Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
أمورلم تكن له بها قوة على كشفها عنهم, إذا كان عيسى ﵊ وغيره من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام قد عبدوا من دون الله تعالى كما نص القرآن الكريم فغيره من الأولياء والصالحين من أمة محمد ﷺ من باب أولى. ولما لاحظ الصديق ﵁ هذا المعنى في الأمة المحمدية فألقى أول خطبة بعد الخلافة كما أخرجها البخاري في الصحيح وابن ماجه في السنن، والإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂، وجاء في تلك الخطبة التاريخية المباركة: فتكلم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ حتى فرغ من الآية ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية، ثم قال: "فمن كان يعبد الله فإنّ الله حيٌّ, ومن كان يعبد محمداً فإن محمد قد مات"، فقال عمر: "وإنها لفي كتاب الله ما شعرت أنها في كتاب الله"، ثم قال عمر: "يا أيها الناس هذا أبو بكر وهو ذو شيبة المسلمين، فبايعوه، فبايعوه", ثم ذكر الحديث [٢٢] قلت: فهل كان أبو بكر وعمر وهابيين في نظر النبهاني، وأتباعه؟ لولا خوف الصديق رضي الله تعالى عنه عن وقوع الأمة في الشرك لما كان رضي الله تعالى عنه قد خطب بهذه الخطبة بهذه الصراحة الواضحة في هذا الوقت الحرج على الأمة، وقد أخرج الإمام البخاري رحمه الله تعالى في جامع الصحيح من خطبة عمر ﵁ في هذا الباب أيضا, وذلك من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر، وذلك في الغد من يوم توفي رسول الله ﷺ ، فتشهد، وأبو بكر صامت لا يتكلم، قال: "كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا", يريد بذلك أن يكون آخرهم، ثم قال رضي الله تعالى عنه: "فإن يك
стр. 5987
محمد ﷺ قد مات، فإن الله قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به بما هدى الله محمداً ﷺ "، ثم ذكر الحديث [٢٣] . ولقد برع الحافظ في الفتح في الكلام على هذا الحديث براعة علمية لا نظير لها في عصره فيما علمت، إذ تكلم على تخريج الحديث وزياداته وفنون إسناده، ولطائف معانيه فجزاه الله تعالى خير الجزاء، ولم يترك شبهة إلا أزالها، وأثبت رحمه الله تعالى تلك المعاني السامية التي حملها هذا الحديث الشريف في طياته، في إثبات الهداية القرآنية الإلهية، وكذا أثبت وفاة الرسول ﷺ وفاة حقيقية، وأنّ البقاء لله جل وعلا, ولا يزال القرآن الكريم يدعو بصراحة في آياته، وسوره إلى المقصد الأعلى والأسمى الذي بعث لأجله رسول الله ﷺ ، وسائر إخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في تثبيت العقيدة الصافية النقية، هي عقيدة توحيد الألوهية, وعقيدة توحيد الأسماء والصفات، فلا مجال لهؤلاء الخفافيش ولا قدرة لهم في الإساءة إلى هذا الأصل العظيم، والبنيان الراسخ والحجة القوية الباهرة التي ترك عليها رسول الله ﷺ أمته, ولا يمكن أن تنجح دعوة ما كائنة ما كانت إن خالفت هذا الأصل الوثيق والخط المستقيم، والمنهج الرفيع فإن دعا أحد إلى إصلاح أحوال البشرية على غير الخط الذي رسمه القرآن الكريم، والسنة المطهرة فإن دعوته لا تنجح أبداً فإن ضربت لك أمثلة حية على ما قلت ناقلا ذلك عن الحوادث التاريخية المتواترة منذ أن طلع نجم الإسلام في الآفاق إلى يومنا هذا لما كانت تكفيني هذه الصفحات, وللعاقل اللبيب أن يقلِّب صفحات التاريخ الإسلامي الحافل, أو ينظر فيما وقع أمام عينه، وبصره من حوادث خطيرة ضاعت فيها النفوس البريئة، وانتهكت لها الأعراض, وسفكت عليها الدماء, ونهبت فيها الأموال, ثم يتذكر بعثة رسول الله ﷺ , هذا الانقلاب التاريخي العظيم الذي تنفست
стр. 5988
فيه الإنسانية لأول مرة في التاريخ الإنساني الطويل, بنفس راحة، وعزة، وكرامة, وشرف، وغير ذلك من المعاني السامية نعلم بهذا التقرير الواضح أنّ النبهاني كان كاذبا في دعواه الذي ادعاه؛ وهو ليس هناك شركٌ ولا كفر في أمة محمد ﷺ ، وأنّ تلك الآيات القرآنية التي ساقها في كتابه, وزعم أنها لا تشمل المؤمنين الموحدين الحاليين في نظره ولو دعوا غير الله تعالى، واستغاثوا به، وأن دعاء الأموات والاستغاثة بهم وهم في قبورهم ليس بشرك، وإنما الشرك في نظره الدعاء للأصنام فقط، ولا يبالي بالقواعد الأساسية التي وضعها علماء التفسير من السلف الصالح في فن أصول التفسير (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) .
стр. 5989
ماذا يقول النبهاني وأتباعه ومقلّدوه في آية الحج وهي قوله - جل وعلا -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [٢٤] قلت: لم تترك هذه الآية الكريمة أي شبهة قد يتمسك بها أهل الباطل, فإنها تصرح أن الذي يستحق الدعاء والاستغاثة لا بد من أن توجد فيه صفة الخالق, وهي أن يخلق الذباب، ولقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في سورة فاطر إذ قال جل وعلا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً﴾ [٢٥] قلت: هذه الآية تفنّد الشبه التي تمسك بها النبهاني وأتباعه, والآية صريحة واضحة بيّنة لا غبار على معناها، أنّ من يُدعى من دون الله يجب فيه أن تتوفر فيه هذه الصفة التي نص عليها القرآن الحكيم, وهي أن يخلق أرضا، أو يكون له شرك مع الله تعالى في خلق السماوات، فلما لم توجد هذه الصفة, ولن توجد في مخلوق ما مهما بلغ الرتبة العليا في منزلته عند مولاه جل وعلا, فلا حق له أن يسمح لأحد بدعائه إياه في أمر لا مجال له، ولا قدرة معه على كشف الأمور المفصلة التي اختص الله تعالى وحده على كشفها وحلها، وهنا آية أخرى مماثلة في هذا المعنى في سورة الرعد: إذ قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ
стр. 5990
هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [٢٦] قلت: هذا وصف دقيق فيمن يستحق الدعاء، والاستغاثة, والخوف, والخشية, والرجاء, والتوكل, والإنابة، والاستعانة، وغير ذلك من العبادات.
فهل يوجد هذا الوصف الذي أورده القرآن الكريم في سوره وآياته في غير الله تعالى من نبي مرسل، وولي صالح وشهيد؟ حتى يستحق الدعاء والاستغاثة؟ لا والله ورب محمد ﷺ .
