Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
إن إيجاد إعلام إسلامي أصبح ضرورة لا غنى عنها في العصر الحالي، ولعل أنسب فرصة للمطالبة بإيجاد هذا الإعلام الإسلامي هي فرصة انعقاد المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة بدعوة من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، لأن هذه المدينة المباركة مهبط الوحي الإلهي، ومشرق نور الله، ومنها انطلقت دعوته إلى مشارق الأرض ومغاربها، والمطالبة فيها بإيجاد إعلام إسلامي يصل حاضرها بماضيها في نشر رسالة الإسلام الصافية، والدعوة إلى تحكيم شريعته، والدفاع عنه، ودحر أعدائه الذين يبذلون جهوداً متعددة، ويستعينون بوسائل الإعلام المختلفة في التشويش على الدعوة الإسلامية.
إن صوت الإسلام لا بد أن يرتفع حتى تختفي أصوات الشرك والضلال، لأن الزبد يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
إن صوت الإسلام ينبغي أن يعلو حتى تختنق أصوات الملحدين والضالين، وتذهب صيحاتهم أدراج الرياح هذه الصيحات المنكرة التي يحاولون بها التشويش على الدعوة الإسلامية.
فكيف نوجد إعلاما إسلاميا هادفا متخصصا يبلغ الدعوة الإسلامية إلى أنحاء العالم المختلفة؟..
إن إيجاد إعلام إسلامي ليس أمرا صعبا في العصر الحديث، بعد تقدم العلم بحيث أصبح أهل الشرق يستطيعون أن يلموا بما يحدث في الغرب في الوقت الذي يحدث فيه، أو بعد حدوث يقليل، وفي الوقت الذي ضاقت فيه المسافات بين شعوب الأرض بعد تقدم وسائل المواصلات وتطورها بحيث أصبح الانتقال من قطر إلى قطر بل من قارة إلى قارة يتم في وقت قصير يحسب بالساعات لا بالأيام أو بالشهور.
стр. 6162
لهذا يمكن إيجاد إعلام إسلامي في أي قطر من أقطار المسلمين كالمملكة العربية السعودية عن طريق الإذاعة فتنشأ إذاعة قوية، ليصل صوتها إلى أنحاء العالم المختلفة، وليس هذا بالأمر العسر في هذا الزمان، بعد تقدم صناعة أجهزة الإذاعة والإرسال والاستقبال وتطورها، وهذا من الأمور الملموسة المسلم بها فلا تحتاج إلى دليل أو برهان.
وتخصص محطة الإذاعة القوية هذه للإعلام الإسلامي وتذيع على موجات متعددة بلغات مختلفة تختار من بين اللغات التي يعرفها المسلمون كالعربية والفارسية والأردية والتركية واللغات التي يكثر تداولها بين الشعوب كالإنجليزية والفرنسية أو أية لغة يرى المشرفون على الإعلام الإسلامي ضرورة لاستعمالها.
ويمكن أن تعمل هذه الإذاعة ليلا ونهارا لأن اختلاف التوقيت بين الجهات المختلفة في الشرق والغرب قد يدعو إلى هذا حتى يمكن إيصال صوت الإسلام إلى الشعوب المختلفة في سائر أنحاء الأرض في الوقت المناسب وباللغات التي يفهمها الناس ليحسنوا الاستماع له وتفهمه، والاستجابة له، وتبين حقائق الإسلام الناصعة، والانتفاع بهدى الإسلام، لمعرفة طريق الرشاد.
وغنى عن البيان أن هذا النوع من الإعلام الإسلامي يحتاج إلى كثير من المال والأجهزة العلمية والمادية اللازمة كما يحتاج إلى هيئة على درجة كبيرة من الكفاءة والتخصص لإدارته وتوجيهه والإشراف عليه، وهو يحتاج كذلك إلى مجموعات متخصصة يفقه أفرادها أمور دينهم بدرجة كبيرة، ويكونون على درجة عالية من الفطنة والذكاء وتتقن كل مجموعة منها لغة من اللغات الرائجة بين المسلمين وغير المسلمين من شعوب الأرض كالعربية والفارسية والأردية والإنجليزية والفرنسية وغيرها، حتى يحقق العاملون في هذا الميدان الغاية المرجوة، ويصلوا إلى الهدف المنشود.
стр. 6163
إن العلم والفقه في الدين والذكاء والفطنة وإتقان اللغات الأجنبية من شرقية وغربية وسائل لا غنى عنها في العصر الحديث في الإعلام الإسلامي حتى يرتفع صوت الإسلام وتصل الدعوة الإسلامية إلى الناس أجمعين فيهتدي بنورها الضالون الحائرون.
وإيجاد الإعلام الإسلامي المتخصص عن طريق الإذاعة أمر ممكن بعون الله تعالى، إذا صح العزم، وهو أمر ضروري في العصر الحالي لمواجهة أعداء الإسلام الكثيرين وتبصير المسلمين بحقائق دينهم، وحمايتهم من الانحراف والانزلاق والانخداع بما يروجه أعداء الإسلام من دعايات مغرضة، وما يلفقونه من أباطيل، ويلقون بها في ساحة الشريعة الإسلامية الغراء، للتشويش على الدعوة الإسلامية وصرف المسلمين عن دينهم.
وليس معنى إيجاد إعلام إسلامي متخصص إهمال وسائل الإعلام الأخرى إذ ينبغي على أولي الأمر في الأقطار الإسلامية المختلفة أن يضعوا حدا للعبث ومظاهر الفساد البادية في وسائل الإعلام بصورتها الحالية بأن يراقبوها ويمنعوها من إغراء المسلمين بالتيارات الضالة المضللة وإشاعة الفساد والانحلال بينهم، وبخاصة بين الشباب ويجب على أولي الأمر ـ أيضا ـ أن يوجهوا وسائل الإعلام الحالية ـ على اختلاف أنواعها وألوانها ـ الوجهة الصحيحة التي لا تتعارض مع روح الإسلام، ولا تتنكر لأصل من أصوله ولا تتعارض مع ركن من أركانه، فالالتزام بالحق أمر واجب، والدعوة إلى تحكيم شريعة الله، ونشر رسالة الإسلام، والدفاع عنه، من الأمور الواجبة على المسلمين كافة وعلى أولياء الأمور فيهم بخاصة، والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور.
واجب الإعلام الإسلامي:
إن واجب الإعلام الإسلامي ـ بعد إيجاده ـ أن يعمل في ميدانين في وقت واحد، أحدهما دفاعي والآخر تبليغي.
стр. 6164
أما الميدان الدفاعي فيرد فيه على حملات أعداء الإسلام ويبين ما في هذه الحملات من زيف وأباطيل تهدف إلى تشكيك المسلمين في حقائق دينهم حتى ينصرفوا عنه، وحتى يتوقف الذين يبحثون عن الإسلام لاتخاذه دينا يملأ الفراغ الذي خلت نفوسهم منه عن البحث عنه ويستمرون في ضلالهم وحيرتهم.
ويجب على العامين في ميدان الدفاع عن دين الله عن طريق الإعلام الإسلامي أن يفضحوا أكاذيب أعداء الإسلام ومفترياتهم وما يلفقونه من أباطيل يروجونها بواسطة وسائل الإعلام المختلفة للتشويش على الدعوة الإسلامية، حتى يستطيع المدافعون عن الإسلام أن يردوا كيد أعدائه في نحورهم، ويردوهم على أعقابهم مدحورين خائبين.
وأما الميدان التبليغي فيقوم العاملون فيه ـ عن طريق الإعلام الإسلامي ـ بالدعوة إلى دين الله في المواطن التي خلت من الدين، وفي المواطن التي خف ميزان الدين بين أهلها، لأن الناس في هذه المواطن في أنحاء العالم المختلفة يبحثون عن دين يجدون فيه الحق الذي يتقي مع الفطرة الكامنة في كل نفس، ويتمنون أن يجدوا دينا يجدون فيه الحق الذي يلتقي مع العقل المتشوق إلى الحق، الباحث عن الحقيقة.
ويستطيع الداعون إلى دين الله عن طريق الإعلام الإسلامي ـ أن يبينوا حقائق الإسلام للناس بلغاتهم المختلفة في جميع ربوع العالم، لأن بيان هذه الحقائق كاف في الأخذ بأيديهم إلى طريق الهداية والرشاد والسعادة في الدنيا والآخرة.
ويجب أن يبين الداعون إلى دين الله للناس أن الإسلام دين يتفق مع الفطرة وأنه المثل الأعلى للإنسانية، وأنه حرر العقل وأطلقه ليعود على الإنسانية بكل خير، وأنه حرر الإنسانية من ظلم البشرية وتناقضاتها، ووحد القوى الإنسانية التي تقود العالمين إلى السعادة القصوى، وإن الإسلام هو النظام الإلهي الكامل الذي يسعد الإنسانية في جميع المجالات العقلية والنفسية، والخلقية والعاطفية، والروحية والمادية والفردية والاجتماعية.
стр. 6165
وينبغي أن يبين الداعون إلى دين الله أن الدين كله لله، وأن دين الله واحد هو الإسلام الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه، وأن الأنبياء كلهم إخوة، دينهم واحد وأن الواجب الإيمان بهم، وبما أنزل إليهم جميعاً. قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [١٢] .
ويجب أن يبينوا للناس أن الله ختم بالإسلام جميع الديانات السماوية، وجعل نبي الإسلام ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ آخر لبنة في بيت النبوة العتيد، فتم بها بناؤه وكمل بها رواؤه، وأن العقيدة الإسلامية تقوم على الإيمان بالله إلها واحداً لا تنبغي الإلهية إلا له، وعلى الإيمان بأن له وحده الأسماء الحسنى والصفات العليا.
وينبغي أن يبينوا للناس أن الإيمان باليوم الآخر وبالبعث والجزاء مما يقتضيه العقل، تحقيقاً لقاعدة العدل فلا يعقل أن تكون هذه الحياة القصيرة ـ التي يحياها الناس في الدنيا ـ هي الغاية من خلق هذا العالم الكبير، وأن تكون نهاية المؤمن والكافر سواء، ونهاية الظالم والمظلوم سواء، ونهاية البر والفاجر سواء. قال الله تعالى جلت حكمته: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [١٣] .
وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [١٤] .
стр. 6166
فإذا علم كل إنسان أنه مسؤول عما يعمل ومحاسب على ما يقدم، ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [١٥] . سلك في حياته المسلك الصحيح، وحاسب نفسه بنفسه، وابتعد عن المذاهب الضالة، وأخلص في أداء ما وجب عليه، وبهذا تستقيم الأمور في هذه الحياة وهكذا يحقق الإسلام السعادة الإنسانية، وينقذها من الضلال والفناء.
