← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

يريد وقت الموت لا غدا بعينه. ﴿مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ﴾ أي موجدوها ومخرجوها من الصخرة. " فتنة " أي ابتلاء واختبارا. " فارتقبهم " فانتظر يا صالح ما هم صانعون وما يصنع بهم. " واصطبر"أي اصبر على أذاهم وتجمل بالصبر. " ونبئهم " أي أخبرهم إخبارا عظيما عن أمر عظيم. " قسمة " أي مقسوم لها يوم ولهم يوم. " شرب " نصيب من الماء. " محتضر " يحضره صاحبه في نوبته. " فنادوا " أي دعوا رجلا ليقتلها. " صاحبهم " هو قدار بن سالف كما عن محمد بن إسحاق. " فتعاطى " فتناول السيف. والتعاطي تناول الشيء بتكلف. " فعقر " أي فقتل الناقة، من العقر وهو الجرح أو منعقر النخلة إذا قطع رأسها. "كهشيم " كحشيش يابس يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته فتفتته، أو ما يتفتت من الشجر الذي يتخذه للحظيرة. " المحتظر " صانع الحظيرة وهي ما يصنعه العرب وأهل البوادي للمواشي والسكن من الأغصان والشجر والقصب، من الحظر وهو المنع لأنها تمنع ما بداخلها وتحفظه من الذئاب والسباع والحر والبرد. التراكيب: قوله: ﴿أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي وبشرا مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ومناصفة. " واحدا " صفة ثانية وجملة " نتبعه " تفسير للفعل المحذوف لا محل لها من الإعراب. وأما على قراءة: ﴿أَبَشَرٌ مِنَّا وَاحِدٌ نَتَّبِعُهُ﴾ بالرفع فيهما فبشر مبتدأ ومنا واحد صفتان له وخبره " نتبعه " والتنوين في إذا عوض عن المضاف إليه المحذوف أي إذا اتبعناه. والاستفهام في قوله: " أألقي " للإنكار. وقوله: " ستعلمون " بالتاء على الالتفات لتشديد التوبيخ أو على حكاية ما أجابهم به صالح. وقوله:

стр. 5882

" من الكذاب الأشر " من استفهامية معلقة ليعلمون عن العمل وهي مبتدأ. والكذاب خبرها والجملة سدت مسد المفعولين. وقوله: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ﴾ مستأنف. وقوله: " فتنة " مفعول لأجله والفاء في قوله: " فارتقبهم " فصيحة. والطاء في قوله: " واصطبر " بدل من تاء الافتعال. وقوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾ الفاء للعطف على محذوف أي فملوه فهموا بقتل الناقة فنادوا صاحبهم. ومفعول " تعاطى " محذوف لظهوره وكذلك مفعول عقر. المعنى الإجمالي: جحدت قوم صالح الإنذارات التي جاءت عن الله، وأنكروا أن ينقادوا لرجل واحد من جنسهم، قائلين: إنا إن انقدنا له لفي حيرة وبعد عن الصواب وجنون. أأنزل عليه الكتاب والوحي دوننا مع أنه ليس بأشرفنا ولا أكثرنا مالا. بل هو كثير الافتراء بطر متكبر يريد العلو علينا. عن قريب يتبين لهم أيهما المفتري المتكبر أهو صالح أم هم؟ إنا مخرجو الناقة من الصخرة –كما بعثناك من بينهم- اختبارا وابتلاء لهم، فانتظر يا صالح ما هم صانعون وما يصنع بهم. وتجمل بالصبر حتى يأتيك النصر، وأخبرهم إخبارا إعظاما أن ماء البئر الذي يشربون منه مقسوم بينهم وبين الناقة، كل نصيب من الماء يحضره صاحبه في نوبته فملوا وهموا بقتل الناقة، فنادوا أحد رجالهم المبالغين في الضلال، فتناول سيفا فقتل الناقة، فأهلكناهم فكان إهلاكهم بعذاب عجيب. إنا بعثنا عليهم صوتا فظيعا مرة واحدة من جبريل فصاروا شبه حشيش يابس داسته المواشي في الحظيرة. ولقد هيأنا القرآن للحفظ ويسرناه للتلاوة فهل من متعظ موجود. ما ترشد إليه الآيات: ١-إنكار ثمود للنذير البشري. ٢-زعمهم أن اتباع الرسل بعد عن الصواب وجنون. ٣-رمي صالح بالكذب والتكبر. ٤-تهديدهم بعقاب عاجل. ٥-تدميرهم لما كذبوا الرسل. ٦-كان تدميرهم الفظيع في غاية السهولة. ٧-في القرآن مواعظ فاتعظوا.

стр. 5883

قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ المناسبة: لما كانت قرى لوط المؤتفكة هي أقرب دورا لها لكن إلى ديار ثمود من جهة الشام في طريق أهل مكة ذكرها هنا عقيبها لأنهم يمرون عليهم مصبحين وباليل القراءة: قرأ الجمهور " بكرة " بالتنوين. وقرئ بغير تنوين. المفردات: " حاصبا " أي ريحا شديدة تحصبهم أي ترميهم بالحصباء وهي صغار الحجارة. " آل لوط " هم لوط وابنتاه. " نجيناهم " خلصناهم. " بسحر " أي قبيل انصداع الفجر. " أنذرهم " خوفهم وحذرهم. " بطشتنا " أخذتنا الشديدة بالعذاب. " فتماروا " فتشككوا وكذبوا وهو مشتق من المرية. " بالنذر " بالأمور التي خوفهم بها لوط. " راودوه " أي طلبوا منه المرة بعد المرة أن يخلي بينهم وبينهم وأن يمكنهم من هؤلاء الأضياف للفاحشة. " ضيفه " الملائكة الذين زاروه للبشارة بنصر الله وتدمير المكذبين. " طمسنا أعينهم " أعميناهم ومسحنا أعينهم، وسويناها كسائر الوجه من الطموس وهو الدروس والإغماء " فذوقوا عذابي " فاختبروا طعمه، وهذا على سبيل التكبيت بسبب إنكارهم. " صبحهم " أتاهم عند الصباح. " بكرة " غدوة في أول النهار. " مستقر " دائم متصل بعذاب الآخرة. التراكيب:

стр. 5884

قوله: " إلا آل لوط" الاستثناء متصل، ولم يرسل الحاصب على آل لوط. وقوله: " نجيناهم بسحر" استئناف بياني كأن سائلا سأل وماذا حصل لآل لوط؟ فقيل: نجيناهم بسحر. يعني أنهم خرجوا من البلد قبل إرسال الحاصب على أهلها، فإن آل لوط خرجوا بسحر يعني قبيل الفجر، وأرسل الحاصب في الصباح بعد خروجهم كما قال: " إن موعدهم الصبح ". وتنوين " بسحر" لأنه لا يراد هنا سحر بعينه. وقوله: " نعمة" مفعول مطلق ملاق لعامله في المعنى وهو " نجيناهم " لأن الإنجاء نعمة. ويجوز أن يكون مفعولا لأجله والعامل نجينا. وقوله: " فتماروا بالنذر" إنما عدي " فتماروا " بالباء لأنه ضمن معنى التكذيب فعدي تعديته. وقوله: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ الفاء داخل على محذوف تقديره فقلنا لهم ذوقوا. "وذوقوا عذابي" مقول لهذا القول المحذوف. المعنى الإجمالي: لم تصدق جماعة لوط بالأمور المنذرة لهم على لسانه، إنا سلطنا عليهم ريحا ترميهم بالحصباء إلا لوطا وابنتيه. خلصناهم قبل انصداع الفجر. إنعاما منا عليهم. مثل ذلك الإجزاء نثيب من اعترف بنعمتنا وأطاع أوامرنا. والله لقد خوفهم لوط أخذتنا الشديدة بالعذاب فتشككوا وكذبوا بالإنذارات ووالله لقد طلبوا منه المرة بعد المرة أن يخلي بينهم وبين أضيافه من الملائكة للفاحشة فمحونا أعينهم، وسوينا وجوههم، فلم يبق بها أثر للأعين، وصارت كسائر الوجه. فقلنا لهم اختبروا طعم عقابي وإنذاراتي. وبالله لقد نزل بهم وقت الصباح أول النهار عذاب دائم متصل بعذاب الآخرة. فقلنا لهم: اختبروا طعم عقابي وإنذاراتي. وتالله لقد هيأنا القرآن للتلاوة وسهلناه للحفظ فهل من متعظ موجود. ما ترشد إليه الآيات: ١- إنكار قوم لوط للنذير. ٢- تدمير المكذبين. ٣- إنجاء المؤمنين. ٤- الشكر يدفع الله به البلاء. ٥- نصح لوط ﵇ لقومه

стр. 5885

٦- تسليط أنواع من العذاب عليهم. ٧- اتعظوا يا أهل مكة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ المناسبة: لما كانت قصة آل فرعون من أشهر القصص لدى أهل مكة، وكانت بعد قوم لوط بزمان ختم بها القصص الواردة في هذه الصورة. القراءة: قرأ الجمهور " أم يقولون" بياء الغيبة وقرئ بتاء الخطاب. وقرأ الجمهور " سيهزم الجمع " بالياء للمفعول وضم العين، وقرئ " ستهزم " بالتاء مبنيا للفاعل، وقرئ بالنون مبنيا للفاعل، وقرئ " ويولون " بالياء وقرئ بالتاء. وقرئ " إنا كل شيء " بنصب كل. وقرئ برفعهما شذوذا. وقرأ الجمهور " ونهر " بفتح النون والهاء وقرئ بضمها. المفردات:

