Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.
стр. 6616
ولا يتحقق لهؤلاء ما يرغبون فيه ويسعون إليه بنشر الفساد بين الناس، ولا يتم لهم الفساد ولا يتأتى إلا بأسباب وأساليب، ولا بدّ لهم من سعي وجهد، وأيسر أسباب الفساد وأجدى أساليبه تزيين المعاصي والمباعدة بين الدين وأهله، وتهوين أمر الكفر والعصيان، وهو ما حرض عليه أهل الكتاب من بني إسرائيل بعد أن كفروا وطغوا، فقال فيهم عزّ من قائل: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة ٦٤) .
وكذلك إشاعة الفاحشة بين المؤمنين وهي إحدى الطوامّ القوا صم التي تحلق الدين، وتوهي أواصر المجتمع، وقد قال سبحانه فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النور ١٩) .
وتكفي الملاحظة الخاطفة إلى ما يتصل بهذه الظاهرة من عناية مصممي الأزياء وثياب الجنسين وأشيائهما، وما يتعلق بالرجل والمرأة جنسين متميزين، وما ينشأ من تأثير أحدهما في الآخر إغراء وإثارة، فذلك يكفي في الكشف عن غرض هؤلاء الناس.
وهناك ظواهر كثيرة يجدر بأهل الغيرة من علماء وباحثين وكُتَّاب أن يولوها عنايتهم في رصدها والكشف عنها وتحليلها بما يقف جمهور الأمة على وجهها وينبه أولي الأمر كيما يوجهوا بما يناسب ويحول دون هؤلاء المتربصين وكيدهم.
وينبغي أن يقترن هذا بالتوجيه والتربية الكفيلين بحماية الفرد والجماعة من هذه الأشراك الخفية، ويتم هذا التوجيه وتلك التربية في كل بيئة من بيئات المجتمع، الأسرة والعمل والطريق والمدرسة، وذلك أن هذه البيئات متكافلة متواشجة الصلة جدا.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] هو التلفزيون.
стр. 6617
دراسات في التربية والتعليم
لمحة عن التربية الإسلامية
لفضيلة الدكتور محمد نغش - كلية الشريعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد النبي الأمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فالتربية الإسلامية هي الوسيلة للسعادة في الدارين الأولى والآخرة، بها تتكون شخصية المسلم المؤمن بربه، والمطيع لأوامره والمتجنب لنواهيه، المتمسك بدينه، الذي يؤدي رسالته في الحياة بأمانة، ويعمل للآخرة متبعا الكتاب والسنة، محاربا كل بدعة، مطيعا لربه العليم؛ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [١] ، ومقتديا بسنة نبيه الكريم ﷺ ؛ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِر﴾ [٢] .
والتربية معناها التنمية للقوى العقلية والخلقية والجسدية، وكلمة الأدب الواردة في قول الرسول ﷺ : "أدبني ربي فأحسن تأديبي" [٣] معناها أن الله هو الذي ربّى نبيه ليكون خير قدوة للبشرية، وقد منحه سبحانه هذه الشهادة الممتازة، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [٤] .
وقد حرص النبي ﷺ على تربية الرجال والنساء والأولاد، مثلما جاء في الأحاديث الثلاثة التالية: "أوقفوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدبوهم" [٥] ، و"أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم" [٦] ، و"مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع" [٧] .
التربية الأبوية:
стр. 6618
إن هذا تقسيم تدريجي، محكم الحلقات في أصول التربية الأبوية الإسلامية، وضعه خير البرية ليساير أرقى النظريات التربوية الحديثة؛ فمعظم ما يقوم به الإنسان مرجعه إلى العادات، والعقوبات الوسيلة الناجحة لمعالجة الانحرافات، وكلما كانت في سن مبكرة أثمرت ثمرة طيبة، والتفرقة بين الآباء والأبناء في المضاجع منذ العاشرة يجعل لهم شخصية مستقلة، ولنستمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [٨] ، هذا الاستئذان رمز لكل الآداب الأخرى، صغيرة كانت أو كبيرة، فيه توجيه حسن للسلوك الفردي، وتهيئة للسلوك الجماعي اللازم في مواجهة الحياة، وهو أعظم هبة يهبها الله ورسوله المؤمنين في تعليم تلك البراعم الصغيرة، وهو شرع يتوارثه الأخلاف عن الأسلاف، وتقليد فيه خير لكافة الأجيال، فيه يعرف الفرد ما له من حقوق وما عليه من واجبات، وهو الأدب الحسن الذي يسيطر على النوازع والرغبات، وبه تتحقق هذه الأمنية الغالية؛ ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [٩] .
والذي يعلّم ولده فيحسن تعليمه، ويؤدبه فيحسن تأديبه فقد عمل في ولده عملا حسنا، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [١٠] .
стр. 6619
وهذا الواجب يتقاسمه الوالدان بصفتيهما الأبوية، ويشاركهما في هذا الواجب أب روحيّ وهو المدرس، فإذا شعر بمسئوليته تجاه الله والمجتمع، عرف أن التربية أمانة في عنقه، وأن جزاءها تضعيف الأجر؛ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَة﴾ [١١] ، فالآباء هم القدوة للأبناء؛ إذ يقلدونهم في سلوكهم الحسن منه أو الرديء، فليكن الأب لابنه مصباح هداية، وليحذر أن يكون مفتاح غواية، وللموعظة الحسنة أثرها بجانب السلوك السوي، وخير ما نلقنه للأبناء وصايا الرحمن على لسان لقمان لابنه؛ فهي تجمع بين الإيمان والتوحيد، والدعوة إلى الخلق القويم، ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ... يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [١٢] .
ولرسول الله ﷺ وصايا عديدة، من اقتدى بها حصل على مزايا جليلة [١٣] ، يقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في وصية له: "اضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة؛ اصدقوا إذا حدثتم، وأدوا الأمانات إذا ائتمنتم، وأوفوا بالعهد إذا وعدتم، غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفّوا أيديكم" [١٤] ، إن هذه الوصية الجليلة من جوامع الكلم، تجمع آداب السلوك الاجتماعية اللازمة لسعادة البشرية.
فالله خلق الإنسان وأنشأ له الإرادة، فعليه الاختيار إما أن يفعل الخير فيصير من الأبرار، وإما أن يفعل الشر فيصبح من الأشرار، والجزاء معروف؛ فلهذا الجنة ولذلك النار.
стр. 6620
ولذا يحرص الآباء المسلمون على تعليم أبنائهم تعاليم الدين ويبدأون بحفظ القرآن الكريم؛ لتتحد البواعث الدينية في نفوسهم مع البواعث الشخصية منذ نعومة أظافرهم.
وهذه هي الوسيلة السليمة لتنشئتهم النشأة القويمة التي تؤتي ثمارها الطيبة بإذن ربها.