إن الداعين إلى دين الله يستطيعون عن طريق الإعلام الإسلامي أن يبينوا للناس في مختلف أقطارهم وباللغات التي يفهمونها أن العقيدة الإسلامية ترتكز على أسس ثابتة من الفطرة الإنسانية العامة، والمنطق العقلي المستقيم والنصوص الدينية الصريحة الواضحة، فتتفتح عقول الناس وقلوبهم لدين الله، وتنشرح صدورهم بالإسلام يجدون فيه الهداية والرشاد، وحينذاك تختنق أصوات أعداء الإسلام، وتحبط خططهم؛ لأن الإنسان بفطرته يتجه إلى الحق ويتبعه إذا أدرك أنه الحق.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وبالله التوفيق وهو ـ جل وعلا ـ نصير للمؤمنين.
خاتمة
стр. 6167
أرجو أن يكون الله تعالى قد وفقني في توضيح فكرة ضرورة إيجاد إعلام إسلامي متخصص عن طريق إذاعة ترفع صوت الإسلام وتبلغ الدعوة الإسلامية للناس في مختلف أنحاء العالم باللغات التي يعرفونها لبيان حقائق الإسلام والدفاع عنه ورد كيد أعدائه وكشف البدع والأباطيل، وفضح دعاوي المارقين الضالين، حتى يتضح الحق، ويكون الدين كله لله والله غالب على أمره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون كما قال : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ .
ونسأل الله التوفيق والرشاد، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
--------------------------------------------------------------------------------
[١]- المائدة: آية ٣
[٢]- الأعراف: آية ١٩
[٣]- الأعراف: آية ٨٥
[٤]- آل عمران: آية ١٠٤
[٥]- آل عمران: آية ١١٠
[٦] الحج: آية ٤٠
[٧] الفرقان: آية٣
[٨] الحديد: آية ٧
[٩] التوبة: آية ١٢٢
[١٠] فصلت: آية ٤٤
[١١] آل عمران: آية ١٠٤.
[١٢] البقرة: آية ٢٨٥.
[١٣] الجاثية: آية ٢١.
[١٤] سورة ص: آية ٢٧-٢٨.
[١٥] الزلزلة: آية ٧-٨.
стр. 6168
الأساليب التبشيرية في العصر الحديث
أهدافها إتجهاتها وعلاقتها بالسياسة والتعاون القائم بينهما
وأهدافه وأثر هذا التعاون على الدعوة الإسلامية والأمة الإسلامية
للدكتور علي محمد جريشة
عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
تمهيد
١ـ التبشير الحديث.. صورة العصر للغزو الفكري..
الذي صار بديلا عن الغزو العسكري، بعد أن فشل الأخير في تحقيق أهدافه خلال الحروب الصليبية.
٢ـ بيد أن الغزو الفكري أخطر من الغزو العسكري..!
ـ فلئن كان الأخير يحتل منا الأرض والتراب..
فإن الأول يحتل منا العقل والقلب والروح. وهي لعمري أعز على الله من الأرض والتراب.!
ـ كذلك فإن الأخير ينتبه له الغافلون والنوم ويستيقظون، أما الأول فيتدسس ويتدلس فما يحسه النوم والغافلون.. حتى يحتل منهم أعز ما خلق فيهم الله وأكرم!
ـ وأخيرا فإن المتعاونين مع الغزو العسكري.. يوصمون بالغدر والخيانة ويلفظهم بنو أوطانهم أما المتعاونون مع الغزو الفكري.. بل الفاعلون الأصليون فيه ـ فإنهم يوصفون بأوصاف أقلها.. الوطنية، والتقدمية والإصلاح وقد يرتفعون في أوطانهم إلى مقام الزعامة.. الفكرية.. أو السياسة وحقيقتهم.. أنهم.. أشد خيانة من الأولين!
٣ـ والتبشير الحديث.. يرتبط بالعمل السياسي ارتباطا لا يقبل التجزئة فالأخير هو الذي يخطط له، ثم هو الذي يتولى الإشراف على تنفيذه، ويحميه بالقوة السياسية والقوة العسكرية إن لزم الأمر.. ثم هو في النهاية الذي يجني ثماره، ويستثمر قطافه.. بما يحقق الغاية المرجوة والهدف المنشود!
стр. 6169
٤ـ وأخيرا.. فلم يعد التبشير الحديث قاصرا على ما يصدره الغرب.. لقد أتقن الشرق كذلك الصناعة وصدر كذلك البضاعة.. واختلف مع الغرب أو اتفق. لكنه شاركه الوسيلة والهدف.. وإن غايره في شيء من التخطيط!
٥ـ وهذا البحث جديد بإذن الله.. فيما يحاول أن يكشف من وسائل التبشير الحديثة، وما يكشف عن الغاية منها والباعث من ورائها.. ليعرف المسلمون كيف يحاربون، ومن أين يحاربون.. وليعرفوا بعد ذلك..
إلى أين المفر.. وكيف يكون المستقر..!
ليعرف المسلمون.. موقفهم دعوة، وأمة، ودولة..مما يراد لهم، ومما يراد بهم ليحددوا لأنفسهم.. الطريق.. والهدف
والوسيلة والغاية
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون!
وفي فصل أول نتحدث بمشيئة الله عن:
التبشير في الغرب.. وسائله، وأهدافه، وتعاونه مع السياسة.
وفي فصل ثان نتحدث بمشيئة الله عن:
التبشير في الشرق.. وسائله، وأهدافه، وتعاونه مع السياسة.
وفي فصل ثالث نتحدث عن:
موقف الإسلام.. دعوة وأمة
والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..
الفصل الأول
التبشير الحديث.. من الغرب
مقدمة:
٦ـ لم يعد سرا.. أن التبشير بدأ حيث انتهت الحروب الصليبية [١] بديلا عنها.. فلقد أنفق الغرب من دمه وماله الكثير.. فما أورثه ذلك إلا صحوة المسلمين.
من هنا أدرك أن الضربة لا ينبغي أن توجه إلى الجسد.. بل ينبغي أن توجه إلى القلب.. إلى عقيدة المسلمين.. علهم يرتدوا عن دينهم.. ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا..﴾
٧ـ بيد أن التبشير بدأ في البداية.. إخراجا للمسلمين من دينهم، وإدخالا لهم في دين آخر.. وقد فشلت تلك الوسيلة.. فقد كان عدد المرتدين من يعدون على الأصابع.
стр. 6170
من هنا كان تفكيرهم.. في أسلوب آخر.. اكتفوا فيه بالشطر الأول دون الشطر الثاني.. اكتفوا فيه بإخراج المسلمين من دينهم.. دون إدخالهم في دين آخر.. وهو ما استجابوا فيه لنصيحة كبير من كبرائهم:
ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها ليس في إدخال المسلمين في المسيحية فإن في هذا هداية لهم وتكريما.
وإنما مهمتكن أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها [٢] .
٨ـ وحين انتقلت مدارس التبشير إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. أخذ شيئا من العصرية تغطى إخراج المسلمين من دينهم وهو ما عالجه الكتاب الأمريكيون تحت عنوان التغيير الاجتماعي [٣] .
وصاحبه ثقل الولايات المتحدة الأمريكية العصر.. فلم تلجأ للقوة العسكرية الأجنبية إلا في حالات الضرورة القصوى.. وجعلت بديلا عنها.. القوة العسكرية المحلية.. أو القوة العسكرية المحلية ولعبت في هذا المجال لعبة الأمم أو لعبة الشعوب.. متمثلة جلها في الانقلابات العسكرية [٤] .
وأصبح البحث في التبشير فيما كان يحدث في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر.. ضربا من التخلف لا ينبغي لباحث إسلامي أن يقع فه واقتضت المعاصرة أن تبحث فيما يجري الآن بيننا.
تحت اسم التغيير الاجتماعي..
وتحت اسم التغيير السياسي..
لنكشف عن لعبة الجديدة..
لنكشف عن اللعب بمصائر الشعوب.. وبعقائد الشعوب!!!
المطلب الأول
أساليب التبشير الحديث
(التغيير الاجتماعي)
(أو التغريب)
مقدمة:
٩ـ إن جزيرة العرب التي هي مهد الإسلام لم تزل نذير خطر للمسيحية [٥] متى توارى القرآن، ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه [٦] .
стр. 6171
يجب تبشير المسلمين بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أغصانها [٧] .
.... هكذا كان الأمر صريحاً في البداية.
ثم توارى تحت الاصطلاحات الجديدة..
إن النخبة العسكرية في الشرق الأدنى.. في مصر والسودان والعراق وتركيا وإيران وباكستان كانت عوامل هامة في جلب التغيير الاجتماعي [٨] .
تشترك النخبات العسكرية عميقاً في الاعتقاد بضرورة التغيير الاجتماعي السريع.
أما الآن فقد قبلت التأثيرات الغربية في الشرق الأدنى إلى درجة تجعل من الصعب التحقق من أن امرأ ما قد ذهب أو لم يذهب إلى أوربا أصلا فقد أصبح العرب متغربين بدون أن يتكلفوا عبء الذهاب إلى أوربا
فبينما ترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى، تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربية، ويواجه الزعماء العرب طريقين:
فهم يطردون الغرب سياسياً، ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافياً
١٠ـ إذن فالاستراتيجية الجديدة التي رسمت.. لهذه المنطقة هو تغريبها أو إحداث التغيير الاجتماعي فيها.. والتي تتغير معه القيم والمثل والتقاليد.. من قيم ومثل وتقاليد إسلامية.. إلى قيم ومثل وتقاليد غربية أي غير إسلامية..
وبذا يتم إبعاد المسملين عن دينهم
وهو بديل عن إخراج المسلمين عن دينهم
وبديل.. أكثر نجاحاً!
١١ـ واستراتجيتهم أو خطتهم في إبعاد المسلمين عن دينهم تقوم على
١ـ التدرج ـ وإن كانوا يتعجلون الأمر أحياناً.. فيطلبونه: سريعاً.
٢ـ مخاطبة العقل والقلب..
بوسائل الإقناع المختلفة.
٣ـ أن يقوم على ذلك رجال وطنيون أو كما قال المبشرون في مؤتمراتهم يجب تبشير المسلمين بواسطة رسول من أنفسهم لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أغصانها.
أما تكتيكهم لهذا أو وسيلتهم فهي:
أولاً: العلمانية في التعليم
والإعلام
والقانون
стр. 6172
ثانياً: القومية: في الجانب السياسي
ثالثاً: تحرير المرأة في الجانب الاجتماعي
ونشير إلى هذه الوسائل بالتفصيل..
أولاً: العلمانية
١٢ـ ليست العلمانية اشتقاقا من العلم.. كما قد يوهم اللفظ.. لأنه لو كان كذلك لكانت العلمانية اشتقاقا من كلمة SCIENCE وهي التي تعني بالإنجليزية العلم لكنها بكل أسف اشتقاق من SECNIOR وهي في الإنجليزية مرادف لـ:
UNRELIGEMS وهي تعني لا ديني..
ومن هنا ندرك.. خبث الترجمة.. إنها قصد إلى تظليل أبناء العربية ليظنوا العلمانية اشتقاقا من العلم! ومن هنا ندرك كثيرا من التصريحات حول إنشاء دولة علمانية.. فإنها تعني دولة لا دينية.. أي لا دين لها من الناحية الرسمية! [٩] .
