Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.
стр. 6336
(٣) إذا كانت ثقافة العصر تفرض نفسها على عقول الناس وتخلق فيها من المشكلات ما لم يكن في عقول السابقين فالضرورة قاضية بأن يلم الداعية بتيارات هذه الثقافة، ووزنها، وتمييز ما هو حق فيها وما هو باطل، ثم يسلح بأسلحة ملائمة للهجوم وللدفاع في معارك الفكر التي لا بد له أن يخوضها إذا كان يريد أو يراد له ـ حقاً ـ أن يؤدي رسالته على وجهها.
أصالة الثقافة بربطها بالمصدر الأول للإسلام، ومعاصرتها بالتفتح على ثقافات العصر وميادين المعرفة اليوم، كلاهما ضروري لداعية العصر، وإلا كان سطحياً غير عميق الجذور إذا فقد شرط الأصالة، أو منغلقاً ضيق الأفق إذا فقد شرط المعاصرة.
لقد حفل تاريخ الدعوة الإسلامية وتطورها بنماذج فريدة من - الدعاة - المدافعين عن الإسلام، تمكنوا من قديمهم، وتسلحوا بأسلحة عصرهم. فلم يتهيبوا ميدان النزال، بل اقتحموا وصالوا وجالوا، وغلبوا ورفعوا راية الحق عالية يقذفون الباطل من تحتها بقذائف لم تكن لتخطئ مقاتله..
إن هذا التاريخ ليذكر بالفخر والاعتزاز أمثال أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل رضوان الله عليهم. ويذر أمثال الحسن البصري وابن سيرين وأبي الحسن الأشعري. ويذكر الباقلاني، والغزالي، وابن رشد، ومن إليهم ممن كانوا حصونا ومعاقل تقف لترد عن الإسلام هجمات الطاعنين والمفترين. ويذكر ابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي.. وابن كثير..
ويذكر في عصرنا الحديث محمد بن عبد الوهاب والأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، والكواكبي، ممن كانوا شهبا راصدة تنقض على كل من يحاول النيل من الإسلام بالطعن والتشكيك.
стр. 6337
إن العودة لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، واستمداد مناهج إعداد الدعاة منهما مباشرة، وتمكين الأساس اللغوي للدعاة، هو نقطة بدأ لا بد من التفكير فيها تفكيراً عميقاً، ومخلصاً، ووثقاً من أن ذلك هو الطريق لنهضة الدعوةا والدعاة والذي لا طريق سواه، ثم يكون بعد ذلك الانفتاح على ثقافات العصر.
(٤) كل ما مضى يتصل بالتكوين العلمي أو المعرفي والثقافي للدعاة، ويحدد جوانب النقص فيه.
وبقي جانب وهو أخطر الجوانب كلها في تظرنا، لأن نقصه يذهب بكل النتائج التي نرجيها من وراء تصحيح المسار في التكوين العلمي النظري لمن يوكل إليهم أمر الدعوة ومهامها.
إن فلسفة إعداد الدعاة تبدو لنا ناقصة نقصاً خطيراً، ذلك أنها تعنى بالجانب التعليمي التلقيني، أو بالجانب النظري من الإعداد، بينما هي تهمل إهمالاً شبه كامل الجانب التربوي الذي هو الوجه المكمل للوجه النظري.
إن العلم وحده لا يكفي لتكوين داعية، والمعرفة وحدها لا تصنع داعية كذلك لقد قال رسول الله ﷺ : " أخوف ما أخاف على أمة كل منافق عليم اللسان " رواه ابن عدي عن عمر.
إن العلم إذا لم يستند إلى خلق يحميه من نزوات النفس وطغيان الشهوات ويصونه عن الدنايا وسفاسف الأمور، يصبح كارثة حين يوجه لغايات آثمة، أو يستغل في مآرب خبيثة.
إن تنمية الإحساس بأن - الداعية - صاحب رسالة: هي امتداد لوظيفة النبوة، ومسؤليتها ـ لذلك ـ مسؤلية ضخمة، والتبعة فيها على قدر سموها وجلالها.
تنمية الإحساس بهذه المعاني شرط أولي يجب أن تحرص على التمكين له فلسفة إعداد - الدعاة - ولا تغفل عنه في خطوة من خطوات هذا الإعداد.
يجب أن يختار - الدعاة - اختياراً مدققاً، بحيث تتوافر فيهم مقومات إذا تخلفت كانت البداية خاطئة وغير موصلة إلى الغاية المرجوة.
стр. 6338
إن المستوى العقلي الجيد، والذكاء بدرجة واضحة ضروري هنا، ومن المقرر: أن الفطانة من صفات الأنبياء ﵈. فلنتعلم جيداً من قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ـ الأنعام ١٢٤.
والمستوى الخلقي الممتاز ضرورة فوق كل الضرورات، فالدعوة أمانة لا رقيب على صاحبها سوى ربه وضميره، ومن المقرر كذلك: أن الأمانة من صفات الأنبياء صلوات الله عليهم.
والالتزام الديني بالإسلام فكراً وسلوكاً في كل صغيرة وكبيرة مما يجب تمكينه تمكيناً متأصلا في أنفس الدعاة ومن الخطورة أن نقدم للناس دعاة يقولون ما لا يفعلون أو يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، أو ينهون عن المنكر ولا يتناهون هم عن فعله.
إن الداعية قدوة وشرط القدوة تطابق القول والعمل بعد استقامتها على نهج صحيح.
تربية الداعية دينياً، وتدريبه على تطبيق الإسلام في حياته عملياً، وتزكية نفسه بما يجعلها متأبية على الدنايا، وأخذه أخذاً بما يحصنه ضد فتنة المال وإغراءات الحياة ثم الترقي به ليعيش في المستوى - التجرد - لرسالته مطمئنا ومستعداً للتضحية في سبيلها بكل ما يستطيع.. هذه التربية ضرورية، ولازمة، وبدونها لا يكون هناك معنى للحديث عن دعوة ودعاة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ـ الأنعام ١٦٢. هذا ما ينبغي أن يكون شعار الدعاة.
هذا الجانب التربوي من الإعداد غائب تماماً الآن في بيئات إعداد الدعاة وكيف ننتظر داعية حقيقياً ألف أن تمر عليه مواقيت الصلاة وهو في قاعات الدرس مثلاً مع أساتذته العلماء دون أن يكون من حوله ما يوحي أن هناك التزاماً بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ـ النساء ١٠٣ ـ ويكفينا هذا المثال.
стр. 6339
هذه التربية العملية للدعاة على قيم الإسلام ومثله وعلى شرائعه وشعائره، وعلى مفاهيمه وعقائده، لا يغني فيها التلقين ولا المعرفة النظرية، بل لا بد لاستكمال هذا الجانب الخطير من تغير جذري يمس فلسفة الإعداد. ويعدل من المناهج والأساليب، ولن يتم ذلك إلا بأن يتم الإعداد والدراسة والتربية من خلال حياة متكاملة، يتخلق كل العاملين في إطارها بخلق القرآن، ويلتزمون التزاماً كاملا بتطبيق الإسلام شعائر وآداباً وقيما وضوابط للسلوك بحيث يترجم ما يدرسه الطالب نظرياً إلى حياة وممارسة.
هل تصلح معاهد إعداد الدعاة الحالية لهذا اللون من التربية؟
بالقطع هي لا تفي بهذا، ولم تصمم مبانيها ومناهجها ولا فلسفاتها على هذا الأساس.
وهنا نقترح:
إنشاء كلية - للدعوة الإسلامية - بتمويل إسلامي عام، ويختار لها الدارسون اختيار دقيقا من كل أنحاء العالم الإسلامي، من خلال نظام محكم للقبول لا يمر منه إلا من تتوافر فيه مقومات خاصة، تؤهله لأن يكون - داعية - بمفهوم الداعية الصحيح.
هذه الكلية يجب أن تختلف كلية عن المألوف في النظم الجامعية أو المدرسية العادية. فالدراسة والتربية فيها متكاملتان، وتبدآن من سن باكرة - ١٢ سنة مثلا -.
والمراحل فيها مترابطة تسلم كل منها إلى ما يليها. والحياة فيها تصمم بحيث تتيح لأصحابها معايشة الإسلام معايشة حية تحوله إلى نسيج نفسي وعقلي داخل الدارسين، وإلى ظواهر صادقة في سلوكهم.
ونظم التقويم فيها يجب أن تشمل الجانبين العلمي والتربوي أو المعرفي والسلوكي.
وهيئة التدريس وجهاز التربية فيها يجب أن يكون كله من رجال لهم ـ إلى جانب علمهم وخبرتهم ـ اهتمام بالدعوة إلى لله، بدرجة تجعل منهم مجاهدين محتسبين، وليس مجرد موظفين يتقاضون أجورا يتنافسون عليها..
أما المناهج: فيجب أن يتوافر فيها ما يغطي جوانب النقص التي فصلناها هنا وفي مقدمتها: ـ
стр. 6340
١ـ ثغرة الضعف في التكون اللغوي.
٢ـ ثغرة الانفصام عن المصدر الأصلي للإسلام ممثلا في الكتاب والسنة.
٣ـ ثغرة الانغلاق وعدم الاقتحام لثقافات العصر وتحديد مواقف منها.
وليس ثمة ما يمنع أن يكون في خطة الدراسة مجال واسع لتدريب عملي على البحث العلمي من ناحية، وعلى ممارسة فنون الدعوة العملية: من خطابة ومحاضرة، ودرس، وحوار، ومناظرة وإذاعة.. إلخ.
إن تركيز جهود الإعداد في - كلية إسلامية - كبرى يمكن تطويرها لتصبح جامعة للدعوة خير بكثير من تفتيت الجهود في وحدات صغيرة الإمكانات، عاجزة عن تطبيق مثل هذه الفلسفة.
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى ضرورة العناية بتدريس اللغات الأساسية المنتشرة في بلاد العالم الإسلامي غير الناطقة بالعربية، وبلغات العالم المعاصر الحية والواسعة الانتشار.
٥ـ بقي جانب مهم لاينال ـ في واقعنا ـ ما يستحق من عناية في مناهج اعداد الدعاة ونعني به الجانب الفني العملي للدعوة في مجال الممارسة والتطبيق.
إن - الدعوة - حين يمارسها الداعية خطابة، ووعظا، وفتيا، ودرسا، ومحاضرة، وحديثا إذاعيا، وحوارا، ومناضرة، وهجوما، ودفاعا..هي في كل ذلك ذات وجه فني يتمثل في أساليبها وطرقها.
وإذا كان الفن في ذاته استعداد بالدرجة الأولى، فإن ذلك لا يغني عن دراسة الأصول العامة التي تكشف عن حقائقه، وتصقل مواهبه، وتعين عل الإبداع والتطوير الناجح خلال الممارسة.
