Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.
стр. 6126
أيها الإخوة الأعزة أعضاء المؤتمر: يسرني أن أحييكم تحية الإسلام، وأن أرحب بكم أجمل الترحيب، فأقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً بكم في بلادكم وبين إخوانكم في مدينة رسول الله ﷺ ، وفي رحاب مسجد نبيه ﵊، وفي مهاجره وفي عاصمة الإسلام الأولى، ومنطلق الدعوة إلى الله على يد رسوله محمد ﵊، وعلى يد أصحابه الكرام، الغزاة الفاتحين، والأئمة المهتدين، وأتباعهم بإحسان رضي الله عن الجميع وأرضاهم، وأسأله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من أتباعهم بإحسان وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا، وأن يولي عليهم خيارهم ويمنحهم الفقه في الدين، وأن يسلك بنا وبهم صراطه المستقيم، إنه سميع قريب.
أيها الإخوة إن هذا المؤتمر بلا شك مؤتمر عظيم، قد دعت الحاجة بل الضرورة إلى عقده، وإن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لمشكورة كثيراً على تبني هذه الدعوة إلى المؤتمر وقيامها بالإعداد له، ودعوتها نخبة ممتازة من أقطار الدنيا من العلماء والدعاة إلى الله من أكثر من سبعين دولة لحضوره وتبادل الرأي في شؤون الدعوة والدعاة وتذليل الصعوبات والعقبات التي تعترض سبيلها، وللنظر في طرق ووسائل محاربة الدعوات الضالة والمذاهب الهدامة والأفكار المنحرفة، وكل ما يتعلق بشؤون الدعوة وأحوال المسلمين.
стр. 6127
وإن حكومة هذه البلاد الحكومة السعودية وفقها الله تشكر كثيراً على موافقتها على إقامة هذا المؤتمر، وعلى دعمها له بكل ما يحتاج إليه، وعلى رعايتها له، كما هي بحمد الله تدعم كل ما يتعلق بالدعوات الإسلامية، والقضايا الإسلامية، وجميع ما يتعلق بالإسلام، فلها بحمد الله جهود مشكورة، وأعمال جليلة في دعم قضايا المسلمين وإعانة مؤسساتهم ومدارسهم وجمعياتهم، والدعاة إلى الله في كل مكان، فجزاها الله عن ذلك خيراً، وبارك في أعمالها وزادها من فضله، ونشر بها الدعوة في كل مكان، وأصلح لها البطانة، وكتب لها التوفيق من عنده، كما نسأله سبحانه أن يوفق قادة المسلمين في كل مكان وأن يهديهم صراطه المستقيم، وأن ينصر بهم الحق، ويخذل بهم الباطل، وأن يوفقهم للاستقامة على دينه، وإخلاص العبادة لله وحده، والقضاء على كل ما يخالف ذلك، كما نسأله أن يوفق قادة المسلمين وعلماءهم في كل مكان والدعاة إلى الحق وعلماء المسلمين والمسؤولين فيهم للتعاون الكامل على البر والتقوى، ونصر دين الله وإعلاء كلمته، وعلى بيان حقيقة التوحيد والعبادة التي خلق الله من أجلها الخلق وأرسل الرسل، وعلى بيان حقيقة الشرك الذي هو أعظم الذنوب وأكبر الجرائم، وعلى القضاء عليه وبيان حقيقته للناس، وبيان وسائله وذرائعه للناس، والقضاء عليها بالوسائل التي شرعها الله .
كما أسأله سبحانه أن يوفقهم جميعاً لمحاربة البدع التي استشرت في العالم، حتى التبس على أكثر الخلق دينهم بسبب ظهور البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان وبسبب كثرة المروجين لها والداعين إليها باسم الإسلام حتى التبس الحق على كثير من الناس، لقلة العلماء المتبصرين الذين يشرحون للناس حقيقة الدين ويوضحون لهم حقيقة ما بعث به الله نبيه محمداً ﵊، ويبينون لهم معاني كتاب ربهم وسنة نبيهم واضحة جلية كما تلقاها أصحاب رسول الله عن نبيهم وكتاب ربهم.
стр. 6128
أيها الإخوة الكرام أعضاء المؤتمر:
ليس من الخافي على كل من له أدنى علم أو بصيرة أن العالم الإسلامي اليوم بل العالم كله في أشد الحاجة إلى الدعوة الإسلامية الواضحة الجلية التي تشرح للناس حقيقة الإسلام وتوضح لهم أحكامه ومحاسنه، وتشرح لهم معنى ((لا إله إلا الله)) ومعنى شهادة ((أن محمداً رسول الله)) فإن أكثر الخلق لم يفهم هاتين الشهادتين كما ينبغي، ولذلك دعوا مع الله غيره، وابتعدوا عنه، إن هاتين الشهادتين هما أصل الدين وأصل الملة وأصل الإسلام.
أما الشهادة الأولى فهي تبين حقيقة التوحيد وحقيقة العبادة التي يجب إخلاصها لله وحده ، لأن معناها كما لا يخفى لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي العبادة عن غير الله وتثبت العبادة لله وحده، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، من الصلاة والزكاة والصوم والحج والذبح والنذر والدعاء والاستغاثة والسجود وغير ذلك، فهذه العبادات يجب أن تكون لله وحده، ويجب على العلماء أن يبينوا ذلك للناس، وإن صرفها لنبي أو ولي شرك بالله ، قال الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل﴾ ، وقال : ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ، وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ . والآيات في هذا المعنى كثيرة.
стр. 6129
وأما شهادة أن محمداً رسول الله فكثير من الناس لم يفهمها على حقيقتها وحكموا القوانين الوضعية وأعرضوا عن شريعة الله، ولم يبالوا بها، جهلا بها أو تجاهلاً بها.. إن شهادة أن محمداً رسول الله تقتضي الإيمان برسول الله ﵊، وطاعته في أوامره واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره وأن لا يعبد الله إلا بالشريعة التي جاء بها ﵊، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، فالواجب على جميع العالم، على جميع الثقلين أن يعبدوا الله وحده وأن يحكموا نبيه محمداً ﵊ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ .
وقال : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ . ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
أيها الإخوة الكرام أعضاء المؤتمر
стр. 6130
إن الناس اليوم في أشد الحاجة إلى الدعوة، وإلى بيان الداعية الذي ينبغي أن يقوم بهذه الدعوة وبيانها بأخلاقه وأعماله وصفاته، بحاجة إلى الداعية المستقيم في أقواله وأفعاله، الذي يكون قدوة للمدعوين في سيرته وأخلاقه وأعماله ومدخله ومخرجه وكل شؤونه، إن العالم بحاجة إلى تيسير وسائل الدعوة وإيضاحها، وتسهيل العقبات والصعوبات التي تقف في طريق الداعية، المسلمون اليوم في أشد الحاجة إلى الدعاة الصالحين، إلى العلماء المبرزين الذين يدعونهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ويوضحون لهم معاني كتاب الله وسنة رسول الله ﵊ ويبينون لهم سيرته ﵊ وسيرة أصحابه ﵃ وأرضاهم.
المسلمون اليوم بل العالم كله في أشد الحاجة إلى بيان دين الله وإظهار محاسنه وبيان حقيقته، والله لو عرفه الناس اليوم ولو عرفه العالم على حقيقته لدخلوا فيه أفواجاً اليوم كما دخلوا فيه أفواجاً بعدما فتح الله على نبيه مكة ﵊.
стр. 6131
أيها العلماء الكرام أيها الفضلاء: إن واجبنا عظيم وإن واجب المسؤولين في جميع العالم الإسلامي من علماء وأثرياء وأمراء وقادة إن الواجب عظيم والمسؤولية عظيمة..علينا أن نتقي الله في عباد الله، وعلينا أن نتعاون صادقين على البر والتقوى أينما كنا وأن تكون هناك علاقات قوية، واتصالات دائمة في شأن الدعوة والدعاة، وفي توجيه الناس إلى الخير، وبالتعاون على البر والتقوى وأرجو أن يكون اجتماعكم هذا تعاوناً على الخير وتبادلا للرأي في كل ما من شأنه انتشار الدعوة الإسلامية وتذليل العقبات والصعوبات أمام الداعية وبيان حال الداعية وصفاته وأعماله وأخلاقه، وبيان ما ينبغي أن تواجه به الدعوات المضلة والمبادئ الهدامة والتيارات الجارفة أرجو أن يكون في مؤتمركم هذا حل لهذه المشاكل وبيان لكل ما يحتاجه المسلمون في سائر الدنيا إنكم والله مسؤولون وإن الأمر عظيم وإني لأرجو الله لهذا المؤتمر المبارك أن ينجح في أعماله وأن يوفق في أعماله وأن يجعل العاقبة في حصول ما نرجوه من هذا المؤتمر وما نعلقه عليه من الآمال وأرجو أن يكون في جهودكم وأعمالكم وتبادلكم الرأي ما يحل المشكل وما ينفع الله به عباده المؤمنين في كل مكان وما يرحم الله به عباده، حتى يعرفوا دين الله وحتى يدخلوا في دين الله بأسبابكم، وحتى يكون لكم مثل أجورهم فقد صح عن رسول الله ﵊ إنه قال: " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " وقال ﵊: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً".
