Полный текст (23 804 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
حملته فوق مهادها الغبراء
أكبرت في بريدك أكرم ماجد
لهواك بين جوانحي إحفاء
وحببت فيك العبقرية, فاغتذى
ما إن لها أبد الأبيد شفاء
أبقى مماتك في حشاي جراحة
والدين والأخلاق والحنفاء
فإذا بكيت فالعلى تبكي معي
بكم عن الملك العظيم عزاء
أبني السعود الأكرمين بني العلى
حقاً على ميراثه الأمناء
فيكم مشابهة, وأنتم بعده
زاكٍ, وتحت بنودكم وضاء
شرف (العروبة) في ظلال سيوفكم
стр. 667
بماذا نسمي الحاكم العبيدي؟
رمضان أبو العز
في ذكرى أعظم ليلة أهلت على الوجود, ليلة القدر العظمى في ليلة السابع والعشرين من رمضان الماضي, فتحت المذياع لأرى ما شأن المسلمين, وكيف يواجهون الأحداث, وبوجه أخص بعد النكبة النكباء التي ألمت بهم, فسمعت احتفالا أقيم في مسجد من أكبر مساجد الشرق الأوسط فماذا سمعت؟
وفد على المسجد الآلاف تتلوها الآلاف يهيأ إليك من احتكاك أقدامهم وانتشار همسات أصواتهم أن العدد قارب المليون, ولا بد أنّ الأضواء كانت لألأة أخاذة, وبعد قليل حضر جوهر الحفلة ولوائها, وهو مقرئ شهير فاستهل التلاوة بقوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ , برزانة وتؤدة, فلم يكن هناك إنصات ولا استماع, ثم عدَّل المقرئ طريقته, وابتدأ التنغيم والتقطيع على مقاطع الغناء, فعلت أصوات الاستحسان الصاخبة من كل جانب (الله، الله يا سي الشيخ) ثم إذا صوت عال يصيح: (صلي على النبي) مادّاً في الياء, علامة على الطرب, فاستجاب المقرئ, فكان يعيد الآيات التي نالت الاستحسان أربع مرات أو تزيد, علمت أن القوم إنما جاءوا ليستمعوا إلى حفلة طرب وغناء, والذي أكد هذا المعنى أنّ المقرئ حين وصل إلى قوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا﴾ وقف المقرئ على ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ , فإذا الآلاف المؤلفة تصرخ دفعة واحدة الله، الله أعد! .. وهكذا فعلوا بعد آيات العذاب..
стр. 668
أغلقت المذياع, وقلت لنفسي: يا حسرة على المسلمين, إن هذه الآيات التي تفتت الأكباد وتدر الدمع منهمرا لم يبق لها من أثر لديهم إلا التطريب والتنغيم, تأملت قليلا فعلمت أن الذي سنّ هذه الحفلات في العالم الإسلامي ابتداء إنما هم الذين سموا أنفسهم (بالفاطميين) , وما هم إلا العبيديون, وينسبون إلى خليفتهم الأول (عبيد الله بن ميمون القداح) .
ومن أعجب الظواهر التي برزت في عصرنا الحاضر محاولة التهوين من الجرائم الكبرى, وإن شئت فقل: محاولة العطف على الجريمة, فمن ذلك المطالبة المستمرة بإلغاء عقوبة القتل, حتى عن القتلة الذين أزهقوا عشرات الأنفس البريئة, ووصلت الدناءة عندهم إلى عدم اعتبار اللواط جريمة, والعياذ بالله.
وإن دلت هذه الظاهرة على شيء إنما تدل على سريان الانحراف, وفشو المرض في القلوب, وقديما قيل: "النقص يهوى النقص".
فمن هذا القبيل ما صدر عن الدولة العبيدية بوجه عام, وعن خليفتها السادس الحاكم بأمر الله, وبوجه أخص من هدم وتمرد على الله, لقد أصدر هذا الحاكم أوامره بتحويل الليل إلى نهار, والنهار إلى ليل, فأمر بقفل الحوانيت نهارا وفتحها ليلا, ومما روي في هذا الصدد أنه مر على صانع يعمل في حانوته نهارا, فلما سأله عن سبب مخالفته الأمر أجاب الصانع: "أنا لست في نوبة عمل الرسمية, وإنما كثرت أشغالي, فأنا في نوبة السهر, والسهر لا يكون إلا نهارا".
كما حرَّم على الناس أكل الزيت والعسل والملوخية, ومن ذلك أتت تسميتها (ملوكية) , ثم قلبت الكاف خاء.
وقد ذهب كتّاب التاريخ في أمر الحاكم مذاهب شتى؛ فقال بعضهم: "إنّ ما صدر عنه مجرد شذوذ", وقال الزميل علي أحمد باكثير: "إنها مجرد عقدة نفسية لا أكثر ولا أقل", وهذه الأحكام ما صدرت في الحقيقة إلا عن جهل مطبق بواقع الرجل, وواقع أسرته.
стр. 669
وبالرغم من أن فريقا آخر نسبه إلى العته والجنون, إلا أن هذا الفريق ما زال بعيدا عن فهم السر الذي قامت عليه تصرفات الحاكم, وتصرفات أسرته.
وفريق ثالث من المؤرخين وقف موقف المدافع عنه, وإذا عرفت أنّ على رأس هذا الفريق الدكتور (فلييب حتى) النصراني حيث يقول عن الحاكم العبيدي: "لقد اتهموه مدونو الأخبار من خصومه بغرابة الأطوار"، إذا عرفت هذا بطل عجبك؛ فأمثال (فلييب حتى) يفرحون بكل عامل فيه هدم للإسلام, ولكن العجب أن يتابع (فلييب حتى) مؤرخ حديث لامع, وهو الدكتور أحمد شلبي حيث يقول - مدافعا عن الحاكم -: "وقد كتب تاريخ الحاكم إثر وفاته, وقد عادت السلطة إلى من اضطهدهم الحاكم, أولئك الذين كان يهمهم أن يبرزوه معتوها أو مجنونا ليصرفوا الناس عن البحث عن قتلته, أو الكشف عما في القضية من أسرار", ولكن الدكتور شلبي إنما تابع في مقالته هذه الدكتور (حتى) جهلا منه بسوء مقصد الدكتور (حتى) , ولذلك قال الدكتور شلبي - في ختام كلمته –: "وقد فطن الدكتور (فلييب حتى) لموقف التاريخ من الحاكم".
ولكي نفهم هذا الحاكم العبيدي فهما أعمق يجب أن نرجع بعض الخطوات إلى الوراء.
تنسب الدولة العبيدية إلى مؤسسها (عبيد الله بن ميمون القداح) الذي ادعى الانتساب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق من البيت الحسيني, ولقد استطاع عبيد الله أن يؤسس الدولة العبيدية في مكان ما من تونس, سماها (المهدية) في سنة ٢٩٧هـ, وخلفه القائم ثم المنصور فالمعز - الذي انتقل إلى مصر ٣٦٢هـ بعد أن أسس له قائده جوهر للصقلي القاهرة المعزية سنة ٩٦٩م, ولذلك يحاولون إقامة العيد الألفي لتأسيس القاهرة - ثم العزيز ثم الحاكم هذا.
стр. 670
وفرقة الإسماعيلية هم من أعنف الفرق الهدامة في الإسلام, بل وفي العالم بأسره, فهم الذين حرفوا الدين, ونقضوا قواعده, ولما عجزوا عن تحريف القرآن لجأوا إلى تحريف المعنى, فيوسوس لهم الشيطان بفكرة غاية في الخبث واللؤم, تلك أنّ لكل نص ظاهرا وباطنا, فسرح خيالهم اللئيم في أوحال هذا الباطن, حتى ركزوا فيه كل الوثنيات, والخزعبلات, والإلحاديات, ما خطر منها بالبال, وما لم يخطر حتى نقضوا كل العبادات, والفرائض, مثال ذلك:
الحلال: هو الواجب إظهاره من عقائدهم..
