Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5951
والتساؤل هنا مرتبط بالعقل الجمعي لهذه الجماهير المطحونة الكادحة, هل استطاعت أو تستطيع هذه الجماهير، ذات العقل الجمعي المنخفض، الذي يوازي في قدراته درجة دقل من عقل الفرد المتوسط في الذكاء أن تمسك دقة الحكم؟، وتضع في يدها صولجان القيادة؟، وتصبح قادرة على تحقيق آمال ومصالح الناس؟.
متى حدث ذلك؟ وفي أي عصر من عصور التاريخ ثبت نجاحه وفلاحه؟ وكيف تستطيع عقول غوغائية حاقدة حاسدة، جاهلة متعصبة لما هي عليه من جهل أن تنتزع الحق من أصحابه الشرعيين في أي قطر، لتشبع نهمها إلى الانتقام والبطش وسفك الدماء والتحكم في الأبرياء، وتشريد العجزة والأطفال والنساء، حقاً: "إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة!.
إنه لا معنى لسيطرة الجهلاء والدهماء والرعاع والسفلة إلاّ سيادة الشهوات وتسلط الرغبات الهائجة في أحط الفئات، وقلب الأوضاع، وزيادة الأوجاع.. وحوَّل المجتمع إلى قطيع من الذئاب يذوق بعضه بأس بعض!
إنّ طبقة البروليتارية، كما سماها ماركس، أعجز من أن تقوم بنفسها، لتحقيق هذا الانقلاب الدموي. ومن هنا أضاف لينين إلى النظرية الماركسية "ضرورة أن تتصدر طليعة الحزب للقيام بهذا الجحيم الأحمر، فتعود المظاهرات وتخرّب المنشآت، وتثير القلاقل والمنازعات، وتقوم بتوزيع النّشرات على مختلف الفئات، بحكم ما تتمتع به من قدرة على تحقيق أهدافها، ومرونة في استخدام الوسائل المناسبة مشروعة أو غير مشروعة"! أي أنّ هذا العقل الجمعي الخامد، الخامل، العاجز عن أيّ تصرّف إيجابي منظّم، يجد في ظلّ النظرية الماركسية من يقوده، ويوسّع خطواته على طريق التخريب, حتى يقع في النهاية صريع المنتفعين من قادة الحزب!.
دعوة القرآن للإصلاح الاجتماعي..
стр. 5952
يجب أن يعلم القاصي والداني، أنّ الإسلام لا يترك العقل الجمعي الخامل هذا دون تحريك وإيقاظ, لا من أجل الشر الذي تنسج الماركسية خيوطه بدأب شديد، ولكن من أجل الإصلاح الاجتماعي، لخير البشرية وقيادة خطاها من أجل عالَمٍ مِلؤُهُ الأمن والسلامة والرخاء, يقول الحق ﵎: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ سورة النساء.
ويقول سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ سورة الحجرات. ويقول تبارك أسماؤه: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ سورة النساء.
العقد الجمعي الإسلامي
يقول عزوجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ سورة الحجرات.
إنّ المتصفح لكتاب الله تعالى يجد الكثير من الآيات الداعية إلى الإصلاح الاجتماعي بجميع ألوانه وأشكاله القديمة والمعاصرة. إنّ الإسلام لا يترك الجماهير سادرة في غيِّها، متنكبة طريق هداها، بل إنه يقوِّمُ اعوجاجها، ويهديها سبيل رشادها، ويفتح أعينها على حقائق الكون المضيئة من حولها، ويبصّرها بالنور في كتاب الحياة الذي نطقت سطوره, وتوهج نوره, ولمعت أساريره ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ، ﴿إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
стр. 5953
فلتكن للجماهير المؤمنة بالله تعالى وكتبه ورسله واليوم الآخر طريقتها في نبذ الغفلة عن الله، والرجوع إلى تعاليم رسول الله ﷺ ، والانشغال بعيوب النفس عن عيوب الغير، والأخذ فيما هي ماضية فيه وساعية لأجله من نشر دين الله، وإصلاح العقيدة في الله، وربط النفوس بشريعة الله.
إنّ الجماهير المسلمة تتحرّك في سلمها وحربها على هدى من الله، وبتوفيق منه سبحانه، ومن ثَمّ فإنّ أكثريتها المطلقة تتمتع ببصيرة مستمدة من شريعة الإله الحق لجميع الخلق، ومصداق ذلك قول الرسول الكريم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
والعقل الجمعي في مجتمعات الإسلام ليس عقلا غوغائيا، ولا عشوائيا؛ لأنه عقل ملتزم بتوجيهات الكتاب والسنة "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" أخرجه البخاري. وهو عقل جمعي إيجابي نشيط، وليس سلبيا خوّارا: "من ردّ عن عرض أخيه بالغيب ردّ الله عن وجهه النار يوم القيامة" أخرجه الترمذي وحسنه.
والعقل الجمعي الإسلامي عقل متعاون لا متصارع، متآلف لا متحاسد: يقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ سورة المائدة "٢". ويقول الرسول ﷺ : "يا أيها الناس، أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام" أخرجه الترمذي وصححه.
стр. 5954
والفرد المسلم إزاء هذا العقل الجمعي عقل يقظ حذر، لا يذوب فيه، ولا يفقد استقلاله معه، ولا يهمل تقويمه وتصحيح الخطأ الذي يقع فيه، ولا يكون عاملا من عوامل تفتته: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدوره ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" أخرجه مسلم. والمسلم لا يفقد الشعور بالمسؤولية أبداً.
إنه أمام خالقه مسؤول دائما وباستمرار عن نفسه، وعمّن يعول، مسؤول عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه, مسؤول عن إخوانه المسلمين أن يخالطهم ويعاشرهم ويعاملهم ويصبر على أذاهم: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" أخرجه ابن ماجه.
والمسلم في خِضَمِّ هذا العقل الجمعي كذلك لا يفقد اتزانه، ولا تهزمه حدة انفعالاته، حيث يقول ﷺ "العجلة من الشيطان" أخرجه الترمذي وقال: حسن. ويقول أيضا "ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق" أخرجه أبو داود والترمذي وصححه.
من هذه الأدلة والنصوص يتضح الدور الخطير الذي قام به الإسلام في ترقية الجماعة البشرية والسمو بها فوق نظائرها من أتباع الملل الأخرى. ألا وإنّ روح الإسلام تسري في حنايا المجتمع المسلم فتضيء قلبه، وترشد حواسه وجوارحه إلى أمثل الطرق وأهدى السبل، فيسير على الجادة في غير عوج، ويصبح قدوة لغيره من المجتمعات الأخرى في المعتقدات وألوان السلوك المتعددة ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ، وسوف تتهذّب مسالك الشعوب والأقوام إذا تناولت هذا السراج الوهاج بروح الإنصاف، واستضاءت بما فيه من قِيَمٍ وأهداف, واستخرجت من أحكامه وحكمه الكنوز التي تفاخر بها أمة الإسلام غيرها من الأمم..
إبراهيم محمد سرسيق
المراجع
стр. 5955
- القرآن الكري. م
- كتب السنة المعتمدة.
- د. مصطفى فهمي، د. محمد علي القطان: علم النفس الاجتماعي مكتبة الأنجلو المصرية "١٣٩٥"هـ.
- د. علي أحمد علي: سلوك لإنسان. مكتبة عين شمس بالقاهرة "١٣٩٢"هـ.
- عبد المجيد عبد الرحيم: علم النفس الاجتماعي. مكتبة النهضة المصرية "١٣٩٠"هـ.
- د. عبد العزيز القوصي: علم النفس مكتبة النهضة المصرية "١٣٧٥"هـ
- د. عبد السلام عبد الغفار: علم النفس "مذكرات مدونة لطلاب كلية التربية بجامعة عين شمس بالقاهرة".