стр. 5991
ويقول ربنا ﵎ في س ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ سورة الأنعام [٢٧] فهذه الآيات كلها تتفق على معنى واحد, ولكن أين العقول الراجحة؟ , والقلوب الواعية؟ , والضمائر الحية؟ تدرك هذا المعنى الظاهر، يقول ﵎ في سورة الأعراف ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ﴾ [٢٨] . فالآيات هذه تنادي بأن الذي أتى به النبهاني أنها فرية عظيمة، وافتراء مكشوف على الإسلام، والمسلمين، وأن الشبه التي تمسك بها شبهة هزيلة نشأت عنده عن جهل مركب, وفساد عريض في قلبه. وقد أكتفي بالكلام على آية الأحقاف عن بقية الكلام غلى الآيات التي ساقها النبهاني؛ فإن الكلام عليها بمثل هذا الكلام الذي أوردته على هذه الآية خوفا من الإطالة، نعم يجب على المسلم التقي البارّ أن يتدبر في آيات القرآن الكريم, التي فصّلت هذه القضية, فشرحتها شرحا وافيا, ولم تترك أي شبهة قد يتمسك بها ممن لا عقل له، ولا ضمير, وقد فسدت قريحته, وخبثت فطرته بحكايات واهية كاذبة، وأرى من الضروري أن أورد هنا قصة غزوة أحد التي فيها عبر، ومواعظ، وما جرى فيها لرسول الله ﷺ في ذلك اليوم العصيب, وما جرى لأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين من محنة عظيمة شاقة, إنها قصة جهاد طويل, وجهود مباركة, أقدم عليها رسول الله ﷺ ومعه أصحابه، أخرج الإمامان البخاري ومسلم، وكذا الترمذي، وابن ماجه في سننيهما، والإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه"أن النبي ﷺ كُسِرَتْ رباعيته يوم أحد، وشُجّ في جبهته، حتى سال الدم على وجهه, فقال صلى
стр. 5992
الله عليه وسلم: "كيف يُفلح قوم فعلوا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم" فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [٢٩] . ولقد عقد الإمام البخاري بابا في الجامع الصحيح بعنوان باب (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب الله عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) ، ثم ذكر الحديث، وقال الحافظ في الفتح شارحا هذا الحديث: "قوله: وقال حميد، وثابت عن أنس: شج النبي ﷺ يوم أحد فقال: "كيف يفلح قوم شجوا بنيهم؟ "فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمرِ شَيْءٌ﴾ ، ثم قال الحافظ: "وقال ابن إسحاق في المغازي: حدثني حميد الطويل عن أنس قال: كسرت رباعية النبي صلى الله عيه وسلم يوم أحد، وشج وجهه فجعل الدم يسيل على وجهه, وجعل يمسح الدم وهو يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم"فأنزل الله الآية، ثم ذكر رواية مسلم، فقال: "وأما حديث ثابت فوصله مسلم من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس "أن النبي ﷺ قال يوم أحد: - وهو يسلت الدم عن وجهه - "كيف يفلح قو شجوا نبيهم"، فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمرِ شَيْءٌ﴾ الآية. وذكر ابن هشام في حديث أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص هو الذي كسر رباعية النبي ﷺ السفلى وجرح شفته السفلى، وأنّ عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شجه في جبهته، وأنّ عبد الله بن قمئه جرحه في وجنته، وأنّ مالك بن سنان مص الدم من وجه رسول الله ﷺ ثم ازدرده، فقال: "لن تمسك النار"، وروى ابن إسحاق من حديث سعد بن أبي وقاص قال: "فما حرصت على قتل رجل حرصي على قتل أخي عتبة بن أبي وقاص لما صنع برسول الله ﷺ يوم أحد". وفي الطبراني من حديث أبي أمامة قال: "رمى عبد الله بن قمئة رسول الله ﷺ يوم أحد فشج وجهه، وكسر رباعيته فقال: "خذها وأنا ابن قمئة"فقال
стр. 5993
رسول الله ﷺ : - وهو يمسح الدم من وجهه -، "مالك أقمأك الله", فسلّط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعة قطعة" [٣٠] قلت: هكذا ترى وتشاهد في هذه القصة ما جرى لرسول الله ﷺ في ذلك اليوم، وما تلفظ به ﷺ عندئذٍ، وماذا كان جواب ربه جل وعلا في تلك الساعة. تدبر أيها المسلم في دعوة القرآن الكريم الصريحة الواضحة، البينة، وماذا جرى لرسول الله ﷺ في سبيل إنجازها، ونشرها، وإيصالها إلى الناس، إقرأ القرآن قراءة تدبر، وإمعان، وتفكير سليم، وافتح قلبك وضميرك لفهمهما، وتلقيهما، وإيّاك وخزعبلات النبهاني والكوثري، والدحلان، ومن سار على نهجهم في الكفر، والضلالة، ثم اقرأ قوله تعالى في سورة الأعراف مرة الثانية ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [٣١] ثم تدبر قصة أحد، وما جرى فيها لرسول الله ﷺ من محنة عظيمة، وما تلفظ به ﷺ . فإنك ستجد بين هذه الآية الكريمة وبين قصة أحد تطابقاً كاملا، وموافقة تامة، وأن الله جل وعلا له حكمة بالغة، فيما جرى لنبيه ﷺ يوم أحد، ويوم حنين، ويوم الطائف قبل الهجرة.
стр. 5994
أخرج مسلم في الصحيح وأبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه في سننهم ومالك في موطئه، والإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضى الله تعالى عنه، وجاء فيه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، وقال مرة: لعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: حمدني عبدي. فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ : قال: مجدني عبدي، أو أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ : قال: فوّض إليّ عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: فهذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، وقال مرة: ما سألني عبدي" ثم ذكر الحديث [٣٢] قلت: فالشاهد في هذا الحديث الصحيح واضح بيّن، وهو عهد قطعه العبد على نفسه، إياك نعبد وإياك نستعين، فالقرآن كله دائر حول هذا العهد, وأنه محور أساسي على صلاح الأعمال، والعقائد, والعبادات, إن صح هذا العهد مع المولى جل وعلا فسوف تصح الأعمال كلها فصلحت الإنسانية به، وإن انتقض كما هو دأب النبهاني، والدحلان، والكوثري وغيرهم وهم كثير، - لا أكثرهم الله تعالى - فسدت الإنسانية كلها بانتقاضها إياه، فحلّت المصائب الكبرى عليها من مرض، وفقر، وجهل, وغير ذلك من المصائب الاجتماعية, والأمراض الفتاكة, والويلات، والحروب، وسفك الدماء، وللمقال بقية في الحلقة القادمة - إن شاء الله تعالى -, وصلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تتمة " من سقطات المنجد "
يقول مؤلف (معجم الأعلام) أخبر المنجد في تعريف سعد بن معاذ ﵁: "حمل اللواء في وقعة بدر, وضمد جرح النبي بعد وقعة أحد, وأخذ حكما في مصير الأسرى من يهود خيبر, فحكم بقتل رجالهم, وسبي نسائهم, واقتسام أموالهم".
стр. 5995
ولا صحة لأيّ من هذه الأخبار الثلاثة؛ فسعد ﵁ كان يحمل راية الأنصار في بدر، وهي غير اللواء الذي كان مع مصعب بن عمير ﵁، ولم يذكر سعد في ضمن جرح رسول الله يوم أحد, ولقد عاجله الأجل قبل غزوة خيبر، وإنما كان تحكيمه في قريظة عقيب الأحزاب..
المجذوب
--------------------------------------------------------------------------------
[١] التوبة آية رقم ١٠٩-١١٠.
[٢] الجن آية رقم ١٨.
[٣] الأحقاف آية رقم ٥.
[٤] الشعراء آية رقم ٢١٣.
[٥] يونس آية رقم ١٠٦.
[٦] الرعد آية رقم ١٤.
[٧] فاطر آية رقم ١٣-١٤.
[٨] الإسراء رقم الآية ٥٦-٥٧.
[٩] غاية الأماني في الرد على النبهاني ١/٥٣.
[١٠] أخرجه البخاري في التفسير سورة رقم ٧١ باب (١) , حديث رقم ٤٩٢٠, ص ٨/٦٦٧ الفتح، انظر الدر المنثور ٨/٢٦٩.
[١١] الفتح ٨/٦٦٩.
[١٢] النهاية لابن الأثير ٤/٣٢٠.
[١٣] البخاري حديث رقم ٤٨٥٩.
[١٤] الفتح ٨/٦١٢.
[١٥] المصدر السابق.
[١٦] النهاية لابن الأثير ٣/٥٦.
[١٧] الزمر رقم الآية ٣.
[١٨] الأعراف رقم الآية ١٩٤.
[١٩] الدر المنثور ٨/٢٦٩.
[٢٠] التفسير الكبير للرازي ٦/٢٧٦.
[٢١] المائدة رقم الآية ١١٦.
[٢٢] أخرجه البخاري في الجامع الصحيح كتاب الأحكام باب رقم ٥١.
[٢٣] المصدر السابق ١٣/٢٠٦ فتح الباري.
[٢٤] سورة الحج آية رقم ٧٣-٧٤.
[٢٥] سورة فاطر آية رقم ٤٠.
[٢٦] سورة الرعد رقم ١٦.
[٢٧] سورة الأنعام رقم الآية ١٠٠.
[٢٨] سورة الأعراف رقم الآية ١٨٨.
[٢٩] آل عمران رقم الآية ١٢٨.
[٣٠] الفتح ٧/٣٦٥-٣٦٦.
[٣١] سورة الأعراف ١٨٨.
стр. 5996
[٣٢] أخرجه مسلم الصلاة حديث رقم ٣٨، وأبو داود في السنن الصلاة باب رقم ١٣٢، والترمذي في السنن في تفسير سورة الفاتحة والنسائي الإفتتاح باب رقم ٢٣، ابن ماجه في الأدب باب رقم ٥٢ الموطأ باب رقم ٣٩، والإمام أحمد في مسنده ٢/٢٤١، ٢/٢٨٥، ٢/٤٦٠.
стр. 5997
من الجاني؟..
