← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

وهناك جماعات ناشئة في بعض البلاد الإسلامية لا تزال في مرحلة التكوين والتخلق مجاهدة وحدها، في الميدان تواجه تحديات كثيرة ومتنوعة وليس لها على الحق أعوان كما أنها لا تملك سوى وسائل بسطة وأفراد قلائل لأنها تعتمد على نفسها وامكاناتها الضئيلة، فهي في مسيس الحاجة إلى تشجيع مادي ومعنوي وإلى مؤازرة تشد من أزرها وتنقذها من المصير الذي آلت إليه أمثالها من الجمعيات ذات الأهداف الإسلامية النبيلة التي أجهضت حركتها وهي بعد في طور التكوين والنشوء. وبعض هذه الجمعيات الإسلامية الصغيرة تقوم بأعمال إذا قيست بما لديها من وسائل وامكانيات لعدت أعمالا كبيرة ولنا أمثلة كثيرة من هذا النوع في البلاد الإسلامية وفي أوربا. وتوجد عبر العالم الإسلامي كفاءات مهمة في مجال الدعوة الإسلامية ولكنها فردية ومشتتة لا تربط بينها رابطة ولا يقيدها التزام جماعة أو جمعية. من هذه الكفاءات من تعمل في الداخل والخارج استجابة لدعوة موجهة إليها من هنا أو من هناك، فإن لم تجد من يحركها ويستفيد من طاقاتها تجمد وتنزوي بما استغلها المستغلون ومنها من هو ساكن قلما ما يتحرك سيما في بعض الظروف الخاصة!! وهناك من تقيده عن العمل ضرورات الحياة المادية فلو وجدت سبيلا إلى التفرغ للدعوة لسارعت للعمل بحماس وإخلاص ولأعطت إنتاجا وأي إنتاج. لذلك يجب أولا القيام بمحاولة لحصر تلك الكفاءات وإحصائها ودراسة أحوالها دراسة دقيقة للعمل على استثمار طاقاتها وإخراجها من العزلة الانفرادية إلى العمل الجماعي أو على الأقل العمل المخطط المضبوط المتناسق مع العمل الجماعي القائم على دراسة وشورى. لأننا نواجه عدوا بل أعداء يعملون عملا جماعيا منظما كأعظم ما يكون العمل الجماعي المنظم.

стр. 6372

وأحب هنا أن أعطي مثالا واحدا عن مدى الربح الذي تجنيه الدعوة الإسلامية إن هي استطاعت أن تستفيد من عمل هؤلاء الدعاة الأفراد. لقد كان مالك بن نبي ﵀ كاتبا كبيرا في بلده وفي فرنسا ولكنه لم يجد آذانا صاغية ولا مناخا متجاوبا إلا في دائرة ضيقة وصغيرة وذلك لأسباب ليس هناك مجال لدراستها، وهكذا ظلت أفكاره مجمدة طيلة ثلاثين سنة وعندما جاء لاجئا للقاهرة سنة ١٩٥٦لم يلتفت إليه أحد وذات يوم وجد بعض الطلاب مقالة منشورة في مجلة روز اليوسف بقلم رئيس تحريرها تحت عنوان)) الاستعمار في نفوسنا ((يتحدث فيها صاحبها عن زيارة لكاتب جزائري له، لا يتقن العربية ويتكلم الفرنسية بطلاقة ولكنه يفكر بعمق ويتناول مشاكل أمته الإسلامية بعقلية جديدة وأسلوب علمي صارم. وأعطى الكاتب الصحفي صورة سليمة عن فكرته التي تتلخص في أن الاستعمار عرض لمرض داخلي وهو القابلية للاستعمار فللقضاء على العرض لابد من علاج المرض والقضاء عليه وهو القابلية للاستعمار وباختفائها يتخفى الاستعمار منطلقا في فلسفته تلك من قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . لقد قرأ هذا المقال كثير من القراء ولكن طالبا واحدا أو طالبين هما اللذان تنبها إلى قيمة الرجل ورأيا أن الشباب الإسلامي في أشد الحاجة إليه، وبذلا جهدهما للاتصال به، وأخيرا إتصل به أحدهما وتلك كانت البداية، وهناك اتصل ببعض الطلاب المسلمين المغاربة واللبنانيين واللبيين والسعوديين والجزائريين وغيرهم من طلاب العالم الإسلامي ونتيجة لهذا الاتصال والإعجاب بالرجل قام بعض الطلاب المغاربة واللبنانيين والمصريين بطبع أول كتاب له بمصر بعد أن ترجموه للعربية وهو)) شروط النهضة ((ومن ثم انطلق نشاط مالك بن نبي ﵀ فكان هذا العطاء المثمر وهذا الإنتاج العضيم الذي نفع الله به المسلمين في هذا الظرف من حياة دعوتهم. وقد كان مالك بن نبي يعيش

стр. 6373

منذ أن حلّ بالقاهرة في جو الطلبة ويتعامل معهم ويحاورهم ويفيدهم ويستفيد منهم وإن بعض طلابه هم الآن القائمون على جمع آثاره وترجمتها وطبعها ونشرها كما أوصى هو نفسه بذلك. هذا مثال لمدى ما يمكن أن تفيده الدعوة من الكفاءات الفردية لو أحسنا الاتصال بها وتوجهها وإتاحة الفرصة لها للعمل. تلك نقطة أولية في سبيل العلاج. والنقطة الأخيرة: هو أن الدعوة الإسلامية يجب أن ترتكز قبل كل شيء على الوسائل العلمية في عملها. فالتحديات الخارجية والداخلية لهذا الدين كثيرة ومتنوعة تستعين علينا بالعلوم والخبرات والأدمغة المفكرة، ولها جامعات وأقسام ومؤسسات متخصصة في دراسة العالم الإسلامي دراسة دقيقة في ماضيه وحاضره وإن مراصدها الثقافية والعلمية تمتاز بالدقة والمرونة وطول النفس، وهو يستخدمون حتى طلابنا وبحاثنا الذين يدرسون عندهم في جامعاتهم لغاياتهم المحددة دون أن نشعر نحن بتلك الغايات ولقد تحولت كثير من الدراسات الجامعية بالغرب والشرق لخدمة الدولة في مختلف علاقاتها مع البلاد الإسلامية زيادة على أجهزة أخرى متخصصة. ونحن نستطيع أن تكون لنا أجهزة ومراصد ومؤسسات تعنى بدراسة هذه التحديات المقتحمة علينا ديارنا من الخارج والأخرى النابتة في أرضنا وهي أخطر علينا من تلك، ولذلك يجب تكوين جهاز علمي يضم اختصاصين مقيمين ومراسلين وجوالين مهمته دراسة هذه التحديات ووضع ملفات دقيقة عنها وجمع الوثائق المتصلة بها ونشر ما يمكن نشره منها ويجب أن يكون هذا العمل في اطار علمي موضوعي بعيد عن الانفعالات والعواطف، فالمعركة طويلة ومريرة ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ . وبجانب هذا الجهاز ينبغي أن تكون ثمة مؤسسة (معهد أو مركز) أخرى موازية لها مهمتها دراسة تجارب الدعوات الإسلامية في القديم والحديث ونهتم بوجه خاص بالتجارب الحديثة.

стр. 6374

والدراسة كما في علمكم تعتمد على خطة منهجية موضوعية، يبدأ بتجميع مواد الدراسة من مصادرها ومظانها ثم تصنيف هذه المواد وترتيبها والتنسيق بين أجزائها لوضعها في إطارها الكلي المترابط ثم القيام بدراستها وتحليلها واستخلاص خصائصها ومميزاتها إلى غير ذلك مما يضفي على الدراسة سمة)) العلمية ((بالإضافة إلى ذلك يقوم هذا الجهاز بطبع فهارس للكتب والمقالات والنشرات التي تتصل بالدعوة الإسلامية وتقوم برصد كل ما ينشر أو يطبع في هذا المجال لتزويد مراكز ومؤسسات الدعوة بكل جديد. ويمكن نشر ما تراه مفيداً من تلك الكتب أو النشرات وترجمته إلى لغات العالم الإسلامي وينبغي أن يكون لهذا الجهاز مجلة دورية تنشر منها الجديد في الدعوة الإسلامية. والحق أن ثمة محاولات طيبة في مجال الإعلام الإسلامي وفي مجالات ثقافية وصحفية ولكنها محدودة وضعيفة الإمكانيات والوسائل ومتعثرة. وهناك قضايا أخرى على مستوى الدعوة الإسلامية في الداخل والخارج لا أحب إثارتها هنا ذلك أن الأجهزة التي يجب أن تنبثق عن هذا المؤتمر المبارك هي التي تستطيع أن تقوم بدراسة قضايا الدعوة دراسة مستفيضة معتمدة على الوثائق والمشاهدة والاتصال والاستقصاء والتتبع لذلك يسهل وصف العلاج للتغلب على تلك المعوقات ومثيلاتها من أجل انطلاقة سليمة وشاملة وثابتة، إذ متى كانت السبيل واضحة كان السير على بصيرة وهدى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .

стр. 6375

رسالة الإعلام في بلاد الإسلام وعلاقتها بالدعوة الإسلامية لفضيلة الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري مدير الشؤون الدينية بدولة قطر ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ . أيها الإخوة: أحييكم بتحية الإسلام، مباركة طيبة من عند الله فسلام ورحمة من الله وبركات. لقد كانت عملية اختيار الموضوع من أشق الأمور على نفسي، فإن الموضوعات كلها إنما هي مشاكل الساعة ـ كما يقولون ـ بالنسبة للمجتمعات الإسلامية ومن الصعب على من ينفعل لدينه ويخدم أمته وعقيدته أن يتخير في هذه الأمور، فجميع الموضوعات هامة وكلها ينبغي أن تكون موضوعات بحث للإخوة المشاركين في هذا المؤتمر. أمام هذه الحيرة استخرت الله في هذا الموضوع (عن الإعلام) رغم أنني لست من فرسان هذا الميدان، إلا أنني قد وجدت صدري منشرحاً له ونفسي مقبلة وراضية عنه فتوكلت على الله واعتمدت على توفيقه.. الإعلام هو نشر الكلمة أو الخير أو الرأي أو الفكر أو الصورة على عامة الناس بإحدى الوسائل الآتية:- أـ الكتابة سواء كانت في كتاب أو في صحيفة يومية أو مجلة أسبوعية أو نشرة عامة. ب ـ الإذاعة المرئية (التلفزة) . جـ ـ الإذاعة المسموعة (الراديو) . ومن هنا تبدو أهمية الإعلام في السيطرة على جمهور الناس وتوجيه مشاعرهم الوجهة التي يراها الموجه إن كانت خيراً فخير، وإن كانت غير ذلك فهي لما وجهت إليه.