التربية المدرسية:
والمدرسة من أكبر العوامل في تكوين الشخصية، خصوصا في المرحلة الأولى حيث يتصل الطفل بغيره من الصبيان ممن هم في مثل سنه أو ممن يكبرونه أو يقلون عنه قليلا، ويتصل أيضا بالمدرس الذي يعده التلاميذ قدوتهم، ويقلدونهم في سكناته وحركاته، فمحاكاة الحركات والأعمال أسبق من محاكاة المعاني والآراء.
ففي المرحلة الأولى من حياة الصبي يقع سلوكه في دائرة تأثير المعلم، وتأثير الصبيان الذين يختلط بهم، وتأثير آبائه في المنزل، فإن صلحت هذه الدائرة نما الطفل وترعرع بين الفضيلة، وإن فسدت انغمس الصبي في متاهات الرذيلة، ولهذا يجب الحرص على أن يتنفس أبناؤنا - فلذات أكبادنا - في جو إسلامي صحي، فمن الخير للإنسان المبادرة بتكوين العادات الفاضلة في الأبناء حتى تتأصل فيهم، وتنزل منزلة الطبع؛ لأن الإقلاع عن العادات المرذولة إذا تمكنت يكون شاقا عسيرا.
من هذه الصفات الخلقية التي يجب أن يتحلى بها الصبيان الطاعة لله ورسوله أولا وقبل كل شيء ثم لأولي الأمر، وفي القرآن آيات كثيرة تحث على الطاعة بل تأمر بها، فقد أمر الله المرأة أن تطيع زوجها، والابن أن يطيع أباه، والمعلم يحل محل الوالد، ومنزلته هي نفس منزلته، ولذلك تجب طاعة الصبيان له.
ومن الصفات الخلقية التي يجب أن يتعودها الصبيان النظام؛ لأن الفوضى مفسدة للمجتمع، ومضيعة للتعاون الضروري للحياة الإنسانية.
стр. 6621
ويجب أن يكون للإشراف الاجتماعي والرياضي دوره الفعال في الاستعلاء بالغريزة الجنسية عندهم، وقد حذّر القابسي الفقيه السني من خطورة الاختلاط بين الطلبة بقوله: "وإنه لينبغي للمعلم أن يحرس بعضهم من بعض، إذا كان فيهم من يخشى فساده، يناهز الاحتلام، أو يكون له جرأة".
وهو أسلوب وجيز العبارة، لطيف الإشارة، يدل على عفة في نفس المؤلف، تحمله على الابتعاد عن الإطالة في مواطن الفحشاء والمنكر [١٥] .
والإعلاء بالغريزة الجنسية والتسامي بها يأتي من استغراق الجهد واستنفاذ الطاقة وتحويلها إلى عمل نافع للفرد والمجتمع، وليكن قول الله رائدنا ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [١٦] .
فالعبادة - وبخاصة الصوم - وقاية للمؤمن؛ فهي تملأ قلبه بالطمأنينة، وتذهب عنه وساوس الشيطان؛ إذ يتيقن أن ما يفعله هو استجابة لأمر الرحمن حين يقول: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [١٧] .
وبهذا الأسلوب تنتصر الإرادة على الهوى، والإنسانية على الحيوانية، وإن لنا في قصة يوسف لعبرة.
تربية الدعاة:
ولتخريج الدعاة إلى الله يستلزم الأمر تهيئة بيئة إسلامية سليمة يعيش العاملون فيها ونفوسهم مفعمة بحبّ الرحمن، الذي خلق الإنسان علمه البيان، وقلوبهم مؤمنة بخلود رسالة الإسلام وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
يجب أن تكون عقيدة المعلم والمتعلم مبنية على التوحيد لله رب العالمين، وفهم القرآن فهما دقيقا؛ فعلى الإنسان أن يعيش مع آياته الكريمة حتى يكون خلقه القرآن، فهو الكتاب الوحيد الذي يرافقه في رحلته طيلة حياته، يحل به كل مشكلة، وينتصر به على كل معارضة، ويفوز به في الدنيا والآخرة، إنه مفتاح السعادة وباب الرحمة.
стр. 6622
ويجب أن تدرّس السنة المحمدية؛ فبها ينتظم المجتمع على أسس قويمة، فهي تزكية للنفوس الإنسانية، وهي هادية لفهم الآيات السماوية، إنها الوحي الثاني من رب البرية.
وأن يهتم الدارسون بالكشف عن جوانب العظمة في حياة الرسول ﷺ ، وصلاحية هذه الشخصية الكريمة لتكون قدوة لجميع الأجيال، وأسوة حسنة لجميع طبقاتها وأفرادها؛ إنها الشخصية التي لا تسعد البشرية ولا تتزن الحياة ولا يقوم المجتمع الصالح إلا بالاقتداء بها واتخاذها إماما ورائدا [١٨] ، ويتفرع من هذين الأصلين الثابتين كتاب الله وسنة رسوله علوم الدنيا والدين.
فلننظر مثلا في فرع كالشريعة الإسلامية، ولنطبق ما فيها من حكمة بالغة ومقاصد نبيلة، مع مراعاة تطور العصر الحديث، وما جدّ فيه من نظريات وأفكار شملت الحياة بأسرها، وتناولت العلوم كلها.
ولنأخذ بعين الاعتبار أن تكون علوم اللغة العربية أدوات لمعرفة ما في هذين المصدرين من كنوز وضعها الله لعباده؛ رحمة بهم وجعلها خيرا وشفاء لما في صدورهم.
وكما نعلم أن كتاب الله لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؛ فعلوم البشر النظرية أو العقلية ضئيلة، وهي مستمدة من علم الله الذي لا حدود له، ولا يمكن الإحاطة به، فلنتخذ القرآن سراجنا إلى السعادة.
فالله يرشد عباده في كثير من آياته إلى الحياة الاجتماعية الفاضلة؛ فيحثهم على الزواج وينفرهم من الزنا، وينظم الحياة الأسرية على المحبة والمودة المتبادلة والأواصر المتينة المبنية على أسس سليمة، ولا قيمة للعبادات إذا لم تكن لصالح الجماعات المحتاجة إلى الإعانات، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [١٩] .
стр. 6623
ولما كان المال عصب الحياة فقد ورد في القرآن الكريم الحثّ على الإنفاق في صور شتى، كالصدقة والزكاة وعتق العبد وإطعام المسكين والعناية باليتيم.
وقرن الإحسان بالوالدين بعبادته الحقة فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [٢٠] .
والله يعلم أعمالنا كبرت أم صغرت؛ ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [٢١] ، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [٢٢] ، بل أكثر من ذلك ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [٢٣] .
والهدف من وراء ذلك هو ألا يعمل الإنسان إلا الخير، ولا يفكر إلا في الخير؛ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [٢٤] .
أن يعلم كل فرد أن الله رقيب عليه، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، وأنه يحاسبه بالعدل الذي هو أساس ملكه، لا يظلم أحدا؛ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [٢٥] .
يا أخي اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فالإيمان بالله وحده والتزام عبادته، والاعتصام به سبحانه، هي الوسائل الفعالة في التربية المؤدية إلى حياة الضمير ويقظته، والعبادة العملية هي الطريق الصحيحة إلى تثبيت ذلك وتدعيمه.