للعلامة الشيخ محمد سالم البيحاني ﵀
أن تحسب الأوحال مثل الجفاف
من علّم العذراء ذات العفاف
به وخبث اليوم في الاتصاف
هل يستوي الطهر الذي زينت
تكره هتك الستر والانكشاف
قد كانت العذراء في خدرها
وعاقت الجلباب والالتفات
واليوم ألقت ثوبها والحيا
إلا الثياب المخزيات الخفاف
وانطلقت تمشي وما فوقها
تهتز بين الميس والانعطاف
قد زيّن الشيطان للخَود أن
حمرة فوق شفاةٍ تضاف
تمسح من بودرة وجهها
ورأسها في حجرة كالمضاف
شعورها الحلاّق قد صفها
والعطر قد يخرج منه الرعاف
يصب من عطر على صدرها
يخشى عليها النهب والاختطاف
تخرج من بيت إلى شارع
وتحسب الفخ سرير الزفاف
يوقعها الصياد في فخه
وأصبحت من فعلها لا تخاف
يا ويلها بالليل ماذا جرى
على ربا لبنان أو في الضفاف
لما رأت من غيرها ما رأت
على استواء في اللقا والخلاف
قالت السنا كلنا في الهوى
عملها الرحلة للاصطياف
فمن هو الجاني عليها ومن
بالنجس المستقذر المستعاف
ولم تعد إلا وقد لطخت
وكلها تدعو إلى الانحراف
تحمل في الشنطة أوراقها
ناطقة بالذنب والاعتراف
وربما تنظر في صورة
تشرب خمراً وهي سم زعاف
وفي بيوت السينما دائما
قد فرغت ما فيه بالارتشاف
والكأس قد يسقط من كفها
في حانة تنوي بها الاعتكاف
نعم وقد تسقط سكرانة
يقول عنقود دنا للقطاف
ويرفع القرد لها رأسه
ما كان للدمع الغزير انكفاف
أواه لو ينفع طول البكا
منابر صدعها الارتجاف
لكننا نبكي ومن تحتنا
يشهده اليوم وصحن المطاف
стр. 5998
والحرم الجامع يبكي لما
أقل من هذا فلسنا نخاف
أما إذا كنا على حالة
مهراً كبيراً يوجب الانصراف
لكن من يطلب في بنته
من طلبات قبل يوم الزفاف
يريد منها المال لا ينتهي
آلاف خذها بالبلى والتلاف
يا أيها الطالب في بيته الـ
إلا احتراما ثم رزق الكفاف
والبنت لا تطلب من زوجها
والدلة القهوة ثم اللحاف
ترض بمّا قُدّر من قوتها
محبة الزوجين والائتلاف
ما أحسن المرأة فيما مضى
سيان ذا في حقٍ أو في الهلاف
واليوم لا تسمع إلا الشكا
تلوث البحر من الاغتراف
والسيد المأذون قد قال لي
والأقوياء اليوم مثل الضعاف
لأنهم قد بالغو في الأذى
بأس وهذا ما يثير القذاف
طلق المرأة في غير ما
يضربها بالصارمات الرهاف
والرجل السكران من حمقه
يقول هذا منتهى الاعتساف
يسب منها الأهل والأم لا
ذنوبهم بالكسب والاقتراف
رحماك يا مولاي بالناس من
قبل مجيء الموت والانجعاف
ولا تؤاخذنا بأعمالنا
في جنة الخلد انتهاء المطاف
واختم لنا (بالخير؟) واجعل لنا
стр. 5999
معسكرات الإخاء الإسلامية وأبعادها
بقلم الطالب: سليم ساكت المعاني
كلية الشريعة – السنة الرابعة
إنّ الحركة الكشفية بصفة عامة في الزمن المعاصر، تحدد في أشكالها العديدة، حسب تعريفات الباحثين والقائمين على الحركة الكشفية في العالم بمجرد التجمع الكشفي، كيفما كان شكله، وكيفما كانت حدوده على أساس (التعاون التجمعي والصداقة) تحدد أبعاده ويحدد نطاقه، وتطور وظيفته، وتحدد أنماطه وأشكاله.
أما الحركة الكشفية الإسلامية.. فتضع فواصل ثابتة بين المعسكرات الإخاء الإسلامية. فمعسكرات الإخاء الإسلامية (بالمعنى الحق) هي المعسكرات التجمعية التي تحمل في طياتها كل مبادئ الإسلام. أما ما عداها.. فلم تبلغ حدا من الحضارات التي تستحق ذلك الاسم.. فهي لذلك.. المعسكرات التجمعية المحدودة الفائدة.
فالقائمون على المعسكرات العالمية للتجمع الكشفي.. ينظرون إلى تلك المعسكرات من زاوية محدودة ضيقة أسسها ومرتكزاتها.. التعاون.. والاستعداد.. والصداقة دون مرتكزات فكرية ثابتة تجسد تلك الأسس والمرتكزات في أطر هادفة.. أو قناعة بصدق الدعوة لتلك المعسكرات أو.. الغاية الهادفة.. أو.. سلامتها من الانحرافات الخطيرة.
أما القائمون على معسكرات الإخاء الإسلامية.. فينظرون إلى المعسكرات بشكل عام.. لا على أساس خضوعها لقوانين وأنظمة وضعية.. بل على أساس خضوعها أو عدم خضوعها لمرتكزات فكرية منبثقة من نظام إلهي, لذلك.. تجعل هدفا نبيلا ساميا لا تشوبه شائبة.. أو شبهة مريبة، فتتجاوز النظرة الإسلامية للحركة الكشفية بخضوعها لله العقول القاصرة.. لتكون قانونا فطريا كونيا للتجمع المشروع.
стр. 6000
والتجمعات الكشفية.. التي لم تبلغ حد القانون الفطري الكوني: هي تجمعات قاصرة عن الهدف المنشود, لها أشكالها.. وأنماطها حسب المشرِّعين الوضعيين.. فهي لا تتجاوز حدود أفكارهم الضيقة التي لا تتواءم مع الجماعة الإنسانية كما يتوخاها الفكر الإسلامي، إذ أن قانون تجمع الإخاء الإسلامي ينظر - حسب المقياس الإلهي الفطري - إلى النماذج المتعددة على أنها مختلفة متفاوتة في مقوماتها وأبعادها التي تحدد فيها التجمعات الأبعاد بمختلف صورها وأنماطها. أما قانون التجمع المحدود، فيستقي مقايسه من القوانين الوضعية التي يعطيها درجة واحدة من قيمة الأهداف الإنسانية المزعومة.
بناء على ما تقدم.. فإني أستطيع القول أن أبعادا معينة لا بد أن تكون لفكرة حركة تجمع الإخاء الإسلامي.. وتلك الأبعاد هي:-
الفكرة الإسلامية التي قامت عليها التجمعات (الإخاء) بمفهومه الإسلامي المشرق ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ، و"..المسلم أخو المسلم"ولما لهذا المعنى من إيحاءات رائعة يجسدها اللقاء الروحي الخالد: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف".
١- البعد الأول:
تأخذ تجمعات المؤاخاة الكشفية في الإسلام، في حدودها واتساعها، ونطاقها، معنى واسع المؤدي.. فتمتاز باللقاء الروحي الحالم. إنه واحد يعبد، جنسيات مهما تباينت عرقا.. ولونا.. وانتماء تلتقي وفكرة التوحيد الفذة، ومؤاخاة تعجز كل معاني الصداقة المصطنعة أن تصل لظلال المعاني لهذه الكلمة.. أو.. لأصلها.. "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، و ﴿يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةْ. هذا المفهوم يعجز المجتمع القاصر أن يحققه بمفهوم الصداقة المصطنعة.. فلا معسكرات للبيض.. وأخرى للسود.. ولا نفور.. ولا تقزز.
٢- البعد الثاني:
стр. 6001
بعد أسسها وصفاتها التي تقوم عليها، وترتقي بها إلى أعلى مكانة لها، فإن اختلفت أو بتر بعضها أو.. أزيل..لم تعد تجمعات إسلامية، بل تكون قد انحطت إلى الأسفل.. إلى المستوى القاصر. ومن هذه الصفات والأسس:-
أ - الإخاء، والمودة، والمحبة في الله داخل نواة التجمعات.
ب - التعاون، والتكافل بين أفرادها أيضا.
ج - سلامة التجمعات من المؤثرات السيئة.. أو.. عدم مهادنة المجتمع القاصر، أو الخضوع لمؤثراته.
د - المحافظة على شعائر التوحيد من إقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هـ- التعاضد والتكاتف ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، و.."انصر أخاك ظالما أو مظلوما" بحيث إن لوحظ أنه قد تخطى سبل الرشاد.. نبه لذلك، وإن اعتدي عليه، أو هضم حقه وجد الدعم، والتأييد حتى يعود الحق إلى نصابه.
٣- البعد الثالث:
البعد التكويني لتجمعات الإسلامية على شريعة الله. حيث حقيقة وفلسفة اللقاء تبني على توحيد الله.. ومن ثم الإيمان برسوله، فالإيمان يستلزم العمل، والعمل يستلزم التطبيق لفلسفة الاخوة واللقاء في الله، فبعملية رياضية بحتة:-
إيمان + إخلاص + عمل = لقاء صادق لا يتزعزع.
٤- البعد الرابع:
وهو بعد الروح الإسلامية المهيمنة على حركة التجمعات والإخاء الكشفية الإسلامية. وهذا البعد أساسي لأنه هو الذي يوحد بين الأبعاد الأخرى، ويجعلها تتناسق مع قوانين الكون. حيث الأعضاء العاملون في تجمعات الإخاء الكشفية الإسلامية يعملون من أجل عبادة الله وطاعته، وتنفيذ أوامره، واجتناب نواهيه، ونشر شريعته، وعلى هدى من كتاب الله دون أن يخضعوا للمجتمع القاصر في عاداته، أو تقاليده إذا ما انحرفت عن منهج الله الصحيح.
٥- البعد الخامس:
стр. 6002
للإيمان تأثيرات يعجز العقل القاصر عن فلسفتها.. ونستطيع حصر الأبعاد في:-
أ - الإقدام والتضحية في العمل: انطلاقا من قاعدة فكرية ربانية في التوكل ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾
ب- التفاني والإخلاص في العمل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ، وحديث الرسول ﵇ "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
٦- البعد السادس:
النفسية المؤمنة المطمئنة، وطريقة تعاملها مع المجتمع المسلم، والمجتمعات القاصرة، وتقبلها حكم الله مهما كانت نتائجه، حيث يعجز العقل الجاهلي عن إيجاد التفسيرات المادية لها:-
أ - السلوك الحميد في الأنماط الاجتماعية المختلفة.
ب-طريقة التعامل في المأكل والمشرب، والمنام بين الأفراد المشتركين في تجمعات المؤاخاة الكشفية المسلمة.. إذ أن طبيعة النفس المؤمنة الشفافة الصافية.. لا تعرف التقزز لشفافية وصفاء الروح المؤمنة.
٧- البعد السابع:
تلك هي الأبعاد المحددة.. فإذا ما سقط مفهوم من مفاهيم وركائز تجمعات الإخاء الإسلامية..أو أُبعد.. فإنها تصبح بالتالي.. ضمن تجمعات المجتمع الآخر ومعسكراته.