стр. 6376

وقد كان الشعراء والخطباء في الزمن السالف هم جهاز الإعلام القوي على ألسنتهم تدور رحى المعارك قبل أن تدور السيوف على الرقاب وبهم يرتفع شأن القبيلة ويعلو ذكرها إلى السماكين وبهم أيضاً تنحط أسهم قبائل، هاتها في السماء. وقصة بني أنف الناقة معروفة، عندما احتقرتهم قبائل العرب وسبب تسميتهم بهذا الاسم، فإن أباهم كان لديه عدد من النسوة، لكل منهن أولاد منه، فعقر مرة ناقة وقسمها على كل أولاده ولم يبق سوى واحد حضر متأخراً ولم يكن لدى الأب سوى الرأس فأعطاها له فربطها الولد بحبل من أنفها، وجرها إلى بيت أمه، فسماه من رآه من الناس أنف الناقة فصارت هذه التسمية كنية له ثم لأولاده من بعده، إذ دعوا ببني أنف الناقة. وكثيراً ما تجر الأسماء على أصحابها العار بين قبائل العرب كما تعلمون، إلى أن جاءت وسيلة من وسائل الإعلام هي لسان شاعرنا، به قال بيتين في بني أنف الناقة فمحا عنهم العار والشنار وعلا ذكرهم بين الناس إذ قال: سيري أمامي فإن الأكثرين حصى والأكرمون إذا ما أنسبوه أبا قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟ وكان أهم ما يدور على ألسنة الشعراء والخطباء التغني بأمجاد القبائل وذكر مآثرها في الحروب، وفي صفات الشرف الرفيع، كالكرم والنجدة والشهامة والمروءة والإيثار. وحينما تذم قبيلة فبما هو ضد لهذه الصفات النبيلة الخيرة، من جبن وخداع وخسة إلى غير ذلك من الصفات الرذيلة. واستمر الأمر كذلك حتى شيوع الكتابة فأضيفت إلى ألسنة الشعراء والخطباء أقلام الكتاب وبدأ الناس يستعينون بالكتابة في نقل أفكارهم إلى جمهور الناس للتأثير فيهم وتوجيههم الوجهة التي يرونها.. ثم تأتي بعد ذلك الصحافة لتلعب دورها الفعال وتعمل عملها في عقول الناس خصوصاً وقد أخذت السياسة نصيبها في معركة الإعلام. والصحافة هي لسان حال السياسة ـ كما يقولون ـ تروج لمبادئها وتدعو لها.

стр. 6377

وتمر الأيام وتأتي في بداية هذا القرن الأعاجيب باختراع التصوير أولاً، ثم الراديو ثانياً ثم في منتصف هذا القرن تقريباً يتم اختراع التلفزيون (التلفرة) كما يسمونه، فتتم بذلك فصول قصة الإعلام حتى عصرنا هذا، والله أعلم بما سيأتي بعد ذلك من أعاجيب. والإعلام في جميع بلاد الدنيا ـ ما عدى غالبية البلاد الإسلامية ـ يسير وفق خط مرسوم ومنهج واضح بين، يخدم عقيدة من يسيره. فنجده في روسيا مثلاً يحبو على المبادئ الشيوعية ويدعو لها ويذب عنها ويبين محاسنها، ويذكر عورات أعدائها ويجعلها ـ من وجهة نظر الشيوعية ـ أسمى ما تصبوا إليه قلوب الكادحين. وفي الغرب أيضاً نجد الديمقراطية أو الرأسمالية ـ في معركة الإعلام ـ هي الظل الوارف الذي ينبغي أن يتفيأ تحته كل من يصبو إلى الحياة السعيدة في دنياه. أجل نجد الإعلام في جميع بلاد الأرض ـ عدا معظم البلاد الإسلامية ـ يخدم.. المجتمع بحماية فكره وتراثه وعقيدته فيكون موجها الناس إلى حياة أفضل، أما في معظم بلاد الإسلام فنجد النقيض على طول الخط. نجد الإعلام تائهاً أو مضللاً يضرب الأمة في الأعماق، ويخرب أغلى مقوماتها ويعمل على تفككها ويسير بها إلى الهاوية. وإليكم الأمثلة على ذلك وهي للتدليل وليست للحصر: أولاً في ميدان الفكر: نجد رواجا للكتب الشيوعية والإلحادية منقطع النظير، فهذا الكتاب يطبع بسهولة ويسر، ولا يقف الرقيب أمامه أبدا بدعوى حرية الفكر، فيتم طبعه في أحسن المطابع على أفخم الورق ويقدم إلى القارئ في ثوب أنيق من دقة الإخراج، وبسعر زهيد جدا لا يمكن أن يكون ثمنا للورق فقط.. ثانيا: في مثل ما نجده في الكتاب نراه أيضا في الصحافة، وهي من الخطورة بمكان، ففي الصحف والمجلات نجد الصور العارية والآراء المتعارضة مع قيمنا وديننا وتقاليدنا وأعرافنا وكل ما يمد إلى مقوماتنا بصلة.

стр. 6378

نجد كل ذلك في صحافة اليوم ببلادنا ويقرأه ويراه شبابنا وبناتنا، فماذا تكون النتيجة؟ نرى انفصاما تاما بين جيل اليوم وجيل الأمس نرى انحرافا خطرا في شبابنا.. فماذا بالله عليكم العمل؟ وهو يقرأ ويرى عما هو شاذ؟ ـ والممنوع مرغوب (وأحب شيء إلى الإنسان ما منعا) كما يقولون. هناك مسابقات لملكات الجمال، وأخرى للأزياء.. وثالثة للسباحة إلى غير ذلك من شذوذ عقلي والعياذ بالله.. كل ذلك يقرأه شبابنا، ويراه في الصورة اليوم، وغدا في العيان، فماذا تريدون منه بعد ذلك، ليس هناك سوى الانحراف والعياذ بالله، وهنا تكون الطامة الكبرى. ثالثا: ويأتي بعد ذلك دور الإذاعة والتليفزيون وفيهما ما فيهما فأهم ما تتميز به الإذاعة أو التليفزيون إنما هو نشر الأغنية العربية. وماذا في أغنية اليوم من معان نبيلة كريمة؟ لقد خلت من كل ما هو نبيل وكريم ولا نسمع إلا نعيقا ونهيقا في الحب وللحب وكأنما اختيرت أمتنا فقط لهذا الذي يسمونه الحب، فهذا يدعو محبوبته، وتلك تنادي حبيبها وكأن أمتنا خلقت لهذه التفاهة فأصبحت لا ترى للحياة طعما إلا بالتغني بهذا الهراء السخيف الذي أودى بها إلى الحضيض وجعل منها إذاعات للمراهقين. رابعا: ويأتي التليفزيون هو الآخر ليلعب دوره في هذا المضمار بالصورة المتحركة المرئية وهو من أهم وأخطر أجهزة الإعلام، إنه سلاح ذو حدين مفيد جدا وضار جدا، مفيد بأنك تشعر أنك ترى جميع الدنيا أمام عينيك فينقل إليك الخبر طازجا تشاهده كأنك تعيش فيه وتلمسه، ترى على شاشته الصغيرة أشياء كثيرة مفيدة كالفروسية والسباق والعلوم والمعارف وغير ذلك هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ترى النقيض أيضا، تشاهد أفلام الحب والغرام، ونرى المسلسلات الأجنبية الخبيثة التي تغذي في أبنائنا غرائز الشر وتنمي فيهم روح التمرد على القيم والأخلاق.. فينفلتوا إلى الهاوية والعياذ بالله. أيها الإخوة:

стр. 6379

بعد هذا العرض السريع ـ الذي لابد منه ـ عن وضع المجتمع الإسلامي والتوجيه الإعلامي الخاطئ الذي يسيطر عليه، ما هو العلاج؟ وماذا نفعل إن أردنا التوجيه السليم لمجتمعنا. هنا مقدمة لابد منها وسؤال يرد في الحال. ـ من نحن؟ والجواب هو أننا أمة الإسلام.. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ما هي خطة هذه الأمة.. وما هو هدفها الأمر بين في الآيتين.. والمنهج واضح سليم.. الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إقامة حدود الله، السعي في هذه الدنيا إلى إقامة مجتمع فاضل من جميع الوجوه، كما أمر الله ورسوله، يحل فيه الحلال، وتحرم فيه الخبائث، وتدور فيه عجلة الحياة دورانا هينا سليما. لتحقق عبادة الله في الأرض، فله وحده تعنو الجباه وتذل الرقاب. وله وحده الحياة، وإليه الممات وعنده المنتهى.. أمام هذا الوضع لابد من رسم طريق واضح يمشي فيه على هدى ونور. هذا الطريق رسمه لنا القرآن الكريم، وهدى محمد ﷺ ، ولا أستطيع أن أدخل في هذا الموضوع فالخروج منه صعب بعد ذلك، وسيكون استطراد لا محل له هنا وإنما سأتعرض للأمر من ناحية الإعلام فقط. ولندخل في الموضوع بنظام الآن.. نحو خطة إعلامية سليمة: هل لدينا في بلاد الإسلام متخصصون إعلاميون مسلمون مؤمنون برسالتهم؟ أظن أن الإجابة على هذا السؤال واضحة بينة. فإن أهم ما يجب أن يتميز به رجل الإعلام في العالم الإسلامي عامة والعربي خاصة هو واحد من ثلاثة: ـ أـ بالنسبة للكتابة: سواء في ميدان التأليف، أو في الصحافة فالكفاءة التي تظهره فقط هي: عذوبة اللفظ وسهولة العبارة. ب ـ بالنسبة للإذاعة: فإن ما يبرزه هو حسن الصوت والإلقاء فقط.