١٣ـ ولئن حققت العلمانية للغرب كسبا في إبعاد الكنيسة عن التدخل في شؤون الدولة بما وقعت فيه الكنيسة من حجر على العقول ومن قبلها حدر على القلوب فإنها في الشرق الإسلامي تحقق للغرب كسبا أكبر في ابعاد المسلمين عن مصدر عزتهم ومجدهم ونهضتهم في إبعادهم عن الإسلام! والغرب كما سنشير عند حديثنا عن التغيير السياسي إن شاء الله ـ يهمه كثيرا أمر الإسلام.. بعد تجربته المريرة خلال الحروب الصليبية.. وقبلها حين طرق أبواب فيينا في وسط أوربا!
وفي مؤتمر للدعوة والدعاة لا نحسبنا بحاجة إلى بيان كيف نشأ فصل الدين عن الدولة في أوربا، وكيف كان ذلك كسبا لها.. وكيف انتقل الداء إلى الشرق الإسلامي وكيف كان ذلك.. لصالح الغرب المسيحي.. لا الشرق الإسلامي ـ فنحسب أن ذلك من بدهيات علم الدعاة!
وهذه العلمانية حرص عليها أعداء الإسلام في مجالات ثلاثة:
التعليم.. الإعلام.. القانون..
ونشير إلى كل بكلمة
١ـ علمانية التعليم
١٤ـ كان التعليم أقدم الوسائل للتبشير، ولا يزال أهمها.. ومن هنا كان الحرص على علمنة التعليم.. أي إبعاده عن الدين.. وهو أمر سار في شعبتين:
стр. 6173
الشعبة الأولى: تضييق مجال التعليم الديني، وتميعه
والشعبة الثانية: توسع مجال التعليم عير الديني وتعضده
وأعقب ذلك... الاختلاط بين الجنسين في مرحل التعليم.
١٥ـ أما الشعبة الأولى
فقد كان الحرص عليها شديدا.. لما كان سائدا في الشرق الإسلامي من انتشار التعليم الديني حتى أعداء الإسلام بخطورته على مخططاتهم فصرح بذلك كرومر المندوب السامي لإنجليزي ابان الاحتلال البريطاني لمصر:
إن التعليم الوطني عندما قدم الإنجليز إلى مصر كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين، والتي كانت أساليبها الجافة القديمة!! تقف حاجزا في طريق أي إصلاح تعليمي (!!) وكان الطلبة الذين يتخرجون من هذه الجامعة يحملون معهم قدرا عظيما من غرور التعصب الديني (!!) ولا يصيبون إلا قدرا ضئيلا من مرونة التفكير والتقدير (!!) فلو أمكن تطوير الأزهر عن طريق حركة تنبعث من داخله لكانت هذه خطورة جليلة الخطر .... [١٠]
كذلك فلقد كان أهم ما بحث المؤتمر التبشير المنعقد في القاهرة سنة ١٩٠٦ أمر التعليم في الأزهر فنعى أن باب التعليم فيه مفتوح للجميع، وأن أوقاف الأزهر الكثيرة تساعد على التعليم فيه مجاناً، ودعا في مواجهته إلى إنشاء معهد مسيحي لتنصير الممالك الإسلامية [١١] .
وقد تم التضييق من التعليم الديني بأكثر من وسيلة
أولا: بالتفرقة الظالمة بين المناصب والمرتبات بالنسبة لخريجي الأزهر وخريجي الجامعات وذلك حتى عهد قريب بالنسبة للمرتبات وحتى الآن بالنسبة للمناصب [١٢] .
ثانيا: بالسخرية المرة اللاذعة بالنسبة للمنتسبين للتعليم الديني في الرسوم وفي النكات وفي التمثيليات والمسرحيات والأفلام السينمائية.. والقصص المكتوبة وذلك بتصوير العالم الديني أو الطالب الديني تصويرا منفرا والإزراء به والازدراء من شأنه وشكله!
стр. 6174
ثالثا: امتد التضييق إلى برامج الدين في المدارس العامة أو التعليم العام.. وذلك بالوسيلة السابقة وهي الإزراء بمدرس الدين والازدراء من شأنه وشكله ثم بإقلال أهمية حصة الدين وجعله من المواد التي لا يمتحن فيها الطالب أو يمتحن فيها ولا يرسب!
١٦- الشعبة الثانية بالنسبة للتعليم غير الديني
فقد رسمت برمجه خارج الوطن الإسلامي ثم نفذت فيه وهو ما يصرح به أكثر من واحد:
يقول جب وفي أثناء الجزء الأخير من القرن التاسع عشر نفذت هذه الخطة لأبعد من ذلك بانماء التعليم العلماني (غير الديني) تحت الإشراف الإنجليزي في مصر والهند [١٣] .
ويقول الزعيم المبشر زويمر مخاطبا زملائه في مؤتمر التبشير المنعقد بالقدس الإسلامية لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية..
والفضل إليكم أيها الزملاء..
أنكم أعددتم نشأًً لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها وأخرجتم المسلم من الإسلام وفي مؤتمر أدنبرج التبشيري الذي عقد عام ١٩١٠ قالت اللجنة الثالثة التي كانت تبحث في الأعمال المدرسية التي يقوم بها المبشرون: اتفقت آراء سفراء الدول الكبرى في عاصمة السلطنة العثمانية على أن معاهد التعليم الثانوي التي أسسها الأوربيون كان لها تأثير على حل المسألة الشرقية، يرجح على تاثير العمل المشترك الذي قامت به دول أوربا كلها.. (!!) [١٤] .
١٧ـ وساعد على إنماء التعليم العلماني وعضد قواه.. تلك البعثات التي كانت ولا تزال ترسل إلى الدول المسيحية الأوربية.. التي تصنع هذه البرامج الكفيلة بزحزحة عقيدة الطالب المسلم وإفساده ليعود إلى بلاده بغير دين.. ويحمل علم العلمانية الداعية إلى نبذ الدين! [١٥] .
стр. 6175
ونظرة من القديم إلى ما حدث لرفاعة رافع الطهطاوي بعد أن قضى في باريس خمس سنوات.. ونظرة من الحديث إلى شبابنا الذين نبتعثهم إلى دول الكفر في سن المراهقة أو قريبا منها.. فيصيبهم الانحلال في أخلاقهم والتشويش في عقائدهم وأفكارهم، والتعالي والاستكبار في سلوكهم ومعاملاتهم وتقديس كل ما هو غربي، والاستهزاء بكل ما هو شرقي أو عربي.. [١٦] .
ومع البعثات.. كانت مدارس.. وكليات.. وجامعات.. تفتح في بلاد الإسلام لتنفيذ نفس ما تنفذه البعثات.. داخل الأوطان نفسها [١٧] وشملت تلك المدارس والكليات والجامعات.. البنين والبنات.
الخطو الثالثة: الاختلاط بين الجنسين
١٨ـ أدرك أعداء الإسلام ما يؤدي إليه اختلاط الجنسين في سن الشباب وما قبلها في سن المراهقة.. من انحلال الجنسين.. وانشغالهما بأمور العشق والجنس عن أمور العلم والجد والدراسة.. ورسموا لذلك في الشرق الإسلامي وزينوه.
ورفعوا عنه اسم الفسق أو العشق أو الغرام [١٨] .
٢ـ علمانية الإعلام
عندما تكون الدولة دولة فكر Etat d’idee تزداد فيها أهمية الإعلام وإذا كانت الدولة الإسلامية هي الصورة المثلى لدولة الفكر والعقيدة.. فقد كان للإعلام فيها شأن كبير.. وكانت معجزة الإسلام ـ القرآن ـ هي قمة الإعلام الإسلامي ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِد..﴾ [١٩] . ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ..﴾ [٢٠] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً..﴾ [٢١] .
стр. 6176
من هنا كان خلو الإعلام من الجانب الإسلامي.. أمر خطير في ذاته فإذا انصرف الإعلام عن الإسلام.. ليغرس في نفوس الناس قيماً غير إسلامية ومثلاً إلحادية أو إباحية أو لا أخلاقية.. فإن الأمر يغدو جد خطير.
١٩ـ والذين يتولون كبر هذا الأمر.. متخرجون من مدارس غير إسلامية يعرفها الناس ولم يعد سراً أن أكثر المؤسسات الصحفية ـ أقدم وسائل الإعلام ـ أسسها غير المسلمين اسماً وجوهراً.. أو المسلمون اسماً لا وضوعاً.
والقائمون على أحدث وسائل الإعلام.. من سينما وتلفزيون وإذاعة هم أحد الصنفين السابقين.. والأمر لا يحتاج غير مراجعة القوائم!
٢٠ـ ولئن تفاوتت درجات الإفساد بين الوسائل المختلفة السابقة فإنها جميعاً تشترك في قدر من الإفساد..
إنها أولاً لا تنشر قيماً إسلامية.. مع أنها أغنى القيم وأسماها. وإنها ثانياً تنشر جميعاً قيماً غير إسلامية.. وتبلغ بها التفاهة منتهاها عندما تستطرد في تقديم نجم سينما أو نجم كرة.. وتضفي عليه من الأوصاف ما لا تضفيه على سيد الخلق محمد ﵊.. ثم إنها بعد ذلك تتفاوت في إشاعة الفاحشة، والإغراء بالجريمة وفي تزيين الخيانة والانحلال للناس!.. فأشدها في ذلك السينما يليه التلفزيون والإذاعة يليها القصص والصحافة.
والأمثلة.. معروضة.. كل يوم.. وفي كل شارع.. وفي كل بيت بغير حاجة إلى سرد أو ضرب!
٢١ـ كذلك تشترك الأوطان الإسلامية جميعاً.. في وجود وسائل الفساد والإفساد هذه في بلادنا.. لكنها تتفاوت على درجات!
يقول البعض.. لربما كان الفساد في بلاد لا تجاهر به أشد من بلاد تجاهر به ولقد يضربون على ذلك الأمثلة بانتشار الشذوذ الجنسي بين الرجال والنساء، وبشيوع الربا وشرب الخمر والزنا وراء جدران البيوت.
стр. 6177
ولقد تكون القضية في موضوعها صحيحة.. لكن النتيجة التي تبنى عليها غير صحيحة إنهم يريدون أن يقولوا أن الحدود لم تمنع تلك المنكرات من وراء الجدران وأن.. منعتها من الشوارع.. أي أنها تخفت ولم تختف!
ونحن لا نقر ذلك الوضع.. ومن هنا نادينا وننادي.. شريعة حاكمة ليس بالحدود وحدها..
بل قبلها بالتربية الصحيحة، وبالعلاج الاجتماعي، وبضرب القدوة.. ثم بإقامة الحدود على الشريف قبل الضعيف.. فبهذا.. وبهذا كله ينتهي الفساد.. في الشوراع.. ووراء الجدارن!!