الغزو الشيوعي
إنّ الدولة الشيوعية كانت سخية جدا في تقديم المنح والبعثات الدراسية لأبناء تلك المنطقة، وإنّ وعي الشيوعية الكبير جعلهم لا يفكرون في إنشاء دور تعليمية وجامعات في البلاد العربية, ولا حتى مساعدة الدول العربية في هذا المجال؛ لأن الشيوعية لا يؤمنون بجدوى ذلك، لأن المجتمع هناك إسلامي ولا يمكن لأي جامعة أو معهد أن يؤتي أكله وثماره التي يريدها الشيوعيون في مجتمع مثل هذا. والشيوعيون لا يريدون مساعدة العالم العربي حبا في عيونه، ولكن لأهداف بعيدة ولخدمة الحركة الشيوعية التي تريد أن تطوق الإسلام وتقتله, ولا يمكن لهذه الأهداف أن تتحقق إلاّ بخلق كادر من شباب تلك المنطقة يستعبدون أرواحهم, ويحيلونهم إلى دمى تتحرك بأزرار مثبتة في موسكو, لذلك فإنّ أمثل مكان يمكن فيه صناعة مثل هذه الدمى بكل المواصفات اللازمة هو الدول الشيوعية نفسها؛ لأنّ هناك كل شيء معد ومرتّب ومدروس، وذلك لبلبلة أفكار الشباب, وضعضعة إيمانهم, وجرّهم في منعطفات ومزالق الشهوة، ثم بعد ذلك تلقينهم الأفكار الإلحادية، نعم إنّ خير مكان هو الدول الشيوعية نفسها، والتي تكتظ الآن بالآلاف المؤلّفة من أبناء الدول العربية والإفريقية.
مجلة المجتمع العدد ٣٠٨ الثلاثاء ١٦ رجب ١٣٩٦ هـ
стр. 5956
--------------------------------------------------------------------------------
[١] عبد المجيد عبد الحليم: علم النفس الاجتماعي ص٦٢ مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة
стр. 5957
الإسلام وتحديات العصر
لفضيلة الشيخ محمد أحمد أبو النصر
المدرس بمعهد الجامعة الثانوي
انتصر الإسلام بمبادئه الروحية, وقوة عطائه, وتحدّيه لأصحاب ديانات حرفوها بأفكارهم وفلسفاتهم, وانتصارهم لماديات طاغية, ولم يتمكّنوا من التعادلية بين المادة والروح, واستمر ركب التاريخ في مسيرته، تنهض دول وتنتصر بفضل قلوب عامرة بالإيمان، وتموت دويلات بالإغراق في الترف والفجور، تلك سنة الله في خلقه, ولن تجد لسنة الله تبديلا. وجاء على لسان ابن حزم: "إنّ الله رتب الطبيعة على أنها لا تستحيل أبداً، ولا يمكن تبدلها عند كل ذي عقل، كطبيعة الإنسان بأن يكون ممكناً له التصرف في العلوم والصناعات إن لم تعترضه آفة، وطبيعة الحمير والبغال بأنه غير ممكن منها ذلك، وكطبيعة البُرِّ أن لا ينيب شعيراً ولا جوزاً، وهكذا كل ما في العالم والقوم مقرون بالصفات وهي الطبيعة نفسها.. وهكذا كل شيء له صفة ذاتية فهذه هي الطبيعة.
ومع استقراء أحداث التاريخ نجد أنّ سنن الكون وطبائع الأشياء لا تتناقض مطلقا.
стр. 5958
فهذا هو سيد البشرية وإمام الهداة والمصلحين استطاع في فترة وجيزة لا تربو على ربع قرن من الزمان أن يسحق إمبراطوريتين من أعظم إمبراطوريات العالم بقادة عظام صنعوا هذا التاريخ العظيم، ويقلب التاريخ رأسا على عقب, وأن يكبح جماح أمة اتخذت الصحراء المحترقة سكنا لها، واشتهرت بالشجاعة ورباطة الجأش والأخذ بالثأر، ولم تستطع الدولة الرومانية أو الدولة الفارسية أن تنتصر على الأمة المسلمة. وليس أدنى شك عندي أو عند أي مؤرخ منصف أنّ القوة الخارقة للعادة التي استطاع محمد ﷺ وأصحابه أن يقهر بها أعداءهُ هي من عند الله. كان محمد ﷺ هو أول قائد في الإسلام.. حقيقة لا مرية فيها.. النبوة كانت أولا.. ثم القيادة.. إنّ الرسول العظيم لم ينشأ قائدا, ولم يدخل كلية حربية, ولكنه اضطر إلى القتال حتى يدفع الأذى عنه وعن أهله وصحبه, فالقيادة عند رسولنا لم تكن هواية أو احترافاً, وإنما كانت مسؤولية تاريخية حتمية فرضتها مصلحة الدعوة, واحتياجات الدفاع, وحماية المؤمنين, الذين صبّ عليهم المشركون العذاب صبّاً.
وهو - في مركز القيادة - لم يبدأ أحدا بالعدوان, ولم يحارب إلا للدفع، ولا جرم أن كان من الخير أن يشرع استعمال القوة لحماية السلام من أعدائه في الداخل والخارج ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ [١] ..
والإسلام فأول ما يلاحظ فيه اشتقاق اسمه من مادة السلام, فالإسلام والسلام من مادة واحدة.
стр. 5959
ومن أسماء الله في القرآن "السلام" ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [٢] .
وتحية أبناء الإسلام حين يلتقون "السلام عليكم ورحمة الله", وهي تحية لنبيه في الصلاة "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته".
وباب من أوسع أبواب المسجد الحرام في مكة, وأحد أبواب المسجد النبوي في المدينة المنورة يسمى "باب السلام", وجنة الخلد وهي مثوى المؤمنين الصالحين في الحياة الآخرة تسمى "دار السلام": ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [٣] بل إنّ من يتبع آيات ربنا الباهرات في القرآن المجيد يجد أنّ لفظ "السلم"وما اشتق منه ورد فيما يزيد على ١٣٣ آية. بينما لم يرِد لفظ الحرب في القرآن كله إلا في ست آيات فقط.
ويصرّح كتاب ربنا بأنّ الأمل المرجو والهدى المطلوبة من اتباع الإسلام هو الاهتداء إلى طرق السلام والنور ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٤] .
فالإسلام دين سلام.. وقد أمر الله رسوله أن يدعوا الناس كافة إلى عبادة الله, وأن يكون سبيله إلى ذلك الحكمة والموعظة الحسنة, وليس العنف والإكراه والقتال" ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [٥] .
стр. 5960
وهذه الحضارة الإنسانية التي بزغت بمولد الرسول الكريم هي التي وقف في طريقها (شارل مارتل) , وكان الغربيون الذين لا يعرفون شيئا عن الإسلام يمجّدون هذا القائد بل يقدسونه، فلما ظهر فيهم من أدرك أهداف الرسالة الإسلامية السامية, وعرف حقيقة دعواها, وعظيم فحواها, تغيّر حكمهم على تلك الحادثة التاريخية واعتبرها كثير من المستشرقين انتكاسة للإنسانية, والحضارة يوم أن انتصر شارل مارتل على القائد الإسلامي عبد الرحمن الغافقي في معركة (تور) وتقوقعت الحضارة الزاهية في الأندلس بعد أن نشرت العلم والحضارة والنور, وقال مسيو هنري دي شامبون:
"لولا انتصار جيش شارل مارتل الهمجي على تقدم العرب في فرنسا، لما وقعت فرنسا في ظلمات القرون الوسطى، ولما أصيبت بفظائعها، ولا كابدت المذابح الأهلية الناشئة عن التعصب الديني والمذهب، ولولا ذلك الانتصار البربري على العرب لنجت إسبانيا من وصمة محاكم التفتيش. ولولا ذلك لما تأخر سير المدينة ثمانية قرون. نحن مدينون للشعوب العربية بكل محامد حضارتنا: في العلم، والفن، والصناعة, مع أننا نزعم السيطرة على تلك الشعوب العريضة في الفضائل, وحسبها أنها كانت مقال الكمال البشري مدة ثمانية قرون, بينما كنا يومئذ مثال الهمجية. وإنه لكذب وافتراء وما ندعيه من أنّ الزمان قد اختلف، وأنهم صاروا يمثلون اليوم ما كنا نمثله نحن فيما مضى".