стр. 6380

ج ـ بالنسبة للتلفزة: فإن ما يظهره أمران لا ثالث لهما هما: حسن الصوت والصورة معا. ودعنا بعد ذلك من أهم العناصر التي ينبغي أن تكون الرجل الحق في هذا الميدان مثل: الثقافة وسعة الإطلاع، وحسن السمعة والسيرة والإيمان الحق ـ علما وعملا ـ قولا وفعلا ـ بدينه والتفاني في عقيدته.. كل ذلك لا يهم.. طالما كان شكله وصوته رائق.. ودعنا بعد ذلك من الأمور الباقيات ... إن الإعلام كله وبجميع مظاهره يجب أن يكون في خدمة العقيدة الإسلامية، قولا وفعلا، وحتى نصل إلى هذه الدرجة من السمو النفسي والشجاعة أدعو إلى وجوب رقابة على جميع أجهزة الإعلام. رقابة جادة وحازمة، لا تأخذها في الله لومة لائم، ولا خشية ظالم، رقابة فعالة ذكية تعرف طعم الحلو من المر، والحلال ن الحرام.. رقابة على الصحافة: حتى لا تدعو إلى الإلحاد علنا ولا سرا ولا تنشر الصور الفاجرة على أبنائنا وبناتنا فتغويهم، وحتى لا تحبذ الحرية الفوضوية ولا تدعو إلى السفور والاختلاط، وحتى لا تدعو بصفة عامة إلى الرذيلة بجميع وجوهها وصورها المرئية أو المسموعة. إنني أدعو إلى رقابة دينية على كل ما يقدم للعقل في المجتمع الإسلامي. رقابة على الكتب: ولا أريد بذلك ـ أيها الإخوة ـ فرض حصار على الفكر أو على العقل، كلا ما أريده أن أمنع تسمم الأفكار في المجتمع الإسلامي.. الكتب غذاء العقل، ولا أريد أن يكون هذا الغذاء إلا صالحا مزودا بكل أنواع مقومات الغذاء الصحيح. أما أن يكون هذا الغذاء هو السم في الدسم فهذا ما لا يرضاه أي مصلح لمجتمعه الذي يسعى إلى نموه ومجده وتقدمه.. بالله عليكم دلوني على فائدة واحدة لما حوته مكتبات العالم الإسلامي وبيوته ومحلاته وشوارعه من كتب عن الجنس. هل الجنس ... هل الجنس غذاء للبدن؟ هل الجنس ... غذاء للعقل؟ هل الجنس ... غذاء للروح؟

стр. 6381

أظن أن الإجابة واضحة عن هذه الأسئلة، وهي أن الجنس بحالته التي يقدم بها إلى أولادنا وبناتنا إنما هو سم زعاف لا يبني أخلاقا، ولا عقولا ولا فكرا ولا أرواحا إنما يهدم كل شيء يأتي في طريقه ويحطمه.. لهذا أرى أن تكون هناك رقابة صارمة على كل ما يقدم للمجتمع في الكتب من مبادئ ومذاهب ونحل وملل.. وأن لا يقدم لهم إلا كل ما هو صالح ومفيد. وأظنكم أيها الإخوة لستم بحاجة إلى تدليل عما قلت، فكلها قضايا طرحتها صحافتنا العربية خاصة وخاضت فيها وقتلتها بحثا وسارت في درب المعصية ولا تزال تسير لا أقول جميعها وإنما أقول معظمها أي إلا من رحم ربك. رقابة على الإذاعات المرئية والمسموعة: كما أدعو إلى رقابة على الإذاعة والتليفزيون.. رقابة حقة وصارمة فهناك من الأفلام والمسلسلات ما يدعو علنا إلى الرذيلة ويحض عليها ويبررها، وهذه الأجهزة لا يسمعها أو يراها إلا العاقلون فقط، كلا وإنما يسمعها ويراها العامة والخاصة الصغير والكبير الذكر والأنثى.. وماذا فيها؟؟!. هذه أغنية خليعة تدعو إلى الحب!!! والأغنية العربية اليوم ـ أيها الإخوة ـ أصبحت مدعاة للتساؤل، لقد انفصمت عن أخلاقنا وأعرافنا وتقاليدنا وأضحت في طور من الشذوذ يستدعي للعلاج.. فهذا رجل (أو شبه رجل) يتلفظ بألفاظ سخيفة وينادي حبيبته ببكاء وعويل. وذاك آخر يستجدي صاحبته ويسترضيها لتمن عليه باللقاء.. وغير ذاك من التفاهة المضحكة المبكية.. وشبابنا وبناتنا يرددون هذه التفاهات ترديدا أعمى، فماذا تكون النتيجة بعد.. ذلك؟. وماذا ننتظر لهذا الجيل وعلى يديه؟؟!!. إن النتيجة معروفة وظاهرة جداً، وهي خطيرة إن لم نتدارك الأمر من الآن.. إنها انعكاس ذلك على السلوك وظهور جيل مخنث تافه لا هدف له، ولا عقيدة تعصمه ولا إيمان يحميه. وماذا تفعل المدرسة بعد ذلك؟ أو ماذا يفعل التوجيه التربوي؟

стр. 6382

إن ما يبنيه المعلم في سنين بعد جهد جهيد وعرق تستطيع أغنية تافهة في الإذاعة أو التليفزيون أن تهدمه في لحظات، والغناء مزمار الشيطان والشيطان لا يدعو إلا إلى الباطل والفساد. ولله در القائل: متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم لابد أيها الإخوة من وضع حد لهذا العبث وهذا التخريب.. في من؟ في فلذات أكبادنا، رجال الغد، وعتاد الأمة فما هي الخطة إذن..؟ نحو خطة إعلامية هادفة وتصوري للوضع الإعلامي الصحيح هو أن يكون جهاز الإعلام في كل دولة إسلامية مكونا من شطرين رئيسيين أـ الموظفون. ب ـ وجود هدف إعلامي محدد. ألا وهو بناء صرح أخلاقي متين للأمة. ولنبدأ في تصورنا للعنصر الأول. أـ الموظفون: والموظف في قطاع الإعلام عصب هام جدا لعملية التوجيه في الدولة، لذلك ينبغي أن يعد إعدادا خاصا لهذه المهمة، وأن يكون كفؤا للقيام بأعبائها. إن عملية الإعداد ينبغي أن تبدأ منذ البداية في الحياة التعليمية وأن يعد النابغون بعد ذلك إعدادا عاليا في مستواه لكي يصلح لتولي هذه المهمة الخطيرة في أي من أجهزة الإعلام المختلفة. وإن أول صفة ينبغي أن يتحلى بها موظف الإعلام هي الالتزام الخلقي في كل ما يعطيه للمجتمع من غذاء عقلي أو توجيه، وقضية الالتزام الخلقي هذه أو الديني بمعنى أصح لهي الشيء الوحيد الذي ينقص رجال الأمة الإسلامية اليوم في هذا الميدان والشواهد كثيرة جدا على ما أقول: صحيفة تنشر إعلانا واضحا جدا في أبرز مكان في صفحاتها عن نوع من السجائر وتجعل من مدخنيه أنهم في قمة الرجولة وغاية الاستمتاع. فهل هذا منطق؟ وهل هذا صحيح؟

стр. 6383

إننا لو بحثنا هذا الأمر من الناحية الصحية على الفرد في استفتاء عام لوجدنا إجابة لا يختلف عليها اثنان أبدا هي أن (التدخين ضار وخبيث) ، ولربما صاحب الجريدة أو كاتب الإعلان ومدبجه لا يدخن، ولربما يعرفون أن مثل هذه الإعلانات أصبحت محرمة في صحف الغرب وفي أمريكا بالذات، بل تكتب على علب السجائر عبارة بشعة تجعل العاقل يفر منها كما يفر من الوحش الكاسر.. هذه العبارة هي: ـ هذا الذي تدخنه يسبب السرطان من هنا يتضح لنا قضية الالتزام الخلقي أو الديني بمفهومنا نحن ومفهومهم هم. تغلبت المادة علينا وأصبحنا ندعو إلى السجائر في صحفنا ومجلاتنا بل وإذاعاتنا أيضا، لماذا؟ لنحصل على فائدة مادية، ونسينا أمرا أهم من ذلك نسينا الحفاظ على صحة أبناء وطننا، فقدم لهم الخبثاء السم في الدسم، وأغووهم تماما كما يغوي الشيطان جنوده بالإثم والمعصية، لقد قدمت السجائر وإعلاناتها كمثال وهناك ما هو أدهى من ذلك وأمر كالخمر مثلا لا تجد في بلاد الإسلام دعاية مضادة لها كما يوجد في بلاد الغرب فهم يهاجمونها من جميع الجوانب الأخلاقية والصحية والمادية والاجتماعية وغير ذلك بينما نحن نعلن عنها في بعض صحافتنا وأفلامنا وأجهزة إعلامنا الأخرى وشتان بيننا وبينهم. ديننا يأمرنا باجتنابها والبعد عن مجالسها فيقبل عليها المنحلون من أبناء أمتنا. أما هم ـ أعني أبناء الغرب ـ فلا شيء ينهاهم عنها إلا ما رأوه فيها من مضار اكتشفوها بالعقل والتجربة، فأعلنوا عليها حربا لا هوادة فيها وهكذا يبدو التناقض فينا واضحا. أيها الإخوة: إن قضية الالتزام الديني كما أسميه أو الالتزام الأخلاقي كما يدعوه البعض، إنما هي قضية هامة وفي غاية من الخطورة، وينبغي أن تكون هي الجوهر الذي علينا اكتشافه أولا وقبل كل شيء في رجل الإعلام منا. فلابد وأن تتوفر فيه صفات شتى: ـ منها التفقه في دينه ومعرفة أحكامه

стр. 6384

ومنها الإخلاص لعقيدته ومنها الإلمام الكامل بثقافة الإسلام من لغة وتاريخ وغير ذلك. ومنها الإطلاع على ثقافة الغرب للاستفادة من الصالح منها. ومنها الإيمان المطلق بأننا نحن المسلمون أصحاب رسالة سامية وحملة أمانة السماء إلى الأرض. وأننا نحن المسلمون ملزمون أيضا دينيا بتبليغها إلى الناس كافة على مختلف ألوانهم وأجناسهم وألسنتهم فإن فعلنا ذلك فقد كنا أوفياء لعقيدتنا وديننا وإلا فنحن مفرطون مضيعون لأمانتنا. إن رجل الإعلام ينبغي أن يمر تحت منظار دقيق جدا لتعرف سجاياه وأهواؤه وطويته فإنه أخطر على الأمة من أي عدو آخر، أخطر عليها من الجهل والمرض والفقر، لأنه يستطيع وبسهولة جدا أن يوجهها إلى الهاوية التي تؤدي بماضيها وحاضرها ومستقبلها والعياذ بالله. لهذا فإنني أكرر مؤكدا ضرورة التدقيق جدا في اختيار رجال الإعلام على أن يكونوا متصفين بكل ما يحض عليه ديننا الحنيف من حسن الخلق والتزام كامل، وفضيلة مستقاة من تعاليم السماء. أما الهدف الذي نرمي إليه من هذه الخطة الإعلامية فهو لب موضوعنا هذا وهو الأساس الذي بنينا عليه هذا البحث. إن الهدف في غاية من الوضوح ويتلخص في النقاط التالية: ـ أولا: نريد من الإعلام الإسلامي أن يشعر بعظم المسؤولية الملقاة على عاتق العاملين به فهم الذين يوجهون الأمة وينيرون لها السبيل بل إن أحدهم وهي الصحافة تسمى بلغة العصر، السلطة الرابعة من سلطات الأمة.. على ذلك فإن المسؤولية عظيمة ولابد أن يتولاها قوم عظام أيضا من ذوي الجباه العالية على مستوى من المسؤولية والخلق وحسن الإدراك والتوجيه والثقافة والإخلاص لعقيدتهم.