وإذا كانت مناهج الدراسة تزود الداعية بالمضمون الفكري الذي يستمد منه، وإذا كانت التربية المتكاملة التي اقترحناها تكوّن شخصية تكويناً متوازناً يؤهله لرسالته، فإن استكمال هذا الجانب الفني المتصل بالأساليب والأدوات لا بد منه.
стр. 6341
الخطابة ـ مثلا ـ فنّ، أساسه استعداد فطري لا شك، لكن فهم الخطيب لطبيعة موقف الخطابة، وتكيفه بظروف الحاضرين، وأنها لون من السياسة النفسية للجماهير، وتصلح لتناول موضوعات دون غيرها، وتحتاج لاصطناع أسلوب غير ما يحتاج إليه في محاضرة مثلا، إلى ما يكون للآداء الصوتي من تأثير، بتلوين نبرات الصوت ودرجته، والوقفات والسكتات التي تتخللها، والسرعة والبطء، وطول الجمل وقصرها، وكونها مرسلة أو مسجوعة أو متوازنة.. وكيف يكون تفجير طاقات الناس واستفسارهم، أو استهواؤهم. وتهيئة قابليتهم لما يلقى إليهم، كل أولئك مما يفيد - الداعية - معرفته، ويزيد من بصيرته بفنه الذي يمارسه.
إن القرآن الكريم، حافل بالمناهج، والأساليب، والطرائق التي يتمكن الاستنباط منها والاستهداء بها في كل موقف نوعي يقفه الداعية أو يتعرض له: خطابة، وحواراً، وقصصاً، وموعظة، وتقريراً في تنوع يقدم لكل مقام ما يلائمه، ولكل موضوع ما يناسبه.
وفي سنة النبي ﷺ ومواقفه العملية ذخيرة ثمينة وثرية لو تناولها باحث بالدرس والاستقراء، واستنبط منها الأصول النفسية والاجتماعية والدينية التي تفسر نفاذ النبي ﷺ إلى قلوب الناس وعقولهم. في سنة النبي هذه ما لو تناوله باحث حصيف لقدم لنا ما يمكن أن نسميه: علم نفس الدعوة، على غرار ما يعرف من علم النفس التعليمي أو التربوي. ويعمق أكثر فيما يتصل بطبيعة النفس، إذا كان منهج النبوة في دعوة الناس منهجاً ربانياً ألهمه إياه ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى..
وفي وصايا النبي ﷺ لمبعوثيه الذين أرسلهم معلمين هنا وهناك من أمثال معاذ بن جبل، وفي إجاباته عن أسئلة محددة من أشخاص ذوي سمات خاصة مجال واسع لتأمل رشيد، يعود على صاحبه بما يفتح بصيرته على رؤى ومدارك لم يكن يراها من قبل.
стр. 6342
إن العصر الذي نعيشه ابتكر من وسائل الاتصال والتوصيل ما لم تعرفه الدنيا ولا سمعت به قبل قرن واحد. وكلها مما يتوسل به لتوصيل الكلمة نافذة مؤثرة بأقصى ما تحتمل من هذا التأثير.
والدعوة الإسلامية ـ وأداتها الكلمة ـ لا بد لها من تفكير جاد في دراسة وسائلها التقليدية لتطورها من جهة، ولتكملها بما استحدثه العصر من وسائل تلائمها وتجعله أكثر قدرة على النفاذ إلى القلوب والعقول.
إن نقاء أجهزة الدعوة الإسلامية في عالمنا مقيدة بهذه الحدود والوسائل الضيقة التي دفعت إلى مضايقها دفعاً خلال فترات مختلفة من تاريخ المسلمين، يجعلها متخلفة عن الوفاء بحاجة العصر. والمسلمون طوروا كل أساليب حياتهم تقريباً. واستحدثوا كل جديد رأوه نافعاً في مجالات الحياة، ومن واجبهم أن يعطوا - الدعوة - إلى الله جانباً من هذه العناية.
ثالثا: مناخ الدعوة
وهو الميدان الثالث الذي تنبثق منه مشكلات كثيرة تتصل بالدعوة والدعاة بل لعله أخطر الميادين كلها على الدعوة سلباً وإيجاباً.
إن مناخ - الدعوة - حينما يكون ملائماً يتيح لها من الحرية والانطلاق ما هو شرط ضروري لازدهارها وإيجابيتها، وحين يكون هذا المناخ غير موات بما يسوده من كبت وتقييد تفقد الدعوة أول شرط لحياتها، وتصبح مختنقة محبوسة الأنفاس.
حينما قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ـ الجن ١٨ فقد قرر حق الدعوة في حرية مطلقة لا قيود عليها، وأوجب على الدعاة ألا يذعنوا لأي نوع من أنواع الضغط أو التوجيه الذي ينال من تجردهم للغاية التي جندوا أنفسهم لها.
وإذا كان من واجب حكام المسلمين أن يوفروا للدعوة هذه الحرية الكاملة فمن واجب الدعاة كذلك ألا يسيئوا استخدام هذه الحرية بما يسئ إلى أممهم ودولهم دون غاية من دين أو دنيا تبرر هذه الإساءة.
стр. 6343
وإذا كان لا بد هنا من ضابط لهذه الحرية فهذا الضابط يتمثل في أمرين:
١ـ تجريد الغاية كلية لله، فلا هوى ولا غرض، ولا مرض ولا عرض من أعراض الدنيا.
٢ـ سمو الأسلوب، واستقامة المنهاج بالالتزام بما أرسته الآية المباركة. ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النحل الآية ١٢٥.
إن حرية الدعوة يقابلها الالتزام بهذا الأدب الإلهي الذي سنه الله تعالى لإمام الدعوة صلوات الله وسلامه عليه.
حرية الدعوة والتزامها على هذا النحو هي الصيغة الوحيدة التي يمكن على أساسها حل المشكلة الأساسية التي تعاني منها - الدعوة الإسلامية - في كثير من البلدان، وهي مشكلة كونها تابعة للحكومات والسلطات.
والمشكلة هنا ذات أبعاد يجب تأملها ليمكن تصورها على نحو صحيح.
ماذا تعني تبعية أجهزة الدعوة في بلد ما للحكومة المسؤولة فيه؟
تعني أولاً: أن ينسحب منطق الوظيفة على هذا الجهاز.. فالعاملون فيه موظفون تحدد عليهم واجبات، وتقرر لهم حقوق، ويخضعون لنظام من التوجيه والرقابة تشبه إلى حد كبير ما يسود مجالات الحياة الأخرى، كما يتعرضون لنظام العقاب والثواب أسوة بغيرهم من موظفي الدولة هنا وهناك.
هذا الإطار الوظيفي إن صلح لأي مجال آخر في الحياة فهو في مجال الدعوة غير صالح على الإطلاق، فالدعوة إنما تقوم أٍساساً على الالتزام أمام الله وليس على الالتزام من جانب السلطات كائنة ما كانت.
ونظام الرقابة في هذا المجال لا يمكن أن يأتي من خارج الإنسان، وإنما يجب أن يتولد من داخله خلال عملية الإعداد والتربية والتكوين.
стр. 6344
إن ضمير الداعية يجب أن يكون الفيصل في مسألة الرقابة وما يتصل بها وحاجة الدعاة إلى رقابة خارجية معناه: فشل إعدادهم وتربيتهم من ناحية، وعدم صلاحيتهم لمهمتهم من ناحية أخرى، وخير للدعوة ـ ألف مرة ـ أن ينحى عن مجالها كل من يحتاج لرقابة خارجية من بقائه في ساحتها.
وتعني ثانياً: إحساس جهاز الدعوة التابع بأن مصيره وقدره مرتبط بطاعته لأولي الأمر، وأن مخالفته إياهم ـ ولو كان فيها إرضاء الله ـ يعرض حياته وحياة من يعولهم لخطر يتصل بمصدر رزقهم.
هذا الإحساس يهدهد من شجاعة الدعاة في الجهر بكلمة الحق، وينمي، بالتدريج روح الهوينى ويبرر الخمول والكسل، حتى ينتهي الأمر إلى أداء شكلي هزيل ...
وتعني ثالثاً: أن يدخل - الدعاة - في معركة المطالبة بتحسين الأوضاع، فهم جزء من جهاز الدولة يتأثر بما حوله، ودخول الدعاة في هذا الجو مشغلة من جهة تصرفهم عن وجهتهم، وتبدد الكثير من طاقاتهم، ومن جهة أخرى ينال من صورتهم ـ كمثل وقدوة ـ في أنظار الناس، وعلى هذه الصورة يتوقف الكثير من استجابة الناس لهم ورفضهم إياهم.
وتعني رابعاً: أن على جهاز الدعوة أن يختار أحد طريقين: إما أن يساير ما يجري في مجتمعه ما دامت القائمة تقره، وإما أن يقول كلمة الحق معلناً أن السلطات تخالف حكم الله في هذا الذي أقرته، هذا الصراع النفسي داخل الداعية موجود مستمر طالما ظل هناك انفصال بين مواقف الحكام في التشريع والتطبيق وتنظيم الحياة، وبين توجيه الإسلام.
والحق أن هذه المشكلة من أعقد مشكلات الدعوة.
فتبعية الدعوة للحكومات تضمن لها وللقائمين عليها مواد يصعب تدبيره عن طريق آخر ومعناه: أن قطع هذه التبعية يقتلها قتلاً!
واستمرار هذه التبعية يعرض الدعوة في كثير من الأحيان لضغوط تشل فاعليتها وتفرغها من مضمونها!
والحل في نظرنا يمكن تحقيقه على النحو التالي:
стр. 6345
١) توفير ضمانات كافية تؤمن - الدعاة - تأمينا كاملا فيما يتصل بأرزاقهم، بمعنى أنهم لا يصادرون في أرزاقهم مهما كانت المآخذ أو حتى التهم التي توجه إليهم!
٢) أن تتولى محاسبة من يرى أنه ارتكب ما يوجب المحاسبة هيئة علمية تحاكمه على أساس واضح من مقررات الإسلام التي لا يجوز للداعية أن يذعن لغيرها، ولا يجوز لغيره أن يحاكمه إلا على أساسها.
٣) التفكير في نظام يكفل تمويل الدعوة على مستوى العالم الإسلامي ـ كما اقترحنا في صدر البحث ـ وبحيث لا يكون هناك سلطان مباشر للحكومات على الدعاة.
هذه هي المجالات الثلاثة الكبرى التي تتركز فيها مشكلات الدعوة والدعاة.