стр. 6624
فالصلاة - وهي الركن الركين في الإسلام - عبادة الغرض منها معرفة الله، وذكره في كل وقت، ودوام الذكر هو السبيل إلى يقظة الضمير، لهذا السبب نصّ الفقهاء على وجوب انصراف المرء في الصلاة إلى ذكر الله، مع عدم الانشغال بأي أمر من أمور الدنيا، والصلاة المفروضة على المسلمين يؤدونها في خمسة أوقات متفرقة من كل يوم لدوام الذكر [٢٦] ، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [٢٧] .
ولا تصح الصلاة بغير وضوء؛ لأنه شرط للصلاة، والوضوء غسل وطهارة ونظافة، والنظافة من الفضائل الشخصية العظيمة الأثر في الصحة، كما تنتقل فائدتها إلى النفس فتطهرها، ذلك أن الشعور بالنظافة الظاهرة يهيئ الإنسان إلى النظر في المعاني بنفس الأسلوب؛ فيعف اللسان ويطهر الفكر، فالإنسان مطالب بطهارة الجسم كما هو مطالب بطهارة القلب والنفس، لذلك ينبغي أن يكون صادقا عفيفا، أمينا، حافظا للعهد [٢٨] .
وأسلوب القرآن حكيم في الترغيب في الدين والترهيب من الخروج على مبادئ الإسلام والمسلمين؛ لعلمه سبحانه بالطبيعة الإنسانية التي فيها التفكير والتدبير، وفيها المحبة والكراهية، وسلوك الفرد يتحرك بدافع من الرأي والنظر، ويتحرك بقوة الخوف والغضب، وقد وصف الله الجنة في محكم آياته ليكون الناس على بصر بما يلقون من ثواب هو النعيم الذي إليه يشتاقون، وفي نفس الوقت صور الجحيم وما فيها من عذاب أليم ليكون المجرمون على علم بما ينتظرهم يوم الدين.
وهكذا يرسم الدين الإسلامي للناس قواعد التربية السليمة التي ينبغي أن يسيروا عليها، ولن يضل الناس طالما تمسكوا بالقرآن والسنة على الرغم مما يسود العالم من فساد رأي يدعى بالحرية، ووقاحة فكر تنعت بالجرأة، وفلسفة مادية ملحدة تحاول تفسير كل شيء على هواها، إنها مضللة مفسدة.
стр. 6625
إن الدين الإسلامي ينظم أفعال المرء مع نفسه، وأفعال المرء مع غيره، فالله سبحانه ينصح الإنسان بالاقتصاد في المال، كما يقتصد في تناول الطعام والشراب لصلاح حاله وصلاح جسده، فيقول: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْط﴾ [٢٩] ، ويقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [٣٠] ، هذه فضيلة الوسط بين الإفراط والتفريط التي لا تتلاءم مع الحياة الواقعية.
ويرى جولد زيهر: "أنه إذا أردنا الإنصاف ينبغي أن نؤمن أن في مذهب الإسلام قوة صالحة توجه الإنسان نحو الخير، وأن الحياة المتفقة مع التعاليم الإسلامية حياة أخلاقية لا غبار عليها، ذلك أنها تتطلب الرحمة نحو جميع مخلوقات الله، والوفاء بالعهود، والمحبة والإخلاص، وكفّ غرائز الأنانية" [٣١] .
فالإسلام شريعة سمحة تدعو الإنسان إلى الخير والرحمة، وتحثه على الإخلاص والمحبة، وتقضي على الأنانية التي هي آفة البشرية.
وإذا كان أصحاب الكهف مثلا للشباب المستبصر الذي لم تطمس ظلمات الكفر في بيئته شعاع فطرته، ولم تشب أوضاع الضلال صفاء استقامته فإن المجتمع الإسلامي لا يترك شبابه لهذه المعاناة، ولا يعرضهم لهول هذه المحن، فهو مجتمع يقوم على الإيمان بالله وتحقيق شريعته، ومن هنا فهو حريص على أن يحمي ناشئته من الفتنة، ويقيهم سبل الضلال والغواية، فلا يكل توجيههم إلى قلوب مريضة، ولا يترك زمامهم بأيد ملوثة، بل يوفر لكل ناشئ فيه جوا صالحا تزكو فيه الفطرة وتتفتح أزهارها.
فأئمة الضلال حين يتولون التوجيه والتنشئة يصبغون الأجيال بصبغتهم، ويوجهون بها إلى طريقهم؛ فيضل المجتمع ويشقى [٣٢] ، وهذا مصداق لقوله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" [٣٣] .
стр. 6626
فإذا شبّ الفتيان على العقيدة السليمة، ورسخت في نفوسهم العادات الحميدة استحقوا أن يوصفوا بما وصف به أهل الكهف من قبلهم ِ ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [٣٤] ، إن أهل الكهف قد راعهم ما تردى فيه قومهم من الشرك بالله، فاعتزلوا بهتانهم، ونجوا بأنفسهم حتى لا يصيبهم ذلك البلاء، ولا تتسرب إليهم تلك الأدواء، إنهم لجأوا إلى الكهف ينشدون من الله الرحمة، وأن يثبت قلوبهم على الإيمان به، ويهديهم بنور الحقيقة، ويفتح لهم أبواب المعرفة؛ ليبنوا بسواعدهم الفتيّة وعزائمهم القوية مجتمعا جديدا خالصا من أدران الوثنية والشرك برب البرية.
والدعاة من الشباب المسلم يصنعون بإذن الله الخير للناس كلهم، فينقذون العالم من الظلام الذي يعمهم، ومن المفاسد التي سرت بينهم إلى حد بعيد؛ حتى أصبح الناس منها في كرب عظيم.
والشباب المؤمن يملك القوة ويتحمل المسئولية مستجيبا لأمر ربه، ناشرا رحمته وعدله.
وأملنا أن يحقق هذا الشباب رسالة السماء ويكسب العالم الأمن والصفاء، ويعيش الناس في سعادة وهناء في ظل شريعة الإسلام السمحاء.
وأخيرا فهذه كلمة كتبتها موجزة، ولكن التربية الإسلامية تحتاج إلى دراسة مستفيضة، أرجو الله تعالى أن يوفقني إلى القيام بها، فالعالم في حاجة ملحّة إليها، وستكون إن شاء الله الهادية له من الضلال والظلام والمنقذة له من الغرق والآلام.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] سورة الحشر الآية ٧.
[٢] سورة الأحزاب الآية ٢١.
[٣] النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ج ١ ص ٣.
[٤] سورة القلم الآية ٤.
[٥] رواه البخاري.
[٦] رواه ابن ماجة.
[٧] رواه أبو داود والحاكم واحمد في مسنده.
[٨] سورة النور الآية ٥٩.
стр. 6627
[٩] سورة الفرقان الآية ٧٤.
[١٠] سورة النساء الآية ١٢٤.