стр. 5886

" النذر" الإنذارات والتحذيرات على لسان موسى وهارون. " بآياتنا " أي حججنا التسع وهي العصا واليد والسنين والطمس والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. " عزيز "قوي غالب. " مقتدر " قادر لا يعجزه شيء. " خير " أقوى وأشد وأعظم مكانة في الدنيا. " براءة " أمن وعهد بالنجاة وعدم المؤاخذة. " الزبر " الكتب الإلهية. " جميع " أي جماعة مجتمع أمرنا فكلنا يد واحدة. " منتصر " لا نرام ولا نضام ولا نغلب. " سيهزم " سيدحر. " الدبر " هو هنا اسم جنس وهو كناية عن الهزيمة والقهر فكأنهم يمكنون أعداءهم من أدبارهم ليضربوها. " أدهى " أعظم داهية وبلية. والداهية الأمر الفظيع الذي لا يهتدى إلى الخلاص منه " أمر " أشد مرارة. " يسحبون " يجرون. " مس سقر " إصابة جهنم. وسقر مشتق من سقرته الشمس أو النار أي لوحته بمعنى غيرت جلده ولونه من ملاقاة حرها أو أحمته. " بقدر " أي بتقدير. والقدر اسم لما صار مقدرا عن فعل القادر، يقال قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد. " واحدة " أي كلمة واحدة هي كن. " لمح " اللمح النظر بالعجلة يقال لمحه إذا أبصره بنظر خفيف. " أشياعكم " أشباهكم في الكفر. " الزبر " جمع زبور وهو الكتاب يعني ديوان الحفظة. " مستطر " مكتتب مسطور في اللوح. يقال سطره واستطره إذا كتبه فهما بمعنى واحد. " جنات " بساتين. " نهر " بفتحتين وهي اللغة العالية وهي أفصح من نهر بفتح النون وسكون الهاء. وقد أريد به الجنس أي أنهار. يعني من ماء غير آسن ومن لبن لم يتغير طعمه ومن عسل مصفى ومن خمر لذة للشاربين. " مقعد " مجلس. " صدق " أي حق لا لغو فيه ولا تأثيم. " مليك " عزيز الملك تام السلطان. التراكيب:

стр. 5887

قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ إنما صدر القصة بالتوكيد القسمي لإبراز كمال الاعتناء بشأنها لغاية عظم ما فيها من الآيات، وإنما اكتفى بذكر آل فرعون للعلم بأن نفسه أولى بذلك. وقوله: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا﴾ استئناف بياني كأنه قيل فماذا فعل آل فرعون حينئذ؟ فقيل كذبوا بآياتنا كلها. والفاء في قوله: " فأخذناهم" مفيدة للسببية. والاستفهام في قوله: " أكفاركم خير من أولئكم" للتبكيت. والضمير في " أكفاركم " لقريش. والإشارة للأمم الهالكة المعدودة من قوم نوح إلى فرعون. وأم في قوله: " أم لكم براءة في الزبر " منقطعة بمعنى بل والهمزة المفيدة للتبكيت. والإضراب فيه انتقالي من التبكيت بما ذكر أولا إلى التبكيت بما ذكر ثانيا. وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ أم فيه منقطعة بمعنى بل والهمزة التي للتبكيت أيضا. والإضراب فيه كذلك للانتقال من التبكيت المذكور إلى وجه آخر من التبكيت. والالتفات على قراءة الجمهور للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض وإسقاطهم عن رتبة الخطاب. وإنما لم يقل: جميع منتصرون، بل قال: " جميع منتصر " على الإفراد باعتبار لفظ جميع. وبل في قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُم﴾ للانتقال من تهديدهم بعذاب فظيع إلى تهديدهم بعذاب أدهى وأمر. وإنما وضع الظاهر موضع الضمير في قوله: " والساعة أدهى" بدل وهي أدهى لزيادة تهويلها. وقوله: " إن المجرمين" استئناف لبيان أحوال الكافرين. وقوله: " يوم يسحبون" معمول لقول مقدر تقديره: يقال لهم ذوقوا مس سقر يوم يسحبون، ويجوز أن يكون منصوبا بما يفهم من قوله: " في ضلال وسعر " أي كائنون في ضلال وسعر يوم يجرون. وسقر ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ على قراءة الجمهور بنصب ٠"كل"وهو منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور بعده. والباء في قوله: " بقدر" للملابسة. وأما على

стр. 5888

قراءة الرفع فهو مبتدأ أو خبره خلقناه والمبتدأ وخبره في محل رفع خبر إن. وعلى هذا فكل من قراءة الرفع والنصب يثبت القدر الذي يجب الإيمان به. والتقدير على قراءة النصب إنا خلقنا كل شيء خلقناه حالة كونه متلبسا بتقديرنا. والتقدير على قراءة الرفع إنا كل شيء مخلوق لنا حالة كونه متلبسا بتقديرنا. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ استئناف لبيان حسن حال المؤمنين عقيب بيان سوء حال الكافرين على سبيل الترهيب والترغيب. وقوله: " في مقعد صدق " في محل رفع خبر ثان لإن. والإضافة في مقعد صدق من إضافة الموصوف إلى صفته. وقوله: " عند مليك مقتدر " في محل رفع خبر ثالث لـ"إن". ومن تمت له هذه الخصال فقد كملت له الآمال. المعنى الإجمالي: والله لقد أتى قوم فرعون الإنذارات والتحذيرات على لسان موسى وهارون. لم يصدقوا بالخوارق التسع جميعها، فأهلكناهم إهلاك قوي غالب قادر لا يعجزه شيء, أكفاركم يا قريش أقوى وأشد وأعظم مكانة في الجناية من هؤلاء المكذبين المذكورين الذين دمرناهم؟ بل ألكم عهد بالنجاة في الكتب الإلهية.بل أيقولون نحن يد واحدة لا نرام ولا نضام ولا نغلب. ستدحر جماعتكم ويضرب المسلمون ظهورهم يعني يوم بدر. بل لكم الويل يوم القيامة، ولعذاب القيامة أعظم داهية وبلية وأشد مرارة. إن المشركين في حيرة وجنون أو نيران متقدة يوم يجرون في النار على وجوههم يقال لهم اختبروا طعم إصابة سقر وأحسوا بهل وقاسوا حرها. إنا أوجدنا كل شيء أوجدناه بتقدير منا وعلم سابق لوجوده. وما أمرنا لشيء نريد إيجاده إلا بكلمة واحدة كإشارة بالعين في السرعة وهي كن فيكون. ووالله لقد دمرنا أشباهكم وأمثالكم في التكذيب فهل من متعظ موجود. وكل شيء يعمله هؤلاء مكتوب في كنب الحفظة. وكل صغير وكبير من العمل مكتتب في اللوح المحفوظ.

стр. 5889

إن الذين يخافون الله فيتخذون لأنفسهم وقاية من عذابه بطاعته في بسبتين وأنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ومعه عسل مصفى ومن خمر لذة للشاربين. إنهم في مجلس صدق وحق لا لغو فيه ولا تأثيم. إنهم لدى عزيز الملك تام السلطان قد كملت لهم الطيبات بفضل الله تعالى. ما ترشد إليه الآيات: ١- تكذيب آل فرعون بجميع الآيات. ٢- تدميرهم تدميرا شنيعا بسبب التكذيب. ٣- ليست قريش أشد قوة من هؤلاء الهالكين. ٤- وليس لهم عهد بالنجاة في الكتب الإلهية. ٥- تهديدهم بعذاب آجل هو أشد وأفظع. ٦- تهديدهم بعذاب عاجل لابد منه. ٧- جميع المخلوقات بتقدير الله . ٨- لا يصعب على الله إيجاد ولا إعدام. ٩- جميع أفعال العباد مدونة محفوظة. ١٠-سعادة المتقين وتمام نعمة الله عليهم.

стр. 5890

رسائل لم يحملها البريد لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي أنت ... أنت الذي لا أكنيك في مطلع هذه الرسالة ولا أسميك، ولا ألقبك ولا أناديك، فأنا أخشى على قارئي أن يروع قلبه بذكرك، وأن يزلزل جسمه باسمك فيلقى بهذه المجلة جانبا ثم هيهات أن يعود. أنت لست سيفا صقيلا ولا رمحا طويلا، لست رصاصا يدمدم ويئز ولا قنابل تدمر وتهز، لست زلزالا يطيح بالجبال ويفجر البراكين ويبتلع القرى والمدن، ولا إعصارا يطوي ما حملت فوق ظهورها المحيطات، وينسف ما ازدانت به شواطئ وشواطئ ولا وباء يترك الناس هشيما وترابا. ومع ذلك فكل أولئك -أيها الموت- بعض جندك، وجزء صغير من مملكتك. لقد أرسلك الله - أيها الموت - نعمة من للعالمين ونقمة، فما أحلاك حينا وما أمرك أحيانا، ما أحلاك حين تدك الظلم وتدق أعناق الظالمين، وما أمرك حين تدرك أحباء مقربين وحكاما مصلحين وعلماء كانوا مصابيح هدى ومعالم إرشاد. لا أدري أيها الموت لماذا أذكرك كثيرا هذه الأيام ولا أكاد أنساك أتراني أصبحت قريبا من أجلي، أم أن مصارع المسلمين المنبثة على كل أرض، ودماءهم السائلة هدرا في كل واد – جعلتك حيا في قلبي لا تنسى، شاخصا أمام عيني لا تحتجب؟! ومهما يكن من أمر فأرجو أيها الموت ألا يطوف بخلدك أني أكتب إليك هذه الرسالة خوفا وطمعا أو تملقا وزلفى، فأنا أعلم أن ليس لك من الأمر شيء، وأن الأمر كله بيد الله يصرفه كيف يشاء. على أن الحياة في هذه السنوات العجاف قد أمست خاوية عجفاء، ليست خليقة بأن يتملق في سبيلها ويتزلف، فهي لا تعدو ليلا يقبل ويدبر، وشمسا تشرق وتغرب، وأطعمة مأدومة بالقلق، وأشربة مر نقة بالخوف والضياع.