الحرام: هو الواجب ستره وكتمانه.
وعلى هذا الأساس يحرّمون الحلال, ويحلون الحرام. والصلاة عندهم هي صلة الداعي, وموالاة الإمام. وأما الزكاة فليست إلا إيصال الحكمة إلى مستحق, وبناءا على هذا يبطلون الصلاة والزكاة, بل وجميع الفرائض, فالصيام عندهم ليس سوى الإمساك عن إفشاء سر الإمام, وأما الحج فليس إلا القصد إلى صحبة الأئمة والسادة.
والظلم عندهم وضع الإمام في غير آل محمد ﷺ , والجبت عندهم هو أبو بكر الصديق, والطاغوت هو عمر ﵄, وبرّأهما من وصفهم اللعين.
ودليلهم في إسقاط العبادات قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ , واليقين عندهم: هو المعرفة التامة بعلم التأويل والباطن, وعندهم تسقط العبادة ويسقط التكليف قبحهم الله.
ثم تطرقوا إلى ذي الجلال سبحانه فقالوا: إنّ الله - سبحانه وتعالى عما يصفون - إنما هو تأويل الكلمة, أما النبوة عندهم فليست سوى تنصيب المرشد, والدليل والباب, وهي وظائف احتكروها هم بزعمهم.
أما القيامة فليست عندهم سوى قيام الشرائع بظهور صاحب الزمان..الخ.
من ذلك يتضح مدى إيغالهم في التخطيط للهدم عن طريق هذا الباطن الخبيث ...
стр. 671
والنظرة العميقة لتاريخ العبيديين تدلنا بوضوح على أنّ نِحلَتَهُم إنما قامت على الهدم والإلحاد, ثم تأليه ملوكهم, من أول عبيد الله إلى آخرهم, غاية ماهنالك أنّ أوائلهم قد اضطروا إلى إخفاء غرضهم السيئ حقبة من الزمن, فأخرّوا إعلان الألوهية إلى أجل حتى لا ينكشف مستورهم, تماما كما يفعل الشيوعيون والإشتراكيون من تقسيم دعوتهم على مراحل ثلاث أو أكثر, حسب الظروف والمُلابَسات.
وبالرغم من هذا التستر ومن إحكامهم كتمان الأمر كانت نواياهم تبدو سافرة, الفينة بعد الفينة, ففي عهد القاسم بن عبيد الله المهدي ثاني خلفائهم أصدر هذا القاسم سنة (٣٢٦) تعليمات بسب الصحابة عامة, والشيخين العظيمين خاصة, فقامت ضده ثورة عارمة قادها أبو زيد مخلد بن كيراد الملقب بـ (صاحب الحمار) , وقد ظلّت مستعرة عشر سنوات, وهلك القاسم وهي قائمة, وقد أخفى ابنه المنصور خبر وفاته حتى لا يتقاعس ضده, ولم يتمكن المنصور من إخمادها إلا بعد عناء كبير.
فعلَّمتهم هذه الثورة أنّ الأوان لم يئن لنشر ترّهاتهم حتى إذا جاء المعزّ وأنشأ القاهرة أوعز إلى شاعره ابن هانئ الأندلسي بالتنويه بتأليههم.
فمن أبياته المشهورة في هذا الصدد:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار
فافعل أنت الواحد القهار
وقد ظن بعض السذّج أنها مجرّد غلو من ابن هانئ, ولكن إذا علمت أنه دأب على هذا الدرب تيقّنت أنه طريق مرسوم, اسمع إليه حين يصف المعزّ بصفات ذي الجلال سبحانه:
ندعوه منتقما عزيزا قادرا
غفار مويقة الذنوب صفوحا
وفي قصيدة أخرى يقول في المعز:
فيا رازقا من كفه نشأ الحيا
وإلا فمن أسرارها نبع البحر
وعنده من هذا القبيل شواهد كثيرة جدا.
وقد ثبّت المعزّ أركان دولته بعد اتخاذ القاهرة عاصمة له, وجاء ابنه العزيز فضمّ إليها الشام والحجاز.
стр. 672
ثم جاء الحاكم بأمر الله ابن العزيز فوجد دولته ثابتة الأركان, عزيزة المنال, فما عليه من بأس لو كشف المستور, وأبرز المخبوء, فهو لم يحرم العمل نهارا والسكون ليلا إلا على اعتبار أنه مدير الكون, فمن حقه أن يجعل الليل نهارا والنهار ليلا, وعلى هذا الأساس حرّم ما حرّم من الطعام والملبس, فهو وحده الذي يحلّ ما يشاء ويحرم ما يشاء, قبّحه الله.
وليس أدلّ على هذا من أنه أمر الناس بالسجود له, ولنستمع الآن إلى أئمة المؤرخين من السلف الذين فطنوا إلى الفاطمية وحقيقة أمر الحاكم:
١- قال فيه الحافظ ابن كثير في الجزء الثاني عشر من البداية والنهاية: "كان جباراً عنيدا وشيطانا مريدا, أخزاه الله", وقال: "كان يروم أن يدّعي الألوهية كما ادّعاها فرعون, فأمر أهل مصر إذ قاموا عند ذكره خرُّوا له سجّداً, حتى إنه ليسجد بسجوده من في الأسواق", ثم ذكر أن العامة بمصر كانوا يكرهونه, ويكتبون له الأوراق بالشتيمة البالغة له ولأسلافه.
٢- ثم انظر إلى ابن الجوزي وما قال فيه: "ثم ازداد ظلم الحاكم حتى عنَّ له أن يدَّعي الربوبية, فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون: يا واحد.. يا أحد.. يا محيي.. يا مميت قبحهم الله جميعا".
٣- أما الإمام السيوطي فقد أسقطهم, وأهمل ذكرهم في كتابه (تاريخ الخلفاء) , وفي ذلك يقول في مقدمة الكتاب: "ولم أورد أحداً من خلفاء العبيدين؛ لأنّ إمامتهم غير صحيحة لأمور؛ منها:
أ - أنهم غير قرشيين, وإنما سمَّتهم بالفاطميين جهلة العوام, وإلاّ فجدهم مجوسي, فقد كان جدُّهم يسمى سعيداً, وكان أبوه يهودياً حدّاداً تشابه.
ب - ومنها أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الإسلام ومنهم من أمر بالسجود له" إلى أن قال: "ومثل هؤلاء لا تصح لهم إمامة".
стр. 673
٤- وقال فيهم القاضي الباقلاني: "وكان المهدي عبيد الله باطنيا خبيثا حريصاً على إزالة ملة الإسلام, أعدم العلماء والفقهاء ليتمكّن من إغواء الخلق, وجاء أولاده على أسلوبه, أباحوا الخمر, والفروج, وأشاعوا الرفض".
٥- وقال الذهبي: "وكان القائم بن المهدي شرّاً من أبيه, زنديقا ملعوناً, وكان العبيديون على ملة الإسلام شرّاً من التتر".
وبعد, فواجبنا أن نسمّيَ الأسماء بمسمياتها, فلا نسمي السم ترياقا, ولا البرص بياضا, ولا الهدم اشتراكية. ولحكمة بالغة نهانا رسول الله ﷺ عن أن نسمي العنب كرماً؛ لأنّ تلك التسمية الجميلة قد تنسحب إلى أم الخبائث (الخمر) , المستخرجة من العنب, فنزينها ونحببها للناس.
ولنقل في مثل الحاكم العبيدي وأسرته ما قاله الأئمة الأعلام, كابن كثير, والذهبي, والسيوطي, والباقلاني, ولا نقتصر على مجرّد الشذوذ, أو العقيدة النفسية, أو الشطط, بل الصراحة في مثل هذه الأقوال حتم لازم.