[١١] سورة البقرة الآية ٢٤٥.
[١٢] سورة لقمان الآية ١٣،١٧،١٨.
[١٣] من وصايا الرسول لطه عفيفي (عشرة أجزاء) .
[١٤] أخرجه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه.
[١٥] الدكتور أحمد فؤاد الأهواني: التعليم في رأي القابسي ص ١١٨.
[١٦] سورة الشرح الآية ٧، ٨.
[١٧] سورة النور الآية ٣٣.
[١٨] نحو التربية الإسلامية الحرة لأبي الحسن علي الحسن الندوي ص ٩٣.
[١٩] سورة الماعون الآية ٧.
[٢٠] سورة الإسراء الآية ٢٣.
[٢١] سورة يونس الآية ٦١.
[٢٢] سورة الحديد الآية ٤.
[٢٣] سورة ق الآية ١٦.
[٢٤] سورة البقرة الآية ٢٣٥.
[٢٥] سورة الزلزلة الآية ٧، ٨.
[٢٦] الدكتور أحمد فؤاد الأهواني: التعليم في رأي القابسي ص ١٠٢.
[٢٧] سورة الذاريات الآية ٥٥.
[٢٨] الدكتور أحمد فؤاد الأهواني: التعليم في رأي القابسي ص ١١٥.
[٢٩] سورة الإسراء الآية ٢٩.
[٣٠] سورة الأعراف الآية ٣١.
[٣١] أحمد فؤاد الأهواني: التعليم في رأي القابسي ص ٩٦.
[٣٢] الدكتور مصطفى عبد الواحد: المجتمع الإسلامي ص ١٦٧.
[٣٣] أخرجه الطبراني والبيهقي.
[٣٤] سورة الكهف الآية ١٣.
стр. 6628
حديقة الشعر
قال لي صاحبي
لفضيلة الشيخ: معوض عوض إبراهيم
كلية الشريعة وأصول الدين
لك ما قصته من الأبناء
قال لي صاحبي وإني لراد
ويجيبون في ارتياح دعائي
أترى القوم يحمدون مقالي
شهوات لا يسمعون ندائي
أم تراهم كما أراهم أسارى
ناصحا للعِدا وللأصدقاء
قلت حدّث فما أظنك إلا
فتن العيش عن حياة النقاء
قال: إن الكثير قد صرفتهم
حسبُه أنه من الأعداء
واستباهم فكر جديد دخيل
ليس يزكو في نور وحي السماء
وهو لو فكروا سراب وزيف
دونها بالحجارة الصَّماء
ويحَ من يترك اللآلي ويرضى
ن أو هدي سيد الأنبياء؟!
واللآلي ماذا تكون من القرآ
أمعنوا في الجهالة الجهلاء
قلت هذا مصابنا في أناس
كالأوالي، ولا النّسا كالنساء
لست ألفي الرجال منهم رجالا
كي يعودوا من عالم الأهواء
فادعهم جاهدا فأني سأدعو
يقتدى الدين في دواعي الفداء
علَّنا أن نكون لله جندا
م نهج السلام والعلياء
ويقيم الحياة في كنف الإسلا
стр. 6629
المكتبة الإسلامية
حول كتاب: الحمد لله هذه حياتي بقلم الدكتور عبد الحليم محمود
لفضيلة الدكتور: عبد المنعم حسنين - كلية الدعوة وأصول الدين
نشر الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر أخيرا كتابا تحت عنوان (الحمد لله هذه حياتي) ، سجَّلَ فيه جزءا من الأحداث التي مرّت به منذ ولادته إلى حصوله على درجة الدكتوراه، وذكر في نهاية الكتاب أن جزءا ثانيا من الكتاب سيصدر في المستقبل، وقد تتلوه أجزاء أخرى على حسب الأحداث التي مرّت بحياة فضيلته التي جاوزت ثلثي قرن من الزمان.
وأحب أن أقول إن قيام شخص بكتابة تاريخ حياته عمل لا يمكن أن يتم بصراحة وحَيدة وتنزه عن المبالغة؛ لأن الإنسان مهما تجري الدقة والأمانة لا يمكن أن يتخلى عن عواطفه وبخاصة نحو نفسه، فالإنسان يحب نفسه حبا مفرطا يجعله لا يرى عيوبه، ويدفعه إلى مداراة هذه العيوب إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، والإفراط في ذكر المحاسن والمزايا؛ فلا يعقل أن ينقد إنسان نفسه أو يذكر عيوبه ونواقصه، ولذلك لم نر كاتبا تحدث عن نفسه وذكر عيبا خطيرا فيه أو منقصة تخل بالشرف أو تقوض دعائم الخلق القويم، وكثيرا ما تنشر المذكرات الخاصة بشخص بعد وفاته، فإذا هي تتناقض ما كتبه في كتاب نشره على الناس في حياته، وهذه هي طبيعة الإنسان في كل عصر وأوان، لا يرى عيوب نفسه، وإذا رأى بعضها لا يذكر عيبه أمام الناس حتى ولو ذكره في مذكراته الخاصة التي يعلم أنها لن تنشر في أثناء حياته، فإن نشر شيئا من مذكراته في أثناء حياته حذف منه ما سجله من عيوب نفسه.
стр. 6630
وهذا ما نلاحظه في كتاب الدكتور عبد الحليم محمود (الحمد لله هذه حياتي) فهو في هذا الكتاب الذي يعدّ من قبيل الكتابة الذاتية لا يذكر شيئا يعيبه، لا في خلقته ولا في خلقه وسلوكه، ولا في حياته في داخل مصر وخارجها، وحتى الأحداث التي ذكرها وبدا فيها عيب لم ينتبه الشيخ إليه حين ذكره، وظن أن في ذكره نوعا من الظرف أو التظرف، وشيئا من الدعابة التي يمتع بها القارئ، ويسري بها عن الفارق في الاطلاع على تاريخ حياة الشيخ وما جرى فيه من أحداث كلها طيبة في رأيه بدرجة جعلته يحمد الله على حدوثها في الصورة التي حدثت بها.
وفي رأيي أن شيخ الجامع الأزهر كان ينبغي عليه أن يعف عن مثل هذه الكتابات الذاتية التي لا تحمل غير معنى الدعاية لنفسه، والتباهي بماضيه وحاضره، وأن يستعمل قلمه ومواهبه في الدعوة إلى دين الله، وفي إرشاد الحيارى الضالين من أبناء المسلمين، وفي محاربة الفساد والانحراف، وفي إخراس صوت الشيوعيين، وفي دعوة الناس إلى عبادة الله إله واحد لا شريك له وترك عبادة غير الله.