стр. 6385

ومن هذا المنطق لابد وأن تكون الأمة على بينة من أمرها، وينبغي للإعلام حينئذ أن يتحلى بالصدق والأمانة. الصدق في القول والأمانة في التوجيه بحيث لا يؤخد عليه التهويل أو التصغير في الأمور، حتى لا تضطر الأمة لاستقاء أنبائها وأخبارها من مصادر العدو الذي يظللها ويقودها إلى الشك والتفكك كما هو حادث اليوم لشديد الأسف. ثانيا: ينبغي أن يكون الإعلام مرآة لماضينا كما يكون وجها لحاضرنا. ولكن نرى أن الأمر غير ذلك في واقعنا المؤلم اليوم، ونظرة عابرة إلى حافتنا العربية، إلا ما نذر منها، توضح لنا هذا القول. ومثال آخر للإعلام في إذاعتنا المرئية (التليفزيون) . لقد سلط التليفزيون في العالم الإسلامي على واقع الغرب والشرق معا بما فيهما من مرارة مؤلمة، وواقع لا أخلاقي فنقلته لنا كما هو، بل وزينته لشبابنا ليقتدي به.. نرى ذلك في القصص والأفلام والمسلسلات. نرى ذلك حتى في التاريخ القومي للغرب. فقد نقل لنا التليفزيون ـ جزاه الله بما يستحق ـ كل شيء نقل لنا الخبيث قبل الطيب والطالح قبل الصالح والمر قبل الحلو، وأصبح ناقلا مقلدا في غاية من التفاهة والسوء، لا يعبر عن أصول حضارتنا ولا عراقة ديننا وتقاليدنا، ولكنه مسخ سيء، تاما كالغراب الذي تخلص من ريشه ليقلد الطاووس في شكله فأضحى مسخا لا يعبر عن هذا ولا ذلك. هل كان الإعلام أمينا في نقل حضارة الإسلام نقلا صحيحا سويا؟ لا.. وألف مرة لا.. أقولها وأنا حزين وآسف على ذلك. إن جماهيرنا تعرف عن رجال الغرب أكثر مما تعرف عن عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وأبي عبيدة عامر بن الجراح، وغيرهم من رجالات الإسلام الأولين.. إن شبابنا يعرف عن الخنفسة بفضل إعلامنا ـ جزاه الله بما يستحق ـ أكثر مما يعرف عن سجايا أسلافنا وأخلاقهم. عن نساءنا يعرفن عن نساء الغرب أكثر مما يعرفن عن أمهات المؤمنين والبطلات الخالدات في تاريخ الإسلام.

стр. 6386

لقد قام الإعلام في بلاد الإسلام بدوره الذي رسمه له العدو الغادر فقلب المعايير الخلقية لدى جيلنا المعاصر فأصبحت الرذيلة أوفى بالأداء من الفضيلة. أصبح السفور هو التقدم، والتستر هو الرجعية وصارت الميوعة والتخنث هما علامة على السمو والرجولة هي الجلافة والتوحش.. أجل انقلبت المعايير لأن أعداء الإسلام أرادوا لنا ذلك، فكنا كما أرادوا.. وأضحينا لا نهتم إلا بالسفاسف من الأمور. إن الإعلام الأعمى في بلاد الإسلام صار متخصصا في دراسات وفلسفات الفكر الغربي والشرقي كالديموقراطية والشيوعية. فمثلا نجد المقالات المدبجة هنا وهناك في معظم صحافتنا الإسلامية، هذا يحبذ وذاك يعارض وآخر يواسي بين الفريقين.. وهكذا.. نجد كل ذلك في صحافتنا منشورا لشبابنا، فيقتنع به فريق، ويعارضه فريق آخر.. ثم تدور الرحى حربا بعد ذلك بين الفريقين.. المتخاصمين فينشغل بال القوم بما بينهم وينسوا دنياهم وآخرتهم على حد سواء وتطحنهم الرحى جميعا، وتفنيهم وهم لا يعلمون من أين توالت عليهم المصارع.. ثالثا: والإعلام أيضا ينبغي أن يكون أداة من أدوات توحيد الأمة ودعامة قوية من دعامات بنائها الفكري والروحي فاللغة المكتوبة أو المسموعة ينبغي أن تكون سليمة في مبناها ومعناها على حد سواء، صريحة في مغزاها معبرة بصدق عن رأي قائلها، حتى تولد الثقة في عقل سامعها فتستقر في ذهنه وقلبه ويكون لها فعل السحر فتؤتي الغاية المرجوة منها.. والصراحة حرة ومؤلمة في بعض الأحيان.. لقد عرف شبابنا من الإذاعات المسموعة والمرئية على حد سواء كل شيء عن أوربا وأمريكا والصين وروسيا، وقليلا بل ونادرا ما نسمع عن أرضنا الإسلامية وما كان هذا الموقف الحزين المؤسف إلا لأن المسؤولين في الإعلام لا يدرون بذلك، إما لأنهم لا يشاهدوه أو لا يسمعوه، وإما لا يعرفون مقدار التبعة الملقاة على عاتقهم.. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة

стр. 6387

وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم. رابعا: كل مجتمع من المجتمعات به مظاهر حياته كما فيه عوامل موته أيضا، وذلك كما يقول علماء الاجتماع. ونظرة واقعية على مجتمعنا الإسلامي اليوم نرى ذلك بوضوح، نرى العلل تصرعه من كل جانب. وواجب الإعلام الإسلامي أن يقوم بدراسة ميدانية لما بالمجتمع من أمراض ويوجه المسؤولين إليها، ويشخص لها الداء ويصف الدواء.. إن هذه النقطة من أهم النقاط التي ينبغي أن يوجه الإعلام نظره إليها، فإن علاج المجتمع جزء من واجب الصحافة والإذاعة المرئية والمسموعة. خامسا: تقديم الإسلام للمجتمع العالمي في ثوبه الحقيقي وهذا واجب آخر من واجبات الإعلام الإسلامي.. الدعوة إلى الله على بصيرة، وتقديم هذه الدعوة إلى مجتمعات أخرى في ثوب قشيب ناضر بلغات تلك المجتمعات تقديما مناسبا لجلال دين الإسلام وروعته وموضحا لوظيفة الإسلام والمسلمين في المجتمع الإنساني كافة.. ـ هل يستطيع الإعلام الإسلامي القيام بهذا الدور؟ ـ وهل ينجح في أن ينبه أنظار المسلمين إلى واقع دينهم؟ ـ وهل يستطيع أن يلفت أنظار غير المسلمين إلى روعة دين الإسلام؟ ـ وهل يستطيع أن يتحمل الأمانة ويبلغها للناس كافة بجميع الوسائل المسموعة والمرئية؟ ـ هل يستطيع أن يلم شعث المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على كلمة لا إله إلا الله، ويعرفهم أنهم أعضاء في جسد واحد إذا ألم بجزء منه مكروه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر؟ ـ هل ينجح في أن يقيم واقع المسلمين ويبين ما به من آلام وأمراض خبيثة من شيوعية وبهائية وقديانية وغير ذلك من ملل ونحل تفتك بجسد الأمة الإسلامية؟

стр. 6388

ـ وهل يستطيع أن يحارب هذه النحل والملل ويخرجها من دار الإسلام إلى الديار الأخرى التي أنبتتها ثم تخلصت منها بأن صدرتها إلى المسلمين ففككت عرى وحدتهم وسممت أبدانهم، وفرقت كلمتهم وأودت بهم إلى التفرقة ثم إلى العداء والحرب بعد ذلك؟ ـ إننا لو نجحنا في ذلك لاستطعنا أن نخدم عقيدتنا بتسخير وسائل الإعلام كلها لها وهذا واجب ديني يحتم علينا أن ننهج في العمل لديننا وعقيدتنا.. فهل نحن سائرون؟ ـ وهل نحن إلى طريق الخير متوجهون؟ ـ وهل يا ترى سننجح في هذه المهمة العظمى؟ تأكدوا أيها الإخوة أن الأمر من بخطورة بمكان. وأن الإعلام بجميع وسائله المكتوبة والمرئية والمسموعة يتحمل العبء الأكبر. وذلك واجبكم أنتم أيها الدعاة أن تتجهوا إلى هذا الميدان بالإعداد له، وتوجيه شباب الإسلام لساحته وتعريفهم بمدى أهميته، ويوم أن تنجحوا في تقديم داعية مسلم واع.. لهذا الميدان، بقدر ذلك يكون الانحسار في بحار الباطل وستجدوا أنفسكم في النهاية على شاطئ النصر والأمان. فهل أنتم واصلون إليه؟ أرجو ذلك. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ . بإذن الله

стр. 6389

العدد ٣٧ فهرس المحتويات ١- المجلة في عامها العاشر ٢- نظرات في كتاب الله الكريم: لفضيلة الشيخ حسين محمد المصري ٣- أهل الكتاب في القرآن الكريم: لفضيلة الشيخ معوض عوض إبراهيم ٤- مفهوم الجرجاني للإعجاز القرآني: لفضيلة الدكتور أحمد جمال العمري ٥- ملامح المجتمع الإسلامي: لفضيلة الشيخ محمد السيد الوكيل ٦- الإنسان.. والعصيان..! : لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي ٧- الإجماع في الشريعة الإسلامية: لفضيلة الدكتور رشدي عليان ٨- العبادات في الإسلام وأثرها في إصلاح المجتمع: لفضيلة الدكتور محمود السيد شيخون ٩- التشريع الإسلامي: صالح للتطبيق في كل زمان ومكان ١٠- حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي: لفضيلة الدكتور عبد المنعم حسنين ١١- رسائل لم يحملها البريد: لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي ١٢- صفات ربنا حقيقة على الوجه اللائق بكماله: لفضيلة الشيخ محمد المجذوب ١٣- تنبيه.. وتحذير..: لفضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ١٤- الشعر في ضوء الشريعة الإسلامية: الشيخ محمد عبد الرحمن شميلة الأهدل ١٥- القدس: للطالب سامي بن رضوان ١٦- من آيات الله في الآفاق: للطالب محمد الأمين ولد الشيخ ١٧- كلية الحديث: للطالب أحمد بن حسن المعلم ١٨- طه حسين حياته.. وأدبه.. في ميزان الإسلام...: لفضيلة الشيخ إبراهيم محمد سرسيق ١٩- حكم التعقيم ... وقطع النسل: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد بن باز ٢٠- أخبار الجامعة عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 6390

المجلة في عامها العاشر نحمد الله على آلائه ونسأله أن يصلي ويسلم ويبارك على أفضل رسله وخاتم أنبيائه نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد: فبهذا العدد دخلت المجلة عامها العاشر مخلفة وراءها تسعة أعوام من عمرها تضمنت أعدادها الستة والثلاثون مقالات جيدة وبحوثا مفيدة في جوانب مختلفة في الثقافة الإسلامية وتعتبر هذه المجلة جزءا مما تؤدي به الجامعة رسالتها في تبليغ الدعوة الإسلامية والحث على اتباع طريقة السلف الصالح في السير على نهج الكتاب العزيز والسنة المطهرة واعتبارهما مصدر كل خير وأساس كل صلاح وإصلاح وإنه لا سعادة في الدنيا ولا فلاح في الآخرة إلا في الاستضاءة بنورهما وامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما. ونأمل أن يجد القراء في مستقبل أيام هذه المجلة تحولا من حسن إلى أحسن ومن جيد إلى أجود وأن يكون نفعها عظيما وفائدتها شاملة. نائب رئيس الجامعة الإسلامية عبد المحسن بن حمد العباد

стр. 6391

حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي لفضيلة الدكتور عبد المنعم حسنين كثر الحديث في السنوات الأخيرة حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي وتنقيته من الشوائب التي علقت به بفعل المستشرقين وأعداء الإسلام من غير المسلمين ومن المنتسبين إلى الإسلام. وقد انعقدت مؤتمرات في دول مختلفة إسلامية وغير إسلامية لبحث كيفية إعادة كتابة التاريخ الإسلامي بعامة وكتابة تاريخ جزء من أجزاء العالم الإسلامي بخاصة، ويسر الله لي الاشتراك في أكثر المؤتمرات التي عقدت لبحث هذا الموضوع البالغ الأهمية وأن أسهم في المناقشات التي دارت وفي إعداد البحوث التي قدمت متضمنة اقتراحات معينة رأى مقدموها أنها تفيد في إلقاء أضواء على جوانب الموضوع المختلفة حتى تكون التجربة الجديدة محققة للهدف المنشود، وبعيدة ما أمكن عن أخطاء التجارب السابقة. ولا أريد التحدث عن المؤتمرات التي حضرتها واشتركت في مناقشتها وبحوثها لأن هذا يحتاج إلى حديث طويل غير أني أرى واجبا عليَّ أن أسجل ملاحظاتي على مثل هذه المؤتمرات وبخاصة ما عقد منها في بعض الدول العربية.