رمضان أبو العز
سؤال
سأل رجل الأعمش فقال له: إني أخرج من المسجد فتعلق الحصاة منه في ثوبي فكيف أفعل؟ فقال الأعمش: "ألقها في الطريق"فقال: "ولكنّهم زعموا أنها تصيح حتى تردّ إلى المسجد"فقال: "دعها تصيح حتى ينشق حلقها", قال الرجل: أولها حلق؟ فقال: "وكيف تصيح إذن".
стр. 674
حقيقة الجهاد وأطواره
للشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس بالجامعة
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعهد بنصرة أوليائه وفي ذلك يقول:﴾ وإنّ جندنا لهم الغالبون ﴿, وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله القائل: "إن الجنة تحت ضلال السيوف", صلى الله وسلم وبارك عليه, وعلى آله وصحبه الموصوفين في محكم الكتاب بأنهم﴾ أشداءُ على الكفار رُحماءُ بينهم ﴿, سلكنا الله وإياكم في حزبهم, وهدانا لسلوك دربهم وسبيلهم أما بعد:
стр. 675
فإن فريضة من فرائض الإسلام لم تتعرض لما تعرض له الجهاد من طعن أعداء الإسلام فيه، والتشويش عليه، وجعل ذلك سبيلاً للوصول إلى غمز الدين كله، حتى صاروا يوهمون الجاهلين بأن الإسلام لم ينتشر إلا بالسيف، وأنه لو كان حقاً من عند الله لاعتمد على الحجة والبرهان، لا على السيف والسنان، ولم يقف أعداء الإسلام عند ذلك فحسب، بل استطاعوا أن يوجدوا من أبناء المسلمين من يحمل راية الحرب على الجهاد, إما بإبطاله أصلاً, كما فعل الملحد الضال غلام أحمد القادياني والقاديانيون، فقد بذل هذا المارق كل جهده في محاربة فريضة الجهاد في الإسلام، فبعد أن أعلن عام (١٩٠٢م) أنه نبي مرسل, وأصدر رسالة سماها (تحفة الندوة) قال فيها: "فكلما ذكرت مراراً أن هذا الكلام الذي أتلوه هو كلام الله بطريق القطع واليقين كالقرآن والتوراة، وأنا نبي ظلي وبروزي من أنبياء الله، وتجب على كل مسلم إطاعتي في الأمور الدينية, ويجب على كل مسلم أن يؤمن بأني المسيح الموعود, وكل من بلغته دعوتي فلم يحكمني, ولم يؤمن بأني المسيح الموعود, ولم يؤمن بأن الوحي الذي ينزل عليّ من الله, مسئولٌ ومحاسبٌ في السماء -وإن كان مسلماً-؛ لأنه قد رفض الأمر الذي وجب عليه"، ثم يقول: "وقد شهد لي القرآن وشهد لي الرسول وقد عين الأنبياء زمان بعثتي.."، ثم ادعى أنه نسخ الجهاد الذي شرع الإسلام, وأن الواجب على كل مسلم أن يسالم الإنجليز، وألف لذلك كتاباً سماه (ترياق القلوب) يقول في (ص: ١٥) منه: "لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها, وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولى الأمر الإنجليز من الكتب والإعلانات والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة، وقد نشرت جميع هذه الكتب في البلاد العربية ومصر والشام وتركيا، وكان هدفي دائماً أن يصبح المسلمون مخلصين لهذه الحكومة, وتمحى من قلوبهم قصص المهدي السفاك، والمسيح السفاح, والأحكام التي تبعث فيهم عاطفة
стр. 676
الجهاد, وتفسد قلوب الحمقى".
ويقول في رسالة قدمها إلى نائب حاكم المقاطعة: "لقد ظللت منذ حداثة سني وقد ناهزت اليوم الستين أجاهد بلساني وقلمي لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية, والنصح لها, والعطف عليها, وألغي فكرة الجهاد التي يدين بها بعض جهالهم, والتي تمنعهم من الإخلاص لهذه الحكومة". وقد بذلت الحكومة الإنجليزية كل مستطاع لإنجاح هذه الدعوة, وأغدقت على دعاتها الأموال الطائلة والمناصب الرفيعة.
ولم يقف أعداء الإسلام في محاربة دعوة الجهاد إلى هذا الحد، بل صاروا يساعدون على نشر أفكار أخرى, منها أن الجهاد في الإسلام ليس من أجل الإسلام، وإنما هو لمجرد الدفاع عن النفس فقط، وقد لقيت هذه الفكرة نجاحاً في أوساط المثقفين من المسلمين بالثقافة الأجنبية حتى رسخت في قلوب عامة المفكرين تقريباً في هذا العصر الحاضر، فصاروا دعاة لها، ونسي هؤلاء أو تناسوا أن الدفاع أمر طبيعي لا ديني، فالحيوانات بل حتى الجمادات والنباتات قد خلقت في الكثير منها خاصية الدفاع ضد أعدائها كما هو معروف في علم النبات، وعلم الحيوان، وسنحاول هنا الإشارة إلى طبيعة الجهاد عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وهم الذين يحملون الراية ضد الجهاد في الإسلام, ويشيعون ويذيعون أن الإسلام لم ينتشر إلا بالسيف, ناسين أو متناسين أو جاهلين ما عندهم في التوراة والإنجيل، وناسين أو متناسين أو جاهلين كذلك أن جنوب شرق آسيا يعيش فيه الآن أكثر من مائة وخمسين مليون من المسلمين, منهم حوالي مائة مليون في أندونيسيالم يذهب إليهم جندي واحد من جيش المسلمين، بل دخلوا في دين الله أفواجاً من تلقاء أنفسهم لما ظهر لهم أنه الدين القيم، كما سنحاول كذلك الإشارة إلى أطوار الجهاد في الإسلام، إن شاء الله.
تعريف الجهاد:
الجهاد في لغة العرب معناه المشقة، يقال: جهدت أي بلغت المشقة.
стр. 677
أما تعريفه شرعاً فهو بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضاً على مجاهدة النفس والشيطان والفساق قال الحافظ في الفتح: "فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على تعليمها, وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات, وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب, وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب، وأعلى أنواع الجهاد هو الجهاد بالنفس على حد قول الشاعر:
يجود بالنفس أن ظن البخيل به
والجود بالنفس أسمى غاية الجود
تاريخه:
والجهاد مشروع في الأصل في جميع الديانات السماوية، يشير إلى ذلك قوله ﵎: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .
стр. 678
وكذلك قوله في شأن موسى ﷺ :﴾ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ, قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ, قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ, قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ, قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ .
стр. 679
وكقوله :﴾ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿.
طبيعة الجهاد في الأديان السابقة:
وكان الجهاد في الأديان السابقة يتسم بالعنف على العدو، فيوجب تحريق بلده وإبادته وقتل النساء والأطفال والشيوخ المسنين، ولا يبيح الأسرى إلا لأمد قصير، وإليكم نصوصاً من التوراة والإنجيل أو بتعبير آخر: من العهد القديم والعهد الجديد.
ففي سفر يشوع (الإصحاح السادس) بعد أن ذكر قصة محاصرة يشوع وبني إسرائيل لأريحا, وتواعدهم أن يهجموا على المدينة عند الهتاف وضرب الأبواق، جاء فيه: "٢٠ فهتف الشعب وضربوا الأبواق, وكان حين سمع الشعب صوت البوق أن الشعب هتف هتافاً عظيماً فسقط السور في مكانه, وصعد الشعب إلى المدينة كل رجل مع وجهه, وأخذوا المدينة. ٢١ وحرموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف".
стр. 680
ثم يقول السفر:"٢٤ وأحرقوا المدينة بالنار مع كل مابها: إنما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها في خزانة بيت الرب يسوع".