وبقيت أمور تمثل عقبات وتحديات تعترض طريقها وسوف نشير إلى أهمها فيما يلي:
أولاً: عقبات داخل مجال الدعوة نفسها:
١) ومن ذلك تعدد أجهزة الدعوة، كيانا، وتوجيها، وإشرافا، وهو أمر له خطره المتمثل في تضارب الاتجاهات، وما يترتب على ذلك من شقاق، وبلبلة تهز ثقة الناس، وتجعلهم يتساءلون: ترى من المحق من كل هذه الطوائف؟ ولماذا يكون بعضها أولى بالحق من الآخرين.
٢) ومن ذلك ترك ساحة الدعوة فوضى يتجول فيها هواة، ومشعوذون، ودجالون، ومرتزقة كاذبون، ولعل ما يجري تحت اسم الطرق الصوفية في أنحاء العالم الإسلامي أسوأ ما يعترض طريق الدعوة الحقة!!
٣) ومن ذلك مناهضة أجهزة الإعلام والثقافة العامة بوعي وبدونه لأجهزة الدعوة مناهضة تملك من الوسائل والطاقات ما يكاد يذهب بأثر الأخيرة ذهاباً كلياً، ومن أخطر ما يجري في هذا القطاع التعريض بالدعوة ورجالها، والنيل من مكانتهم، ومحاولة التأثير على صدورتهم عند الجماهير بما يضعف استجابتهم لهم.
стр. 6346
٤) ومن ذلك ميل كثير من العاملين في مجال الدعوة إلى الهروب من الميدان، والاتجاه إلى مجالات أخرى يرونها أكثر سخاء في العطاء الدنيوي وهذا أكبر دليل على أن فكرة - الرسالة - والإحساس بها لم تنشأ في نفوسهم، ولم يعن بتنميتها فيهم من خلال مراحل الإعداد!!..
ثانياً تحديات من خارج المجال:
وفي مقدمة هذه التحديات ما يتستر ويتخفى تحت شعار العلم متخذا منه قناعاً من جهة ومعبراً يعبر منه إلى عقول الشباب المعاصر من جهة أخرى! من هذه التحديات:
١) تلك النزعات والمذاهب والفلسفات المادية التي تفد من الشرق ومن الغرب على السواء، والتي تلتقي على غاية واحدة، قلع بذور الدين والتدين من العقول والقلوب وأصحاب هذه الاتجاهات يحاولون إضفاء صفة العلم عليها، لما للعم اليوم من سلطان على العقلية المعاصرة وخاصة في بلاد العالم الصناعي، حيث قدم العلم إنجازات جعلت تلك المجتمعات تقيم منه إلها تعبده، وتتعبد في محرابه.
إن فتنة العلم في عصرنا هي أخطر ما يجب مواجهته، وكشف ما ينطوي عليه من مغالطات وتجن على الحقيقة، وافتعال الادعاء بأن الدين عدو للعلم.
٢) ومن فروع هذه الشجرة الآثمة ذلك الاتجاه - العلماني - الذي يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وهو اتجاه قد يكون له ما يبرره في بلاد نبذت الدين كلية، أو فشلت في محاولة التوفيق بين نظرة العلم ونظرة الدين الذي تدين به للحياة، لكن هذا إذا ساغ في أي مجتمع يستظل بأي دين فإنه في مجتمع يستظل بالإسلام لا يزيد عن تقليد جاهل أو محاولة مغرضة تريد حرمان المجتمع الإسلامي من أعظم مقوماته، ومن أعمق دوافعه، ومن أقوى حصونه في الصمود والدفاع عن نفسه في مواجهة أعدائه.
стр. 6347
في مجتمع الإسلام لا مكان لهذه المشكلة، بالمرة، فالدين الحق والعلم الصحيح أخوان، وفي تعاونهما معاً ازدهار الحياة وتقدمها، والداعون للعلمانية في مجتمعات الإسلام هم ـ بحق ـ الرجعيون الذين ينطلقون من منطلقات جاهلة أو حاقدة..
٣) ومن فروع هذه الشجرة الآثمة أيضاً ما نراه من انفصام بين الجامعات والمراكز التي تتولى شئون البحث العلمي في بلاد إسلامية متعددة، وبين روح الإسلام ونظرته للعلم والعلماء، وهي ثمرة مرة جاءت نتاجاً غير صالح لما كان من فصل متعمد بين التعليم الديني والتعليم المدني أرسى الاستعمار قواعده، ورسخ أصوله، وأحدث ثغرة هائلة في بنية المجتمع الإسلامي المعاصر، يجسدها هذا الانفصام بين مراكز التوجيه والقيادة الفكرية فيه، وبين الإسلام على درجات متفاوتة.
٤) ومن التحديات التي تواجه الأديان بوجه عام ما يبدو من ميل علم كذلك إلى التحلل من الدين، والتخفف من تبعات التدين، وهي ظاهرة عامة في كل المجتمعات تعكس روح العصر، ومن الغريب أنها بدأت تنحسر في المجتمعات المتقدمة وظهرت فيها نزعات تطالب بالعودة إلى الدين، هذا بينما هي في المجتمعات النامية ما زالت تأخذ صورة المد، ولم تنحسر بعد.
٥) وهناك تحد خطير، لأنه يمثل خميرة الشيطان في مجتمعات المسلمين لقد تمكن الملاحدة من الماركسيين وغيرهم في كثير من بلاد العالم الإسلامي من أن يكون لهم وجود منظم أو معترف به، في شكل أحزاب، أو تجمعات تمارس نشاطها علانية أو تحت الأرض.
هذه التجمعات الإلحادية تركز نشاطها على الشباب، وتستثمر الظروف الصعبة التي تعانيها بعض تلك المجتمعات، لحساب مبادئها الهدامة، وأغراضها المشبوهة وقد مكنها ما أضفى عليها من شرعية في بعض تلك البلدان من أن تستعلن، وتفصح عن مبادئها، وتدعو إليها جهاراً نهاراً.
стр. 6348
وبعد فلعلنا نكون ـ بهذا التفاؤل الموجز ـ قد ألقينا ضوءا كافياً على ما يعترض الدعوة الإسلامية من مشكلات وما يعترض - الدعاة - من عقبات حرصنا على أن نضعها في أطرها العامة ليسهل التعرف عليها، والنفاذ إلى جذورها وأسبابها، بما يهيئ السبل الصحيحة لعلاجها والخلاص منها.
إننا لو استطعنا تحقيق وتطبيق معطيات هذه الآيات الكريمة في محيط الدعوة الإسلامية ومجالاتها لكان لها من هذا التطبيق ما يخلصها من مشكلاتها، ويمنحها قوة دافعة تسرع بها نحو غايتها.
لنرفع قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ شعاراً لتجرد الدعوة والدعاة.
ولنرفع قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عهداً بالتضحية والفداء.
ولنرفع قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ تذكرة بالاحتساب.
ولنتخذ من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ معياراً لما يجب أن يكون عليه الداعية تفقهاً في دين الله، ومعرفة بالطريق إليه.
ثم لنتخذ من قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ، منهاجاً ودستوراً وأدباً يتخلق به الدعاة.
وأخيراً لنتخذ من قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ مناراً نطل منه على آفاق الدعوة التي يجب أن نبلغ بها إليها.
والله من وراء القصد موفق ومعين، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.
стр. 6349
من هنا.. فلنبدأ أعمالنا للدعوة
لفضيلة الشيخ محمد المجذوب
المحاضر بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
تمهيد:
لو أن راصداً لألوان المحاولات الإصلاحية، في عالم الإسلام الرسمي المعاصر، أراد أن يشير إلى واحد منها يتخذه إطاراً لها جميعاً لكان محقاً أن يختار له اسم (المؤتمرات الإسلامية) فقد تعددت هذه المؤتمرات، وتعددت أغراضها، وتعددت أمكنتها، وتعدد شهودها، من حكام وعلماء ومفكرين واقتصاديين وليس آخرها هذا المؤتمر المقصور على شئون الدعوة. وهي ظاهرة أيا كانت حصائدها من حقها أن تحرك موات الأمل في مستقبل يرجى أن يكون أفضل بما لا يقدر من الحاضر، إذا تولته عناية الله الذي نزل الذكر وتعهد حفظه بقدرتها التي لا يعجزها شيء.
إلا أن من أولى مهام الناهضين بأعباء هذه المؤتمرات أن يتوقفوا بين الحين والحين لمراجعة حساباتهم، وتقدير المسافة التي قطعوها إلى أهدافهم. وعلى ضوء المحصلات يمن تثبيت الخطى أو تعديلها في المسيرة الطويلة.
وأنا كمسلم، تتحد رؤيته للهدف بأنه تحقيق المجتمع الإسلامي، الذي يطلع إليه ضمير الإنسان ـ الذي اضطربت رؤيته، وزاغت بصيرته، فبات كالضارب في صحراء لا مخطط لها ولا دليل عليهاـ لا يغلبني التشاؤم فأنكر على هذه المؤتمرات خيرها، ولا أستسلم للتفاؤل فأبالغ في تضخيم محصولها.. ولكنني أوثر تقويم الواقع للانطلاق منه إلى التي هي أحسن.
стр. 6350
من هنا أراني مضطرا، بإزاء هذا المؤتمر المرموق، الذي يعقد لبحث متطلبات الدعوة، في الجامعة الإسلامية التي أنشئت لخدمة الدعوة على مستوى العالم الإسلامي، وفي مهبط الوحي الذي منه انطلقت أشعة الوحي لتضيء طريق الإنسانية، أجدني مضطرا إلى التذكير بالحقيقة التالية: إن الإسلام هو دعوة الله الخالدة الشاملة، وكل مؤمن بها فردا أو جماعة مكلف إذا عتها ونشرها في حدود طاقته ووسائله.. ولكن أول شروط الداعي وضوح الرؤية لديه بحيث يعرف من أين يبدأ أو إلى أين يريد أن ينتهي، وما حدود المجال الذي سيعمل فيه.. وعلى هذا لا مندوحة عن الإجابة مبدئيا على هذا السؤال:
من أين نبدأ:
في مطالع البعثة النبوية كان على الداعي الأول ﷺ أن يؤمن بنفسه أولا نبيا مختارا من قبل الله، حتى إذا تضلع من اليقين بهذه الحقيقة جاءه الأمر الأعلى بدعوة الآخرين من عشيرته الأقربين، ومن ثم، وبعد أن أخذ الإيمان مستقره في صدور الصفوة من هؤلاء، استقبلت الدعوة مرحلتها العالمية فراحت تنتشر مع الشمس في كل اتجاه من دنيا الناس، تحملها نفوس صفت التربية الربانية مقوماتها من عوامل الضعف والهبوط، فكانت بنفسها صورة نموذجية للخير الذي تدعوا البشر إليه.