стр. 5891

لقد فقدت الحياة مثلها العالية وغاياتها السامية ونواياها الطيبة، فقدت نفسها المطمئنة وقلبها البريء، فقدت نورا يشع في أحناء الصدر ورجعي تطمئن بها الأفئدة، فقدت كل هذا على الرغم من هذه المظاهر الجذابة التي تبهر الأعين وهذه الدعاوى الخلابة التي تملأ الأسماع. أرجو ألا تسيء فيما قلته الفهم فتظن أني كرهت الحياة وطبت نفسا بلقائك، لا، لم يبلغ بي الأمر هذا الحد بعد، على الرغم من أني قد سلخت من حياتي نيفا وخمسين عاما، وحاولت مرارا كثيرة أن أقنع نفسي بالإخلاد إلى باطن الأرض بدلا من ظهرها، ولطالما قلت لها: علام التعلق بهذه الحياة، وفيم هذا الحرص الشديد على العيش، وحتى متى هذا السعي الذي لا يكاد يفتر في ليل أو نهار؟! يكفيك يا نفس ما من فرح وترح، وما قضيت من خير وشر،؟ ام يعد بك قدرة على التزود بالأعمال الصالحة، فقد أفسدت الحياة الحديثة على الصالحين صلاحهم، ملأت عليهم عيونهم وأسماءهم ودخلت عليهم بيوتهم من غير أبوابها بلا استئذان، فما استطاعوا لها منعا وما استطاعوا لها دفعا، وغلبوا على أمرهم فهم يستغفرون الله بكرة وعشيا. لا، لا أيها الزائر الذي لا مفر منه، لم أبغض حياتي بعد، ولم أطلب نفسا بلقائك، ولا أريد أن أتعجل زيارتك التي لا محيص عنها، إنه ليخيل إلى نفسي - وإن كانت لا تدري ماذا تكسب غدا - إنه ليخيل إليها أنه لا يزال في حياتي بقية أسأل الله أن تكون نافعة صالحة، وليس الإنسان كما يخيل إلى بعضهم زورقا مرجحنا هلك ملاحه فوق غوارب موج أرعن.

стр. 5892

لا أريد بهذا القول أن أبرر طول حياتي، ولا أن أقنعك بالتخلي عني إلى حين، فأنا أعلم علم اليقين أن الأعمار لا تطول ولا تقصر بما لدى أصحابها من حجج، ولا تسرع ولا تبطئ بما لدى أصحابها من نفع وضر، وأعلم كذلك أنك لا تسير في هذه الحياة حسب منهج يعرفه العقل، أو طريقة تهواها الأنفس، فلله فيك وفي صرعاك شؤون أغلقت دون فهمها الأبواب، ولله في قضائه وقدره حكم لا يعلمها إلا هو. على أنني أود أيها الموت أن أصارحك وأقول: إنني رجل ما أكثر ما تتغشاني الأحلام، أحلام اليقظة لا أحلام المنام، ما أكثر ما ألقي بجسمي على الفراش، وأترك خيالي يهيم قريبا مني كالفراش، أو يحلق بعيدا عني كالسحب، أو يطير عاليا عاليا مع مواكب النجوم. ولأحلام اليقظة عند علماء النفس تفسيرات وتعليلات لا يعنيني ولا يعنيك أن أقصها عليك، وإنما الذي يعنيني أن أقص عليك حلما رأيته ذا علاقة وثيقة بك: لا أدري متى كان ذلك، أكان ذات صباح أم ذات مساء، وإنما الذي أذكره أنني سمعت مناديا ينادي: من أراد أن يمتد عمره بضعة قرون، وأن تطول حياته مئات السنين، فليختر لنفسه عملا يتقنه وينفع به الناس، لا يقصر فيه ولا يهمل، ولا يخادع فيه ولا يحتال، ومن أراد أن يدنو أجله فلا يزيد على بضع ليال وقليل أيام فليختر لنفسه عملا يتخون فيه حقوق الناس، ويتبع فيه هوى النفس. وتعالى النداء يدوي في الأرجاء يصخ الآذان في كل ميدان، ويهز النائم واليقظان، وأصبح الناس من ذاك النداء في أمر مريج، قد أصابهم ّذهول وفزع، وأخذتهم حيرة وتردد. وما كان أشد دهشتي حين رأيت جماعات كثيرة من المدرسين على اختلاف الثقافات والشهادات يقدمون الاستقالات، ثم يتفرقون في البلاد سعيا وراء أعمال أخر هم بها أجدر وأشد لها إتقانا، وهم عليها أقدر وأكثر إحسانا.

стр. 5893

ورأيت أطباء الحكومة يوفضون إلى عياداتهم مبكرين، لا يبرحونها وقت الدوام، ولا يغلقونها في وجوه المرضى يكلمون زائريهم بلطف ويسألونهم بعطف، ويفحصونهم بأناة ودقة، ثم هم يقدمون لهم العلاج بلا من ولا ضن، لا يخصون الفقراء بما رخص من الدواء، ولا يدخرون الجيد الغالي لمن يرجى نفعه أو يخشى ضرره. رأيت مستشفيات متحركة وصيدليات متنقلة، وأطباء يرحلون إلى القرى البعيدة والأماكن النائية، يقضون على الأوبئة، قبل أن تتمكن، ويستأصلون الأمراض قبل أن تعمر وتستوطن. وفي مساجد كثيرة على شتى الديار واختلاف الأقطار، رأيت المصلين يموج بعضهم في بعض يتلفتون يمنة ويسرة، ويتساءلون في لهفة وحسرة، ما بالك يا منابر الجمعة حزينة لا تخطبين وما بالك يا مجالس الوعظ صامتة لا تعظين؟! أين أولئك الذين كانوا يفقهوننا في الدين، ويهدوننا الصراط المستقيم، ويأمروننا بالمعروف وينهوننا عن المنكر؟! أتخالينهم حبسوا عنك فغابوا، أم تظنينهم سلكوا طريق السلامة وأغراهم حب الحياة؟! ورأيت الموظفين يغدون على مكاتبهم مبكرين، ويقبلون على أعمالهم ناشطين ويستقبلون مراجعيهم منجزين، لا يعدونهم مطالا، ولا يقولون لهم قولا غليظا. رأيت الكتاب والشعراء ورجال الصحافة قد كسروا أقلام النفاق، وأراقوا حبر الكذب، وأخذوا يكتبون صادقين، وينشرون غير منافقين، قد طلعوا على الناس بأفكار ومعارف تثقف وتنفع، وآداب تهذب وترفع، ليس فيها قصص تخدير وإسفاف، ولا مقالات يداف فيها السم الزعاف، ولا دعوات تلبس الحق بالباطل. ومررت بالكسالى والعاطلين وأحلاس المقاهي والملاهي، وأولئك المترفين الذين يقضون حياتهم سائحين، فإذا هم في حيرة، قد علت وجوههم صفرة، وزاغت منهم الأبصار.

стр. 5894

ورأيت المتقين مشفقين من طول الحياة، قد طابت نفوسهم بلقاء الله، يخافون على أنفسهم من هذه الفتن التي تتوالى كقطع الليل، قد رضوا بما كتب الله لهم في هذه الدنيا من حياة قصيرة. ومررت بالمقابر - وكنت أتوقع أن تكون خالية ليس فيها عين تدمع ولا قلب يجزع - فإذا الجنائز طبقات بعضها فوق بعض، وإذا الحفر قد غصت بالموتى وفاضت بالجثث، فقلت في همس حزين: يا للمساكين! لقد كانوا عن ذاك النداء غافلين، فجاءوك عجالا أيها الموت وهم لا يشعرون. وإذا قائل يقول:لقد أسمعهم ذلك المنادي، وصلصل في آذانهم ذياك النداء، ولكن غلبت عليهم شقوتهم في الحياة الدنيا، والله أعلم بهم في الآخرة. - عجبا! من يكون هؤلاء إذن؟! - هؤلاء نسوة اغتصبن أعمال الرجال، وتركنهم عاطلين ليس لهم مورد رزق وفوق ذلك كانت رواتبهن تذهب ضياعا، لا تسد خلة ولا تدفع عادية، كانت تنفق إسرافا وتبذيرا في أدوات الزينة والتجميل، وفي (موضات) الفساتين والأحذية، ليتها كانت تنفق على أبوين عاجزين أو على صبية صغار، ولكن النسوة اللاتي من هذا القبيل قليل، وما أراه أمام عيني من الموتى كثير! - مع هؤلاء النسوة رجال وثقت بهم حكوماتهم فوكلت ‘ليهم تصريف أمور الناس والأشراف على مصالح الشعب، فاتخذوا من وظائفهم مكاتب تجارة ومصايد ثروة وسياط إرهاب وتهديد. - ولكن من تصف قليل، وما أراه كثير - مع هؤلاء وأولئك أناس ... وهنا يقرع جرس الباب، فأستيقظ من حلمي أسرع من ذاك القارع، وإذا امرأة تسأل إحسانا، قد حملت على حضينها شبح طفل، وعلى الآخر حملت ظلا لك يا موت! وحين رأيتها وسمعت صوتها تذكرت ما كنت فيه من حلم وعرفت بعض من كانوا في أولئك الموتى. كان فيهم أناس يكنزون أموالهم وفيها حق للسائل والمحروم، وكان فيهم تجار يرفعون أسعارهم نهما وظلما فلا يقدر عليها جائع، ولا يستطيعها فقير مضيع.