لكننا مع ذلك لا نقر الجهر بالفاحشة.. فإن في ذلك إشاعة لها أيما إشاعة ولا نقر التعالن بالمعصية فإن في ذلك إغراء بها أيما إغراء.. وهو ما يساعد على سرعة الانتشار ويهون على المتردد في الجريمة اقترافها..
ولذا كان لا بد من الحدود ـ يا دعاة الإباحية ـ لا بد منها حتى يرتدع أمثالكم فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن! [٢٢] .
٣ـ علمانية القانون
٢٢ـ الإسلام.. مصحف وسيف..
والسيف ينبغي أن يكون في خدمة المصحف..
وبعبارة أخرى.. إنه إذا زعمنا حكم الإسلام.. فلا بد من قانون إسلامي يقوم عليه حكام مسلمون
إن ذلك يولد الرغبة والرهبة
والرغبة تولدها القدوة.. في الحكام المسلمين
والرهبة تولدها السلطة.. التي تحكم بالإسلام..ولم يكن الإسلام عبادة مجردة.. ولا رهبنة تفرض على الناس.. إنه يقام بالشرائع والشعائر معا.
وكما يكون إشراك بالله في الشعائر.. يكون كذلك إشراك بالله في الشرائع!!
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ..﴾ [٢٣] .
وإذا كان الجانب التشريعي يمثل مساحة في الإسلام أوسع مما تمثله فروع القانون المختلفة.
стр. 6178
فلقد اهتم أعداء الإسلام بزحزحة الإسلام عن هذا المجال.. ليكون الحكم بغير ما أنزل الله.. من الظالمين والفاسقين والكافرين!
٢٣ـ والأمثلة كذلك كثيرة..
من تركيا ومن مصر [٢٤] .
ولم يبق في المجال القانوني بلد لم يطرح الإسلام إلا المملكة العربية السعودية وأفغانستان..
بيد أن الأمانة تقتضي أن نقرر أنه ولئن كان إبعاد الإسلام عن مجال الحكم هو أول خطوة يخطوها أعداء الإسلام في كل بلد يسيطرون عليه.. فقد بدا لهم في الآونة الأخيرة مخطط خطير هو الزحف من المؤخرة إلى المقدمة.. بدلاً من العكس الذي فعلوه من قبل في تركيا ومصر وغيرها ليطبقوا الأثر تنقض عرى الإسلام عروة عروة أولها الحكم وآخرها الصلاة.. .
إن الأمر في البلاد التي لم تتخل بعد عن إسلامها في المجال القانوني يمضي وفقاً لخطة خطيرة تعمد إلى علمانية التعليم لإعداد جيل يؤمن بالعلمانية ومن بينها علمانية القانون.
ثم تعمد إلى علمانية الإعلام لإعداد رأي عام مهيأ لتقبل علمنة القانون بعد ذلك.
ثم يمضي الأمر حثيثاً نحو إحلال النظام محل الشريعة وتضييق دائرة القضاء الشرعي والإفساح للجان التي تطبق النظام الذي يضعه قانونيون يحتلون في أكثر المصالح والوزارات مكان الاستشارة والنصح بما يعملون طبعاً.. من قانون علماني!
وهكذا يمضي التخطيط.. علمنة التعليم.. علمنة الإعلام.. ثم علمنة القانون. لتنقض عرى الإسلام عروة عروة.. أوله الصلاة.. وآخرها الحكم!!
هذه.. عجالة عن العلمانية.. التي تعمل اليوم كمخطط تبشيري لئيم في وطننا الإسلامي!
وننتقل إلى القومية وما تفعل هي الأخرى في مجال التبشير..
ثانيا: القومية
стр. 6179
٢٤ـ على عهد رسول الله ﷺ .. آخى بين المهاجرين والأنصار على أساس من آصرة الإسلام.. وليس على أساس أي آصرة أخرى.. آخى بين بلال بن رباح وخالد بن رويحة الخثعمي، وبين مولاه زيد وعمه الحمزه بن عبد المطلب، وبين خارجة بن زيد وأبي بكر الصديق، وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان..
ولما أراد أحد المسلمين أن يثيرها عصبية ونادى.. يا للأنصار.. فنادى الآخر يا للمهاجرين قال رسول الله ﷺ غاضباً: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم..! "وفي حديثه ﷺ أكد المعنى فقال: " ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتلة جاهلية..".
وكان من آخر وصاياه يوم حجة الوداع.. "كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض.. إلا بالتقوى!! ".
٢٥ـ وعلى عهد الراشدين رضوان الله عليهم ضمت أرض الإسلام أكبر إمبراطوريتين على وجه الأرض.. الروم والفرس.. فما فضل عربي.. على عجمي لعروبته أو جنسه أو لونه.. إنما كان الفضل بعد التقوى للعمل الصالح.. والعمل الصالح وحده، وعرفت علوم الإسلام في فروعها المختلفة.. فقهاء وعلماء من الأمصار ليس فيهم من العرب إلا النزر اليسير [٢٥] .
٢٦ـ وفي الحديث.. عرفت أوربا فكرة القومية.. ثم صارت متخلفة عن العصر.. تشير إلى القرن الثامن عشر أو التاسع عشر.. وصارت دعواها بذلك دعوى رجعية لكن الأمة العربية ابتليت بها..
عرفت: مشيل عفلق زعيما لحزب البعث العربي الاشتراكي
وأنطوان سعادة زعيما للقوميين السوريين
وجورج حبش زعيما للقوميين العرب
وقسطنطين زريق أحد الزعماء الآخرين..! [٢٦] .
وهكذا لم تعرف القومية العربية زعيما ممن يحمل أسماء المسلمين إلا.. واحداً لا يزال عمله في ذمة التاريخ.. [٢٧]
стр. 6180
٢٧ـ وعرض الكاتبون في القوميات لما تقوم عليه القوميات من أسس ليكشفوا عن عدم صلاحيتها.. فعرضوا لنظرية العرق التي قامت عليها القومية الألمانية وما يزعمون عن العرق الآري الممتاز.. ليكشفوا عن أن الألمان ليسوا شعباً خالصاً.. بل خالط غيره.
وكذلك الشعب العربي.. خالط الروم والفرس والأتراك.. وفي كتاب كفاحي لهتلر جعل الأمة العربية في الدرجة ١٣!
وعلى نفس المنوال عنصر اللغة فسويسرا تضم ٣ لغات.. والقارة الهندية تضم ٣٠٠ لغة..
وكذا سائر عناصر القومية من تاريخ وأرض ومصالح مشتركة ليس فيها عنصر خالص تقوم عليه القومية..
هذا كله بالبحث العلمي الهادئ.
٢٨ـ فإذا أضفنا إلى ذلك ما لابس إثارة القوميات من أحداث تاريخية لبان.. ما قدمنا له من أن القومية أحد العناصر التي استخدمها أعداء الإسلام لإبعاد الأمة عن دينها.
إثارة القومية الطورانية في تركيا اقترن بتمزيق تركيا وإبعادها عن الإسلام وإثارة القومية العربية في البلاد العربية.. اقترن بتمزيق دولة الخلافة ...
ومؤامرات لورانس مكماهون.. قصداً إلى القضاء على الجسد الإسلامي الذي أسموه يومئذ بالرجل المريض!!
حتى الجامعة العربية.. كانت كما يعرف كل من عاصر أحداث العصر من صناعة وزير خارجية الإنجليز! لتكون بديلاً عن الجامعة الإسلامية.. وفي كتابات حديثة.. لكتاب غربيين.. أشاروا إلى أن القومية العربية التي رفع رايتها في مصر زعيم كبير.. كانت بديلا هاماً عن الشعار الإسلامي الذي كان يهدد بثورة في المنطقة فكان الانقلاب العسكري امتصاصاً لمشاعر الأمة المتوثبة للإسلام [٢٨] !
ثالثاً: تحرير المرأة
مقدمة
стр. 6181
٢٩ ـ كما كانت العلمانية شعاراً خادعاً.. يخفي وراءه الحرب على الدين.. وكانت لقومية شعاراً خادعاً كذلك.. يستعمل في مواجهة الدين.. فلقد رفع هذا الشعار تحرير المرأة قصداً إلى اجتذاب المرأة المسلمة لاستخدامها حرباً على دينها.
وأول من أوصى به مؤتمر من مؤتمرات التبشير [٢٩] .
وكان الهدف.. أولا تنصير المرأة المسلمة..
ثم انتقل الهدف إلى..
إبعاد المرأة المسلمة عن دينها..
ماذا يقصدون بالتحرير:
٣٠ـ إن التحرير لا يكون إلا من عبودية..؟
فهل كانت المرأة المسلمة مستعبدة.. حتى تحتاج إلى تحريرهم.. أن العبودية لا يعطيها المسلم إلا للخالق ولا يعطيها لمخلوق
وإذا أعطى العبودية للخالق تحققت له الحرية الكاملة.. فلا يحني رأسه لمخلوق! وإذا أعطيت المرأة عبوديتها للخالق تحققت حريتها الكاملة فلا تحني رأسها لمخلوق.. ومن ثم فلا تكون بحاجة إلى تحرير أحد!
وفي مجال الحقوق العملية.. وبعيداً عن الكلام النظري
فقد أعطى الإسلام المرأة المسلمة من الحقوق ما لم تعطها أختها الأوربية!
وإلا فليسألوا المرأة الفرنسية (نموذج التحرر الأوربي) متى استطاعت أن تتصرف باسمها وحدها دون اعتماد التصرف من زوجها؟!
فماذا يعني التحرر..؟
قالوا إنه يعني التحرر من بيتها
والتحرر من زيها..
فماذا يخدمهم تحرير امرأة من بيتها ومن زيها في مجال إبعاد المسلمين عن الإسلام؟
٣١ـ أما تحررها من بيتها..
فإنه يعني حرمان البيت.. من جامعة تخرج جيلاً.. فتح من قبل.. أوربا وآسيا.. وإفريقيا..!
إنه يعني.. أن هذا الجيل لن يتكرر!
إنه يعني.. أن جيلاً.. آخر.. سوف يتخرج..
ليمسك بزمام الأمة وزمام الأمور
جيل.. ربما لا يعرف أمه.. أو لا يعرف أباه
جيل يتصدره في مجال الفكر أو في مجال السلطة
من كانت أمه راقصة في ناد ليلي
стр. 6182
أو كانت أمه تعمل في البغاء
وليس بين الاثنين كبير اختلاف
٣٢ـ أما تحريرها من زيها..
فإنه يعني بصراحة كشف ما أمر الله أن يستر..!
يعني إثارة اللحم والدم.. ونتائجه.. معروفة..!
لكن المتحررين.. قد يعنيان فوق النتائج السابقة.. نتائج أخرى
.. أقلها الانحلال.. الذي قال عنه رئيس وزراء فرنسا وهي يومئذ دولة عظمى.. عن فرنسا هزمها الانحلال قبل أن يهزمها الاحتلال!