ولكن شيخ الأزهر آثر أن يدعو لنفسه، ويعرف بشخصيته ويظهر نفسه في صورة لم يكن يتمنى لنفسه أفضل منها، ويتحدث عن فرنسا حديثا يشبه ما كتبه طه حسين في كتابه (الأيام) ، وما كتبه كل مبهور بالغرب، مشيد بما فيه من حضارة مادية زائفة، ممسك عن الحديث عن الإلحاد والفساد الخلقي ومحاربة للإسلام والحضارة الإسلامية، وتلفيق الأباطيل والإلقاء بها في ساحة الشريعة الإسلامية الغراء - برغم أن شيخ الجامع الأزهر كتب ما كتب ونشره على الناس في كتابه (الحمد لله هذه حياتي) وهو في موقع المسئولية مسئولية حمل أمانة الدعوة إلى دين الله، وردّ كيد أعدائه وبيان حقيقة الإسلام، وحاجة البشرية إلى دين الحق.
وسأعرض نماذج مما جاء في كتاب شيخ الجامع الأزهر أرجو أن تكون كافية لبيان ما فيه وبالله التوفيق.
стр. 6631
يقول الشيخ في كتابه المذكور ص ٣٩: "كان يوما مشهودا ذلك اليوم الذي ختمت فيه القرآن الكريم، لقد كان والدي في فرح غامر، وكان البيت كله في بهجة وسرور شاملين، وكانت حفلة حافلة بأطايب اللحم والزبد، ختمت بالذكر شكرا لله تعالى".
ويقول في ص ١١٣ حين ذهب لأداء امتحان العالمية: "أما والدي فإنه قد أسرع إلى ضريح العارف بالله الإمام أحمد الدرديري، واعتكف بمنزله بمسجده يقرأ من القرآن ما تيسر وبخاصة سورة يسن، ويتضرع إلى الله أن يوفقني ويكتب لي النجاح".
فهو في أكثر من مناسبة يبين تعلقه بالفرق الصوفية وبالأضرحة، وهو يعلم علم اليقين أن الفرق الصوفية روّجت كثيرا من البدع والخرافات، ونشرت التواكل بين كثير من المسلمين، وصرفتهم عن العمل الجاد الذي دعا إليه الدين، كما يعلم الشيخ أن الرسول ﷺ نهى عن اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها.
والعجيب أن الشيخ يقرر بعد هذا أنه هو الذي صمّم على السفر إلى فرنسا برغم معارضة والده في هذا الأمر، فهو يقول في ص ١١٣-١١٤ من الكتاب: "كان والدي -عليه رحمة الله - يحب أن يراني مدرسا بالأزهر، لقد كان ذلك يسعده كل السعادة، ولكنه فوجئ برغبتي الملحة في السفر إلى فرنسا لإتمام دراستي في جامعاتها، إنه لم يكن يتوقع ذلك، ولا يدور شيء منه في خلده، وأخذ يثنيني عن عزمي بشتى الوسائل، ولكن محاولاته لم تفلح، وأعلنت في عزم مصمم التمسك برأيي في السفر، ولو لم يكن بيدي شيء من المال، وأخيرا رضي والدي بعد لأي".
стр. 6632
ثم يصف الشيخ نزوله إلى مارسيليا بفرنسا فيقول في ص ١١٧-١١٩ "ويبدو أن الوقت الذي نزلنا فيه كان وقت انصراف العمال للغداء؛ لقد رأيت السرعة في كل اتجاه، ونشاط الحركة في كل ناحية، ورأيت النساء والفتيات وكأنهن يقفزن في سير من السرعة، كما كن يتحدثن في سرعة أيضا، وهن فرحات مستبشرات سعيدات يضحكن في سرور وبشاشة، ولست أدري لماذا وردت على ذهني صور من الشعر العربي تصور الجمال في النساء العربيات، وثب إلى ذاكرتي قول ذلك الشاعر الذي يعبر عن المثل الأعلى في جمال المرأة بقوله: (مشي القطاة ونطقها إيماء) ؟؛ إن المرأة هنا لا تمشي مشي القطاة، وليس نطقها - كما يقول الشاعر - إيماء، فأين إذن نؤوم الضحى؟ ".
ثم يقول الشيخ: "ورأيت في مارسيليا أمرا آخر نحن أشدّ ما نكون حاجة إلى الانتباه له، وإلى الالتزام به؛ لأنه من شُعَب الإيمان، ذلك هو النظافة؛ نظافة الشوارع، ونظافة المحال ونظافة الناس جميعا ذكورا وإناثا، صغارا وكبارا، وتجتمع النظافة مع التنسيق والتناسق، فيبدو الجو كله فتنة للناظرين ".
هذا ما كتبه شيخ الجامع الأزهر بالحرف الواحد، وهو غني عن التعليق؛ فتمجيده للغرب واضح، وكأن الأمر نظافة ظاهرية شكلية، أما نظافة الباطن وطهارة العقيدة وعدم الإضرار بالشعوب الإسلامية والإساءة إلى الإسلام من جانب الغرب فكل هذه الأمور لا تهم الشيخ ولا تلفت نظره في البداية، وإنما الذي لفت نظره فور وصوله الجمال والنظافة الظاهرية.
ومن عجب أن الشيخ بعد حديثه بإعجاب عن هذه النظافة الظاهرية يقول: "ولكن الأمر الهام الذي أحب أن يتنبه إليه الجميع ويفكروا فيه هو أننا - وكنا مجموعة قضى بعضنا سنوات في فرنسا من قبل - بمجرد أن نزلنا إلى مارسيليا وأخذنا نطوف هنا وهناك ننظر إلى واجهات المحال التجارية وإذا ببعضنا يصل وبسرعة إلى إقامة علاقات ببعض الفتيات".
стр. 6633
ثم يقول في ص ١٢٠: "إن الطالب ينزلق إلى الشراب وإلى الصلة الآثمة في مجال الجنس، وإلى التخلي عن كل الفروض الدينية، والأخطر من ذلك سفر الفتيات إلى فرنسا"، إلى أن يقول: "ولا ريب أن الفتاة ستقاوم لأول مرة؛ رعاية بدينها وخلقها وشرفها، ولكن الجو الذي تعيش فيه سيدفعها حتما إلى الصلة الجنسية"، ثم يقول: "إنني هنا لا أتحدث بالمنطق وإنما أتحدث عن واقع محسوس، وما دام الأمر كذلك فإن كل نقاش فيه سيتهافت أمام الواقع".
وكلام الشيخ ليس في حاجة إلى شرح وتفسير، كما أنه ليس في حاجة إلى تعليق؛ فكيف يطلب علما في مثل هذه البيئة الفاجرة، وبخاصة إذا كان العلم الذي يطلبه دينيا؟!
وقد تحدّث الشيخ عن دراسته في هذه البيئة الفاجرة الملحدة؛ فقال إنه بعد حصوله على الليسانس فكر في رسالة الدكتوراه، وأراد اختيار موضوع يتصل بفن الجمال، غير أن الموضوع رفض، ففكر في موضوع يتصل بمناهج البحث، ولكنه رفض أيضا، وأخيرا اتصل بالأستاذ مسينون واتفق على أن يكتب عن التصوف الإسلامي من خلال دراسة الحارث ابن أسد المحاسبي.