стр. 5961
وتوالت علينا الحروب من مغولية وتترية وصليبية بهدف القضاء على الإسلام، ونحن لا ننكر الحقيقة التاريخية المؤلمة, إنّ المسلمين استكانوا للدعة والترف وحب الحياة وكراهية الموت، وبهرتهم الحضارة المادية الأوربية، فأصابهم الوهن والضعف والخور. وواجه أبناء الأمة الإسلامية التحديات التي وجهت إليهم ابتداء من الحروب الصليبية، حتى زرع إسرائيل في قلب العالم الإسلامي، وتوالت الهزائم والنكسات على العرب والمسلمين, ومزّقوا شرّ ممزّق نتيجة ابتعادهم عن كتاب الله وسنة رسول الله.. وفي صبر ومعاناة وعودة إلى ربهم كانت لهم ضربة في شهر رمضان المعظم أثارت إعجاب العالم وأعادت للمسلمين بعض هيبتهم, وحقق الإنسان المسلم بعض أمل كان يراود شباب هذا الجيل.. وغدا يحقّق حضارته وأمجاده القديمة, وتقول زيجربد هونسكه:
"إنّ هذه الطفرة العلمية الجبّارة التي نهض بها أبناء الصحراء ومن العدم من أعجب النهضات العلمية الحقيقية في تاريخ العقل البشري, فسيادة أبناء الصحراء التي فرضوها على الشعوب ذات الثقافات القديمة وحيدة في نوعها، وإن الإنسان ليقف حائراً أمام هذه المعجزة العقلية الجبارة، هذه المعجزة العربية التي لا نظير لها والتي يحار الإنسان في تعليلها وتكييفها.
إذ كيف كان من المستطاع أنّ شعباً لم يسبق له أن يلعب دوراً سياسيا أو ثقافيا من قبل يظهر بغية إلى الوجود, ويسمع العالم صوته, ويملي عليه إرادته, ويفرض عليه تعاليمه، وفي زمن قصير أصبح نداً لليونان. إنّ هذه المنزلة التي بلغها العرب أبناء الصحراء لم تبلغها شعوب أخرى كانت أحسن حالا وأرفع مكانة".
стр. 5962
إنّ أصواتا كثيرة ترتفع في العالم الإسلامي مطالبة بالعمل الجاد المستمر على بعث تراثنا الخالد, وحضارتنا العريقة, حتى يقف العالم على المساهمة الفعالة لعلمائنا خلال أزمان سحيقة وعصور وسيطة, مما دفع (روجر بيكون) في محاضرة له في جامعة اكسفورد يعلن على العالم "إنّ وجود الفكر الأوربي والعلم الأوربي كان مستحيلا لولا وجود المعارف الإسلامية. لقد هبت أوربا تواجه الحياة وهي مدينة بكل مقوماتها إلى العالم الإسلامي".
وفي أول مؤتمر عن الحضارة العربية والإسلامية والأمريكية الذي عقد في (واشنطن) خلال شهر شوال ١٣٩٦هـ, واشترك فيه علماء من الدول الإسلامية والعربية, قدم البروفيسور (وليام لوكتنزج أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا) :
".. أنه بالنسبة للأمريكيين فإنّ العرب أناس يعيشون خارج التاريخ، ورغم الحضارة الإسلامية التي تمتد بذورها إلى آلاف السنين، فإنّ جميع المؤرخين الأمريكيين وبلا استثناء ومهما كان موضوع الدراسة أو البحث كانوا لا يذكرون للعرب والمسلمين تاريخا أو حضارة أو تأثيرا على الحضارات الأخرى, وأرجع هذا الجهل للعلماء الأمريكيين العميق بتاريخ العرب والمسلمين، ولكنه حمل العالم الإسلامي جزءا من هذه المسؤولية", واختتم محاضرته قائلا:
стр. 5963
"لأول مرة وبصورة فعّالة بدأ الأمريكي المثقف يدرك العالم العربي, ويعرف أشياء عن العالم العربي والديانة الإسلامية، وبينما كان العربي يصوّر في الماضي على أنه معدم فقير، تغيّرت الصورة إلى العربي الذي يشتري قصراً في لندن إذا لم يجد حجرة خالية في فندق, وتمنى أن يتمكن علماء من العالم الإسلامي والأمريكاني من إمكانية التفاهم وتبادل الحضارتين, ومنذ أيام نشرت الصحف أنّ إسرائيل قامت بإصدار سفر ضخم تمتهن فيه عقليات العلماء, وتحاول طمس التاريخ وتزييف الحقائق حول التراث الحضاري للبشرية. وقد أصدرت دور النشر اليهودية كتابا جديدا حول التراث الحضاري للبشرية ثم ترجمته إلى لغات العالم, ويدور هذا البحث حول إيهام العالم أن اليهود هم أصحاب الدور التاريخي في بعث الحضارة, أمّا العرب فهم أعداء الإنسانية بل أعداء الحضارة البشرية!
وقد أذاعت وكالات الأنباء أنّ علماء المملكة العربية السعودية قد هبوا مشكورين للدفاع عن قصة الوهم الملفقة لليهود, وطالبوا علماء الإسلام في كل مكان للرد على هذا الكتاب, وإعداد أبحاث تاريخية علمية تتضمن الحقائق الثابتة عن حضارة العالم.. وأنّ المؤرخين المعاصرين قد أسعدهم تقديم الإمكانيات العلمية والمادية من المملكة العربية السعودية حتى يتمكنوا من كشف الزيف التاريخي واختلاق وقائع مدسوسة لإقناع الجيل الجديد من شاب العالم بأن اليهود هم صناع الحضارة في العالم. مع العلم بأنّ العالم ودارس التاريخ يعلمان تماما أن اليهود ليست لهم حضارة على الإطلاق كما يؤكد ذلك المؤرخ الأوربي جوستاف لوبون.
стр. 5964
وأنا أقول أنّ اليهود لهم تاريخ عريق في الحضارة, ولكن في الوحشية وبقر بطون الحوامل, وسفك دماء الأنبياء قديما, وقتل الشيوخ والأطفال في دير ياسين وفلسطين حديثا, وما زالت أصابع الصهيونية تؤدي دورها في هدم حضارة العالم, وتمييع أخلاق الشباب, وإفساد أخلاقيات كبار المسؤولين حتى تتمكن من السيطرة وفرض نظريات التلمود.. أنّهم شعب الله المختار!.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] سورة الحج الآيتان ٤٠، ٤١.
[٢] سورة الحشر الآية ٢٣.
[٣] سورة الأنعام الآية ١٢٧.
[٤] سورة المائدة الآيتان ١٥-١٦.
[٥] سورة النحل الآية ١٢٥.
стр. 5965
من وحي القوة في الإسلام
لفضيلة الشيخ أحمد عبد الرحيم السايح
الإسلام دين أحيا الله به قلوبا أماتتها الشهوات، وأنقذ به عقولا سممتها الشكوك والشبهات، وأحل به من الأغلال، أفكارا قيدتها الخرافات وسجنتها التخرصات، وجدع به أنوفا شمخت بها الجاهلية الجهلاء..
وهو دين ينشط الإنسان للعمل، ويحث على طلب العلم، ويدعو لاحترامه واستثماره..
وهو دين العقيدة الرائقة، التي تطهر النفس، وتزكي القلب، وتربي الخلق وتغذي العقل، وتوقف الغريزة عند حدها، وتعطي مطمح من مطامح الإنسان معناه الذاتي وسيره الطبيعي..
والإسلام عقيدة استعلاء.. تبعث في روح المؤمن الإحساس بالعزة من غير، وروح الثقة من لير اغترار.
