← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

والجواب عن السؤال الأول هو: أنني أوردت بعض ما وقفت عليه من كلام أهل العلم بشأن خروج المهدي في آخر الزمان لتزداد أيها المستمع ثباتا ويقينا بأن اعتقاد خروجه آخر الزمان هو الجادة المسلوكة ولتعلم أنه الحق الذي لا يسوغ العدول عنه والإلتفات إلى غيره وعمدة أهل العلم في ذلك الأحاديث الواردة عن الرسول ﷺ في ذلك إذ لا مجال للرأي في مثل هذا الأمر بل سبيله الوحيد هو الوحي لأنه من الأمور الغيبية. أما الجواب عن السؤال الثاني فهو أني لم أقف على تسمية أحد في الماضين أنكر أحاديث المهدي أو تردد فيها سوى رجلين اثنين أما أحدهما فهو أبو محمد بن الوليد البغدادي الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة وقد مضى حكاية كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة وقد مضى حكاية كلام شيخ الإسلام عنه وأنه قد اعتمد على حديث "لا مهدي إلا عيسى بن مريم" وقال ابن تيميه "وليس مما يعتمد عليه لضعفه"انتهى وسبق في أثناء كلام الذين نقلت عنهم أنه لو صح هذا الحديث فالجمع بينه وبين أحاديث المهدي ممكن، ولم أقف على ترجمة لأبي محمد المذكور. وأما الثاني فهو عبد الرحمن بن خلدون المغربي المؤرخ المشهور وهو الذي اشتهر بين الناس عنه تضعيف لأحاديث المهدي وقد رجعت إلى كلامه في مقدمة تاريخه فظهر لي منه التردد لا الجزم بالإنكار، وعلى كل حال فإنكارها أو التردد في التصديق بما دلت عليه شذوذ عن الحق ونكوب عن الجادة المطروقة وقد تعقبه الشيخ صديق حسن في كتابه الإذاعة حيث قال: "لاشك أن المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام لما تواتر من الأخبار في الباب واتفق عليه جمهور الأمة خلفا عن سلف إلا من لا يعتد بخلافه-وقال: لا معنى للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود والمنتظر المدلول عليه بالأدلة بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حد التواتر"انتهى.

стр. 632

ولي ملاحظات على كلام ابن خلدون أرى أن أشير إليها هنا: الأولى: أنه لو حصل التردد في أمر المهدي من رجل له خبرة بالحديث لاعتبر ذلك زللا منه فكيف إذا كان من الإخباريين الذين هم ليسوا من أهل الاختصاص وقد أحسن الشيخ أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند حيث قال: "أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم واقتحم قحما لم يكن من رجالها وقال إنه تهافت في الفصل الذي عقده في مقدمة للمهدي تهافتا عجيبا وغلط أغلاطا واضحة وقال إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين. "الجرح مقدم على التعديل"ولو اطلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئا مما قال" الثانية: صدر ابن خلدون الفصل الذي عقده في مقدمته للمهدي بقوله:"اعلم أن في المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره أن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال أو ينزل معه فيساعده على قتل ويأتم بالمهدي في صلاته ويحتجون في الشأن بأحاديث خرجها الأئمة وتكلم فيها المنكرون لذلك وربما عارضوها ببعض الأخبار". أقول هذه الشهادة التي شهدها ابن خلدون هي أن اعتقاد خروج المهدي هو المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، إلا يسعه في ذلك ما وسع الناس على ممر الأعصار كما ذكر ابن خلدون نفسه، وهل ذلك الشذوذ بعد معرفة أن الكافة على خلافه وهل هؤلاء الكافة اتفقوا على الخطأ والأمر ليس اجتهاديا وإنما هو غيبي لا يسوغ لأحد إثباته إلا بدليل من كتاب الله أو سنه نبيه ﷺ والدليل معهم وهم أهل الاختصاص.

стр. 633

الثالثة: أنه قال قبل إيراد الأحاديث: "ونحن الآن نذكر هنا الأحاديث الواردة في هذا الشأن وقال في نهايتها: فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان وقال في موضع آخر بعد ذلك وما أورده أهل الحديث من أخبار المهدي قد استوفينا جميعه بمبلغ طاقتنا". وأقول إنه قد خانه الشيء الكثير كما يتضح ذلك بالرجوع إلى ما أثبته السيوطي في العرف الوردي في أخبار المهدي عن الأئمة، بل إن مما فاته الحديث الذي ذكره ابن القيم في المنار المنيف عن الحارث ابن أبي أسامة وقال إسناده جيد وتقدم ذكره بسنده وحاصل ما قيل في رجاله. الرابعة: وقال "إن جماعة من الأئمة خرجوا أحاديث المهدي فذكرهم وذكر الصحابة الذين أسندوها إليهم ثم قال ربما يعرض لأسانيدها المنكرون كما نذكره إلا أن المعروف عند أهل الحديث أن الجرح مقدم على التعديل فإذا وجدنا طعنا ببعض رجال الأسانيد بغفلة أو سوء حفظ أو ضعف أوسوء رأي تطرق ذلك إلى صحة الحديث وأوهن منها ولا تقولن مثل ذلك ربما يتطرق إلى رجال الصحيحين، فإن الإجماع قد اتصل في الأمة على تلقيهما بالقبول والعمل بما فيهما وفي الإجماع أعظم حماية وأحسن دفعا وليس غير الصحيحين بمثابتهما في ذلك فقد نجد مجالا للكلام في أسانيدها بما تقل عن أئمة الحديث في ذلك"انتهى.

стр. 634

أقول: إن ابن خلدون أورد بعض الأحاديث وقدح فيها برجال في أسانيدها من رجال الصحيحين أو أحدهما وذلك تناقض يخالف المبدأ الذي رسمه لنفسه وهو قوله: "ولا تقولن مثل ذلك ربما يتطرق لرجال الصحيحين"، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على صحة ما ذكره عنه الشيخ أحمد شاكر حيث قال: "أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس به علم واقتحم قحما لم يكن من رجالها"، ومما أورده من الأحاديث وقدح فيه برجال هم من رجال الصحيحين أو أحدهما قوله: وخرج الحاكم في المستدرك عن علي ﵁ من رواية أبي الطفيل عن محمد بن الحنفية قال كنا عند علي ﵁ فسأله رجل عن المهدي فقال له: "هيهات ثم عقد بيده سبقا فقال ذلك يخرج في آخر الزمان إذا قال الرجل الله الله قتل إلى آخر"الحديث قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، انتهى ثم قال ابن خلدون "وإنما هو على شرط مسلم فقط فإن فيه عمار الدهني ويونس بن أبي اسحاق لم يخرج لهما البخاري وفيه عمرو بن محمد العنقري ولم يخرج له البخاري احتجاجا بل استشهادا مع ما ينضم إلى ذلك من تشيع عمار الدهني وهو وإن وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم فقد قال علي ابن المديني عن سفيان إن بشر ابن مروان قطع عرقوبية قلت في أي شيء قال في التشيع"انتهى وهؤلاء الثلاثة الذين قدح في الحديث من أجلهم من رجال مسلم، وذلك مناقض للخطة التي رسمها أولا كما هو واضح.

стр. 635

الخامسة: أن ابن خلدون نفسه قد اعترف بسلامة بعض أحاديث المهدي من النقد حيث قال بعد إيراد الأحاديث في المهدي: "فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه"انتهى وأقول إن القليل الذي يسلم من النقد يكفي للإحتجاج به ويكون الكثير الذي لم يسلم عاضدا له ومقويا على أنه قد سلم الشيء الكثير كما تقدم ذلك في حكاية كلام القاضي محمد بن علي الشوكاني الذي حكى تواترها وقال إن فيها خمسين حديثا فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، ثم إنه في آخر البحث ذكر ما يفيد تردده في أمر المهدي وذلك يفيد عدم ثبات رأيه لكونه تكلم فيه بما ليس بإختصاصه. هذه بعض الملاحظات على كلام ابن خلدون في شأن المهدي سأستوفي الكلام فيها مع ملاحظات أخرى عليه في الرسالة التي أنا بصدد تأليفها في هذا الموضوع إن شاء الله تعالى. وقد اطلعت على رسالة لأبي الأعلى المودودي اسمها "البيانات"تكلم فيها عن ظهور المهدي لاحظت فيها أمور لا يتسع الوقت لاستيفائها جميعها ولكني أشير إلى ثلاثة منها. الأول في قوله: "والأحاديث في هذه المسألة على نوعين أحاديث فيها الصراحة بكلمة المهدي وأحاديث إنما أخبر فيها بخليفة يولد في آخر الزمان ويعلي كلمة الإسلام وليس سند أي رواية من هذين النوعين من القوة حيث يثبت أمام مقياس الإمام البخاري لنقد الروايات فهو لم يذكر منها أي رواية في صحيحه وكذلك ما ذكر منها الإمام المسلم إلا رواية واحدة في صحيحه ولكن ما جائت فيها أيضا الصراحة بكلمة المهدي"انتهى، أقول: إن أحاديث المهدي وإن لم ترد في الصحيحين بالتفصيل الذي جاء في غيرهما فعدم ورودها فيهما لا يقدح فيها لما كانت قد ثبتت في غيرهما ومعلوم أن غير الصحيح من السنن والمسانيد والأجزاء فيها الصحاح والحسان والضعاف وعلماء الحديث قد قبلوها واحتجوا بها واعتقدوا موجبها.