يقول الشيخ في ص ١٧١ من كتابه المذكور: "ونعمت في اللحظات الأولى من وصولي بهذا الذوق الراقي في كل شيء، وهذه النظافة التي تجدها أينما تسير"، إلى أن يقول: "وبهرتني الحضارة الأوربية في مظهرها هذا الخارجي الذي يتمثل في النشاط والنظافة والذوق"، ثم يقول في ص ١٧٢: "ودخلت الجامعة وبدأت الدراسة في علم الاجتماع ومادة الأخلاق وتاريخ الأديان، وكانت هذه المواد يتزعم دراستها وتدريسها الأساتذة اليهود الذين تتلمذوا على الأساتذة اليهود!.. وكانت هذه المواد كلها تسير في تيار محدد، هو أنها علوم مجتمع، أي أنها لا تتقيد بوحي السماء، ولا تتقيد بالدين على أنه وضع إلهي؛ فهي تدرس في موضوعاتها على أنها مظاهر اجتماعية ومظاهر إنسانية.
стр. 6634
ثم يقول في ص ١٧٣: "ودراسة الدين والأخلاق إذن تتجه إلى النشأة والمظاهر وعوامل التطور، وظواهر التطور، وليس للسماء في الدراسة من نصيب إلا وصف الظاهرة نشأت في المجتمع".
ويقول في ص ١٧٤: "ومن هنا كانت الظاهرة التي تجدها في طلبة الجامعات في أوربا من الاستخفاف بكثير من العقائد وبكثير من القيم، وينتهي الطالب بالإلحاد"، ثم يقول في ص ١٧٦: "إن اليهود يهدفون من وراء كل ذلك إلى السيطرة على العالم، وألا يقف في وجههم قوة من إيمان أو قوة من خلق"، ويقول الشيخ في ص ١٧٧: "ولم يكن من السهل عليّ في أثناء هذه الدراسة الاستمساك الواثق بالقيم والمثل التي نشأت عليها، ولولا عون من الله سبحانه وتوفيق منه لصرت كواحد من هؤلاء الآلاف الذين يدرسون في الجامعات الأوربية ثم يخرجون منها وقد تحطمت في نفوسهم المثل الدينية الكريمة".
هذا ما كتبه الشيخ عن الدراسة في فرنسا بل في الجامعات الأوربية بعامة، والواقع أن ما كتبه ليس جديدا فهو معروف منذ عاد طه حسين من فرنسا وبدأت ظاهرة التشكيك تظهر في كتاباته وفي كتابات كل من درس في أوربا قبل سفر الدكتور عبد الحليم محمود في تصميم وإصرار على الدراسة في فرنسا برغم معارضة والده.
صحيح أن الشيخ يؤكد أنه لم يتأثر بموجة الإلحاد، ويزهو بثباته وتمسكه بمبادئ دينه الحنيف، ولا يثبت لنفسه إلا كل فضيلة على طريقة من يكتبون كتبا عن أنفسهم بأسلوب الكتابة الذاتية كما يسمونها، ولكن الشيخ لم يحاول وهو في موقع المسئولية أن يمنع سفر الطلاب والفتيات للدراسة في أوربا مع علمه بأن الكثيرين منهم يذهبون لدراسة العلوم الإسلامية في هذه البلاد التي تطغى فيها موجة الإلحاد.
стр. 6635
أنا لا أنكر أن الشيخ تحدث عن بعض جوانب الإسلام ضمن حديثه عن نفسه واستعراضه لتاريخ حياته، وانتقد وجود كليات الحقوق التي تخصص عشرين ساعة في الأسبوع للقوانين الأوربية، أي للفكر الأوربي في التشريع، أي أنها تعرض على الطالب أن يستعمر فكره الأوربيون في مجال التشريع، وأن يلغي ذاتيته الإسلامية في هذا المجال، بينما تخصص هذه الكليات ساعتين فقط للتشريع الإسلامي، وقال: إن منهج الاتباع هو الطريق الذي ينبغي أن يسلكه المسلم في حياته، وإذا سار المسلم فيه فردا - أو سار فيه المسلمون مجتمعا - فإن الله يكتب له الهدوء والطمأنينة والسعادة، ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
لا أنكر على الشيخ حديثه عن الإسلام ضمن حديثه عن نفسه في كتابه (الحمد لله هذه حياتي) ، ولكن الذي أنكره عليه في هذا الكتاب أنه لا يليق به وهو يشغل منصب شيخ الجامع الأزهر أن يتحدث عن نفسه بهذه الصورة، وأن يباهي بكل ما يصدر عن الصوفية وما يدعو إليه التصوف، وأن يشغل الناس بالحديث عن نفسه في وقت ينبغي أن يصرف فيه جهده في الدعوة إلى دين الله والحكم بما أنزل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة البدع والخرافات، ومقاومة موجة الإلحاد، ورد كيد أعداء الإسلام الذين يحاربونه بكل وسيلة ممكنة، ويستغلون وسائل الإعلام المختلفة في حربهم السافرة ضد الإسلام وحقائقه الناصعة.
ولعل شيخ الجامع الأزهر يقلع عن إصدار مثل هذه الكتب، ويصدر كتابا يوضح حقائق الإسلام، ويرشد الحيارى الضالين إلى دين الحق الذي يتفق مع الفطرة؛ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ .
والله يقول الحق ويهدي السبيل، وبالله التوفيق، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 6636
حكم من يسخر من القرآن وأهله
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله.. والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه:
أما بعد: فقد اطلعت على ما نشرته مجلة الدعوة في عددها الصادر في يوم الاثنين الموافق ٢٧/١/١٣٩٧هـ تحت عنوان (عكاظ تسخر من القرآن وأهله) ، ثم ذكر تحت هذا العنوان ما نصه: وطلعت علينا عكاظ في عددها الصادر بتاريخ ٧/٤/١٣٩٦هـ لتسخر من القرآن وأهله، ولتقول ما نصه: "والرجال يعتقدون أن المرأة كائن آخر، والمرأة في تعبيرهم ناقصة عقل ودين، وهم يعتقدون أن الرجال قوامون على النساء". انتهى ما نقلته مجلة الدعوة.
ولقد دهشت لهذا المقال الشنيع، واستغربت جدّا صدور ذلك في مهبط الوحي وتحت سمع وبصر دولة إسلامية تحكم الشريعة وتدعو إليها، وعجبت كثيرا من جرأة القائمين على هذه الجريدة حتى نشروا هذا المقال الذي هو غاية في الكفر والضلال والاستهزاء بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ والطعن فيهما، وليس هذا ببدع من القائمين على صحيفة عكاظ؛ فقد عرفت بنشر المقالات الداعية إلى الفساد والإلحاد والضرر العظيم على المجتمع، كما عرفت بالحقد على علماء الإسلام والاستطالة في أعراضهم والكذب عليهم؛ لأنه ليس لدى القائمين عليها وازع إيماني، ولم تردع بوازع سلطاني، فلهذا أقدَمت على ما أقدمت عليه من الكفر والضلال في هذا المقال الذي لا يقوله ولا ينشره من يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يقوله ولا ينشره من يحترم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
стр. 6637
ولمزيد التثبت والرغبة في الوقوف على أصل المقال ومعرفة من قاله طلبت الصحيفة المذكورة المنشور فيها هذا المقال، فأحضرت لي، فألفيتها قد نشرت ما نقلته عنها مجلة الدعوة حرفيا، ونسبت ذلك إلى من سمّت نفسها: أمل عبد الله، ولم تعلق الصحيفة شيئا في إنكار هذا المقال، فعلم بذلك رضاها به وموافقتها عليه.