وهذه العقيدة الإسلامية.. كفيلة بتعديل القيم والموازين، والحكم والتقدير والمنهج والسلوك، والوسائل والأسباب.
والإسلام بجانب هذا.. دين المسالمة مع المسالمين، والردع للمعادين.. نور يهدي.. ونار تحرق الطغاة الآثمين يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، فإذا جد الجد كان الصخرة التي يتحطم عليها كل جبار عنيد. ويطلب من المسلمين أن يكونوا على حذر في وقت السلم، حتى لا يؤاخذوا على غرة.. ويدعو المسلمين إلى الاستشهاد من أجل عزة الإسلام، ولا يعدل الجهاد في سبيل الله، مال، ولا ولد، ولا والد ولا عشيرة، ولا أهل.. والدفاع عن العقيدة والبلاد الإسلامية، من أسمى أهداف الإسلام. ولهذا كله قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [١] .
стр. 5966
فالاستعداد بما في الطوق.. فريضة الجهاد في سبيل الله. والإسلام يأمر بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وأسبابها.. قوة العقيدة لأنها أسس الفضائل، وقوام الضمائر، وسند العزائم في الشدائد، وبلسم الصبر عند المصائب، وعماد الرضا والقناعة، ونور الأمل في الصدور، وعزاء القلوب إذا نزلت بالإنسان نازلة..
والأمة الإسلامية في هذا العصر، الذي تكالبت فيه قوى الإلحاد، والمذاهب الهدامة، في أشد ما تكون إلى قوة العقيدة. وبالعقيدة القوية.. نستطيع أن نواجه تحديات العصر المسعورة من شيوعية، واشتراكية، وتقدمية، وثورية، وحتمية، وغيرها من ألفاظ قاموس الفكر الإلحادي الماركسي..
وقد تعلمنا من المعارك التي خاضها المسلمون، وانتصرت فيها الجيوش الإسلامية.. سواء في غزوة بدر أو القادسية، أو اليرموك، أو حطين أو عين جالوت، أو العاشر من رمضان تعلّمنا: أن الوسائل المادية ليست وحدها هي التي تفصل في المعارك. ولا يوجد ما يصون الاستعداد العسكري إلا العقيدة؛ لأنها هي التي تربط القلوب بالله، وتصل قوة المجاهدين بالقوة الكبرى التي لا تغلب..
ولو انتظر المسلمون في غزوة بدر الكبرى، حتى تتكافأ قوتهم، وقوة خصومهم، ما قامت للمسلمين قائمة.. إنما القلة المؤمنة بعقيدتها.. استعدت بقدر ما استطاعت، ثم خاضت المعركة فكان فيها الفرقان.. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ, يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ, خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [٢] .
стр. 5967
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [٣] .
وفي هذه الآية ينادي رب العزة الذين آمنوا.. وخطاب المسلمين المؤمنين بصيغة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا..﴾ هو أمثل أنواع الخطاب، إبانة لحقيقتهم, هذا بجانب ما ينطوي عليه الخطاب من الدلالة على السمو والفضل.., وفي النداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾ زيادة إيناس وتكريم للمؤمنين بعقيدتهم. وأحب شيء إلى الإنسان هو: أن تناديه بما يدل على تكريمه. والله يُشعِرُ بهذا النداء المؤمنين بأنه يخاطب أقرب الأشياء إلى المسلمين. فما في الإنسان شيء أقرب إلى الله من الإيمان به..
والله سجانه وتعالى حينما يتوجه إلى المؤمنين من خلال إيمانهم، بصيغة فعل الأمر مثل قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ..﴾ , أو بصيغة النداء مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾ يكون التالي تعليما بموجبات هذا الإيمان، وحثا على القيام بها، في أي شأن من الشؤون، وفي أي درب من ضروب الحياة..
ومن هذا ندرك أنّ الإسلام قد انطوى على طاقة فعّالة، جعلت منه قوة هائلة, بل إنّ فاعلية الإسلام شملت حياة المسلمين في جميع جوانبها..
فما أجدر أبناء الأمة الإسلامية، أن يهتموا بتعاليم الإسلام، وآدابه، ويتمسكوا بما جاء به من التوجيهات وإرشادات..
стр. 5968
وللأمة الإسلامية في عقيدتها، قوة لا تدانيها قوة في القضاء على تخويف الملاحدة، وسماسرة الشيوعية [٤] .
والله يعلم أنّ هذه الأمة لن تجد الطريق ميسّرة لها, وممهدة لنشر مبادئها.. ويعلم أن الباطل من دأبه أن يزداد شراسة وتنمرا، كلما وجد الحق تعلو كلمته.. محاولا القضاء على الحق، وأهله، في غير مبالاة لعهد أو قرابة أو إنسانية..
وحينئذ لا بد أن يتخذ أهل الحق عدتهم, ويحموا أنفسهم ودينهم, ولذلك أمر الله الرسول ﷺ , وأمته بالاستعداد الدائم والرباط المستمر.. تلبية لأية إشارة واستجابة لأول دعوة إلى الجهاد. [٥] .
والتاريخ العربي قبل الإسلام.. حافل بذكر أقاصيص الحروب التي كانت تنشب بين القبائل العربية، كحرب البسوس، وحرب داحس, وحرب الغبراء، وغيرها، على النحو الذي أصبحت معه تلك الحروب من خصائص المجتمع العربي في العصر الجاهلي.. وكان الدافع لشن تلك الحروب، الرغبة في المغامرات طلباً لمغنم، أو تحقيقا لزعامة، أو طلبا لثأر، أو رداً لاعتبار، أو نزعة حيوانية.
على أنّ هذه الأنماط من الحروب، ذات الطبيعة الاعتدائية، باتت تتغير وتنحصر، مع انتشار العقيدة الإسلامية ودخول الناس في دين الله..
حيث أنّ المسلمين أنفوا أن يتخذوا من الحروب وسيلة للإيذاء، وأداة للثأر والاعتداء. وإنما الظروف القاسية ألجأت المسلمين إلى تكثيف القوى، وتجميع الطاقات..
وذلك أن قوى الشر والضلال.. تعمل في هذه الأرض.. والمعركة مستمرة بين الخير والشر.. والصراع قائم بين قوى الإيمان، وقوى الطغيان منذ خلق الله الإنسان في هذا الوجود..
стр. 5969
والشر جامع، والباطل مسلح، وهو يبطش غير متحرج، ويضرب غير متورع. فلا بد للحق من قوة تحمي من البطش، وتقي من الفتنة, وتحرس من الأشواك والسموم.. ولم يشأ الله أن يترك الإيمان والحق والخير دون قوة، تكافح قوى الطغيان والشر والباطل والإلحاد..؛لأن القوة التي يملكها الباطل، قد تزلزل القلوب، وتفتن الناس، وتزيغ الفطر.. ولهذا أمر الله المسلمين بإعداد القوة، فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [٦] ..
وعندئذ أذن الله للمسلمين في القتال, قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [٧] .
والقتال في الإسلام.. جعل من غرضين أساسيين:
الغرض الأول: الدفاع عن النفس عند الاعتداء عليها، والدفاع عن الأرض, والبلاد التي يعيش المسلمون فيها..
الغرض الثاني: الدفاع عن الدعوة الإسلامية، والتعاليم الإلهية، حماية للحاملين مشعلها، وإفساح الطريق أمام الدعوة، ورسالة الحق..
стр. 5970
ومن هذين الغرضين ندرك أن القتال في الإسلام، لم يشرع لتوسيع سلطان أو الغلبة والقهر، أو استعباد الشعوب، واستنزاف خيراتها، ولو ترك المشركون يعتذرون على المسلمين، ويقاومون الدعوة, ويصدون الناس عن الدخول في دين الله, ولم يشرع القتال في الإسلام، لطغى الباطل على الحق، وتضرّرت البلاد، وطمست معالم الدعوة.. ولولم يشرع القتال في الإسلام.. لبقى العالم من أقصاه إلى أقصاه، يئنّ ويرزح تحت وطأة الجهل والظلم والاستعباد..