стр. 6392

وأول ما لاحظته في هذه المؤتمرات أن المدعوين إليها خليط من المسلمين ومن غير المسلمين، بل إن بعض المدعوين لهم كتابات معادية للإسلام ومنهم أشخاص من ورثة الصليبيين الذين يدرِّسون التاريخ الإسلامي بِنِيَّة منعقدة على جمع المطاعن وتلفيق الأباطيل ضد الإسلام وحقائقه الناصعة وهم بذلك يتنكرون للمنهج العلمي الصحيح الذي يحرص على بيان الحقائق وعرضها دون أن تمزج بمرارة الحقد والتعصب، فكيف يدرس هؤلاء إعادة كتابة التاريخ الإسلامي وتنقيته مما علق به من الشوائب، وهم الذين أسهموا في تشويه الحقائق أو طمسها؟!.كيف يبحث غير مسلم التاريخ الإسلامي ويكون منصفا في دراسته؟!..كيف يقول شخص من ورثة الصليبيين كلمة الحق في التاريخ الإسلامي وهو الذي يحرص على رمي الإسلام بتهم باطلة ظالمة؟!. إن إعادة كتابة التاريخ الإسلامي وتنقيته من أباطيل هؤلاء الأعداء المغرضين أمر لازم ينبغي أن يتم في أقرب وقت ممكن ولكنه أمر يجب أن يضطلع به باحثون مسلمون مخلصون يؤمنون بالله ورسوله، وينبغي أن يبعد عنه أعداء الإسلام سواء من كان منهم من غير المسلمين أو من كان ممن ينتسبون إلى الإسلام، حتى يراقب هؤلاء الباحثون الله في أثناء كتابتهم للتاريخ الإسلامي. نحن لا نطالب إلا بإثبات الحقائق خالصة من كل زيف، غير متأثرة بأي هوى، وهذا ما يتفق مع المنهج العلمي الصحيح، لأن إثبات الحقيقة العلمية هو غاية الدارسين المخلصين الصادقين. أما تشويه الحقائق، والتشكيك فيها، فأمر لا يتفق مع المنهج العلمي السليم، وليس من العلم في شيء.

стр. 6393

والعجيب أن كثيرا من الدارسين في البلاد الإسلامية يتشدقون بضرورة فصل العلم عن الدين، ويطالبون بإعطاء المستشرقين وأشباههم حق الاشتراك في إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، وأن يصدروا من الأحكام ما تنتهي إليه دراستهم دون خوف مما يكتبون، وما يصدرون من أحكام، ونقول لهؤلاء إن ما يقولونه غير صحيح لأن غير المسلمين لا يمكن أن يكونوا منصفين في بحثهم، ولن يستطيعوا أن يتخلوا عن أهوائهم، وأن يتخلصوا من كرههم للإسلام وهم يحاولون إعادة كتابة التاريخ الإسلامي مهما أعلنوا حيادهم، أو تظاهروا بحبهم لإثبات الحقائق العلمية، دون تأثر بأي عامل من عوامل التأثير. إن هؤلاء كاذبون مضللون يريدون أن يخدعُوا المسلمين بزخرف القول ومعسول الكلام ليضعوا السُّم في العسل ويمزجوا تاريخ المسلمين بما تكنُّه صدورهم من حقد وعداوة، وقد سألت أحد هؤلاء الكاذبين المضللين هل يقبل أن يكتب مؤرخ مسلم تاريخ النصرانية أو تاريخ الكنيسة؟ فبهت الذي كفر. وأمسك عن الجواب، فقلت له أرأيت كيف أنكم تبيحون لأنفسكم ما لا تبيحونه لغيركم؟ وإذا كتب مسلم تاريخ الحروب الصليبية، أو تحدث عن الكنيسة أوسعتموه نقدا بألسنة حداد مع ما عرف به المسلمون من التسامح وعدم التعصب.

стр. 6394

ولكن العيب ليس عيب هؤلاء المؤرخين غير المسلمين من المستشرقين وورثة الصليبيين الذين يشاركون في المؤتمرات التي تعقد لبحث إعادة كتابة التاريخ الإسلامي وإنما هو عيب من يمكنون لهم من حضور مثل هذه المؤتمرات، والأشدّ عيبا أن يدافع بعض من ينتسبون إلى الإسلام عن حضورهم، وضرورة الاستماع إلى آرائهم وإشراكهم في المؤتمرات التي تعقد في البلاد الإسلامية، بل وفي المطالبة بإشراكهم في كتابة التاريخ الإسلامي من جديد، بحجة أنهم علماء ذوو خبرة، وأن الكثيرين من أساتذة التاريخ في البلاد الإسلامية قد تتلمذوا على أيديهم. أما التشدق بأنهم علماء فمن المسلَّم به في منهج البحث العلمي أن العلم لا يفسده شيء كما يفسده التعصب فلا فائدة من علمهم بعد أن أفسده تعصبهم ضد الإسلام والمسلمين. وأما أن كثيرا من المؤرخين المسلمين في العصر الحديث قد تتلمذوا على أيدي غير المسلمين من المستشرقين والمستعمرين وورثة الصليبين فإن هذا الأمر قد أفسد العديد من هؤلاء المؤرخين الذين ينتسبون إلى الإسلام، ويرددون آراء أعداء الإسلام، فجعلهم يسيئون إلى التاريخ الإسلامي أكثر مما يسيء إليه غير المسلمين.

стр. 6395

والواقع أن البلاد الإسلامية يجب أن تغير النظر في سياسة الإبتعاث إلى الخارج فلا ترسل إلى أوربا وأمريكا مثلا أشخاصا لدراسة العلوم الإسلامية المختلفة لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإذا كان هذا الأمر قد حدث في وقت سيطرة الاستعمار على كثير من الدول الإسلامية فينبغي على هذه الدول بعد التخلص من سيطرة الاستعمار سياسيا وعسكريا، أن تتخلص من سيطرة الاستعمار ثقافيا، وأن تعمل على محو كل أثر من آثار هذه السيطرة الثقافية لأنها أشد خطورة وأعمق أثرا، فلا ترسل إلى أوربا إلا من يريدون دراسة علوم بلغت في هذه البلاد شأواً لم تبلغه بعد في بلادنا الإسلامية، على أن تكون هذه مرحلة مؤقتة تنتهي بانتهاء الأسباب التي دفعت إليها، أما أن ترسل الدول الإسلامية أشخاصا لدراسة التاريخ الإسلامي أو أي علم من العلوم الإسلامية المختلفة في أوربا أو أمريكا فهذا أمر يجب إيقافه ووضع حد له. وصفوة القول أن تاريخنا الإسلامي في حاجة إلى أن تعاد كتابته وصياغته بحيث يخلو من الشوائب التي علقت به، وبحيث يوضح تاريخ المسلمين في عصورهم المختلفة بكل جوانبه، وبكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات، لأننا محتاجون إلى معرفة تاريخنا الإسلامي والاستفادة من أحداثه، وأخذ العبرة من هذه الأحداث، والأخذ بالأسباب التي أدَّت إلى الرقي والازدهار، وتجنب العوامل التي أدت إلى الضعف والاندحار والسير على هدى وبصيرة. لقد أقام المسلمون حضارة لم يشهد لها التاريخ مثيلا في سمو الأخلاق ونبل الأهداف حين كانوا متمسكين بكتاب الله، مطبقين لأحكام الله، ومهتدين بهدى خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه، فلما تركوا كتاب الله وهدي نبيه وراءهم ظهريا، تبدلت أحوالهم وأصاب الضعف بلادهم وتلك سنة الله في خلقه ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ .

стр. 6396

إن المؤرخين المسلمين المخلصين قادرون بعون الله على إعادة كتابة تاريخهم وتنقيته من الزيف والأباطيل التي ألقى بها أعداؤهم من المستشرقين والمستعمرين وورثة الصليبين وأذنابهم ممن ينتسبون إلى الإسلام، وهم يستطيعون الرد على هؤلاء الأعداء وإخراس ألسنتهم الحاقدة، وتوضيح الحقائق وبيانها لشباب المسلمين، ليستشعروا العزة والكرامة، ويعملوا على إعادة بناء حضارتهم على هدى وبصيرة. إن الجامعة الإسلامية وهي تحتضن دارسين من أكثر من ثمانين دولة تستطيع أن تربي جيلا من المؤرخين المسلمين المسلحين بالعلم بأمور دينهم وبالخلق القويم، وبالوعي الكامل بحقائق التاريخ الإسلامي، وبالمنهج العلمي الصحيح، ويستطيع هؤلاء المؤرخون المسلمون الصالحون المؤهلون تأهيلا صحيحا أن يعيدوا كتابة التاريخ الإسلامي كتابة صحيحة وينقوه من الشوائب والأباطيل لينتفع بحقائقه المسلمون في سائر أنحاء العالم. إن الشيء الذي يهم المسلمون جميعا أن يكتب التاريخ الإسلامي كتابة صحيحة ولسنا متعجلين في كتابته، المهم أن نبدأ وأن نسير بخطى ثابتة على هدى وبصيرة، معتمدين على الله، واثقين في نصره وتأييده. إن علينا أن نعمل بجد وإخلاص حتى نصل إلى الهدف المنشود، والغاية المرجوة ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . وبالله التوفيق.

