونفرت من قومك، وجهدت السنين لبلوغها وقد بلغتها، وهي أسمى الغايات في حياتك. والعمل لتحقيقها هو أشرف أعمالك، والجهد الذي تبذله في سبيلها يفوق في قيمته وأجره وأثره كل جهد آخر يبذل في سبيل غيرها، وحسبك ما يعيه قلبك من قول ربك في كتابه العزيز ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
فعليك أيها الأخ الكريم أن تعد نفسك، وأن تصرف همتك لأداء هذا الواجب بكل طاقتك، في أي مكان كنت، وأي عمل أو منصب توليت.
عليك أن تكون القدوة الصالحة لغيرك، في عقيدتك وخلقك، في فعلك وقولك، في كل شؤون حياتك، وأن تكون الرائد الأمين في جماعتك، والداعية الحكيم في مجتمعك: مستهديا كتاب ربك، وسنة نبيك، وهدى سلفك الصالح، لا تبتغي بعملك إلا مرضاة ربك، ليهديك ويعينك، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
стр. 5748
تذكر دائما- حيث كنت - أنك إمام يستمع لقوله، ويقتدى بفعله وأنك أحد الشهداء فانظر أي شهيد أنت، وتحقق بهذه الشهادة، وكن مدركا لمسئولياتها، ملتزما بها.
وكن - أيها الأخ الكريم - على صلة مستمرة بجامعتك، التي وضعت فيك، وفي كل زملائك أملها، وحملتكم جميعا أمانة الدعوة إلى الله على بصيرة، وهي معكم دائما: أمامكم برسالتها ومن ورائكم بكل جهودها، تؤازركم، وتساندكم وتعاونكم، وترجو لكم النجاح في كل خطواتكم على طريق جهادكم في سبيل ربكم.
ووثق صلتك بإخوانك من أسرة جامعتك، وتعاونوا جميعا على أداء رسالتكم، رسالة الإسلام الخالدة ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ ، وفقك الله، وأعانك، وسدد خطاك على طريق الهدى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
نائب رئيس الجامعة الإسلامية
عبد المحسن بن حمد العباد
стр. 5749
القاعدة الصلبة الواعية من المهاجرين والأنصار
لفضيلة الشيخ زهير الخالد
لقد رأينا في الحلقة السابقة الأثر العميق والواسع الذي تركته وفاة رسول الله ﷺ على الصابة رضوان الله تعالى عنهم، فقد تركت فيهم حزنا عميقا وأسى بالغا إلى درجة الذهول كما حدث مع عمر بن الخطاب ﵁ وعلى القبائل العربية في الجزيرة العربية حيث تفاوتت انعكاساته، فمنهم من حزن، وهم الصادقون، وهم قلة قليلة، أما أكثرهم ممن قال فيهم رب العزة والجلال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فقد تركت لديهم سرورا وفرحا وردة عن الإسلام. وإن اختلفت الصورة التي ظهرت فيها ردة كل فريق..
أما اليهود الموتورون، والمتنبئون الكذابون والنصارى ودولتهم الرومية، الذين يمثلون المعسكر الغربي، والفرس ودولتهم المجوسية الذين يمثلون المعسكر الشرقي. فقد دفعتهم وفاة رسول الله ﷺ لأن يتحضروا ويعدوا العدة للانقضاض عل دولة المسلمين في المدينة المنورة، حتى أصبح أصحاب رسول الله ﷺ عقب وفاة نبيهم ﵊ كما تصفهم أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂ فتقول: "لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب قاطبة وأعربت النفاق وسار أصحاب محمد كأنهم معزى مطيرة في ليلة شاتية مطيرة، بأرض مسبعة.
стр. 5750
لقد كان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - يدركون هذه الأخطار والتحديات التي نجمت عن وفاة نبيهم ﵊ وكانوا يدركون أيضا المهمات الكبرى التي تنتظرهم وتمتحن صلابتهم ووعيهم، وفي مقدمتها مغالبة آلامهم الشديدة، وأحزانهم العميقة، والمسارعة لانتخاب خليفة لرسول الله ﷺ يجتمعون عليه للوقوف في وجه هذه المحن المتلاحقة والتي تقف في وجههم.
ضرورة البت السريع في انتخاب خليفة لرسول الله ﷺ
إن اجتماع الأمة على رجل يخلف قائدها المتوفى أمر في غاية الأهمية، وله تأثيره الكبير على حاضر الأمة ومستقبلها، وعلى تماسكها وقوتها والحيلولة دون تفرق كلمتها وتمزق وحدتها، ومن هنا نجد أن الأمم ومنذ زمن قديم حتى العصر الحاضر تحرص أن يكون لقائدها، ملكها أو رئيسها نائبا يخلفه إذا نزل به الموت، ويسارع أهل الحل والعقد لتنصيبه أو لتأكيد تنصيبه خلفا لقائدها الراحل فور موته وقبل الاشتغال بمراسم دفنه، وهذا ما تقضي به مصلحة الأمة وأمنها.
стр. 5751
لكن شأن النبوة يختلف عن شأن الرئاسات الدنيوية، ومن ثم لم يكن لرسول الله ﷺ خليفة معينا صراحة من قبل رسول الله ﷺ ولذا فقد وجد الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أن عليهم أن يقوموا بهذه المهمة الكبيرة، وعلى وجه السرعة والحكمة لأن الأحداث المنتظرة والمتوقعة تقتضي منهم هذا البت السريع، والزمن لا يتنظر فإن لم تقطعه قطعك. ومن ثم فقد رأيناهم ﵃ يسارعون إلى ذوي السن والمكانة والقيادة فيهم للتشاور معهم على هذا الأمر الجلل فذهب فريق منهم إلى أبي بكر ﵁ وهم كثرة المهاجرين وأسيد بن حضير في بني عبد الأشهل من الأنصار، وذهب بعض المهاجرين إلى علي بن أبي طالب ﵁ ومعه الزبير بن العوام ﵁ في بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي الله عنها، وذهب فريق ثالث وهم كثرة من الأنصار إلى سعد بن عبادة ﵁ في سقيفة بني ساعدة.
لقد حدثت هذه الاجتماعات نتيجة مبادرات قام بها المجتمعون، ولم تكن نتيجة دعوة رسمية أو عامة حتى يستعيد أحد أو يقرب غيرهن ولكن هذا قد يؤدي إلى نتائج خطرة إذ قد تخرج كل مجموعة برأي لا سيما إذا كانت تشمل أو تمثل عددا كبيرا من أهل الحل والعقد، ثم تطلب من عامة المسلمين الموافقة على ما اتخذته من قرار فإذا اختلف القراران فتح بذلك المجال لأن تبذر بذور الفتنة..
وخطورة هذه الحال لم تكن غائبة عن الصحابة - رضوان الله تعالى عنهم -، ومن ثم لمل علم بعضهم باجتماع المهاجرين ومن معهم من الأنصار إلى أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - واجتماع الأنصار في سعد بن عبادة ﵁ سارع إلى أبي بكر وعمر وأخبرهما باجتماع الأنصار.
стр. 5752
قال ابن إسحاق: فأتى آت إلى أبي بكر وعمر فقال: إن هذا الحي مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، قد انحازوا إليه فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم.