стр. 6003
حوار بين الليل والنهار
بقلم الطالب عبد الرحمن شميلة الأهدل
قسم الدراسات
وبدا الصّبح فاستنار الفضاء
أحمد الله ما ادلهمّ المساء
في دجى اللّيل واعتلت جوزاء
وصلاة بعدما لاح برق
ما تغنت وغرّدت ورقاء
تَغْشَ طه واله ثم صحباً
بقريض يحبه النبلاء
ثمّت اقرأ مناظرات اجيدت
ونهار يزينه لألأء
بين ليل مدرع بسواد
وإليكم ما يعشق الأدباء
مستعيناً بمالك الخلق طُرّاً
"الفجر واللّيل "
باسم الويه يعتريه حياء
أشرق الفجر ياله من ضياءٍ
يتمطى (كأنّهُ؟) الدّهمآء
وأتى اللّيل في لباسٍ عجيبٍ
ووقارٍ فها به الحلسآء
ثم حيَّا إخوانه باحترامٍ
فاستمرّا وزادت الضّوضاء
وتمارى مع النّهار قليلا
"الفجر "
أيها الغر طبعك الخيلاء
فانبرى الفجر كالشِّهاب ونادى
وضياءً وأمُّك الطخياء
كيف تستطيع أن تفاخر نورا
وقريش جميعهم فضلاء
حسبك الآن أنني من قريش
"الليل "
بعد صبرٍ وطمّت الظُّلماء
فارتمى الليل آنذاك بتيهٍ
فعمري ما أنت إلا وباء
ثم نادى وقال يا صبح أقصرِ
ليس للحمق في البرايا دواء
أنت يا فجر أحمق متعالٍ
أتجاهلت أم أتاك الغباء
أنا عبد وأنت مثلي عُبَيْد
سورة اللّيل هكذا الجهلاء
تدّعى الفخر بالضّياء وتنسى
فتفطن ما قالت الشعراء
تدّعى اليوم نسبة في قريشٍ
بيِّنات أبناؤها أدعياء
والدّعاوى ما لم تقيموا عليها
إنما ذا تقوله السّفهاء
ثم لو صحَّ ما هناك افتخار
غير فضلٍ يناله الأتقياء
شرعنا الحق جاءنا بالتسّاوي
أفجر الخلق ما هناك خفاء
стр. 6004
فأبو الجهل أصله من قريشٍ
وبعز وما به كبرياء
وبلال سما بدين وفضلٍ
أم فخار وسؤدد وعلاء
أأديم البلال عيب ونقصٌ
يرزق الله فضله من يشاء
كان فذاً وكان براً تقياً
"الفجر "
ولهيب وهايت الرّمضاء
بزغ الفجر عند ذاك بشر
وتباري كأنه العنقاء
وتلا بعض سورة النصر فألا
أيُّها اللّيل ما يفيد الرياء
ثم أرسى وخاطب اللّيل جهراً
صح بعض وبعض ذاك افتراء
نلت عرضي ولقَنوك مقالاً
فتعاليت أم هي الشَحناء
أوباءً وجدتني وغبيّاً
أيّها اللّيل أم هي البغضاء
أتراني مع الحماقةِ قِرناً
فتطاولت أم دهاك العماء
أسفيها لقيتني جاهليّاً
وبلاء وزالت النّعماء
أيها الليل زادك الله ضراً
أنا نور يجني السعداء
أنا فجر لكلٍ عيش هنيء
وبفضلي تزين الأجواء
أنا حقاً مكلل تاج عزٍ
ولهذا تحبك الأشقياء
إنما أنت ظالم ذو شقاءٍ
وغرور تحفّه الأهواء
ها هو الغرب في فجور وكفر
ثم جاءت في أثره الفحشاء
أنت فيهم نشرت علمك دهراً
وصفاء وما بذاك مراء
وانظر الشّرق مشرقاً بسناءٍ
وقلوب تقية وهداء
فيه عز مرصع بجلال
وأضلُّوا فهم لنا أعداء
غير بعضٍ تصهينوا ثم ضلُّوا
" اللّيل "
أي صوتٍ فرنت الأصداء
صرخ الليل في النهار بصوت
بانتقاصي ولا أتتها الإطراء
أيها الليل ما اشتفيت لليلاً
وتخيَّلت أنني بكاء
أتراني كما (تظنُّ يباناً؟) .
أنا ليث وفي الحروب مضاء
خاب والله ما تظنُّ ولكن
وقناةٍ صار بها العظماء
فأنا الآن واقف بحسامٍ
وغروراً وأنّ ذاك شقاء
قلت في الغرب أنّ فيه فجوراً
стр. 6005
أيّ ظلم وعمّ فيه البلاء
ثمّ تنسى بأن ّفي الشرق مملماً
يلتقي فيه بالرجال والنساء
أيّها الفجر كم رأينا زقاقا
من شباب تزينه الخنفساء
ثم عيناي آنست فيه فسقا
أين أهل الجهاد والعلماء
إنّ دين الإله حرم هذا
وفساد فأنتم الصلحاء
أنقذوا الدين من سباب دمارٍ
أحقيق محقَّق أم هباء
أيها الفجر هل وعيت مقالي
" الفجر "
وهدوءٍ كأنّه إغماء
نطق الفجر بعد صمت طويل
لهو الحقُّ والطريق السَّواء
أيّها اللّيل إنّ قولك هذا
وحياتي جميعها تعساء
أنا يا ليل في جهادٍ عظيم
تسمع النّصح ما هناك ازدراء
وإذا كنت أيّها اللّيل حقاً
قلَّ فيه الدّعاة والنَّصحاء
فالنجاة النجاة من شرِّ وقتٍ
" الليل "
أيها الفجر ما يفيد الخفاء
أشفق اللّيل عند ذاك ونادى
ونشاطٍ فلا يدوم البقاء
قم بنا الآن للجهاد بجد
"الفجر "
وصفا الودُّ بينهم والإخاء
ضحك الفجر واطمئنَّ بهذا
ونزاع وإن بدت أخطاء
وسماحا لما جرى من شقاق
وصحابٍ ما استوطن الغرباء
ثم صلّوا على الرّسول وآلٍ
стр. 6006
وداع رمضان
للطالب أحمد حسن المعلم
بعثتها بعد انقطاع
رمضان يا عيث النفوس
من الغرائز والطباع
وغرست فيها ما نحب
فوراً أجل من الشعاع
وبعثت في ظلماتها
وتجنبت طرق الضياع
سارت عليه رشيدة
ما يضر من القناع
فعلى يروقك قد تهتك
كل قلب قلب غير واعي
وعلى رعودك قد يتقطمه
الدنيا بأنواع المراعي
وعلى سيولك عادت
خير في كل البقاع
قرعت نفوس المؤمنين الـ
الله في كل إيساعي
وتسابقت ترجو رضاء
عن التخاصم والنزاع
وتجافت الأرواح فيك
بلا انخفاض وارتفاع
وتساوت الطبقات فيك
فقدروا ألم الجياع
جاعت بطون المترفين
المحتاج تنطح بالمتاع
فامتدت الأيدي إلى
في متاهات الصراع
وجمعت أنفسنا وكانت
ذي الأمر المطاع
وتفرغت لعبادة الرحمن
بعد التنابز والقذاع
لهجت بذكر الله من
على التلاوة والسماع
وتعودت فيك النفوس
يجمعنا بعد اتساع
وملأت مسجدنا فضاق
وما أشدك من وداع
واليوم قد حان الوداع
بالقطيعة والضياع
إنني لينذرني وداعك
أنفس بعد ارتفاع
وأخاف أن تنحط بعد
وجئت احلم باجتماع
وأخالني وقد ارتحلت
ولو أتيت بكل داعي
فإذا الجماعة لا تجيب
قل فيها من يراعي
وإذا بحلقتنا المهيبة
أقفرت من كل ساعي
وإذا الطريق إلى المساجد
يعود مأوى للأفاعي
وإذا بمسجدنا الفسيح
إلى القبيح من المساعي
وإذا بأنفسنا تعود
بعد طهر وامتناع
وإذا بالسنتا تلوث
للتناحر والنزاع
وإذا بنا نرتد بعدك
стр. 6007
الفتاوى
الفرق بين الصدقة والهدية
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم (ف: ن:م) وفقه الله لكل خير, آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده:-
كتابكم وصل وصلكم الله بهداه، وما تضمنه من الإفادة أنكم علمتم أن الرسول ﷺ يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة، وسؤالكم عن الفرق بين الصدقة وبين الهدية، والإعانات والهبات؟، وهل يشمل تحريم الصدقة أهل بيت الرسول ﷺ ؟، وهل يشمل ذلك نسل فاطمة ابنته؟، وما هو طريق ثبوت النسب الشريف كان معلوماً؟.
والجواب: الفرق بين الهدية والصدقة، أن الهدية تحفة لا يدفع إليها إلا المحبة والتقدير بخلاف الصدقة التي إنما يكون الدافع إليها العطف والإحسان وطلب الثواب من الله سبحانه، ولهذا أحلت الهدية له ﷺ وحرمت عليه الصدقة، وهكذا أهل بيته تبع له في ذلك, ومنهم نسل فاطمة ابنته ﵂، أما الإعانات والهبات فحكمها حكم الصدقة لا الهدية إن كان صاحبها أراد بها المواساة وطلب الثواب من الله سبحانه، أما إن كان أراد بها التودد إلى المعان والموهوب أو طلب المكافأة منه فهذه في حكم الهدية لأن المهدى إليه يشرع له مكافأة المهدي أو الدعاء له عند العجز عن المكافأة، أما صاحب الصدقة فليس قصده إلا الثواب من الله سبحانه, وليس قصده المكافأة المالية أو التودد والتحبب إلى المهدى إليه، وأما طريق ثبوت النسب الشريف، فذلك يعرف من أمور كثيرة:
النص من المؤرخين الثقات أن البيت الفلاني أو آل فلان من أهل البيت ويعرف أن الشخص الذي يشته فيه من أهل ذلك البيت المنصوص عليه من المؤرخين الثقات.