стр. 636

وكتب الأصول والفروع مملوءة من الأحاديث الصحيحة في غير الصحيحين يوردونها للاستدلال بها وبهذه المناسبة أرى أن أذكر بعض الأحاديث التي وردت في السنن والمسانيد وغيرهما والتي يستدل بها في كتب العقائد وذلك على سبيل التمثيل: ١- الحديث المشتمل عل العشرة المبشرين في الجنة ﵃ فإنه في السنن ومسند الإمام أحمد وغيره وليس في الصحيحين ومع ذلك اعتقدت الأمة موجبه وقل أن يوجد مؤلف في العقائد ولو كان مختصرا إلا وهو متضمن التنصيص على ذكرهم والشهادة لهم بالجنة بناء على الأحاديث الواردة فى ذلك فى غير الصحيحين كما أن هناك أناسا آخرين من الصحابة شهد لهم بالجنة لكن اختص هؤلاء بلفظ العشرة لأن النبي ﷺ جمعهم في حديث فقال: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير بن العوام في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة وأبو عبيده بن الجراح في الجنة"وقد وردت الشهادة لبعضهم في الجنة في الصحيحين لكن الجمع بينهم جميعهم إنما جاء في غير الصحيحين ﵃ وأرضاهم وحشرنا في زمرتهم وثبتنا على السنة حتى نلحق بهم.

стр. 637

٢- الحديث الدال على أن نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة لم يرد في الصحيحين وقد اعتقد الناس موجبه واستدلوا به وأورده شارح الطحاوية وغيره وقد أورده ابن كثير في تفسيره لقوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً﴾ فقال: "وقد روينا في مسند الإمام أحمد بن حنبل حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح فيها من النضرة والسرور وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة فإن الإمام أحمد ﵀ رواه عن محمد بن إدريس الشافعي ﵀ عن مالك بن أنس الأصبحي ﵀ عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" ونسأل الله الذي جمعهم في سند هذا الحديث أن يجمع أرواحهم فيما يقتضيه متنه وإيانا بمنه وكرمه، وهذا إنما هو بالنسبة لغير الشهداء أما الشهداء فقد جاء في صحيح مسلم وغيره أن أرواحهم في أجواف طير خضر". ٣- حديث البراء ين عازب ﵁ الطويل في نعيم القبر الذي وصف فيه الرسول ﷺ ما يجري عند الموت حتى البعث وهو في مسند الإمام أحمد وغيره ولبعضه شواهد في الصحيح وقد أورده شارح الطحاوية وقال عقب إيراده وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث وكذا الحديث الذي فيه تسمية الملكين السائلين في القبر بالمنكر والنكير لم يرد في الصحيحين وقد اعقد بموجبه أهل السنة وأورده شارح الطحاوية مستدلا به.

стр. 638

٤- الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره الدال على وزن الأعمال وهو حديث البطاقة والسجلات لم يرد في الصحيحين واعتقد أهل السنة موجبة وأورده شارح الطحاوية للاستدلال به على أن ميزان الأعمال له كفتان وعلى وزن صحائف الأعمال، ولا يتسع المقام لإيراد الكثير من الأمثلة في ذلك فأكتفي بهذا القدر. والحاصل أن الأحاديث إذا كانت صحيحة يجب العمل بموجبها سواء كانت في الصحيحين أو في غيرهما ومن ذلك أحاديث المهدي. الثاني: من الأمور التي لاحظتها في كلمة أبي الأعلى المودودي عن المهدي في كتابه البيانات في قوله "ولا يمكن بتأويل مستبعد أن في الإسلام يأتي تأويل مستبعد أن في الإسلام منصبا دينيا يعرف بالمهدوية يجب على كل مسلم أن يؤمن به ويترتب على عدم الإيمان به طائفة من النتائج الاعتقادية والاجتماعية في الدنيا والآخرة". أقول بل الذي لاشك فيه أنه يستنبط من الأحاديث الصحيحة في شأن المهدي حصول الإخبار من الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ بوجود إمام للمسلمين عند نزول عيسى بن مريم يوافق اسمه اسم النبي ﷺ واسم أبيه اسم أبي الرسول الله ﷺ ومن أهل بيته ويقال له المهدي والواجب على كل مسلم أن يصدق أخبار الرسول ﷺ التي يخبر بها عن أمور مغيبة مطلقا بما في ذلك أخبار المستقبل كإخباره عن المهدي وعن الدجال وما إلى ذلك من الأخبار. الثالث: في قوله "ومما يناسب ذكره بهذا الصدد أنه ليس من عقائد الإسلام عقيدة عن المهدي ولم يذكرها كتاب من كتب أهل السنة للعقائد". أقول من عقائد أهل السنة التصديق بكل ما صح عن رسول الله ﷺ من الأخبار ومن ذلك إخباره بشأن المهدي، وكتب العقائد عند أهل السنة قد أوضحت ذلك فقد قال الشيخ محمد السفاريني المتوفى سنة ١١٨٨هـ في نظمه لعقيدة السلف المسمى "الدرة المعنية في عقد الفرقة المرضية".

стр. 639

وما أتى بالنص من أشراط فكله حق بلا شطا منها الإمام الخاتم الفصيح محمد المهدي والمسيح ثم إنه أوضح ذلك في شرحه المسمى بلوامع الأنوار البهية فقال "تنبيه: قد كثرت الأقوال في المهدي حتى قيل لا مهدي إلا عيسى بن مريم والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى وأنه يخرج قبل نزول عيسى بن مريم ﵇ وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي وشاع ذلك بين علماء السنة حتى بلغت حد التواتر المعنوي وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم"ثم ذكر بعض الآثار والأحاديث في خروج المهدي وأسماء بعض الصحابة الذين رووها ثم قال "وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم ﵃ بروايات متعددة وعن التابعين من بعدهم ما يفيد مجموعة العلم القطعي فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة"انتهى. وكما أنه مدون في كتب العقائد عند أهل السنة والجماعة فهو أيضا مدون في كتب العقائد التي تمسك أربابها بمذهب أبي الحسن الأشعري قبل رجوعه إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد تقدم نص كلام الشيخ ملا علي قاري الحنفي الذي هو على مذهب الأشاعرة والذي نقلته من شرحه على الفقه الأكبر وفيه ترتيبه لأشراط الساعة القريبة من قيامها وجعله خروج المهدي أولها وأن عيسى ﵊ يصلي خلفه وفيه قوله: وفي شرح العقائد: "الأصح أن عيسى ﵊ يصلي بالناس ويؤمهم ويقتدي به المهدي لأنه أفضل وإمامته أولى" انتهى.

стр. 640

وكذا تقدم في كلام الشيخ عبد الرؤوف المناوي قوله بعد ذكر ائتمام عيسى بالمهدي: "ولا ينافي ما ذكر في هذا الحديث ما اقتضاه بعض الآثار من أن عيسى هو الإمام بالمهدي وجزم به السعد التفتازاني بأفضليته وعلله لإمكان الجمع بأن عيسى يقتدي بالمهدي أولا ليظهر أنه نزل تابعا لنبينا حاكما بشرعه ثم بعد ذلك يقتدي المهدي به على أصل القاعدة من اقتداء المفضول بالفاضل"انتهى. ذكر بعض ما قد يظن تعارضه مع الأحاديث الواردة في المهدي مع الجواب عن ذلك: ١- تقدم في أثناء كلام الأئمة الذين حكيت كلامهم أن حديث لا مهدي إلا عيسى بن مريم لا يتعارض مع الأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي لضعفه ولإ مكان الجمع بينها لو صح بأن يكون معناه لا مهدي كاملا معصوما إلا عيسى بن مريم ﷺ وذلك ينفي أن يكون غيره مهديا غير معصوم كالمهدي الذي دلت عليه الأحاديث. ٢- إن ما دلت عليه أحاديث المهدي من قيام المهدي بنصرة الدين وامتلاء الأرض في زمانه من العدل لا ينافيه وجود الدجال وأتباعه في زمانه ومعاداتهم للمسلمين وكذا الأدلة الدالة على بقاء الأشرار مع الأخيار حتى تخرج الريح اللينة التي تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ولا يبقى بعد ذلك الأشرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة، لأن المراد مما جاء في أحاديث المهدي كثرة الخير وقوة أهل الإسلام وحصول الغلبة لهم وقهرهم لغيرهم وهذا لا ينفي وجود أشرار مغمورين في زمانه كما أننا نعتقد أن الرسول ﷺ وخلفاءه الراشدين ﵃ قد ملئوا الأرض عدلا ومع ذلك في الأرض في زمانهم من أعدائهم الكثير قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين.