قال عمر: فقلت لأبي بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه ١. لقد كان هناك من الصحابة من يرى أن المهاجرين هم أولى الناس باختيار الخليفة، ومن ثم كان يكفيهم أن يرسلوا إلى إخوانهم الأنصار ليأتوا إليهم للتشاور في هذا الأمر الخطر لكن تجرد الصحابة وإخلاصهم لله سبحانه أملا عليهم إلا أن يتجاوزوا هذه الاعتبارات التي يلتصق بها كثير من الناس، وإلا أن يرتفعوا إلى أعلى درجات السمو والتواضع والحرص على جمع كلمة المسلمين، فقام المهاجرون ومشوا إلى إخوانهم الأنصار، في سقيفة بني ساعدة.. وفي الطريق يلتقي المهاجرون بمعن بن عدي وعويم بن ساعدة الأنصاريين فيقولان لهم: إلى أين يا معشر المهاجرين؟ فيجيب عمر: نريد إخواننا هؤلاء الأنصار. فيقولان لهم: لا عليكم ألا تقربوهم، وقضوا أمركم يا معشر المهاجرين.
لقد كان هذان الأنصاريان - رضي الله تعالى عنهما - ممن يرون أن المهاجرين هم أولى الناس باختيار الخليفة، ولا حرج عليهم فيما لو نفروا في البت في هذا الأمر، ولم يأتوا الأنصار. لكن المهاجرين أرادوا أن يكون الأمر عن إجماع من الصحابة كلهم - رضي الله تعالى عنهم - ولذلك سعوا إلى السقيفة حيث الأنصار.
الاجتماع التاريخي في سقيفة بني ساعدة
стр. 5753
١-موضوع البحث في السقيفة: إن الذي يدرس الأقوال التي طرحت في اجتماع السقيفة، كما نقلتها الروايات الصحيحة يدرك من خلالها الموضوع الذي كان يبحثه الصحابة المجتمعون في السقيفة، وهو: المستوى الذي يقضي الإسلام أن ينتخب الخليفة منه: هل هو من المهاجرين؟ أم من الأنصار؟ أم من العرب كافة؟ أم من المسلمين عامة؟.. الخ. فإذا اتفقوا على المستوى الذي تدل عليه توجيهات الرسول ﷺ أو بعض الظواهر العامة التي لها وزنها في هذا المجال.
فقام رجل من الأنصار فحمد الله تعالى وأثنى عليه وأدلى بوجهة نظره وهي أن الإسلام يقضي بأن يكون خليفة رسول الله ﷺ من الأنصار، لوجود عدة ظواهر وإشارات من الرسول ﷺ ومن هذه الظواهر والإشارات:
كون المدينة المنورة هي بلد الأنصار وكونهم أنصار الله تعالى وكتيبة الإسلام، وأن رسول الله ﷺ هاجر إليهم، وكذلك المهاجرون هاجروا إليهم، فأصبحوا رهطا من الأنصار، ثم ألم يقل رسول الله ﷺ : "لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار" [١] .
لكن وجهة النظر هذه لم تكن تمثل رأي الأنصار كلهم ولا غالبيتهم بدليل وجود آراء أخرى أدلى بها الأنصار في السقيفة أو عبروا عنها بمواقفهم، فقد كان فيهم من يعتقد أن هذه الإشارات والظواهر التي تدل على فضل الأنصار لا تعني أن الخليفة يجب أن يكون منهم، فهذه فضائلهم عند الله سبحانه وأجرهم فيها على الله ﵎ ثم إن للمهاجرين - لا سيما السابقين منهم - فضائل كثيرة تربو على فضائل الأنصار - رضي الله تعالى عن المهاجرين والأنصار جميعا - ولذا فقد كان في الأنصار من يرى أن المستوى الذي يجب أن ينتخب الخليفة من هو.
(قاعدة الإسلام) وقد عبر قائلهم عن وجهة النظر هذه بقوله: منا أمير ومنكم أمير.
стр. 5754
هذا وقد رأينا آنفا أن مجموعة من الأنصار سعت إلى المهاجرين واجتمعت إليهم وهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل - رضي الله تعالى عنه وعنهم - معبرا بذلك عن وجهة نظره وهي أن المستوى الذي يجب أن ينتخب الخليفة منه هو المهاجرون، بل كان منهم من يرى أن ينفرد المهاجرون باختيار الخليفة كما رأينا من قول عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي - رضي الله تعالى عنهما -.
المهم أن هذه وجهات نظر كان يراها بعض الأنصار - رضوان الله تعالى عليهم -.
في المستوى الذي يجب أن يختار منه الخليفة لرسول الله ﷺ بناء على ما لديهم من ظواهر وإمارات ولا يقدح ذلك في إخلاصهم ولا يخدشه بدليل أنه حين تبين لهم على لسان الصديق ﵁ أن هناك نصا يقطع كل شبهة ويحدد المستوى الذي يجب أن يكون منه الخليفة وهو قريش سلموا به وأجمعوا عليه ولم يتخلف منهم أحد - رضي الله تعالى عنهم - وما أعمق فهم العلامة ابن كثير - رحمه الله تعالى - لما توخاه الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من الأقوال التي طرحت في اجتماع السقيفة، وما أروع قوله الذي عبر به عن فهمه العميق هذا حين قال: "ووقعت شبهة لبعض الأنصار وقام في أذهان بعضهم جواز استخلاف خليفة من الأنصار". "وتوسط بعضهم بين أن يكون أميرا من المهاجرين وأميرا من الأنصار.. حتى بين لهم الصديق أن الخلافة لا تكون إلا في قريش، فرجعوا إليه وأجمعوا عليه" [٢] .
стр. 5755
بعد أن أدلى الأنصار بوجهات نظرهم هذه أراد عمر بن الخطاب ﵁ أن يتكلم وكان قد أعد كلمة في نفسه لإلقائها في هذا الاجتماع لولا أن أبا بكر سبقه بالكلام، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم بدأ بذكر ما للأنصار من فضل ولم يترك شيئا أنزل فيهم، أو ذكره رسول الله ﷺ أو عرفه المسلمون إلا ذكره اعترافا بفضل الأنصار، ولكنه لم يكن يرى أن ذلك يفيد أن يكون الخليفة منهم، لوجود نص صريح قاطع من الرسول ﷺ يحدد المستوى الذي يجب أن يختار منه الخليفة وهو قريش.
وكان مما قاله ﵁: أما بعد فما ذكرتم من خير فأنتم أهله وما تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا. وقال أيضا: لقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: "لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا لسلكت وادي الأنصار.."
ثم وجه الكلام إلى سعد بن عبادة ﵁ يذكره بنص رسول الله ﷺ الذي يقطع كل شبهة في هذا الشأن فقال: ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد: "قريش ولاة الأمر فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم" [٣] .
وبناء على هذا فالمستوى الذي يجب أن ينتخب الخليفة منه هو المهاجرون لأنهم من قريش، ولكن هذا لا يعني إغفال دور الأنصار ومكانتهم، بل أن دورهم دور أساسي، فهم مساعدوا الخليفة وأعوانه ووزراؤه، وهم بطانته الخيرة.
стр. 5756
ولما كان المهاجرون والأنصار - رضي الله تعالى عنهم - يتوخون امتثال أمر الله تعالى ورسوله ﷺ في تحديد المستوى الذي يكون منه الخليفة، ولما كان الإخلاص لله تعالى والتجرد من كل شيء سوى ذلك هو الذي يسيطر عليهم ويحركهم، سرعان ما سلموا بما ذكره الصديق ﵁ من قول رسول الله ﷺ وعبر سعد بن عبادة ﵁ عن قناعة الأنصار بقوله: "صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء".