أحدها:
стр. 6008
أن يكون بيد من يدعي أنه من أهل البيت وثيقة شرعية من بعض القضاة المعتبرين أو العلماء الثقات أنه من أهل البيت، ومنها الاستفاضة عند أهل البلد أن آل فلان من أهل البيت.
ومنها:
وجود بينه عادلة لا تنقص عن اثنين تشهد بذلك، مستندة في شهادتها إلى ما يحسن الاعتماد عليه من تاريخ موثوق أو وثائق معتبرة أو نقل عن أشخاص معتبرين، وأما مجرد الدعوى التي ليس لها مبرر فلا ينبغي الاعتماد عليها لا في هذا ولا في غيره، لكن الشخص الذي يدعي ذلك وهو يعلم أنه صادق بحسب ما قام لديه من الأدلة، فإن عليه أن يمتنع من أخذ الزكاة عملا باعتقاده، ولا يجوز لغيره من العارفين بدعواه أن يدفع إليه الزكاة معاملة له بمقتضى إقراره لكونه بمقتضى إقراره ليس من أهل الزكاة.
ومنها:
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
مآثر الإسلام في الهند
صرّح (الباندت بشمن ناته باندى) عضو البرلمان الهندي بمدينة (اله آباد) : "أنّ الإسلام يعلم دروس الوحدة والتآخي. والنظرية التي عرضها النبي الخاتم على الإنسانية حول القومية والمحبة إنما هي من أمثل الوجهات منقطعة النظير في العالم". وأضاف قائلا: "بأن المستعمرين البريطانيين قدموا الحقائق التاريخية مشوهة, وشوّهوا مآثر الإمبراطورية الإسلامية لغرس النفاق والشقاق بين الشعوب الهندية، وقد شوهوا بخاصة الأعمال الناصعة التي قام بها الملك (أورنك زيب) ".
стр. 6009
أخبار الجامعة
افتتحت كلية الحديث الشريف في الجامعة الإسلامية يوم الأحد الموافق ٢٤/١٠/١٣٩٦هـ. وقد ألقى صاحب الفضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد نائب رئيس الجامعة كلمة بهذه المناسبة, أشاد بأهمية هذه الكلية, وأهمية علم الحديث ومنزلته من بين علوم الشريعة, كما أشار فضيلته إلى أن هذه الكلية هي الأولى من نوعها في العالم الإسلامي, وأن تأسيسها جاء وفقاً لأمنية كثير من رجال العلم والفكر في العالم الإسلامي, وأن هذه الكلية –إن شاء الله- ستكون محققة لآمال وتطلعات أهل العلم والفكر في العالم الإسلامي. ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الكلية هي الكلية الخامسة من كليات الجامعة.
والكلية الأولى هي كلية الشريعة, وقد أسست عام ١٣٨١هـ. والثانية كلية الدعوة وأصول الدين, وقد أسست عام ١٣٨٦هـ. والثالثة كلية القرآن الكريم, وقد أسست عام ١٣٩٤هـ. والرابعة كلية اللغة العربية والآداب ,وقد أسست عام ١٣٩٥هـ.
ونسأل الله العلي القدير أن تؤدي هذه الكلية ثمارها المنشودة, وأن تحقق آمالها المرجوة, وصلى الله عليه وسلم على عبده ورسوله محمد, وعلى آله وصحبه..
الدكتوراه لعميد كلية الشريعة
نوقشت الرسالة المقدمة لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر من فضيلة الشيخ محمد الوائلي عميد كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية في الثامن عشر من رمضان وموضوعها (ابن رجب الحنبلي وأثره في الفقه) , ففازت بدرجة الامتياز من مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطبعها وتبلغ صفحاتها ٦٩٨ صفحة.
والشيخ الوائلي من أبناء الجامعة الإسلامية فقد حصل على إجازة كلية الشريعة "الليسانس"عام ١٣٨٨هـ. وكان ترتيبه الأول في جميع مراحل دراسته.
والماجستير للشيخ ربيع بن هادى
стр. 6010
كما نوقشت الرسالة المقدمة من الشيخ ربيع بن هادي المدخلي لنيل "الماجستير"من قسم الدراسات العليا بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة، وموضوعها (بين الإمامين مسلم والدارقطني في الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على مسلم) , وفازت بدرجة جيد جداً, وعدد صفحاتها ٦٧٧هـ. صفحة.
وحشية اليهود
يقول لوبون: "لم يكن لليهود فنون ولا علوم ولا صناعة ولا أي شيء تقوم به حضارة، واليوم لم يأتوا قط بأية مساعدة مهما صغرت في شيد المعارف البشرية، واليهود لم يجاوزوا قط مرحلة الأمم شبه المتوحشة التي ليس لها تاريخ.
وتاريخ اليهود الكئيب لم يكن غير قصة لضروب المنكرات، فمن حديث الأسارى الذين كانوا ينشرون بالمنشار أحياء، أو الذين كانوا يشوون في الأفران، إلى الملكات اللائي كنّ يطرحن لتأكلهن الكلاب، فإلى سكان المدن الذين كانوا يذبحون من غير تفريق بين الرجال والنساء والشيب والولدان".
و"تأثير اليهود في الحضارات صفر.. وأنّ اليهود لم يستحقوا بأي وجه أن يعدوا من الأمم المتمدنة".
و"لا نجد شعبا عطل من الذوق الفني كما عطل اليهود..".
و"لا أثر للرحمة في وحشية اليهود، فكان الذبح المنظم يعقب كل فتح مهما قل، وكان الأهالي يوقفون فيحكم عليهم بالقتل دفعة واحدة, فيبادون باسم يهود، من غير نظر إلى الجنس ولا إلى السن، وكان التحريق والسلب يلازمان سفك الدماء".
من كتاب (مؤامرة الصهيونية على العالم) تأليف: أحمد عبد الغفور عطار، ص٢٨.
стр. 6011
أبو بكر الباقلاني ومفهومه للإعجاز القرآني
بقلم الدكتور أحمد جمال العمري
الأستاذ المساعد بكلية الدعوة وأصول الدين
يمثّل الباقلاني [١]- بمفهومه للإعجاز القرآني، وبمؤلّفه (إعجاز القرآن) - وجهة نظر جماعة المسلمين. ويعدّ كتابه هذا أول كتاب يصنفه عالم من علماء السلف في الرد على مزاعم الملحدين والمخالفين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم، لذلك بلغ بهذا الكتاب مكانة مرموقة، وشهرة ذائعة، لم يصل إليها أحد غيره.
وقبل أن نتحدث عن مفهوم الباقلاني للإعجاز القرآني.. نوَدُّ أولا أن نتعرف عليه.
اسمه: محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم.. أبو بكر القاضي الباقلاّني البصري المتكلم الفقيه.
الباقلاّني [٢] :. نسبة إلى البَاقِليّ وبيعه.
والبصري.. لأنه نشأ في البصرة، وقضى فيها فترة شبابه، قبل أن يهاجر منها إلى بغداد ليقيم فيها بقية حياته.
والمتكلّم.. لأنه اتجه إلى علم الكلام نظرا لكثرة الملحدين في العراق في القرن الرابع الهجري، وظهور مذهب أبي الحسن الأشعري [٣] ، ودفاعه عن آرائه، وجداله الشديد للمعتزلة وأنصارهم يقولون إنه كان أعرف الناس بعلم الكلام، وأحسنهم خاطراً، وأجودهم لسانا، وأوضحهم بيانا، وأصحهم عبارة.. وله في كتب الكلام آراء كثيرة يعتد بها.
والفقيه.. لأنه كان من كبار فقهاء المذهب المالكي..
стр. 6012
ويعد الباقلاني فيلسوف المذهب الأشعري، الذي بلور آراءه، ونفّذ تعاليمه, يقول ابن تيمية: "إنه أفضل المتكلمين المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري وليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده [٤] ", "عمل على نصرة المذهب، وصار إماما له بعد أن تناوله بالتهذيب، وضع لمسائل العلم المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء، وأن العرض لا يبقى زمانين، وجعل هذه القواعد تبعا للعقائد الدينية في وجوب اعتقادها.. لتوقف تلك الأدلة - في رأيه – عليها؛ ولأن بطلان الدليل يؤذن - يما يقول- ببطلان المدلول [٥] ". وكان –كما يقول الشهرستاني: "يثبت الصفات معاني قائمة به تعالى أحوالا [٦] ".