إن أمة إسلامية.. هي اليوم أمة تبغي بناء نفسها.. ماذا يحدث بها الانحلال.. وقد فعل ما فعل في دولة كانت يومئذ إحدى دولتين كبيرتين..!
٣٣ـ أما المرأة الريفية..
.. فلم يشأ المخططون لتغريب المسلمين أن يتركوها في حالها.. وحيائها.. أصروا على أن يغزوها في عقر دارها.. ليذهبوا بما بقي من حيائها.
فتحت شعار الأمم المتحدة.. يباشر التبشير.. الانحراف بالمرأة الريفية تحت اسم التربية الأساسية التي تعترف أحد سدنتها أنها تعني تغيير الأفكار والنزعات [٣٠] والأمر يجري في قرية سرس الليان.. في محافظة المنوفية ويجري في قرية بياض العرب.. في محافظة بني سويف
تحت اسم.. التنمية الاجتماعية [٣١]
ويجري في أماكن أخرى في الوطن العربي
٣٤ـ أما قضايا المرأة..
فإثارات متعددة ـ لأمر لا يرتفع إلى مستوى المشكلة لينشغل بها الناس عما يتهدد الإسلام!
فنسبة تعدد الزوجات.. التي يثيرونها.. لا تعدو واحداً في الألف ونسبة الطلاق كذلك ضئيلة!
وحل هذه المشاكل على فرض وجودها ليس بالتشريعات.. ولكن بالعودة:.. إلى أخلاق الإسلام
ثم التزام كل طرف.. بأحكام الإسلام..
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
وبعد
٣٥ـ فتلك كانت وسائل التبشير الحديثة
علمانية: في التعليم
والإعلام
والقانون
стр. 6183
قوميات: تمزق الأمة الواحدة
وتمزق الدولة الواحدة..
تحرير المرأة: ليسقط المجتمع في حماة الرذيلة
ويقضي بنفسه على نفسه
وآثار ذلك كله بادية في مجتمعاتنا
انحراف عن الإسلام
وابتعاد عنه.. تختلف درجته بين بلد.. وآخر..!
ويستجيب لهذا الانحراف:
الطامعون في السلطة.. يدفعون الثمن من مصائر شعوبهم الراغبون في السقوط.. لأنهم لا يقدرون على الارتفاع وأخيراً السذج الجاهلون الذين يحسبون ذلك الانحراف وذلك السقوط تقدماً ومدنية!
لكن.. ما علاقة ذلك كله..
بالتخطيط السياسي.. الذي يجربه أعداء الإسلام هذا ما نحاول الإجابة عنه تحت عنوان: التغيير السياسي
المطلب الثاني
التغيير السياسي
أو علاقة التبشير بالسياسة
تقدمة:
٣٦ـ في البداية كان الأمر واضحاً
السياسة التي حركت الحروب الصليبية.. هي التي تحرك التبشير والمبشرين قصدا إلى تنصير المسلمين وردتهم عن دينهم!
ولم تكن السياسة وقتها غير فرع.. من فروع التعصب الديني المقيت ولا تزال! لكن الأمر ليس بالوضوح السابق.. فقد كثرت ألاعيب السياسة، واكتست بوجه ديبلوماسي رقيق!
وأصبح الأمر بحاجة إلى كثير من البحث والتدقيق..
ونظرة سريعة إلى الماضي القريب.. تكشف الحاضر الأليم!
أولاً: نظرة سريعة إلى الماضي
٣٧ـ حين قرر الغرب العدول عن الحروب الصليبية.. ليحل محلها التبشير لم يعدل عن منطق القوة تماما.. بل رآها لازمة لمساندة الباطل.. فإن الباطل بغير قوة لا يقف على قدمين!
وكان احتلال فرنسا.. للجزائر ١٨٣٠
وتونس ١٨٨١
ولمراكش ١٩١٢
وللشام ١٩٢٠
وكان احتلال بريطانيا.. للهند ١٨٥٧
ولمصر ١٨٨٢
وللعراق ١٩١٤
ولفلسطين ١٩٢٠
وغير هذه من أوطان الإسلام. احتلها أعداء الإسلام حتى لم ينج منها إلا السعودية والأفغانستان..
стр. 6184
٣٨ـ وفي ظل ذلك الاحتلال.. عمل التبشير لقديم في هذه الجهات وفي غيرها من الجهات الأخرى.. التي منيت كذلك بالاحتلال أو بالسيطرة السياسية الأجنبية على أي لون من الألوان!
وطور التبشير أساليبه..
من الدعوة إلى النصرانية.. صراحة إلى ما لازمها وما لحقها من تشويش الإسلام وتشويهه إلى ما تبعها.
من محاولة جر المسلمين إلى قيم جديدة بعدما يتجردون من قيمهم.. الإسلامية طبعا! وهو ما عرف تحت اسم التغير الاجتماعي أو التغريب
وكان تطور آخر.. في مجال.. السياسة.. والقوة! إن الاستعمار.. قد افتضح أمره.. وفل سلاحه.. تماما كما فشلت من قبله الحروب الصليبية في مهمتها! وكان لابد من أسلوب جديد!
ثانيا: الأسلوب الجديد
٣٩ـ لم تعد الشعوب تحتمل.. أن ترى السترة الصفراء الأجنبية تحكمها مهما حاولت أن تدعي الصداقة.. أو حتى أن ترفع راية الإسلام [٣٢]
وكان لابد من أن ترحل السترة الصفراء الأجنبية
لكن الباطل لا يستغني عن القوة.. وإلا تهاوى.. وسقط!
ومن ثم كان لابد أن يبحث عن مصدر للقوة آخر.. حتى يمضي في تنفيذ مخططه الأثيم لإبعاد شعوب الإسلام.. عن الإسلام وهداه شيطانه.. إلى ما نجح فيه إلى حد ما..
٤٠ـ استبدل السترة الصفراء الأجنبية
بالسترة الصفراء المحلية..
وصرح بعض كتابه.. أن هؤلاء اقدر على التغير الاجتماعي المطلوب [٣٣] وعرفت المنطقة الانقلابات العسكرية.. بديلا عن جيوش الاحتلال الأجنبية ومن أمثلة ذلك كما صرح أحد الكتاب الأمريكيين:
سوريا سنة ١٩٤٩
مصر سنة ١٩٥٢
السودان سنة ١٩٥٧
العراق سنة ١٩٥٨
باكستان سنة ١٩٥٩
.. ومن قبل هؤلاء:
إيران عام ١٩٢٠
تركيا عام ١٩٠٨ [٣٤]
٤١ـ وفي كل مرة يستفيدون من تجارب المرة السابقة.. فمثلا.. الخطأ الذي وقع فيه كمال أتاتورك في محاولة فرض التغيير الاجتماعي بالقوة..
стр. 6185
مع وسائل الإعلام المختلفة.. وما يصحبها من وسائل أخرى للتبشير أشرنا إليها.
فقد كان أتاتورك غبيا حين فرض خلع الطربوش بالقوة
فقد خلعه الناس في مصر لما رأوا رجال الانقلاب الجديد الأبطال لا يلبسونه بدون حاجة إلى قانون! وهكذا!
٤٢ـ لكن القوة بقيت لازمة تؤدي أمرين
أولهما قمع.. المعارضة والمعارضين.. خاصة إن كانوا من أصحاب العقائد
ثانيهما: مساندة الباطل والمبطلين.. فيما يمضون فيه من تخطيط أثيم لإبعاد الناس عن الإسلام.
٤٣ـ ولبيان هذين الخطين.. نقدم وثيقة جاءت في حثيثات حكم صدر في بلد إسلامي.. نسقط منها.. أسماء.. الضحايا.. وأسماء المجرمين.. لنصل بها إلى الموضوعية الكاملة.. [٣٥]
تبدأ الوثيقة بالإشارة إلى أسماء أعضاء اللجنة التي قدمت معلوماتها واقتراحاتها.. وأكثرهم من رجال المخابرات والمباحث والأمن..
ثم تلخص معلوماتها بالإشارة إلى أن تدريس التاريخ الإسلامي في المدارس للنشء بحالته القديمة يربط الدين بالسياسة في لا شعور كثير من التلاميذ منذ الصغر.. ثم الإشارة إلى صعوبة التمييز بين معتنقي الأفكار (..) وبين غيرهم من المتدينين.. إلخ
ليصل إلى المطالبة:
١) بمحو فكرة ارتباط السياسة بالدين
٢) إبادة تدريجية بطيئة مادية ومعنوية وفكرية للجيل القائم من (٠ ـ) ولا يقتصر الأمر على هذه الفئة!
بل يمتد إلى كل المتدينين باعتبارهم يمثلون الاحتياطي الذي يصب في هذه الفئة!
ومن وسائل الإبادة: الإعدام.. والسجن.. والاعتقال ويبلغ الأمر غاية خسته حين تصرح بالنسبة لنسائهم سواء كن زوجات أو بنات فسوف يتحررن ويتعرضن مع غياب عائلهن وحاجتهن المادية.. إلى انزلاقهن.. وهكذا تفقد الأنظمة العسكرية.. حتى الشرف والكرامة!!
٤٤ـ بقي السؤال ـ لماذا يفضلونها.. وطنية؟
نسمع إجابيتين:
стр. 6186
إجابة من الكاتب الأمريكي مايلز كوبلاند
.. فكان الحكام من طراز ناصر يعطون الأولوية على غيرهم لأن استيلائهم على السلطة يوفر أفضل الفرص ـ أو أقلها سواء ـ لنجاح لعبتنا [٣٦]
وفي مكان آخر أن نمودجا ك (....) كان من الأهمية بمكان بخصوص اللعبة وأنا كنا ملزمين بالبحث عن مثيل له فيما لو لم يكن على قيد الحياة.. [٣٧]
وإجابة من الكاتب الأمريكي مورو بيرجر
.. وكان الجيش من بين كل الجماعات النخبة الوطنية أكثرها دنوا من المشاكل التي تواجهها مصر، دنوا بالمعنى الحسابي، والعلماني، والواقعي، وبهذه الصورة كان الجيش أكثر النخبات تغربا [٣٨]
والواضح من تقرير (...) الموجز أن الضباط كانوا علمانيين يتوقون إلى بث التعاصر في مصر متماشين مع الخط الغربي التكنولوجي.. ولم يكن الضباط على ثبات أيدلوجي، بل كانوا جماعة علمانية في البناء السياسي والاجتماعي للحياة المصرية.. إلا أن قادتهم كانت تضع نصب عينيها صورة من مصر العلمانية كما يتصورونها، ويتحركون صوب هذا الهدف على خط مستقيم.. [٣٩]
ويعمم الكاتب.. وعلى ذلك فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربية، ويواجه الزعماء العرب طريقين فهم يطردون.. الغرب سياسيا ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيا [٤٠]
فنجيب بعد هؤلاء فنقول بعون الله:
١ـ إن النخبة الوطنية التي حلت محل النخبة الأجنبية وفرت على الأخيرة أولا.