стр. 6132
وأخبر أن الدعاة إليه على بصيرة هم أتباع النبي ﵊ فأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أتباعه ﵊ على الحقيقة وأن يعيننا جميعاً على ما يجب علينا من طاعته والاستقامة على أمره، والتواصي بالحق والصبر عليه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، كما أسأله سبحانه أن يصلح قادة المسلمين وأن يمن عليهم بالتوفيق، وأن يصلح لهم البطانة وأن يردهم إليه رداً جميلاً، وأن يمن عليهم بالتوبة الصادقة حتى يقيموا أمر الله في أرض الله، وإن الحكام اليوم مسؤوليتهم عظيمة جداً وفي كل زمان ولكن في هذا الزمان الذي اشتدت فيه الغربة وكثر فيه دعاة الهدم والتضليل، فالواجب عليهم أعظم من ذي قبل، فالله المسؤول أن يهديهم لذلك، وأن يعينهم على آداء الواجب، وأن يشرح صدورهم للحق، وأن يمنحهم البطانة الصالحة التي تعين على الحق، وتذكرهم إذا نسوا، وتعينهم إذا ذكروا، وقد أخبر النبي ﷺ أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء ومعنى ذلك كما لا يخفى أنه بدأ غريباً لا يعرفه إلا القلائل، ثم انتشر وعز بحمد الله وظهر على الأديان كلها، ثم عاد غريبا بسبب اختلاف الناس واتباع الأهواء وقلة العلم، ولكن الرسول حث على القيام بإظهاره للناس وبيانه ونشره، حتى يظهر كما ظهر أولاً، حتى يظهر بعد غربته، وحتى ينتشر بعد غربته بين أبنائه، وبين غيرهم، بين المدعين له، المدعون للإسلام اليوم كثيرون، يعدون بمئات الملايين ولكن المتبصر منهم قليل، فنسأل الله أن يوفق علماء المسلمين حتى يظهروا دين الله على بصيرة وعلى حقيقته من كتاب الله وسنة نبيه ﵊، وحتى يوجهوا الناس إلى الخير، وحتى يظهروا بينهم الحق، وحتى يكون بذلك قد أظهروا دين الله وأصلحوا بين الناس، إن الله جل وعلا وعد عباده بالخير العظيم قال ﵊: " فطوبى للغرباء
стр. 6133
" قيل: يا رسول الله من الغرباء، قال: " الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي "، وجاء في حديث آخر أن النبي ﷺ أخبر أن الصابر على دينه في آخر الزمان كالقابض على الجمرة وأن الذي يدعو إلى الله في آخر الزمان له أجر خمسين من الصحابة وما ذلك إلا لقلة الأعوان وكثرة الشرور والفساد، وعلى الدعاة إلى الله أن يصبروا، وعلى العلماء أن يصبروا، وعلى الحكام أن يصبروا حتى يظهر دين الله وينتصر الحق، وحتى يفهم الناس دين الله وحتى ينيبوا إليه، وحتى يحكموا شريعة الله في عباد الله.
وأسأل الله أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يكثر في المسلمين دعاة الهدى وأنصار الحق، وأن يهدي حكام المسلمين وقادتهم لما فيه رضاه، وصلاح أمر عباده، إنه سميع قريب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان.
كلمة معالي وزير التعليم العالي
ثم ألقى الدكتور محمد محمود سفر وكيل وزارة التعليم العالي كلمة معالي الشيخ حسين بن عبد الله آل الشيخ وزير التعليم العالي، فأعلن أن تبني الجامعة الإسلامية لمؤتمر توجيه الدعوة وإعداد الدعاة، وعقد هذا المؤتمر في المدينة المنورة لم يأت اعتباطاً، فهذه الجامعة مهيأة تماما لكل ما من شأنه تبصير الناس جميعاً بهذا الدين الحنيف، وقال: إن المملكة ممثلة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إذ تستضيف هذا المؤتمر لتؤكد دائما سياستها على أسس الدعوة الإسلامية الرشيدة وهي بهذا تمارس مسؤوليتها إزاء دين الله داعية لهذا المؤتمر ومؤكدة لمنطلقنا نحو الدعوة الإسلامية.
وأضاف: وإذا كان الله قد هيأ لنا الثروة على أرضنا الطاهرة فإن الله قد هيأ لنا بها نصرة كلمة الحق، لتكون العزة لله ولرسوله.
стр. 6134
وقال في ختام كلمته أن تخبط الإنسانية إنما يعود إلى بعدها عن شريعة الله ولا بد للداعية أن يقوم بواجبه والدعوة إلى الله، بأسلوب متسم بالصبر والأناة وعدم المغالاة ولنا في رسول الله ﵇ وسلفه الصالح أسوة حسنة.
وقد حان الآن الأوان لأسلوب الدعوة أن يتطور بما وصل إليه العلم الحديث وما حدث من تطورات في المجتمع.
كلمة فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد نائب رئيس الجامعة الإسلامية
ثم ألقى فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد نائب رئيس الجامعة الإسلامية الكلمة التالية:
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ... وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وخليله وخيرته من خلقه، سيد الدعاة إلى الله، وقدوة الهداة إلى الصراط المستقيم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، الداعين إلى كل خير، الناهين عن كل شر.
أيها الإخوة الكرام أحييكم بتحية الإسلام، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأرحب بكم جميعاً في جامعتكم الإسلامية فأهلاً وسهلاً بكم وعلى الرحب والسعة، وأسأل الله تعالى لكم طيب الإقامة في هذا البلد المبارك.
أيها الإخوة الكرام:
إن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة نعمة انعم الله بها على حكومة المملكة العربية السعودية، إذ وفقها لإنشائها في طيبة الطيبة، في وقت أحوج ما يكون المسلمون إليها، وهي تضطلع بمسؤولية عظيمة في سبيل الدعوة والتعليم، أسال الله تعالى أن يوفقها لأدائها على الوجه الذي يرضيه، وينفع عباده.
أيها الإخوة الكرام:
стр. 6135
لقد أدركت الجامعة الحاجة الملحة إلى عقد مؤتمر عالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة ـ فكان هذا اللقاء المبارك الذي نرجو أن يعود بالخير العميم، والعاقبة الحميدة للمسلمين، وإن رعاية حكومة المملكة، وعلى رأسها جلالة الملك خالد بن عبد العزيز حفظه الله، وسمو ولي عهده الأمير فهد بن عبد العزيز، الرئيس الأعلى للجامعة حفظه الله ـ إن رعاية حكومة المملكة لهذا المؤتمر الهادف يعتبر دليلا واضحاً، وتعبيراً صادقاً عن اهتمامها بالدعوة إلى الله، وإلى شريعته التي أكرمها الله بتحكيمها فصارت بحمد الله مضرب المثل في الأمن والاستقرار، وقدمت للعالم في هذا العصر البرهان العلمي، على أن تحكيم شريعة الله هو السبب في أمن الأمم واستقرارها ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
زادها الله توفيقاً وتسديداً، ووفق المسلمين جميعاً حاكمين ومحكومين إلى الرجوع إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم محمد ﷺ .
ليظفروا بالسبب الحقيقي في سعادة الدنيا والآخرة.
أيها الإخوة الكرام:
стр. 6136
إن مؤتمركم هذا وجه من أجل الدعوة الإسلامية -الدعوة إلى دين الله- الذي لا يقبل الله من أحد سواه الدعوة إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور، من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق، من المعصية إلى الطاعة، من البدعة إلى السنة، الدعوة إلى السير على نهج سلفنا الصالح الصحابة الكرام وتابعيهم بإحسان، الدعوة إلى التقرب إلى الله بالعامل الصالح الذي يكون لله خالصا، ولسنة رسوله ﷺ موافقاً، الدعوة التي هي الأمر بكل معروف، والنهي عن كل منكر، والتي حصلت الخبرية لهذه الأمة بسببها، وحصل اللعن لبني إسرائيل بالإخلال بها، كما قال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
ووجه هذا المؤتمر من أجل الدعوة الخيرة، الهادفة إلى إسعاد البشرية في دنياها وأخراها.
فسيروا في مؤتمركم على بركة الله، واثقين بوعد الله ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ .
أيها الإخوة الكرام:
إن هذه الفرصة التي نلتقي فيها هذا اللقاء المبارك في سبيل الله ومن أجل الدعوة إليه ـ من أسعد الفرص، ولا أستطيع التعبير عن مدى السرور والاغتباط في هذه الفرصة السانحة.
стр. 6137
وإني أتقدم بالشكر ـ بعد شكر الله لجلالة الملك خالد بن عبد العزيز حفظه الله، الذي وافق على عقد هذا المؤتمر، ولسمو ولي العهد، ونائب رئيس مجلس الوزراء، والرئيس للجامعة الإسلامية (الأمير فهد بن عبد العزيز) ـ حفظه الله ـ الذي كان حريصاً على أن يكون معكم في هذا اللقاء لولا مشاغله التي حالت دون ذلك.
وأشكر جميع الأخوة أعضاء المؤتمر على تلبيتهم دعوة الجامعة لحضور هذا المؤتمر والمشاركة فيه.
كما أشكر الإخوة الذين أجابوا دعوة الجامعة لحضور افتتاح هذا المؤتمر، وأسأل الله تعالى أن يثيب الجميع خيراً، وأن يكلل المساعي التي تبذل في الدعوة إلى الله بالنجاح وأن يحسن العاقبة للمسلمين.