ذكاؤه وقوة لَسْنُه:
تتحدث المصادر كثيرا عن ذكاء الباقلاّني، وقوة لسنة وحجته، وسرعة بديهته، وإقحامه للخصوم.. أرسله عضد الدولة في سفارة رسمية إلى ملك الروم عام ٣٧١هـ فأدخلوه وهو في عاصمة الروم على بعض القسس, فقال الباقلاني للبابا:
كيف أنت وكيف الأهل والأولاد؟ فتعجب البابا وقال له: ذكر من أرسلك في كتاب الرسالة، أنك لسان الأمة، ومتقدم على علماء الملة.. أما علمت أن المطارنة والرهبان منزهون عن الأهل والأولاد؟ فأجابه الباقلاني: رأيناكم لا تنزهون الله سبحانه عن الأهل والأولاد.. فهل المطارنة عندكم أقدس وأجلّ وأعلى من الله سبحانه؟
فأراد كبير الروم أن يخزي القاضي الباقلاني، فقال له: أخبرني عن قصة عائشة زوج نبيّكم وما قيل فيها؟ فأجابه: هما اثنتان قيل فيهما ما قيل، زوج نبينا، ومريم أم المسيح، فأما زوج نبينا فلم تلد.. وأما مريم فجاءت بولد تحمله على كتفها، وقد برأهما الله مما رميتا به.. فانقطع الرومي ولم يحر جوابا [٧] !!.
стр. 6013
ولقد ذكرت المصادر أن الباقلاني كان في علمه أوحد زمانه، وانتهت إليه الرياسة في مذهبه، وكان موصوفا بجودة الاستنباط وسرعة الجواب, كثير التطويل في المناظرة.. أكسبته عقليته الفذة منزلة رفيعة، ومكانة مرموقة على المستوى العلمي والرسميّ.
"جرى يوما بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة، وأكثر القاضي أبو بكر فيها الكلام، ووسع العبارة، وزاد في الإسهاب، ثم التفت إلى الحاضرين وقال: "اشهدوا علي أنه إن أعاد ما قلت لا غير.. لم أطالبه بالجواب.."فقال الهاروني: اشهدوا عليّ أنه إن أعاد كلام نفسه سلمت له ما قال" [٨] .
شيوخه ومعاصروه:
تلمذ الباقلاني على مجموعة من العلماء كان لهم أكبر الأثر في تغذية عقليته، وصقل موهبته، وتنوع اهتماماته العلمية, منهم:
ابن مجاهد الطائي, وعنه أخذ علم الكلام والفقه المالكي وأصوله.
والشيخ الصالح أبو الحسن الباهلي الذي أخذ عنه علم الأشعري.
ومحمد الأبهري المالكي، والحسين النيسابوري، وأبو بكر بن مالك، وأبو محمد بن ماسي، والقطيعي وغيرهم من أعلام القرن الرابع الهجري في الدين والشريعة [٩] .
كما عاصر الباقلاني مجموعة غير قليلة من العلماء النابهين الذين كان لهم شأنهم في تيار الثقافة الإسلامية, من هؤلاء: إبراهيم بن محمد الإسفراييني (توفي سنة ٤١٨هـ) , وأبو بكر محمد بن الحسن فورك "توفي سنة ٤٠٦هـ"وغيرهما من الأعلام الذين شهد لهم بالمقدرة العلمية. وقد وصفهم الصاحب ابن عباد بقوله: "ابن الباقلاني بحر مغرق، وابن فورك صل مطرق [١٠] والإسفراييني نار تحرق."
تلاميذه:
стр. 6014
أما تلاميذه فهم كثيرون.. يكفي أن نعلم أن الرجل كان يبذل علمه في جامع المنصور ببغداد حيث كانت له حلقة كبيرة، يتحلق فيها مقدرو علمه وطالبو فضله. بيد أن أشهر تلاميذه ما ذكرتهم المصادر القديمة وهم أبو عبد الله الأزدي، وأبو طاهر البغدادي اللذان هاجرا إلى المغرب العربي – القيروان – ونشرا علمه هناك.
آثاره:
أنتجت عقلية الباقلاني مجموعة كثيرة من الكتب الدينية ذات الصبغة الكلامية، والتي تتناول الرد على المخالفين والملحدين والمتفلسفين. يقولون أنه صنف سبعين ألف ورقة في الدفاع عن الدين.. كل ليلة خمسة وثلاثين ورقة, كل ذلك إظهاراً لعلم الرجل، وإبرازاً لمكانته الدينية والعلمية, بيد أن أشهر كتبه على الإطلاق هو كتابه (إعجاز القرآن) الذي حدّد فيه مفهومه للإعجاز القرآني وقد طبع هذا الكتاب مراراً في القاهرة.
ويروى أن له كتابا في (الملل والنحل) وكتابا آخر ذكره صاحب كشف الظنون واسمه (هداية المسترشدين في الكلام) كما ذكرت المصادر له (كتاب الانتصار) و (كتاب التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والرافضة والخوارج) وقد نشر الكتاب الأخير الأستاذان محمود محمد الخضري ومحمد عبد الهادي أبو ريدة.
وفاته:
مات القاضي أبو بكر محمد بن الطيب في يوم السبت لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة (٤٠٣هـ) ﵀.
مفهوم الباقلاني للإعجاز القرآني
стр. 6015
وهب الباقلاني حياته وعلمه للدفاع عن عقيدة السلف، والرد على المخالفين والملحدين من الجهمية والمعتزلة والخوارج وغيرهم. وتعدّ آراء الباقلاني في كتابه (عجاز القرآن) الترجمة العلمية لما جال في خاطره، ولما اعتمل في ذهنه من أمور، حيث وجد أن أنسب ما يمكن أن يقال، هو التأليف حول إعجاز القرآن، وما يربط بهذا الإعجاز من مفاهيم ومضامين، فجاء كتابه من أفضل الكتب العلمية التي تناولت هذا الموضوع.. معبراً عن آراء السلف من علماء القرن الرابع.
لقد اعتبر الرجل تأليفه لهذا الكتاب واجباً دينيا في المرتبة الأولى.. إلى جانب كونه واجبا علميا، لذلك لم يدخر وسعاً، وهو بصدد تحليلاته..من أن يعمق البحث، ويكثر من المناقشة، ويتطرق إلى الكثير من المسائل التي تهمه وتهم الناس, وفي الوقت نفسه ترد على مظان الظانين، وتبطل أقوال الطاعنين.
حدد الباقلاني في فاتحة كتابه.. منهجه في البحث، وغايته منه، بأنه يرمي من وراء ذلك إلى عدة أمور..
- كشف ما كان لأصل الدين قواما.. ولقاعدة التوحيد عماداً ونظاماً.
- وإثبات أن ما جاء به النبي صدقا وبرهانا، ولمعجزته ثبتا وحجة، للرد على ما طعن فيه الطاعنون والملحدون حول أصول الدين.
- ثم نفي كل ما تقوّله المتقولون عن معادلة القرآن وموازنته بالشعر.. اعتمادا على ما توارثوه من أقوال ملحدة قريش وغيرهم.
فإذا ما انتهى من تحديد منهجه وعناصر بحثه، انتقل إلى تفصيل دقائقها حتى يمكنه إحكام القول في هذا الشأن. لذلك قسّم الباقلاني بحثه في إعجاز القرآن.. إلى أربع مراحل أساسية، كل مرحلة توصل إلى ما بعدها وترتبط بها، حتى يتسم عمله بطابع الوضوح، والتكامل الموضوعي والعلمي في آن واحد.
١- مرحلة التمهيد.
٢- مرحلة التفنيد.
٣- مرحلة التحديد.
٤- مرحلة التأييد.
стр. 6016
في المرحلة الأولى: جعل هدفه تنشيط الهمم وتحفيزها على تدارك كتاب الله ثم الدفاع عنه وردّ كل ما أذيع حوله من أباطيل وأكاذيب، ثم التعريض بما ألف حول إعجاز القرآن، وخالف ما عليه أهل السلف عامة.
لقد رأيناه يصدِّر كتابه بمقدمة تمهيدية، يحث فيها المسلمين على تدارك كتاب ربهم، وفهم مضمونه ومشموله للوقوف في وجه الملحدين والمضللين (الذين خاضوا في أصول الدين) وشكّكوا ضعاف الإيمان واليقين. واتخذ سبيلا لذلك إبراز أهمية القرآن الكريم من حيث هو كتاب الله، ومن حيث هو حجة النبوة، ودليل على صدق الدعوة، وصدق النبوة.
وبدأ هذا الأمر بتحفيز أهل الدين على النهوض بواجبهم المقدس نحو الله والناس.. قال: "ومن أهم ما يجب على أهل دين الله كشفه، وأولى ما يلزم بحثه، ما كان لأصل دينهم قواماً، ولقاعدة توحيدهم عماداً ونظاماً، وعلى صدق نبيهم – ﷺ برهانا، ولمعجزته ثبتا وحجة، ولا سيما أن الجهل ممدود الرواق، شديد النفاق، مستول على الآفاق، والعلم إلى عفاء ودروس، وعلى خفاء وطموس، وأهله في جفوة الزمن البهيم، يقاسون من عبوسه لقاء الأسد الشتيم، حتى صار ما يكابدونه قاطعا عن الواجب من سلوك مناهجه، والأخذ في سبله، فإن الناس بين رجلين: ذاهب عن الحق ذاهل عن الرشد، وآخر مصدود عن نصرته، مكدود في صنعته، فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين في أصول الدين، وتشكيكهم أهل الضعف في كل يقين" [١١] .
ويتناول الباقلاني بعد ذلك ما أذاعه الملحدون والمغرضون حول القرآن من أباطيل وافتراءات سبق أن وردت على ألسنة مشركي قريش، منذ أن أنزل الله القرآن على قلب نبيّه.. فنراه يسفّه آراء هؤلاء الملحدين، ويصفهم بالجهل.. والبعد عن الرشد ذلك أن مشركي مكة من قريش قد تابوا وأنابوا، فأسلموا ورجعوا عن غيهم، أما هؤلاء الملحدون فهم على جهلهم ونزقهم وتعصبهم الأعمى الذي لا يستند إلى دليل.