تلك حقيقة يعرفها كل واع لتاريخ الدعوة الإسلامية، ولا مندوحة عن اعتبارها المنطلق الأول لكل تحرك في هذه السبيل: وعي الدعاة لما يريدون دعوة الناس إليه، ثم إيمان يسترخص كل شيء دونه وفي سبيله، ثم تميز بصفاته الواضحة عن كل ما عداه من الدعوات والمذاهب، فلا مساومة ولا مشاركة، ولا أنصاف حلول، وإنما هو تصميم قاطع على التحقق بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ..﴾ .
стр. 6351
وعلى هذا فلا مناص للعاملين في نطاق الدعوة من تحديد نقطة البدء في منطلقهم، وهي تكوين أنفسهم، وتنظيم طاقاتهم على روح الدعوة التي آمنوا بها، حتى لا يلحظ الآخرون أي تناقض بين ما يقولون وما يفعلون. فإذا كان الداعي فردا من المثقفين كانت عدته الأولى بالحق الذي يريد إشاعته، وإذا كان الداعي دولة أو حاكما فالتبعة أكبر وأثقل، لأنها تقتضيه أن يكون الحارس الأمين لمبادئ دعوته، يستلهم أحكامها في كل صغيرة وكبيرة من عمله، فلا يحيد عنها في قضاء أو تدبير أو تنفيد.. ويكون في سلوكه الشخصي صورة حية من العدالة والنزاهة، اللتين يتميز بهما الحاكم المسلم، فيستحق أن يكون القدوة الصالة لمن تحت يده من المؤمنين بهذا الدين والجاهلين له على سواء.
أجل.. تلك هي الحقيقة، التي لابد من التزامها لإنجاح العمل، الذي ينعقد هذا المؤتمر المبارك من أجله.. ولذلك كان لزاما على كل مفكر يؤمن بهذه الحقيقة أن يحاول جهده الارتفاع إلى مستواها أولا، لئلا يندرج تحت قوله تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ..﴾
الإسلام والجاهليات
منذ انبثق فجر الإسلام بدأت معاركه مع الظلمات الجاهلية، فما تخمد نار إحداها حتى تستعر أخرى وقد استطاعت أن تمد ألسنتها في الكثير من الأحايين إلى قلب حصونه، فتدمر وتشوه، وتزلزل أعصاب الكثيرين من ضعفاء الوعي، فتؤلف منهم عصائب وفرقا، ما زالت بهم حتى جعلت منهم أشد أعداء الإسلام نكاية له، وتصميما على استئصاله.. وفي عصرنا الراهن نماذج رهيبة من هذه المعارك، اختلفت أدواتها، وتباينت أساليبها، ولكنها تلتقي جميعها على الغاية الواحدة التي هي تدمير الإسلام.
ومعلوم لكل ذي لب أن خصوم الإسلام في هذه المرحلة الرهيبة قد حققوا غير قليل من النجاح في صميم العالم الإسلامي، إذ استطاعوا بوسائلهم المدروسة البالغة الدقة أن يتسللوا إلى كل معقل منه، فيعملوا فيه هدما وإفسادا.
стр. 6352
لقد أخذوا على المسلمين سبل الحياة جميعا، فأفقدوهم الثقة في أنفسهم ومقوماتهم أولا، ثم أقنعوا أولى السلطة منهم ـ إلا من رحم الله ـ ألاّ منفذ إلى أي تقدم إلا عن طريقهم وبتوجيههم.. وهكذا أصبح المسلمون في كل مكان، وبإيحاء هذا الإيهام، رمز الأمة التي قدر لها أن تكون نموذج التخلف في قافلة البشرية، بعد أن كانت رائدة الركب الحضاري، لا عمل لها إلا حراسة الخامات التي أنعم الله بها عليها لتقدمها إلى خصومها بأرخص الأثمان، كي يردوها إليها مصنعة بأضعاف أثمانها.
وعلى دأب المستضعفين في الإعجاب بالمستضعفين أقبل المسلمون على تعقب آثار هؤلاء دون تفريق بين الضار والنافع، والصحيح والفاسد، بل لقد أسرفوا في الجانب الادني من شؤونهم، حتى أوشكوا أن يتميزوا به.. فطرز أبنيتهم صورة مكررة لمنازلهم القائمة على النظام الوثني، الذي لا يقيم وزنا لفضائل الإسلام، ومناهجهم الدراسية نسخ منسوخة من مقرراتهم التي لا تقبل التعامل مع حقائق الوحي، إلا ما بقي من آثار لا وزن لها في نتائج الامتحانات وفي الغالب من ديار الإسلام: وقد اكتسحت بيوت المسلمين فنون الكفرة، فهي تغزوهم بالمنظور والمسموع من الملهيات المنافية لكل ما أمر الله به ورسوله ويألفونها شيئا فشيئا حتى تطرد من حياتهم كل ما يعارضها من الأخلاق الإسلامية كما تطرد العملة الزائفة الصحيحة، وكأنهم بذلك إنما يحققون باختيارهم ما حذرهم منه نبيهم المعصوم بقوله الخالد: "لتتبّعنّ سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم.. " [١]
تصحيح الداخل أولا:
стр. 6353
هذا الواقع الرهيب هو الذي أطمع بالمسلمين أولئك الأفاكين من أدعياء العلم في الغرب، فراحوا يشنون حروبهم على الإسلام باسم العلم، فيحرفون الكلم من بعد مواضعه، ويقلبون الحقائق، ليدفعوا تلاميذهم من أبناء المسلمين إلى التنكر لدينهم. ثم أولئك الأفاقين الآخرين من دعاة النصرانية، الذين يئسوا من استبقاء دينهم في الأجيال الغربية، التي كفرت بقداسة الكنيسة فألقوا بثقلهم على الشرق الإسلامي، يستغلون الفراغ الذي تعانيه الكثرة من قلوب أبنائه، ليسلخوهم من بقايا هويتهم، الإسلامية، وليجعلوا منهم عصائب جديدة من الحاقدين على الإسلام، المحاربين له كأسلافهم الأولين من المرتدين.
ومن هنا كان تصورنا لهذا الواقع في داخل كياننا حقيقيا بأن يدفعنا دفعا إلى البدء بتصحيحه، قبل أي تحرك إلى الخارج. لا جرم أن من واجب المؤتمر مواجهة كل محاولة تستهدف النيل من الإسلام في كل لغة وكل مكان وذلك هو الطابع الرئيسي الذي يتجلى في كل اجتماع يعقد لخدمة الدعوة، وفي كل بحث يكتبه غيور على حرمتها.. لكن.. أليس من حق الإسلام كذلك أن نوجه بعض هذا الجهد إلى ذلك الواقع الذاتي الذي سيمدنا بكل أسباب الفلاح أو الإخفاق في جهادنا من أجل الدعوة!
من أبسط البديهيات أن الجيش المحارب لا يصلح للعراك إلا بعد التدريب والتنظيم واستيفاء كل الوسائل التي يتطلبها القتال.. فلنبدأ إذن بتنظيم كياننا الأساسي أولا.
إن معظم العاملين في نطاق الدعوة يركزون جودهم على جدال الآخرين لإقناعهم بحقائقها.. على حين يغفلون أقرب الناس إليهم فلا يكادون يعرضون هذه الحقائق عليهم..
في إحدى المدن الإسلامية قدم أربعة من الشباب (المتعلمين) إلى القضاء لمحاكمتهم على السكر وإعلان الإفطار في رمضان، أيام كان لرمضان حرمته في ذلك البلد، وشد ما أدهش الناس أن يعلموا أن كل من الأربعة إبن لعالم مشهور في تلك المدينة.
стр. 6354
وما أكثر النسوة اللاتي يتجردن من كل أثر للحشمة الإسلامية بمشهد من آبائهن أو أزواجهن، الذين يكثرون من الكتابة والخطابة في شئون الإسلام! أفليس مثل هؤلاء الغافلين أحرياء بأن يتذكروا قول الشاعر الحكيم:
يأيها الرجل المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم!
فيعلموا يقينا أن أول مسؤلياتهم هي تركيز معاني الإسلام في قلوب أوليائهم، حتى كلمتهم ذات وزن في نفوس الآخرين..
هذه التناقضات:
هذا من ناحية الأفراد المتطوعين للدعوة، أو الموظفين لها.. فإذا نقلنا النظر إلى الصعيد الرسمي ألفينا التناقض أكبر، والمردود أهول وأثقل.
إن غير قليل من حكومات العالم الإسلامي تتنكر للإسلام عملا، وإن شاركت في الاجتماعات المنسوبة إليه كلاما..
إنها بحكم سلطانها على الدولة تهمين على كل مرافق التعليم، وبدلا من أن تقيم مناهجها جميعا على أساس الحقائق الإسلامية، وتحمي الإسلام من كل دعاية مضادة لحقائقه، سواء جاءت من المدرسين المنحرفين، أو من الأعداء التقليدين، نجد واقع الأمر فيها على خلاف ذلك، فالمناهج دخيلة محشوة بما يتنكر لعالم الوحي، والعلوم الإسلامية الحقة إما مطرودة من تلك المناهج نهائيا، وإما معزولة عن التأثير التربوي، بحيث لا يسمح لها بمواجهة أي افتراء يوجه إليها من كتاب مقرر، أو مدرس مضلل، ثم يتم إقصاؤها عن مجال التأثير كليا بإلغائها من مسوغات القبول في الدراسات الجامعية.. ولعل كثيرين حتى من ذوي العلم يجهلون أن بعض الحكومات (التقدمية) قد أغفلت ذكر العلوم الشرعية من كل خطط التنمية التي تمدها للمستقبل القريب.. ولا معنى لذلك إلا التصميم على إلغائها نهائيا.
стр. 6355
فإذا التفتنا إلى ميدان الإعلام، وجدنا الأبواب مفتحة لكل الأفكار المحاربة للإسلام، ولكل الفنون المدمرة لآدابه وفضائله. وربما عثرنا في بعض الزوايا القصية على بعض الكلمات التي تحاول أن تعرض، في استحياء، بعض معاني الإسلام، ولكن ما يحيط بها من نقائض كافية لأن تجعل منها شيئا غير معقول ولا مقبول.. حتى كتاب الله الذي غير تاريخ البشرية، وعلمها ما لم تكن تعلم من حقوق الإنسان ورسالته العليا، فلما يقدم للناظر أو السامع إلا مصحوبا لسبيل من الأغاني أو المزامير، التي لا داعي لها، سوى إشعار السامع أو المشاهد أن هذا القرآن ليس أكثر من بعض هذه (الألوان) الترفيهية..