إنه سميع مجيب..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
كلمة فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي
نيابة عن أعضاء المؤتمر
هذا وقد اختتم حفل الافتتاح نيابة عن المؤتمرين الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي رئيس ندوة العلماء (بكنهو) بالهند بكلمة قال فيها:
إن هذا المؤتمر يدل على اللا عنصرية في الإسلام، وأنه لا تمييز فيه سواء كان تمييزاً قومياً أو وطنياً أو جغرافياً وقال إن بعثة محمد ﵇ هي بعثة جامعة شاملة اقترنت بتكليف هذه الأمة بالدعوة إلى الله، ذلك التكليف المشرف الكريم الذي قال فيه الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ .
وأضاف الشيخ الندوي قائلاً: وهذه الدعوة هي مصدر كل خير ومصدر الانطلاقات والنشاطات التي عرفت بها هذه الأمر وقال إن كل ما يعتز به المسلمون من مدينة فاضلة إنما يرجع الفضل فيها إلى ما يعتزون به من دعوة وإن خير هذه الأمة مرتبط ببقاء هذه الدعوة التي ينبغي أن تكون مرافقة لها في جميع أطوارها..
стр. 6138
وقال فضيلة الشيخ أبو الحسن في كلمته التي أثارت إعجاب الحاضرين: إن مستقبل هذه الأمة مرتبط بقضية هذه الدعوة وإذا انقطع تيار هذه الدعوة بقيت هذه الأمة جسداً بلا روح.
وختم كلمته قائلا: ولولا هذه الدعوة لما استطاع هندي ولد في بلاد بعيدة وسط المشركين والملحدين أن يتكلم العربية في هذا المكان وينطق بكلمات الحق الإلهي مع تعاليم الإسلام وهديه الكريم..
اختيار سماحة الشيخ بن باز رئيساً للمؤتمر
وفضيلة الشيخ العباد نائباً للرئيس
وفضيلة الشيخ الغزالي مقرراً
انتهت الجلسة الأولى من اليوم الثاني للمؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة باختيار سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد رئيساً للمؤتمر، وفضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد نائب رئيس الجامعة الإسلامية نائباً لرئيس المؤتمر، وفضيلة الشيخ محمد الغزالي رئيس قسم الدعوة وأصول الدين بجامعة الملك عبد العزيز مقرراً للمؤتمر.
كلمة رئيس المؤتمر
وقد ألقى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد كلمة قيمة في حفل انتخاب الرئيس ونائب الرئيس والمقرر في المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة وفيما يلي كلمة سماحته:
стр. 6139
قال بعد حمد الله تعالى والصلاة والسلام على رسوله ﷺ أما بعد: فإن هذا المؤتمر العظيم هو جديد في ذاته، ولم يكن هناك مؤتمر قد سبقه في توجيه الدعوة وإعداد الدعاة، ولا شك أن هذا المؤتمر الذي جمع ممثلي ثلاث وسبعين دولة له شأن عظيم، والمسلمون في كل مكان في الدول الإسلامية، والأقليات الإسلامية في حاجة إلى من يوضح لهم محاسن دينهم، وهذا المؤتمر ـ أرجو أن يكون في توصياته، ومقرراته التي تصدر عنه ما يرسم الخطة التي فيها الخير والصلاح والسداد لجميع الدعاة، وأن يكون فيها ما يعين على تذليل العقبات التي تعترض سبيلهم، وأن يكون فيه بيان واضح لمجابهة الدعوات المضللة، والتيارات المنحرفة، والأفكار الهدامة، التي يبثها وينشرها أعداء الدين ونرجو أن تعنى بها اللجان، والواجب علينا، كل واحد في محله، في مقر عمله، في بلاده، أن يبذل وسعه في الدعوة إلى الله، وتشجيع العلماء في شرح المشاكل التي تعترض الدعاة، وطريقة حلها..
ولا ريب أن كل عالم إذا نشط في محله، وقام بما يجب عليه من توجيه وبيان، وتشجيع ومساندة لدعاة الحق ـ لا شك أن هذا سيكون له أثر عظيم في توضيح الحق للناس وتشجيعهم على الخير، وتوجيههم إلى ما يجب عليهم نحو دينهم وإخوانهم في كل مكان..
стр. 6140
ومن أهم المهمات أيضاً: العناية بالكتاب الصالح الذي ينبغي أن ينشر بين الناس الذي يشتمل على العقيدة الصالحة وبيان أحكام الله، ومحاسن الإسلام، فإن هذا الكتاب من أهم الكتب التي يجب أن تنشر باللغات المتعددة الكثيرة ويوزع بين الجمعيات والمدارس، والدعاة ليستفيد الناس، وكذلك الجمعيات والمؤسسات جديرة بالتشجيع والمعاونة، وأن ينشر عنها حتى تساعد وتعاون فيما يعينها على تحقيق دعوتها، والعالم غير الإسلامي، في حاجة إلى الدعاة وإلى علماء الإسلام حتى يوضحوا له دين الإسلام، لأنهم في أشد الحاجة إلى ذلك، ولأنهم في حيرة وقلق وشك، لأنهم ما وجدوا من نصرانية وغيرها ما يطمئن قلوبهم ويريح ضمائرهم ويقنعهم بأنهم على دين، وإن لهم عاقبة يريدون حسنها.
فأنتم أيها الإخوة أولى الناس ببيان هذا الأمر، وتشجيع العلماء وغير ذلك من الطرق، وعلينا أن نوضح دين الإسلام بأدلته الواضحة من قرآن وحديث صحيح ونوضح المعنى، ونزيل الشبه، ونكشفها للناس.
ويجب على الدعاة أن يكونوا صابرين، محسنين، يرجون ثواب الله، وعلى أولي الأمر في الدول والأقليات مساعدة العلماء الداعين إلى الله، وإمدادهم بجميع المساعدة..
أيها الإخوة الكرام..
هذا شيء لا يخفى عليكم، أن أولى الأمر عليهم مساندة الدعاة بالمال، وعليهم نشر الكتب المفيدة، وترجمتها إلى اللغات الحية، وتوزيعها بين الناس..
وأسأل الله أن يبارك في هذا المؤتمر، ويوفقه لإصدار توصيات ومقررات تنفع المسلمين، وتعينهم على معرفة دينهم، وعلى محاربة أعدائهم، وعلى الحذر من كل ما يضرهم، إنه جواد كريم، وهو البر الرحيم..
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
كلمة فضيلة الشيخ العباد بعد انتخابه نائباً لرئيس المؤتمر:
стр. 6141
ثم ألقى فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد نائب رئيس الجامعة كلمة قيمة بعد انتخابه نائباً لرئيس المؤتمر وفيما يلي نص كلمة فضيلته..
بسم الله والحمد لله
أما بعد.. فإني أشكر للإخوة المؤتمرين للشيخ ابن باز رئيساً لهذا المؤتمر الهادف، الذي هو في الحقيقة يعتبر أول مؤتمر تعقده الجامعة وهو مؤتمر عظيم له ما بعده إن شاء الله.
واختيار الشيخ بن باز اختيار في محله، لأنه هو رئيس هذه الجامعة مدة ثلاثة عشر عاماً، ثم بعد انتقاله عنها ـ إلى رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ـ هو عضو في مجلسها الأعلى، وقد اختاره الأمير فهد في رئاسة الدورة الثانية التي انعقدت في رجب ١٣٩٦هـ ثم اختاره في رئاسة المجلس الأعلى في هذه الدورة، ثم اختاره لافتتاح هذا المؤتمر وهو اختيار في محله من الناحية الرسمية، ومن الناحية الحقيقية، لأنه هو الداعية المجاهد، ولا نزكي على الله أحداً، وهو في عمل هو في صميم الدعوة، بل هو الأساس والمنطلق في هذه البلاد، فرئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ـ هي المسؤولة في المملكة عن الدعاة إلى الله، وبعثهم داخل وخارج المملكة، ودار الإفتاء والجامعة يتعاونان ويتساعدان، والصلة بينهما أتم صلة، وأعظم وثيقة، لأن الجامعة تخرج الدعاة وترشحهم، ورئاسة البحوث تختارهم وترسلهم.
ثم اختيارهم للغزالي، الكاتب صاحب المؤلفات الكثيرة، صاحب القلم السيال هو اختيار في محله، أما اختياري أنا لهذا المنصب فأعتقد أني لست أهلا لهذا المنصب ولكنه من باب الشكليات، ومن باب الأشياء التي اعتادها الناس، وأعتقد أنه بهذه المناسبة يمكن لي أن أكون في هذا المكان، أما من النواحي الأخرى، فاعتقد أني لست أهلا لذلك..
ثم أشار فضيلته إلى الكيفية التي بها اختيار كل عضو للجنة التي يرغبها..
وعقب بقوله:
стр. 6142
أود أن أشير إلى أن مهمتنا كبيرة وموضوعنا عظيم وأن الأيام أمامنا قليلة، ونحن في حاجة إلى كسب الوقت وحفظه فيما يعود علينا بالفائدة الكبيرة والنتائج الطيبة، وأرجو من الإخوة ملاحظة ذلك في قاعات اللجان..
كلمة فضيلة الشيخ محمد الغزالي مقرر المؤتمر
السلام عليكم..