ولما فرغ أبو بكر ﵁ من خطابه، وظهرت القناعة على الجميع بما أدلى به من وجهة النظر الصحيحة، وهو أن يكون الخليفة من المهاجرين، وكان أفراد هذا المستوى الجديرين بهذا المنصب الكبير متوفرا، لا سيما من السابقين منهم، وكان الأمر يقتضي البت السريع، وعدم التأجيل، وكان في جانب أبي بكر عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح - رضي الله تعالى عنهما -، أخذ أبو بكر بأيديهم ورشحهما للانتخاب وقال: لقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم [٤] .
فكره عمر ذلك، كره أن يرشح وأن يقدم على أبا بكر، وقد قال عمر معبرا عن كراهته لأن يتقدم على أبي بكر: فلم أكره مما قال أي أبي بكر غيرها والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلا أثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر إلا أن تغير نفس عندي الموت. ولذلك خاطب الأنصار قائلا: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟.فقال الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر [٥] .
وقال: يا معشر المسلمين، إن أولى الناس بأمر نبي الله، ثاني اثنين إذ هما في الغار، وأبو بكر السباق المسن، وقد رضيه رسول الله ﷺ لدينكم أفلا ترضونه لدنياكم.
стр. 5757
ويروي البيهقي: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، وخليفته من المهاجرين، ونحن كنا أنصار رسول الله ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره [٦] .
ويروي البيهقي أيضا: أن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ أخذ بيد أبي بكر وقال: هذا صاحبكم فبايعوه.
فأراد عمر أن يبايع أبا بكر، فسبقه غليها بشير بن سعد الخروجي والد النعمان بن بشير - رضي الله تعالى عنهما - ثم بايعه عمر وأبو عبيدة، ويسابق المجتمعون من المهاجرين والأنصار وبايعوا أبا بكر بالخلافة. واضطر الصديق لقبولها خوفا من أن ينفض المجلس بدون بيعه فيفتح باب للفتنة.
روى الإمام أحمد عن رافع الطائي رفيق أبي بكر في غزوة ذات السلاسل، قال: وسألته عما قيل في بيعتهم، فقال وهو يحدثه عما تقاولت به الأنصار وما كلمهم به عمر بن الخطاب الأنصار، وما ذكرهم به من إمامتي إياهم بأمر رسول الله ﷺ في مرضه فبايعوني لذلك وقبلتها منهم وتخوفت أن تكون فتنة بعدها ردة [٧] .
ويعقب ابن كثير على هذا الخبر بقوله: "وهذا إسناد جيد قوي، ومعنى هذا أنه ﵁ إنما قبل الإمامة تخوفا أن تقع فتنة أربى من تركه قبولها ﵁"فخوفه من وقوع الفتنة أشد عليه من قبولها.
وخطب أبو بكر مرة مبينا للناس أنه لم يكن طامعا بالخلافة ولا راغبا بها ولا حدث بها نفسه في ليل أو نهار، فقال كما يرويه عنه موسى بن عقبة في مغازيه: "ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة، ولا سألتها في سر ولا علانية [٨] . وتمت بذلك بيعة أبي بكر البيعة الخاصة وكان ذلك في بقية يوم سنة ١١هأي في بقية اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ وكان أهله ﵊ قد أغلقوا الباب دونه [٩]
стр. 5758
أما علي بن أبي طالب ﵁ فقد سبق أن ذكرنا أنه كان مع من انضم إليه من المهاجرين في بيت فاطمة رضي الله تعالى عنها ولم يكن فيما يبدو قد علم اجتماع السقيفة، كما أن الذين حضروا اجتماع السقيفة لم يكونوا قد علوا بمكانه، وقت اجتماعهم، لأن الاجتماع إنما تم كما ذكرنا نتيجة مبادرات قام بها المجتمعون، ولم تكن نتيجة دعوة عامة أو رسمية تحدد المكان والزمان، حتى يكون هناك مجال لأعداء الإسلام من المتزندقين والمستشرقين والمتأثرين بهم من المغفلين لينفذوا منه للطعن بأصحاب السقيفة فيتهمونهم بالتآمر، أو الطعن بعلي والزبير ومن كان معهم فيتهمونهم بالتخلف أو الحرص على المنصب، فلم يكن هذا ولا ذاك، فحاشاهم جميعا من ذلك ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
البيعة العامة في المسجد، وبيعة علي والزبير لأبي بكر - رضي الله تعالى عنهم:
فلما كانت صبيحة اليوم الثاني الثلاثاء ١٣ / ٣ / ١١هاجتمع الناس عامة في المسجد، وقام عمر وتكلم قبل أبي بكر - رضي الله تعالى عنهما - فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إني قد قلت بالأمس مقالة، ما كنت، وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله، ولكن كنت أرى أن رسول الله ﷺ سيدبر أمرنا، أي يكون أخرنا وفاة.
وأن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي هو هدى رسول الله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هدى هذه الأمة له، وأن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله ﷺ وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقاموا فبايعوه [١٠] .
стр. 5759
ثم قال عمر لأبي بكر: اصعد المنبر ن ولم يزل به حتى صعد المنبر، وتقدم الناس إليه فبايعوه، وحضر كل من علي والزبير بن العوام - رضي الله تعالى عنهما - فبايعا أبا بكر الصديق ﵁ علنا أمام الملأ من الناس [١١] وتمت البيعة العامة لأبي بكر الصديق، وأصبح بذلك خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر ﵁.
خطبة أبي بكر الصديق ﵁
بعد أن تمت البيعة، ألقى أبو بكر الخطبة التالية التي رسم فيها سياسته ومنهجه في الحكم فقال: أيها الناس فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إن شاء الله.
لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل.
ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء.
أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله [١٢] .
رأي علي والزبير في الصديق وانتخابه:
أما ما روى من تأخر علي بن أبي طالب والزبير - رضي الله تعالى عنهما - من أن يكونا في مقدمة المبايعين لأبي بكر الصديق ﵁ كما هو المتوقع منهما فسبب ذلك - فيما يبدو لنا والله تعالى أعلم - ظنهما أنهما أخرا عن المشورة قصدا، ورفضا عمدا أن يؤخذ رأيهما فيمن هو جدير بخلافة رسول الله ﷺ وهذا أمر طبيعي وفطري أن يغضب الإنسان إذا كان بمكانة علي والزبير إذا رفض عمدا أن يؤخذ رأيهما في القضايا الخطيرة والهامة التي لا يستغنى فيها عن مثل رأيهما حتى يؤديا واجبهما في مثل هذه القضايا الكبرى التي لها أثرها على حاضر الأمة ومستقبلها.
стр. 5760
فلما تبين لهما أن الأمر لم يكن مقصودا، وأن الاجتماع إنما تم بناء على مبادرات أسرع إليها المجتمعون، ولم يكن نتيجة تنادي بعضهم بعضا حتى يقدم البعض ويؤخر البعض، ذهب ما شعر به من الغضب، لا سيما وهما يعلمان ضرورة البت السريع في مثل هذا الأمر الخطير، وقد انتخب من كان يريان، أنه أولى الناس بالانتخاب ولذلك جاءا إلى المسجد وبايعا علنا أمام الملأ من الناس. وصرحا بسبب غضبهما وأكد هذا المعنى فقال: ماغضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها، وأنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله ﷺ أن يصلي بالناس وهو حي.