تراثنا المهدد:
ولا عجب أن تنحدر معاملة المعاني الإسلامية لدى وسائل الإعلام الرسمية في بعض هذه الدول، إلى مثل ذلك الدرك المؤسف، ما دام بعض كبار المسؤولين فيها لا يتحرجون عن الطعن الصريح في عصمة القرآن، والغمز من رسالة محمد (صلوات الله وسلامه عليه) حتى ليتهمونه على رؤوس الأشهاد بالتقول على الله، والدعوة إلى عبادة ذاته، والاستعانة بالأساطير الوهمية للتأثير على الأتباع.. إلى آخرين لا يسترون سخريتهم بالإسلام، حين يعلنون إيمانهم بالماركسية والإسلام جميعا، ولا يكتفون بذلك لأنفسهم بل يفرضون هذا التزوير على شعوبهم المسلمة بقوة الحديد والنار، ثم لا يستنكفون أن يحرقوا منكري هذا الإفك المبين بالنار على ملأ من العالمين.. ومع ذلك لا يرون بأسا من أن يحضروا مؤتمرا الإسلام، وينيبون عنهم من يتحدث باسمه في كل مناسبة خاصة به..
وقد أعطى هؤلاء أنفسهم حق الإفتاء في كل ما يريدونه من الإسلام، دون ما حاجة سوى أنهم يملكون القوة التي تمكنهم من إذلال شعوبهم، وزج أحرارها في غياهب السجون، والتفنن في ابتداع عجائب التعذيب، يصبونها على كل من يجرؤ على مواجهتهم بكلمة (لا) ..
стр. 6356
ولعل موقف هؤلاء من المرأة المسلمة يمثل قمة الاستهتار بقداسة الإسلام.. فالسائح في ديارهم أينما اتجه تطالعه اللافتات الصارخة بتحرير المرأة.. وقد أصبح هذا شعار كل حكومة تنعت نفسها بالتقدمية في بلاد الإسلام.
وبقليل من التحقيق يتضح لكل ذي بصيرة أن المراد بهذا التحرير ليس تمكين المرأة من طلب العلم الذي يناسبها ولا رفع المظالم التي ترهقها في بعض الأوساط التي أدارت ظهرها لشريعة الله، بل دفعتها إلى الخروج على كل القيم التي ميزت المسلمة عن سائر النساء، إذ أعطتها من الحقوق ما لم تحلم به امرأة في العالم كله حتى الساعة..
ولا شك أن رافعي شعار (تحرير المرأة) في عالم الإسلام يدركون جيدا أن إفساد المرأة المسلمة باستجرارها إلى التحلل من فضائل الإسلام، إنما هو أقصر طريق إلى تدمير الحصون الداخلية للمجتمع الإسلامي.. لأنه سيجهز على مقومات البيت الذي لم يبق سواه لتربية الأجيال المؤمنة..
ومن أجل ذلك يعبئون كل الطاقات التي يملكونها، لتفريغ المسلمة من كل تقديس لمواريثها الدينية، وفي مقدمة ذلك تشويه القيم الأصلية، وشحن نفسها بالتنفير من كل موحياتها، وأنجح مجال لذلك مؤسسات العلم التي أمكن تجريدها حتى اليوم كل الحصانات الذاتية، ثم مؤسسات الدولة التي ركزت على استخدام المرأة، فأصبحت من أهم العوامل المفتتة لبقايا الأخلاق..
وما أحسبني بمعذور إذا أنا أغفلت بجانب هذه الألغام الناسفة، موضوع الشباب الذي يبتعث لاستجلاب المعرفة من معاقل الكفر، فإذا هو ـ إلا من رحم الله ـ فريسة مكشوفة لكل خبيث النية عليم اللسان.. ثم لا يلبث إلا قليلا حتى يسلخ من الزاد اليسير الذي حمله عن دينه دون تعمق ولا تدبر.. فإذا عاد إلى بلده بعد من الدراسة كان أكبر همه تهديم ما يواجهه من تراث حُشِي صدره بالحقد عليه..
стр. 6357
وإني لهذا المسكين، الذي سُيّب دون معين، أن يصمد لألوان المغريات التي أعدت لاصطياده منذ الخطوة الأولى.. إذ كان عليه، من أجل إتقان لغة القوم، أن يتخذ سكنه في أسرة لا يسمع ولا يرى فيها إلا ما يخالف مقومات دينه، ثم تأتي الرحلات والحفلات والشهوات.. فلا تبقى من ميراثه النفسي نقيرا ولا قطميرا..
فكيف إذا تذكرنا أن هذا الشباب هو الذي يتولى وسيتولى قيادة المجتمع وتكييفه على الوجه الذي لا يؤمن بغيره!..
من هنا فابدأوا:
تلك صورة مصغرة من وقائع كبيرة لا يجهلها أحد مهتم بشؤون المسلمين، ويعنى بالدعوة إلى الإسلام.. ولابد أن كلا منا قد سأل نفسه بإزائها أكثر من مرة: إذا كان هذا هو واقع المسلمين في بلاد الإسلام، فكيف يتاح لداع إلى هذا الدين أن يقنع به الآخرين؟..
إن أولى الحقائق التي يلتزم الداعي إلى الإسلام عرضها لغير المسلم، بعد كلمة التوحيد، هي إقناعه بأن الإسلام هو النظام الكامل الذي اصطفاه الله لعباده من أجل هدايتهم إلى التي هي أقوم في دنياهم وآخرتهم، ففيه أصول الحياة السعيدة لكل ما تتطلبه فطرة الإنسان من الحكم الرشيد، والآداب العاصمة، والقوانين الضابطة لمسيرة البشرية، أفراد وجماعات وحكومات في الطريق الذي لاعوج له.
بلى.. ذلك ما يفعله كل داع أوتي العلم والحكمة.. ولكن ما محصول دعوته حين يسمع مدعويه يتحدونها بمثل قولهم: إذا كان هذا هو الإسلام حقا.. فما بال دول المسلمين يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، فيقاطعون تشريعاته القويمة، ليأخذوا بقوانيننا المضطربة، وما بالهم يرفضون أنظمته الاجتماعية، في المرأة والتربية والتعليم، ليلهثوا في أثر مجتمعاتنا، التي فقدت الرؤية السليمة، فراحت تتخبط في المجاهل دون هاد ولا دليل!..
стр. 6358
لقد استحكمت مرحلة الضياع في حياة المسلمين منذ رضي مسؤلوهم بالتخلي عن سياسة الإسلام في الأموال والدماء وأساليب الحكم، ولما ألفوا البعد عن مهيع الشريعة الآلهية تقدم بعضهم مرحلة أخرى فأعلنوا الثورة بكل الخصائص التي تميز المجتمعات الإسلامية وها هم أولاء يصرحون في كل مناسبة بأنهم يريدون تفكيك البنية الاجتماعية لشعوبهم وتحويلها إلى أوضاع مغايرة تماما.. أوضاع يستمدون مخططاتها طبقا من كل مكان وكل نظام إلا الإسلام..
هكذا يتحول هذا الإسلام في ظل هذه العقليات الغربية إلى شيء آخر يمكن إعطاؤه أي اسم إلا الإسلام.
إن إلغاء القوانين الشرعية في معظم العالم الإسلامي قد جرده من كل الحصانات التي تحقق له الأمن، إذ زجه في المتاهات نفسها التي يتخبط فيها العالم الجاهلي من حوله.. وإنشاء الفتاة المسلمة على غير الإسلام قد عطل كل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المحددة لسلوكها، والحافظة لسلامتها وكرامتها، وبهذا وذاك يستحيل كتاب الله بين المسلمين لونا من الصحف الأثرية، إذا قرئت، وقلما تقرأ، فللذكرى أو للتسلي وربما للتبرك على أفضل الاحتمالات.. تماما كما حدث للإنجيل من قبل، إذ أصبح معزولا عن حياة النصارى، حتى لا يكادون يعرفون عنه شيئا، كما يقول المستشرق المبشر بيير ضودج في كتابه (الإسلام بنظر الغرب) ـ ص٤٣ـ.
وإزاء مثل هذا الوضع لا يستغرب القول بأن كل الدلائل تؤكد أن الإسلام في مناطقه هذه مهدد بالزوال خلال سنين.. إذا لم تقيَّض له قوة ترد عليه اعتباره، وتمكن المسلمين أن يمارسوه في أحكامهم ومعاملاتهم وإعلامهم وسلوكهم، في بحبوحة من الحرية لا يهددها عسف ولا إرهاب.
وأمام هذا الواقع المنظور الملموس لا يعذر المفكر المسلم إذا لم يقل لدعاة الإسلام: من هنا، من مناطقكم المحسوبة على الإسلام فابدءوا بالدعوة إلى الإسلام.
لابد من حوار:
стр. 6359
وكأني بهؤلاء الإخوة المعنيين بشؤون الدعوة، وقد ذكرهم حديثي بما لم ينسوه، يتساءلون في أعماقهم: ذلك هو الحق.. ولكن ما السبيل إلى تحقيق واجبنا نحو الدعوة في هذه المناطق المغلقة بوجهها!..
وأقر سلفا بأني لست أقل منهم حيرة بإزاء هذه المشكلة.. فأنا أعلم ما يعلمون من الأخطار الهائلة التي تنتظر كل ما مر يجرؤ على اقتحام هذا الميدان.. إن هناك ألقاب الخيانة، واختلاف التهم، وتأليب الغوغاء، وحرب التجويع والحرمان، ثم ألوان التعذيب التي يعجز عن تصورها الشيطان والداعي مهما يبلغ من الإيمان لا يعدو أنه إنسان، يعتريه الخوف، كما اعترى نبي الله موسى أمام ثعابين السحرة، وكما اعترى عمارا تحت سياط الكفرة.. وهو يعلم أن كلمة الحق قد تسوقه إلى الشنق، أو تقوده إلى السجون التي لا مخرج منها، والتي دون أهوالها المنون.
فكيف يؤدي هذا الداعي رسالته.. وكيف ينقل خطواته في هذه الظلمات التي بعضها فوق بعض! مرة ثانية أقر بالحيرة.
ومع ذلك فلابد من العمل إعذاراً إلى الله، ولو أن كل شيء هناك يدعو إلى اليأس، فالغيب بيد الله، وهو القائل: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وقد دلنا على طريق الفرج بقوله سبحانه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً..﴾ .
стр. 6360
ومن يدري فقد يجعل الله من هذا المؤتمر ذلك الفرج الذي نترقب، إذا أخلص كل من العاملين نيته لله.. وذلك بأن يكون في رأس مقرراته استنهاض همم الحكام المؤمنين بالإسلام لإقامة حوار مع أصدقائهم حكام المناطق المغلقة، يستهدف إقناعهم بالتساهل مع دعاة هذا الدين فلا يمنعوهم دخول بلادهم، والاتصال بإخوانهم من أهل العلم، والتعاون معهم لتبصير الناس بحقائق الإسلام، وابراز فضائله، وتثبيت مقوماته في نفوسهم. على اعتبار أن في هذا الضرب من التبليغ تشديدا للروابط الأخوية بين شعوبهم، وفي ذلك قوة لهم ولأمتهم لا تقوم بها كل فلسفات الدنيا. وسيكون من بوادر التوفيق في هذا الحوار الإفراج عن أولئك الدعاة الذين تتابعت الأعوام على اعتقالهم دونما ذنب سوى أم يقولوا ربنا الله!..