وفي الإصحاح الثامن من يشوع في قصة حربهم لمملكة عاي بعد أريحا يقول:"١ فقال الرب ليشوع: لا تخف ولا ترتعب خذ معك جميع رجال الحرب وقم أصعد إلى عاي, انظر قد دفعت بيدك ملك عاي وشعبه ومدينته وأرضه ٢ فتفعل بعاي وملكها كما فعلت بأريحا وملكها".
ثم يقول في الفقرة ٨ "ويكون عند أخذكم المدينة تضرمون المدينة بالنار، كقول الرب تفعلون, انظروا قد أوصيتكم". ثم يقول: "٢١ ولما رأى يشوع وجميع إسرائيل أن الكمين قد أخذ المدينة وأن دخان المدينة قد صعد انثنوا وضربوا رجال عاي ٢٢ وهؤلاء خرجوا من المدينة للقائهم فكانوا في وسط اسرائيل, هؤلاء من هنا وأولئك من هناك, وضربوهم حتى لم يبق منهم شارد ولا منفلت. ٢٣واما ملك عاي فأمسكوه حيا وتقدموا به إلى يشوع ٢٤ وكان لما انتهى إسرائيل من قتل جميع سكان عاي في الحقل في البرية حيث لحتوهم وسقطوا جميعا بحد السيف حتى فنوا أن جميع إسرائيل رجع إلى عاي وضربوها بحد السيف ٢٥ فكان جميع الذين سقطوا في ذلك اليوم من رجال ونساء اثنى عشر ألفاً جميع أهل عاي". ثم يقول "٢٨ وأحرق يشوع عاي وجعلها تلاًّ أبديا خرابا إلى هذا اليوم. ٢٩وملك عاي علقه على الخشبة إلى وقت المساء, وعند غروب الشمس أمر يشوع فأنزلوا جثته عن الخشبة وطرحوها عند مدخل باب المدينة وأقاموا عليها رجمة حجارة عظيمة إلى هذا اليوم". هذه بعض نصوص العهد القديم.
стр. 681
أما العهد الجديد فبالرغم من أن النصارى يزعمون أنهم دعاة سلام وانهم في سلامهم مستمسكون بالإنجيل الذي يقول: "من ضربك على خدك الأيمن أًدِرْ له خدك الأيسر", فبالرغم من هذه الدعوة التي لا يعرفون تطبيقها عندما يحتلون بعض البلاد أقول: وبالرغم من ذلك فقد جاء في إنجيل متى في الإصحاح العاشر منه:" ٣٤ لا تظنوا أني جئت ألقي سلاما على الأرض, ما جئت لألقي سلاما بل سيفا. ٣٥ فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه, والإبنة ضد أمها, والكنة ضد حماتها. ٣٦ واعداء الإنسان أهل بيته. ٣٧ من أحب أبا أو أما أكثر مني فلا يستحقني, ومن أحب إبنا أو إبنة أكثر مني فلا يستحقني".
وبهذه النصوص يتبين أن غيرنا من المنتسبين للأديان السماوية كانوا في باب السيف أغلظ منا سلوكا, وأشد مناشدة, وليس مثلهم- وهذه نصوصهم- أقول: ليس مثلهم هو الذي يليق به أن يتهم دين الإسلام, فإن عليهم ينطبق قول القائل: "رمتني بدائها وانسلت", مع أن ما ذكرنا من نصوص كتبهم قد يؤيده القرآن في مثل قوله تعالى مشيرا إلى الأديان السماوية السابقة: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْض﴾ .
أما الذين لا ينتسبون إلى دين سماوي كالشيوعيين وأشباههم فإنهم لا يتورعون عن قتال أوليائهم وأهل مذهبهم, فضلا عن أعدائهم إذا اشتموا منهم ريحا إنفصالية عنهم, كما فعل الروس وحلفاء (وارسو) في تشيكوسلوفاكيا.
الجهاد في الإسلام:
стр. 682
بعث رسول الله ﷺ وله أربعون سنة وستة أشهر وثمانية أيام كما قيل, فمكث بمكة يدعو إلى الله ﵎ ثلاث عشرة سنة, ويلقى من عنت قريش وأذاهم له ولأصحابه الشيء الكثير, وهم صابرون محتسبون, كلما اشتد بهم الاذى ونزل بهم الكرب من أعدائهم صبرهم رسول الله ﷺ واستمعوا أو تلوا نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فيهون عليهم ما يلقون في جنب الله, وكان الرسول ﷺ يوافي الموسم كل عام, ويتبع الحجاج في منازلهم, وياتي عكاظ وغيرها من أسواق العرب يدعوا إلى الله , حتى وفق الله جماعة من الخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود يثرب أن نبيا يبعث في هذا الزمان فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد, فلما رأى هؤلاء رسول الله ﷺ يدعوا الناس إلى الله, وتأملوا أحواله, قال بعضهم لبعض: "تعلمون والله ياقوم أن هذا الذي توعدكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه", فاجتمعوا برسول الله ﷺ وأسلموا وكانوا ستة, ثم رجعوا إلى المدينة ودعوا فيها إلى الإسلام فانتشر الإسلام فيها بين الاوس والخزرج, ثم حج من العام الذي يليه اثنا عشر رجلا, منهماثنان من الاوس, والباقي من الخزرج, فاجتمعوا برسول الله ﷺ وبايعوه بيعة العقبة الأولى, ثم جاءه في العام الذي يليه أكثر من سبعين شخصا من المدينة, فاجتمعوا به عند العقبة كذلك, وبايعوه على ان يمنعوه مما يمنعون نسائهم وأبنائهم وكانوا سبعين رجلا وامرأتين. ولما علم أهل مكة باجتماع رسول الله ﷺ باهل المدينة خافوا أن ينتقل إليهم رسول الله ﷺ , فعزموا على قتله, واجتمعوا في دار الندوة يتشاورون في أمره على ما حكى الله ﵎ في ذلك حبث يقول: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ
стр. 683
الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ . أمره الله ﵎ بالهجرة إلى المدينة, ولما استقر رسول الله ﷺ في المدينة, وأيده الله بنصره, وألّف بين قلوبهم بعد العداوة ومنعته أنصار الله من الأسود والأحمر رَمَتْهُم العرب واليهود عن قوس واحدة, وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة. والله يامر رسوله والمؤمنين بالكف والصبر والعفو حتى قويت شوكة المؤمنين وأصبحوا كما قال قيس صرمة ﵁:
ثوى في قريش بضع عشر حجة
يذكر لو يلقى حبيب مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه
فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما آتانا واستقر به النوى
وأصبح مسروراً بطيبة راضيا
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم
بعيد ولا يخشى من الناس باغيا
بذلنا له الأموال من جل مالنا
وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم
جميعا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن الله لا رب غيره
وأن كتاب الله أصبح هاديا
وكما قال حسان بن ثابت ﵁:
قومي هم الذين آووا نبيهم
وصدقوه وأهل الأرض كفار
إلا خصائص أقوام هموا تبع
في الصالحين مع الأنصار أنصار
مستبشرين بقسم الله قولهموا
لما أتاهم كريم الأصل مختار
أهلا وسهلا ففي أمن وفي سعة
نعم النبي ونعم القسم والجار
فأنزلوه بدار لا يخاف بها
من كان جارهموا, دار هي الدار
وقاسموه بها الاموال إذ قدموا
مهاجرين وقسم الجاحد النار
أطوار الجهاد ومراحله:
стр. 684
حرّم الله على المسلمين القتال طيلة العهد المكي, ونزل النهي عنه في أكثر من سبعين آية في كتاب الله بمكة, وكانوا يأتون النبي ﷺ ما بين مضروب ومشجوج فيقول لهم: "اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال" حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وقويت شوكة المسلمين, واشتد جناحهم أذن الله لهم في القتال ولم يفرضه لهم فرضا إذ يقول : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ, الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ, الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ , قال بن عباس ﵁ ومجاهد وعروة بن الزبير وقتادة ومقاتل بن حيان: "هذه أول آية نزلت في الجهاد", وقد علّل الله ﵎ هذا الإذن بأنهم ظُلِموا فلم يكن لهم ذنب يقاتلون عليه فيما بينهم وبين الناس إلا أنهم يعبدون الله , وهذا هو الطور الثاني من أطوار الجهاد إذ كان الطور الأول هو تحريمه, وكان هذا الطور الثاني هو الإذن فيه دون الإلزام به.