نحن في عصر تبرجت فيه الدعوات، وافتتنت في عرض محاسنها أو ما تزعمه لنفسها من محاسن، وحدث ذلك في وقت أصيب العالم الإسلامي فيه بأزمة طاحنة في الدعاة، وقلة مستغربة في الرجال، الذين يفقهون هذا الدين، وينقلونه من قلب إلى قلب، ومن قطر إلى قطر، وكانت نتيجة هذا التفاوت مرة أراجت الشيوعية مثلا، وقلت في كتبي: إن رواج الشيوعية لا يعود إلى جودة السلعة ـ بل إلى نشاط العارضين، وأنه لأمر مؤسف حقاً أن يتخاذل الحق برجال تكاسلوا في عرض مبادئه، وأن يتقدم الباطل ويوغل.. لأن له رجالا نشطوا في عرض مفترياته. الأمر خطير بلا شك، ونحن الذين نعمل في مجال الدعوة، نشعر بأمور كثيرة، لعل أول ما نشعر به: إننا ثمرة لرجال أدوا ما عليهم لله في نشر الدعوة. وكما قال أخونا الندوي (أمس) .
أنا في الهند، من عرفني الإسلام؟ ومن شرح صدري به؟ إنهم دعاة.. من هم؟ الله يعلمهم..
أنا من مصر، من الذي أنار لي حقائق هذا الدين وجعلني ممن يتكلمون ويعيشون له؟ رجال عسكريون، علماء، دعاة، نحن ثمرات جيل مؤمن، ثمرة لجهاد مخلص، قام به رجال قبلنا، أدوا ما عليهم لله، إذ لم يحتكروا نور الإسلام لأنفسهم، بل بسطوا أشعته على دروب العالمين، وجعلوا الناس تتمكن من الدخول فيه والعمل به، إذا كنا نشعر بهذا الجميل لأناس لا نعرفهم، أو نعرف قليلا منهم ـ فحق الأجيال القادمة علينا ـ أن نقدم لها الدين الذي وصل إلينا، وأن نقدمه كاملاً غير منقوص، لنرجو به ثواب الله، كما قدم غيرنا هذا الدين إلينا راجياً ثواب الله.. هذه واحدة..
стр. 6143
الشيء الثاني أننا نحن المسلمين نبلغ الآن ملياراً من الأنفس. هناك معركة تدور في صمت عن إحصاءات المسلمين في العالم، ربما جعلناهم نصف ذلك أو أكثر قليلاً أو أقل قليلاً -لكن المسلمين يبلغون ملياراً من الأنفس، ويشاء الله أن الكم لا يكون له وزنه إن لم يكن معه كيف له حرمته وله مكانته. إن مسجداً صغيراً يصل فيه ثلاثمائة مسلم ـ أي عدد الذين حضروا معركة بدر- عدد ربما لا يؤبه له. لكن هذا العدد من المصلين هو الذي كسب معركة الإسلام في بدر، وحوّل تاريخ البشرية، إن الأيدي المتوضئة التي قادت زمام العالم قديماً هي التي استطاعت أن تقدم لنا حضارة ضخمة، وأن تصنع الكثير لأن القلة الناشطة لها وزنها، والكثرة العاطلة لا وزن لها، فإذا كان عدد المسلمين الآن ملياراً من الأنفس، فإننا نسأل أنفسنا: كيف يضعف الإسلام ونحن على هذه الكثرة الكاثرة؟؟؟
إن الأمر يحتاج إلى تأمل وإلى دراسة، ولنعترف بالواقع، فإن مجافاة الواقع ليست من العقل! المسلمون الآن موزعون على نحو سبعين جنسية أو أكثر، وهذه الجنسيات التي توزعنا عليها مختلفة في أساليب الحكم، وفي ألوان المجتمع، هناك حكومات مستقلة كما تسمى، وهناك دول المسلمون فيها كثرة ولكن الحكومات فيها لا صلة لها بالإسلام، بل قد تكون صليبية علنا، أو شيوعية علنا، أو علمانية لا لون لها علنا ـ والقاسم المشترك بين جماهير المسلمين ـ أن هناك بيقين انهزاما في تطبيق الإسلام.
стр. 6144
ربما كانت هذه المملكة من توفيق لها أنها حظيت بملك يعتمد على الدين، ويرى شرفه بأن ينتسب إلى الإسلام، لكن أنواع السلطة في العالم الإسلامي نجح الغزو الثقافي في إبعادها عن الإسلام، فضرب التشريع الإسلامي ضربة انهار لها، وحكم المسلمون الآن بغير ما أنزل الله. ولما كان القانون أو التشريع هو الحزام الذي يشد تعاليم الإسلام ـ فإن هذه التعاليم بقيت بغير رباط يجمعها ويشد عراها، فأخذت تتخلخل وتتراخى وتتساقط، ثم وجدنا من يقول: (التقاليد القديمة لا معنى لها:)
فغرتنا التقاليد الجديدة، الأخلاق الدينية لا الأخلاق المدنية.
ومن يقول: الأخلاق الدينية أهدأ من الأخلاق المدنية والعبادات هي وسيلة لإقامة الأخلاق فلا ضرورة للعبادات. ثم بدأت العقائد نفسها تترنح إثر ضربات وجهت إليها. وبلغ من أن يقال الآن: التثليث والتوحيد سواء من الناحية المادية والأدبية!!!
ولهما حق الوجود، ولهما حق الاقتران، ولهما حق الزحف والدخول في العقول على قدر مشترك!!!
هذه الهزيمة التي نشعر بها ـ يكلف الدعاة الآن بأن يواجهوها! وأريد أن أقول:
أنني لا أكلف داعية بمغامرة! ولنا في سيد الدعاة رسول الله ﷺ أسوة حسنة، نحن لا نتعجل معركة، نخسر الكثير ونكسب فيها القليل.
إن سيد الدعاة ﷺ بدأ بالتغيير الجذري عندما بدأ بغزو النفوس، وعندما بدأ بشحن العقول بلغ هذا الشحن مدى أسأل نفسي.. هل وصلنا إليه؟ أقول: لا.
أتأمل في هذه الآية: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ ؟
стр. 6145
ما معنى: آذنتكم على سواء؟ أي تركتكم وعلمكم بالحق كعلمي به، أعلمتكم فأنا وأنتم سواء في معرفة الحقيقة. هذا هو النجاح الحاسم في تبليغ الدعوة: أن توصل الحق إلى الناس فيعرفوه جيداً، ثم إذا انصرفوا عنك بعد ذلك فمن هوى غالب أو جحود حاكم، أو عن رغبة في مشاقة الله ورسوله ـ أنت بعدها أنصفت نفسك وأنصفت ربك وأنصفت دينك.
لكن كثيراً من الدعاة الآن ليس لديهم بيان ولا وضوح الرؤية الذي يستطيع به أن يبلغ حقائق الإسلام للناس.. بل بلغ من هوان الأمة الإسلامية أن اليهود الذين سطوا على البيت وطردوا رب البيت منه واقتحموه ـ استطاعوا أن يقولوا للعالم: إنهم أصحاب البيت!!! وعجز صاحب البيت أن يثبت أنه صاحبه!!
بل بلغ الهوان بنا: أن اليهود يقولون: يهودية.. أما العرب فيقولون: لا إسلام.. ولا نصرانية.. ولا يهودية.. (علمانية) (دولة علمانية) . ومعنى هذا: أننا فرطنا في إسلام بينما بقى غيرنا في ظل علمانية أو قوانين مدنية، بقي مستمسكاً بيهوديته أو نصرانية.
وسبب هذا هزيمة المسلمين: أن العرب خانوا الإسلام، وفصلوا قضية فلسطين عن الدين، وجعلوها عربية. فكانت النتيجة أن انفردت اليهودية (وهي عقيدة) والصليبية (وهي عقيدة) بعرب تركوا الإسلام وراءهم ورفضوا أن يجعلوه شعاراً وأن يعيشوا في ظله. وأي دين باطل إذا التقى بقوم لا دين لهم فالنتيجة واضحة.. إنه سيمرغ وجوههم في الوحل، ولكن هذه المتناقضات كلها يستطيع الدعاة أن يتغلبوا عليها، فنحن لسنا في ظروف أسوأ من الظروف التي بدأ فيها سيد الدعاة رسالته. فقد بدأ والظلام من حوله حالك، وكل شبر من أرض الله يتنكر له، ومع الظلمة السائدة، والعداوة البادية ـ فإن صاحب الدعوة العظيم ﷺ استطاع أن يغير الدنيا، وأن يطلع بالإسلام فجراً على ظلامها، وصبحا ينسخ كل ما فيها من سواد.
نحن لسنا في ظروف أسوأ من هذه الظروف.
стр. 6146
لكننا ينبغي أن نعرف الخطة التي سار عليها. وهذه الخطة تتطلب أمرين: الإخلاص ـ والعلم.
والإخلاص وحده لا يكفي، فرب مخلص قتل صديقة كما قتلت الدبة صاحبها. والعلم وحده لا يكفي، فرب عالم استغل علمه في تملق السلطات التي تتطلب الرهبة والرغبة، وعاش للدنيا يطلبها!!! نحن محتاجون إلى الأمرين معا: إلى العلم وإلى الإخلاص.. وتحت هذين العنوانين أمور كثيرة لا نتحدث عنها، لكني أقول لإخواني: إن هذه البداية المباركة في مؤتمر يقوده ناس: أحسن ما نرى فيهم الغيرة على توحيد الله، والرغبة في تجريد العقيدة من أي بدعة، والعمل الدائب على أن نقتدي بسلفنا الصالح.. هذه البداية في هذا المكان، في دار الهجرة تجعلنا نأمل الخير، ونرى أننا هنا نتصارح..