стр. 6397

رسائل لم يحملها البريد لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي تلميذي العزيز: كتبت إليّ تقول: لقد أنهيت دراستي الثانوية، وأصبحت طالبا جامعيا، وإني لأرى المقررات واسعة ذات شعب، وأن عليّ أن أدرس ساعات طويلة خارج قاعات المحاضرات، فأرجو أن تقدم إليّ شيئا من النصح، وأن تزوّدني ببعض التجارب. تلميذي العزيز: لو كنت أعلم أنك قد دخلت الجامعة طمعا في شهادة تكسب بها الرزق، وتنال بها الوظيفة، ثم لا يهمك بعد ذلك علم ولا يشوقك بحث، ما كتبت إليك نصحا، ولا تحدثت إليك عن تجربة. ولكني عرفتك على مقاعد الدراسة ذا حياة ونشاط وفطنة، وعرفتك في البيت ذا نفس طُلَعة، تجد خير متعة لها أن تقرأ، وخير محدث تصغي إليه الكتاب. وذلك _ لا شك _ ينبئ برغبة صادقة في العلم، ونزعة فطرية إلى البحث وأول ما يقوم عليه نجاحك في الدراسة هذه الرغبة التي لها بين جنبيك حسيس وغليان، ثم هذا الإحساس الفطريّ غير المتأثر بعوامل خارجية. أما أولئك الذين يدرسون بعوامل من الخارج، كأن يكون ذلك خوفا من رسوب وهربا من خزي، أو حرصا على مرضاة أهل وأقارب، أو منافسة للأنداد ومفاخرة في المجالس، أو تصيدا لمناصب الدولة، فقد تكون دراستهم ذات نفع، وقد تكون بحوثهم ذات قيمة، ولكن عطاءهم سرعان ما يؤول إلى انقطاع، كما تلمع البروق في السماء، وكما تسقط الشهب على الأرض. تلميذي العزيز: لا بد لك في مطلع عامك الدراسي من جدول تسير عليه، إذا ما كنت خارج قاعات المحاضرات، وأنهيت دوام الحصص اليومية.

стр. 6398

وأنت نفسك الذي ينبغي أن تنظم هذا الجدول، وأن توزع ساعات قراءتك ودراستك على موادك العلمية المقررة، ولا يستطيع أحد غيرك أن ينظم هذا الجدول لك، لأن الساعات التي تجعل للدراسة تطول وتقصر حسب قدرة الطالب عليها، واستعداده لها، ورغبته فيها، فأنت أدرى بقدرتك واستعدادك وما عندك من رغبة وإقبال. ومهما يكن من أمر فإني أنصح لك ألا تقلّ ساعاتك التي تتفرد بالدراسة عن أربع ساعات كل يوم، على أن يفصل بينها وليس منها أوقات عبادتك وطعامك وراحتك، ولا تنس أن توفر لنومك الهادئ المطمئن ساعات كافية وافية. على أن الدراسة ليست بكثرة الساعات ولكن بمقدار ما تفيد وتنفع، فهناك طلاب يضطرون إلى أن ينفقوا بعض أوقاتهم في أعمال يكسبون بها الرزق ولا يخصّون الدراسة إلا بساعات قليلة، ومع ذلك تراهم يفوقون طلابا متفرغين للدارسة ليس لهم ما يشغلهم عنها. وهناك طلاب أذكياء يقرءون بسرعة ويفهمون بسرعة، وهناك طلاب متوسطو الذكاء قراءتهم بطيئة وفهمهم بطيء، وهناك طلاب يدفعهم حب الامتياز والتفوق إلى أن يخصوا دراستهم بسبع ساعات أو ثمان كل يوم. والذي أنصح به أن يكون جدولك الدراسي عمليا واقعيا يمكنك تنفيذه والسير عليه دون أن تنفق كل ما لديك من نشاط وطاقة، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهر أبقى. ولا ريب أن الاستمرار في القراءة والدراسة دونما فترات راحة، يجلب التعب والإرهاق، ويبعث الملم والسأم، ويضعف القدرة على الفهم، وقد أثبتت التجارب أن الطالب الجامعي لا يستطيع أن يظل محتفظا بنشاطه الذهني وأن يحصر انتباهه في موضوع محدد، مع قدرة الفهم والهضم، لا يستطيع ذلك أكثر من خمسين دقيقة. ولقد توصل علماء النفس والتربية بعد إجراء تجارب كثيرة في ميدان توقيت عملية التعليم إلى النتيجة التالية:

стр. 6399

تتعلم كثيرا، وتتذكر ما تعلمته جيدا، إن كانت ساعات دراستك مختلفة متباعدة، وذلك يفوق ما تتعلمه وتتذكره إن كانت ساعات دراستك متواصلة متوالية. فلا بد من الراحة بعد كل خمسين دقيقة، على ألا تقل هذه الراحة عن عشر دقائق، ولا تزيد عن خمس عشرة دقيقة، لا بد من هذه الراحة وإن كنت قادرا على الاستمرار في الدراسة، وكنت ذا نشاط وقوة. وإني لأنصح لك أن تخص كل محاضرة من محاضراتك اليومية في الجامعة بساعة دراسة في البيت، على أن تزيد هذه الساعة وتنقص حسب صعوبة المادة وسهولتها بالنسبة لك، ومن سوء التدبير أن تهمل بعض المواد إهمالا تاما، وأن تقصر الساعات كلها على بعض المواد. وإن أفضل وقت لدراسة أي موضوع الوقت الذي يكون قريبا من تدريس المدرس لذلك الموضوع، ولهذا ينبغي أن يكون جدول دراستك الخاصة مسايرا جدول التدريس في الجامعة. ومن المجرّب أن قراءتك الموضوع قبل تدريسه أفضل خطة يمكن أن تسير عليها، وكلما ازداد ما تعرفه عن المحاضرة قبل إلقائها ازدادت الفائدة منها، وازدادت قدرتك على أن تميز فيما يلقيه المحاضر بين ما هو خير وله قيمة وبين ما هو حشو تافه لا خير فيه. وتعطيك قراءة الموضوع قبل تدريسه قدرة على أن تختار بسهولة وعن علم الملاحظات الجديرة بالتسجيل في دفترك الخاص بالملاحظات، وتعطيك فرصة لأن تسأل المدرس وتباحثه في أمور عرضت حين قراءتك الموضوع. أما إذا أجَّلت قراءة الموضوع إلى ما بعد تدريسه فسوف تحتاج إلى بذل جهد كبير كي تفهم ما يقوله المدرس، ومن المتوقع أن تشغل نفسك بتسجيل ملاحظات يكون بعضها تافها لا قيمة له، وبعضها جاء في الكتاب المقرر وأنت لا تدري. ومن سيئات تأجيل قراءة الموضوع إلى ما بعد تدريسه أنك لن تجد فرصة للتعمق فيما يقوله المحاضر، ولا لنقده، ولا لترجيح رأي على رأي.

стр. 6400

وربما كان في الكتاب المقرر بعض عبارات غامضة، وألفاظ اصطلاحية تحتاج إلى إيضاح، فلا تدري بها إلا بعد فوات الوقت المناسب. تلميذي العزيز: قد يكون بين زملائك في الجامعة من يبدد وقته ضياعا وهو لا يدري، يجلس إلى كتبه ليدرس، فيمسك بكتاب إحدى المواد، حتى إذا مضى في قراءته عشر دقائق أو قريبا منها ملّ وسئم، فيلقى به جانبا، ثم يمسك بكتاب مادة أخرى، فلا يلبث بين يديه أكثر من عشر دقائق ثم يعافه وينبذه، ثم ينتقل إلى مادة ثالثة فلا يكون حظها من العناية والصبر أوفر من أختيها، وهكذا دواليك. فإذا كان بين زملائك مثل هذا ممن لا يستطيعون حصر الذهن في موضوع واحد مدة تقارب الساعة، فأفضل علاج له أن يقسم أوقات دراسته على مواده المقررة بالدقائق، فيخصّ كل مادة في بداية الأمر بعشرين دقيقة، تعقبها راحة لا تزيد على عشر، ثم بعشرين دقيقة مادة أخرى تعقبها راحة كتلك، وهكذا.. حتى إذا درب على ذلك وأصبح له عادة، زاد الوقت المحدّد لكل مادة زيادة صغيرة، لا تقل عن خمس ولا تزيد على عشر، وتستمر الزيادة مع مرور الزمن، ومع ازدياد القدرة على الدراسة وازدياد الرغبة في العلم، إلى أن تصل إلى خمسين دقيقة وهو الحد الأقصى، على أن تظل الراحة التي تعقب دراسة كل مادة عشرا أو تزيد قليلا. لا أدري أمنفردا تدرس، أم تشرك بعض إخوانك وزملائك في دراستك ومهما يكن من أمر، فبعض المربين يرى الدراسة الجماعية المشتركة إنما تفيد الطالب الضعيف والمتوسط، ولا تفيد الطالب القوي. وفريق أخر من المربين يرى أنها تفيدهم جميعا، أما الضعيف والمتوسط فالأمر فيهما ظاهر، وأما القوي فله منها فوائد ثلاث:

стр. 6401

أما الأولى فإن مساءلة إخوانه له، ومباحثتهم إياه، ومحاولته التفهيم والشرح كل أولئك يحمله على أن يدقق النظر ويعمق الفهم، وينبهه لأمور لم تكن لتخطر له على بال، ومن الأقوال المشهورة بين رجال التعليم: إذا أردت أن تتعلم شيئا فحاول أن تعلمه غيرك من الناس". وأما الفائدة الثانية فإن الدراسة الجماعية تدرب الطالب القوي على أن يعبر عما علم وفهم بطلاقة لسان وحسن بيان، وهذا ليس بالشيء القليل الهيّن، فكثير من الطلاب يقرءون ويفهمون، ولكنهم إذا طولبوا أن يفحصوا عما فهموا تلعثم اللسان واضطرب البيان. والثالثة أنها تمكن لمعلومات الطالب القوي في ذهنه، وبذلك تخفف عنه عبء المراجعة في آخر العام. ويشترط لنجاح الدراسة الجماعية أن يتفق أفرادها من قبل أن يبدءوا بها أن يتفقوا على ما يسمى بورقة عمل، فإن لم يكن ورقة عمل يسيرون عليها فلا خير يرجى من تلك الدراسة. على أن الدراسة الجماعية لا تصلح إلا في أول العام الدراسي، حين يكون المقروء قليلا والوقت طويلا. تلميذي العزيز: لا أدري أين تدرس؟ ولا أين تطيب لك الدراسة؟ غير أني أنصح لك أن يكون مكان دراستك بعيدا عن كل ما يشرد بذهنك، ويطير بعواطفك وفكرك، أن يكون خاليا من "الراديو"ومن "التليفزيون"ومن المجلات المصورة وغير المصورة ومن الصحف اليومية وغير اليومية. ولتعلم أن أشد الناس عداوة لوقتك واعتداء عليه أصدقاؤك وزملاؤك وأقاربك، هؤلاء الذين يزورونك بلا موعد ولا حساب، ويشغلونك عن دراستك بأحاديث فارغة وأمور تافهة. فاختر لدراستك مكانا يأبى على هؤلاء وأمثالهم أن يغيروا عليه ليلا أو نهارا، وإقبالا وإدبارا.