ويعقب ابن كثير على هذا الخبر فيقول: إسناد جيد ولله الحمد والمنة [١٣] .
ويروي ابن كثير عن سفيان الثوري عن عمرو بن قيس عن عمرو بن سفيان قال: لما ظهر علي على الناس قال: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا، حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله [١٤] .
وروى البيهقي عن أبي وائل، قال: قبل لعلي أبي طالب، ألا تستخلف علينا؟ فقال: ما استخلف رسول الله ﷺ فاستخلف ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم.
ويعقب عليه ابن كثير فيقول: إسناد جيد ولم يخرجوه [١٥] .
وهكذا نجد أن انتخاب الصديق قد تم بإجماع الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم- ولم يتخلف عنه أحد. ويقول العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى: "ومن تأمل ما ذكرناه ظهر إجماع الصحابة والأنصار على تقديم أبي بكر ".
وظهر له برهان قوله ﵊:"يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ".
стр. 5761
وظهر أن رسول الله ﷺ لم ينص على الخلافة عينا لأحد من الناس لا لأبي بكر كما قد زعمه طائفة من أهل السنة، ولا لعلي كما تقوله طائفة من الرافضة، ولكن أشار إشارة قوية ليفهمها كل ذي لب وعقل إلى الصديق [١٦] .
تحديد علي للبيعة لأبي بكر مرة ثانية ﵄:
حدثت بعض الملابسات، دفعت علي بن أبي طالب ﵁ لأن يرى أن الحكمة ومصلحة الأمة تقضي بأن يجدد بيعته لأبي بكر الصديق ﵁ مرة ثانية وذلك بعد وفاة وزوجته فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي الله وأرضاها.
وقد أشار ابن كثير ﵀ إلى هذه الملابسات فقال: ولكن لما حصل من فاطمة- ﵂ عتب على الصديق، بسبب ما كانت متوهمة من أنها تستحق ميراث رسول الله ﷺ ولم تعلم بما أخبرها به أبو بكر الصديق ﵁ أنه قال: "لا نورث ما تركناه صدقة "فحجبها وغيرها من أزواجه ومنهم عائشة بنت أبي بكر ﵂ وكذلك عمه عن الميراث بهذا النص الصريح فسألته أن ينظر علي في صدقة الأرض التي بخيبر وفدك، فلم يجبها إلى ذلك لأنه رأى أن حقا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله ﷺ وهو الصادق البار الراشد التابع للحق ﵁ فحصل لها وهي امرأة من البشر ليست براجية العصمة عتب وتغضب، ولم يتكلم الصديق حتى ماتت، واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها ﷺ رأي علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر ﷺ مع ما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله ﷺ [١٧] .
стр. 5762
ولعلنا لا نبتعد في التعليل إذا أضفنا إلى هذا: أن رسول الله ﷺ أخبر فاطمة ﵂ أنها أول أهل بيته لحاقا به، ومعنى هذا أن وفاتها ستكون قبل وفاة زوجها علي بن أبي طالب ﵁ يقينا فاحتاج علي أن يكثر من ملازمتها في بيتها دون أن يمنعه ذلك من حضور الصلاة خلف أبي بكر ﵁ في وقت من أوقاتها أو يتغيب عنه في مشهد من المشاهد، ويشهد لذلك خروجه معه إلى ذي القصة، حين خرج الصديق شاهرا سيفه يريد قتال أهل الردة، وما كان من إصرار علي أن يرجع الصديق إلى المدينة المنورة ليدير شؤون المسلمين وقول علي لأبي بكر: لا تفجعنا بنفسك يا أبا بكر.. الخ وأن ينيب مكانه القادة لقتال المسلمين، ففعل أبو بكر ذلك وأخذ بنصيحة علي رضي الله تعالى عنهما.
فلعل هذه الظاهرة وهي كثرة ملازمة علي لفاطمة- ﵄ -في بيتها وما يستلزمه من غياب علي من مجلس أبي بكر في المسجد، دفع بعض الناس لأن يتوهم أو يظن بسبب عدم رضا علي بن أبي طالب على انتخاب الصديق خليفة أو شيئا من هذا القبيل، فلما توفيت فاطمة ﵂ زالت تلك الأسباب ولازم علي مجلس أبي بكر ولكي يقطع تلك الظنون والأوهام جدد البيعة لأبي بكر - رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما- وقطع بذلك الطريق على كل وهم أو ظن خاطئ، وسد كل منفذ لكل متقول أفاك.
بيعة أبي بكر الصديق كانت إلهاما من الله تعالى للصحابة:
لقد كان واضحا إلهام الله تعالى وتوفيقه للمهاجرين والأنصار في اختيارهم للصديق ﵁ خليفة لرسول الله ﷺ .
لقد كان واضحا في السرعة التي تمت فيها، وروح الإخلاص والتجرد التي سادت المناقشة في اجتماع السقيفة والتي قادت إلى سرعة الاقتناع والتسليم للحق لمل تبين على لسان الصديق.
стр. 5763
وتجاوز بعض الاعتبارات المعهودة في مثل هذه الاجتماعات والمناقشات التي تنشأ عن وهم أو غير ذلك مما لا تنزل بصاحبها عن مستوى العدالة، إلا أنها ليست في ذاك المستوى الساحق الذي تسامى عليه المهاجرون والأنصار - رضي الله تعالى عنهم - في اجتماعهم التاريخي الذي عقد في السقيفة، والذي جاء بالخير الكثير بعد نبيهم ﵊.
ولقد أدرك الصحابة هذا الخير العميم الذي نشأ عن ذلك الاجتماع التاريخي، والذي جاء به اختيار أبي بكر خليفة لرسول الله ﷺ . فقال أبو هريرة ﵁ معبرا عن ذلك: والله الذي لا إله غيره، لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله! ثم قال في الثانية، ثم قال في الثالثة.
فقيل له: مه يا أبا هريرة. فقال أبو هريرة: إن رسول الله ﷺ وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام فلما نزل بذي خُشب قبض رسول الله ﷺ وارتدت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا بكر رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشا وجههه رسول الله ولا حللت لواء عقده رسول الله.
فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيلة يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم. فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام [١٨] .
وقال عمر بن الخطاب ﵁ وكأنه يرد على وسوسة منافق أو مشكك أراد نشرها، قال:.. فلا يغترن امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، ألا وإنها كانت كذلك، ألا وإن الله وقي شرها، وليس فيكم اليوم من يقطع الأعناق مثل أبي بكر.
стр. 5764
ثم قال: "أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أقوى من مباعة أبي بكر " [١٩]
هذا وقد دلت الأحداث وتصرفات أبي بكر الحكيمة المحكمة، ومواقفه الموفقة، على فضل اجتماع السقيفة وانتخاب الصديق، وأن ذلك كان بإلهام وتوفيق من الله تعالى للمهاجرين والأنصار - رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم - وذلك برهان قوله ﵊: " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ".
عبد الله بن سبأ اليهودي هو أول من وضع عقيدة: وصي رسول الله ﷺ :
إن من تمام هذه الحلقة، من هذا البحث، أن نشير إلى ما يذكره التاريخ عن عقيدة "الوصي لرسول الله ﷺ " كيف نشأت ومن وضعها، ومن أول من اعتنقها وصدقها.