الدم والمال التي كانت تبذل في الحروب الصليبية أو في محاولات الاستعمار.
٢ـ وأنها كذلك منعت إثارة المشاعر.. الدينية أو الوطنية.. التي كانت تتحرك حين يرى الشعب الجيوش الأجنبية قادمة.. تتحدى قيمه الدينية.. أو قيمه الوطنية.. ومن ثم فقد ميعت المقاومة أو منعتها!
стр. 6187
٣ـ أنها بلباس الوطنية.. نفذت المطلوب.. ليس فقط دون مقاومة بل أحيانا مع استحسان الجماهير وحماستها!! [٤١]
٤ـ أنها استطاعت أن تقضي على كل معارضة.. من أي فئة.. دون أن يتحرك أحد لنصرة هذه الفئة.. بل مع اعتقادهم بما تذيعه النخبة الوطنية من أن المعارضين.. خوارج ـ أو خونة!!!
٤٥ـ وأخيرا سؤال لا ينفك عن السؤال الأخير
لماذا يفضلونها.. عسكرية ((؟
نقول بعون الله:
١ـ لأنها أسرع في الوصول إلى الحكم، وأكثر شغفا بالسلطة [٤٢]
٢ـ لأنها أسرع في تلبية الأوامر الخارجية، والالتزام حرفيا بها فهكذا تعلمهم الحياة العسكرية.
٣ـ لأن قبضتها أقوى بالنسبة.. لأية معارضة أو أية مقاومة..
٤ـ أن الطبقة العسكرية في أغلبها أعدت إعدادا خاصا.. يجعلها علمانية وغربية.. لا تستنكف الانحلال.. لنفسها ولا لغيرها ومن ثم فهي أنسب الفئات لتنفيذ مخطط الإبعاد من الإسلام
٥ـ أنها تزيح بذلك احتمال تقدم عناصر دينية.. إلى الحكم عن الطريق الشعبي العادي [٤٣]
٤٦ ـ وليس معنى اللجوء إلى الانقلابات العسكرية.. انتهاء الوسائل الأخرى إن.. القوى الأجنبية المعادية للإسلام لاتزال محتفظة لبعض أنظمة الرجعية بالبقاء.
أولا لأنها تنفذ ما يطلب منها، وثانيا لأنها أضعف من أن تقف يوما في وجهها
وثالثا لأنه داخل هذه الأنظمة نفسها يجري التغيير.. باستعداء الابن على أبيه والأخ على أخيه بعدما يجرى الاتفاق على الصفقة، ماذا يبيع لكي يجلس على العرش..؟! ورابعا لأنها حين يبدو العصيان.. يكون الردع سريعا وعنيفا وحوادث الاغتيال السياسي في الماضي القريب شاهدة على ذلك، وقد كانت موضع تحقيق الكونجرس في فضائح المخابرات المركزية الأمريكية.
стр. 6188
وأخيرا.. فإن بقاء هذه الأنظمة ـ في نظر أعداء الإسلام ـ رهين بانتهاء العصبيات التي تستند إليها، وفي المواجهة بزيادة قوة وقدرة القوات المسلحة لتولي الأمر..حينئذ.. سوف تخلعها بيسر وبغير حياء.. ولا احترام للود البادي والوفاء الظاهر!!!
وهكذا نرى اتفاقا غريبا.. على علمنة التعليم، وعلمنة الإعلام، وعلمنة المجتمع كله عن طريق المرأة وعن طريق الشباب.. ليبتعد بذلك عن الإسلام.. نجدها في الدول الإسلامية رغم اختلاف نظم الحكم الحاكمة.. لأن التغيير السياسي وإن.. اختلف أسلوبه..فالهدف لا يختلف وهو التغيير الاجتماعي أو التغريب أو بالعبارة الواضحة: الإبعاد عن الإسلام!
٤٧ـ لكن هل انتهت تماما وسيلة الحروب والاستعمار التي كانت سبيل الغرب من قبل لغرض أهدافه وغاياته؟
لا نستطيع أن نجيب بالنفي.. لأن الحروب انتهت في أغلب البلاد في صورتها العسكرية، واستبدلت بها الحرب الفكرية والنفسية لتحطيم عقيدة الأمة ومبادئها.
ولا نستطيع أن نجيب بالإثبات.. لأنها لا تزال تستعمل في نطاق محدود وهو ما اصطلح الغرب على تسميته بالحرب المحدودة.. واحتلال الجيوش الأمريكية لشواطئ لبنان سنة ١٩٥٨ مثل قريب وتحركات الأسطول السادس كذلك.
لكن في رأيي أن الحرب المحدودة ارتدت كذلك ثوبا محليا فأصبحت الجيوش العربية أو الإسلامية تسلط لهذا الغرض وتدخل سوريا في لبنان مثل قريب وانفصال بنجلاديش عن باكستان من قبلها مثل قريب كذلك!
الفصل الثاني
الغزو الفكري
من الشرق...!
توطئة
٤٨ـ الغزو الفكري.. من الغرب.. قديم وخطير
لأن تاريخه يمتد إلى تاريخ الحروب الصليبية.. ويمتد بعدها..
وهو خطير.. بما يحويه من هدف فتنة المسلمين عن دينهم.. التي بالردة والتنصير، وانتهت إلى الاكتفاء بالإبعاد والتغيير..
والغزو الفكري.. من الشرق.. حديث.. لكنه خطير!
стр. 6189
فقد بدأ.. منذ انتصار الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا في الربع الأول من هذا القرن لكنه أخطر.. لأنه أشبه بالنار تأكل الهشيم..؟!
فهو في وسيلته أشد تدميرا
وفي غايته أشد كفرا ونفاقا..!
والظروف التي خدمت انتشار الماركسية في بداية الأمر..
تساعد كذلك على انتشارها في شرقنا الإسلامي
ما لم ينتبه المسلمون.. حكاما ومحكومين!
٤٩ـ والحديث عن الماركسية ((.. ربما يكون أكثر تعقيدا
لأن أكثر الناس لم يفهموه.. بعد كمبدأ!
ولم يفهم أكثرهم كذلك وسائلها الحديثة للتبشير بها!
ومن ثم وجب علينا.. أن نفضحها
كمبدأ.. ثم كوسيلة!
ونشير إلى كل في مطلب!
المطلب الأول
الماركسية.. مبدأ
كيف نشأت الماركسية..؟!
٥٠ـ هذا السؤال وارد عقلا ومنطقا.. قبل أن نعرض المبدأ في ذاته.. ذلك أن الإلمام بالظروف التي نشأت فيها الماركسية.. سواء الظروف المحيطة فكريا واقتصاديا.. أو الظروف الخاصة بصاحب المبدأ نفسه كل ذلك يعطي مزيدا من الضوء على السؤال كيف نشأت؟ أو لماذا نشأت..؟ ومن ثم وجب أن نعرض لهذه الظروف لنعرف إجابة السؤال.
أولا: ظروف أوربا وقت ظهور الماركسية
٥١ـ الماركسية نشأت كفكرة أول ما نشأت في أوربا [٤٤]
وأوربا تعاني محن القرن التاسع عشر
تعاني أولا محنة الدين
فالمسيحية كما نادى بها المسيح لم تعد موجودة أصلا..!
التوحيد فيها ـ وهو أصل كل دين سماوي نزل من عند الله ـ قد انتهى بما زعمه البعض من أن المسيح هو الله!
أو ما زعمه البعض الآخر من أن المسيح إبن الله
أو ما زعمه البعض الثالث من أنه ثالث ثلاثة (الأب والابن والروح القدس) !
والمحبة فيها ـ كأصل كبير جاءت به
قد انتهت..
فباسم المسيحية تزحف الجيوش الصليبية تحمل الصليب لتقتل وتدمر شعوبا بغير حق إلا أن تقول ربي الله
стр. 6190
وباسم المسيحية كذلك.. تذيق بعض الشعوب ويلاتها..
وباسم المسيحية كذلك تفترق المذاهب.. الكاثولكية، والأرثوذكسية والبروتستنتينية.. وتمضي ليكفر بعضها بعضا، وليحارب بعضها بعضا! وأخيرا.. تنتهي المسيحية إلى مجموعة خرافات
.. صكوك غفران، وقرارت حرمان، وكراسي اعتراف
وحرب على العلم والعلماء لا تفتر ولا تهدأ، ومهادنة بل محالفة للظلمة من الملوك والحكام!
.. فلم يكن غريبا بعد ذلك أن ترتفع الصيحة:
اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس
ولم يكن غريبا أن تجد الصيحة من يسمع لها.. بل من يسارع إلى تنفيذها!!
٥٢ـ وتعاني أوربا بعد محنة الدين محنة الفكر
محنة الفلسفة المغرقة في الخيال، تدعو إلى المثالية البعيدة عن الواقع وتهتف بها..
فكان ذلك التطرف إلى الخيال حربا بتطرف آخر إلى الحس والمادة تمثل فيما اعتنقت الماركسية من فلسفة مادية
٥٣ـ وبعد المحنتين محنة الواقع الاقتصادي والاجتماعي
.. فالإقطاع بكل مظالمه يحكم أوربا.. تحميه الكنيسة ويحميه الحكام!
أصحاب المزارع يملكون الإقطاعيات الكبيرة.. وأكثر الناس يعملون فيها عبيدا أو قريبا من العبيد!
وأصحاب المصانع يملكون المصانع الكبرى.. ويستغلون جهد العمال بغير مقابل عادل
وهكذا ينقسم المجتمع إلى طبقتين..
طبقة صغيرة العدد.. تملك كل شيء وتعيش حياة الترف العامر
وطبقة كبيرة العدد.. لا تملك شيئا ولا تكاد تملك شيئا وتعيش حياة البؤس والشقاء
٥٤ـ فلا غرو بعد ذلك.. أن تجد الصيحة الخبيثة يا صعاليك العالم اتحدوا فأمامكم عالم تغنمونه، وليس عندكم من شيء تفقدونه غير القيود والأغلال [٤٥]
لا غرو.. أن تجد لها آذانا تستمع لها.. وقلوبا بعد ذلك تهواها وتهفو إليها! ولا غرو.. بعد كل هذه الظروف..
стр. 6191
أن تكون الماركسية هي الوريث الشرعي.. أو غير الشرعي.. لحضارة الغرب المتهالكة.. خاصة وأن أساس الحضارتين (إن صحت التسمية) أساسهما أساس مادي واحد!
أساس المبدأ الماركسي
٥٥ـ من مادية فيورباخ، وجدلية هيجل أقام ماركس فلسفته على أساس من المادية الجدلية، وربطها بأربعة قوانين، وفسر تفسيرا ماديا، كما أرجع كل شيء في الاقتصاد إلى هذا الأساس المادي.
وصارت الماركسية في بصر أتباعها أشبه بالدين تفسر الكون والإنسان والحياة! وتعرض مذهبها في مجال الاجتماع والسياسة والاقتصاد.. وتنطلق من هذا المنطلق المادي محطمة كل أساس روحي!