стр. 5895

وهكذا انتهى حلمي أيها الموت وانتهت رسالتي إليك، ولكن قبل أن أقول وداعا أحب أن أقول فيك كلمة حق، أرجو ألا تعدها من هذه المجاملات الكاذبة التي اعتادها الناس، ولا من ذاك التزلف المريض الذي مرد عليه بنو آدم: لو لم يكن هناك جوع ما أحس آكل لذة الطعام، ولو لم يكن هناك مرض ما شعر سالم بمتاع الصحة، ولو لم تكن أنت أيها الموت مقيما معنا في هذا العالم ما ذقنا لذة الحياة، ولا رضعنا هذه الدنيا أفاويق حلوة، ولا عرفنا إحسان كثير من ذوي الإحسان، ففيك خير ولك منافع، وماأنت بشر محض. والآن لا أستطيع أن أقول وداعا، وداعا أيها الموت، وداعا على أجل قريب أو بعيد، وداعا إلى أن يأتي أمر الله، وكان أمر الله قدرا مقدورا. كل ما خلق الله إلى موت حتى أنت أيها الموت، ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام.

стр. 5896

أبو الحسن الرماني ومفهومه للإعجاز القرآني للدكتور: أحمد جمال العمري هو علي بن عبد الله أبو الحسن الرماني الإخشيدي الوراق الرماني: بتشديد الراء والميم نسبة إلى الرملن أو قصر الرمان الموجود بواسط. والإخشيدي: نسبة إلى الإخشيد أستاذه المعتزلي. ويعرف أيضا الوراق لقيامه بأعمال الوراقة التي كانت شائعة في عصره وتعيشه مما كانت تدره عليه من دخل. ولد الرماني سنة ست وتسعين ومائتين للهجرة ببغداد أو سامراء، وشغل بطلب العلم وتحلق في حلقات شيوخ عصره مثل أبي بكر ابن دريد، وأبي بكر السراج. والزجاج. وغيرهم من أساتذة اللغة والنحو، ولكن يبدو أن أكثر شيوخه أثرا في نفسه وفي علمه هو الإخشيد المتكلم المعتزلي المشهور في عصره. يقولون إنه تخرج على يديه وكان له أثره البارز في حياته وعلمه حتى لقب بالإخشيدي نسبة إليه من كثرة ملازمته له عنه وتبنيه لآرائه. يقول أصحاب التراجم إنه كان واسع الاطلاع، غزير العلم، متقنا للأدب وعلوم اللغة والنحو لذلك لقبوه: بالنحوي، شيخ العربية، صاحب التصانيف، ووضعوه في طبقة أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي. ويبدو أنه كان مغرما بعلوم المنطق والفلسفة. ونرى أثر ّلك واضحا في كتاباته وتحليله للآراء والموضوعات. وقديما لمس فيه معاصروه هذه الخصيصة وقالوا عنه إنه كان يمزج كلامه في النحو بالمنطق. حتى لقد كان يتفلسف في عباراته ويتخير أوجزها وأدلها على المعنى، سئل يوما (لكل كتاب ترجمة فما ترجمة كتاب الله ؟ فقال: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾

стр. 5897

لم تقف اهتمامات الرماني العلمية عند حدود اللغة والنحو - أو علوم المنطق = والفلسفة والنجوم بل تعدت ذلك إلى العلوم الدينية..علوم القرآن والحديث والفقه، وألف فيها مصنفات كثيرة. وتظهر مكانة الرجل العلمية فيما ذكره عنه معاصروه ومترجموه، يقول أبو حيان التوحيدي: "إنه لم ير مثله قط، علما بالنحو، وغزارة في الكلام، وبصرا بالمقالات، واستخراجا للعويص، وإيضاحا للمشكل مع تأله وتنزه ودين ويقين، وفصاحة وفقاهة، وعفافة ونظافة ". وقال ابن سنان: "إنه ذو مكان مشهور في الأدب ". ونظرا لثقته ورجاحة عقاه، وعمق آرائه، وجديتها..فقد اعتمد عليه كثير من العلماء ونقلوا عنه..في مقدمتهم: ابن رشيق، وابن سنان وابن أبي الأصبع العدواني، والسيوطي وغيرهم، فكتبهم تنطق بما أخذوه ودونوه عنه في مصنفاتهم. آثاره: صنف الرماني مجموعة ضخمة من المصنفات والمؤلفات، قدرتها بعض المصادر بما يقرب من مائة كتاب، معظمها في علم النحو الذي علش له وبرع فيه واشتهر به. بيد أن هذه المؤلفات لا تحجب المؤلفات الدينية خاصة في علوم القرآن منها: ١) تفسير القرآن المجيد: ويوجد بدار الكتب المصرية – المكتبة التيمورية – تفسير جزء عم من هذا التفسير مخطوطا. ٢) النكت في إعجاز القرآن: وهي رسالة علمية بليغة طبعت ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن - بدار المارف بمصر-. وستكون محور دراستنا لتوضيح مفهومه للإعجاز القرآني. ٣) الجامع في علوم القرآن. ٤) ألفات القرآن. ٥) شرح معاني القرآن للزجاجي. ٦) التفات القرآن. أما مؤلفاته النحوية فأهمها: ٧) شرح كتابي المدخل والمقتضب للمبرد. ٨) شرح كناب سيبويه. ٩) نكت سيبويه. ١٠) أغراض كتاب سيبويه. ١١) المسائل المفردة من كتاب سيبويه. ١٢) شرح مختصر الجرمي. ١٣) شرح المساءل للأخفش. ١٤) شرح الألف واللآم للمازني.

стр. 5898

١٥) شرح كتاب الموجز والأصول لابن السراج. ١٦) كتاب الإيجاز في النحو. ١٧) كتاب المبتدأ في النحو: هذا بالإضافة إلى مجموعة أخرى من كتب اللغة أهمها: ١٨) كتاب الاشتقاق الكبير. ١٩) كتاب الاشتقاق الصغير والألفاظ المترادفة. ٢٠) كتاب التصريف. ٢١) كتاب الهجاء. وغير ذلك من الكتب. مفهومه للإعجاز القرآني: حدد لنا الرماني مفهومه للإعجاز القرآني في رسالته (النكت في إعجاز القرآن) وهي رسالة أدبية بلاغية قيمة، تعكس لنا تخصصه العلمي، ومنهجه الاستدلالي التحليلي، في توصيل أفكاره ورؤاه. فهو يقرر في فاتحة رسالته، أن وجوه إعجاز القرآن تظهر من سبع جهات: ١) ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة ٢) والتحدي للكافة. ٣) والصرفة. ٤) والبلاغة. ٥) ونقض العادة. ٦) وقياس بكل معجزة. ولما كان الرماني من علماء اللغة البارزين - في عصره - فقد خص الجهة البلاغية من رسالته بجانب كبير: فذكر أنها ثلاث طبقات: - منها ما هو في أعلى طبقة. - ومنها ما هو في أدنى طبقة. - ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة. فما في أعلاها طبقة فهو معجز وهو بلاغة في القرآن، وما كان منها دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس ثم يعرف الرماني مفهومه للبلاغة قائلا: إنما البلاغة، إيصال المعنى إلى القلب في حسن صوره من اللفظ، فأعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن، ولقد حصر الرماني البلاغة القرآنية فجعلها في عشرة أقسام. هي: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان. خصص لكل قسم منها بابا على حدة أبرز فيه سماته البلاغية وأدق خصائصه

стр. 5899

فالإيجاز: في نظره تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى، فإذا كان المعنى يمكن أن يعبر عنه بألفاظ كثيرة، ويمكن أن يعبر عنه بألفاظ قليلة، فالألفاظ القليلة إيجاز، وكدأبه دائما يجنح إلى التقسيم، فيقول: والإيجاز على وجهين: حذف وقصر. فالحذف: إسقاط كلمة جزاء عنها بدلالة غيرها من الحال، أو فحوى الكلام. والقصر: بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف. فمن الحذف: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ومنه ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ومنه ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ . ومنه حذف الأجوبة: وهو أبلغ من الذكر، وما جاء منه في القرآن كثير، كقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ كأنه قيل: لكان هذا القرآن. ومنه ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ . كأنه قيل: حصلوا على النعيم المقيم الذي لا يشوبه التنغيص والتكدير. وإنما صار الحذف في مثل هذا أبلغ من الذكر لأن النفس تذهب فيه كل مذهب. ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان، فحذف الجواب أبلغ من الذكر. وأما الإيجاز بالقصر: فهو أغمض من الحذف، وإن الحذف غامضا، للحاجة إلى العلم بالمواضع التي يصلح فيها من المواضع والتي لا يصلح، فمن ذلك ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ [١] ومنه ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [٢] ومنه ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُس﴾ [٣] ومنه ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [٤] وهذا الضرب من الإيجاز في القرآن كثير.