стр. 5765
يذكر المحققون من مؤرخينا الأفذاذ كابن جرير الطبري - رحمه اله تعالى- أن أول من وضع عقيدة "الوصي لرسول الله ﷺ " هو الماكر اليهودي الخبيث عبد الله بن سبأ اليهودي، وذلك كجزء من مخطط اليهود، حينذاك لبذر بذور الفتنة بين المسلمين، وهذا ما عرفا به منذ القدم حين يعجزون عن مواجهة أعدائهم ومجابهتهم مجابهة مكشوفة صريحة، فيستديرون من الخلف بين أعدائهم ليفرقوا صفهم بالاستحواذ على الجملة منهم والسذج ذوي التفكير السطحي ممن يسهل خداعهم وتضليلهم. وهذا ما فعلوه بالمسيحيين والمسيحية التي جاء بها عيسى ﵊ وفي عهدها الباكر على يد الماكر اليهودي الخبيث شاؤول، الذي دخل بالمسيحية "أو تظاهر بالدخول فيها "واتخذ اسم (بولس) فحرفها ووضع للنصارى عقيدة التثليث وسواها من الخرافات والشركيات والضلال.. فضاع بذلك التوحيد الذي جاء به عيسى ﵊ وما زال النصارى حتى اليوم على الشرك الذي وضعه لهم اليهودي شاؤول. وهذا ما يعترف به كتاب النصارى أنفسهم، فيقول: "إن العقيدة والنظام الديني الذي جاء في الإنجيل ليس الذي دعى إليه السيد المسيح بقوله وعمله، إن مرد النزاع القائم بين المسيحيين اليوم بين اليهود والمسلمين ليس إلى المسيح بل إلى دهاء بولس ذلك المارق اليهودي والمسيحي ".
стр. 5766
ثم يقول: "إن بولس في تقليده لاسطفانوس داعي المذهب الإيساني قد ألصق بالمسيح التقاليد البوذية، إنه واضع ذلك المزيج من الأحاديث والقصص المتعارضة التي يحتوي عليها الإنجيل اليوم والتي تعرض المسيح في صورة لا تتفق مع التاريخ أصلا ليس المسيح بل بولس، والذين جاءوا بعده من الأحبار والرهبان هم الذين وضعوا تلك العقيدة والنظام الديني الذي تلقاه العالم المسيحي كأساس للعقيدة المسيحية [٢٠] . الخ. ومن ثم فهو أو غيره يقول: إنه من الأولى أن تسمى المسيحية اليوم بالديانة البوليسية (نسبة إلى بولس) وليس المسيحية!
لقد حاول اليهود أن يعيدوا نفس التجربة مع الإسلام والمسلمين، فأوعزوا لهذا الماكر الخبيث الذي خرج من اليمن والذي عرف في كتب التاريخ باسم عبد الله بن سبأ اليهودي وبابن السوداء. فتظاهر بالإسلام وجعل يتنقل بين أمصار المسلمين، يبحث عن فلول المرتدين الذين قهرتهم قوة الإسلام ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وكذلك جعل يصطاد السفهاء والحمقى، والجهلة والبسطاء والسذج ذوي التفكير السطحي المحدود ممن يسهل خداعهم، وأيضا جعل يتصل بمن عرفوا بالانحراف في السلوك فأوقفهم عثمان بن عفان ﵁ عند حدهم وباتوا ينتظرون الفرصة كي ينتقموا لأنفسهم، فجاءتهم بفتنة عبد الله بن سبأ اليهودي.
مخطط ابن سبأ اليهودي لبذر بذور الفتنة بين المسلمين:
إن الذي يبدو لنا مما يرويه المؤرخون المسلمون عن تحركات ابن سبأ اليهودي واتصالاته ودعوته أنه كان يهدف لأمرين اثنين كهدفين أوليين مرحلتين وهما
١-إثارة الناس على الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه
стр. 5767
٢-تمزيق صف المسلمين بالدعوة لأكثر من واحد من أبرز الصحابة وهم علي بن طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله - رضي الله تعالى عنهم - حتى إذا نجحت دعوته بإثارة الغوغاء على خليفة المسلمين عثمان ﵁ لا يتمكن المسلمون بعده من الاجتماع على شخص واحد، وإنما ينقسمون إلى ثلاثة أحزاب.
ومن ثم بث الدعوة في البصرة لطلحة بن عبيد الله، واتصل لهذا الغرض برجل لص قهره عثمان بن عفان ﵁ وهو: حكيم بن جبله [٢١] ، فنزل عليه ابت سبأ اليهودي، واجتمع إليه نفر من أمثال حكيم وممن أشرت إلى نوعهم آنفا "فطرح لهم ابن سبأ اليهودي ولم يصرح فقبلوا منه، واستعظموه". [٢٢]
لكن عبد الله بن عامر، والي البصرة أخرجه منها، فخرج إلى الكوفة، والتقى بأمثال من التقى بهم في البصرة، وبث فيهم الدعوة للزير بن العوام ﵁ لكن مالي الكوفة أخرجه منها.. فخرج حتى جاء الشام فلم يجد فيها من يستجيب له، فتابع الطريق إلى مصر فوجد فيها تربة خصبة لفتنته فاستقر فيها، والتقى بأمثال من التقى بهم في البصرة والكوفة ولكنه جعل الدعوة فيها لعلي بن أبي طالب ﵁ وصار يكاتب من استحوذ علهم في البصرة والكوفة ويكاتبونه.. وفي مصر وضع عقيدة الوصاية أي الوصي لرسول الله ﷺ ولعله مثل ذلك في البصرة والكوفة، إلا أنه جعل الوصي لرسول الله ﷺ في البصرة هو طلحة بن عبيد الله، وفي الكوفة هو الزبير بن العوام وفي مصر هو علي أبي طالب ﵁ بغرض تفريق صف المسلمين كما قدمنا وأكتفي في هذه الحلقة بما ذكره ابن جرير الطبري في هذا الخصوص بما يلقي الضوء على ما نحن بصدده وهو الإشارة إلى أن أول من وضع عقيدة الوصي لرسول الله ﷺ من بعده – فيما نعلم - هو اليهودي الماكر عبد الله بن سبأ اليهودي.
стр. 5768
يقول ابن جرير: "فيما كتب به إلى السري عن شعيب، عن سيف [٢٣] عن عطية، عن يزيد الفقعسي قال: "كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب أن محمدا يرجع، وقد قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ فمحمد أحق بالرجوع من عيسى."قال:: فقبل ذلك منه. ووضع لهم الرجعة، فتكلموا فيها.. "ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد. "ثم قال لهم: محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء. "ثم قال لهم بعد ذلك: من أظلم لم يجز وصية رسول الله ﷺ ووثب على وصي رسول الله ﷺ وتناول أمر الأمة.
"ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله ﷺ فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدءوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر [٢٤]
стр. 5769
وهكذا نجد أن الذي وضع عقيدة الوصي لرسول الله ﷺ هو عبد الله بن سبأ اليهودي بقصد تفريق كلمة المسلمين، وإفساد اعتقادهم.. وقد تابع عمله بغاية المكر والدهاء بحيث استطاع أن يستحوذ على عدد غير قليل من البسطاء والسذج ووجد الذين قهرتهم قوة الإسلام من فلول المرتدين، وكذلك من قهرهم حزم خليفة المسلمين عثمان بن عفان ﵁ في إقامة العدل وحدود الله تعالى.. وجد هؤلاء وأولئك في دعوته متنفسا لحقدهم ومجالا لانحرافهم، فقاموا بفتنة كبيرة وجريمة نكراء أدت إلى استشهاد ذي النورين عثمان بن عفان ﵁ وخروج طوائف من الإسلام مرقوا منه مروق السهم من قوسه.