وشعار الحروب الإسلامية.. الحرص على السلام والأمن، لجميع بني الإنسان في هذا الوجود.. ومن هنا صار الجهاد بوجه عام، مبدأ من مبادئ الإسلام التي أخذت مكانتها بين عقائده وفروعه, واستقرت دعوة القرآن إلى الجهاد على عمومه، متعلقة بذمة المسلمين جماعة وأفرادا [٨] . ويقول صاحب البصائر [٩] : "الجهاد: الطاقة والمشقة، وقيل بالفتح: المشقة، وبالضم: الوسع. وقيل الجهاد ما يجهد الإنسان.. قال تعالى في سورة التوبة: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِم﴾ أي حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم..
والاجتهاد: أخذ النفس ببذل الطاقة, وتحمل المشقة في العبادة، يقال: جهدت رأيي واجتهدت: أتعبته بالفكر والجهاد.. والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو. وقال ﷺ : "المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله" [١٠] ..
وقد يطلق الجهاد, ويراد به معنى يشمل القتال وغيره، كالجهاد بالمال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [١١] ..
стр. 5971
و (؟) الجهاد بالكلمة منطوقة أو مكتوبة.. كجهاد الكافرين والمنافقين المذكور في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [١٢] ..
ومنه جهاد النفس، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [١٣] فإن السورة مكية ولم يفرض قتال في مكة، وهذا المعنى للجهاد، هو المعنى العام، المأخوذ من المعنى اللغوي، الذي هو بذل الجهد والطاقة..
وقد ورد لفظ الجهاد في القرآن الكريم ثلاثين مرة. وورد كثيراً بلفظ القتال المرادف له، وكلاهما يرد أحيانا مقرونا وسبيل الله..
والأمة الإسلامية في حاجة إلى استيقاظ كل الخلايا فيها، واحتشاد كل قواها، وتوفر كل استعدادها، وتجمع كل طاقاتها..
ومن الواضح أن كلمة قوة، والتي جاءت في آية سورة الأنفال، التي تأمر بإعداد القوة. كلمة قوة هذه جاءت نكرة عامة, أتدري لم كان ذلك؟
لتشمل إعداد القوة بما يتناسب مع التقدم العلمي في كل مجالات الحياة، وتفيد الأمة أن إعداد القوة، هو ما يتفق مع استطاعة الأمة الإسلامية, فلا يستساغ أن ينتظر المسلمون ريثما يتم إعداد قوة تكافئ قوة العدو لأن ذلك قد يطول.
стр. 5972
وقد خطب عبد الله بن رواحة في جنده يشجعهم على لقاء العدو، حينما فزعوا من كثرة عَدده، وعُدده في غزوة مؤتة فقال: "يا قوم إن التي تكرهونها لهي الشهادة التي خرجتم تطلبونها، والله ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدد، ولا بكثرة سلاح، ولا بكثرة خيول, ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به.. انطلقوا, فوالله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان, ويوم أحد ما معنا إلا فرس واحد.. انطلقوا, فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور عليهم فذلك ماوعدنا الله ورسوله, وليس لوعده خلف..وإما الشهادة فنلحق بالإخوان، نرافقهم في الجنان" [١٤] .
وروى الواقدي عن أبي هريرة قال: "شهدت يوم مؤتة, فلما دنا المشركون منّا رأينا ما لا قبل لأحد به من العدة، والسلاح، والكراع، والحرير، والديباج، والذهب.. فبرق بصري, فقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة: كأنك ترى جموعا كثيرة؟ قلت: نعم. قال: إنك لم تشهد بدراً معنا, إنّا لم ننتصر بالكثرة" [١٥] .
والأمثلة من واقع صفحات التاريخ الإسلامي كثيرة، وكلها تشهد لجنود الجيش الإسلامي بالصدق والإيمان. فما كانوا يرهبون الردى، يقدمون غير هيابين، ولا وجلين, على حد القائل:
على أيّ جنب كان في الله مصرعي
ولست أبالي حين أقتل مسلما
فلم ينظروا إلى كثرة جنود الأعداء، وحتى لو عرفوا, فما كان يحملهم ذلك على التراجع أو التردد.. وفي الوقت نفسه كان لهم من إيمانهم بالله، وثقتهم في النصر.. كان لهم من ذلك ما يدفعهم إلى الإقدام, وهم على حد قول محمد إقبال:
سرنا على موج البحار بحارا
كنا جبالا في الجبال وربما
لم نخش يوما غاشما جبارا
كنا نقدم للسيوف صدورنا
قبل الكتائب يفتح الأمصارا
بمعابد الإفرنج كان أذاننا
سجداتنا والأرض تقذف نارا
لم تنس إفريقيا ولا صحراؤها
تنبت من حولنا الأزهارا
وكأن ظل السيف ظل حديقة
стр. 5973
والأمة الإسلامية في أشد ما تكون إلى بطولة الأبطال، وحزم الرجال.. ونحن في حاجة إلى جيش إسلامي يعدّ إعدادا إسلاميا خاصا. وبهذا يمكن أن نتصدى لكل محاولات الأعداء, حتى ولو كانت من الداخل، وما أكثر محاولات الأعداء. فالأحزاب البعيدة عن الإسلام والتي تحكم بعض شعوب البلاد الإسلامية، يمكن أن تشكل خطرا جسيما، وبخاصة بعد تحالفها مع الأحزاب الشيوعية.. والأنظمة المستبدة يمكن أن تشكل خطرا، والأفكار المستوردة يمكن أن تكون أشد خطرا, وهناك من الفوضويين والمتمردين والأصوليين ما يسيء إلى البلاد الإسلامية..
ولهذا وغير هذا, كان على الأمة الإسلامية أن تفكر جديا، في أمر البلاد الإسلامية، وإنقاذ شعوبها من قسوة الأحزاب المستبدة، والأفكار الحمراء. وإن الشعوب تئن وتتوجع, ولا يصح أن نرى المد الإسلامي ينحسر، ونقف مكتوفي الأيدي، أو نزيد من الحوقلة، أو نقف موقف اللامبالين.. إن شؤون المسلمين تنادي المسلمين: أين أنتم, وأين مكانكم؟
إن الأمر بالإعداد يجب أن يستمر, ولا يتوقف، ورسول الله ﵊ لم يتوان ولم يتمهل في إعداد المسلمين إعداداً يتفق مع بناء دولة الإسلام. وكان المسلمون أقوياء في عقيدتهم، وأقوياء في إيمانهم، وأقوياء في فكرهم وثقافتهم وأخلاقهم وسلوكهم.
أحمد عبد الرحيم السايح
--------------------------------------------------------------------------------
[١] سورة الأنفال الآية رقم ٦٠.
[٢] سورة التوبة الاية رقم ٢٠ إلى ٢٢.
[٣] سورة الصف الآية رقم ١٠ إلى ١٣.
[٤] انظر مقالنا: "من وحي الإسلام بمجلة الجندي المسلم العدد العاشر الرياض.
[٥] انظر: مكتبة الإمام. عدد٥ ص٢٧ وزارة الأوقاف المصرية.
[٦] سورة الأنفال، الآية رقم ٦٠.
[٧] سورة الحج، الآيتان ٢٩، ٣٠.
[٨] راجع: سبل السلام للصنعاني، الجزء الرابع ص٥٤.
стр. 5974
[٩] صاحب البصائر هو: الفيروز أبادي. صاحب كتاب (بصائر ذي التمييز في ألطاف الكتاب العزيز) وهو كتاب عظيم يقع في خمسة مجلدات، وقد قام المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بطبعه.. وبصيرة الجهاد تجدها في الجزء الثاني. من ص٤٠١.
[١٠] رواه الترمذي وابن حبان كما في الجامع الصغير.
[١١] سورة التوبة، الآية رقم ٢٠.
[١٢] سورة التحريم، الآية رقم ٩، وسورة التوبة الآية رقم ٧٣.