стр. 5900

ولكي يدلل الرماني على روعة الإعجاز القرآني من حيث الإيجاز، يقارن بين قولهم: "القتل أنفى للقتل" وبين قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ فيقول: إن بينه وبين لفظ القرآن تفاوتا في البلاغة والإيجاز، وذلك يظهر من أربعة أوجه: أنه أكثر في الفائدة، وأوجز في العبارة، وأبعد من التكلفة بتكرير الجملة وأحسن تأليفا بالحروف المتلائمة، أما الكثرة في الفائدة، ففيه كل ما في قولهم: "القتل أنفى للقتل"وزيادة معان حسنة منها إبانة العدل لذكره القصاص، ومنها إبانة الغرض المرغوب فيه لذكره الحياة، ومنها الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله به. وأما الإيجاز في العبارة، فإن الذي هو نظير "القتل أنفى للقتل"قوله: ﴿الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ والأول أربعة عشر حرفا والثاني أحرف. وأما بعده من التكلفة بالتكرير الذي فيه على النفس مشقة، فإن في قولهم: "القتل أنفى للقتل"تكريرا غيره أبلغ منه، ومتى كان التكرير كذلك فهو مقصر في البلاغة عن أعلى طبقة. ثم يتابع الرماني مستشهدا على دقة المعاني القرآنية، ومدى إعجازها البلاغي الذي يبرزه الإيجاز متناولا هذا الإيجاز من جميع زواياه..هذا عن الباب الأول. بيد أن هذا الباب وإن كان عميقا إلا أنه يبين حقيقة مفهوم الرماني للإعجاز القرآني وإنما يظهر هذا المفهوم واضحا في الأبواب التالية. ويكفي أن نقف عند بابين اثنين من هذه الأبواب، لنتعرف مفهوم الرماني ومنهجه في إبراز أسرار هذا الإعجاز ولنتفهم مدى عمقه في الفهم ودقة إحساسه بالمعاني القرآنية وسر بلاغها. فلنقف أولا عند باب الاستعارة: وهو كعادته حين يقف عند أي باب يبدأ بالتعريف وتحديد العناصر والخصائص.

стр. 5901

فالاستعارة: - كما عرفها الرماني - تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة. ويفرق بين الاستعارة والتشبيه بدقة وعمق قائلا: "والفرق بين الاستعارة والتشبيه أن – ما كان من التشبيه – بأداة التشبيه في الكلام – فهو على أصله، لم يغير عنه في الاستعمال.. وليس كذلك الاستعارة، لأن مخرج الاستعارة مخرج ما العبارة ليست له في أصل اللغة. ويتناول الرماني الخصائص الفنية للاستعارة - كمقدمة لدراسة هذا الفن القولي في القرآن فيقول: "وكل استعارة بليغة فهي جمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما يكسب بيان أحدهما – بالآخر كالتشبيه، إلا أنه بنقل الكلمة. والتشبيه بأداته الدالة عليه في اللغة. وكل استعارة حسنة فهي توجب بلاغة بيان لا تنوب منا به الحقيقة. وذلك أنه لو كان تقوم مقامه الحقيقة، كانت أولى به، ولم تجز الاستعارة. وكل استعارة فلابد لها من حقيقة، وهي أصل الدلالة على المعنى في اللغة. فإذا انتهى من هذا الجانب التعريفي النظري، انتقل إلى الجانب التطبيقي الاستدلالي، مستشهدا بما جاء في القرآن الكريم من الاستعارة على جهة البلاغة. فلنستمع إلى قوله في تحليل بعض الآيات الكريمة. قال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [٥] يقول الرماني: حقيقة قدمنا هنا عمدنا، وقدمنا أبلغ منه لأنه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر لأنه من أجل إمهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم، ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم، وفي هذا تحذير من الاغترار بال يقول الرماني: حقيقة قدمنا هنا عمدنا، وقدمنا أبلغ منه لأنه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر لأنه من أجل إمهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم، ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم، وفي هذا تحذير من الاغترار بالإمهال. والمعنى الذي يجمعهما العدل لأن العمد إلى إبطال الفاسد عدل، والقدوم أبلغ.

стр. 5902

وأما ﴿هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ فبيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه حاسة. وقال : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [٦] يقول: حقيقته فبلغ ما تؤمر به، والاستعارة أبلغ من الحقيقة، لأن الصدع بالأمر لابد له من تأثير كتأثير صدع الزجاجة، والتبليغ قد يصعب حتى لا يكون له تأثير، فيصير بمنزلة ما لم يقع، والمعنى الذي يجمعهما الإيصال، إلا أن الإيصال الذي له تأثير كصدع الزجاجة أبلغ. وقال : ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [٧] حقيقته (شديدة) والعتو أبلغ منه لأن العتو شدو فيها تمرد. وقال : ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [٨] يقول الرماني: "شهيقا"حقيقته صوتا فظيعا كشهيق الباكي، والاستعارة أبلغ منه وأوجز والمعنى الجامع بينهما قبح الصوت. ﴿تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ حقيقته من شدة الغليان بالاتقاد، والاستعارة أبلغ منه، لأن مقدار شدة الغيظ على النفس محسوس مدرك ما يدعو إليه من شدة الانتقام فقد اجتمع شدة في النفس، تدعو إلى شدة انتقام في الفعل، وفي ذاك أعظم الزجر، وأكبر الوعظ، وأول دليل على القدرة وموقع الحكمة. وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيرا﴾ [٩] أي تستقبلهم للإيقاع بهم استقبال مغتاظ يزفر غيظا عليهم. وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [١٠] وحقيقته انتفاء الغضب، والاستعارة أبلغ. لأنه انتفى انتفاء مراصد بالعودة فهو كالسكوت على مراصدة الكلام بما توجبه الحكمة في الحال، فانتفى الغضب بالسكوت عما يكره، والمعنى الجامع بينهما الإمساك عما يكره.

стр. 5903

وقال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ [١١] ذرني ها هنا مستعار وحقيقته: ذر عقابي ومن خلقت وحيدا بترك مسألتي فيه، إلا أنه أخرج لتفخيم الوعيد مخرج ذرني وإياه لأنه أبلغ، وإن كان الله تعالى لا يجوز عليه المنع، وإنما صار أبلغ لأنه لا منزلة من العقاب إلا وما يقدر الله تعالى عليه أعظم. وهذا أعظم ما يكون من الزجر. أما الباب الثاني – الذي سنطرقه في هذا المقال فهو باب الفواصل، والفواصل – في نظر الرماني – حروف متشاكلة في المقاطع، توجب حسن إفهام المعنى وهي في رأيه من دلائل الإعجاز القرآني. والرماني يرى أن هناك فرقا كبيرا بين هذه الفواصل القرآنية والأسجاع، فإذا كانت الفواصل بلاغة، فإن الأسجاع عيب، (وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها، وهذا قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة، إذ كان الغرض الذي هو حكمة إنما هو الإبانة عن المعاني التي الحاجة إليها ماسة، فإذا كانت المشاكلة وصلة إليه فهو بلاغة وإذا كانت المشاكلة على خلاف ذلك فهو عيب ولكنة: لأنه تكلف من غير الوجه الذي توجبه الحكمة ومثله مثل من نظم قلادة ثم ألبسها كلبا. وقبح ذلك وعيبه بين لمن له أدنى فهم. ويقدم لنا الرماني لذلك مثلا فيما يحكى عن بعض الكهان: "والأرض والسماء، والغراب الواقعة بنقعاء، لقد نفر المجد إلى العشراء"ومنه ما يحكى عن مسيلمة الكذاب: "يا ضفدع نقي كم تنقين، لا الماء تكدرين ولا النهر تفارقين"، ثم يقول: "فهذا أغث كلام يكون وأسخفه، وهو تكلف المعاني من أجله، وجعلها تابعة له من غير أن يبالي المتكلم بها ما كانت. وفواصل القرآن كلها بلاغة وحكمة لأنها طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدل بها عليها. ويرى الرماني أن فواصل القرآن الكريم على وجهين: أحدهما على الحروف المتجانسة. والآخر على الحروف المتقاربة.

стр. 5904

فمن أمثلة الحروف المتجانسة قوله تعالى: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ الآيات، وقوله: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ الآيات. أما الحروف المتقاربة، فمن أمثلتها تقارب الميم والنون في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيم مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، وتقارب الدال مع الباء نحو قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ثم قال: ﴿شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وإنما حسن في الفواصل الحروف المتقاربة لأنه يكتنف الكلام من البيان ما يدل على المراد ففي تمييز الفواصل والمقاطع لما فيه من البلاغة وحسن العبارة. ويفرق الرماني بين موسيقى العبارة الحاصلة في هذه الحالة وبين القوافي فيقول: إن القوافي "لا تحتمل ذلك لأنها ليست في الطبقة العليا من البلاغة، وإنما حسن الكلام فيها إقامة الوزن، ومجانسة القوافي، فلو بطل أحد الشيئين خرج عن ذلك المنهاج، وبطل ذلك الحسن الذي له في الأسجاع، ونقصت رتبته في الأفهام. والفائدة في الفواصل دلالتها على المقاطع، وتحسينها الكلام بالتشاكل، وإبداؤها في الآي بالنظائر. هذا هو مفهوم الرماني للإعجاز البلاغي للقرآن، كما عرضه في رسالته. ولا شك أننا لا حظنا أن أسلوبه في عرض أفكاره كان علميا منطقيا يحتاج في كثير من المواضع إلى الجهد في فهمه وتتبعه. وذلك لغلبة الطابع الكلامي والمنزع الاعتزالي الذي يجنح فيه إلى المجادلة والمناقشة. د. أحمد جمال العمري. -------------------------------------------------------------------------------- [١] سورة البقرة ١٧٩. [٢] سورة النجم ٢٣. ٣]] سورة المنافقون ١. ٤]] سورة فاطر ٤٣. [٥] سورة الفرقان الآية ٢٣ [٦] سورة الحجر الآية ٩٤. [٧] سورة الحاقة الآية ٦. [٨] سورة الملك الآية ٨.