والتقت مع الغرب على تقديس المادة وعبادتها.. لأنها أخذت عنه ذلك الأساس المادي الجدلي!
وحين واجهت العمل والتطبيق.. أفلست.. واضطرت إلى الخروج على أساسسها المادي الجدلي.
٥٦ـ وفي المادة
اعتدت الماركسية بما تقع عليه الحواس، وأنكرت ما وراء ذلك، لأن ذلك كان المعنى السائد للمادة في القرن التاسع عشر!
واعتبر ماركس الفكر لاحقاً على المادة وتابعاً لها!
وحور لينين التعريف إلى أنها الوجود الموضوعي خارج الذهن..
وتتابعت الاكتشافات العلمية تكشف الماركسية وتعريها من الثوب العلمي وصارت الماركسية في حرج من أمرها.
وفي سنة ١٩٦٣ اجتمع أكثر من عشرين عالماً بالاتحاد السوفيتي ليضعوا أسس الماركسية اللينينية فقرروا أن النشاط الذهني أو الفكري خاصة مميزة للمادة وليس شكلاً من أشكال المادة
وقرروا أن التوحيد بين الفكر والمادة في الوقت الحالي يعد من المفاهيم المادة المنحطة ـ ولم يوحد بينهما سوى ماركس ـ!
وفي الأعوام الأخيرة.. خرج رجيه جارودي على الناس بكتابه التحول الكبير في الاشتراكية
فأجرى تحريكاً جديداً في الأساس المادي للماركسية.
стр. 6192
فقرر الحزب الشيوعي الفرنسي فصله بعد أن كان يحتل مركز عضو المكتب الساسي وفيلسوف الحزب.. LE GRAND TOURNANT DE SOCIALISME وأعقب ذلك.. رفض الحزب الشيوعي الفرنسي للدكتاتورية البروليتاريا.
وأعقبه في ذلك الحزب الشيوعي الإيطالي!
٥٧ـ وفي الجدل: أخذ ماركس من هيجل مبدأ التناقض..
أي قيام كل عنصر مادي على نقيضين.. وما استتبع ذلك من تفسير.. للحياة أو للتاريخ..
وربما كان ماركس مغروراً بعمله المحدود يومئذ بالقرن التاسع عشر الذي كان يقوم على اعتبار الطبيعة قائمة على عنصرين: الطاقة والمادة
٥٨ـ المبدأ في الميزان
في ميزان العلم.. لم تعد الماركسية علما بل أنقض أساسها من العلم فالمادة التي عرفها ماركس وبنى عليها ماديته.. لم تعد هي المادة في القرن العشرين لقد عرف القرن العشرين.. مواداً لا تقع عليها الحواس.. بل أن ما تدركه الحواس من مواد يمثل في العلم الحديث ٧% من المواد، ويبقى ٩٣% من المواد لا تدركه الحواس [٤٦]
وبالنسبة لما قال به عن الجدلية من احتواء كل مادة على الشيء ونقيضه فإنها قامت أولا على أساس نظر خاطئ.. باعتبار أن الطبيعة تقوم على عنصري المادة والطاقة ولقد أثبت العلم أن المادة والطاقة شيء واحد
وأن المادة ليست إلا طاقة مركزة
والطاقة ليست إلا مادة ـ.. لكنها تسير بسرعة الضوء!
كذلك ثبت خطؤها من القول باضطراد وجود النقيضين..
والحق أن الموجود في كل مادة.. هو التكامل والتزاوج وليس التناقض والتنافر وهذا خطأ آخر في النظرة الماركسية.
إن السالب والموجب.. في الذرة والكهرباء والمغناطيس
والأنثى والذكر.. في النبات والحيوان والإنسان
هذا تكامل وتزاوج.. تتم به الحياة.. وتبقى
وليس تنافرا ولا اختلافا ولا تناقضا
وصدق الله العضيم ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
стр. 6193
المطلب الثاني
الماركسية.. وسيلة
الماركسية والإسلام
٥٩ـ انتصرت الماركسية في واقعها.. فأقامت دولة في روسيا سنة ١٩١٧
وكان لها مع الإسلام والمسلمين تكتيكا متغيرا
خطبت ودهم..
ثم حاربتهم بالسلاح..
ثم تطورت إلى التبشير..
وكان لها خارج الاتحاد السوفيتي وسائلها الأخرى. ونشير لها داخل الاتحاد السوفيتي ثم خارجه.
أولا: داخل روسيا
الشيوعية تخطب ود المسلمين.
٦٠ـ بعد الثورة البلشفية أصدر مجلس قوميسيري الشعب البلشفي نداء مواجها إلى الشعوب الروسية من المسلمين كان من بين من واقعه لينين وستالين (في يوم ٧ ديسمبر سنة ١٩١٧) وقد جاء فيه.. وفي وجه هذه الأحداث الجسام نتجه بأنظارنا إليكم أنتم يا مسلمي روسيا من الشرق..
أنتم يا من تشقون وتكدحون وعلى الرغم من ذلك تحرمون من كل حق أنتم له أهل
أيها لامسلمون في روسيا
أيها التتر على شواطئ الفولجا وفي القرم
أيها الكرفيز والسارتيون في سبيريا والتركستان
أيها التتر والأتراك في القوقاز
أيها الجبليون في اتحاد القوقاز
أنتم يا من انتهكت حرمات مساجدكم وقبوركم، واعتدى على عقائدكم وعبادتكم وداس القياصرة والطغاة الروس على مقدساتكم..
ستكون حرية عقائدكم وعاداتكم، وحرية نظمكم القومية.. ومنظماتكم الثقافية مكفولة لكم منذ اليوم.. لا يطغى عليها طاغ ولا يعتدي عليها معتد!
إلى أن قال في البيان،:
أيها المسلمون في روسيا..
أيها المسلمون في الشرق.. إننا ونحن نسير في الطريق الذي يؤدي بالعالم إلى بعث جديد نتطلع إليكم لنلتمس عندكم العطف والعون
٦١ـ الشيوعية تعلن الحرب على الإسلام والمسلمين:
لم يمض على بيان استعطاف روسيا عام ١٩١٧ [٤٧]
وفي أبريل سنة ١٩١٨ أصدر لينين الأمر بالزحف على البلاد الإسلامية وهي تمثل تسعة أعشار مساحة الاتحاد السوفيتي وتشمل:
стр. 6194
(١) الأورال
(٢) استرخان
(٣) سيبيريا
(٤) القرم (وهي أغنى المناطق بالخيرات الزراعية)
(٥) القوقاز (وهي أغنى المناطق بالبترول وبعض المعادن)
(٦) التركستان. ومنها من الثروات البشرية:
إمام السنة البخاري ﵁، المفسر الزمخسري، النسفي
ومن أئمة البلاغة وإعجاز القرآن: عبد القاهر الجرجاني، سعد الدين التفتازاني
يوسف السكاكي
ومنها الفارابي وابن سينا
ومن علماء الرياضة والفلك خالد والباخي
ومن علماء الهندسة بنو موسى
ومنها البيروني، والماتريدي، والخوارزمي والسرخسي، والجوهري وغيرهم.
ومن الثروات المعدنية:
٢٥٠ منجماً من الذهب، ١٦ للفضة، ٤٦ للحديد، ٣٢ للرصاص، ٣٤ للبترول، ٧٠ للفحم، ١٣ للكبريت، ٦٣ للصوديوم.. عدا الأورنيوم، والفرام، والزئبق والنحاس والقصدير والبلاتين.
وسارت الجيوش الرسمية.. تبيد القرى والمدن، وتهلك الحرث والنسل واستولت عليها الواحدة تلو الأخرى.
واستبسل أحفاد الكرام الصناديد في الدفاع عن ميراث محمد ﵊ وفي سنة ١٩٢١ سقطت جمهورية بخارى بعد قتال مرير، لكنها ظلت بعد ذلك تحارب حرب عصابات مدة عشرين سنة.. لا تمتد لهم يد من أبناء الإسلام.. تبذل دماً أو تبذل مالاً!!
ومثلان مما فعلوا في القرم والتركستان:
في القرم:
مات مائة ألف.. جوعاً
وفي تقرير كالينين يشير إلى
أن من أصابتهم محنة الجوع في شهر يناير ٣٠٢٠٠٠ مات منهم ١٤٤١٣
وفي شهر مارس٣٧٩٠٠٠
مات منهم ١٩٩٠٢
وفي شهر أبريل ٣٧٧٠٠٠
مات منهم ١٢٧٥٤
وكان سكان القرم في سنة ١٩١٧ ٥ملايين.. وكان مفروضاً (طبقاً لتزايد السكان والمسلمين خاصة في كل مكان)
أن يبلغوا في سنة ١٩٤٠ عشرة ملايين أو خمسة عشر لكنهم صاروا في سنة ٤٠٠١٩٤٠ ألف فقط.
стр. 6195
(أي أنهم نقصوا إلى أقل من العشر)
وكانت مساجدهم ١٥٥٨ مسجداً
لم يبق منها إلا عشرات!!
وفي التركستان:
قتلت روسيا سنة ١٩٣٤.. مائة ألف مسلم ومات ثلاثة ملايين جوعاً!!
٦٢ـ التبشير بالإلحاد
أما الوسائل الحالية.. وبعد أن خضعت كل البلاد الإسلامية داخل الاتحاد السوفيتي ولم تعد تسمع فيها إلا همساً.. بل ربما خاف الكثيرون عاقبة الهمس.. فاحتبست الكلمات في صدورهم.. او في حلوقهم.. ولمعت بها عيونهم دمعاً أو دما!!
تقيم روسيا الآن معاهد علمية لتخريج دعاة الإلحاد
وعن معهد الإلحاد العلمي بأكاديمة العلوم الاجتماعية التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي صدر كتاب به وسائل التبشير الحديثة للإلحاد..
١ـ ينصح أولا بدراسة منطقة الدعوة والإلمام بالدين والعادات والتقاليد.
٢ـ يشير إلى أن المطلوب إيجاد رأي عام إلحادي.
٣ـ ينصح باستخدام الشيوخ المسلمين في نشر الإلحاد بعد استمالتهم وتحويلهم إلى ملاحدة، ويؤكد على من كان له منهم منزلة دينية بين قومه!
٤ـ ويلجأ إلى المعلمين.. لنشر الإلحاد بين التلاميذ.
٥ـ وإلى الأطباء للتبشر بالإلحاد.
٦ـ وإلى النساء لنشر الإلحاد بين بني جنسهن ولتكوين رأي عام ضد الحجاب! وضد تزويج صغار السن من البنات!!
وضد الختان!!
٧ـ استخدام إنجازات العلم ضد الإسلام
مثل التحدث بالوصول إلى القمر.. إلخ
وأكثر هذه الوسائل استخدمها الغرب من قبل حين كان يلجأ إلى تنصير المسلمين..