стр. 641

٣- إن ما دلت عليه أحاديث المهدي من امتلاء الأرض ظلما وجورا قبل خروجه لا يدل على خلو الأرض من أهل الخير قبل زمانه فالرسول ﷺ أخبر في أحاديث صحيحة بأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله ومنها الحديث الذي رواه مسلم عن جابر أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم تعال صلى لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الامة"، وهذه الأحاديث وأحاديث المهدي تدل على أن الحق مستمر لا ينقطع لكنه في بعض الأزمان يكون لأهله الغلبة ويحصل له الانتشار كما في زمن الرسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين وكما في زمن المهدي وعيسى بن مريم وفي بعض الأزمان يتضاءل هذا الانتشار ويضعف أهله أما أن الحق يتلاشى ويضمحل فهذا ما لم يكن فيما مضى منذ زمن الرسول ﷺ ولا يكون في المستقبل حتى خروج الريح التي تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة كما أخبر بذلك الذي لا ينطق عن الهوى صلوات وسلامه عليه فما من زمن في الماضي إلا وقد هيأ الله لهذا الدين من يقوم به وفي هذا الزمن الذي تكالب اعداء الإسلام عليه وغزوه بأعدائه لم تخل الأرض من إقامة شعائر الدين الإسلامي ومن ذلك ما امتن به على حكومة البلاد المقدسة من التوفيق لتحكيم الشريعة وتعميم المحاكم الشرعية في مدن المملكة وقراها يتحاكم الناس فيها إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ على وجه لا نظير له في سائر أنحاء الأرض فيما نعلم فيرجم الزاني المحصن ويجلد البكر ويحد شارب الخمر وتقطع يد السارق ويقتل القاتل وغير ذلك وما حصل في هذه البلاد من الأمن والإستقرار ورغد العيش إنما هو من الثواب المعجل على القيام بالدين زادها الله من كل خير وحماها من كل شرور وفق المسلمين جميعا في سائر انحاء الأرض لما فيه عزهم وسعادتهم في

стр. 642

دنياهم وأخراهم. كلمة ختامية: إن أحاديث المهدي الكثيرة التي ألف فيها مؤلفون وحكى تواترها جماعة واعتقد موجبها أهل السنة والجماعة وغيرهم من الأشاعرة تدل على حقيقة ثابتة بلا شك هي حصول مقتضاها في آخر الزمان ولا صلة البتة لهذه الحقيقة الثابتة عند أهل السنة بالعقيدة الشيعية فإن ما يعتقده الشيعة من خروج مهدي منتظر يسمى محمد بن الحسن العسكري من نسل الحسين ﵁ لا حقيقة له ولا أصل وعقيدتهم بالنسبة لمهديهم في الحقيقة عقيدة موهومة كما أن إمامة الأئمة الماضين عندهم في الحقيقة إمامة موهومة لا حقيقة لها ولا وجود إلا إمامة علي بن أبي طالب وابنه الحسن ﵄ وهما بريئان منهم ومن اعتقادهم بلا شك أما أهل السنة فمعتقدهم في الماضي حقيقة موجودة وسادات الأئمة عندهم هم الخلفاء الراشدون ﵃ وقد تولوا الإمامة حقا وكانوا أحق بها وأهلها ومعتقدهم في المستقبل عند نزول عيسى بن مريم ﷺ حقيقة ثابتة بلا شك أيضا فلا عبرة بقول من قفا ما ليس له به علم وقال إن الأحاديث في المهدي لا تصح نسبتها إلى رسول الله ﷺ لأنها من وضع الشيعة كما تقدمت الإشارة إلى هذا في أول المحاضرة. وإذا فإن أحاديث المهدي على كثرتها وتعدد طرقها وإثباتها في دواوين أهل السنة يصعب كثيرا القول بأنه لا حقيقة لمقتضاها إلا على جاهل أو مكابر أو من لم يمعن النظر في طرقها وأسانيدها ولم يقف على كلام أهل العلم المعتد بهم فيها، والتصديق بها داخل في الإيمان بأن محمدا رسول الله ﷺ لأن من الإيمان به صلى الله عليه سلم تصديقه فيم أخبر به وداخل في الإيمان بالغيب الذي امتدح الله المؤمنين به بقوله: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ وداخل في الإيمان بالقدر فإن سبيل علم الخلق بما قدره الله أمران:

стр. 643

أحدهما وقوع الشيء فكل ما كان ووقع علمنا أن الله قد شاءه لأنه لا يكون ولا يقع إلا ما شاءه الله وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. الثاني: الإخبار بالشيء الماضي الذي وقع وبالشيء المستقبل قبل وقوعه من الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ فكل ما ثبت إخباره به من الأخبار في الماضي علمنا بأنه كان على وفق خبره ﷺ وكل ما ثبت إخباره عن مما يقع في المستقبل نعلم بأن الله قد شاءه وأنه لابد وأن يقع على وفق خبره ﷺ كإخباره صلى الله عليه والسلام بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان وإخباره بخروج المهدي وبخروج الدجال وغير ذلك من الأخبار فإنكار أحاديث المهدي أو التردد في شأنه أمر خطير نسأل الله السلامة والعافية والثبات على الحق حتى الممات، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.؟ وبعد انتهاء المحاضر من إلقاء هذه المحاضرة قام فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز فعلق على المحاضرة بالكلمة التالية نقلت من شريط التسجيل وعرضت على فضيلته بعد نقلها فأذن بنشرها.

стр. 644

الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد: فإنا نشكر محاضرنا الأستاذ الفاضل الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد على هذه المحاضرة القيمة الواسعة فلقد أجاد فيها وأفاد واستوفى المقام حقا فيما يتعلق بالمهدي المنتظر مهدي الحق، ولا مزيد على ما بسطه من الكلام فقد بسط واعتنى وذكر الأحاديث، وذكر كلام أهل العلم في هذا الباب وقد وفق للصواب وهدي إلى الحق، فجزاه الله عن محاضرته خيرا وجزاه عن جهوده خيرا وضاعف له المثوبة وأعانه على التكميل والإتمام لرسالته في هذا الموضوع، وسوف نقوم-إن شاء الله- بطبعها بعد انتهائه منها لعظم فائدتها ومسيس الحاجة إليها والخلاصة التي أعلقها على هذه المحاضرة القيمة أن أقول: إن الحق والصواب هو ما أبداه فضيلته في هذه المحاضرة كما بينه أهل العلم فأمر المهدي أمر معلوم والأحاديث فيه مستفيضة بل متواترة متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم: تواترها، كما حكاه الأستاذ في هذه المحاضرة وهي متواترة تواترا معنويا لكثرة طرقها، واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها فهي بحق تدل على أن هذا الشخص الموعود به أمره ثابت وخروجه حق وهو "محمد بن عبد الله العلو الحسني من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁"وهذا الإمام من رحمة الله بالأمة في آخر الزمان يخرج فيقيم العدل والحق ويمنع الظلم والجور، وينشر الله به لواء الخير على الأمة عدلا وهداية وتوفيقا وإرشادا للناس. وقد اطلعت على كثير من أحاديثه فرأيتها كما قال الشوكاني وغيره وكما قال ابن القيم وغيره: فيها الصحيح وفيها الحسن، وفيها الضعيف المنجبر، وفيها أخبار موضوعة، ويكفينا من ذلك ما استقام سنده سواء كان صحيحا لذاته أو لغيره وسواء كان حسنا لذاته أو لغيره، وهكذا الأحاديث الضعيفة إذا انجبرت وشد بعضها بعضا فإنها حجة عند أهل العلم.