стр. 5905

[٩] سورة الفرقان الآية ١٢. [١٠] سورة الأعراف الآية ١٥٢. [١١] سورة المدثر الآية ١١.

стр. 5906

تعقيب لا تثريب لفضيلة الشيخ محمد المجذوب ملاحظات إسلامية حول كتاب (أبو ذر والشيوعية) كثيرا ما حاول الشيوعيون استغلال شخصية الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري لإيهام العامة وأشباه العامة من المسلمين، بسداد نحلتهم، وأنها تلتقي مع الإسلام في أهم أهدافه الإنسانية، من حيث تأمين العدالة وتحقيق المساواة..وكثيرا ما سكت المفكرون من المسلمين عن هذه الفرية الكبيرة، التي تضع ماركس اليهودي الحاقد الهدام في مستوى الصحابي المجاهد لإعلاء كلمة الله، العامل بحقها في بناء المجتمع الأفضل، الذي يحمل إلى البشرية الضائعة رسالة بها الهداية إلى التي هي أقوم. ومن هنا كان للكتيب الذي أصدره العلامة الدكتور عبد الحليم محمود بعنوان (أبو ذر والشيوعية) أثره الطيب في نفوس القراء من العارفين بأكاذيب الشيوعيين، الشاعرين بالحاجة إلى مواجهة أولئك الضلال بالحقيقة التي تدمغ باطلهم. وعلى الرغم من أن الكتيب لم يخرج عن كونه لمحات عجلى عن حياة الصحابي الكريم تنتظر القلم الذي يتم ما بدأ في استقصاء للأحداث، وتحليل للمواقف يسدان على المستغلين طريق العودة إلى مثل هذا التضليل، فقد جاء بالإجمال كصفحة مشرقة في سفر قيم يسهم في تأليفه العديد من حملة القلم المسلم، الذين كتبوا ولا يزالون يكتبون في رد مفتريات الأفاكين على دين الله، وحملة مشاعله من تلاميذ النبوة الأولين رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 5907

على أن تقديرنا لمجهود الدكتور حفظه الله، في هذا الكتيب وغيره من المواقف الرائعة في خدمة الإسلام، والدفاع عن دعاته وفضح مؤامرات أعداءه، والدعوة إلى تنفيذ أحكامه، لا ينبغي أن يصرفنا عن بعض الهفوات التي يتعثر بها فضيلته بين الحين والآخر فتشوه النقى من أعماله بنقاط ما كان لها من سبيل إلى قلمه لو نهنه من غربه قليلا فوقف به عند الحدود التي لا يبيح الشرع ولا العقل السليم تجاوزها.. ولو هو قد فعل ذلك لما وقف القارئون من المسلمين اليوم على ذلك التناقض المؤسف بين الشيخ الذي يرفض المنهج العلمي في دراسة حياة (الأولياء) - من حماة السويس والإسكندرية والزقازيق وقنا – ويأبى إلا الاعتماد على الأحلام والرؤى وما إليهما، مما يرسخ تقاليد العامة في الشطط عن طريقة السلف، وبين وزير الأوقاف الذي يضطر إلى الرد عليه في نشرة رسمية تحت عنوان (تقاليد يجب أن تزول) ! . ولكن. .ما الحيلة. . وقد شاء الله أن ينفرد بالكمال، ويحصن أنبياءه وحدهم بالعصمة، فلا أحد إلا يؤخذ منه ويرد عليه غيرهم. لقد أبى الدكتور أصلحنا الله وإياه أن يقصر جهوده على أعداء الإسلام في ذلك الكتيب، فخص دعاة الالتزام لكتاب الله وسنة رسوله ببعض الغمزات التي أقحمها في مقدمته دون حاجة أو مسوغ. يقول الدكتور: "هل آن لنا أن نكف عن الحديث عن زيارة القبور وعن قراءة سورة الكهف، وعن الكتابة في الجبر والاختيار وعن حمل المسبحة وعن شد الرحال: وهل يتضمن زيارة الأولياء أو لا؟ . ." [١] إنها لعبارة تحمل من الحرارة والعنف ما يصور ضيق صدر الشيخ بهؤلاء الذين يرون الإسلام الصحيح وقوفا عند حدود ما أمر الله وبين رسوله ﷺ . ولا جرم أن من حق كل مسلم يؤمن بهذه الحقيقة أن يعتبر كلام الشيخ موجها إليه، فمن حقه إذن أن يدلي برأيه فيه.

стр. 5908

لقد اعتاد المخالفون لهذه الطائفة الملتزمة أن يرددوا مثل هذا الكلام كلنا ارتفع لأحد أفرادها صوت بالدعوة إلى الصراط السوي، ونبذ كل ما غشيه من انحرافات واختراعات، وحجتهم في ردهم ذاك أن أعداء الإسلام يتكالبون عليه من كل صوب، فواجب المسلمين والحالة هذه أن يقفوا كل إمكاناتهم على مناجزة هؤلاء الأعداء دون أن يتحدثوا بكلمة واحدة خارج هذا النطاق ويقولون إن بلاد المسلمين غارقة في آلاف المعاصي، من الربا والخمر والفجور، وما إلى ذلك من ألوان البلاء، ففي هؤلاء فلنجاهد، ولندع كل شذوذ عن جادة الوحي يجرف إخواننا الذين لا يرون رأينا من التزام جانب الوحي دون سواه. ويا لها من حجة عجيبة فات أصحابنا أن الشرط الأساسي في الجيش المحارب ارتباطه بوحدة الهدف، والتزامه تعاليم القيادة، وتعاون أجزائه في انسجام تام لا يشوبه الاختلاف، وإلا فما أيسر أن تتفرق كلمة هذا الجيش فيخذل بعضه بعضا وهو في صميم المعركة، ثم النهاية كارثة على الجميع.

стр. 5909

ونعود الآن إلى تحليل عبارة الشيخ، أنه يحصر مآخذه على الجماعة بأشياء ليست على مستوى واحد من الأهمية أو قابلية الاختلاف. فزيارة القبور أمر مسلم عند السلفيين ومخالفيهم على سواء، وهي كغيرها من القربات إما أن تقف عند حدود الشرع فتكون دعاء للميت، وعبرة للحي، وإما أن يشتط الزائر فيخرج بها إلى الاستغاثة بأصحابها وسؤالهم النفع والضر، وفي ذلك من الزيغ ما لا يصح أن يختلف في إنكاره عاقلان. وفي قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أحاديث تسوغ للمطلع عليها الحكم بفضلها، والعمل بها، وعلى هذا فلا داعي لاعتبار هذا الأمر من مظان الخلاف ذوات الشأن. وكذلك القول في المسبحة، فمع أنها لم تعرف في الصدر الأول، لا تستدعي الكثير من الأخذ والرد، إذا كان الغرض منها هو ضبط العدد المسنون للتسبيحات. . وقد رأى رسول الله ﷺ إحدى أزواجه تستعين على ذلك بالنوى فلم ينكره عليها، بل أرشدها إلى خير منه، أما موضوع زيارة الأولياء - ولعله أهم المهمات بالنسبة إلى القوم - فما ينبغي أن يترك أمره للأهواء والأذواق لما يترتب من نواتج تمس عقيدة التوحيد في الصميم. فقبور الأولياء وغيرها من أضرحة المسلمين مجال صالح للدعاء لأهلها والاعتبار بمصايرهم، فلا اعتراض على زائريها على هذا الوجه المشروع ولكن الإنكار إنما ينصب على تخصيصها بالقصد والسفر، وتوجيه النذور، وذبح (العجول) التي تعد لها وتنحر على اسمها، وما يتعرى قصادها بإزائها من الخشوع الذي لا يعهد منهم بعضه بين يدي الله، وهم يقومون بأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين فكيف إذا أضيف إلى ذلك الطواف والتمسح ونشدان الحاجات. مما لا يجد فاعله مستمسكا يحتج به من وحى أو عقل. وبقي من النقاط التي شملتها إشارات الشيخ الأكبر تلك الطامة الهامة التي لا أحسبه قد تنبه إلى أبعادها الخطيرة حين حشرها بين ما يعتبره من المآخذ.