يا إخواني.. نحن هنا نريد أن نصطلح مع الله، ونتوب إليه ونتحدث عن العوائق أمام الدعوة، وعما تنجح به الدعوة، ثم نؤدي ما علينا في مصارحة لا مداهنة..
لقد كان صاحب الرسالة قديما يستطيع أن يمر بشيء ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ لكن الإدهان ليس من صفات الداعية، الداعية صحيح في عرض مبادئه، صريح في توضيح غاياته، وليس لنا من نستحي منه.
نحن في وجه من يقول بالتثليث ـ في وجه من يعطل الوجود عن إله يدبر أمره ويشرف على شؤونه في وجه جاهلية تتبجح بمطاوعة الأهواء وإجابة الشهوات ـ في وجه هذا كله نقول:
نحن أتباع محمد ﷺ ، نوحد ربنا، ونصلح في هذه الدنيا سيرتنا، لأن أساس النجاة إيمان واضح، وعمل صالح، نحن ننتسب إلى الإسلام ونملأ الدنيا. لقد استطاع أصحاب الدعوات المشوهة أن ينالوا نصراً كبيراً لأنهم زوقوا، واستطاعوا في معاركهم معنا أن يشوهوا ديننا، وكما قال القائل في وصف هذا الدين:
كاد الليالي وكادته مجالدة وارتد عدوانها من بعد تقتال.
стр. 6147
فلنبرز محاسن الإسلام، ولنؤد ما علينا في استنقاذ أمتنا، وأداء رسالتنا، والله الموفق والمستعان. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله.
أعضاء المؤتمر يرفعون برقية شكر إلى سمو نائب جلالة الملك
وقد رفع سماحة رئيس المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة برقية شكر إلى صاحب السمو الملكي نائب جلالة الملك هذا نصها:
صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز
نائب جلالة الملك والرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة " حفظه الله "
إن المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة إذ ينعقد في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وفي رحاب المملكة العربية السعودية رائدة التضامن الإسلامي، وفي ضيافتها الكريمة ـ ليسر أعضاؤه الذين يمثلون أكثر من سبعين دولة من سائر قارات العالم أن يتوجهوا إلى جلالة الملك المعظم وإلى سموكم الكريم بوافر الشكر وعظيم التقدير لرعايتكم الكريمة لهذا المؤتمر، الذي سيحقق إن شاء الله أملا عزيزاً ومصالح عظيمة للمسلمين في سبيل الدعوة إلى دينهم وإعلاء كلمة ربهم وتنسيق جهودهم في هذا السبيل كما يشكرون لجلالة الملك المعظم ولسموكم الكريم ما تولونه القضايا الإسلامية كلها من دعم ورعاية مادية ومعنوية.
وأنهم ليضرعون إلى الله ﵎ أن يحفظ جلالة الملك ويحفظكم ويبارك جهودكم لعزة الإسلام وخير المسلمين. والسلام عليكم.
رئيس المؤتمر عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رد سمو الأمير فهد بن عبد العزيز
١٩٢٧ صاحب السماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المدينة..
стр. 6148
لقد تلقينا برقيتكم التي نقلتم فيها إلينا مشاعر الإخوة الكرام من وفود مؤتمر الدعوة والدعاة تلك المشاعر الطيبة الكريمة ونود أن تشكروا لهؤلاء الإخوة الكرام جميعاً هذه المشاعر وأن تذكروا أننا إنما نؤدي واجباً مفروضاً يمليه ما من الله به علينا من رعاية هذه الأماكن المقدسة كما نود أن تؤكدوا للإخوة الكرام أننا لن ندخر وسعاً في سبيل تدعيم الأهداف النبيلة التي اجتمعوا من أجلها بكل الوسائل المعنوية والمادية بارك الله جهودكم ووفقكم في مهمتكم الجليلة وجعل كلمته هي العليا.
فهد بن عبد العزيز
رئيس وأعضاء المؤتمر يشكرون سمو الأمير فهد بن عبد العزيز
وبعد انتهاء المؤتمر رفع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز برقية شكر إلى صاحب السمو الملكي نائب جلالة الملك نصها
صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب جلالة الملك والرئيس الأعلى للجامعة حفظه الله
بمناسبة انتهاء جلسات المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة الذي عقدته الجامعة الإسلامية برعاية سموكم الكريم في المدينة المنورة ـ يسر رئيسه وأعضاؤه جميعاً أن يرفعوا لجلالة الملك المعظم ولسموكم الكريم أصدق آيات الشكر والامتنان لما أوليتموه هذا المؤتمر من رعاية مادية ومعنوية يسرت له بتوفيق الله أسباب نجاحه فيما توصل إليه من توصيات مهمة يرجى في تنفيذها الخير الكبير للإسلام والمسلمين ـ ولما لاقوه من حفاوة وكرم ضيافة، ولما تحقق فيه من تعارف وتوثيق مودة بين أعضاء المؤتمر الذين يمثلون أكثر من سبعين دولة في سائر قارات العالم.
وإنهم ليتوجهون إلى الله بالدعاء أن يحفظ بعين رعايته جلالة الملك المعظم وسموكم الكريم، وأن يبارك جهودكم لنصرة دينه وإعلاء كلمته ودعم القضايا الإسلامية ورعايتها. والسلام عليكم.
رئيس المؤتمر
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6149
جواب سمو الأمير فهد بن عبد العزيز
صاحب السماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
سلمه الله المدينة المنورة
نشكركم على برقيتكم بمناسبة انتهاء جلسات المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة ونحمد الله تعالى على ما وفقكم فيه أنتم وأعضاء الوفود الكرام الذين ساهموا في إنجاح هذا المؤتمر ونسأل الله التوفيق لإنفاذ توصيات المؤتمر ونأمل أن تنقلوا شكرنا وتقديرنا لجميع أعضاء الوفود على ما بذلوا من جهود طيبة لتكون هذه الدورة مثمرة ومفيدة ونتمنى للمؤتمر دائماً كل سداد وتوفيق في كل دوراته ونشاطاته..
فهد بن عبد العزيز
стр. 6150
الدعوة الإسلامية ووسائل الإعلام
للدكتور عبد المنعم محمد حسين
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وآله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، وبعد.. فإن الدعوة الإسلامية دعوة جامعة لدعوات الرسل جميعا، بها ختمت تلك الدعوات، وبها تم الدين وكمل، كما قال الله ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ [١]
وكما قال ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام﴾ [٢]
فالإسلام هو دين الله الذي رضيه لعباده، ليستقيموا به على صراطه المستقيم، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [٣]
والإسلام دين الفطرة، فهو يتفق مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو المثل الأعلى للإنسانية، لأنه حرر العقل، وأطلقه من عقاله إطلاقا يعود على الإنسانية بكل خير، ودفع العقل دفعا ليتفكر في الكون ليسمو الجانب الروحي، وليفكر في تسخير الأشياء للإنسان ليرتقي الجانب المادي.
والإسلام هو النظام الإلهي الكامل الذي لا يمكن للإنسانية في سعيها لبلوغ الكمال الإنساني أن تجد أرقى منه في جميع مجالات الرقي، عقليا ونفسيا وخلقيا وعاطفيا وروحيا، وماديا وفرديا واجتماعيا.
وأساس الدعوة الإسلامية هو الإيمان بالله واحدا لا شريك له، ثم ما يقوم في ظل هذا الإيمان من شريعة شرعها الله تعالى لأمة الإسلام، في تعبدها لله وفي بناء المجتمع الإسلامي المؤمن بالله.
стр. 6151
ويجب على كل مسلم أن يثبت أركان الإسلام في نفسه، ويحاسبها عليها، ويقيمها على طريقها إن هي مالت أو انحرفت، فإذا سوى المسلم حسابه مع نفسه، كان عليه أن يدعو الناس جميعا أن يشاركوه في نعمة الإسلام، وأن يهدي إليها الحائرين الضالين، فليس من الإيمان أن يحتجز المؤمن الخير لنفسه وفي الناس من هم في حاجة إليه، ولهذا يجب أن تكون أمة الإسلام أمة داعية إلى هذا الدين الذي أكرمها الله تعالى به، وأن تفتح لغير المسلمين الطريق إليه. يقول الله تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [٤] ويقول : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [٥] .
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو رسالة أمة الإسلام فيما بينها، ثم هو رسالتها في الناس جميعا، وينبغي على الدعاة أن يدعوا إلى سبيل ربهم بكل وسيلة ممكنة في العصر الحالي، بعد أن كثرت وسائل الإعلام، وتنوعت أساليبها واستغلها أعداء الإسلام، في ترويج الفساد، والتشويش على الدعوة الإسلامية، وأصبح لزاما على المسلمين أن يدافعوا على دينهم، وأن يبينوا حقائقه للناس أجمعين، فلقد أصبح الإسلام ـ في العصر الحديث ـ يواجه غزوا رهيبا محملا بوسائل الفساد للمسلمين من وسائل الإعلام من جرائد ومجلات وكتب ومسرحيات وإذاعة مسموعة ومرئية وأفلام سينمائية. وخطورة هذا الغزو أنه يدخل إلى عقول الشباب وقلوبهم دون أن يلتفت الكثير منهم إلى ما دخل عليه من أفكار مسمومة.