ومعلوم أن الذي جعل الرجال قوامين على النساء هو الله في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ الآية، فالطعن في قوامة الرجال على النساء اعتراض على الله سبحانه، وطعن في كتابه الكريم وفي شريعته الحكيمة، وذلك كفر أكبر بإجماع علماء الإسلام، كما نصّ على ذلك غير واحد من أهل العلم منهم القاضي عياض في كتابه (الشفاء) .
стр. 6638
كما أن الذي وصف النساء بنقصان العقل والدين هو النبي ﷺ ، وذكر ﵊ أن من نقصان عقلها أن شهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل الواحد، وذكر أن من نقص دينها أنها تمكث الليالي والأيام لا تصلي، وتفطر في رمضان بسبب الحيض، وإن كان هذا النقصان ليس عليها فيه إثم، ولكنه نقصان ثابت معقول لا شك فيه ولا اعتراض على الرسول ﷺ في ذلك؛ لأنه أصدق الناس فيما يقول وأعلمهم بشرع الله وأحوال عباده، فالطاعن عليه في ذلك طاعن في نبوّته ورسالته، ومعترض على الله سبحانه في تشريعه، وذلك كفر وضلال لا ينازع فيه أحد من أهل العلم والإيمان، والأدلة النقلية والعقلية والشواهد من الواقع ومن معرفة ما جبل الله عليه المرأة وميزها به عن الرجل كل ذلك يؤيد ما أخبر الله به سبحانه من قوامة الرجال على النساء وفضلهم عليهن، وما أخبر به النبي ﷺ من نقصان عقل المرأة ودينها بالنسبة إلى الرجل، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون كل فرد من أفراد الرجال أفضل ولا أعقل من كل فرد من أفراد النساء، وكم لله من امرأة أفضل وأعلم وأعقل من بعض الرجال، وإنما المراد تفضيل الجنس على الجنس، وبيان أن هذا أكمل من هذا، والأدلة القطعية شاهدة بذلك كما سبق.
стр. 6639
وقد اتضح من كلام صاحبة المقال (أمل عبد الله) أنها أرادت من طعنها على قوامة الرجال على النساء، ومن اعتراضها على نقصهن في العقل والدين أن ذلك يسبب انقسام المجتمع وعدم ترابطه وتعاونه، وذلك يؤيد ما ذكرنا آنفا من كون المقصود بالمقال المذكور هو الطعن في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، واتهامها بأنهما سبب التخلف وانقسام المجتمع وعدم تعاونه، ولا شك أن هذا من أوضح الكذب وأبطل الباطل، وليس في اعتقاد ما دلّ عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في قوامة الرجال على النساء ونقص عقول النساء ودينهن ما يوجب الضرر على المجتمع الإسلامي وانقسامه وعدم ترابطه وتعاونه، بل ذلك من تزيين الشيطان وإيحائه إلى أوليائه من الجهال والمشركين ومن سار في ركابهم، كما أنه لا يلزم من ذلك إهدار المرأة من حساب المجتمع، ولا إعفاؤها من المشاركة فيما يصلح المجتمع من النصيحة لله ولعباده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الحق، وغير ذلك من الأمور الواجبة على الجميع، بل هي مأمورة بذلك ومفروض عليها القيام بما تستطيع في هذا السبيل، كما قال الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَ جْراً عَظِيماً﴾ ، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد قبل النبي ﷺ مشورة أم سلمة
стр. 6640
يوم الحديبية، وحصل بذلك نفع كبير، وقصة خديجة ﵂ في بدء الوحي وما حصل بها من الخير الكثير والتفريج عن النبي ﷺ معروفة لدى أهل العلم، والوقائع من هذا النوع في التاريخ الإسلامي كثيرة.
وإنه لعجب عظيم أن يجترئ أصحاب هذه الصحيفة على نشر هذا المقال مع انتسابهم للإسلام، وقبضهم المعونات السخية من دولة الإسلام لتشجيع صحيفتهم واستمرار صدورها، ولكن لا عجب في الحقيقة فقد صحّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، وفي الأمثال السائرة المتداولة: من أمن العقاب أساء الأدب.
وقد روي عن عمر وعثمان ﵄ أنهما قالا: "إن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن".
وإن هذه الصحيفة قد تجاوزت الحدود واجترأت على محاربة الدين والطعن فيه بهذا المقال الشنيع جرأة لا يجوز السكوت عنها، ولا يحل لوزارة الإعلام ولا للحكومة الإغضاء عنها، بل يجب قطعا معاقبتها معاقبة ظاهرة بإيقافها عن الصدور ومحاكمة صاحب المقال والمسئول عن تحرير الصحيفة وتأديبهما تأديبا رادعا، واستتابتهما عما حصل منهما؛ لأن هذا المقال يعتبر من نواقض الإسلام ويوجب كفر وردة من قاله أو اعتقده أو رضي به؛ لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية، فإن تابا وإلا وجب قتلهما لكفرهما وردتهما، ولا يخفى على ذوي العلم والإيمان ان هذا الإجراء من أهم الواجبات؛ لما فيه من الحماية لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وشريعة الله الكاملة، ولما في ذلك من ردع كل من تسول له نفسه أن يفعل ما فعلته صحيفة عكاظ، ويجترئ على ما اجترأت عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 6641
أخبار الجامعة
مجلس الجامعة
الدورة الرابعة للمجلس الأعلى للجامعة:
عقد المجلس الأعلى للجامعة دورته الرابعة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير فهد ابن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى للجامعة - حفظه الله - في المدة من ١٦ إلى ١٨ من رجب ١٣٩٧هـ بمقر الجامعة بالمدينة المنورة، وافتتح سموه هذه الدورة بكلمة قال فيها:
"بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
ومن دواعي سروري في هذا اليوم أن أفتتح أنا وزملائي أعضاء المجلس الدورة الرابعة للمجلس الأعلى للجامعة، ويسرني في هذه المناسبة أن أنقل تحيات جلالة الملك خالد لأعضاء المجلس، وتمنياته الطيبة لهم بالتوفيق والنجاح في هذا العمل المثمر.