стр. 5910

إنها قضية الجبر والاختيار، وفي عبارة الشيخ ما يوحي أنها لا تستحق بنظره أي اهتمام، ناسيا حفظه الله أنها مدار كل الفلسفات التي حاولت تحديد مسؤولية الإنسان. إن القول بأن الإنسان مجبر على سلوكه إنما هو تقرير قاطع بتجريده من كل أثر للحربة، ومن ثم إعفائه من أي مسؤولية عن أي فعل يأتيه. . وحصيلة ذلك تعطيل الشرائع، وإبطال القوانين واعتبار كل محاولة لتصحيح مسيرة الإنسان عبثا لا مردود له. . وهذا ما انتهى إليه السواد الأكبر من عامة المسلمين في العصور المتأخرة إذ سيطر عليهم الوهم، فأقنعوا أنفسهم بأنهم في كل ما يقترفون إنما ينفذون إرادة الله، الذي ألزمهم ذلك عن طريق الإكراه وليست الوجودية والسوفسطائية واللاإرادية إلا صورا لهذا الاتجاه المظلم. بل لعله اليوم أبرز ما يكون في الماركسية التي تعتبر أخلاق الإنسان كسائر تصرفاته نتيجة لازمة لنظام الإنتاج. ثم إن وضع (الاختيار) في مقابل الجبر يوحي كذلك بأن المراد منه ما ذهب إليه منكرو القدر القائلون بأن الإنسان خالق لأفعاله في معزل عن قدرة الله وإرادته. ومعلوم لدى أولي العلم والفطر السليمة أن كلا المذهبين من الضلالات الكبرى المنافية لحقائق الإسلام الذي وضع كل فرد تلقاء تبعته، وألزمه طائره في عنقه، فإذا ما تركنا للناس أن ينحرفوا عن جادته يمنة ويسرة لم يكن لنا أي حق في دعوتهم إلى التعاون لإشاعة المعروف وإزالة المنكر، إلا كما نتعاون مع أي فريق من الناس على أساس المنفعة العارضة، تجمع الملتقين عليها إلى حين ثم لا تلبث أن تمزقهم أيدي سبأ. وهكذا يتضح خطر السكوت عن معظم القضايا الواردة في عبارة فضيلة الدكتور، والتي يرى أن الكف عن ذكرها وتنبيه المسلمين إلى أخطارها من الشروط التي لا مندوحة عنها للتعاون في وجوه أعداء الإسلام.

стр. 5911

أما نحن - وأعني كل المؤمنين بخطأ هذا الرأي - فلا نستطيع أن نتناسى أن الإسلام نظام الله الشامل الكامل، لا يسع مسلما أن يساوم على أي جزء منه، فكما يفرض علينا إعلان الحرب على الشيوعية والوجودية والإلحاد أيا كان مصدرها يلزمنا كذلك تنقية صفوف المسلمين من عناصر الهزيمة، الذين لبس عليهم دينهم وأبعدوا عن منهج الحق، فضلوا عن سبيل المؤمنين وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وأخيرا ليسمح لي صاحب الفضيلة أن أذكره بالحقيقة التي يجب أن تكون القاسم المشترك بين أفراد المسلمين جميعا، مهما تتفاوت سويتهم العلمية، ألا وهي ضرورة احتفاظ الأمة، أفرادا وجماعات بعناصر الشخصية المتميزة على سائر أصناف الناس. فإذا كان من شأن الشيوعي النفاق السياسي، حتى ليتظاهر بالإيمان وهو ألد أعدائه، ويحتج بمبادئ الإسلام وهو أول الكافرين بها. . وإذا كان من خصائص اليهودي والنصراني الانسياق وراء مقررات رجال الدين من أحبار ورهبان، مهما تتصادم مع العقل والنقل.. فإن ميزة المسلم التي لا تتم مقوماته لا تتم مقوماته إلا بها هي التزامه هدى الله كما أنزله على رسوله، حتى يكون جديرا بتمثيل حقائق الإسلام في حياته كلها، ما استطاع إلى ذلك سبيلا. . ومن أجل هذا نستسمح فضيلة الشيخ الأكبر عذرا إذا قلنا له: لقد قدمت للإسلام بكتابك هذا خدمة نرجو أن تجد ثوابك عليها جزيلا عند الله، ولكنك أخطأت كثيرا عندما دعوت المصلحين للكف عن تنقية الإيلام من بقايا رواسب خلفتها تعاليم الباطنية العبيدية، التي كادت تقطع صلة مصر بالإسلام ذات يوم، لو لم يتداركها الله بالناصر الأمين صلاح الدين والحمد لله رب العالمين. -------------------------------------------------------------------------------- ١ مقدمة الكتاب ص ٨.

стр. 5912

الجبال في القرآن آية من الرحمن الدكتور محمد نغش إن الجبال مخلوقات تسبح لله وتمجده، ترجو رضاه وتخشى غضبه، وقد حدثنا الله عنها في كتابه الكريم، وحكى عن مواقف عديدة لها مع الأنبياء ﵈، فلنذكر منها ما يتسع له المقام. من بديع صنع الله وعظيم قدرته هذه الجبال الراسيات في أنحاء العالم، لتثبيت الأرض في مكانها كما ترسى الأوتاد الخيام. فنحن نعرف أن الأرض منبسطة كالفرش على بحيرة كبيرة من الماء هي عبارة عن المحيطات، والبحار والأنهار والعيون والآبار. والجبال أثقال فوقها تحفظ توازنها، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ سورة سبأ٧,٦. وحينما ينظر الإنسان إلى الجبال تهوله ضخامتها، فهي من عجائب مخلوقات الله الجديرة بالتأمل والدراسة إذ نرى العالم يقف متعجبا أمام بناء كالأهرامات، فكيف نصبت هذه الحجارة الضخمة فوق بعضها!؟. فما بالك بالجبال الشاهقة التي نصبها الخالق المصور بخارق قدرته، وهي ثابتة تدل على عظمته. وفي الجبال الراسيات خيرات عميمة للإنسان والحيوان. فمن الوجهة الاقتصادية: الزراعة: تنبت نباتات مختلفة فوق الجبال من غابات في المناطق غزيرة الأمطار، إلى أعشاب السقانا في الجهات المتوسطة الأمطار، إلى عشيبات في الجهات النادرة الأمطار. والحيوانات: منها ما يعيش في الغابات سواء المتوحش منها أو الأليف، ففي كل خير للإنسان، ومنها ما يعيش في المناطق الأخرى كالبقر والإبل والأغنام وغيرها. والمعادن: في الجبال منها كنوز نفيسة كالذهب والحديد والنحاس وأمثالها قال تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ سورة النازعات الآية ٣٣,٣٢.

стр. 5913

ولا تنسى يا أخي ما في الجبال من مواد البناء من حجر وإسمنت ورخام يقوم عليها عمران الأرض، واستقرار الإنسان في بيوت مشيدة، وقصور شامخة، قال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ﴾ سورة الشعراء الآية ١٤٩. واسمع أخي قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً﴾ سورة النحل الآية ٦٨. حقا، ليس الإنسان والحيوان وحدهم الذين يعيشون فوق الجبال، بل قد ألهم الرحمن الرحيم النحل لسكنى الجبال، ومن النحل الذي يعيش معنا فوق الجبال نجني العسل الشهي المفيد للأبدان. والجبال بمثابة الحصون يحتمى بها من العواصف والأمطار، ومن اعتداء الإنسان على أخيه الإنسان، وكذلك الحيوان على الحيوان ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً﴾ سورة النحل الآية ٨١. استمع إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُود﴾ سورة فاطر الآية ٢٧. الجدد: واحدتها جدة، وهي الطريق في الجبال كالعروق، وغرابيب سود: شديدة السواد. معنى ذلك أن من الجبال ما هو أبيض، ومنها ما هو أحمر، ومنها ما هو أسود، ومنها ما تختلط فيه الألوان الثلاثة أو غيرها، فكما تختلف ألوان البشر، تختلف ألوان الجبال، فهذه جبال غنية بمواد ثمينة، وتلك جبال فقيرة لخلوها من المعادن النادرة، وهذه تكسوها خضرة فتجعلها جنة نضرة، أو تكسوها ثلوج فتجعلها بيضاء ناصعة، وتلك جرداء لا نبات فيها ولا ماء، وبعضها لا يعدو هضبة قصيرة تمتد في الصحراء.

стр. 5914

ونقف أمام الآية التالية ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ سورة النور الآية ٤٣، من السماء هنا تعني من عال، لأن السماء تطلق على جهة العلو. ومن جبال فيها من برد: أي ما ينزل من السماء من مطر وبرد وخلافه كالجبال حجما، والبرد فيها ينزل في كثافة فيصيب به الله من يشاء من عباده، ويصرفه عن غيرهم. إذن الجبال جنود الله إن شاء سخرها لخدمة مخلوقاته، وإن شاء أذاقهم بها شديد بأسه وعقابه. فإذا تأملنا قوله تعالى في الآيتين التاليتين لعرفنا أن الجبال كسائر المخلوقات تعبد الله وتخشى عذابه. اسمع ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَال﴾ سورة الحج الآية ١٨. وفي الآية التالية تصوير بليغ لما يصيب الجبال لفزعها من خشية الله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ سورة الحشر الآية ٢١، فإذا كانت الجبال يا أخي الإنسان تخشى الله القهار، وهي كما ترى قوية متينة البنيان، فما بالك لا تعبد الله حق عبادته، أأنت أشد صلابة منها، إنك لن تبلغ طولها، ولن تصل إلى متانتها. أخي إن للجبال قصص مع الأنبياء ﵈، فمثلا: موسى ﵇، كلم الله عند جبل الطور في سيناء، إذ يحدثه ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ سورة الأعراف الآية ١٤٣. ومعنى سينين: المبارك الحسن بلغة أهل الحبشة، وقال مجاهد: هو المبارك باللغة السريانية، أما كلمة سيناء فهي لفظة نبطية تعني الحبل الذي فيه شجر مثمر.