стр. 645

فإن المقبول عندهم أربعة أقسام: صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وحسن لذاته، وحسن لغيره، هذا ماعدا المتوتر، أما المتواتر فكله مقبول سواء كان تواتره لفظيا أو معنويا فأحاديث المهدي من هذا الباب متواترة معنويا، فتقبل بتواترها من جهة اختلاف ألفاظها ومعانيها وكثرة طرقها وتعدد مخارجها، ونص أهل العلم الموثوق بهم على ثبوتها وتواترها وقد رأينا أهل العلم اثبتوا أشياء كثيرة بأقل من ذلك، والحق أن جمهور أهل العلم بل هو الاتفاق على ثبوت أمر المهدي وأنه حق وأنه سيخرج في آخر الزمان أما من شذ عن أهل العلم في هذا البال فلا يلتفت إلى كلامه في ذلك وأما ما قاله الحافظ إسماعيل بن كثير ﵀ عليه في كتابه التفسير في سورة المائدة عند ذكر النقباء، وأن المهدي: يمكن أن يكون أحد الأئمة الاثنى عشر فهذا: محل نظر، فإن الرسول ﵊ قال: "لا يزال أمر هذه الأمة قائما ما ولى عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش" فقوله: "لا يزال أمر هذه الأمة قائما"، يدل على أن الدين في زمانهم قائم، والأمر نافذ، والحق ظاهر ومعلوم أن هذا إنما كان قبل انقراض دولة بني أمية، وقد جرى في آخرها اختلاف تفرق بسببه الناس، وجعل نكبة على المسلمين وانقسم أمر المسلمين إلى خلافتين: خلافة في الأندلس وخلافة في العراق، وجرى من الخطوب والشرور ما هو معلوم، والرسول ﵊ قال: "لا يزال أمر هذه الأمة قائما" ثم جرى بعد ذلك أمور عظيمة حتى اختل نظام الخلافة وصار على كل جهة من جهات المسلمين أمير وحاكم وصارت دويلات كثيرة وفي زماننا هذا أعظم وأكثر. والمهدي حتى الآن لم يخرج فكيف يصح أن يقال إن الأمر قائم إلى خروج المهدي هذا لا يمكن أن يقوله من تأمل ونظر.

стр. 646

والأقرب في هذا كما قاله جماعة من أهل العلم: أن مراد النبي ﷺ بهذا الحديث "لا يزال أمر هذه الأمة قائما ما ولي عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش" أن مراده من ذلك: الخلفاء الأربعة ومعاوية ﵁ وابنه يزيد، ثم عبد الملك ابن مروان وأولاده الأربعة وعمر بن عبد العزيز هؤلاء اثنا عشر خليفة والمقصود أن الأئمة الاثني عشر في الأقرب والأصوب ينتهي عددهم بهشام بن عبد الملك، فإن الدين في زمانهم قائم والإسلام منتشر والحق ظاهر والجهاد قائم وما وقع بعد موت يزيد من الاختلاف والانشقاق في الخلافة وتولي مروان في الشام وابن الزبير في الحجاز لم يضر المسلمين في ظهور دينهم فدينهم ظاهر وأمرهم قائم وعدوهم مقهور مع وجود هذا الخلاف الذي جرى ثم زال بحمد الله بتمام البيعة لعبد الملك واجتماع الناس بعد ما جرى من الخطوب على يد الحجاج وغيره وبهذا يتبين أن هذا الأمر الذي أخبر به ﷺ قد وقع ومضى وانتهى، وأمر المهدي يكون في آخر الزمان وليس له تعلق بحديث جابر بن سمرة، أما كون المهدي يكون عند نزول عيسى فقد قال ابن كثير في الفتن والملاحم: أظنه يكون عند نزول المسيح، والحديث الذي رواه الحارث بن أبي أسامة يرشد إلى هذا ويدل على هذا لأنه قال أميرهم المهدي فهو يرشد إلى أنه يكون عند نزول عيسى ابن مريم كما يرشد إليه بعض روايات مسلم وبعض الروايات الأخرى لكن ليست بالصريحة فهذا هو الأقوم والأظهر ولكنه ليس بالأمر القطعي، أما كونه سيخرج أو يوجد في آخر الزمان كما قال النبي ﷺ فهذا أمر معلوم والأحاديث ظاهرة في ذلك والحق كما قاله الأئمة والعلماء في ذلك أنه لابد من خروجه وظهوره.

стр. 647

وأما أمر المسيح ابن مريم ﵊، وأمر المسيح الدجال فأمرهما أظهر وأظهر فالأمر فيها قطعي وقد أجمع على ذلك علماء الأمة وبينوا للناس أن المسيح نازل في آخر الزمان كما أن الدجال خارج في آخر الزمان وقد تواترت بذلك الأخبار عن النبي ﷺ وكلها صحيحة متواترة بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان وحكمه بشريعة محمد ﵊ وقتله الدجال مسيح الضلالة. هذا حق وهكذا خروج الدجال حق أما من أنكر ذلك وزعم أن نزول المسيح ابن مريم ووجود المهدي إشارة إلى ظهور الخير، وأن وجود الدجال ويأجوج ومأجوج ما أشبه ذلك إشارة إلى ظهور الشر فهذه أقوال فاسدة بل باطلة في الحقيقة لا ينبغي أن تذكر فأهلها قد حادوا عن الصواب وقالوا أمرا منكرا، وأمرا خطيرا لا وجه له في الشرع ولا وجه له في الأثر ولا في النظر والواجب تلقي ما قاله الرسول الله ﷺ بالقبول والإيمان به والتسليم، فمتى صح الخبر عن رسول الله فلا يجوز لأحد أن يعارضه برأيه واجتهاده بل يجب التسليم كما قال الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ وقد أخبر ﷺ بهذا الأمر عن الدجال وعن المهدي وعن عيسى المسيح بن مريم ووجب تلقي ما قاله بالقبول والإيمان بذلك والحذر من تحكيم الرأي والتقليد الأعمي الذي يضر صاحبه ولا ينفعه لا في الدنيا ولا في الآخرة. وأسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه رضاه وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات على الحق حتى نلقى ربنا وأعود أيضا فأشكر فضيلة الأستاذ على محاضرته القيمة الواسعة وأسأل الله له المعونة على الإتمام والإكمال حتى تطبع وتنشر فينتفع بها الناس وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

стр. 648

١- الإحسان - حقيقته - فضلة - طرقه: للشيخ عبد المحسن العباد ٢- الإدارة العامة في الإسلام: لإبراهيم مبارك الأعظمي ٣- الإسلام دين الفطرة.. صالح لكل زمان ومكان: للشيخ محمد مريسي محمد ٤- الإسلام والحياة: بقلم أحمد عبد الرحيم السايح ٥- الأعداء الثلاثة: للشيخ حسنين محمد مخلوف ٦- الأمر بالمعروف بالمعروف والنهي عن المنكر: نائب رئيس الجامعة الإسلامية - عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧- مع الصحافة - الصحفي الذي أنشأ حزبا شيوعيا ثم تحول إلى الفكر الإسلامي نقلا عن جريدة الميثاق ٨- الفتاوى: نائب رئيس الجامعة الإسلامية - عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٩- القدوة المتمثلة: للشيخ صالح رضا ١٠- المدلّسون (الحلقة الثانية) : للشيخ حماد الأنصاري ١١الإمام عبد العزيز (قصيدة) : للشيخ محمد بهجت الأثري ١٢- بماذا نسمي الحاكم العبيدي؟ : رمضان أبو العز ١٣- حقيقة الجهاد وأطواره: للشيخ عبد القادر شيبة الحمد ١٤- دروس من معركة أحد: بقلم الأستاذ محمد المجذوب ١٥- دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ١٦- رسائل لم يحملها البريد: للشيخ عبد الرؤوف اللبدي ١٧- صوت التضامن: بقلم الأستاذ محمد المجذوب ١٨- عوامل نجاح الأمم.. في الدنيا والآخرة: للشيخ عبد الله خالد قادري ١٩- عودة قائد: لسعادة الدكتور محمد ناصر ٢٠- متى: عبد العزيز القارئ ٢١- من أخبار الجامعة ٢٢- ندوة الطلبة - لمحات تاريخية من حياة ابن تيمية: بقلم:صالح بن سعيد بن هلابي ٢٣- نظرات تحليلية في القصة القرآنية: عرض وتحليل بقلم: الشيخ محمود فكري ٢٤- هذه إسلاميتنا: بقلم الشيخ: أبو بكر جابرالجزائري عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 649

العدد ٤ فهرس المحتويات ١- الإحسان - حقيقته - فضلة - طرقه: للشيخ عبد المحسن العباد ٢- الإدارة العامة في الإسلام: لإبراهيم مبارك الأعظمي ٣- الإسلام دين الفطرة.. صالح لكل زمان ومكان: للشيخ محمد مريسي محمد ٤- الإسلام والحياة: بقلم أحمد عبد الرحيم السايح ٥- الأعداء الثلاثة: للشيخ حسنين محمد مخلوف ٦- الأمر بالمعروف بالمعروف والنهي عن المنكر: نائب رئيس الجامعة الإسلامية - عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧- مع الصحافة - الصحفي الذي أنشأ حزبا شيوعيا ثم تحول إلى الفكر الإسلامي نقلا عن جريدة الميثاق ٨- الفتاوى: نائب رئيس الجامعة الإسلامية - عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٩- القدوة المتمثلة: للشيخ صالح رضا ١٠- المدلّسون (الحلقة الثانية) : للشيخ حماد الأنصاري ١١الإمام عبد العزيز (قصيدة) : للشيخ محمد بهجت الأثري ١٢- بماذا نسمي الحاكم العبيدي؟ : رمضان أبو العز ١٣- حقيقة الجهاد وأطواره: للشيخ عبد القادر شيبة الحمد ١٤- دروس من معركة أحد: بقلم الأستاذ محمد المجذوب ١٥- دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ١٦- رسائل لم يحملها البريد: للشيخ عبد الرؤوف اللبدي ١٧- صوت التضامن: بقلم الأستاذ محمد المجذوب ١٨- عوامل نجاح الأمم.. في الدنيا والآخرة: للشيخ عبد الله خالد قادري ١٩- عودة قائد: لسعادة الدكتور محمد ناصر ٢٠- متى: عبد العزيز القارئ ٢١- من أخبار الجامعة ٢٢- ندوة الطلبة - لمحات تاريخية من حياة ابن تيمية: بقلم:صالح بن سعيد بن هلابي ٢٣- نظرات تحليلية في القصة القرآنية: عرض وتحليل بقلم: الشيخ محمود فكري ٢٤- هذه إسلاميتنا: بقلم الشيخ: أبو بكر جابرالجزائري عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 650