[١٣] سورة العنكبوت، الآية رقم ٦٩.
[١٤] صورة من حياة الرسول ص٥١٧.
[١٥] صورة من حياة الرسول ص٥١٦.
стр. 5975
الضوء القرآني على كتابة العلوي حول النبهاني
بقلم عبد القادر بن حبيب الله السندي
المدرس بمعهد الحرم المكي
الحمد لله وكفى وصلاة وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
فهذه حلقة ثانية من المقال الذي نشرته مجلة الجامعة الإسلامية الغراء في عددها الصادر الثالث من السنة الثامنة في شهر ذي الحجة لعام ١٣٩٥هديسمبر لعام ١٩٧٥م, والذي وعدت فيه القراء الكرام بإتمام الموضوع في حلقات مسلسلة, وها أنا مع الموعد المذكور داعيا المولى الكريم أن يهدينا جميعا إلى صراطه المستقيم، ومنهجه القويم الذي رسمه الله جل وعلا على لسان المصطفى ﷺ للإنسانية كلها.
стр. 5976
وكم كنت سعيدا في هذه الكتابة المتواضعة بأن تكون مناقشي مع إنسان فاضل كريم ينتسب إلى رسول الله ﷺ نسبا وصهرا، فوالله إن له في نفسي لمنزلة كبيرة من الناحية المذكورة, وأما الحق فهو واضح بيِّن لا غبار عليه أمام من رزقه الله تعالى فهما ثاقبا، وعلما نافعاً، وبصيرة تامة، ولقد ظل رسول الله ﷺ في حياته المكية بصفة خاصة بعد البعثة شارحا هذه الدعوة الكريمة التي لأجلها خلق الله الكون، وبعث الرسل، ولقد ضرب رسول الله عليه وسلم أمثلة رائعة في دعوته السامية أثناء وجوده بمكة والمدينة أثناء أسفاره المتعددة لإعلاء كلمة الله تعالى حتى لقي ربه جل وعلا، فلم يترك خيرا ﷺ إلا ودلّ الأمة إليه، ولم يترك شرا إلا وحذر الأمة منه فكان أعظم الخير الذي أتي به ﷺ هو توحيد الله تعالى ذاتا وصفة وعبادة فهو محور أساسي للكائنات كلها تدور حوله جميع أعمال الخير والبر, إن صح هذا الأساس أو البنيان فقد صحت بقية الأعمال, والعكس بالعكس، ومن أعظم الشر الذي حذر منه رسول الله ﷺ الأمة هو الشرك بجميع أنواعه الظاهرة والباطنة.
стр. 5977
ولقد شرح القرآن الكريم هذين المعنيين وكذا السنة النبوية المطهرة شرحا وافيا وفصّلاه تفصيلا كاملا فلم يتركا المجال لأحد كائن من كان ممّن ادّعى النبوغ في البلاغة والفصاحة أن يخالف هذا الأساس المتين, والبرهان الواضح, والحجة القوية الباهرة ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ_ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ_ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [١] . ولقد ظل النبهاني الذي مدحتموه في رسالتكم مخالفا لدعوة رسول الله ﷺ طوال حياته ظاهرا، وباطنا، وأما الظاهر فقد أوضحت ذلك في المقال السابق لكونه تولى تلك المناصب الهائلة ضاربا بأحكام الباري جل وعلا, وأحكام رسوله ﷺ عرض الحائط, ولم يبال بشيء رادع يردعه عما أقبل عليه وفرح به من تحاكمه وحكمه إلى الطاغوت الكافر اللعين، وأما الباطن فلتَنكُّرِه لدعوة رسول الله ﷺ , وهي دعوة التوحيد الخالص, فكتب كتاباً خبيثا لا يزال وصمة عار يحارب فيه أولئك الأمجاد الكرام من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, الذين جدد الله تعالى بهم الدين، وأعلى بهم كلمته, ونشر بهم رسالة نبيه ﷺ . وا أسفاه على النبهاني وعلى اتباعه الذين يمجدونه ويرفعون ذكره، وحاله معروف واضح أمام من أُعطي أدنى فهم وعلم، ومعرفة في الدين، ولقد زعم النبهاني في كتابه "شواهد الحق"- وهي شواهد الضلال والكفر- أن الآيات القرآنية التي ساقها في التوحيد ونبذ الشرك، إنها لم تكن تشمل المؤمنين الموحدين في نظره، وليست العبرة بعموم اللفظ عنده، وقد خالف في ذلك جهابذة المفسرين, ومع ذلك هو متمكن في اللغة
стр. 5978
العربية ومتبحر فيها، ها أنا أبدأ بالرد عليه فيما زعم, وحرّف كتاب الله تعالى, مستمدا العون من الباري جل وعلا، والتوفيق والسداد في القول والعمل, مسترشداً في ذلك بما جاء عن الله تعالى، في كتابه الحكيم، وفي صحيح سنة رسوله الكريم ﷺ , وبأقوال أهل العلم من السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
نعم زعم النبهاني في هذا الكتاب: أنّ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [٢] , وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [٣] , وكذا قوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [٤] , وقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ [٥] , وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [٦] , وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [٧] , وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
стр. 5979
وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [٨] . قال الشيخ النبهاني عقب هذه الآيات: "وأمثال هذه الآيات كثير في القرآن كلها حملها - أي محمد بن عبد الوهاب- على الموحدين", وقال في موضع آخر من كتابه - قبل سرد هذه الآيات- "وزعم - أي محمد بن عبد الوهاب - أنّ ذلك كله شرك، وحمل الآيات التي نزلت في المشركين على الخواص، والعوام من المؤمنين.."ثم ساق هذه الآيات الكريمات.