إن وسائل الإعلام عدو خفي يحارب المسلمين بالكلمة والصورة والفكرة، وهي أسلحة أشد خطورة من الجيوش الزاحفة بأسلحتها المادية التي يعرف منها وجه العدو الذي يغزوهم.
стр. 6152
وينبغي أن يوجد إعلام إسلامي يتصدى لهذا الغزو الرهيب من وسائل الإعلام الحالية ويوصل الدعوة الإسلامية إلى عقول الناس وقلوبهم في جميع أنحاء العالم.
وقد أصبح وجود الإعلام الإسلامي واجبا ولازما، لا غنى عنه في العصر الحالي، وتستطيع المملكة العربية السعودية ـ بعون الله ـ أن تنهض بهذا الأمر، وهي الأرض الطيبة التي انطلقت منها الدعوة الإسلامية بعد بعثة رسول الإسلام ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ والتي تهفو إليها قلوب المسلمين في جميع أنحاء العالم، وهي القطر الذي يحمل لواء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث ويبذل غاية الجهد من أجل نصرة الإسلام، وتوحيد كلمة المسلمين، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [٦] .
وسأحاول في هذا البحث أن أبين أساس الدعوة الإسلامية ثم أبين خطر وسائل الإعلام بصورتها الحالية في الأقطار الإسلامية، وكيف أنها تتعاون مع أعداء الإسلام في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته، وأن أبين واجب المسلمين في أقطارهم المختلفة نحو وسائل الإعلام وضرورة توجيهها وتحويلها إلى أدوات بناء للمجتمع الإسلامي، بدلا من كونها أدوات هدم وتدمير، ثم أبين ضرورة إيجاد إعلام إسلامي متخصص مع الاستفادة من وسائل الإعلام المختلفة في إيصال الدعوة الإسلامية إلى جميع أنحاء العالم، بمختلف اللغات الرائجة بين الناس وبالله التوفيق..
أولا: أساس الدعوة الإسلامية
стр. 6153
إن أساس الإسلام هو التوحيد الخالص لله، المصفى من دخائل الشرك كلها، ظاهرها وخفيها، حيث لا يصح إيمان مؤمن إلا إذا أخلص عبادته لله تعالى، مستيقنا أنه لا إله إلا هو بيده كل شيء، وإليه كل شيء، وعنده كل شيء، لا يملك أحدا معه سبحانه ضرا ولا نفعا لنفسه أو لغيره. قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً﴾ [٧] .
فأساس الدعوة الإسلامية هو الإيمان بالله واحدا لا شريك له، ثم ما يقوم في ظل هذا الإيمان من شريعة شرعها الله لعباده في تعبدهم لله، وفي بناء مجتمعهم المؤمن بالله، وينبغي على كل مسلم بعد أن يثبت أركان الإسلام في نفسه أن يدعو الناس جميعا من مسلمين وغير مسلمين إلى الإيمان بالله. وإخلاص العبادة له وحده حتى يحييهم الله حياة طيبة ويجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.
لهذا يجب أن تكون أمة الإسلام داعية إلى هذا الدين الذي أكرمها الله به، فينبغي على العلماء أن يبين للناس أمور دينهم، ويقوموا فيه آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، فمن آتاه الله علما يجب أن ينفقه فيما ينفع الناس في دينهم ودنياهم، فكما دعا الله إلى طلب الرزق والإنفاق منه، دعا إلى طلب العلم والإنفاق منه، فقال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [٨] .
وقال : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [٩] .
стр. 6154
والقرآن الكريم الذي أقام الرسول به أمة الإسلام، ورفعها به إلى درجة لم تبلغها ولن تبلغها أمة من الأمم، من عظمة النفوس، وسمو الأخلاق، وكمال الفضائل الإنسانية، هذا القرآن هو الذي بأيدينا اليوم، لم يتبدل منه حرف، ولم تتغير منه كلمة، ولكن الذي تغير وتبدل هم أصحاب القرآن والداعون به إلى الله.
إن القرآن دواء وشفاء، يداوي يشفي بقدر ما تستجيب له النفوس، وتتقبله العقول، وتتفاعل وتنفعل به المدركات والمشاعر، فإذا لم يجد النفوس الطيبة المستجيبة والعقول السليمة المتقبلة والمدركات والمشاعر المتقبلة المنفعلة فإنه يظل بمعزل عنها أشبه بالنور لا تكتحل به الأبصار المحجبة دونه بحجاب كثيف، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [١٠] .
ولهذا فإن أهم ما ينبغي أن يتصف به الداعي أن يكون على بصيرة ووعي بالطبيعة الإنسانية، وأن يتعرف إلى المسالك الطبيعية التي يسلك بها إلى النفوس حيث يجد لدعوته مكان القبول لها والانتفاع بها، وذلك بأن يكون الداعي معايشاً للحياة مع الناس، وان يرصد الأحداث التي تعرض لهم، والتي تكون مسرحا لأفكارهم، ومدارا لحديثهم، عندئذ تبدأ مهمة الداعي بعرض هذه الأحداث، ومناقشتها على ضوء الشريعة الإسلامية وما تقدمه من حل لمثل هذه الأحداث العارضة، لأن في هذا ما يشد الناس إلى الدين، ويوثق صلتهم به، فيفزعون إليه كلما عرض لهم أمر بعد هذا، ليجدوا فيه كلمة الفصل فيما يهمهم ويشغل بالهم.
стр. 6155
ويجب ألا يطيل الداعي على الناس في موقف وعظه وإرشاده بل يأخذهم بالرفق واليسر لأن اليسر سمة الإسلام وطابعه، كما يجب على الداعي ألا يتنقل بين موضوعات كثيرة، وحسبة أن يمسك بموضوع واحد، يكشف حقيقته ويبين حدوده، فذلك أجدى على الناس من موضوعات كثيرة تشتت أفكارهم، وتضعف الأثر المنتظر لما سمعوا، فقد كان رسول الله ﷺ يتعهد أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ بالموعظة، ويتخير لعظاته الأوقات المناسبة ولا يقدم منها إلا تقتضيه داعية الحال منهم، شأن الطبيب الحكيم، يعطي الدواء في جرعات، ولا يعطيه مرة واحدة، ثم هو لا يعطي الدواء إلا حيث يرى الداء ويتعرف إليه.
روي أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا.
هذا ورسول الله ﷺ منطق الحكمة، والنظر إليه، والاستماع إلى كلماته مهفى كل قلب، ورغيبة كل نفس، فأين الدعاة في العصر الحديث من أنفس الناس وقلوبهم حتى يثقلوا عليهم، ويتنقلوا بين موضوعات كثيرة دون أن يصيب السامعين الملل والسآمة إذا أطال الدعاة عليهم في مواقف الوعظ والإرشاد، وجعلوا أحاديثهم تشمل موضوعات شتى.
ثم ينبغي على القائم بالدعوة في الناس أن يعلم أنه يخاطب عقولا متفاوتة في الفطنة مختلفة في المدارك، وهذا يقتضيه أن يسلك طريقا وسطا في عظاته حتى تظل العقول متجهة إليه، والقلوب مقبلة عليه، وهذا موقف يحتاج إلى بصيرة نافذة، وبيان مبين.
وعلى الداعي أن يذكر دائما أنه في أكرم موقف يقفه إنسان في الحياة، وأنه في ميدان جهاد في سبيل الله، وهذا من شأنه أن يبعث فيه عزما قوياً صادقاً في الحرص على هداية الناس، وعلى تعهدهم كما يتعهد الأب أبناءه راغبا في ثواب الله، غير ناظر إلى ما قد يفوته من عرض الدنيا، وبذلك يبارك الله دعوته وينفع بها.
стр. 6156
الدعوة الإسلامية في العصر الحالي:
والدعوة الإسلامية في العصر الحالي تحتاج إلى مزيد من اليقظة، وتكاتف للجهود واستفادة من جميع الوسائل المبلغة لدعوة الحق، فقد كثرت في هذا العصر القوى المعادية للإسلام، لكثرة التيارات الفكرية بسبب تقدم العلم ومكتشفاته التي غيرت وجه الحياة تغييرا ماديا ونفسيا فقامت مذاهب مادية أثرت في كثير من الناس، فتخففوا من جانب الروح، وأعطوا وجودهم للجسد، واستهلكوا أنفسهم في سبيل إرضاء مطالبه، فكان من نتيجة هذا أن خف ميزان الدين عند كثير من الناس، بل وأخلى الدين مكانه نهائياً من شعوب بأسرها، كما حدث في الشعوب التي خضعت للنظام الشيوعي، أما الشعوب الرأسمالي فأصبحت تجري لاهثة وراء جمع المال بكل وسيلة وإرضاء مطالب الجسد.
وتولدت عن تلك المذاهب الفاسدة من شيوعية واشتراكية ورأسمالية نزعات فاسدة وفلسفات مريضة كالمادية والوجودية، وتسللت من مهاب تلك المذاهب ريح خبيثة إلى الأقطار الإسلامية أصابت مرضى العقول والقلوب من أبناء المسلمين بعدواها، فظهرت أعراضها على أعداد غير قليلة منهم، وخاصة أولئك الذين سافروا إلى أوربا وأمريكا ورأوا أن الدين لم يعد له سلطان هناك، وهو السلطان الذي يلازم الإنسان في سره وجهره في وحدته ومع الجماعة والذي لا يستريح إلى ظله إلا المؤمنون الذين تمتلئ قلوبهم بجلال الله، وخشيته والطمع في رحمته، والخوف من عذابه.