هذه واحدة. ثم أخرى وهي أن يرضى حكام المناطق المغلقة بالدخول في حوار آخر مع رجال الدعوة أنفسهم، فيعرض كل من الفريقين وجهة نظره وما عنده من حجة لنصرتها.. فإذا كان هدف الحكام حقا مصلحة شعوبهم حسب اجتهادهم، لم يكن مستحيلا اقتناعهم بأفضلية الإسلام نظاما وقانونا وسياسة..
لا منقذ إلا الإسلام:
إن عقدة النقص في أولئك الحكام عائدة إلى جهلهم المطبق بمعطيات هذا الدين، ولقد رأينا عددا من هؤلاء، الذين سجلوا الرقم القياسي في عدائهم له، لا يكادون يفارقون كرسي السلطة، ويجدون الفرصة السانحة للإطلاع على بعض روائعه، حتى ثابوا إلى رشدهم، وأيقنوا الإخلاص وألا عزة ولا قوة إلا في الأخذ به كلا لا يتجزأ..
стр. 6361
وفي اعتقادي أن أقصر الطرق إلى نصرة هذا الدين الحق في بلاد الإسلام هو الوصول إلى قلوب وعقول هؤلاء الحكام.. وكل نجاح يمكن تحقيقه معهم إنما هو ربح للإنسانية كلها، التي تتطلع في لهفة لاذعة إلى منفذ للخلاص من ضياعها الرهيب، ولا منفذ لها ولا منقذ إلا بالإسلام، الذي لا يخدمه شيء مثل قيام مجتمع نموذجي يطبق أحكامه صحيحة كاملة كما أنزلها الله، في أي بقعة من هذا العالم..
لقد قرأ هؤلاء الكثيرين عن مفتريات الملحدين في تشويه الدين، ولم يكن لديهم من العلم ما يفرقون به بين الإسلام وغيره، فلم يلبثوا أن سحبوا تلك المفتريات على الإسلام نفسه، ومن ثم أقاموا من أنفسهم مشرعين في أهم قضاياه، وهم الذين ـ ربما ـ لم يلموا بحرف من كتاب الله ولا سنة رسوله ولا اجتهاد الأئمة، ومثل هؤلاء لا يبعد أن يتقبلوا تصحيح خطئهم لو أتيح لهم من يدلهم عليه..
وأخيرا:
أن أهم ما ينبغي التوكيد عليه في هذا المؤتمر، وكل مؤتمر يعقد لبحث أمور الدعوة، في هذه الأيام يمكن تلخيصه في النقاط العشر التالية:
١ـ الإلمام الدقيق بواقع الفكر البشري وموقفه من التطلعات الروحية في مسيرته الراهنة.
٢ـ دراسة واقع الدعوة الإسلامية ودعاتها في بلاد الإسلام، وبخاصة في الأقطار العربية.
٣ـ إيمان الدعاة بدعوتهم أولا، ثم التزام طريقها في النفس والأهل وكل من يقع تحت مسؤليتهم.
٤ـ التركيز على دعوة الحاكمين في أقطار الدعاة للاستحواذ على تأييدهم، أو مهادنتهم على الأقل.
٥ـ تأمين حق الإسلام في شؤن الإعلام حتى يتاح لعلمائه أن يقدموا حقائقه.
٦ـ السعي لدى المؤمنين من حكام المسلمين للإقلال من الابتعاث إلى مناطق الكفر ما أمكن. وإلغاء بعثة كل طالب يثبت إهماله التكاليف الإسلامية، تحت طائلة الحرمان من حق العمل في خدمة الدولة.
стр. 6362
٧ـ العمل لإقناع هؤلاء المسؤولين بقصر مناصب الملحقين الثقافيين على رجال الدعوة من ذوي النشاط الإسلامي، المتضلعين بالثقافتين الإسلامية والعالمية.
٨ـ تولية هذه النخبة من الملحقين الدعاة أمر الإشراف على البعثات الطلابية، وتخويلهم كل الصلاحيات المساعدة على إنجاح مهمتهم.
٩ـ العمل الجاد لتأمين إذاعة خاصة ـ ولو في نطاق محدود ـ لتبليغ الإسلام في كل دولة إسلامية تشارك في اجتماعات المسلمين.
١٠ـ اعتبار مكتب الدعوة في الجامعة الإسلامية، مكلفا متابعة هذه المقررات، وإعداد تقرير دوري صريح عن مدى تطبيقها وأمكنة هذا التطبيق، على أن يذاع وينشر بكل وسائل الإعلام الممكنة.
والله قصدنا وإليه المصير..
--------------------------------------------------------------------------------
[١] أخرجه الشيخان.
стр. 6363
بين يدي العلاج
للدكتور عبد السلام الهراس.
الأستاذ بجامعة محمد بن عبد الله (كلية الآداب) فاس ـ المغرب
إن في عالم اليوم تيارات امتاز بعضها بأحكام الفكرة وشموليتها وقد أكسبتها الممارسة والتطبيق بريقا وأي بريق. وهكذا لم تعد أفكارها تتردد في مجال النظر والعقل بما تمخضت عنها دول وكتل متميزة بمعالم وملامح انعكست على حياتها وأخلاقها وعلاقاتها فهي مدينة لهذه الإيدلوجية أو تلك ملتحمة بها التحاما شديدا لأنها منذ اعتنقاها لها واتخاذها منطلقا لنهضتها وأسلوبا لحياتها وإطارا لتطورها حدث تغيير عظيم في حياتها الحضارية وهكذا ارتبطت النهضة بالفكرة وتلازم ذكر التقدم الروسي بالماركسية، والتقدم الغربي باللبرالية والرأسمالية.
стр. 6364
وقد كان للصراع الفكري أثر في عدة مجالات حتى في ميدان الرياضة كما تجلى ذلك في "مونريال"حيث كان التباري والصراع على أشده بين الفريقين الممثلين للفكرتين للبرهنة على التفوق إحدى الإيديولوجيات على الأخرى. ومعنى ذلك أن الفكرة، كأي إنتاج يجب أن تتجاوز الدعوة إليها الاكتفاء بالبرهنة على صلاحيتها نظريا إلى تقديمها في صورة حضارية ملموسة يعيشها الإنسان ويسعد بها، لأن الفكرة الأكثر تأثيرا وإغراءا أو اطرادا وتنفيرا هي التي يعكسها واقعها الملموس، بقطع النظر بأن يكون هذا الواقع انعكاسا حقيقيا لها أو انعكاسا لاختلال أخلاقي وعقائدي للذين يدعون أنهم أصحابها دون أن تكون هي في الحقيقة مسؤولة عنه، ففرق كبير بين فكرة تقدم وتعرض خلال أمة متماسكة، ودولة أو دول عظيمة ومصانع ضخمة وإنجازات مذهلة في مجالات العلوم والاختراعات والتقدم الاجتماعي والحضاري، ومن خلال الحرص على كرامة الإنسان وأمنه وسلامته، وبين فكرة يدعى لها من خلال أمة أو أمم ممزقة ودول ضعيفة أو عجفاء متناحرة ومجتمعات متخلقة راكدة وإنجازات جبارة ولكن في ميدان التفقير ومصادرة الكرامة الإنسانية بل البشرية وخنق الفكر السليم وتناقضات بين القول والعمل وسيطرة جو من سوء الثقة بين الأفراد والجماعات والرعاة والرعية. فالمقياس المتداول أو المستعمل لاختيار صلاحية الفكرة أو عدم صلاحيتها هو مدى ما حققته لأصحابها من حضارة وما أنجزته في ظلها من نهضة أو تقدم أما المقاييس المثالية والتجريدية والمعتمدة على الاستدلال بالماضي والإشادة بعظمته والوعود بمستقبل غامض فأمور أثبتت أنها فاقدة لأهم عناصر التأثير والإلتفات.
فالرواج الإيديلوجي هو لمن يملك رصيدا ملموسا يؤيد دعوته وهذا بالضبط ما ساعد أعداء الإسلام على اقتحام عقول شبابه ومجتمعاته.
стр. 6365
إذن فأول ما تواجه الدعوة الإسلامية هذه الأجهزة الجبارة التي تهاجمنا من كل صوب مدججة بالقوة والحجة والتنظيم مستعينة بوسائل كثيرة فعالة، تؤازرها دول عظمى وأخرى دونها متعاونة ببيادقها والتي تجاور الرقعة الإسلامية لضرب المسلمين والدعوة الإسلامية التي تتزعم دائما العمل التحرري التقدمي.
ولأعداء الإسلام زيادة على أجهزتها الصريحة والعلنية منظمات وأندية ذات أهداف دينية أو اجتماعية أو إنسانية ولكنها في الحقيقة ذات هدف واحد وهو تهديم القيم الإسلامية وتعويق العمل الإسلامي، فهي إذن نشاط مواز للنشاط الإيديولوجي خادمة لأهدافه، إنه النشاط المستتر والعلني المتخفي وراء عناوين يبدو بعضها بريئا ولكن البعض الآخر مكشوف الأهداف شرس الأطماع مثل البهائية التي أصبح لها دور خطير في بعض البلاد الإسلامية وتتمتع بحماية ودعم يمكنها من التسرب والإشراف والتحرك في أمان وحرية مع وضوح اتصالها بالصهيونية والأجهزة الإمبريالية ومن هذه الأنشطة الأندية الثقافية والتجارية والاجتماعية التي تعمل في كثير من بلاد الإسلام بقيادة جماعة ممن يرتبطون بهذه الأمة اسما ونسبا ولكن بإشراف أجنبي مشبوه. ولهذه الأندية فروع ذات أهمية في بعض البلاد الإسلامية وتتمتع بتقدير خاص وبارز حتى أصبح الانتساب إليها شرفا وقربى، وقد وقع في شراكها بعض ذوي النبات الحسنة الذين لا يعرفون ماذا تدبر هذه الأندية باسمهم واسم أمثالهم من شر لأمتهم على المدى البعيد. وفي الحقيقة أنها خطت خطوات هامة وقطعت مراحل ملموسة مما يجعل منها مراكز قوى توجه وتتدخل من بعيد أو قريب في شؤون البلاد الإسلامية.