стр. 6017
والباقلاني - وهو بصدد مواجهة هؤلاء الملحدين والمغرضين- يلقى اللوم على علماء العصر، خاصة مَنْ اشتغل منهم باللغة وعلم الكلام، ولم يلتفت إلى توضيح وجوه الإعجاز القرآني، والكشف عن أسرارها، ويحملهم تبعة من خلط في هذه المسائل، متأثرين ببعض مذاهب البراهمة, يقول: "وقد قصّر بعضهم في هذه المسألة - أي مسألة إعجاز القرآن -، حتى أدى ذلك إلى تحوّل قوم منهم إلى مذاهب البراهمة فيها، ورأوا أن عجز أصحابهم عن نصرة هذه المعجزة، يوجب ألا يستنصر فيها ولا وجه لها، حين رأوهم قد برعوا في لطيف ما أبدعوا وانتهوا إلى الغاية فيما أحدثوا ووضعوا، ثم رأوا ما صنفوه في هذا المعنى غير كامل في بابه، ولا مستوفي في وجهه قد أخل بتهذيب طرقه، وأهمل ترتيب بيانه" [١٢] .
بيد أنه يلتمس لبعضهم الأعذار، لأن البحث فيها - أي في مسائل الإعجاز ووجوهه- لم يكن يتيسّر إلا لمن كدّ فكره وأعمل عقله.. وأعدّ لهذه الدراسة نفسه..
"وقد يعذر بعضهم في تَفْريط يقع منه، وذهاب عنه، لأن هذا الباب مما لا يمكن إحكامه إلاّ بعد التقدم في أمور شريفة المحل، عظيمة المقدار، دقيقة المسلك، لطيفة المأخذ.." [١٣]
وفي هذه المرحلة التمهيدية، وقبل أن يبدأ في تنفيذ مخططه، وتوضيح المسائل التي ذكرها في مقدمته، يجد الباقلاني بدافع من غيرته على آراء السلف، وإيمانه الراسخ بها، أن يعرض بكتب الفرق الكلامية الأخرى، خاصة المعتزلة، وقد وجد بغيته في كتاب الجاحظ المعتزلي (نظم القرآن) فوصفه بالقصور والسطحية، وعدم الموضوعية، وأنه لم يأت فيه بجديد، بل هو صنف الجاحظ في نظم القرآن كتابا [١٤] ، لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله [١٥] ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى"يقصد الكشف عن وجوه الإعجاز القرآني وسرها.
стр. 6018
وواضح.. أن الباقلاني – السلفي - متأثر في هذا القول بعقيدته، وبما قاله أصحابه الأشاعرة. وهنا يقف الباقلاني، ليذكر "جملة من القول جامعة تسقط الشبهات، وتزيل الشكوك التي تعرض للجهال، وتنتهي إلى ما يخطر لهم، ويعرض لأفهامهم من الطعن في وجه المعجزة" [١٦]
فتناول مجموعة من القضايا العلمية الهامة التي تتصل بموضوع الإعجاز منها: "ما يجب وصفه من القول في تنزيل متصرفات الخطاب، وترتيب وجوه الكلام، وما تختلف فيه طرق البلاغة، وتتفاوت من جهته سبل البراعة، وما يشتبه له ظاهر الفصاحة، ويختلف فيه المختلفون من أهل صناعة العربية، والمعرفة بلسان العرب في أصل الوضع، ثم ما اختلفت به مذاهب مستعمليه في فنون ما ينقسم إليه الكلام من شعر ورسائل وخطب، وغير ذلك من مجاري الخطاب، وإن كانت هذه الوجوه الثلاثة أصول ما يبين فيه التفاصح وتقصد فيه البلاغة لأن هذه أمور يتعمل لها في الأغلب ولا يتجوز فيها. ثم من بعد هذا الكلام الدائر في محاوراتهم، والتفاوت فيه أكثر لأن التعمل فيه أقل، إلا من غزارة طبع، أو فطانة تصنع وتكلف.. ونشير إلى ما يجب في كل واحد من هذه الطرق، ليعرف عظم محل القرآن، وليعلم ارتفاعه عن مواقع هذه الوجوه، وتجاوزه الحد الذي يصح أو يجوز أن يوازن بينه وبينها، أو يشتبه ذلك على متأمل" [١٧] .
ثم يستطرد الباقلاني كلامه ذاكراً، أنه يعرف تماما أن هذه المسائل لا يستوعبها إلا مَنْ كدَّ فكره، وأعمل عقله، وكان هو أصلا من أهل صناعة العربية، قد وقف على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه، وعرف جملة من طرق المتكلمين، ونظر في شيء من أصول الدين، وإنما ضمّن الله فيه البيان لمثل ما وصفناه، فقال: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُون﴾ [١٨] وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [١٩] .
стр. 6019
إذن، فقد خصّ الباقلاني كتابه بالصفوة المختارة من الباحثين والمتأدبين والعلماء والمثقفين وليس للعامة أو الجهال، وهذا هو محور بحث الرجل، إنه يخاطب فئة معينة من الواعين.
فإذا ما انتهى الباقلاني من هذه المرحلة التمهيدية، وبين هدفه ومبتغاه، انتقل إلى المرحلة التالية.. مرحلة التفنيد.. فقسّم بحثه إلى فصول متوالية، كل فصل يرتبط بما بعده، ويوصل إليه أيضا.. وفي الوقت نفسه يتصل بما قبله. تناول في كل فصل منها ناحية من النواحي التي وعد ببحثها, تمهيداً لإبراز وجوه الإعجاز القرآني.
فافتتح هذه الفصول بفصل تحدث فيه عن نبوة النبي ﷺ , وأنّ معجزتها القرآن, فالرسول وإن كان قد أيّد بعد ذلك بمعجزات جمّة، لا يمكن إنكارها.. إلاّ أنّ معجزة القرآن "كانت معجزة عامة، عمّت الثقلين [٢٠] ، وبقيت بقاء العصرين [٢١] ، ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد، وإن كان قد يعلم بعجز أهل العصر الأول عن الإتيان بمثله وجه دلالته".
ويذكر الباقلاني.. أنه ما خصّص هذا الفصل ولا ألّفه إلاّ للرد على المتكلمين، وتفنيد مزاعمهم.. "لما حكى عن بعضهم أنه زعم أنه وإن كان قد عجز عنه أهل العصر الأول، فليس أهل هذا العصر الأول في الدلالة لأنهم خصّوا بالتحدي دون غيرهم".
ويبيِّنُ الباقلاني خطأ هذا الزعم، ويستدل على ذلك بأدلة من القرآن نفسه وبآيات بينات تثبت أن الله حين ابتعث نبيه، جعل معجزته القرآن، وبنى أمر نبوته عليه.
من ذلك قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [٢٢] فأخبر أنه أنزله ليقع الاهتداء به، ولا يكون كذلك إلا وهو حجة، ولا تكون حجة إن لم تكن معجزة..
стр. 6020
ويرى الباقلاني أنه ما من سورة افتتحت بذكر الحروف المقطعة [٢٣] ، إلا وتدلّ على هذه المعجزة، بل إنّ كثيرا من السور إذا تؤمل - فهو من أوله إلى آخره- مبني على لزوم حجة القرآن والتنبيه على وجه معجزته. ويستشهد على ذلك بسورة المؤمن [٢٤] ، ويحلّلها تحليلا دقيقا يبرز فيها أسرار الإعجاز.
ولا يترك الباقلاني إثبات أنّ نبوة محمد ﷺ مبنية على دلالة معجزة القرآن دون أن يبيِّن ويحدِّد وجه هذه الدلالة.. لذلك أعقب هذا الفصل بفصل في الدلالة على أن القرآن معجزة [٢٥] في ذاته. وقد اعتمد الباقلاني في تبيين وجه الدلالة على أصلين اثنين:
أولهما: إثبات أن القرآن - الذي هو متلو محفوظ مرسوم في المصاحف - هو الذي جاء به النبي ﷺ , وأنه هو الذي تلاه على مَنْ في عصره ثلاثا وعشرين سنة.
ودليل الباقلاني على ذلك.. هو النقل المتواتر، الذي أنه قام به في المواقف، وكتب به إلى البلاد، وتحمّله عنه إليها من تابعه، وأورده على غيره من لم يتابعه، حتى ظهر فيهم الظهور الذي لا يشتبه على أحد، ولا يحتمل أنه قد خرج من أتي بقرآن يتلوه، ويأخذه على غيره, ويأخذ غيره على الناس، حتى انتشر ذلك في أرض العرب كلها, وتعدّى إلى الملوك المصاقبة لهم، كملك الروم والعجم والقبط والحبش وغيرهم من ملوك الأرض.
والأصل الثاني.. هو التحدي.. الذي واجه العرب به؛ ذلك أنه تحداهم إلى أن يأتوا بمثله, وقرعهم على ترك الإتيان به طول السنين التي وصفناها فلم يأتوا بذلك.
стр. 6021
ويستدل الباقلاني على صحة هذا الأصل بما تضمنه القرآن من آيات التحدي, من مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [٢٦] , جعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلا على أنه منه، ودليلا على وحدانيته.
ولقد كانت قضية التحدي مثار اهتمام الباقلاني.. خاصة وهو بصدد الدفاع عن القرآن، فنراه يشبعها تحليلا وتدليلا، إثباتا لصدق النبوة، وتدعيما لوجه الدلالة، وردّا على الملحدين والمتكلمين عامة، والمعتزلة خاصة، الذين أثاروا قضية (الصرفة) .