стр. 5915

والحجر الذي ضربه موسى ﵇ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، يشرب من كل عين قوم منهم لا يشاركهم غيرهم ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ سورة البقرة الآية ٦٠. وقد تعبد عيسى ﵇ فوق جبل الزيتون في فلسطين، وهنالك نزل عليه جبريل الأمين بالوحي من رب العالمين، ويتخذ الناس من غصن الزيتون رمزا للسلام. ونزل الوحي على حبيب الله محمد ﵊، فوق جبل النور، حينما كان يفكر في خالق السموات والأرض وما بينهما في غار حراء. فمن حديث لعائشة ﵂: فجاء الملك فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ. فغطني في الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ سورة العلق الآية ١ - ٥. وفوق جبل عرفه في مساء يوم الجمعة نزل على رسوله ﷺ قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ سورة المائدة الآية ٣ وهكذا أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا، وقد أتمه فلا ينقص أبدا، وقد رضيه فلا يسخطه أبدا.

стр. 5916

وأراد نوح أن ينجي ابنه من الغرق يوم الطوفان، وكان في معزل: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ سورة هود الآية ٤٢. فرد عليه الابن الذي لا يؤمن بصدق نبوة والده ﴿سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ سورة هود الآية ٤٣ واستوت السفينة على جبل الجودي من ديار بكر وخرج من في السفينة، وبارك الله فيهم فكثروا وملأوا الأرض. وقد برهن الله لإبراهيم ﵇ مقدرته إحياء الموتى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ سورة البقرة الآية ٢٦٠. أمر الله نبيه إبراهيم أن يقطع الطيور ويخلط لحمهن وريشهن، ثم يفرق الأجزاء المختلطة على جبال متفرقة ثم ينادي عليهن، فيقبلن عليه مسرعين. أخذ إبراهيم ﵇ طاووسا ونسرا وغرابا وديكا، وفعل بهن ما أمر به، وأمسك رؤوسهن عنده ودعاهن، فتطايرت الأجزاء إلى بعضها، حتى تكاملت، ثم أقبلت إلى رؤوسها. وتسبح الجبال للواحد الديان ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ سورة الأنبياء الآية ٧٩. كان داود إذا سبح سبحت معه، وقيل أنها كانت تسير معه، فكان من رآها معه يسبح بحمد ربه. وكان وقت تسبيح الجبال في العشاء وفي صلاة الضحى عندما تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ سورة ص الآية ١٨. وفي تسبيح الجبال لله في المساء والصباح منها بفضل الله خالق الليل والنهار، فهما آيتان باهرتان من آياته .

стр. 5917

وعندما انتقم الله من قوم لوط عذبهم بحجارة من سجيل، وسجيل حجارة من طين طبخت بنار جهنم. عدا جبريل على قريتهم فقلعها من أركانها، ثم أدخل جناحه، ثم حملها على خوافي جناحه بما فيها، ثم صعد بها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها ثم إن الله طمس على أعينهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، وفي ذلك يقول العزيز العليم: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ سورة هود الآية ٨٢. وهذا مثال آخ من تعذيب الله الناس بالحجارة فحينما قصد أصحاب الفيل من الأحباش تخريب الكعبة، أرسل عليهم العزيز الجبار جماعات من الطير في أعداد مهولة، لم ير قبلها ولا بعدها. وقيل إنها طيور سود مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجران في رجليه وحجر في منقاره، لا يصيب شيئا إلا هشمه. إذن في جهنم حجارة تختلف عما نعرف من أحجار الدنيا، إذ أن الطيور التي قضت على أصحاب الفيل، كانت تحمل قطعا صغيرة كالحمصة من هذه الحجارة المهلكة. وحجارة جهنم حذرنا الله من شدتها، ونصحنا بعدم معصيته لتجنبها إذ يقول الرحمن الرحيم: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ سورة التحريم الآية ٦.

стр. 5918

ولما تعجب الدهريون من كيفية بعثهم بعد موتهم جفاف عظامهم وتناثرها وتفرقها في جوانب العالم، يرد عليهم الخلاق العظيم أنه قادر على أكثر من ذلك، فإذا تحولت أجسادهم إلى حجارة أو حديد أو خلق مما يكبر في صدورهم، وقيل المقصود السموات والأرض والجبال لعظمها في النفوس، فالله ينشئهم من جديد، وهو فعال لما يريد ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ سورة الإسراء الآية ٤٩ – ٥١. وكما أن لكل شيء نهاية، وأن كل المخلوقات فانية، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، وكذلك الجبال تسير إلى نهايتها المحتومة يوم القيامة ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ سورة النمل الآية ٨٨، ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ سورة الحاقة الآية ١٤، ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ سورة المزمل الآية ١٤، ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ سورة القارعة الآية ٥. فتصور يا أخي كيف تصير نهاية الجبال بعد أن ينسفها ربي نسفا، تصبح كالصوف المندوف في خفة سيرها حتى تستوي مع الأرض فتكون سرابا، إذ تمحى معالمها من الوجود فسبحان الذي يزيلها بقدرته وينهيها بعظمته: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الحشر الآية ٢١.

стр. 5919

تراث الحديث والسنة في الهند لفضيلة الشيخ تقي الدين الندوي لما كان محمد رسول الله ﷺ هو القدوة الصالحة والأسوة الحسنة لطبقات الناس جميعا، وللأجيال البشرية على اختلاف الزمان والمكان اتجهت عناية الله إلى حفظ أخباره وآثاره وصفاته وأخلاقه وعاداته وتصرفاته. وصرف الله قلوب المؤمنين إلى تتبع كل ما يصدر منه حركة وسكون وأخذ ورد، وعادة وعبادة وألهمهم الاعتناء به اعتناء لا مزيد عليه، كأن سائقا يسوقهم إلى ذلك. وقد تجلت حكمة الله وعنايته الخاصة بكل وضوح في صيانة علم الحديث وحفظه ولنظرة عابرة في كتب السنة تكفي للإيمان بأن هذا الاهتمام البليغ الخارق للعادة بتسجيل دقائق الحق والخلق والعادات والعبادات والأقوال والأفعال وبكل ما يتصل بهذه الشخصية الكريمة اتصالا لا يتصوره الذهن الإنساني، وفي بسط تفصيل لا نظير له في تاريخ أمة ولا حضارة. لم يكن هذا مجرد مصادفة بل كان ذلك سرا من الأسرار الإلهية، وبرهانا ساطعا على مدى عناية الله تعالى بهذه الرسالة التي ختم الله بها الرسالات وبهذه الشريعة التي قضى ببقائها وخلودها وانتشارها وعمومها لجميع العصور والأجيال، وكان لكل قطر من الأقطار الإسلامية نصيب وافر من هذا الإرث النبوي يدخل مع الغزاة والفاتحين، والدعاة والمبلغين والفقهاء والمدرسين. وبدأ فجر الإسلام يطلع على الهند وبدأت أشعته تغمر هذه البلاد الرحبة الفسيحة، ولم يكن ذلك في وقت متأخر عن صدر الإسلام، وإنما كان في عهد الخلافة الراشدة الذي بدأ فيه الإسلام يزحف شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وبدأت موجاته تجتاز الحدود والسدود معلنة في الدنيا كلمة الله ومبشرة بدينه. ولم تكن شبه جزيرة الهند منقطعة عن جزيرة العرب منزل الوحي ومهبط الرسالة ومشرق النور، فقد كان ثمة تجارة بين العرب والهند منذ أقدم العصور.

стр. 5920

فقد كان تجار العرب يرتادون شواطئ الهند الغربية ويمرون بها إلى جزيرة سرنديب حتى يصلوا إلى شواطئ الهند الشرقية، ومن هناك كانوا يبحرون إلى الصين، وبقيت هذه الصلات التجارية قائمة حتى جاء الإسلام فدخل الهند في العهد المبكر مع التجار المسلمين العرب. ولم تكن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي دخل بها الإسلام هذه البلاد، بل هناك واسطة أخرى فقد دخل الإسلام مع الغزاة والفاتحين بطريق البحر والبر وكذلك دخل علم الحديث في أوائل الفتح الإسلامي في بلاد الهند، وكان من جملة من وفد إليها من المجاهدين في سبيل الله، الربيع بن الصبيح السعدي الذي قال عنه الحلبي في"كشف الظنون"هو أول من صنف في الإسلام، ولا شك أنه من أول المؤلفين في علم الحديث إذ لم يكن أولهم بالإطلاق وقد مات ودفن في الهند سنة ١٦٠ هـ[١] وأدركت الهند العناية الإلهية، فأتحف الله البلاد بالوافدين الكرام من المحدثين من الأقطار الإسلامية وذلك في القرن العاشر وكذلك ساق سائق التوفيق لبعض علماء الهند إلى الحرمين الشريفين مصدر هذا العلم ومعقله ويطول ذكر أسمائهم، هو عصر النشاط في علوم الحديث. ولو استعرضنا ما لعلماء الهند من الهمة العظيمة في علوم الحديث من ذلك الحين لوقع ذلك موقع الإعجاب والاستغراب، كم لهم من شروح ممتعة وتعليقات نافعة على الأصول الستة وغيرها، ومؤلفات واسعة في أحاديث الأحكام وكم لهم من أياد بيضاء في نقد الرجال وعلل الحديث وشرح الآثار وتأليف مؤلفات في شتى الموضوعات، وشروحهم في الأصول الستة وغيرها من كتب السنة تزخر بالتوسع في شرح أحاديث الأحكام.
следующие страницы →