стр. 6366
وهناك دعوات وجماعات من إنتاج محلي مهمتها نشر البدع وتعديم السنن وتتمتع بنفوذ قوي أوساط العوام وربما على مستويات أخرى، وهذه الدعوات تنازع العمل الإسلامي وتناوئه وقد استغلها أعداء الإسلام في بعض الفترات ولكن الذي يقع اليوم زيادة على ذلك أن أجهزة الاستشراق تعمل فيها لمحاربة الإسلام على إحياء نوع خاص من الترات الصوفي لاستغلاله في محاربة الإسلام والتشويش عليه. وهكذا تصبح هذه الدعوات والطرق من أشد المعوقات للدعوة الإسلامية الناصعة.
وهناك حركات ومنظمات سياسية في بلاد المسلمين لا تعادي الإسلام ولكنها لا تتخذه إطارا وسلوكا ودعوة لها ومها من حاول أن)) يعصر ((الإسلام و)) يعصرنه! ((وجعله مبدأ جزئيا من مبادئ دعوته السياسية. وهنا الخطر إذا أصبح الإسلام صالحا لأن يكون تارة في اليمين وتارة في اليسار حسب الموضة السائدة فهو موضوع استغلال لا موضوع قيادة واتباع. وهناك من جعل الإسلام وسيلة للاحتلال على الضمائر والتمويه والتضليل لغايات مرحلية محددة. وهكذا تشكل هذه الاتجاهات معوقا للإسلام حتى عند أصحاب النيات الحسنة الذين يظنون أنهم يحسنون صنعا بهذا التلفيق والترقيع! وهناك تعويق مزمن وهو الذي يتجلى في النزاع بين بعض الدعوات الإسلامية وبين سلطات بعض البلاد الإسلامية ولسنا هنا في موقف الادانة أو اللوم وإنما نحب أن نقول إن هذا النزاع لم يستفد منه إلا أعداء الإسلام.
стр. 6367
ولكن ثمة معوق خطير يجب الاعتراف به والتنبيه إلى خطورته وهو ذلك التطاحن والصراع السلبي بين بعض الجماعات الإسلامية. مما جعلها مشغولة بانشقاقاتها منصرفة عن رسالتها الأصلية ومهمتها التي من أجلها أسست، ومن المؤسف أن تكون بعض الجماعات مصرة على سلوك هذا السبيل لهدم جماعة أخرى باذلة في سبيل ذلك كثيرا من الجهود والوقت والمال غير ملتفتة لما تبدده من طاقات وما تفوته من فرص وما تبثه من شقاق وما تقدمه لأعداء الإسلام من خدمات جليلة وما تضيعه على المسلمين من خير كثير، بل أكثر من هذا فقد وقعت اختلافات هدامة بين الجماعة الواحدة وكل طرف فيها كان متمسكا بحجج ومتذرعا بمبررات مستدلا بالقرآن والسنة والأصول الأخرى وهكذا استخدم الإسلام لهدم الإسلام!! إن هذا الاختلاف لا يقل خطورة ولا صورة عن ذلك الاختلاف الذي وقع بين أبي عبد الله بن الحسن وعمه أبي عبد الله الزغل لغرناطة بينما كانت هذه المدينة الإسلامية في حالة احتضار ومحاصرة حصارا شديدا من جيوش الملوك الكاثوليك فضاعت الأندلس وضاع الأمراء.. إن هذا الصراع ليس في الحقيقة إلا نوعا من الانتحار وجريمة من أمهات الكبائر التي لا تغتفر.
لقد مرت بالدعوة الإسلامية فترات من المحن القاسية ولكن أعني محنة عانتها هذه الدعوات هو الانشقاق الداخلي الذي شل نشاطها وأخمد جذوتها وسلب عنها كثيرا من الفاعلية والنجاعة وما زالت مضاعفات هذه المحن الداخلية تلاحق الدعوات وتعرقل سيرها.
إن ما بيناه من معوقات الدعوة الإسلامية والحيلولة دون انطلاقها، قبل كل شيء في الداخل أمور مسلمة وهناك معوقات أخرى رئيسية أو ثانوية يدركها كل من زاول الدعوة إلى الإسلام.
стр. 6368
فما العلاج؟ إنني أستبعد موقف التهرب والانزواء واليأس، فالداعي إلى الله دائما متفائل حتى لو كان في أحلك الظروف وأشد الأحوال ولذلك لابد من البحث الحثيث والدراسة المستفيضة لوضع خطط واقتراح سبل وأساليب للتغلب على هذه المعوقات والعقبات وتحويل بعضها إلى عوامل دعم وقوة ومساعدة.
ومما يزيد في تفاؤلنا هذه التباشير التي تنطوي على إرهاصات بأن المستقبل للإسلام، ومن هذه الإرهاصات الخارجية والداخلية.
(١) الإفلاس الحضاري الذي يتمثل في الجفاف الروحي والتعفن الخلقي والتمزق الأسري والاضطرابات الاقتصادية والفوضى الفكرية مما أوجد تيها وضياعا بالإضافة إلى إصرار الغرب والشرق معا على ظلم الشعوب واستغلالها والحيلولة دون انعتاقها من ربقة التبعة مما جرد هذه الحضارة بشقيها من أهلية القيادة، ورغم ما يبدو من محاولات جبارة للإنقاذ فإن الأمور لا تعدو أن تكون صحوة المحتضر.
(٢) أما في الداخل فهناك إفلاس شامل ومذهل لما استوردوه من مذاهب وإيديولوجيات وما ابتدعوه من ترهات القومية وغيرها فقد تعرت حقائقها وانكشفت أهدافها أمام الشعوب الإسلامية بسرعة كبيرة بما جرته عليها من ويلات وما حققته من خيبات وما زرعته من سخط وتذمر وليس بينها وبين إقبارها النهائي سوى توفر بعض الظروف المواتية للإعلان عن الاستجابة السليمة لمطامح هذه الشعوب وإرادتها.
стр. 6369
(٣) وقد صاحب هذا الإفلاس المذهبي الداخلي يقظة مفعمة بالوعي والتطلع والقصد الجميل في أوساط الشعوب الإسلامية ولاسيما على مستوى الشباب والأجيال الصاعدة التي عانت خلال عشرين سنة ما عانت من قهر وإذلال وكبت للحريات وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية باسم الحرية الديمقراطية والكفاية والعدل إلى آخر القائمة التهريجية المشئومة التي لم تكن في الحقيقة إلا إرهاباً وتسلطاً وتثبيطاً للعزائم وتيئيساً من الحياة وتشتيتاً للجهود وتدميراً للمحاولات الطيبة لتقوية هذه الأمة وإرشادها لأحسن السبل وأقومها. كل ذلك كان خدمة للعدو الرابض في القدس وتمديداً لعمر العدوان والظلم وإغاثة للإمبريالية على إبقاء هيمنتها على مصائرنا وثرواتنا وعواطفنا وبالتالي على إبقاء الأمة الإسلامية منتكسة في المؤخرة بعيدة عن الاهتداء لشروط نهضتها وممارسة حياة حرة كريمة كما يأمرها بها دينها.
إن الإفلاس الخارجي والإفلاس الإيديولوجي الداخلي والوعي الإسلامي الغامر أمور مساعدة للدعوة الإسلامية ومهيئة لها لتنمو بسرعة وثبات وشمول، لذلك فعلى هذه الدعوة أن تتدارك ما فاتها وتسارع إلى تنظيم نفسها تنظيماً مدروساً حتى تتلاءم والأوضاع الجديدة في الداخل والخارج معاً.
وأعود للسؤال السابق: فما العلاج؟ أو بعبارة أخرى: كيف نستطيع تجاوز هذه العراقيل والتغلب على المعوقات التي في طريق الدعوة؟
إنه من الصعب جداً أن يزعم الإنسان أنه قادر وحده على الجواب بسهولة وكفاية وصواب وبخاصة خلال كلمة مستعجلة أو مقالة مرتجلة لكن يمكن القول أن علاج الذات وصيانتها وتحصينها هي الشرط الأساسي لمواجهة الأخطار الخارجية، ويقتضي ذلك ترميم الجبهات الداخلية ولم شملها وإحكام أنظمتها وإنعاش مرافقها ومؤسساتها.
стр. 6370
إن في العالم الإسلامي الآن مؤسسات وجماعات وأفراداً للدعوة الإسلامية سواء على المستوى الرسمي والمستوى الشعبي وهي في مجموعها ذات إمكانات وطاقات عظيمة تستطيع أن تقوم بأهم مما تقوم به الآن من أداور ومهمات وقد أثبتت كثير من هذه المؤسسات والجماعات قديمها وحديثها فاعليتها في الدعوة بما تركته وتتركه من آثار في المجالات التي تعمل فيها كما أن ثمة أفراداً وأعلاماً يعملون في حقل الدعوة وبث الفكرة الإسلامية بالكتاب والمحاضرة والمقالة والمناظرة وغير ذلك من الوسائل المتاحة، أثبتوا جدارة مما قدموا من نفع عميم في مجال الفكرة والكلمة الإسلامية. ولكي تكون أعمالها أكثر فاعلية وإحكاماً أرى أن يقام جهاز للتنسيق بين هذه المؤسسات والجماعات والمنظمات ذات الأحجام والمواقع المحترمة. وأقترح أن يبادر إلى الدعوة من أجل تنظيم ملتقيات للتوصل إلى أحسن ما يمكن التوصل إليه من صيغة ذات صبغة عملية تنفيذية للتنسيق والتعاون والتكامل. من السهل فيما أحسب أن يتم ذلك بين بعض المؤسسات وبخاصة تلك التي لها إمكانات مهمة، لذلك إذا كان الأمر ينتج بهذه البداية فلنفعل والبقية تأتي. المهم أن يضع المؤتمر الأسس الكفيلة بإرساء قاعدة سليمة لانطلاق هذا التنسيق والتكامل إذ بذلك نكون قد خطونا بالدعوة الإسلامية خطوة محترمة.
أما الجماعات الإسلامية فإنها كما، نقرأ، تقوم بمجهودات ملحوظة من أجل اتحاد أو تنسيق لكن رغم ذلك فإن لخلاصنا لهذه الرسالة المقدسة تقتضينا أن نقول بصراحة أن الهدف لا يزال بعيدا إلا أن العزم الأكيد والمبادرة الجادة تؤتي أكلها دائما، لذلك فإن أول واجبنا الدعوة إلى توحيد الصفوف على الصعيد المحلي بين الجماعات الإسلامية والجمعيات ذات الأهداف المشتركة وتدعيم كل جماعة إسلامية أثبت التاريخ أنها أخلصت لهذه الدعوة وضحت في سبيلها وسارت بها أشواطا كبيرة.