فإذا ما أثبت الباقلاني معجزة النبوة, وإذا ما أصّل الأصول التي اعتمدها في بيان وجه الدلالة على أن القرآن معجز في ذاته.. انتقل الباقلاني إلى صلب موضوعه وهو تحديد وجوه إعجاز القرآن.. وهنا تبدأ المرحلة الثالثة.. مرحلة التحديد، بعد أن اجتاز مرحلتي التمهيد، والتفنيد.
يقرّر الباقلاني في الفصل الثالث من كتابه (إعجاز القرآن) أن هذا الإعجاز إنما يردّ إلى ثلاثة أوجه:
١- تضمنه الإخبار عن الغيوب.
٢- وما فيه من القصص الديني وسير الأنبياء مما روتْهُ الكتب السماوية مع أن الرسول ﷺ كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب.
٣- ثم بلاغته.
стр. 6022
فأما الوجه الأول: فقد استدل عليه بما وعد الله تعالى نبيه ﵇ أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [٢٧] ففعل ذلك.. وكان أبو بكر الصديق ﵁ إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله من إظهار دينه ليثقوا بالنصر، ويستيقنوا بالنجح، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يفعل كذلك في أيامه حتى وقف أصحاب جيوشه عليه ...
وأما الوجه الثاني: فإنه معلوم من حال النبي ﷺ أنه كان أميّاً لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ، وكذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم، ثم أتي بجملة ما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير، من حين خلق الله آدم ﵇ إلى حين مبعثه.
وأما الوجه الثالث.. فإنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه..
ولما كان الباقلاني من علماء اللغة والأدب والبلاغة، فقد ركّز شرحه على هذا الوجه الأخير، فتحدث عن جمال نظم القرآن حديثا مسهبا.. يتضح منه مفهومه ونظريته في إعجاز القرآن.
إنه لم يرض أن يترك هذا الوجه دون أن يحدّد قسماته ويبيّن معالمه، ويوضّح سماته، وما عناه بالنظم، من هنا وجدناه يحلّل هذا الوجه البلاغي تحليلا دقيقا، ينمّ عن سعة إطلاع ورسوخ في العلم، ودقة في الفهم معاً..
لقد أرجع الباقلاني جمال النظم القرآني إلى مجموعة وجوه تتسم بالدقة والعمق، وتدل على ترابط جزئيات الموضوع في ذهنه.. منها ما يرجع إلى الجملة، ومنها ما يرجع إلى الفصاحة، ومنها ما يرجع إلى النظم، واستوائه وحسن رصفه، ومنها ما يرجع إلى غزارة المعاني، ومنها ما يرجع إلى تأثير الكلمة في الأسماع..
стр. 6023
وواضح من تقسيماته وتفريعاته أنه متأثر في الشطر الأول من نظريته بفكرة الجاحظ، التي ذهب فيها إلى أن مرجع الإعجاز في القرآن إلى نظمه وأسلوبه العجيب المباين لأساليب العرب في الشعر والنثر وما يُطْوى فيه من سجع [٢٨] .
وأما في الشطر الثاني فقد تأثر الباقلاني بفكرة الرُّمَّاني، التي ذهب فيها إلى أن القرآن يرتفع إلى أعلى طبقة من طبقات البلاغة [٢٩] .
وعلى الرغم من أن الباقلاني قد اشبع هذه الوجوه العشر البلاغية شرحا وتحليلا وتفسيرا وتمثيلا, وألحق بكل منها ما يؤيد وجهة نظره، واستشهد بالكثير من الشواهد الشعرية والنثرية.. والآيات القرآنية.. إلاّ أنه وجد أنّ هذا الشرح غير كاف، وهذا التعليل غير شاف، فنراه يلحق بهذا الفصل الثالث فصلا رابعا، لا يتناول فيه موضوعا جديداً، بل إنه يعاود شرح ما سبق أن ذكره وبيّنه من وجوه، وواضح أنه قد فاته بعض المسائل لم يستطع أن يدرجها أثناء الشرح فألحقها به. إنه يتناول وجهاً وجهاً من الوجوه الثلاثة التي حددها للإعجاز القرآني ليعاود الكلام عليها ولكن بتركيز شديد وبشواهد جديدة.. ثم يختم هذا الفصل التفسيري المركّز بالكلام عن الإعجاز الواقع في النظم والتأليف والرصف.. ويجعل من حديثه هذا منطلقا لبدء المرحلة الأخيرة وهي مرحلة التأييد والإثبات، وتقديم المبرهنات والمؤيدات.
لقد ذكر الباقلاني مجموعة من العناصر التي جعلت من نظم القرآن وجها من وجوه الإعجاز.. منها: "أنه نظم خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلامهم، ومباين لأساليب خطابهم, ومن ادّعى ذلك لم يكن له بد من أن يصحّح أنه ليس من قبيل الشعر ولا السجع ولا الكلام الموزن غير المقفى".
وهنا نجده يشير إلى نقطة الانطلاق التي سيبدأ منها الدفاع.. فيقول:
стр. 6024
"لأن قوماً من كفار قريش ادّعو أنه شعر، ومن الملحدة من يزعم أن فيه شعرا، ومن أهل الملة من يقول: إنه كلام مسجع إلا أنه أفصح ممّا قد اعتادوه من أسجاعهم.. ومنهم من يدّعي أنه كلام موزون فلا يخرج بذلك عن أصناف ما يتعارفونه من الخطاب" [٣٠]
إذن فخطة الباقلاني في المرحلة الثالثة أن ينفي الشعر عن القرآن, ثم ينفي السجع عن القرآن، ثم يذكر الصور البيانية، والعناصر الجمالية التي يمكن أن يقع بها إعجاز القرآن. وهذا ما فعله الباقلاني تدعيما لوجوه الإعجاز وتأييداً لما ذهب إليه من آراء أثناء ردِّه على المزاعم التي قيلت حول القرآن.
وفي الحقيقة لم يكن نفي السجع عن القرآن من بنات أفكاره.. ولكنه ردَّد ما ذكره الرمّاني من أن فواصله تباين السجع مباينة تامة، إذ الفواصل تتبع المعنى، أمّا السجع فيتبعه المعنى، ومن أجل ذلك يتضح فيه التكلّف والثقل [٣١] .
بعد أن انتهى الباقلاني من دفاعه عن القرآن، انتقل إلى موضوع آخر وهو: الطريق إلى معرفة الإعجاز.. أو كيفية الوقوف على إعجاز القرآن. وهو كعادته حين يتصدى لموضوع ما يتساءل: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما يتضمنه من البديع؟
وهنا نلاحظ أنه لا يقصد بالبديع المعنى الاصطلاحي المعروف, إنما يقصد ما جاء في القرآن من ألوان الجمال المعنوي التي تشملها علوم البلاغة.
وهو في هذا الفصل يحدّد الأبواب والفصول التي ذكرها أهل الصنعة، ومن صنّف في هذا المعنى - يقصد الإعجاز القرآني - ثم يبيّن ما عجزوا عن فهمه أو الوصول إلى كنهه، ليكون الكلام – على حد تعبيره - "وارداً على أمرٍ مبين، وباب مصور".
стр. 6025
ثم يستعرض العناصر البلاغية التي تناولها القوم، وذكروها بوصفها النوافذ التي يمكن من خلالها أن يطلُّوا على آيات الإعجاز القرآني.. فنراه يتحدث كما تحدث البلاغيون السابقون من أمثال ابن المعتز وأبي هلال العسكري عن الاستعارة، والتشبيه، والإرداف, والمماثلة ويذكر المطابقة والجناس، ويذكر ضرباً يسميه (الموازنة) , وهي مما زاده قدامة بن جعفر [٣٢] في كتابه (جواهر الألفاظ) من حسن البلاغة، وقد سمّاها (اعتدال الوزن) .
ويذكر الباقلاني أيضا (المساواة) على أنها ضرب من البديع، مقتديا بقدامة في هذا الصنيع، وتأثره في حديثه عقب ذلك عن (الإشارة) و (المبالغة) و (الغلو) و (الإيغال) و (التوشيح) و (صحة التقسيم) و (صحة التفسير) و (التقسيم) و (الترصيع) .
ويظل ينقلنا الباقلاني من موضع بلاغي إلى آخر، ومن صورة شعرية فنية إلى أخرى، ملقيا الضوء على ما فيها من أبعاد وظلال فنية، حتى يأتي على كل العناصر البلاغية التي تناولها العلماء, وظنوا أنها السبيل إلى معرفة أسرار الإعجاز القرآني.
بيد أنه في آخر المطاف.. يضع أمام الأذهان سؤالا هاما..
هل لأبواب البديع فائدة في معرفة الإعجاز؟ ويجيب على هذا السؤال إجابة صريحة فيقول: "ليس كذلك عندنا.., لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتصنع لها". ويمضي فيقول:
"إنه لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من البديع الذي ادّعوه في الشعر ووضعوه فيه، وذلك أن هذا الفن ليس فيه ما يخرق العادة، ويخرج عن العرف، بل يمكن استدراكه بالتعليم والتدرب به والتصنع له.. أما شَأْوَ نظم القرآن فليس له مثال يُحْتَذى عليه ولا إمام يُقْتَدَى به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقاً."
فما السبيل إذن إلى معرفة إعجاز القرآن؟
следующие страницы →