زهير إبراهيم الخالد
مدرس التاريخ الإسلامي بالجامعة الإسلامية
--------------------------------------------------------------------------------
١ سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٦٥٦ (القسم الثاني) تحقيق القازوميلية الطبعة الثانية ١٣٧٥هـ- ١٩٥٥م.
[١] السيرة النبوية لابن كثير تحقيق مصطفى عبد الواحد ج ٣ ص ٦٧٨. ط ١.
[٢] السيرة النبوية لابن كثير تحقيق مصطفى عبد الواحد ج ٤ ص ٤٨٥ ط ١ ١٣٨٥هـ- ١٩٦٦م.
[٣] السيرة النبوية لابن كثير ج ١ ص ٣٩١.
[٤] المصدر السابق ص ٤٨٨
[٥] المصدر السابق ص ٤٩٠.
[٦] المصدر السابق ٤٩٤ – ٤٩٥.
[٧] المصدر السابق ص ٤٩١.
[٨] المصدر السابق ص ٤٩٦.
[٩] سيرة ابن هشام تحقيق محي الدين عبد الحميد ج ٤ ص ٣٣٦.
[١٠] السيرة النبوية لابن كثير ج ١ ص ٤٩٢ – ٤٩٣.
[١١] المصدر السابق ص ٤٩٤. ويعلق ابن كثير على ذلك فيقول: وفيه فائدة جليلة، وهي مبايعة علي بن أبي طالب، وأما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة وهذا حق، فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه.
стр. 5770
[١٢] المصدر السابق ص ٤٩٣ ويعقب ابن كثير على قول الصديق ((وليتكم ولست بخيركم)) فيقول من باب الهضم والتواضع فإنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم ﵃.
[١٣] السيرة النبوية لابن كثير ج ١ ص ٤٩٦.
[١٤] المصدر السابق ص ٤٩٧.
[١٥] المصدر السابق ص ٤٩٣ – ٤٩٨.
[١٦] المصدر السابق ص ٤٩٦.
[١٧] المصدر السابق ص ٤٩٥ – ٤٩٦.
[١٨] البداية والنهاية لابن كثير ج ٦ ص ٣٠٥. ط: ١ مصدره.
[١٩] مسند الإمام أحمد – رحمه الله تعالى - ج ١ ص ٣٢٣ – ٣٢٧ رقم ٣٩١. ط: ٤.
[٢٠] كتاب رجال الفكر والدعوة في الإسلام للشيخ أبي الحسن علي الحسيني الندوي ص ١٩ – ٢٠ ط ٣ ١٣٨٩ هـ- ١٩٦٩م طبع بدار القلم.
[٢١] ورد في تاريخ الطبري برواية السري ما يلي: وكان حكيم بن جبلة لصا، إذا قفل الجيوش خفس عنهم، فسعى في أرض فارس، فيغير على أهل الذمة ويتنكر لهم، ويفسد في الأرض، ويصيب ما شاء ثم يرجع، فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان ن فكتب إلى البصرة حتى تأنسوا منه رشدا، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها فلما قدم ابن السوداء نزل عليه "ج ٤ ص ٣٢٦ طبع دار المعارف ١٩٦٣م تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
[٢٢] المصدر السابق ص ٣٢٦
[٢٣] لقد اعتمدت رواية سيف فيما رواه عن الفتنة التي أوقعها استشهاد عثمان بن عفان t لأنها فيما يبدو لي حتى الآن أنها أصح الروايات.
[٢٤] تاريخ ابن جرير الطبري ج ٤ ص ٣٤٠ – ٣٤١ طبع دار المعارف بمصر ١٩٦٣م. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
стр. 5771
جوانب من حياة الرسول ﷺ
الدكتور عبد الباقي علي قصة
أهم ما يميز الرسالة التي جاء بها محمد ﷺ ، وهي رسالة الإسلام إنها تاريخية جامعة كاملة عملية، أما أنها تاريخية، فلأن التاريخ لم يقف عند حد تدوين سيرته، بل تناول كل ما يتعلق به من جميع النواحي، وحفظ الله ما نزل عليه من آيات القرآن الحكيم. .
ووقف جماعة من المسلمين حياتهم منذ العصر النبوي على حفظ أقواله وأفعاله وتقريراته، فكان رواة الحديث والمحدثين وأصحاب السير طبقات من الصحابة والتابعين، وتابعيهم حتى نهاية القرن الرابع من الهجرة، فلما اكتملت السنة جميعا وكتابة وتدوينا، كتب العلماء سير هؤلاء الرواة من الصحابة فيما عرف بعلم الرجال، وكانت هذه الرسالة كاملة لأنها شملت جميع أطوار حياة الرسول ﷺ منذ البعثة، فحياة محمد منذ بعثته إلى وفاته معلومة، وهو في حياته، لم يحتجب عن عيون قومه، وقد روى التاريخ من سيرته اشتغاله بالتجارة وكيفية زواجه، ثم علموا حاله بعد أن نزل عليه الوحي، وحين واجههم وحين خالفوه، وعرفوا جهاده في سبيل إعلاء كلمة الله، وبذله النفس والنفيس في سبيل تبليغ دعوة الإسلام، وقد جمع علماء المسلمين من شؤون حياة النبي وأحواله حتى لم يبق شيء لم يذكروه، فقد "وصفوه في قيامه وجلوسه ونهوضه من النوم وهيئته في ضحكه وابتسامه وعبادته في ليله ونهاره" [١] ووصفوا حياته العائلية، وطهارته من الغسل والوضوء. بل أنهم تحدثوا عن هديه في تناول الطعام والشراب وركوب الدواب والبيع والشراء والتعامل مع الناس ومع أهله [٢] وتناولوا المأثورات من أدعيته [٣] .
стр. 5772
وعلى الجملة فقد أذن النبي لمن يحضر مجالسه أن يبلغوا عنه، وهو إذن عام يشمل ما يكون في بيته أهله وعياله وكان أصحابه وأزواجه يتناولون ذلك، ويسأل بعضهم بعضا عنه، وقد استمر الأمر على هذا منذ بعثه إلى انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
إن رسول الله ﷺ لم يخف عن أصحابه أمرا من أموره، ويكفي أن تقول عائشة ﵂: "لا تصدقوا من يزعم أن محمدا رسول الله ﷺ قد كتم مما أوحي إليه، فلم يبده للناس".
يقول المستشرق الإنجليزي باسورث سميث: "ترى الشمس ها هنا بارزة بيضاء تنير أشعتها كل شيء وتصل إلى كل شيء، لا شك أن في الوجود شخصيات لا نعلم عنها شيئا، ولا نتبين حقيقتها أبدا أو تبقى منها أمور مجهولة، بيد أن التاريخ الخارجي لمحمد ﷺ نعلم جميع تفاصيله من نشأته إلى شبابه وعلاقته بالناس وروابطه وعاداته ونعلم أول تفكيره وتطوره وارتقاءه التدريجي"إلى أن يقول: "وإن عندنا كتابه (القرآن) لا مثيل له في حقيقته وفي كونه محفوظا مصونا وفي عدم التزام الترتيب في معانيه، وأنه لم يستطع أحد أن يشك في قيامه على أساس الصدق شكا يعتد به، فهو عندنا ممثل لروح عصره ومرآة لبيئته".