стр. 6371
وهناك جماعات ناشئة في بعض البلاد الإسلامية لا تزال في مرحلة التكوين والتخلق مجاهدة وحدها، في الميدان تواجه تحديات كثيرة ومتنوعة وليس لها على الحق أعوان كما أنها لا تملك سوى وسائل بسطة وأفراد قلائل لأنها تعتمد على نفسها وامكاناتها الضئيلة، فهي في مسيس الحاجة إلى تشجيع مادي ومعنوي وإلى مؤازرة تشد من أزرها وتنقذها من المصير الذي آلت إليه أمثالها من الجمعيات ذات الأهداف الإسلامية النبيلة التي أجهضت حركتها وهي بعد في طور التكوين والنشوء.
وبعض هذه الجمعيات الإسلامية الصغيرة تقوم بأعمال إذا قيست بما لديها من وسائل وامكانيات لعدت أعمالا كبيرة ولنا أمثلة كثيرة من هذا النوع في البلاد الإسلامية وفي أوربا.
وتوجد عبر العالم الإسلامي كفاءات مهمة في مجال الدعوة الإسلامية ولكنها فردية ومشتتة لا تربط بينها رابطة ولا يقيدها التزام جماعة أو جمعية. من هذه الكفاءات من تعمل في الداخل والخارج استجابة لدعوة موجهة إليها من هنا أو من هناك، فإن لم تجد من يحركها ويستفيد من طاقاتها تجمد وتنزوي بما استغلها المستغلون ومنها من هو ساكن قلما ما يتحرك سيما في بعض الظروف الخاصة!! وهناك من تقيده عن العمل ضرورات الحياة المادية فلو وجدت سبيلا إلى التفرغ للدعوة لسارعت للعمل بحماس وإخلاص ولأعطت إنتاجا وأي إنتاج. لذلك يجب أولا القيام بمحاولة لحصر تلك الكفاءات وإحصائها ودراسة أحوالها دراسة دقيقة للعمل على استثمار طاقاتها وإخراجها من العزلة الانفرادية إلى العمل الجماعي أو على الأقل العمل المخطط المضبوط المتناسق مع العمل الجماعي القائم على دراسة وشورى. لأننا نواجه عدوا بل أعداء يعملون عملا جماعيا منظما كأعظم ما يكون العمل الجماعي المنظم.
стр. 6372
وأحب هنا أن أعطي مثالا واحدا عن مدى الربح الذي تجنيه الدعوة الإسلامية إن هي استطاعت أن تستفيد من عمل هؤلاء الدعاة الأفراد. لقد كان مالك بن نبي ﵀ كاتبا كبيرا في بلده وفي فرنسا ولكنه لم يجد آذانا صاغية ولا مناخا متجاوبا إلا في دائرة ضيقة وصغيرة وذلك لأسباب ليس هناك مجال لدراستها، وهكذا ظلت أفكاره مجمدة طيلة ثلاثين سنة وعندما جاء لاجئا للقاهرة سنة ١٩٥٦لم يلتفت إليه أحد وذات يوم وجد بعض الطلاب مقالة منشورة في مجلة روز اليوسف بقلم رئيس تحريرها تحت عنوان)) الاستعمار في نفوسنا ((يتحدث فيها صاحبها عن زيارة لكاتب جزائري له، لا يتقن العربية ويتكلم الفرنسية بطلاقة ولكنه يفكر بعمق ويتناول مشاكل أمته الإسلامية بعقلية جديدة وأسلوب علمي صارم. وأعطى الكاتب الصحفي صورة سليمة عن فكرته التي تتلخص في أن الاستعمار عرض لمرض داخلي وهو القابلية للاستعمار فللقضاء على العرض لابد من علاج المرض والقضاء عليه وهو القابلية للاستعمار وباختفائها يتخفى الاستعمار منطلقا في فلسفته تلك من قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . لقد قرأ هذا المقال كثير من القراء ولكن طالبا واحدا أو طالبين هما اللذان تنبها إلى قيمة الرجل ورأيا أن الشباب الإسلامي في أشد الحاجة إليه، وبذلا جهدهما للاتصال به، وأخيرا إتصل به أحدهما وتلك كانت البداية، وهناك اتصل ببعض الطلاب المسلمين المغاربة واللبنانيين واللبيين والسعوديين والجزائريين وغيرهم من طلاب العالم الإسلامي ونتيجة لهذا الاتصال والإعجاب بالرجل قام بعض الطلاب المغاربة واللبنانيين والمصريين بطبع أول كتاب له بمصر بعد أن ترجموه للعربية وهو)) شروط النهضة ((ومن ثم انطلق نشاط مالك بن نبي ﵀ فكان هذا العطاء المثمر وهذا الإنتاج العضيم الذي نفع الله به المسلمين في هذا الظرف من حياة دعوتهم. وقد كان مالك بن نبي يعيش
стр. 6373
منذ أن حلّ بالقاهرة في جو الطلبة ويتعامل معهم ويحاورهم ويفيدهم ويستفيد منهم وإن بعض طلابه هم الآن القائمون على جمع آثاره وترجمتها وطبعها ونشرها كما أوصى هو نفسه بذلك.
هذا مثال لمدى ما يمكن أن تفيده الدعوة من الكفاءات الفردية لو أحسنا الاتصال بها وتوجهها وإتاحة الفرصة لها للعمل.
تلك نقطة أولية في سبيل العلاج.
والنقطة الأخيرة:
هو أن الدعوة الإسلامية يجب أن ترتكز قبل كل شيء على الوسائل العلمية في عملها. فالتحديات الخارجية والداخلية لهذا الدين كثيرة ومتنوعة تستعين علينا بالعلوم والخبرات والأدمغة المفكرة، ولها جامعات وأقسام ومؤسسات متخصصة في دراسة العالم الإسلامي دراسة دقيقة في ماضيه وحاضره وإن مراصدها الثقافية والعلمية تمتاز بالدقة والمرونة وطول النفس، وهو يستخدمون حتى طلابنا وبحاثنا الذين يدرسون عندهم في جامعاتهم لغاياتهم المحددة دون أن نشعر نحن بتلك الغايات ولقد تحولت كثير من الدراسات الجامعية بالغرب والشرق لخدمة الدولة في مختلف علاقاتها مع البلاد الإسلامية زيادة على أجهزة أخرى متخصصة.
ونحن نستطيع أن تكون لنا أجهزة ومراصد ومؤسسات تعنى بدراسة هذه التحديات المقتحمة علينا ديارنا من الخارج والأخرى النابتة في أرضنا وهي أخطر علينا من تلك، ولذلك يجب تكوين جهاز علمي يضم اختصاصين مقيمين ومراسلين وجوالين مهمته دراسة هذه التحديات ووضع ملفات دقيقة عنها وجمع الوثائق المتصلة بها ونشر ما يمكن نشره منها ويجب أن يكون هذا العمل في اطار علمي موضوعي بعيد عن الانفعالات والعواطف، فالمعركة طويلة ومريرة ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ .
وبجانب هذا الجهاز ينبغي أن تكون ثمة مؤسسة (معهد أو مركز) أخرى موازية لها مهمتها دراسة تجارب الدعوات الإسلامية في القديم والحديث ونهتم بوجه خاص بالتجارب الحديثة.
стр. 6374
والدراسة كما في علمكم تعتمد على خطة منهجية موضوعية، يبدأ بتجميع مواد الدراسة من مصادرها ومظانها ثم تصنيف هذه المواد وترتيبها والتنسيق بين أجزائها لوضعها في إطارها الكلي المترابط ثم القيام بدراستها وتحليلها واستخلاص خصائصها ومميزاتها إلى غير ذلك مما يضفي على الدراسة سمة)) العلمية ((بالإضافة إلى ذلك يقوم هذا الجهاز بطبع فهارس للكتب والمقالات والنشرات التي تتصل بالدعوة الإسلامية وتقوم برصد كل ما ينشر أو يطبع في هذا المجال لتزويد مراكز ومؤسسات الدعوة بكل جديد. ويمكن نشر ما تراه مفيداً من تلك الكتب أو النشرات وترجمته إلى لغات العالم الإسلامي وينبغي أن يكون لهذا الجهاز مجلة دورية تنشر منها الجديد في الدعوة الإسلامية.
والحق أن ثمة محاولات طيبة في مجال الإعلام الإسلامي وفي مجالات ثقافية وصحفية ولكنها محدودة وضعيفة الإمكانيات والوسائل ومتعثرة.
وهناك قضايا أخرى على مستوى الدعوة الإسلامية في الداخل والخارج لا أحب إثارتها هنا ذلك أن الأجهزة التي يجب أن تنبثق عن هذا المؤتمر المبارك هي التي تستطيع أن تقوم بدراسة قضايا الدعوة دراسة مستفيضة معتمدة على الوثائق والمشاهدة والاتصال والاستقصاء والتتبع لذلك يسهل وصف العلاج للتغلب على تلك المعوقات ومثيلاتها من أجل انطلاقة سليمة وشاملة وثابتة، إذ متى كانت السبيل واضحة كان السير على بصيرة وهدى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .
стр. 6375
رسالة الإعلام في بلاد الإسلام وعلاقتها بالدعوة الإسلامية
لفضيلة الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري
مدير الشؤون الدينية بدولة قطر
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ .
أيها الإخوة:
أحييكم بتحية الإسلام، مباركة طيبة من عند الله فسلام ورحمة من الله وبركات. لقد كانت عملية اختيار الموضوع من أشق الأمور على نفسي، فإن الموضوعات كلها إنما هي مشاكل الساعة ـ كما يقولون ـ بالنسبة للمجتمعات الإسلامية ومن الصعب على من ينفعل لدينه ويخدم أمته وعقيدته أن يتخير في هذه الأمور، فجميع الموضوعات هامة وكلها ينبغي أن تكون موضوعات بحث للإخوة المشاركين في هذا المؤتمر.
أمام هذه الحيرة استخرت الله في هذا الموضوع (عن الإعلام) رغم أنني لست من فرسان هذا الميدان، إلا أنني قد وجدت صدري منشرحاً له ونفسي مقبلة وراضية عنه فتوكلت على الله واعتمدت على توفيقه..
الإعلام هو نشر الكلمة أو الخير أو الرأي أو الفكر أو الصورة على عامة الناس بإحدى الوسائل الآتية:-
أـ الكتابة سواء كانت في كتاب أو في صحيفة يومية أو مجلة أسبوعية أو نشرة عامة.
ب ـ الإذاعة المرئية (التلفزة) .
جـ ـ الإذاعة المسموعة (الراديو) .
ومن هنا تبدو أهمية الإعلام في السيطرة على جمهور الناس وتوجيه مشاعرهم الوجهة التي يراها الموجه إن كانت خيراً فخير، وإن كانت غير ذلك فهي لما وجهت إليه.
следующие страницы →