الإحسان حقيقته - فضله - طرقه للشيخ عبد المحسن العباد المدرس بالجامعة الإحسان في اللغة: ضد الإساءة, وهو مصدر أحسن إذا أتى بما هو حسن, وفي الاصطلاح: الإتيان بالمطلوب شرعا على وجه حسن. وقد أوضح ﷺ الإحسان في حديث جبريل ﵇ المشهور حين سأله عن الإسلام والإيمان فأجابه عن كل منهما, وكان جوابه عند ما سأله عن الإحسان أن قال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك", فقد بيّن ﷺ في هذا الحديث الذي رواه مسلم معنى الإحسان: وهو أن يفعل الإنسان ما تعبده الله به كأنه واقف بين يدي الله, وذلك يستلزم تمام الخشية والإنابة إليه سبحانه, ويستلزم الإتيان بالعبادة على وفق الخطة التي رسمها رسوله ﷺ . وقد ضمّن ﷺ جوابه عن الإحسان بيان السبب الحافز على الإحسان لمن لم يبلغ هذه الدرجة العالية, والمنزلة الرفيعة, ألا وهو: تذكير فاعل العبادة بأن الله مطلع عليه, لا يخفى عليه شيء من أفعاله, وسيجازيه على ذلك, إن خيرا فخير, وإن شرا فشر, ولا شك أن العاقل إذا تذكر أن الله رقيب عليه أحسن عمله, رغبة فيما عند الله من الثواب للمحسنين, وخوفا من العقاب الذي أعده للمسيئين ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ . فضل الإحسان:

стр. 651

ولمزيد عناية الإسلام بالإحسان وعظيم منزلته نوه سبحانه بفضله, وأخبر في كتابه العزيز أنه يحب المحسنين, وأنه معهم, وكفى بذلك فضلا وشرفا, فقال سبحانه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ , وقال: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ , وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . جزاء المحسنين:

стр. 652

ومن رحمة الله وفضله أن جعل الجزاء من جنس العمل, ومن ذلك أنه جعل ثواب الإحسان إحسانا كما قال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ , فمن أحسن عمله أحسن الله جزاءه, وقد أوضح الله سبحانه في كتابه العزيز جزاء المحسنين, وأنه أعظم جزاء وأكمله, فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ , وهذه الآية فسرها رسول الله ﷺ بما رواه مسلم عن صهيب ﵁ بأن الحسنى: الجنة, والزيادة: النظر إلى وجه الله , ولا يخفى ما بين هذا الجزاء وذلك العمل الذي هو الإحسان من المناسبة؛ فالمحسنون الذين عبدوا الله كأنهم يرون جزاءهم على ذلك العمل النظر إليه عيانا في الآخرة, وعلى العكس من ذلك الكفار الذين طبعوا على قلوبهم فلم تكن محلا لخشيته ومراقبته في الدنيا, فعاقبهم الله على ذلك بأن حجبهم عن رؤيته في الآخرة كما قال تعالى: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ , وكما أنّ جزاء الذين أحسنوا الحسنى؛ فإن عاقبة الذين أساءوا السوأى كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . ومما ذكره الله في جزاء المحسنين قوله: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ , وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ الآية, وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ, جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الآية, وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ , وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ

стр. 653

الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية, وقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ , وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ , إلى غير ذلك من الآيات. طرق الإحسان: والإحسان مطلوب في العبادات والمعاملات فأي عبادة افترضها الله على العبد فإن عليه أن يأتي بها على الوجه الذي رضيه سبحانه من إخلاصها له وموافقتها لشريعة نبيه ﷺ , وكما أن الإنسان يحب لنفسه أن يعامله غيره معاملة حسنة, فإن عليه أن يحسن إلى غيره, ويعامله بمثل ما يحب أن يعامل به هو, ذلك بسلوك طرق الإحسان التي نتعرض لبعضها فيما يلي على سبيل الاختصار: ١- الإحسان بالنفع البدني: وذلك بأن يجود ببذل ما يستطيعه من القوة البدنية في تحصيل المصالح ودفع المفاسد, فيمنع الظالم من الظلم, ويميط الأذى عن الطريق مثلا, وهذه الطريق هي التي عناها ﷺ بقوله في الحديث المتفق عليه: "كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس, تصلح بين اثنين صدقة, وتعين الرجل في دابته, فتحمله عليها صدقة, أو ترفع عليها متاعه صدقة, والكلمة الطيبة صدقة, وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة, وتميط الأذى عن الطريق صدقة". ٢- الإحسان بالمال: ومن وسّع الله عليه الرزق, وآتاه المال؛ فإنّ عليه أن يشكر الله على ذلك بصرفه في الطرق التي شرعها, فيقضي الحاجة, ويواسي المنكوب, ويفك الأسير, ويقري الضيف, ويطعم الجائع تحقيقا لقوله سبحانه: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ . ٣- الإحسان بالجاه:

стр. 654

وإذا لم يتمكّن المؤمن من قضاء حاجة أخيه وإيصال النفع إليه, فعليه أن يكون عوناً له في سبيل تحصيلها, وذلك بالسعي معه لدى من يستطيع ذلك, إقتداء برسول الله ﷺ , وامتثالا لأمره, فقد شفع ﷺ لمغيث لدى زوجته بريرة ﵂, وأمر أصحابه بالشفاعة فقال: "اشفعوا تأجروا" متفق عليه. ٤- الإحسان بالعلم: وهذه الطريق مع التي تليها أعظم الطرق وأتمها نفعا؛ لأن هذا الإحسان يؤدي إلى ما فيه سعادة الدنيا والآخرة, وبه يعبد الله على بصيرة, فمن يسر الله له أسباب تحصيل العلم وظفر بشيء منه كانت مسئوليته عظيمة, ولزمه القيام بما يجب للعلم من تعليم الجاهل وإرشاد الحيران, وإفتاء السائل, وغير ذلك من المنافع التي تتعدى إلى الغير. ٥- الإحسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

стр. 655

ولم تكن أمة محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس إلا بسلوكها تلك الطريق, كما أنّ بني إسرائيل لم يلعن من لعن منهم على لسان أنبيائهم إلا لتخليهم عن ذلك الواجب من عدم اكتراثهم بارتكاب المنكرات, قال الله تعالى في حق هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ , وقال في حق بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ , ثم بيّن سبب اللعن بقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ, كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ولا يحصل المطلوب ويتم النفع إلا إذا كان الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مؤتمرا بما يأمر به, ومنتهيا عما ينهى عنه, وإلا كان أمره ونهيه وبالاً عليه لقول الله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ , والإحسان إلى الناس بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لا بد أن يكون عن علم؛ لأن الجاهل قد يأمر بما هو منكر, وقد ينهى عما هو معروف, ولا بد أن يجمع إلى العلم الحكمة, ويصبر على ما أصابه, ومن الأدلة على هذه الأمور الثلاثة قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ , وقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ , وقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ . وقد جعل النبي ﷺ إنكار المنكر على ثلاث مراتب إن لم تحصل المرتبتان الأوليتان فلا أقل من الثالثة التي هي أضعف الإيمان, كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ حيث قال ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليُغيِّرهُ بيده, فإن لم يستطع

стр. 656

فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان".