стр. 6157
وقد ساعد على انتشار هذه المذاهب الضالة ورواج سوقها في العالم أنها دعوة إلى ما في الإنسان من ضعف إزاء شهواته وأهوائه، وما تلوح به من مغريات تتملق هذه الشهوات وتلك الأهواء من زخارف المدنية وألوان الحضارة، كل ذلك تنقله وسائل الإعلام من صحف ومجلات وكتب وإذاعات ومسرحيات وأفلام تعرض على شاشات السينما والتلفزيون صوراً حية شاخصة أمام الأعين متحركة ناطقة، فما يجري في أوربا وأمريكا على مسرح الحياة من هزل أوجد ينقل إلى العالم كله حتى لكأن ما يعيش في الشرق يعيش بين أمم الغرب، وأكثر ما يعلق بأذهان الشباب ومن هم في حكمهم من الكبار إنما هو الجانب الهازل اللاهي من الحياة دون الجاد منها، فالمسلمون في مختلف أقطارهم يواجهون في العصر الحديث غزواً رهيباً من وسائل الإعلام مجملاً بالدعوات الضالة المضللة، الفاسدة المفسدة، فينبغي أن يأخذوا حذرهم ويواجهوها بإعلام إسلامي، يذكر الغافلين، ويرشد الضالين إلى طريق الحق المبين.
والدعوة إلى دين الله ليست مقصورة على علماء الدين وحدهم وإن كان عليهم العبء الأكبر منها، وإنما هي في الوقت نفسه أمر مطلوب من كل مسلم، وذلك بسيرته المحمودة في الناس، وبخلقه الكريم وبسلوكه الطيب الذي يراه غير المسلمين منه في أقواله وأفعاله فإن الدين بأهله، والناس إنما ينظرون إلى الدين فيما يرونه من آثاره في المتدينين به وهذا أمر يجب أن يكون في حساب كل مسلم، وأن يتنبه إلى أهميته كل من يوفقهم الله للدعوة إلى دين الله، وأن يحرص عليه أولوا الأمر الذين يريدون العزة لدينهم وللمؤمنين.
стр. 6158
إن الدعوة الإسلامية أمانة ينبغي أن يحملها كل مسلم فعلى المسلمين أن يحملوا أمانة الدعوة إلى دين الله بوعي كامل، وعزم صادق، متذكرين دائماً قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [١١] .
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ثانياً: خطر وجود وسائل الإعلام بصورتها الحالية
إن كل مسلم مخلص لدينه الذي يتفق مع الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليه. يدرك خطر وجود وسائل الإعلام بصورتها الحالية على الدعوة الإسلامية، لما تقوم به وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وكتب منشورة، ودور للسينما ومحطات إرسال تلفزيونية لما تقوم به كل هذه الوسائل في العصر الحديث بالصورة التي هي عليها من ترويج لألوان الفساد والإفساد، واستغلال لما في الإنسان من ضعف أمام شهواته وأهوائه، نتيجة لعدم تزود كثير من أبناء المسلمين في الأقطار الإسلامية المختلفة بثقافة إسلامية تمكنهم من معرفة حقائق دينهم وتمنعهم من الانقياد لشهواتهم، وتعصمهم من الزلل.
لقد أصبحت وسائل الإعلام في الأقطار الإسلامية تشن ـ الآن ـ حرباً شعواء على الإسلام، وحقائقه الناصعة، فهي تنشر الانحراف والتحلل من الأخلاق القويمة على مرأى ومسمع من الناس غير مرتدعة بما يوجه إليها من نقد، ولا متعظة بما يوجه إليها من نصح.
ويواصل أعداء الإسلام استغلال وسائل الإعلام ـ في العصر الحديث ـ في إفساد أبناء ألمسلمين بإبعادهم عن هدي دينهم، والحرص على تضليل من يتتلمذون منهم على أيديهم، بينما المسلمون متهاونون في الدفاع عن دينهم وفي الدعوة إليه، متناسون أن هذا الأمر واجب يفرضه الدين عليهم، وأن الدين دعوة ولا بد لكل دعوة من دعاة يبلغونها، ويكشفون عن الحقائق التي ضمت عليها.
стр. 6159
إن وسائل الإعلام بصورتها الحالية في الأقطار الإسلامية تتعاون مع أعداء الإسلام في التشويش على الدعوة الإسلامية. فهي عدو خفي يحارب المسلمين بالكلمة والصورة والفكرة وهي أسلحة أشد خطورة من المدافع المنطلقة من الجيوش الزاحفة المعادية التي يعرف المسلمون منها وجه العدو الذي يغزوهم، فوسائل الإعلام المفسدة المضللة غزو رهيب محمل بعوامل الإفساد للمسلمين وتكمن خطورة هذا الغزو في أنه يدخل إلى عقول كثير من المسلمين ما يروجه أعداء الإسلام من مذاهب ضالة مضللة، وأفكار فاسدة مسمومة.
إن وسائل الإعلام تنشر في الأقطار الإسلامية كثيراً من ألوان الفساد والانحلال والإلحاد بما تنقله من صور الحياة في الأقطار الأوربية والأمريكية التي انتشر فيها الإلحاد ـ في العصر الإلحاد ـ نتيجة لاستخفاف الناس بالدين بعد أن كشف الناس عن متناقضات في المسيحية وفي اليهودية لا يقبلها عقل مستنير، ولا يستريح إليها ضمير حي، فأدى انتشار الإلحاد إلى رواج سوق الانحلال والفساد، في حين أن الإسلام ليس فيه متناقضات، فمن نظر فيه بعقله، وجاء إليه بجميع وسائل العلم وجد أنه الحق الذي يلتقي مع العقل التقاء مؤاخياً، وهو يدعو المؤمنين به إلى العزة والجهاد، دفاعاً عن دينهم وأوطانهم وأموالهم وأعراضهم الأمر الذي يشكل خطراً على أعداء الإسلام وخططهم ضد العالم الإسلامي، ويجعلهم يستغلون وسائل الإعلام في تصدير عوامل الإفساد للأقطار الإسلامية لصرف المسلمين عن دينهم، والتشويش على الدعوة الإسلامية.
стр. 6160
والشيء المؤسف حقاً أن المسلمين في سائر أقطارهم لا يتنبهون إلى خطورة وسائل الإعلام بصورتها الحالية تنبهاً يجعلهم يعملون على القضاء على خطر حقيقي قائم في بلادهم، كما أن الدعاة إلى دين الله لا ينبهون إلى خطورة وسائل الإعلام تنبيهاً كافياً، فلا تبذل محاولات جادة صادقة لتحويلها إلى أداوت بناء للمجتمع الإسلامي بدلاً من كونها في صورتها الحالية أدوات هدم وتدمير.
لقد أصبح لزاماً على من يحملون أمانة الدعوة الإسلامية أن يبينوا خطر وسائل الإعلام بصورتها الحالية على عقائد المسلمين وأخلاقهم، وأن يطالبوا بالوقوف في وجه هذا العدو الخطر ودفعه والقضاء عليه، أما تجاهل وجود مثل هذا الخطر فأمر أشد خطورة وأوخم عاقبة.
ومن غير المعقول أن يتجاهل المسلمون وسائل الإعلام المختلفة الموجودة في العصر الحديث، وهم لا يستطيعون ـ أيضاً ـ أن ينكروا تأثيرها في الناس، كما لا يستطيعون أن يمنعوا الشباب من الإلمام بما تروجه هذه الوسائل المختلفة للإعلام فينبغي على دعاة المسلمين أن يفكروا في خير الطرق لجعل وسائل الإعلام الحديثة عوامل إصلاح لا وسائل إفساد، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإيجاد إعلام إسلامي هادف، يمنع شباب المسلمين من التأثر بما تحمله وسائل الإعلام الفاسدة من ألوان الإلحاد والانحلال.
لقد أصبح لزاماً على من يحملون أمانة الدعوة الإسلامية أن يبينوا خطر تجاهل وجود وسائل الإعلام بصورتها الحالية على أخلاق الشباب، وأن يطالبوا بإيجاد إعلام إسلامي يستفيدوا من وسائل الإعلام الحديثة في ترويج الدعوة الإسلامية، وإيصال صوت الإسلام ودعوة الحق إلى كل مكان في العالم، وبالله التوفيق ...
ثالثاً: ضرورة إيجاد إعلام إسلامي
стр. 6161
إن إيجاد إعلام إسلامي أصبح ضرورة لا غنى عنها في العصر الحالي، ولعل أنسب فرصة للمطالبة بإيجاد هذا الإعلام الإسلامي هي فرصة انعقاد المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة بدعوة من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، لأن هذه المدينة المباركة مهبط الوحي الإلهي، ومشرق نور الله، ومنها انطلقت دعوته إلى مشارق الأرض ومغاربها، والمطالبة فيها بإيجاد إعلام إسلامي يصل حاضرها بماضيها في نشر رسالة الإسلام الصافية، والدعوة إلى تحكيم شريعته، والدفاع عنه، ودحر أعدائه الذين يبذلون جهوداً متعددة، ويستعينون بوسائل الإعلام المختلفة في التشويش على الدعوة الإسلامية.