الطور الثالث من أطوار الجهاد:
стр. 685
وكان الطور الثالث من أطوار الجهاد هو إيجابه لقتال مَن قاتل المسلمين دون من كفّ عنهم بقوله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ونحوها من الآيات, وأمّا قوله ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ , فإنّ جماعة من أهل العلم جعلوها من أدلة هذا الطور من أطوار الجهاد, وهو أن يكون فرضاً لدفاع فقط فلا يقاتل إلا من قاتل فعلا واعتدى على المسلمين ولكن بعض أهل العلم يرى أنها ليست كذلك بل يفسر قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ يعني قاتلوا من من شأنه قتالكم كالرجال الأقوياء المقاتلين أما النساء والصبيان والشيوخ المسنون ونحوهم فإنهم لا يقاتلونهم لأنهم ليسوا من أهل القتال ورغب الإسلام في هذا الطور في الجهاد حتى جعله ذروة سنان الإسلام. وفي هذا الطور ارتفعت راية الإسلام عالية في جزيرة العرب, وألقى الله الرعب في قلوب الكفار, ونصر رسول الله ﷺ بالرعب مسيرة شهر, وتحقق قول القائل:
دعا المصطفى بمكة دهراً لم يجب
وقد لان منه جانب وخطاب
فلمّا دعا والسيف صلت بكفه
له أسلموا واستسلموا وأنابوا
وساق الله تعالى ناسا إلى الجنة بالسلاسل, ونفع الله كثيرا من الخلق رغم أنوفهم على حد قوله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فإنّ العقلاء ينفع فيهم البيان, وأما الجاهلون فدواؤهم السيف والسنان على حد قول الشاعر:
فما هو إلا الوحي أوحد مرهف
تزيل ظباه أخدعى كل مائل
فهذا دواء الداء من كل عاقل
وهذا دواء الداء من كل جاهل
الطور الرابع من أطوار الجهاد:
стр. 686
ثم فرض الله الجهاد لقتال المشركين كافة مع البدء بالأقربين دارا وفي ذلك يقول: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ , وقال : ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ , وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ . وقال عزّ من قائل: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ , وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ , وقال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله, فإن قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقها", وقال ﷺ : "الجهاد ماض إلى يوم القيامة", وأنذر الله ﵎ من ترك الجهاد بأنه يلقي نفسه إلى التهلكة حيث قال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ , فقد روى أبو داود والترمذي والنسائي وعبد بن حميد في تفسيره وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: "حمل رجلٌ من المهاجرين
стр. 687
بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه, ومعنا أبو أيوب الأنصاري ﵁ فقال ناس: "ألقى بيده إلى التهلكة", فقال أبو أيوب: "نحن أعلم بهذه الآية, إنّما نزلت فينا: صحبنا رسول الله ﷺ , وشهدنا معه المشاهد, ونصرناه فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحبباً فقلنا: قد أكرمنا بصحبة نبيه ﷺ ونصره حتى فشا الإسلام, وكثر أهله, وكنّا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد, وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما فنزل فينا ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ , فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال, وترك الجهاد".
стр. 688
وكانت فريضة الله في الجهاد ألاّ يفر مؤمن من عشرة كفار حيث بقول الله عزّوجل: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ , ثم خفّف الله عن المسلمين, وفرض عليهم ألاَّ يفرَّ مؤمن من كافِرَيْنِ, وفي ذلك يقول: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ . على أنَّ الإسلام جعل الفرار يوم الزحف من الموبقات فقد روى البجاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات؟ قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله, والسحر, وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولِّي يوم الزحف, وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". وقد استثنى الله عزّوجل أهل الكتاب؛ فمنع قتالهم إن أدّوا الجزية عن يد وهم صاغرون, كما أمر رسور الله ﷺ بقبول الجزية من مجوس هجر مع بقائهم على دينهم كذلك. وكان رسول الله ﷺ ينهى عن قتال النساء والصبيان, حتى قال مالك والأوزاعي - رحمهما الله -: "لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال حتى لو تترس أهل الحرب بهم". غير أن أكثر أهل العلم يقولون:"إن قاتل واحد من هؤلاء أو تترس به الكفار جاز قتله". وأكثر أهل العلم يفسّرون قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يفسرون قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ
стр. 689
فِي الدِّينِ﴾ : يعني اليهود والتصارى إن أدَّوْا الجزية, وقالوا: إنّ سبب نزولها أن جماعة من الأنصار كان لهم أبناء من يهوديات فأرادوا إكراههم على الدخول في دين الإسلام فأنزل الله هذه الآية. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: "وقد ذهب طائفة من أهل العلم أن هذه الآية محمولة على أهل الكتاب", ثم قال: "وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال, وعلى هذا فالآية إما محكمة محمولة على أهل الكتاب أو هي عامة لكنها منسوخة بآية السيف".
стр. 690
وقد أشار الله ﵎ إلى أنّ السيف من دين النبيين جميعا حيث يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ , كما أشار إلى أن تهيئة المسلمين للقتال وإعدادهم للجهاد من أعظم ما يمكّن لهم في الأرض حيث يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ . وقد أجمل الله ﵎ ثمرة الجهاد في قوله عزوجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ؛ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ, وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
جماعة ربانية
"إنّ من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى, قالوا: "يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام ولا أموال يتعاطَوْنها, فوالله إنّ وجوههم لنور, وإنّهم لعلى نور, لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس". أبوداود.
стр. 691
دروس من معركة أحد
بقلم الأستاذ محمد المجذوب
المدرس في الجامعة الإسلامية
كاد غبار المعركة يحجب شمس الضحى، فهي ترسل أشعتها مصبوغة بلون هذا التراب المتطاير من حوافر الخيول وأخفاف الإبل وأقدام المتحاربين من المشاة، ولو أتيح لك أن تطل من أعلى أحد على ذلك الميدان الرهيب لرأيت ما يملؤك رعباً، ثلاثة آلاف من شباب قريش لا تكاد الدنيا كلها تتسع لغرورهم واعتدادهم واندفاعهم، يحدوهم عطش الثأر لكرامة قد حطمتها في بدر سيوف الفئة المؤمنة من المستضعفين الذين يقودهم محمد ﷺ ، وقد أقسموا بهبل وباللات والعزى ليغسلُنّ عار الهزيمة بدماء هؤلاء المسلمين الذين غرهم دينهم، ثم لا يعودون إلى مكة إلا بعد أن يردوا اعتبارها، فيعرف كل قاص ودان من عرب الجزيرة أن جبروت مكة ما زال في عنفوانه، إذا هو نطامن بعض لحظات حتى يخدع به الطامعون، فما يلبث أن يرجع أشد ما يكون قوة وكبرياء.
ثلاثة آلاف فارس لا تكاد تجد فيهم راجلاً، إلا هؤلاء النسوة الفرشيات، تقودهم هند زوج أبي سفيان خلال صفوف المقاتلين من الوثنيين يشددن من أعصابهم، ويوقدن حميتهم، ليشفوا صدورهن الموتورة بما ثكلت من أبناء وأخوة وآباء في معركة بدر، فكأنّ أناشيدهم ألغام تتفجر في الصدور، فتحيلها براكين من اللظى لا تخمد حتى تلتهم كل شيء!.
وهناك على الجانب المقابل من سفح أحد ترتفع راية الرسول، وقد انتشر حولها المئات السبع من جنوده، في نظام لم تسيء إليه تحركات المعركة، على الرغم من النشاط العجيب الذي يغتلي في جبهة المسلمين.