стр. 657

المدلّسون للشيخ حماد الأنصاري المدرس بالجامعة الحلقة الثانية: الباء (ع) بشير بن زاذان: روى عن رشدين بن سعد وغيره, وروى عنه قاسم بن عبد الله السراج, ضعفه الدارقطني وغيره, ووصفه بن الجوزي بالتدليس عن الضعفاء, من الطبقة الخامسة, لم أجد له وفاة. (ب) بشير بن المهاجر الغنوي: من رجال مسلم, كوفي يروي عن الحسن وطبقته, وثقه بن معين وغيره, وقال بن حبان في ثقاته: "روى عن أنس", ولم يره دلس عنه, من الطبقة الثانية من طبقة المدلسين. (ع، ب،س) بقية بن الوليد الحمصي: المحدث المشهور والمكثر, له في مسلم حديث واحد, وكان كثير التدليس عن الضعفاء والمجهولين, وتعافى تدليس التسوية. وقال أبو مسهر: كُن من بقية على تقية؛ فإن أحاديثه غير نقية", توفي سنة ١٩٧هـ من الرابعة. (ب) بكير بن سليمان الكوفي: وهو تليد بن سليمان الآتي في التاء بعده, قال فيه أحمد بن صالح العجلي:"كان يدلس", من الخامسة. التاء (ب، ع) تليد بن سليمان بالمثناة فوق اللام على وزن عظيم, وهو تليد بن سليمان المحاربي الكوفي: رافضي مشهور بالضعف, وهو الذي قبله, قال الحافظ: "وهم فيه العلائي وتبعه العراقي والبرهان الحلبي فذكروه ترجمتين ونسبوه للعجلي, إحداهما هكذا والأخرى بكير بالوحدة وهذا خلط وتصحيف فاحش؛ فإن بكير بن سليمان غير موجود في الكتب, بل هو تليد بفتح ثم كسر ثم تحتانية ساكنة: رافضي خبيث, قال صالح جزره: كانوا يسمونه بليدا بالموحدة مات سنة ٩٠هـ من الطبقة الخامسة". الثاء

стр. 658

(ب) ثور بن يزيد الكلاعي: أبو خالد الحمصي أحد الحفاظ الأثبات العلماء, عن خالد بن معدان وغيره, وعنه الثوري, ثقة ثبت, قال بن المبارك: "سألت سفيان عن الأخذ عن الثور؟ فقال: خذوا عنه واتقوا قرنيه", قال أبو داود في سننه في باب مسح الخفين: "بلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء - يعني بن حيوة –", وقد تقدم كلام الشافعي في مثل هذا, توفي سنة ١٥٣ هـ من الطبقة الأولى. الجيم (ب) جابر بن يزيد الجعفي: أحد كبار علماء الشيعة, عن الشعبي وغيره, قال أبو نعيم: "قال الثوري: "كل ما قال فيه جابر: سمعت أو حدثنا فاشدد يديك به, وما كان سوى ذلك فتوقه", وقال النسائي: "متروك", له في سنن أبي داود فرد حديث..من الطبقة الخامسة توفي سنة ١٢٨هـ. (ع) جبير بن نفير الحضرمي: أبو عبد الرحمن الشامي, مخضرم أسلم في زمن أبو بكر الصديق, عن عبادة وعيينة, وثقه أبو حاتم, وقال ابن عبد الهادي الإمام شمس الدين الحنبلي في طبقات الحفاظ: "لم يخرج له البخاري؛ لأنه ربما دلس عن قدماء الصحابة", من الطبقة الثانية توفي سنة ٧٥٢ هـ وقيل سنة ٨٥هـ. (ع) جرير بن حازم الأزدي: وصفه بالتدليس يحي الحماني في حديثه عن أبي حازم عن سهل بن سعد في صفة صلاة النبي ﷺ , من الطبقة الأولى مات سنة ١٧٠ هـ بعد أن اختلط، ولكنه لم يحدث في حال اختلاطه. الحاء (ع ب) حبيب بن أبي ثابت: من ثقات التابعين, يروي عن ابن عمر وابن عباس, تكلم فيه بن عون, وغاية ما قال فيه: "كان أعور", وهذا وصف لا جرح, مشهور بكثرة التدليس, وصفه ابن خزيمة والدارقطني وغيرهما. ونقل أبو بكر بن عياش عن الأعمش عنه أنه كان يقول: "لو أن رجل حدثني عنك ما باليت أن أرويه عنك"يعني وأسقطته من الوسط, من الطبقة الثالثة من طبقات المدلسين, توفي سنة ١١٩هـ, وقيل غير ذلك.

стр. 659

(ع ب) حجاج بن أرطاة الكوفي المشهور: أخرج له مسلم مقرونا بغيره, وصفه النسائي وابن معين بالتدليس عن الضعفاء, وممن أطلق عليه التدليس ابن المبارك ويحي القطان وأحمد, قال أبو حاتم: "إذا قال: حدثنا فهو صالح لا يرتاب في حفظه وصدقه وليس بالقوي", من الرابعة توفي سنة ١٤٧هـ. (ع) الحسن بن علي بن محمد: أبو علي بن المذهب بضم الميم وكسر الهاء التميمي البغدادي الواعظ رواية المسند عن القطيعي, قال الخطيب: روى عن القطيعي حديث لم يسمعه منه, وقال الذهبي: "لعله استجاز روايته بالإجازة والوجادة". قال الخطيب: "وحدثني عن أبي عمرو بن مهدي بحديث فقلت:لم يكن هذا عند بن المهدي فضرب عليه". قال الخطيب: وكان سماعه صحيحا في المسند إلا في أجزاء منه ألحق اسمه فيها", وتعقبه ابن نقطة بأنه لم يحدث بمسندي فضالة بن عبيد وعوف بن مالك, وبقطعة من مسند جابر, فلو كان يلحق اسمه لألحقه في الجميع, ولعل ما ذكر الخطيب أنه ألحقه كان يعرف أنه سمعه أو رواه بالإجازة. من الطبقة الثانية توفي سنة ٤٤٤ هـ. (ع ب) الحسن بن أبي الحسن البصري: الإمام المشهور, من سادات التابعين, رأى عثمان وسمع خطبته, ورأى عليا ولم يثبت سماعه منه, كان مكثر من الحديث, ويرسل كثيرا عن كل أحد, وصفه بتدليس الإسناد النسائي وغيره, قال بن معين وغيره: "لم يسمع الحسن من سمرة غير حديث العقيقة"وقال البخاري: "قد سمع منه أحاديث كثيرة", وصح سماعه من سمرة فيما ذكره أبو عيسى الترمذي عن الإمام البخاري. من الثانية ١١٠هـ. (ع ب) الحسن بن ذكوان: مختلف في الاحتجاج به, وله في صحيح البخاري حديث واحد له شواهد, ذكره محمد بن نصر المروزي في حديث عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن حمزة عن علي "نهى عن ثمن الميتة"الحديث, ولهذا قال بن معين في كل ما رواه الحسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت أن بينه وبين حبيب رجل ليس بثقة. من الطبقة الثالثة لم أجد له وفاة.

стр. 660

(ع) الحسن بن عمارة الكوفي الفقيه المشهور أبو محمد: ضعفه الجمهور, وقال ابن حبان: "كان بليته التدليس", ورماه ابن المديني بالوضع. من الخامسة سنة ١٥٣ هـ. (ع ب) الحسن بن مسعود بن الحسن أبو علي بن الوزير الدمشقي, محدث مكثر, مذكور بالحفظ, قال بن عساكر: "كان يدلس عن شيوخه ما لم يسمعه منهم". من الثانية مات سنة ٥٤٣ هـ. (ع) حسان بن يزيد الجعفي: ضعفه الجمهور, ووصفه الثوري والعجلي وابن سعد بالتدليس. من الخامسة, لم أجد له وفاة. (ب) الحسين بن عطاء بن يسار: من أهل المدينة, يروي عن زيد بن أسلم, روى عنه عبد الحميد بن جعفر, "يخطئ ويدلس", قاله ابن حبان في ثقاته. من الخامسة. (ع ب) الحسين بن واقد المروزي: أحد الثقات من أتباع التابعين, وصفه الدارقطني وأبو يعلى الخليلي بالتدليس, من الأولى, توفي سنة ١٥٩هـ. (ع ب) حفص بن غياث الكوفي القاضي: أحد الثقات من أتباع التابعين, وصفه أحمد بن حنبل والدارقطني بالتدليس. من الطبقة الأولى, توفي سنة ١٩٤هـ على الأصح. (ع ب) الحكيم بن عتبة - بمثناة ثم موحدة مصغّر-: تابعي صغير من فقهاء الكوفة مشهور, وصفه النسائي بالتدليس, وحكاه عن السلمي عن الدارقطني. من الثانية, "مات سنة ١١٥هـ"قاله أبو نعيم. (ع ب) حميد الطويل صاحب أنس: مشهور, كثير التدليس عنه, حتى قيل: "إن معظم حديثه عنه بواسطة ثابت وقتادة", وصفه بالتدليس النسائي وغيره, وقد وقع تصريحه عن أنس بالسماع وبالتحديث في أحاديث كثيرة في البخاري وغيره. من الثالثة توفي سنة ١٤٢هـ.