إن صوت الإسلام لا بد أن يرتفع حتى تختفي أصوات الشرك والضلال، لأن الزبد يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
إن صوت الإسلام ينبغي أن يعلو حتى تختنق أصوات الملحدين والضالين، وتذهب صيحاتهم أدراج الرياح هذه الصيحات المنكرة التي يحاولون بها التشويش على الدعوة الإسلامية.
فكيف نوجد إعلاما إسلاميا هادفا متخصصا يبلغ الدعوة الإسلامية إلى أنحاء العالم المختلفة؟..
إن إيجاد إعلام إسلامي ليس أمرا صعبا في العصر الحديث، بعد تقدم العلم بحيث أصبح أهل الشرق يستطيعون أن يلموا بما يحدث في الغرب في الوقت الذي يحدث فيه، أو بعد حدوث يقليل، وفي الوقت الذي ضاقت فيه المسافات بين شعوب الأرض بعد تقدم وسائل المواصلات وتطورها بحيث أصبح الانتقال من قطر إلى قطر بل من قارة إلى قارة يتم في وقت قصير يحسب بالساعات لا بالأيام أو بالشهور.
стр. 6162
لهذا يمكن إيجاد إعلام إسلامي في أي قطر من أقطار المسلمين كالمملكة العربية السعودية عن طريق الإذاعة فتنشأ إذاعة قوية، ليصل صوتها إلى أنحاء العالم المختلفة، وليس هذا بالأمر العسر في هذا الزمان، بعد تقدم صناعة أجهزة الإذاعة والإرسال والاستقبال وتطورها، وهذا من الأمور الملموسة المسلم بها فلا تحتاج إلى دليل أو برهان.
وتخصص محطة الإذاعة القوية هذه للإعلام الإسلامي وتذيع على موجات متعددة بلغات مختلفة تختار من بين اللغات التي يعرفها المسلمون كالعربية والفارسية والأردية والتركية واللغات التي يكثر تداولها بين الشعوب كالإنجليزية والفرنسية أو أية لغة يرى المشرفون على الإعلام الإسلامي ضرورة لاستعمالها.
ويمكن أن تعمل هذه الإذاعة ليلا ونهارا لأن اختلاف التوقيت بين الجهات المختلفة في الشرق والغرب قد يدعو إلى هذا حتى يمكن إيصال صوت الإسلام إلى الشعوب المختلفة في سائر أنحاء الأرض في الوقت المناسب وباللغات التي يفهمها الناس ليحسنوا الاستماع له وتفهمه، والاستجابة له، وتبين حقائق الإسلام الناصعة، والانتفاع بهدى الإسلام، لمعرفة طريق الرشاد.
وغنى عن البيان أن هذا النوع من الإعلام الإسلامي يحتاج إلى كثير من المال والأجهزة العلمية والمادية اللازمة كما يحتاج إلى هيئة على درجة كبيرة من الكفاءة والتخصص لإدارته وتوجيهه والإشراف عليه، وهو يحتاج كذلك إلى مجموعات متخصصة يفقه أفرادها أمور دينهم بدرجة كبيرة، ويكونون على درجة عالية من الفطنة والذكاء وتتقن كل مجموعة منها لغة من اللغات الرائجة بين المسلمين وغير المسلمين من شعوب الأرض كالعربية والفارسية والأردية والإنجليزية والفرنسية وغيرها، حتى يحقق العاملون في هذا الميدان الغاية المرجوة، ويصلوا إلى الهدف المنشود.
стр. 6163
إن العلم والفقه في الدين والذكاء والفطنة وإتقان اللغات الأجنبية من شرقية وغربية وسائل لا غنى عنها في العصر الحديث في الإعلام الإسلامي حتى يرتفع صوت الإسلام وتصل الدعوة الإسلامية إلى الناس أجمعين فيهتدي بنورها الضالون الحائرون.
وإيجاد الإعلام الإسلامي المتخصص عن طريق الإذاعة أمر ممكن بعون الله تعالى، إذا صح العزم، وهو أمر ضروري في العصر الحالي لمواجهة أعداء الإسلام الكثيرين وتبصير المسلمين بحقائق دينهم، وحمايتهم من الانحراف والانزلاق والانخداع بما يروجه أعداء الإسلام من دعايات مغرضة، وما يلفقونه من أباطيل، ويلقون بها في ساحة الشريعة الإسلامية الغراء، للتشويش على الدعوة الإسلامية وصرف المسلمين عن دينهم.
وليس معنى إيجاد إعلام إسلامي متخصص إهمال وسائل الإعلام الأخرى إذ ينبغي على أولي الأمر في الأقطار الإسلامية المختلفة أن يضعوا حدا للعبث ومظاهر الفساد البادية في وسائل الإعلام بصورتها الحالية بأن يراقبوها ويمنعوها من إغراء المسلمين بالتيارات الضالة المضللة وإشاعة الفساد والانحلال بينهم، وبخاصة بين الشباب ويجب على أولي الأمر ـ أيضا ـ أن يوجهوا وسائل الإعلام الحالية ـ على اختلاف أنواعها وألوانها ـ الوجهة الصحيحة التي لا تتعارض مع روح الإسلام، ولا تتنكر لأصل من أصوله ولا تتعارض مع ركن من أركانه، فالالتزام بالحق أمر واجب، والدعوة إلى تحكيم شريعة الله، ونشر رسالة الإسلام، والدفاع عنه، من الأمور الواجبة على المسلمين كافة وعلى أولياء الأمور فيهم بخاصة، والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور.
واجب الإعلام الإسلامي:
إن واجب الإعلام الإسلامي ـ بعد إيجاده ـ أن يعمل في ميدانين في وقت واحد، أحدهما دفاعي والآخر تبليغي.
стр. 6164
أما الميدان الدفاعي فيرد فيه على حملات أعداء الإسلام ويبين ما في هذه الحملات من زيف وأباطيل تهدف إلى تشكيك المسلمين في حقائق دينهم حتى ينصرفوا عنه، وحتى يتوقف الذين يبحثون عن الإسلام لاتخاذه دينا يملأ الفراغ الذي خلت نفوسهم منه عن البحث عنه ويستمرون في ضلالهم وحيرتهم.
ويجب على العامين في ميدان الدفاع عن دين الله عن طريق الإعلام الإسلامي أن يفضحوا أكاذيب أعداء الإسلام ومفترياتهم وما يلفقونه من أباطيل يروجونها بواسطة وسائل الإعلام المختلفة للتشويش على الدعوة الإسلامية، حتى يستطيع المدافعون عن الإسلام أن يردوا كيد أعدائه في نحورهم، ويردوهم على أعقابهم مدحورين خائبين.
وأما الميدان التبليغي فيقوم العاملون فيه ـ عن طريق الإعلام الإسلامي ـ بالدعوة إلى دين الله في المواطن التي خلت من الدين، وفي المواطن التي خف ميزان الدين بين أهلها، لأن الناس في هذه المواطن في أنحاء العالم المختلفة يبحثون عن دين يجدون فيه الحق الذي يتقي مع الفطرة الكامنة في كل نفس، ويتمنون أن يجدوا دينا يجدون فيه الحق الذي يلتقي مع العقل المتشوق إلى الحق، الباحث عن الحقيقة.
ويستطيع الداعون إلى دين الله عن طريق الإعلام الإسلامي ـ أن يبينوا حقائق الإسلام للناس بلغاتهم المختلفة في جميع ربوع العالم، لأن بيان هذه الحقائق كاف في الأخذ بأيديهم إلى طريق الهداية والرشاد والسعادة في الدنيا والآخرة.
ويجب أن يبين الداعون إلى دين الله للناس أن الإسلام دين يتفق مع الفطرة وأنه المثل الأعلى للإنسانية، وأنه حرر العقل وأطلقه ليعود على الإنسانية بكل خير، وأنه حرر الإنسانية من ظلم البشرية وتناقضاتها، ووحد القوى الإنسانية التي تقود العالمين إلى السعادة القصوى، وإن الإسلام هو النظام الإلهي الكامل الذي يسعد الإنسانية في جميع المجالات العقلية والنفسية، والخلقية والعاطفية، والروحية والمادية والفردية والاجتماعية.
стр. 6165
وينبغي أن يبين الداعون إلى دين الله أن الدين كله لله، وأن دين الله واحد هو الإسلام الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه، وأن الأنبياء كلهم إخوة، دينهم واحد وأن الواجب الإيمان بهم، وبما أنزل إليهم جميعاً. قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [١٢] .
ويجب أن يبينوا للناس أن الله ختم بالإسلام جميع الديانات السماوية، وجعل نبي الإسلام ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ آخر لبنة في بيت النبوة العتيد، فتم بها بناؤه وكمل بها رواؤه، وأن العقيدة الإسلامية تقوم على الإيمان بالله إلها واحداً لا تنبغي الإلهية إلا له، وعلى الإيمان بأن له وحده الأسماء الحسنى والصفات العليا.
وينبغي أن يبينوا للناس أن الإيمان باليوم الآخر وبالبعث والجزاء مما يقتضيه العقل، تحقيقاً لقاعدة العدل فلا يعقل أن تكون هذه الحياة القصيرة ـ التي يحياها الناس في الدنيا ـ هي الغاية من خلق هذا العالم الكبير، وأن تكون نهاية المؤمن والكافر سواء، ونهاية الظالم والمظلوم سواء، ونهاية البر والفاجر سواء. قال الله تعالى جلت حكمته: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [١٣] .
وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [١٤] .
следующие страницы →