стр. 692
وكان ظاهراً مدى التفاوت العددي بين الكثرة الكافرة والقلة المؤمنة، ولكن الظاهر أيضاً فرق ما بين الدوافع العاملة هنا وهناك، فما كان المسلمون ليقاتلوا بالسيوف التي في أيديهم وحدها، وإنما كانوا يقاتلون بقوة العقيدة التي في صدورهم، فهم - على قلة عددهم - أشبه بالذرة لا يكاد يحس لها وجود، ولكنها تنطوي من الطاقة على ما يسير الجبال، وينسف المدن، ويصنع المعجزات!.
ولقد خرج الرسول من المدينة بألف محارب، حتى إذا كان في الطريق إلى أحد بصر بكتيبة من اليهود قد أقبلت للانضمام إلى جيشه نصرة لحليفها ابن أبيّ رأس المنافقين في المدينة، ولكن الرسول لم يرض نصرتها وقال: "لا يستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك ما لم يسلموا "..، وعادت كتيبة اليهود، ثم انسحب خلفها منافقوا المدينة بقيادة شيخهم ابن أبيّ هذا، محتجاً بالغضب لكرامة حلفائه!.. وما كان انسحابه في الواقع إلا إضعافاً لعزيمة المسلمين، وإيهاناً لقوتهم..، وهكذا تقلص عدد المحاربين مع الرسول إلى سبعمائة مقاتل..، وكان ذلك باعث تخوف على مصير المسلمين، أن يلقوا بقوتهم القليلة هذه تلك الكثرة الكاثرة من صناديد الوثنية وجباريها!،.. ولكن المؤمنين مع رسول الله ما كانوا ليرتابوا في حكمة قائدهم المعصوم، فهم موقنون أنّ رسول الله ﷺ ما كان ليرفض نصرة اليهود, ويخسر مساعدة المنافقين معهم، إلا إيثاراً لتطهير صفوفهم من عناصر الهزيمة والخيانة..، إنه خائض بالمؤمنين معركة الإسلام ضد الوثنية، وما وراء الوثنية من الظلم والطغيان، والعدوان، وما في الوثنية من حقد على الإنسانية وكفر بالحرية، وتأليب لقوى الشر، فهي إذن حرب الفكرة والعقيدة، فما ينبغي أن يكون في جنودها من لا يفنى وجوده اختياراً في هذه الفكرة وتلك العقيدة..
стр. 693
وهاهي ذي حكمة رسول الله ﷺ تتجلى أبرز من الشمس منذ مطلع المعركة، إنّ هؤلاء المئات السبع ليقتحمون صفوف الآلاف الثلاثة بمثل عصف الإعصار المندفع يمر بالقصب فيقتلعه ويحطمه..، وكما تتماسك أجزاء الإعصار فتكون قوة الهباءة منه هي قوة الإعصار كله..، هكذا الفرد المؤمن من هذه القلة يضرب الضربة فيحس أنه يضربها بسبعمائة سيف، وسبعمائة ذراع، وسبعمائة قلب..، وبهذا وذاك تستحيل الكثرة قلة تافهة، وتتحول القلة كثرة لا نهاية لقوتها..
..وسرعان ما سقط لواء المشركين فوق أشلاء عشرة من حماته بني عبد الدار..، فإذا جنود الكفر ينكشفون عن مواقعهم تحت ضغط الدفقة المؤمنة، وقد ملؤوا الساحة بجثث العشرات من زهرة شبابهم..، ولم يفتهم أن ينظروا - وهم في غمرة الهزيمة - إلى إلهِهِم الموقر يهوي على أم رأسه، وهو الذي حملوه من مكة على أضخم بعير، ليكون لهم عوناً ومسعفاً فإذا هم يغادرونه أحوج ما يكون إلى المعين المسعف..!
وضع الرسول- ﷺ بنفسه خطة المعركة، وأول ما فعله أن وزّع خمسين من مهرة الرماة وراء جيشه في أعلى الشعب من أحد، وألَحّ عليهم بملازمة أماكنهم قائلاً: "احموا ظهورنا.. إن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا.. وإن رأيتمونا نغنم فلا تشاركوننا.."
стр. 694
ثم رتب جيشه في صف منتظم، وتخيّر للمقدمة أفراداً من الذين يوزنون بالمئات، وأمر ألاّ يباشر قتال إلا بإذنه، ولما نشب العراك انطلق المسلمون يعملون في نظام عجيب من توجيه رسول الله ﷺ ، فكأنهم حجر الرحى تدور حول قطبها، فهي تميل يمنة ويسرة، ولكنها لا تنفض عن دائرة القطب، ولعل مرد التماسك في هذا النظام ثقة الجيش جميعاً بحكمة القائد ووجوب الطاعة له، فليس هناك جندي واحد إلا وفي صدره يقين مطلق بأن مصير المعركة يتوقف على مدى انسجام الجنود في إرادة الرسول ﷺ نفسه، ومن هنا كانت قلوبهم متعلقة بإشارته، يديرها في الاتجاه الذي توحي به الحكمة..
وهكذا سارت المعركة في اتجاهها الطبيعي..، وفي غمرة الاندحار الهائل شعر قادة الوثنية بعجز آلهتهم عن الصمود في وجه هذا الدم الجديد الذي دفعه الإسلام في شرايين جنوده..، وأدركوا أنهم أمام القوة التي لا تقهر، ولا تثبت لها حمية الجاهلية، مهما تبلغ هذه الحمية من الاستخفاف بالموت..، إنها القوة التي مزّقت صلات العصبيات والمنافع الأرضية لتقيم على أنقاضها وشائج أخرى من قرابة العقيدة..، وبذلك أزالت سلطان الأسر وحواجز الأنساب، لتجعل من الأفراد المتنابذين المتباعدين أسرة واحدة في أخوة جديدة دونها كل روابط الأرض..
أجل لقد كان مستحيلاً لقوة من البشر أن تتماسك في وجه هذا السيل الجارف من القوى التي يحارب بها محمد ﷺ ..، اللهم إلا أن تنقلب هذه القوى على نفسها فيحطم بعضها بعضاً..، وهيهات..، ما دام زمام هذه النفوس الجديدة في يد هذا القائد الجديد..
ولكن لا..، لقد حدث ما لم يكن في الحسبان، وهاهي ذي قوة محمد ﷺ يتسرب إليها الخلل فجأة، كما يداهم محرك القلعة الطائرة، فإذا هي تهوي عن عرشها السماوي إلى القرار السحيق!..
стр. 695
إن النفوس التي كانت إلى ساعة خلت تقاتل بأمر ربها، لإعلاء كلمته والدفاع عن رسالته، قد جذبت الدنيا أعنتها، فإذا هي تنصرف عن مطاردة العدو لتشغل بجمع الغنائم، فهيأت له بذلك فرصة الاستجمام، ثم أناحت له مجال العمل لتجميع فلوله..
ورأى خالد بن الوليد، وهو قائد ميمنة المشركين، ما عرض لجنود محمد ﷺ من التشاغل، وكان يرصد الأمر عن كثب، يترقب ظهور مناسبة تمكنه من نجدة قومه، فإذا هو يدور من رواء الشعب ليفاجئ رماة المسلمين، وقد اختلفوا فيما بينهم، واندفع أكثرهم إلى معسكر قريش يشركون إخوانهم في الغنائم، فلم يبق منهم في مركز الدفاع إلا دون العشرة من المؤمنين، أبوا أن يفارقوا المكان الذي أمرهم رسول الله بالتزامه مهما تكن النتائج!..
ويشد خالد على بقية الرماة فيجليهم.. وينصب من هناك على مؤخرة المسلمين فيبغتهم بما لم يحتسبوا، ويبلغ صياح كتيبة خالد مسامع قريش المهزومة، فإذا هي تريد لتعمل في المسلمين تقتيلاً وتجريحاً!.