стр. 661

(ع ب) حميد بن الربيع بن مالك بن سحيم: أبو الحسن اللخمي الخزاز, في ترجمته في ميزانه عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة "أنه يدلس", وهو من طبقة عثمان, قال محمد بن عثمان قال أبي: "إني لأعلم الناس بحميد بن الربيع", كان ثقة ولكنه يدلس, وقال الخليلي: "طعنوا عليه في أحاديث تعرف بالقدماء فرواها عن هشيم", قال الحافظ: "وهذا هو التدليس". من الطبقة الرابعة, لم أجد له وفاة. (ع) حماد بن أسامة أبو أسامة الكوفي: من الحفاظ, من أتباع التابعين, مشهور بكنيته, متفق على الاحتجاج به, وصفه بالتدليس القبطي قال:"كان كثير التدليس ثم رجع عنه", وقال بن سعد: "كان كثير الحديث, ويدلس ويبين تدليسه"وقد قال أحمد: "كان صحيح الكتاب ضابط لحديثه", وقال أيضا: "كان ثبتا ما كان أثبته لا يكاد يخطئ". من الثانية, توفي سنة ٢٠١هـ. (ع) حماد بن أبي سليمان: الكوفي, الفقيه المشهور, ذكر الشافعي أن شعبة بحديث عن حماد عن إبراهيم, قال: فقلت لحماد: سمعته من إبراهيم قال: لا،أخبرني به المغيرة بن مقسم عنه. من الثانية, توفي سنة ١٢٠هـ. الخاء (ع ب) خارجة بن مصعب الخراساني: ضعفه الجمهور, قال ابن معين: "كان يدلس عن الكذابين", وفي الجرح والتعديل: "أنه يدلس عن غياث". من الخامسة, توفي سنة ١٦٨هـ. (ع) خالد بن معدان الشامي الثقة المشهور, قال الذهبي: "كان يرسل ويدلس", من الثانية, مات سنة ١٠٣هـ. (ع) خالد بن مهران الحذاء وليس بالحذاء ولكنه كان يجلس عند الحذائين..أحد الأثبات المشهورين, روى عن عراك بن مالك حديثا سمعه من خالد بن أبي الصلت عته في استقبال القبلة في البول, قال بن سعد: "ثقة لم يكن بالحذاء بل كان يجلس إليهم". من الأولى, توفي سنة ١٤٢هـ. الدال والذال: فارغتان وكذلك الراء الزاي

стр. 662

(ع) زيد بن أسلم العمري مولاهم, روى عن ابن عمر ﵁ في رد السلام بالإشارة, قال عبيد: "قلت لإنسان سله: "أسمعه من ابن عمر؟ ", فسأله فقال: "أما أني فكلمني وكلمته"أخرجه البيهقي. وفي هذا الجواب إشعار بأنه لم يسمع هذا بخصوصه منه مع أنه مكثر عنه فيكون قد دلسه. من الأولى, مات سنة ١٣٦هـ. - يتبع -

стр. 663

الإمام عبد العزيز للشيخ محمد بهجت الأثري هذه قصيدة رائعة كان قد نظمها فضيلة الشيخ محمد بهجت الأثري عند وفاة الملك عبد العزيز ﵀. وفضيلته من كبار علماء العراق وأدبائها, وهو عضو في رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة, وعضو في المجلس الاستشاري للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وبأي لفظ تنطق الشعراء؟ أنّى تفي برثائك البلغاء؟ وخرست لما فاهت الأنباء كبُر النعي عليّ حتى رابني ضاقت بوصف فعالها الفصحاء؟ منعاك، أم منْعى البطولات التي هي في مناحة رزئك البلغاء! إنّ الملاحم والعظائم والتقى وتفجري بالسحر يا (بطحاء) يا (نجد) هاتي الرائعات من الرؤى وتناقلت أنباءه الخضراء وصفا لنا ما دار فوق ثراكما حييت بحسن بلائها الصحراء من واقعات منهضات (يعربا) طلق الأعنة طامح أبّاء أجرى سوابقها إلى غاياتها في الناس ألقاب ولا أسماء (عبد العزيز) .. ولن تزيد جلاله ومضائه , والهادم البنّاء العبقري الفذ في عزماته ما هولته بسحرها النبغاء هذا الذي لقفت نهاه بسحرها فزهت (تهامة) واشمخرّ (حراء) فسل (الجزيرة) كيف هزّ رمامها وحياتها ببياضها سوداء أفنى شبيبته لرد شبابها نسخت سواد العيش فهي ذُكاء حتى أفاء على بنيها أنعما والعود يزهر , والظلام يضاء فإذا الحياة تجيش في جنباتها (عاد) وردت (تغلب) الغلباء عادت إلى الأمم الطليقة حرة ما للحياة مع الخمول وراء

стр. 664

صحب الفلاح الناهضين إلى العلى نسَقاً، وكل درة عصماء يا ابن العظام المالكين تتابعوا المحسنين إذا البغاة أساؤوا الحاملين إذا الغواة تمردوا مات الرجاء, وأخلف الرؤساء الناهضين (بيعرب) من بعد أن والدين آفة روحه الأهواء المنقذين الدين من بدع الهوى وأذاقهم ثكل الحمى الغرماء لما أدال القاسطون زمانهم صغرت لدى عظماته العظماء كنت العِصاميَ العظامي الذي نفس على الدنيا بها إرباء بعثت حفاظك للجدود وللحمى وتلفتت لفعاله الأحياء إن الذي هز الزمان بطولة زمر بَمدرجة الهوى لعباء يفع لبانته العلى, ولداتُه زمر بمدرج ومناه ملك دونه الجوزاء لذاتهم عبث الصبا وفنونه ذل أناخ بآله وشقاء قد ذاق ثكل زواله وأمضّه صدته من أحلامها الغلواء لا النفي كفكف من سطاه ولا الصبا مما يكابد من جوى ويساء حرّان..حاربه الفراش مؤرّق بكريمتيه، وساءه الإنضاء كالصقر فوق المربأ العالي..رنا تدني البعيد الهمّةُ القعساء أين (الرياض) من (الكويت) ؟ وإنما تطويه في لهواتها الصحراء! لله سار في الدياجر سارب عن عزمه حد له ومضاء كالسيف سال من القِراب وما انثنى حتى دهته الطعنة النجلاء عجلاّ إلى (عجلان) .. لم يشعر به والحر يثأر, والدماء بواء بيديك يا (عبد العزيز) أذيقها بك أمة, وتسامت الأملاء يا طعنة طاحت بفرد, قد علت وعلت لمجدك راية شماء حتى جرى الفتح المبين إلى المدى يمن النقيبة همة ودهاء

стр. 665

والفتح بشرّ بالفتوح, وأيدت ومعيد سيرة ما بنى الآباء يا باعث التاريخ من أجداثه منها بما تتماثل السيماء ذهبت عصور المعجزات, فجئتنا تتألق الدنيا به وسناء لك من بناء الدولة الكبرى سنا ئط ملكها, والفضل والإسناء الدين أُسُّ بنائها, والعقل حا منها, وما يتعجب البسلاء خمسون قد حفلت بما أعيا الورى عجباً, وتزهى (يعرب العرباء) تتخايل الأبناء من سيمائها يحكي سناها عهدك الوضّاء ذكرت عهود الراشدين, وإنما أسطورة هرفت بها القدماء لكأنّ ما يروي لنا من أمنه فيه, وصاحبت الذئاب الشاء فلقد تمتعت العيون من الكرى وعلاه من قسمتها لألاء ومشت عليه من الحياة بشاشة شعّ الرواء به وشفّ الماء كاللؤلؤ اللماح..كيف نظرته ند, وأين لمثله النظراء؟ يا راحلاً.. خلت العصورُ, وما له فإذا هم أرض وأنت سماء أعطاك ربك فوق ما أعطى الورى أعطى، وما قسم العباد سواء أعطى, وزادك بسطة في كل ما ذهبٌ كأن فيوضه الدأماء وحباك ملكا سال في جنابته لم يزهه ملك ولا نعماء وكأنك (الفاروق) في أطماره تذهب على الدنيا بك الخيلاء متواضع لله, لم تبطر, ولم وعشِقتَ ما يتعشق الصلحاء عشق الملوك الأبهات وعفتها وتضاءلت في عينها الأشياء وإذا صفت نفس العظيم تكرّمت ما طاله من قلبك الحكماء وسموت بالرأي الأصيل إلى مدى عقل يفيدك كسبه العلماء إن الأصالة في العقول أجل من يُحكى, وموهوب له الآراء شتان بين مقلد يروي الذي

стр. 666

حملته فوق مهادها الغبراء أكبرت في بريدك أكرم ماجد لهواك بين جوانحي إحفاء وحببت فيك العبقرية, فاغتذى ما إن لها أبد الأبيد شفاء أبقى مماتك في حشاي جراحة والدين والأخلاق والحنفاء فإذا بكيت فالعلى تبكي معي بكم عن الملك العظيم عزاء أبني السعود الأكرمين بني العلى حقاً على ميراثه الأمناء فيكم مشابهة, وأنتم بعده زاكٍ, وتحت بنودكم وضاء شرف (العروبة) في ظلال سيوفكم