стр. 5980
فأقول: ولقد صدق العلامة محمود شكري الألوسي في كتابه (غاية الأماني في الرد على النبهاني) إذ قال رحمه الله تعالى: "فإن الرجل جاهل - أي يوسف النبهاني - كما ستعلمه من رد كتابه هذا, سقيم الفهم بأخبار العدول الثقات ورواية الصادقين من الرواة، وما نشره من هذيانه الصريح، أعدل شاهد على ذلك, وأصح دليل على ما هناك, فضلا عما ذكره فيه جهابذة العصر الذين رأوه, وخالطوه، وعرفوا حاله، وشاهدوا أعماله.."، ثم ذكر فيه بقية الكلام [٩] قلت: الآية التي ساقها النبهاني من سورة الأحقاف وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ إنّ هذه الآية نزلت بمكة تصف حال المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام, وهي اللاّت, والعزى, والهبل, وغيرها من الأصنام, والآية تحكي قصة حال المشركين، وعن سفاهة عقولهم، وفساد فطرتهم إذ كانوا يدعون من دون الله تعالى هذه الأصنام, وإن كانت عبادتهم، ودعاؤهم لم تكن مقصودة لها، لأنهم اتخذوها علامات، وشعائر لأصحابها, لكي يتصوروا وجودهم عن طريق هذه الأجسام الحجرية عند الدعاء والاستغاثة بهم، ولقد أخرج الإمام البخاري في الصحيح، وكذا ابن المنذر وابن مردويه في تفسيرهما عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العربِ بعدُ، أمَّا ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني عطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان, وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع, أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت" [١٠] . قلت فهذه الرواية الصحيحة تزيل شبهة قوية تمسك بها النبهاني, ومن سار
стр. 5981
على منهجه من الأقزام بأن قريشاً كانت تعبد الأصنام الحجرية معتقدة فيها الخير والشر, والأمر ليس كذلك, وإنما كانت تعبد مسمّياتها كما تشير إليه هذه الرواية. ولقد شرح هذه الرواية الحافظ في الفتح شرحا مفصلا, وردّ على الواقدي في زعمه إذ قال: "كان ودّ على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس, ونسر على صورة طائر"، ثم قال الحافظ: "وهذا شاذ والمشهور أنهم كانوا على صورة البشر، وهو مقتضى ما تقدم من الآثار في سبب عبادتها والله أعلم" [١١] . قلت: الذي حكم عليه بالشذوذ فهو منكر؛ لأن الواقدي متهم بالكذب فلا عبرة بروايته، وأما أصنام قريش فمنها اللات، والعزى، والهبل, وأساف, ونائلة, فهي أيضا أسماء لرجال صالحين, قال الإمام ابن الأثير في النهاية: "وفي حديث مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ قال: "كان رجل يلت السويق لهم"، يريد أن أصله (اللاّت) بالتشديد؛ لأن الصنم سمي باسم الذي كان يلتّ السويق عند الأصنام، أي يخلطه فخُفِّفَ، وجعل اسما للصنم". [١٢] وقد أخرج البخاري في الصحيح بإسناد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ : "كان اللات رجلا يلتّ السويق للحاج" [١٣] , وقال الحافظ في الفتح: "وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس: - ولفظه فيه زيادة - "كان يلتّ السويق على الحجر، فلا يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه"، واختلف في اسم هذا الرجل, فروى الفاكهي من طريق مجاهد قال: "كان رجل في الجاهلية على صخرة بالطائف، وعليها له غنم, فكان يسلو من رسلها، ويأخذ من زبيب الطائف والأقط فيجعل منه حيسا, ويطعم من يمر به من الناس، فلما مات عبدوه" [١٤] ، ثم قال الحافظ: "فقد أخرج الفاكهي من وجه آخر عن ابن عباس: "أن اللات لما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت، ولكنه دخل الصخرة فعبدوها، وبنوا عليها بيتا", وقد
стр. 5982
تقدم في مناقب قريش أن عمرو بن لحي هو الذي حمل العرب على عبادة الأصنام" [١٥] قلت: وهكذا سائر الأصنام التي عبدت من دون الله تعالى كانت هي علامات وشعائر فقط، وإنما العبادة كانت لمسمياتها كما روى لك حبر الأمة، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد عرف الإمام ابن الأثير - وهو إمام في اللغة - الصنم بقوله: "قد تكرّر فيه الصنم والأصنام: وهو ما اتخذ إلها من دون الله تعالى، وقيل: هو ما كان له جسم أو صورة، فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن" [١٦] قلت: فعلى هذا التعريف تدخل فيه القبور وغيرها التي تعبد من دون الله تعالى، وإن كانت عبارتها راجعة إلى الشيطان لا إلى أصحابها إلا إذا كانوا راضين بها في حياتهم فهؤلاء هم الطواغيت. وقد أوقع رسول الله ﷺ اللعن على الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد, سداً للذرائع, وقطعا لوشيجة الشرك. ومن الجهل الواضح أن يقال لإنسان يدعو غير الله تعالى في أمر لا مجال للمخلوق ولا قدرة له على إنجازة ثم يكون هذا الداعي لغير الله تعالى والمستغيث بسواه موحدا ومؤمنا في نظره, كما زعم النبهاني في كتابه (شواهد الحق) . نعم يجب على المسلم أن يفكر في هذه الآية الكريمة, وما في معناها, وفي سياقها البليغ الفصيح الذي لا قدرة للإنسان مطلقا أن يأتي بشيء من هذا الأسلوب البلاغي الحكيم, إذ يقول جل وعلا ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ فاستعمل جل وعلا في هذا السياق المبارك لفظة (مَنْ) وهي تستعمل لذوي العقول عند جميع أهل اللغة, ما عدا النبهاني ومن سار على نهجه في الضلالة؛ فإنه خالف اللغة العربية وقواعدها, ولقد سبق أن خالف السنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام, وخالف نص القرآن الكريم، وظاهره، ومنطوقه، ومفهومه، ولو لم يكن كما ذكر, فكيف ارتضى لنفسه أن
стр. 5983
يقبل رئاسة محكمة الحقوق المدنية ببيروت، ومات عليها, وهي محكمة لا دينية ولا مذهبية, وكيف ينسب نفسه إلى الشافعي وهو بريء منه، ولقد سبق أن نقلت عن غاية الأماني في الرد على النبهاني ما قال فيه جهابذة العصر، وكيف جاز لمحب آل البيت النبوي أن يخالف النظام السماوي العادل المبارك الذي أتى به رسول الله ﷺ من عند مولاه جل وعلا، فكما ارتكب النبهاني في قبوله تلك المناصب الكفرية جريمة كبيرة, ارتكب في تفسير هذه الآيات القرآنية وتحريفها على غير مراد الله جل وعلا، وعلى غير مراد رسوله ﷺ ، إنها محنة عظيمة للإسلام أن يبتلى بأشخاص لاحظَّ لهم من العلم النبوي الصحيح؛ من علم الكتاب والسنة وإجماع الأمة من السلف الصالح, فيفتوا الناس بالضلال، والكفر، فضلوا أضلوا.
نعم لازلت في تفسير هذه الآية الكريمة من سورة الأحقاف بأن الأصنام لم تتخذ غاية في الدعاء والعبادة، والاستغاثة، وإنما كان مقصود كفار قريش كما أخرج البخاري وغيره رحمهم الله تعالى في دعائهم واستغاثتهم بهؤلاء الرجال الصالحين, ولهذا يقول جل وعلا في سورة الزمر: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [١٧] .
стр. 5984
ولقد صوّر القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة وغيرها موقفهم من عبادتهم، ودعائهم لغير الله تعالى بأنهم لم يكونوا قد قصدوا دعاءهم وعبادتهم لهذه الأصنام ولا لأصحابها أي مسمياتها, وإنما كان قصدهم من ذلك العمل الشنيع أن يقرب هؤلاء الأصحاب إياهم إلى الله زلفى, فكان المقصود عندهم هو الرب جل وعلا, كما نصت آية الزمر على هذا المعنى، فلم يكن قد اعتقدوا في هذه الأصنام الحجرية وغيرها الضر والنفع ذاتيا. ولقد أوضح القرآن الكريم هذا المعنى في آية أخرى من سورة الأعراف ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [١٨] . وقد أورد الإمام السيوطي في تفسيره الدر المنثور أثرا إذ قال رحمه الله تعالى: "أخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظي رضي الله تعالى عنه، في قوله تعالى ﴿وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ , قال رحمه الله تعالى: "كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح فنشأ قوم بعدهم يأخذون كأخذهم في العبادة، فقال لهم إبليس: "لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم"، فصوروا ثم ماتوا فنشأ قوم بعدهم، فقال لهم إبليس: "إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدونها", فعبدوها" [١٩] , قلت: فالأمر في ذلك واضح بيِّن جلي, لا يخفى على أحد إلاّ من خبثت فطرته، وبخست قريحته من عبّاد القبور والأضرحة, وقد عاملهم الشيطان نفس المعاملة التي عاملها قوم نوح ثم مع قريش، وقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير مفسرا هذه الآية الكريمة ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ : استفهام على سبيل الإنكار, والمعنى أنه لا أمر أبعدُ عن الحق، وأقرب إلى الجهل ممن يدعو من دون الله الأصنام فيتخذها آلهة، ويعبدها، وهي إذا دعيت لا تسمع، ولا تصح منها الإجابة لا في الحال، ولا بعد ذلك اليوم إلى يوم القيامة"ثم قال رحمه الله