وحدث ما لا بد من حدوثه في مثل هذا الخلل المباغت، وإذا المسلمون تزلزل بهم الأرض وتضطرب السبل فلا يدرون أين يذهبون!..
إنهم الساعة يقاتلون بدافع من حب الحياة وحدها، فلا يدرون من يقاتلون وكيف يقاتلون.. فيقتل بعضهم بعضاً وهم لا يعلمون..
стр. 696
وجاءت الطامة الكبرى إذ علت صيحة في الناس تقول: "إن محمداً قد قتل.."، فتنهار أعصاب المسلمين وتمضي أعداد منهم تتخبط لا تدري أين تذهب بها مطاياها أو أقدامها.. وتتدافع قريش إلى ناحية الرسول ﷺ يريد كل مشرك أن يكون له نصيب في قتله أو التمثيل بجثته!..، ويصيح رسول الله ﷺ بفلول المسلمين, وهو صامد في قلب الميدان كجبل أحد نفسه: "إليّ عباد الله.. إليّ عباد الله", وكان بحسب المؤمنين أن يصل صوت محمد ﷺ إلى أسماعهم حتى يثوبوا إلى رشدهم، كما يعود النور إلى المصباح بمجرد اتصال التيار.. وإذا ثلاثون من أبطالهم يعجلون لتلبية النداء, ثم يتحلقون حوله ليترسوا عليه بأجسامهم، فيذيقون قريشاً من لهيب الدفاع ما لم تجد مثله قط حتى في دفعة الهجوم الذي حطم صفوفها قبل النكسة..
كان عجب الصحابة بالغاً عندما رأوا (قزمان) في الصباح يشق جموع المسلمين حتى ينتهي إلى المركز الأول من مقدمتهم, بينما كان الرسول ﷺ يسوي الصفوف استعداداً للمعركة، وما كان أحد يعرف الدافع الذي بعث (قزمان) على الالتحاق بالمؤمنين، بعد أن أبى الخروج معهم منذ غادروا المدينة، وهم فضلاً عن ذلك يعلمون أن (قزمان) هذا لم يكن إلا واحداً من منافقي المدينة الذين جمعهم بغض الرسول والإسلام, فاستجابوا لكبير مجرميهم عبد الله بن أبي يتآمرون على المسلمين، ويؤلفون في داخل المدينة القوة المخرّبة التي يستند إليها كل محارب لله ولرسوله!..
على أنهم لم يستبعدوا أن يكون (قزمان) قد انشرح صدره للإسلام في هذه اللحظات الحاسمة، كما حدث لمخيريق اليهودي وغيره، ممن كانوا لساعات خلت في صفوف الكائدين لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، فإذا هم الآن في طليعة العاملين لنصرة الإسلام والمسلمين!..
стр. 697
وزاد عجب المؤمنين ما رأوا من بلاء (قزمان) وأثره في تحطيم قوة الوثنية، فلم يتمالكوا أن ينقلوا إلى رسول الله ﷺ – خبره, معجبين بهذه البطولة الرائعة، إنه أول من رمى بنفسه من صفوف المسلمين في غمرة المعركة، وهاهو ذا يرسل النبل كأنها الرماح، ثم هاهو يثخن في صفوف العدو فيقتل عدة من كبار أبطالهم، بينهم آخر حامل لراية الوثنية من بني عبد الداري، الذين تتابعوا في حمايتها واحداً بعد الآخر، حتى لم يبق منهم أحداً، فأقبل غلامهم (صؤاب) يرفعها فيقطع (قزمان) يمينه، فيضمها بيساره فيقطع يساره، فيضمها إلى صدره ببقية ذراعيه حتى سقط هو والراية..
فكانت الدائرة على الأعداء..
بيد أن رسول الله- ﷺ لا يزيده خبر قزمان إلا توكيداً لما سبق أن وصفه به من قبل: "إنه من أهل النار"..
وما كان للمؤمنين أن يراجعوا رسول الله- ﷺ فيما يقول، فهو أعلم بربه منهم، وأعلم بحقيقة قزمان من قزمان نفسه، ولكن هذا ما كان أيضاً ليمنعهم أن يتساءلوا في قرارة نفوسهم عن ذلك السر الذي يجعل قزمان من أهل النار.. وهو الذي يقدم كل هذا العون في سبيل الإسلام.
حقاً إنه لأمر مدهش ومحير!.
وصمد قزمان آخر النهار كما صمد أوله.. صمد يقاتل بعد الهزيمة، كما صمد في مقاتلة العدو قبلها، وما أن رآه مسلم في صموده هذا إلا أخذته الدهشة أن يكون مثل هذا البطل الجبار من أهل النار!..
стр. 698
وشاء الله أن يصاب قزمان، وأن تكون الإصابة بالغة.. فإذا هو يهوي في ميدان المعركة وقد أثبتته الجراح.. ويمر نفر من المسلمين ممن شهد بلاءه طوال النهار، فيقف عليه يهنئه بالشهادة ويبشره بالجنة.. ولكن قزمان لم يشأ أن يخدع القوم بأمر نفسه، فإذا هو يتمتم في إصرار عجيب: "والله ما قاتلت على دين.. وما قاتلت إلا حفاظاً على المدينة أن تقتحم قريش حرمها وتطأ سعفها.. ما قاتلت إلى على أحساب قومي.. لولا ذلك ما قاتلت..".
وينهض قزمان متهادياً يغالب الموت، ثم يأخذ سيفه فيجعل ذبابه في صدره، ثم يتكئ عليه حتى يخرج من ظهره..
وما هي إلا لحظات حتى يشيع خبر قزمان بين الصفوة المدافعين عن رسول الله- ﷺ ، فلا يشغلهم هول موقفهم عن استجلاء العبرة في مصير هذا الضال الذي خسر الدنيا ولم يربح الآخرة.. إنهم ليجدون في نهايته البشعة حافزاً جديداً يرفع حرارة إيمانهم إلى الدرجات العلى، ثم يدفع بهم إلى قمة التضحية، فلا يرون أعذب من الاستشهاد فداء لرسول الله- ﷺ ..
لقد كان يومهم هذا يوم أحد امتحاناً صارماً حافلاً بالدروس الربانية.. ففي هذا اليوم تعلموا أن معارك الإيمان لا تكسب إلا بالنظام والطاعة المطلقة لله ولرسوله، وأن على المؤمنين أن يسموا بأرواحهم فلا يشغلهم طلب الغنيمة عن رضوان الله.. فإذا انحرف ببعضهم هوى الدنيا عن هدف الإيمان كان ذلك عدواناً على سلامة المجموع، وتحطيماً لنظام الوحدة بين المؤمنين, كالشرارة الصغيرة تضرم الحريق الشامل المروع، ومن هنا تأتي السماء بتأديبها الرهيب.. تعم به البريء والخاطئ لا تستثني أحداً؛ لأنها تعتبر الجميع وحدة كاملة، كل جزء مسئول عن كل جزء..
стр. 699
وهاهو ذا رسول الله – ﷺ -ينال منه المشركون، فيكسر أنفه ورباعيته، وتشج جبهته، وتكلم شفته، وتخل حلقتان من المغفر في وجنته، ثم يسقط في حفرة أعدها العدو للمسلمين.. كل ذلك يصيب رسول الله – ﷺ بذنب المسلمين الذين خالفوا عن أمره، فكان لا بد من تلقينهم الدرس الذي يتكافأ مع خطيئتهم.
أما أهم دروس أحد هذه فهو ما تعلموه من مصير (قزمان) ، ذلك المصير الذي أكد لهم من جديد أن أبواب الجنة لن تفتح إلا للمجاهدين في سبيل الله، العاملين لإعلاء كلمته، المتفانين في طاعة رسوله.. فلا الشجاعة، ولا الدفاع عن الحمى والنسب بنافع عند الله شيئاً، إذا لم يؤيد ذلك كله بالرغبة الخالصة في مرضاته..