стр. 667

بماذا نسمي الحاكم العبيدي؟ رمضان أبو العز في ذكرى أعظم ليلة أهلت على الوجود, ليلة القدر العظمى في ليلة السابع والعشرين من رمضان الماضي, فتحت المذياع لأرى ما شأن المسلمين, وكيف يواجهون الأحداث, وبوجه أخص بعد النكبة النكباء التي ألمت بهم, فسمعت احتفالا أقيم في مسجد من أكبر مساجد الشرق الأوسط فماذا سمعت؟ وفد على المسجد الآلاف تتلوها الآلاف يهيأ إليك من احتكاك أقدامهم وانتشار همسات أصواتهم أن العدد قارب المليون, ولا بد أنّ الأضواء كانت لألأة أخاذة, وبعد قليل حضر جوهر الحفلة ولوائها, وهو مقرئ شهير فاستهل التلاوة بقوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ , برزانة وتؤدة, فلم يكن هناك إنصات ولا استماع, ثم عدَّل المقرئ طريقته, وابتدأ التنغيم والتقطيع على مقاطع الغناء, فعلت أصوات الاستحسان الصاخبة من كل جانب (الله، الله يا سي الشيخ) ثم إذا صوت عال يصيح: (صلي على النبي) مادّاً في الياء, علامة على الطرب, فاستجاب المقرئ, فكان يعيد الآيات التي نالت الاستحسان أربع مرات أو تزيد, علمت أن القوم إنما جاءوا ليستمعوا إلى حفلة طرب وغناء, والذي أكد هذا المعنى أنّ المقرئ حين وصل إلى قوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا﴾ وقف المقرئ على ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ , فإذا الآلاف المؤلفة تصرخ دفعة واحدة الله، الله أعد! .. وهكذا فعلوا بعد آيات العذاب..

стр. 668

أغلقت المذياع, وقلت لنفسي: يا حسرة على المسلمين, إن هذه الآيات التي تفتت الأكباد وتدر الدمع منهمرا لم يبق لها من أثر لديهم إلا التطريب والتنغيم, تأملت قليلا فعلمت أن الذي سنّ هذه الحفلات في العالم الإسلامي ابتداء إنما هم الذين سموا أنفسهم (بالفاطميين) , وما هم إلا العبيديون, وينسبون إلى خليفتهم الأول (عبيد الله بن ميمون القداح) . ومن أعجب الظواهر التي برزت في عصرنا الحاضر محاولة التهوين من الجرائم الكبرى, وإن شئت فقل: محاولة العطف على الجريمة, فمن ذلك المطالبة المستمرة بإلغاء عقوبة القتل, حتى عن القتلة الذين أزهقوا عشرات الأنفس البريئة, ووصلت الدناءة عندهم إلى عدم اعتبار اللواط جريمة, والعياذ بالله. وإن دلت هذه الظاهرة على شيء إنما تدل على سريان الانحراف, وفشو المرض في القلوب, وقديما قيل: "النقص يهوى النقص". فمن هذا القبيل ما صدر عن الدولة العبيدية بوجه عام, وعن خليفتها السادس الحاكم بأمر الله, وبوجه أخص من هدم وتمرد على الله, لقد أصدر هذا الحاكم أوامره بتحويل الليل إلى نهار, والنهار إلى ليل, فأمر بقفل الحوانيت نهارا وفتحها ليلا, ومما روي في هذا الصدد أنه مر على صانع يعمل في حانوته نهارا, فلما سأله عن سبب مخالفته الأمر أجاب الصانع: "أنا لست في نوبة عمل الرسمية, وإنما كثرت أشغالي, فأنا في نوبة السهر, والسهر لا يكون إلا نهارا". كما حرَّم على الناس أكل الزيت والعسل والملوخية, ومن ذلك أتت تسميتها (ملوكية) , ثم قلبت الكاف خاء. وقد ذهب كتّاب التاريخ في أمر الحاكم مذاهب شتى؛ فقال بعضهم: "إنّ ما صدر عنه مجرد شذوذ", وقال الزميل علي أحمد باكثير: "إنها مجرد عقدة نفسية لا أكثر ولا أقل", وهذه الأحكام ما صدرت في الحقيقة إلا عن جهل مطبق بواقع الرجل, وواقع أسرته.

стр. 669

وبالرغم من أن فريقا آخر نسبه إلى العته والجنون, إلا أن هذا الفريق ما زال بعيدا عن فهم السر الذي قامت عليه تصرفات الحاكم, وتصرفات أسرته. وفريق ثالث من المؤرخين وقف موقف المدافع عنه, وإذا عرفت أنّ على رأس هذا الفريق الدكتور (فلييب حتى) النصراني حيث يقول عن الحاكم العبيدي: "لقد اتهموه مدونو الأخبار من خصومه بغرابة الأطوار"، إذا عرفت هذا بطل عجبك؛ فأمثال (فلييب حتى) يفرحون بكل عامل فيه هدم للإسلام, ولكن العجب أن يتابع (فلييب حتى) مؤرخ حديث لامع, وهو الدكتور أحمد شلبي حيث يقول - مدافعا عن الحاكم -: "وقد كتب تاريخ الحاكم إثر وفاته, وقد عادت السلطة إلى من اضطهدهم الحاكم, أولئك الذين كان يهمهم أن يبرزوه معتوها أو مجنونا ليصرفوا الناس عن البحث عن قتلته, أو الكشف عما في القضية من أسرار", ولكن الدكتور شلبي إنما تابع في مقالته هذه الدكتور (حتى) جهلا منه بسوء مقصد الدكتور (حتى) , ولذلك قال الدكتور شلبي - في ختام كلمته –: "وقد فطن الدكتور (فلييب حتى) لموقف التاريخ من الحاكم". ولكي نفهم هذا الحاكم العبيدي فهما أعمق يجب أن نرجع بعض الخطوات إلى الوراء. تنسب الدولة العبيدية إلى مؤسسها (عبيد الله بن ميمون القداح) الذي ادعى الانتساب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق من البيت الحسيني, ولقد استطاع عبيد الله أن يؤسس الدولة العبيدية في مكان ما من تونس, سماها (المهدية) في سنة ٢٩٧هـ, وخلفه القائم ثم المنصور فالمعز - الذي انتقل إلى مصر ٣٦٢هـ بعد أن أسس له قائده جوهر للصقلي القاهرة المعزية سنة ٩٦٩م, ولذلك يحاولون إقامة العيد الألفي لتأسيس القاهرة - ثم العزيز ثم الحاكم هذا.

стр. 670

وفرقة الإسماعيلية هم من أعنف الفرق الهدامة في الإسلام, بل وفي العالم بأسره, فهم الذين حرفوا الدين, ونقضوا قواعده, ولما عجزوا عن تحريف القرآن لجأوا إلى تحريف المعنى, فيوسوس لهم الشيطان بفكرة غاية في الخبث واللؤم, تلك أنّ لكل نص ظاهرا وباطنا, فسرح خيالهم اللئيم في أوحال هذا الباطن, حتى ركزوا فيه كل الوثنيات, والخزعبلات, والإلحاديات, ما خطر منها بالبال, وما لم يخطر حتى نقضوا كل العبادات, والفرائض, مثال ذلك: الحلال: هو الواجب إظهاره من عقائدهم.. الحرام: هو الواجب ستره وكتمانه. وعلى هذا الأساس يحرّمون الحلال, ويحلون الحرام. والصلاة عندهم هي صلة الداعي, وموالاة الإمام. وأما الزكاة فليست إلا إيصال الحكمة إلى مستحق, وبناءا على هذا يبطلون الصلاة والزكاة, بل وجميع الفرائض, فالصيام عندهم ليس سوى الإمساك عن إفشاء سر الإمام, وأما الحج فليس إلا القصد إلى صحبة الأئمة والسادة. والظلم عندهم وضع الإمام في غير آل محمد ﷺ , والجبت عندهم هو أبو بكر الصديق, والطاغوت هو عمر ﵄, وبرّأهما من وصفهم اللعين. ودليلهم في إسقاط العبادات قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ , واليقين عندهم: هو المعرفة التامة بعلم التأويل والباطن, وعندهم تسقط العبادة ويسقط التكليف قبحهم الله. ثم تطرقوا إلى ذي الجلال سبحانه فقالوا: إنّ الله - سبحانه وتعالى عما يصفون - إنما هو تأويل الكلمة, أما النبوة عندهم فليست سوى تنصيب المرشد, والدليل والباب, وهي وظائف احتكروها هم بزعمهم. أما القيامة فليست عندهم سوى قيام الشرائع بظهور صاحب الزمان..الخ. من ذلك يتضح مدى إيغالهم في التخطيط للهدم عن طريق هذا الباطن الخبيث ...
следующие страницы →