стр. 5985
تعالى: "وقال بعضهم: بل المراد عبدة الملائكة وعيسى؛ فإنهم في يوم القيامة لمظهرون عداوة هؤلاء العابدين". قلت: هذا المعنى هو الصحيح؛ لأنه يؤيده قوله تعالى ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ , وكيف يعقل وصف الأصنام وهي جمادات بالغفلة, وكيف جاز وصف الأصنام بما لا يليق إلا بالعقلاء؟ وهي لفظة (مَنْ) , وقوله ﴿غَافِلُونَ﴾ ، أجاب الإمام الرازي عن هذا الاعتراض مع ذكره بقوله: "قلنا إنهم لمّا عبدوها، ونزّلوها منزلة من يضر وينفع صح أن يقال فيها إنها بمنزلة الغافل الذي لا يسمع، ولا يجيب"، ثم قال: وهذا هو الجواب أيضا عن قوله: "إن لفظة (مَنْ) ولفظة (هُم) كيف يليق بها"قلت: مع منزلته العلمية الكبيرة في الإسلام وباعه الطويل في الكلام والفلسفة وغيرها من العلوم, لم يصب الإجابة الصحيحة إلا في آخر كلامه إذ قال رحمه الله تعالى: "وأيضا يجوز أن يراد كل معبود من دون الله من الملائكة, وعيسى, وعزير، والأصنام, إلا أنه غُلِّب غير الأوثان على الأوثان" [٢٠] . قلت: هذا المعنى الأخير الذي ذكره هو الوجيه والموزون لأنه أيده القرآن الكريم في مواضع كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [٢١] قلت: فهذه الآية نص صريح على أنهم عبدوا عيسى ﵊، واستغاثوا به ودعوه في
стр. 5986
أمورلم تكن له بها قوة على كشفها عنهم, إذا كان عيسى ﵊ وغيره من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام قد عبدوا من دون الله تعالى كما نص القرآن الكريم فغيره من الأولياء والصالحين من أمة محمد ﷺ من باب أولى. ولما لاحظ الصديق ﵁ هذا المعنى في الأمة المحمدية فألقى أول خطبة بعد الخلافة كما أخرجها البخاري في الصحيح وابن ماجه في السنن، والإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂، وجاء في تلك الخطبة التاريخية المباركة: فتكلم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ حتى فرغ من الآية ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية، ثم قال: "فمن كان يعبد الله فإنّ الله حيٌّ, ومن كان يعبد محمداً فإن محمد قد مات"، فقال عمر: "وإنها لفي كتاب الله ما شعرت أنها في كتاب الله"، ثم قال عمر: "يا أيها الناس هذا أبو بكر وهو ذو شيبة المسلمين، فبايعوه، فبايعوه", ثم ذكر الحديث [٢٢] قلت: فهل كان أبو بكر وعمر وهابيين في نظر النبهاني، وأتباعه؟ لولا خوف الصديق رضي الله تعالى عنه عن وقوع الأمة في الشرك لما كان رضي الله تعالى عنه قد خطب بهذه الخطبة بهذه الصراحة الواضحة في هذا الوقت الحرج على الأمة، وقد أخرج الإمام البخاري رحمه الله تعالى في جامع الصحيح من خطبة عمر ﵁ في هذا الباب أيضا, وذلك من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر، وذلك في الغد من يوم توفي رسول الله ﷺ ، فتشهد، وأبو بكر صامت لا يتكلم، قال: "كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا", يريد بذلك أن يكون آخرهم، ثم قال رضي الله تعالى عنه: "فإن يك
стр. 5987
محمد ﷺ قد مات، فإن الله قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به بما هدى الله محمداً ﷺ "، ثم ذكر الحديث [٢٣] . ولقد برع الحافظ في الفتح في الكلام على هذا الحديث براعة علمية لا نظير لها في عصره فيما علمت، إذ تكلم على تخريج الحديث وزياداته وفنون إسناده، ولطائف معانيه فجزاه الله تعالى خير الجزاء، ولم يترك شبهة إلا أزالها، وأثبت رحمه الله تعالى تلك المعاني السامية التي حملها هذا الحديث الشريف في طياته، في إثبات الهداية القرآنية الإلهية، وكذا أثبت وفاة الرسول ﷺ وفاة حقيقية، وأنّ البقاء لله جل وعلا, ولا يزال القرآن الكريم يدعو بصراحة في آياته، وسوره إلى المقصد الأعلى والأسمى الذي بعث لأجله رسول الله ﷺ ، وسائر إخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في تثبيت العقيدة الصافية النقية، هي عقيدة توحيد الألوهية, وعقيدة توحيد الأسماء والصفات، فلا مجال لهؤلاء الخفافيش ولا قدرة لهم في الإساءة إلى هذا الأصل العظيم، والبنيان الراسخ والحجة القوية الباهرة التي ترك عليها رسول الله ﷺ أمته, ولا يمكن أن تنجح دعوة ما كائنة ما كانت إن خالفت هذا الأصل الوثيق والخط المستقيم، والمنهج الرفيع فإن دعا أحد إلى إصلاح أحوال البشرية على غير الخط الذي رسمه القرآن الكريم، والسنة المطهرة فإن دعوته لا تنجح أبداً فإن ضربت لك أمثلة حية على ما قلت ناقلا ذلك عن الحوادث التاريخية المتواترة منذ أن طلع نجم الإسلام في الآفاق إلى يومنا هذا لما كانت تكفيني هذه الصفحات, وللعاقل اللبيب أن يقلِّب صفحات التاريخ الإسلامي الحافل, أو ينظر فيما وقع أمام عينه، وبصره من حوادث خطيرة ضاعت فيها النفوس البريئة، وانتهكت لها الأعراض, وسفكت عليها الدماء, ونهبت فيها الأموال, ثم يتذكر بعثة رسول الله ﷺ , هذا الانقلاب التاريخي العظيم الذي تنفست
стр. 5988
فيه الإنسانية لأول مرة في التاريخ الإنساني الطويل, بنفس راحة، وعزة، وكرامة, وشرف، وغير ذلك من المعاني السامية نعلم بهذا التقرير الواضح أنّ النبهاني كان كاذبا في دعواه الذي ادعاه؛ وهو ليس هناك شركٌ ولا كفر في أمة محمد ﷺ ، وأنّ تلك الآيات القرآنية التي ساقها في كتابه, وزعم أنها لا تشمل المؤمنين الموحدين الحاليين في نظره ولو دعوا غير الله تعالى، واستغاثوا به، وأن دعاء الأموات والاستغاثة بهم وهم في قبورهم ليس بشرك، وإنما الشرك في نظره الدعاء للأصنام فقط، ولا يبالي بالقواعد الأساسية التي وضعها علماء التفسير من السلف الصالح في فن أصول التفسير (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) .
стр. 5989
ماذا يقول النبهاني وأتباعه ومقلّدوه في آية الحج وهي قوله - جل وعلا -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [٢٤] قلت: لم تترك هذه الآية الكريمة أي شبهة قد يتمسك بها أهل الباطل, فإنها تصرح أن الذي يستحق الدعاء والاستغاثة لا بد من أن توجد فيه صفة الخالق, وهي أن يخلق الذباب، ولقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في سورة فاطر إذ قال جل وعلا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً﴾ [٢٥] قلت: هذه الآية تفنّد الشبه التي تمسك بها النبهاني وأتباعه, والآية صريحة واضحة بيّنة لا غبار على معناها، أنّ من يُدعى من دون الله يجب فيه أن تتوفر فيه هذه الصفة التي نص عليها القرآن الحكيم, وهي أن يخلق أرضا، أو يكون له شرك مع الله تعالى في خلق السماوات، فلما لم توجد هذه الصفة, ولن توجد في مخلوق ما مهما بلغ الرتبة العليا في منزلته عند مولاه جل وعلا, فلا حق له أن يسمح لأحد بدعائه إياه في أمر لا مجال له، ولا قدرة معه على كشف الأمور المفصلة التي اختص الله تعالى وحده على كشفها وحلها، وهنا آية أخرى مماثلة في هذا المعنى في سورة الرعد: إذ قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ
стр. 5990
هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [٢٦] قلت: هذا وصف دقيق فيمن يستحق الدعاء، والاستغاثة, والخوف, والخشية, والرجاء, والتوكل, والإنابة، والاستعانة، وغير ذلك من العبادات.
فهل يوجد هذا الوصف الذي أورده القرآن الكريم في سوره وآياته في غير الله تعالى من نبي مرسل، وولي صالح وشهيد؟ حتى يستحق الدعاء والاستغاثة؟ لا والله ورب محمد ﷺ .
следующие страницы →