стр. 6402

وربما كانت مكتبة الجامعة خير مكان لدراستك إذا هيئت لك فيها الدراسة وصلحت، فللمكتبة نظام يوفر لها الهدوء والسكينة، ويدرأ عنها ما يشتت الخواطر ويكدّر الأذهان، وفي المكتبة تنجو من زيارات فارغة تافهة تسحت وقتك وتفسد دراستك. وإذا وجدت المكتبة خير مكان تدرس فيه من بعد تجربة، فإياك أن تجلس على مقربة من الباب فتشغل نفسك بمن يدخل ويخرج ولكن وَلِّ وجهك شطر الجدار، فلا ترى أحدا ولا يراك أحد. وعلى كل حال فالمكان عادة وإلْف، فمن الطلاب من اعتاد الدراسة في المساجد، ومنهم من اعتاد الدارسة في الحدائق العامة، ومنهم من اعتادها في ساح الجامعات وأفنيتها، ومنهم من اعتاد أن يدرس في غرفته الخاصة فخير مكان مكان يحفظ عليك وقتك، ويحول بينك وبين ما يلهيك عن دراستك. فإذا لم تتيسر لك مكتبة الجامعة، ولم يك في الجامعة قاعة واسعة خاصة بالمطالعة، تخضع للإشراف المهيمن والنظام الصارم، فربما كان أفضل مكان لدراستك غرفتك الخاصة، فإن وجدت فيها راحتك وطمأنينة نفسك فالحذر الحذر أن تدرس وأنت مستلق على الفراش، فالفراش يبعث على التراخي، ويدعو إلى الكسل والنوم، والأفضل أن تجلس على كرسي يكون مستقيم الظهر، وأمامك منضدة خالية من كل شيء، إلا ما تحتاج إليه من كتب مقررة ودفاتر ملاحظات وبعض المعاجم اللغوية، وليكن وجهك إلى الجدار، وحذار أن يكون أمامك نافذة مفتوحة، إنها سترحل بعينيك إلى خارج الغرفة، وتنتزعك من بين كتبك إلى أماكن شتى وآفاق بعيدة. وإياك والانحناء في أثناء الدراسة، فذلك يتعبك ويضر بصحتك ويجلب عليك الكسل. تلميذي العزيز: ليس توفير ساعات معدودة للدراسة كل يوم، وتوزيعها على المواد المقررة، واختيار المكان المناسب، ليس ذلك كل ما تطلبه الدراسة الناجحة، فهناك أمور أخر أرجو أن تهتم بها وترعاها، وإن رآها كثير من الطلاب ليست بذات بال.

стр. 6403

فدخولك غرفة التدريس في أول الحصة وقبل أن يبدأ المدرس محاضرته أمر يجب أن تحرص عليه وترعاه، كي لا يفوتك شيء من التوجيهات، أو المعلومات أو الإشارة إلى مراجع ذات قيمة، ومن جهة أخرى فهذا الدخول المبكر يوثق الصلة بينك وبين المدرس، ويجعل بينكما مودة ورحمة، فتراه حريصا على فهمك، محتفيا بأسئلتك، لا يعرض عنك ولا يعتذر إليك إن سألته خارج غرفة التدريس أو داخلها. وأرجو كذلك أن تحرص على حضور كل حصة، فحضور كل حصة يجعل معلوماتك في كل مادة متواصلة متماسكة ليس فيها فجوات ضعف ولا ثغرات جهالة. أما الأمر الثالث الذي أود أن تحرص عليه فهو أن يجهز مكان دراستك بالنور الكافي، والنور الكافي ضروري لنشاطك ولسلامة عينيك، ولمستقبل حياتك العلمية والعملية، النور الضعيف يبعث الملل ويأتيك بالكسل، وأشد إضرارا من ذلك أنه يتلف عينيك اللتين هما من أعظم ما يعينك على دراستك، وأعظم ما يوفر لك الوقت للبحث المتعمق والإنتاج المثمر. وما أكثر الطلاب الذين يهملون هذا الأمر، ويدرسون على أضواء شاحبة هزيلة، حتى إذا أصاب أعينهم الأذى ولحق بها الضعف، أخذوا يعضون على أيديهم، ولات ساعة مندم. تلميذي العزيز: ما حدثتك عنه من وضع جدول خاص لدراستك، واختيار مكان مناسب لتلك الدراسة، ومن أمور أخر كالتبكير في حضور الحصص، والحرص على حضور كل حصة، والنور الموفور في مكان الدراسة، كل أولئك خطوات تمهيدية للدراسة، أما الدراسة نفسها فلم أحدثك عنها بعد. ماذا تعني كلمة الدراسة؟ أول ما يخطر بالبال أنها فتح كتاب مقرر، ومحاولة استظهار ما فيه استعدادا للامتحان، وهذا معنى ضيق محدود لما تعنيه كلمة الدراسة، أما الدراسة بمعناها الأعم الواسع فهي: كل مجهود يبذل في سبيل التعلم. وأياًّ كان معناها، فالدراسة لا بد لها من القراءة، والقراءة أعظم الدعائم التي تقوم عليها الدراسة.

стр. 6404

والحديث عن القراءة عامة حديث يطول، ولا تتسع له هذه الرسالة، وربما حدثتك عنه في رسالة قادمة، أما اليوم فيكفيني ويكفيك أن أحدثك عن قراءة الكتب المقررة. الطريقة المثلى في قراءة الكتب المقررة في الكليات أن تقرأ الموضوع الذي تدرسه ثلاث مرات، ولكل قراءة هدف يختلف عن هدف القراءة الأخرى وعليك أن تعرف الهدف أولا ثم تمضي في القراءة من أجله. فهدف القراءة الأولى أن تعرف الفكرة الأساسية للموضوع الذي تقرؤه وتسمى هذه القراءة قراءة التصفح ولذلك ينبغي أن تكون سريعة. ثم تعود فتقرأ الموضوع قراءة ثانية ويكون الهدف معرفة المسائل الرئيسية والتفصيلات المهمة، وفي هذه القراءة تكون بطيئا متأنيا متعمقا دقيق النظر. ثم تعود فتقرأ الموضوع قراءة ثالثة، ويكون الهدف من هذه القراءة أن تجيب عن أسئلة تضعها أنت. والأسئلة لها حظ عظيم مهم في عملية التعليم والتعلم، الأسئلة تعطي هدفا للتعلم، تجعلنا نفكر ونحن نقرأ وندرس، تجعلنا نفكر فيما نريد أن نتعلمه من هذه الدراسة، وإذا حاولت وأنت تقرأ أن تجيب عن سؤال فإن ذلك يجعل ما تدرسه ذا معنى محدّد. ومن الثابت بالتجارب أن الطلاب يتذكرون ما يتعلمونه جوابا عن سؤال أفضل من تذكرهم ما يتعلمونه بالقراءة المجردة، وأن الطلاب الذين يقرءون ويدرسون ولا يجعلون قراءتهم مبنية على أساس أن تكون أجوبة لأسئلة ينسون بسرعة، وتختلط في أذهانهم الفكر الرئيسية بالفكر الثانوية ويفقدون الدقة في الإجابة. ولكن من الذي يضع الأسئلة؟ أنت نفسك أفضل من يضعها، قد يكون هذا في بداية الأمر شيئا صعبا، ولكنك بالممارسة والتكرار سوف تصبح ذا قدرة على وضع أسئلة لما تقرؤه دون عناء. إن وضع الأسئلة يساعدك على الدراسة والفهم والتعمق، وبهذه الأسئلة تكسب معلومات محددة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، لأنك لا تستطيع أن تضع سؤالا إلا بعد أن تصير المعلومات واضحة في ذهنك.

стр. 6405

ضع أسئلة لكل شيء تقرؤه وتدرسه منذ بدء الدراسة، ولا شك أن وضع الأسئلة لكل ما تقرأ عمل مرهق جدا ويأخذ منك وقتا طويلا، ولكنه يرتفع بمستواك إلى درجة الطلاب الممتازين. وهناك هدف رابع للقراءة والدراسة هو تقويم ما تقرأ، فيجب أن تكون قارئا ناقدا، ناقدا ما تدرس ولا سيما الموضوعات التي تعرض فيها قضايا قد تباينت فيها الآراء، واشتد فيها الخلاف والجدل، وجاء صاحب كل رأي بدليله وحجته. فعليك أن تنظر إلى الأدلة والحجج في هذه القضايا نظرة عادلة منصفة وأن تتبع الحق دون أن تتمسك بآرائك السابقة، ودون أن تتعصب تعصبا جاهليا لما تعودته وألفته. وهناك هدف خامس للقراءة والدراسة هو التطبيق، وأعني بالتطبيق أن تخضع حياتك لما تقرؤه وتدرسه وتراه صوابا، فإذا استطعت أن تطابق بينهما كان حقا أن نقول إنك قد استفدت من قراءتك ودراستك وقطفت الجني وعدت بالغنم. أما إذا كنت تعلم الصواب ولا تعمل به، وتعرف الحق ولا تتبعه، فقد فقدت دراستك روحها ومعناها، وأصبحت شجرا بلا ثمر وزرعا بلا حصاد. والقراءة التي هي أعظم دعائم الدراسة بفقد كثيرا من قيمتها وجدواها إذا لم يصحبها استظهار. ولكن ماذا تعني الكلمة كلمة الاستظهار؟: الاستظهار أن تعيد على نفسك بدقة ما تتذكره من المعلومات التي درستها، ولا تعني أن تحفظ معلوماتك حرفا حرفا وكلمة كلمة حفظا "فوتوغرافيا"لا تعقل فيه ولا فهم. والطريقة المجدية في الاستظهار أن يكون مجزَّأً على فترات، فحين تنتهي من دراسة موضوع أو دراسة معلومات بينها صلات وثيقة، فاستظهر ما درست ومن الأفضل ألا تستظهر قدرا كبيرا دفعة واحدة، جزئه أجزاء صغيرة واستظهرها جزءا جزءا، فذلك أيسر وأسهل، وحذار أن تؤجل الاستظهار إلى آخر عامك الدراسي متعللا أن ما يستظهر سوف ينسى، وضيع الجهد فيه سدى.