ثانياً: خارج روسيا
٦٣ـ الإبادة في البلاد التي دخلتها الشيوعية
١ـ ومثل من بلغاريا [٤٨]
في معركة خسيسة لتغيير أسماء المسلمين إلى أسماء غير إسلامية
طردوا من الأعمال وحرموا من الرزق من رفض التغيير
стр. 6196
ألقي الآلاف في السجن وتعرض الكثير من النساء والأطفال لنهش الكلاب البوليسية وصدرت أحكام بالإعدام ونفذت.
وأخرى بالسجن ونفذت..
٦٤ـ ٢ـ من ألبانيا
نسبة المسلمين بها بين ٨٠ % إلى ٩٠ %
انضمت أثناء الحرب العالمية مع يوغوسلافيا ضد ايطاليا ثم الائتلاف بينهما ثم انفصلت سنة ١٩٤٨ ليتولى حكمها اثنان من الشيوعيين
أنور خوجه ـ ويدعى أنه الله
ومحمد شيخو ـ ويدعى أنه رسول الله!
هدموا المساجد
حولوا المناهج الدراسية إلى الإلحاد
ويسومون المسلمين صنوف الإرهاب [٤٩]
٣ـ من الصومال
٦٥ـ بعد الانقلاب العسكري الذي أعلن به زياد بري حكم الاشتراكية (العلمية) أو الماركسية أصدر بعض القوانين يعدل بها أحكام الإسلام في الميراث
فعارضه بعض العلماء فقتلهم حرقا بالنار!!!
٦٦ـ الدعوة إلى الشيوعية في البلاد التي لم تحكمها
١ـ في البداية كانت الشيوعية تعلن رأيها في الدين صراحة أنه أفيون الشعوب ومخدر الفقراء وأنه انعكاس لشقاء فعلي، واحتجاج على هذا الشقاء. وربما قال قائلهم.. أنهم يقصدون الدين المسيحي
ولكنهم بشروا بذلك ـ فيما أعلم ـ في بلاد المسلمين كذلك
وقد كان دعاة الشيوعية ـ ولا يزال بعضهم ـ يفتخر بمحادته لله سبحانه وبتركه لشعائر الإسلام، وبممارسته لصنوف الانحلال
وكان لايزال من وسائلهم للتبشير إغراق الشخص بالمال والجنس..
حتى يغرق في الطين إلى أذنيه!
٢ـ وبدا لهم أن الشيوعية تلقى مقاومة عنيفة من العقيدة لمجاهرتها بالإلحاد..
فبدا لهم أن يعدلوا من التكتيك فبدأ روجيه جارودي فيلسوف الحزب الشيوعي الفرنسي ـ السابق ـ يعلن عن الأمل في تعاون بين المسيحين والشيوعين لبناء المستقبل دون أن نضيع شيئا من ميراث القيم الإنسانية
(غمزة إلى أنها ليست من عند الله) التي جاءت بها المسيحية منذ ألف عام [٥٠]
стр. 6197
ـ وفي البلاد الإسلامية بوجه خاص
فقد صدرت الأوامر إلى دعاة الشيوعية بأن لا تمس الدين وبأن تنادي بالماركسية مذهبا اقتصاديا مع الإبقاء على العقيدة الإسلامية بل صدرت الأوامر إلى دعاتها.. بأداء الشعائر الإسلامية كالصلاة والحج.. إلخ [٥١]
ومن هنا شاهد الناس أمثال خالد محي الدين.. وزياد برى الأول يؤدي مناسك الحج والثاني يؤدي مناسك العمرة مع أنهما يعلنان أنهما ماركسيان [٥٢]
وهكذا عمدت الشيوعية أخيرا إلى تلبيس الحق بالباطل، وإلى محاولة تجزئة الإسلام ـ كتكتيك مرحلي ـ والإعلان بقبول عقيدته وشعائره والاقتباس من الماركسية في مذهبها الاقتصادي.. وذلك حتى تتمكن فتقضي على الدين عقيدة كما قضت عليه شريعة
ثالثا: الشيوعية ـ والسياسة.. والإعلام
٦٧ـ مخاطبة القاعدة
كانت الشيوعية بادئ الأمر تغزو البلاد الإسلامية من القاعدة فتنشر مذهبها بين الجموع.. مستغلة ما تعرضت وما تتعرض له البلاد الإسلامية من قحط وتجويع بذنوبها أو بفعل أعداء الله فيها.. لتنشغل بلقمة العيش عن التفكير في واقعها الأليم وأمتها الممزقة.
ومستغلة كذلك ما تقع فيه بعض الأنظمة الحاكمة من بعد عن العدالة الاجتماعية الإسلامية، ومن ترف داعر ترفل فيه الطبقة الحاكمة، وبؤس بائس تعيشه الطبقات الكادحة.
ومستغلة كذلك غيبة الحكم الإسلامي الراشد.. الذي أقامت دعائمه من قبل النبوة الحكيمة والخلافة الرشيدة.
ومستغلة فشل الشعارات الوطنية الكاذبة ومعها شعارات الغرب الجوفاء.
وهكذا عملت الشيوعية لغزو القاعدة.
٦٨ـ وبدأت معها صريحة.. تعلن كفرها إلحادها.
فلما اصطدمت بالعقيدة الإسلامية القوية.. تلوت وتلونت.. وادعت مصالحتها للإسلام ومعايشتها لعقيدته، وغذت ذلك روسيا ببضعة أفراد تعلن عن إرسالهم إلى الحج.. وبضعة أفراد آخرين من البلاد الإسلامية تدعوهم إلى روسيا وتطوف بهم بعض المساجد.
стр. 6198
وقد حكى بعض هؤلاء.. أنه لوحظ أن المصلين في هذه المساجد.. لا يكادون يتغيرون.. فهم في موسكو الذين يصلون وهو في جمهورية أخرى كالقرم أو القوقاز هم الذين يصلون بل لاحظ أكثر من ذلك أن ملابسهم من نوع واحد وأحذيتهم كذلك من نوع واحد.
وأستدل من ذلك إلى أنهم أشبه بالفرقة المأجورة لتؤدي دورا فهي تنتقل حيثما يقضي الأمر أن تنتقل كما تنتقل الفرقة المسرحية بين مسرح وآخر!!
وإلى جوار ذلك نصحوا عملاءهم في البلاد الإسلامية بآداء الشعائر وإعلان الإسلام (كتكتيك مرحلي) . [٥٣]
٦٩ـ التغيير من القمة
إلى جوار مخاطبة القاعدة.. وهي مستمرة
فقد لجأوا أخيرا إلى لعبة الشعوب التي تلعبها الولايات المتحدة الأمريكية جربوا التغيير من القمة..ونجحوا فيه.. ووجدوه سهلا لا يبذلون الكثير فيه بينما تتولى تلك القمة ـ مقابل تعضيدهم لبقائهم في الحكم ـ تتولى عنهم كل شيء..
سلخ الأمة من دينها
إشاعة الإباحية والانحلال فيها عن طريق وسائل الإعلام وغيرها من الوسائل وأخيرا إشاعة الإلحاد.. شيئا فشيئا
ومثل في مصر في الستينات قريب
ومثل في الصومال في السبعينات أقرب!!
وهم الآن لا يشترطون في القمة التي تتعامل معهم أن تكون معتنقة مبادئهم.
بل يكفي أن تلتزم بنشر.. هذه المبادئ. وإن صلت وصامت وزعمت أنها مسلمة!!
الفصل الثالث
الدعوة الإسلامية
في وجه الغزو الفاجر
((توطئة
٧٠ـ تقف الدعوة الإسلامية، ويقف دعاتها.. صامدة في وجه الغزو الفاجر من غرب.. ومن شرق..
تقف موقف الدفاع..
الدفاع ضد ما يوجه إلى الإسلام من انتقاد..
أو ما يوجه إليه من تحطيم..
وفي الكثير يقف الدعاة موقف التبرير.. حين يهاجم الإسلام
لكن الإسلام كوسيلة لا يكتفي بالدفاع.. وأدناه التبرير
стр. 6199
وهو كهدف ومبدأ لا يقبل التجزئة ولا التقطيع ولا الترقيع الذي يريده له أعداء الإسلام لتحطيمه خطوة.. خطوة
أو نقضه عروة.. عروة.!
ونشير إلى كل في مطلب
المطلب الأول
وسيلة الإسلام
٧١ـ قد يقبل الإسلام المهادنة لكنه لا يقبل المداهنة
وقد يقبل الدفاع.. لكنه لا يرفض الهجوم ولا يتركه كوسيلة للدفاع!
وهو بكل تأكيد لا يقبل التخاذل.. ولا التبرير الذي يكشف عن ذلك التخاذل!
ذاك ما أعنيه في حديثي عن وسيلة الإسلام.. في مواجهة الزحف الفاجر للشرق الكافر والغرب الحاقد.. على الإسلام ونفصل الكلمات!
لا يقبل الإسلام المداهنة
٧٢ـ المداهنة لون من النفاق.. لا يرضاه الله للدعوة ولا للدعاة قد يقبل منهم.
إذا ابتلوا أن يهادنوا، لكن لا يقبل منهم أبدا أن يداهنوا! وفرق بين الأمرين عظيم ... !
لقد قبل رسول الله ﷺ يوم الحديبية أن يهادن..
وكان ذلك بداية الفتح العظيم الذي نزل فيه قول الله سبحانه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً..﴾
وكانت نهايته.. فتح مكة التي نزل بعدها قول الله ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً..﴾
٧٣ـ ولقد حاول الكفار مع رسول الله ﷺ أن يداهن
حتى قالوا له.. نعبد إلهك يوما، وتعبد إلهنا يوما
ورفض رسول الله ﷺ ، ونزل الوحي يؤيد رفض رسول الله ﷺ .
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ
لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ
стр. 6200
وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ
وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ.. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾
ونزل قوله تعالى ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾
وفي الإسلام دفاع وهجوم
٧٤ـ دفاع قد يقتضيه التكتيك
وهجوم كذلك قد يقتضيه التكتيك
وقد من وسائل رسول الله ﷺ الدفاع، وكان من وسائله الهجوم.. والهجوم والدفاع يومئذ دفاع عن الإسلام!
وسواء الدفاع والهجوم في المجال الحربي، أو في المجال السياسي والديبلوماسي.. فكلاهما مشروع
وكما نزل قوله
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾
فقد كان في نهاية آيات القتال قوله
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً..﴾
﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ..﴾
.. وهو في دفاعه وهجومه لا يعرف التخاذل.. ولا التبرير الذي يكشف عن ذلك التخاذل
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
٧٥ـ وفي مواجهة أهل الكتاب
فإن الله لا ينهانا عن الذين لم يقاتلونا في دينناولم يخوجونا من ديارنا أن نبرهم ونقسط إليهم..
لكنه ينهانا عن الذين قاتلونا في الدين وأخرجونا من ديارنا أن نتولاهم.. أن نعطيهم شيئا من محبة القلب أو نعطيهم شيئا من مساعدة اليمين ومن ثم فإننا أمام أهل الكتاب..من أهل الغرب أو من غير أهل الغرب
следующие страницы →