ويقول جيبن: "لم ينجح في الامتحان العسير رسول من الأولين من بداية أمره كما نجح محمد ﷺ حين عرض نفسه بادئ ذي بدء بصفته رسولا يوحى إليه - على الذين عرفوا ضعفه البشري وعرفوه أكثر مما يعرفه غيرهم".
ويقول هيجنس في كتابه "الاعتذار عن محمد والقرآن": إن دعوة محمد ﷺ أحدثت في نفوس أصحابه من الحمية ما لم يحدث مثله في الأتباع الأولين لعيسى ﵇ فقد انفض عنه حواريوه حين ذهب به أعداؤه ليصلبوه فخذلوه وأسلموه، أمل أصحاب محمد فالتفوا حوله، ودافعوا عنه مخاطرين بحياتهم (في غزوة أحد) إلى أن تم النصر على أعدائه".
стр. 5773
وليس هناك نبي من الأنبياء عرف من شؤون حياته ما عرف الناس من حياة محمد ﷺ ، وليس في حياتهم ما يمكن أن يتخذ مثلا أعلى للحياة الإنسانية إلا محمدا ﷺ في هديه وسيرته فموسى ﵇ عمر طويلا، فما الذي نعرفه من حياته الطويلة التي بلغت مائة وعشرين سنة؟ إننا لا نعلم إلا مولده وشبابه وهجرته وزواجه وبعثته، إن كل ما يعنينا من سيرة النبي الاجتماعية هي أخلاقه وعاداته وهديه، فهي الأسوة والقدوة في الحياة.
وعيسى ﵇ وهو أقرب الأنبياء من محمد ﷺ ماذا نعرف من حياته؟ إنه قد عاش ثلاثا وثلاثين سنة كما يروي الإنجيل، ولكن هذا الكتاب لم يشتمل إلا على ثلاث سنوات من أواخر حياته. .
وهكذا تبقى سيرة محمد ﷺ النموذج الكامل للأسوة والقدوة الحسنة فهي الحياة الكاملة والسيرة الجامعة. . والكتاب الذي أنزله الله عليه وهو القرآن الكريم حفظه الله من التبديل والتحريف، أما أسفار التوراة فقد خالج الباحثين في أمرها الشكوك، وقد جاء في دائرة المعارف البريطانية "أن هذه الأسفار دونت وجمعت بعد موسى ﵇ بقرون كثيرة، وأن فيها لكل حادثة روايتان مختلفتان" [٤] .
وقد اقتصرت الأناجيل على أربعا غير إنجيل (برنابا) و (الطفولة) ولا يعرف شيء عن الذين قاموا بجمع هذه الأناجيل، ولا اللغة التي كتبت بها لأول مرة، وقد تناولت مجلة (روبر كورت) هذه المسألة فقالت: إن كل ما يوجد الآن في الأناجيل إنما هو بقايا مما ترك الوثنيون واليونان والرومان وثار الجدل حول: هل للمسيح وجود تاريخي؟ فإذا كان المسيحيون أنفسهم يثور بينهم الجدل على هذا النحو فماذا يقول الملاحدة من الماركسيين [٥] .
стр. 5774
أما القرآن فقد تنزل منجما في نحو ثلاث وعشرين سنة هي فترة البعثة المحمدية، فكانت هذه الآيات يتلقفها الحفاظ من الصحابة، وكتبة الوحي وقد جمعت هذه الآيات مرتين مرة في عهد أبي بكر بإشارة عمر ﵄ حينما استمر القتل في القراء إبان حروب الردة في اليمامة والمرة الثانية في عهد عثمان بن عفان ﵁ الذي جمع الناس على مصحف واحد. . ولقد كان لآيات هذا القرآن على أسماع العرب من المشركين فضلا عن المؤمنين أثر كبير، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ كان لما سمعه من تلاوة آيات من القرآن في بيت أخته فاطمة من سورة طه بقراءة عبد الله ابن أم مكتوم ما رقق قلبه، ودفع به إلى الإيمان إعجابا بما سمع، ومن ذلك أيضا موقف الوليد بن المغيرة حينما أسمعه الرسول آيات من سورة فصلت رجع إلى قومه يقول: لقد سمعت من محمد كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو ولا يعلى عليه.
стр. 5775
ومن ذلك أيضا ما روي من أن أصحاب رسول الله اجتمعوا يوما فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا قالوا إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوا به شرا، قال: دعوني فإن الله سيمنعني، فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها ثم قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ..﴾ فجعل يقرأ ما شاء الله له أن يقرأ، فجعلت قريش يقول بعضها لبعض: ماذا يقول ابن أم عبد؟ قالوا إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه يضربونه في وجهه. وظهر أثر ذلك حينما خرج أبو سفيان بن حرب وأبو جهل عمرو بن هشام والأخنس بن شريق الثقفي ذات ليلة يستمعون القرآن من رسول الله وهو يصلي في بيته، فأخذ كل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، وتكرر ذلك منهم، فإذا دل ذلك على شيء فدلالته البالغة أن القرآن أخذ بأسماع العرب، فمن كان طاهر القلب، صافي الحس والشعور تقبله بقبول حسن ومن كان عنيدا حاقدا وقف منه موقف المتردد، أو المعادي.
وبلغ من وقع القرآن على أسماع أعدائه أن قال قائلهم كما حكى القرآن عنهم ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ .
стр. 5776
ولابد لنا من الإشارة هنا إلى أن الرسول ﷺ إذا كان هو المعلم الأول فقد كان لحكمة أرادها الله أميان لا يقرأ ولا يكتب، ولو سمح له بذلك لكان من أعظم من قرأ وكتب، ولكنه وقف عند الحد الذي أراده الله له، فظل أميا، لا يقرأ إلا بالمفهوم الذي نزلت به أول آيات الوحي، فإذا كانت القراءة في معناها اللغوي تعني الجمع بين الحروف وتأليفها في كلمات، وتأليف الكلمات في جمل تنطق بواسطة أدوات النطق من مكتوب فإن القراءة كما وردت في هذه الآيات الأولى كانت تعني أكثر من ذلك، وهو ما سبق أن أوردنا من أنه هو المعنى بقول الملك: للرسول ﷺ في غار حراء "اقرأ" ولذلك نجده يجيبه في المرة الثالثة بعد وعي ما أراده الملك "ماذا أقرأ؟ "وكان حينما أمره في المرتين السابقتين يجيب "ما أنا بقارئ" وحتى تتأكد أميته للعالم قبل البعثة فلما قال محمد ﷺ تحت وطأة ما قام به الملك من غطة "ماذا أقرأ "في بعض الروايات، دل ذلك على أن النبي ربما يكون قد أدرك ما يعنيه الملك من القراءة، التي يفسرها ما ورد من أنه حينما ينزل عليه الوحي كان يحرك لسانه به ليحفظه فنبهه الله إلى عدم الحاجة إلى هذا التحريك فقال تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ .
وهذا الجزء الأخير من الآية فيه رد على من ادعى أن الحديث بلفظه ومعناه من عند محمد وهو قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ لأن الحديث هو تفسير ما جاء به القرآن ن فلفظ الحديث من عند محمد ﷺ ومعناه وحي، أما القرآن الكريم فهو وحي بلفظه ومعناه. .
стр. 5777
ومع هذا فالإعجاز في أن يتلقى محمد ﷺ الوحي وهو على هذه الصورة من العنف ويتشوق إليه فقد كان يتمثل في الجهد الشديد الذي عبرت عنه عائشة ﵂ فقالت: "ثم سري عن رسول الله، فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه".
وقد اتخذ الرسول ﷺ كتبة للوحي ممن عرفوا بالقدرة على ذلك من الصحابة، وكانوا عددا محدودا في مكة، ولكنهم زادوا زيادة كبيرة عندما وجه الرسول عنايته بذلك حينما استقر في المدينة فكانت بداية ذلك أنه جعل فداء غير القادر من أسرى بدر من المشركين ويعرف الكتابة أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين. . حتى أنهم ليكتبون الحديث عن الوحي من القرآن فينهاهم عن ذلك ويقول: "ومن كتب عني شيئا من ذلك فليمحه"أي من السنة خاصة "ولكن حدثوا عني".
وإذا كان القرآن الكريم هو معجزة الرسول ﷺ العظمى فإنه إذا كان قد أعجز في نمط تركيبه وتأليفه وبيانه وجرسه ومعانيه العرب وهم من هم في بلاغة اللغة. فإنه جمع العرب على لهجة قريش وهي اللهجة الأم، وليس هناك مجال لما أثاره مرجليوث وأضرابه وممن لف لفهم مثل الدكتور طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي" [٦] .
فقد كانت مكة هي أم القرى ذات الطابع الديني والثقافي الأمثل ولابد وأن شعر الجاهليين كتب بلهجة قريش وحتى يثبت إعجاز القرآن بتحدي العرب. . وما زال القرآن قائما - بحفظ الله - للتحدي في مجالات كثيرة غير الإعجاز البلاغي واللغوي والعلمي ولعل أعظم ذلك جميعه ما أشار إليه الرسول ﷺ من أن جدته لا تبلى على كثرة الرد، فهو ربيع دائم.
هذا ولقد سألت العقاد يوما في ندوته: ما أثر الإمام ابن تيمية في الفكر الإسلامي؟ قال: أعظم الأثر. قلت: وما دلالة ذلك؟ قال: إنه أوجد منطقا قرآنيا [٧] .
стр. 5778
فقد أدرك هذا الإمام الكبير مدى ما جناه منطق أرسطو على العلوم العربية وعلوم العقيدة والشريعة فأفسد أسلوبها وأساء مناهجها وقضاياها.
وقد بلغ التحدي من القرآن مداه للعرب حيث قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
ولم يجد العرب بعد أن أعيتهم الحيل وبعد تأمل وتفكير وإمعان وتدبير إلا أن يوهموا الناس أنه سحر، وأن محمدا ساحر، وهو اتجاه له دلالته، إذ هي كلمة حق أريد بها باطل، ولذلك نجد القرآن الكريم إزاء هذه الشبهة التي حاكها الوليد بن المغيرة يهدد هذا المشرك تهديدا شديدا ويصمه بالعار قال تعالى من سورة المدثر: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودا وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كلا كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآياتنَا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ومن سورة القلم قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم﴾ .
ونتساءل: لماذا وقف القرآن هذا الموقف من الوليد بن المغيرة؟ والجواب: لأنه أوجد بهذا العناد شبهة، وقد كان أقرب إلى الإيمان حينما لمس هذا النمط الفريد من الترتيل، ولكنه نأى بنفسه بسبب عناده وجهله بعيدا عن النور، وليهيم مع مشركي مكة في دياجير الظلمات حتى يتخطفه الموت.
ووقع تدبيرهم هذا بعد هذه المرحلة في غباء الحقد الأعمى فإذا بهم يتفقون على أن يحذروا كل قادم من سحر محمد فتكون النتيجة على عكس المطلوب ولعل خير دليل نسوقه في هذا المجال قصة إسلام عمر وابن الطفيل.
стр. 5779
وإذا كان الرسول ﷺ قد تنزل عليه القرآن نمطا فريدا معجزا من التعبير بواسطة حروف اللغة العربية، فإن من يقرأ الأحاديث النبوية يستطيع أن يلمس صورة من صور التعبير تمتاز بالابتكار والإبداع فالسنة هي المذكرة التفسيرية للقرآن، وهي المستوى الأمثل في توضيح آيات الكتاب العزيز، ومع هذا لا يستطيع أحد أن يقول إن هذا النمط من التعبير يرقى إلى المستوى الذي جاء به القرآن، فالفاصل بين الأسلوبين واضح. .
والفاصل بينهما وبين ما عرف من شعر العرب في الجاهلية والإسلام أكثر وضوحا، وقد وقف القرآن موقفا محددا من الشعر والشعراء قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ ومع هذا الموقف المحدد فإن الرسول ﷺ أثنى على الصدق في قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.
وكان يستمع إلى الخنساء من شعرها في رثاء أخيها صخر ويقول: "إيه يا خناس"وقد أهدى بردته لكعب بن زهير حينما ألقى قصيدته يعتذر فيها من موقفه في هجائه ومعارضته للدعوة الإسلامية بعد أن أهدر دمه أثناء فتح مكة، وكان من أصحابه من الشعراء من يستمع إلى قصائده التي ينشرها بين يديه حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة.
стр. 5780
وقد كتب للرسول ﷺ عدد من أصحابه منهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن الأرقم، وخالد بن سعيد، وأخوه أبان، وزيد بن ثابت وعبد الله بن أبي بن سلول، وأبي بن كعب القارئ ن كما كتب له في بعض الأوقات أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ جميعا وكتب له كثيرا معاوية بن أبي سفيان، وكذلك الزبير بن العوام ومعيقيب ابن أبي فاطمة، والمغيرة بن شعبة، وشرحبيل بن حسنة، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وجهم بن الصلت وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وحنظلة الأسيدي وهو حنظلة بن الربيع [٨] .
وقد قام بعض هؤلاء بكتابة الوحي كما قام البعض الآخر بكتابة ماعدا ذلك من كتبه. . ومن أهم الوثائق التاريخية التي كتبت في العصر النبوي الكتاب الذي أملاه الرسول ﷺ في موادعة يهود المدينة. . وهو يمثل الميثاق الذي حددت فيه العلاقات بين جميع أفراد مجتمع المدينة وقد تم فيه وضع ملامح المجتمع الإسلامي الجديد والعلاقات بين مجتمع الفئات على اختلاف الدين والعرق والجنس في الحدود التي رسمها الإسلام.
هذا بالإضافة إلى كتبه التي أرسلها مع رسله إلى الملوك والأمراء في جميع البقاع، ومنها كتابه الذي أرسله إلى النجاشي في أمر المهاجرين إلى الحبشة ومنها الوثيقة التي أملاها رسول الله على علي بن أبي طالب فيما فاوض عليه سهيل بن عمرو رسول الله بشأن صلح الحديبية.
ومن ذلك كتابه ﷺ على ثقيف، وكتابه ردا على كتاب ملوك حمير، وكتاب مسيلمة إلى الرسول ﷺ ورده عليه، وغير ذلك من الكتب وعهود الأمان.
следующие страницы →