стр. 6406

فقد أثبتت التجارب أن المعلومات التي تستظهر ثم تنسى يسهل استظهارها مرة ثانية آخر العام، ويسهل تذكرها ساعة الامتحان. أما المعلومات التي تستظهر آخر العام ولم تك قد استظهرت من قبل، فمن العسير جدا بقاها حية ثابتة ساعة الامتحان. يقول بعض العلماء: النسيان عملية تخريبية تسير مع القراءة جنبا إلى جنب فإذا انتهيت من قراءة موضوع أو فصل وحاولت بعد القراءة أن تتذكر المعلومات التي قرأتها فإنك لا تتذكر أكثر من خمسين في المائة، وبعد مضي يوم كامل على تلك القراءة لا تتذكر أكثر من ثلاثين في المائة، ثم يكون النسيان بطيئا بعد ذلك. وخير وسيلة لمقاومة هذه الأعمال التخريبية التي يقوم بها النسيان أن تستظهر ما تقرؤه وتدرسه. ولا شك أن نسبة ما تتذكره يعتمد على مقدار ما تقرؤه كثرة وقلة وعدد مرات، وعلى نوعية ما تقرأ، وعلى كيفية القراءة، وعلى الفروق الفردية الفطرية التي وهبها الله للناس. ولقد تبين من التجارب التي أجريت على آلاف الطلاب أن الجماعات التي كانت تقرأ ولا تستظهر كانت تنسى في يوم واحد أكثر مما كانت تنساه في شهرين جماعات أخر كانت تستظهر ما تقرأ. ولقد تبين من التجارب أيضا أن الطلاب الذين يستظهرون ما يقرءون يفوقون الطلاب الذين يقرءون ولا يستظهرون. كثير من الطلاب يظنون أنهم قد حفظوا معلوماتهم، وأنهم يستطيعون أن يتذكروها وقت الحاجة حتى إذا جاء الامتحان وسئلوا عنها وجدوا ما كانوا يظنونه حقا قد أصبح ساعة الامتحان سرابا.

стр. 6407

وخير طريقة لكي تتوثق من أنك قد فهمت ما درست، وأن استظهارك لمعلوماتك جيد، خير طريقة أن تتوقف من حين إلى حين وتفحص نفسك، بأن تختار بعض الأسئلة التي كنت قد وضعتها من قبل في أثناء دراستك، وأن تجيب عنها كتابة، ثم تصحح لنفسك بأن تقابل إجابتك بما جاء في الكتاب المقرر، وبذلك تستطيع أن تعرف مستوى إجابتك، وقدر استظهارك وتذكرك، وعلى ضوء هذه النتيجة إما أن ترجع القهقرى فتعيد دراسة ما درست من قبل، وإما أن تمضي قدما. الاستظهار يثبت معلوماتك ويسهل عليك المراجعة آخر العام، ويعطيك نتائج ممتازة في الامتحان، وزيادة على ذلك يعودك حصر الانتباه فيما يقرأ. فكثيرا ما يكون انتباهك ضعيفا، تمر عيناك بالسطور ولكن خيالك يكون شاردا وعيناك لا تدركان ما تقرءان فالاستظهار يحول بينك وبين هذا الشرود، وبينك وبين أحلام اليقظة، ويجعل قراءتك ذات جدوى. كثير من الطلاب يراجعون ما درسوه واستظهروه في الساعات الأخيرة التي تسبق الامتحان، وهذه مراجعة فيها كثير من الإرهاق والمشقة، ثم هي لا تؤدي إلى الغرض المنشود، وهو تثبيت المعلومات في الذهن إلى أن تحين ساعة الامتحان. فالمراجعة الأخيرة التي تسبق الامتحان بيوم أو بساعات ينبغي أن تكون للعناية بالنقاط الرئيسية، والتفصيلات المهمة، والتفريعات القيمة، وهي لا تتسع للإحاطة بكل شيء، وإتقان كل جزئية. ويجب أن تسبق هذه المراجعة الأخيرة مراجعتان على الأقل: مراجعة لكل باب وكل فصل بعد الانتهاء من دراسته واستظهاره، ومراجعة ثانية بعد فترة لا تسمح بنسيانه. وفي كل فترة يجب أن تختبر نفسك بالإجابة التحريرية عن أسئلة تكون أنت قد وضعتها من قبل في أثناء الدراسة الأولى. ويجب أن تصحح إجابتك بالرجوع إلى الكتاب المقرر لتعرف ما نسيته وما أخطأت فيه، وما تتذكره من معلومات.

стр. 6408

ومن الأشياء القمينة باهتمامك تقييد ملاحظاتك، الملاحظات الجيدة الجديرة بالحفظ الجديرة بأن يستفاد منها في المستقبل. ينبغي أن تقيد ملاحظاتك في إضبارة خاصة بها، يسهل نزع الورق منها، ويسهل إضافة أوراق جديدة إليها. ويجب أن تقسم أوراق هذه الإضبارة فيكون لكل مادة أو موضوع صفحات محددة متوالية مرقمة مفهرسة، وفي رأس كل صفحة تضع عنوانا يبين الموضوع أو المسألة التي اشتملت عليها تلك الصفحة. وينبغي أن تصحبك هذه الإضبارة ساعات المحاضرات في الجامعة، وساعات الدراسة في البيت، كي تتمكن من تقييد الملاحظات جميعا في أوقاتها وفي أمكنتها المختصة بها. وحذار أن تهمل كتابة أي ملاحظة تراها، أو أن تؤجل ذلك اعتمادا على الذاكرة، أو اعتمادا على كتابتها في المستقبل، فما أسهل أن تنسى، وما أكثر ما ينتهي التأجيل إلى سراب، وبذلك تضيع من بين يديك ملاحظات قد تكلفك في المستقبل جهدا كبيرا ووقتا طويلا. وإذا اضطررت لأمر ما أن تكتب بعض الملاحظات على أوراق مشردة، فيجب أن تنقلها إلى إضبارة الملاحظات وفي مكانها المناسب في أسرع وقت وأقرب فرصة. ويجب أن تكتب ملاحظاتك وتلخيصاتك بأسلوبك أنت، وهذا يفيدك فوائد شتى: فهو يدربك على الكتابة العلمية، ويجعلك ذا قدرة على تلخيص ما تقرؤه في الكتب الموسعة، ويثبت المعلومات في ذاكرتك. ولقد أثبتت التجارب أن الذين يقيدون ملاحظاتهم في الورق أقدر على التذكر ممن لا يقيدون، وأقدر على التعبير عنها، وكثير من الذين لا يقيدون ملاحظتهم يظنون في أنفسهم أنهم قد فهموا موضوعا، أو أنهم قد استوعبوا مسألة، فإذا طولبوا بالتعبير عما فهموه أصابهم العجز وتعثر اللسان. وينبغي أن تكون ملاحظاتك وتلخيصاتك متقنة دقيقة تغنيك عن الكتاب المقرر حين تراجع المادة في الساعات الأخيرة التي تسبق الامتحان حين لا يتسع الوقت لقراءة المادة في كتابها المقرر.

стр. 6409

كثير من الطلاب يرون في الامتحانات وحشا مفترسا وسبعا ضاريا، تراهم في قاعات الامتحان قبيل تسلم الأسئلة في زلزلة واضطراب، ومن جراء ذلك ينسون كثيرا من المعلومات، ويخطئون في الإجابة عن أسئلة سهلة. أما الطلاب الذين درسوا مقرراتهم دراسة، وافية، واستعدوا للإمتحان استعدادا كاملا، فلا يشعرون بخوف ولا يعتريهم قلق، تراهم جالسين في هدوء وسكينة، ويجيبون على أسئلتهم بثقة واطمئنان. ومما ينصح به رجال التربية أن فترة استجمام وراحة يجب أن تفصل بين تسلم الأسئلة ومراجعة مادة الاختبار. ويقولون إن المراجعة في هذه الدقائق الأخيرة التي تسبق تسلم الأسئلة لا تكسب علما ولا تجلب فهما، بل ربما خلطت المعلومات بعضها ببعض بعد أن كانت منظمة، وأوقعت فيها الاضطراب من بعد ترتيب. ويقترح هؤلاء المربون أن يشغل الطالب نفسه قبيل دخول قاعة الاختبار بالتحدث إلى بعض إخوانه في أمور عامة لا علاقة لها بالامتحان أو بقراءة بعض الصحف اليومية. ومهما يكن من أمر فأنا أنصح لك أن تدخل قاعة الاختبار قبل أن يقرع جرس تسليم الأسئلة بحوالي ربع ساعة، وأن تجلس هادئ البال مستريحا من المراجعة، وحين تتسلم أوراق الأسئلة اقرأها كلها بعناية وأناة ودقة نظر، ومن المتوقع أن تجد فيها ما هو سهل تستطيع الإجابة عنه دون عناء، وأن تجد فيها ما هو صعب تحتاج الإجابة عنه إلى رؤية وأناة ومعاناة. ابدأ بالإجابة عن الأسئلة السهلة، وإذا ما انتهيت منها فأجب عن الأسئلة الصعبة، بادئا بما هو أقل صعوبة، مؤخرا ما هو أشد وأشق..

стр. 6410

ومن الأخطاء التي يقع فيها الطلاب أن يؤخروا الإجابة عن الأسئلة السهلة ليوفروا الوقت الكافي للإجابة عن الأسئلة الصعبة، وتكون نتيجة هذا التصرف السيئ أن يجيبوا عن الأسئلة السهلة في آخر الوقت وقد أصابهم الإرهاق والتعب فيكتبوا تلك الإجابات بسرعة ودون عناية، وبذلك يرتكبون أخطاء كثيرة وهو لا يشعرون، ويفقدون درجات كان الحصول عليها متيقنا سهلا لو كتبت الإجابات في أول الوقت وفي أوج النشاط. ويجب أن يجعل الجزء الأخير من وقت الإجابة لقراءة ما كتبته من أجوبة فتصحح الأخطاء التي وقعت فيها وأنت لا تدري، وتجيب عما عساك قد نسيت الإجابة عنه. وإذا بدا لك أن تبدل بعض الإجابات فإذا كنت واثقا تمام الثقة بأن ما كتبته كان خطأ، وأن ما تريد أن تكتبه هو الصحيح، فخير لك أن تغير وتبدل. أما إذا كنت مترددا بين الإجابة التي كتبتها والإجابة التي خطرت ببالك في آخر الوقت، فأبق الإجابة الأولى التي كتبتها على ما هي عليه، فقد دلت التجارب على أن الفكرة التي تسبق إلى ذهن الطالب وهو في أفضل أوقاته نشاطا وفطنة أصح من الفكرة التي تأتيه وقد تعب وأرهق وخبا نور علمه وذهنه. ومما يخطئ فيه الطلاب أن يجيبوا إجابات تشتمل على زيادات ليست مما يطلبه السؤال، يفعلون ذلك كثيرا إذا عمي عليهم السؤال ولم يستطيعوا تحديد ما يطلبه، وفي أحيان قليلة يفعلون ذلك إظهارا لسعة ما عندهم من علم. فينبغي أن تقرأ الأسئلة بتروّ ودقة نظر، وأن تجيب بما هو مطلوب، دون أن تزيد على ذلك شيئا، ففي هذه الزيادة دلالة عجز، ومضيعة وقت وجهد عليك وعلى المدرس المصحح معا. ثم إن المدرس سيهمل كل ما كان مزيدا، وإلى جانب ذلك سوف يسيء بك الظن فيتهمك بسوء الفهم في قراءة الأسئلة وبالتهرب من الإجابة الدقيقة.
следующие страницы →