حقاً لقد كان (قزمان) بطلاً رائعاً، ولكنها بطولة ضائعة لم تعرف المثل الأعلى.. الذي يقود إلى الجنة، لقد كان بطلاً من أهل النار.
هذا الدين
إن هذا الدين ليس بظرية يتعلمها الناس في كتاب للترف الذهني والتكاثر بالعلم والمعرفة، وليس كذلك عقيدة سلبية يعيش بها الناس بينهم وبين ربهم وكفى، كما أنه ليس مجرد شعائر تعبدية يؤديها الناس لربهم فيما بينهم وبينه، إنّ هذا الدين إعلان عام لتحرير الإنسان، وهو منهج حركي واقعي يواجهه واقع الناس بوسائل مكافئة، يواجه حواجز الإدراك والرؤية بالتبليغ والبيان، ويواجه حواجز الأوضاع والسلطة بالجهاد المادي لتحطيم سلطان الطواغيت وتقرير سلطان الله.
سيد قطب
стр. 700
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب
لفضيلة الشيخ: محمد الأمين الشنقيطي
المدرس بالجامعة
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن القادر على صوم رمضان مخير بين الصوم والإطعام, وقد جاء في آية أخرى ما يدل على تعيُّن وجوب الصوم وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية.
والجواب عن هذا بأمرين:
أحدهما: وهو الحق, أن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ منسوخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .
الثاني: أنّ معنى يطيقونه: لا يطيقونه, بتقدير (لا) النافية, وعليه فتكون الآية محكمة, ويكون وجوب الإطعام على العاجز على الصوم كالهرم والزمن, واستدل لهذا القول بقراءة بعض الصحابة يطوقونه (بفتح الياء وتشديد الطاء والواو المفتوحتين) بمعنى: يتكلفونه مع عجزهم عنه, وعلى هذا القول فيجب على الهرم ونحوه الفدية, وهو اختيار البخاري مستدلا بفعل أنس بن مالك ﵁.
قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ الآية, هذه الآية تدل بظاهرها على أنهم لم يؤمروا بقتال الكفار إلا إذا قاتلوهم, وقد جاءت آيات أخر تدل على وجوب قتال الكفار مطلقا؛ قاتلوا أم لا, كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ , قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ , وقوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ .
والجواب عن هذه بأمور:
стр. 701
الأول: - وهو من أحسنها وأقربها - أنّ المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ تهييج المسلمين, وتحريضهم على قتال الكفار, فكأنه يقول لهم: هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم وأعداؤكم الذين يقاتلونكم, ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ , وخير ما يفسر به القرآن القرآن.
الوجه الثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ , وهذا من جهة النظر ظاهر حسن جدا, وإيضاح ذلك أنّ من حكمة الله البالغة في التشريع أنه إذا أراد تشريع أمر عظيم على النفوس ربما يشرعه تدريجيا لتخف صعوبته بالتدريج, فالخمر مثلا لما كان تركها شاقا على النفوس التي اعتادتها ذكر أولا بعض معائبها بقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ , ثم بعد ذلك حرمها في وقت دون وقت كما دل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية, ثم لما استأنست النفوس بتحريمها في الجملة حرّمها تحريما باتاً بقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ , وكذلك الصوم لما كان شاقا على النفوس شرعه أولا على سبيل التخيير بينه وبين الإطعام, ثم رغب في الصوم مع التخيير بقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ , ثم لما استأنست به النفوس أوجبه إيجابا حتما بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ , وكذلك القتال على هذا القول لما كان شاقا على النفوس أذن فيه أولا من غير إيجاب بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية, ثم أوجب عليهم قتال من قاتلهم بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ , ثم لما استأنست نفوسهم بالقتال أوجبه عليهم إيجابا عاما بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
стр. 702
وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ الآية.
الوجه الثالث: وهو اختيار بن جرير, ويظهر لي أنه الصواب: أن الآية محكمة, وأن معناها: قاتلوا الذين يقاتلونكم أي من شأنهم أن يقاتلوكم, أما الكافر الذي ليس من شأنه القتال كالنساء, والذراري, والشيوخ الفانية, والرهبان, وأصحاب الصوامع, ومن ألقى إليكم السلم, فلا تعتدوا بقتالهم؛ لأنهم لا يقاتلونكم, ويدل لهذا الأحاديث المصرحة بالنهي عن قتال الصبي, وأصحاب الصوامع, والمرأة, والشيخ الهرم إذا لم يستعن برأيه, أما صاحب الرأي فيقتل كدريد بن الصمة, وقد فسر هذه الآية بهذا المعنى عمر بن العزيز ﵁ وابن عباس والحسن البصري.
стр. 703
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية, هذه الآية تدل على طلب الانتقام, وقد أذن الله في الانتقام في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ, إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ الآية, وكقوله: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ , وكقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ الآية, وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ , وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ , وقد جاءت آيات أخر تدل على العفو وترك الانتقام كقوله: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ , وقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ , وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ , وقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ , وكقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ . والجواب عن هذا بأمرين:
أحدهما: أن الله بيّن مشروعية الانتقام ثم أرشد إلى أفضلية العفو, ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ , وقوله: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ , أذن في الانتقام بقوله: ﴿إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ , ثم أرشد إلى العفو بقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾
стр. 704
الوجه الثاني: أنّ الانتقام له موضع يحسن فيه, والعفو له موضع كذلك, وإيضاحه أن من المظالم ما يكون في الصبر عليه انتهاك حرمة الله, ألا ترى أنّ من غصبت منه جاريته مثلا إذا كان الغاصب يزني بها فسكوته وعفوه عن هذه المظلمة قبيح وضعف وخور, تنتهك به حرمات الله, فالانتقام في مثل هذه الحالة واجب, وعليه يحمل الأمر ﴿فَاعْتَدُوا﴾ الآية, أي كما بدأ الكفار بالقتال فقتالهم واجب, بخلاف من أساء إليه بعض إخوانه من المسلمين بكلام قبيح, ونحو ذلك فعفوه أحسن وأفضل, وقد قال أبو الطيب المتنبي:
إذا قيل حلم قل فللحلم موضع
وحلم الفتى في غير موضعه جهل
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ هذه الآية الكريمة تدل على أن الرّدة لا تحبط العمل إلا بقيد الموت على الكفر بدليل قوله ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ , وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الردة تحبط العمل مطلقا ولو رجع إلى الإسلام؛ فكل ما عمل قبل الردة أحبطته الردة كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الآية, وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية, وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
والجواب عن هذا أن هذه من مسائل التعارض المطلق والمقيد, فيحمل المطلق على المقيد, فتقيد آيات المطلقة بالموت على الكفر, وهذا مقتضى الأصول, وعليه الإمام الشافعي ومن وافقه, وخالف مالك في هذه المسألة, وقدم آيات الإطلاق, وقول الشافعي في هذه المسألة أجرى على الأصول, والعلم عند الله تعالى.
стр. 705
قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ الآية, هذه الآية تدل بظاهرها على تحريم نكاح كل كافرة, ويدل لذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ , وقد جاءت آية أخرى تدل على جواز نكاح بعض الكافرات؛ وهنّ الحرائر الكتابيات, وهي قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ .
والجواب أن هذه الآية الكريمة تخصص قوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ أي ما لم يكن كتابيات بدليل قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ , وحكى ابن جرير الإجماع على هذا, وأما ما روي عن عمر من إنكاره على طلحة تزويج يهودية, وعلى حذيفة تزويج نصرانية؛ فإنه إنما كره نكاح الكتابيات لئلا يزهد الناس في المسلمات, أو لغير ذلك من المعاني, قاله ابن جرير.
следующие страницы →