ومما يشرفني أن أساهم في شدّ أزر هذه الجامعة من جميع النواحي؛ سواء إدارية أو مالية أو اجتماعية، وإني لأرجو من صميم قلبي أن تستمر هذه الجامعة في حالة تطوّر مستمر، وأن تكون قدوة إن شاء الله لجميع الأقطار الإسلامية، وأن تمتد إلى جميع النواحي في مشارق الأرض ومغاربها في كافة البلاد الإسلامية، وأن المملكة العربية السعودية ملكا وحكومة وشعبا سوف تبذل ما تستطيع من جهد لدعم هذه الجامعة التي بنيت على أسس سليمة.. وختاما أرجو لكم التوفيق، وأرجو أن نبتدئ عملنا في هذا اليوم بالخير والبركة إن شاء الله، وشكرا لكم".
ومن أهم قرارات المجلس الأعلى في هذه الدورة ما يلي:
اقتراح افتتاح فرعين للجامعة:
أيّد المجلس الأعلى اقتراح الجامعة افتتاح فرع لها في كل من (اندونيسيا) و (نيجيريا) ، على أن تقوم الجامعة بإجراء الدراسات التمهيدية لذلك، وعرض النتيجة في الدورة التالية.
تعيين أعضاء بهيئة التدريس بالجامعة:
وافق المجلس الأعلى على تعيين كل من:
أستاذا مشاركا.
стр. 6642
- فضيلة الشيخ محمد حماد الأنصاري
أستاذا مساعدا بهيئة التدريس بالجامعة
- وفضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي
أستاذا مساعدا.
- وفضيلة الشيخ عمر محمد فلاتة
اللائحة التنفيذية، ولائحة المتعاقدين:
أقر المجلس اللائحة التنفيذية للجامعة، وكادر المتعاقدين من أعضاء هيئة التدريس والمدرسين المساعدين (المحاضرين) والمعيدين بالجامعة.
وفود الدعوة في الخارج:
أوفدت الجامعة في العطلة الصيفية هذا العام ٩٦/١٣٩٧هـ وفودا للدعوة الإسلامية إلى كل من: أندونيسيا، نيجيريا، غانا، تونس، موريتانيا، فرنسا، ألمانيا الغربية، سويسرا، ماليزيا.
تعيين عمداء لبعض الكليات:
تم تعيين كل من:
- فضيلة الدكتور محمد بن حمود الوائلي عميدا لكلية الشريعة.
- الشيخ عبد العزيز محمد القويفلي عميدا لكلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية.
- الشيخ محمد أمان علي الجامي عميدا لكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية.
محاضرات الجامعة في موسمها الثقافي هذا العام:
ألقيت في هذا الموسم ١٥ محاضرة من أساتذة الجامعة، ويجري طبع هذه المحاضرات في كتاب مستقل لتوزيعه تعميما للفائدة.
معسكر الجامعة في بلجرشي:
أقامت الجامعة في العطلة الصيفية هذا العام معسكرا لطلاب الجامعة الذين لم يسافروا إلى بلادهم، واشترك فيه عدد منهم من أقطار مختلفة، واستمر مدة شهر في مدينة بلجرشي في المنطقة الجنوبية من المملكة، ومن أهم أهدافه:
شغل أوقات فراغ الطلاب بوجوه النشاط العلمية والعملية التي تنمي معارفهم، وتكشف عن مواهبهم، وتهذب سلوكهم، وتعمق التدين العملي في حياتهم.
تقوية عناصر التعارف وأواصر التآخي والتآلف، وتعزيز سبل التعاون فيما بينهم، وتوثيق صلتهم بأساتذتهم.
تدريبهم على الدعوة إلى سبيل ربهم، وإكسابهم المهارات في هذا المجال.
стр. 6643
تعريف غير السعوديين ببعض مناطق المملكة التي يتوقون إلى معرفتها.
وقد أمضى الطلبة أوقاتهم في هذا المعسكر في تنفيذ البرامج المعدة لهم من قبل إدارة المعسكر بإشراف بعض الأساتذة من الجامعة، مع الاستجمام والاستمتاع بجو المنطقة.
حفل التخرج:
أقامت الجامعة بعد عصر يوم السبت ١٦ من رجب ١٣٩٧هـ بقاعة المحاضرات بها الحفل السنوي لتكريم المتخرجين والمتفوقين في العام الدراسي ٩٦/١٣٩٧هـ برعاية صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء، والرئيس الأعلى للجامعة.
وقد تفضل سموه الكريم بحضور هذا الحفل، وإلقاء كلمة فيه، نشرت افتتاحية لهذا العدد من المجلة، كما تفضل بتوزيع الشهادات على الخريجين.
وألقى في هذا الحفل كل من فضيلة نائب رئيس الجامعة وفضيلة رئيس قسم الدراسات العليا، وأحد الخريجين كلمة بهذه المناسبة، وفيما يلي كلمة نائب رئيس الجامعة عبد المحسن ابن حمد العباد.
نص الكلمة
الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه وبركاته على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإنها لفرصة طيبة ومناسبة عظيمة أن تحتفل أسرة الجامعة معبرة عن سرورها واغتباطها بتخرج الدفعة الثالثة عشرة من خريجي هذه الجامعة المباركة، وقد زاد في السرور وضاعف البهجة أن يتم هذا الحفل برعاية صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى للجامعة.
стр. 6644
صاحب السمو الملكي الرئيس الأعلى للجامعة: يسرني أصالة عن نفسي ونيابة عن أسرة الجامعة أن أتقدم بالشكر لسموكم الكريم على العناية التامة والتشجيع المستمر الذي تلقاه هذه الجامعة من سموكم الكريم، فبالرغم من كثرة أعمالكم قدمتم هذا اليوم إلى المدينة لرئاسة المجلس الأعلى للجامعة في دورته الرابعة، وفي العام الماضى قدمتم اليها لرئاسة المجلس في دورته الأولى، وفي ذلك تعبير عملي عن حرص سموكم على هذه الجامعة، وتشجيع لهذه الجامعة يزيد في نشاطها ويشد من أزرها؛ لتواصل مسيرتها الخيرة في سبيل تحقيق الأهداف السامية التي أنشئت من أجلها.
إن الجامعة يسرها كثيرا أن تحتفل هذا اليوم بتخرج الدفعة الثالثة عشرة من كلية الشريعة، وتخرج الدفعة الثامنة من كلية الدعوة وأصول الدين، وفي العام القادم بمشيئة الله تحتفل بتخريج الدفعة الأولى من كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، وفي العام الذي يليه يتخرج الدفعة الأولى من كلية اللغة العربية والآداب، وفي العام التالي الذي يليه يتخرج الدفعة الأولى من كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية، ولقد بلغ عدد الخريجين في الدور الأول هذا العام مائة وثلاثة وثمانين جامعيا، منهم مائة وثلاثة وخمسون من خارج المملكة وينتمون إلى خمسة وثلاثين قطرا من أقطار العالم، ثمانية عشر قطرا من آسيا، وسبعة عشر قطرا من أفريقيا، وبإضافة خريجي هذه الدفعة إلى المتخرجين في الأعوام الماضية وعددهم ألف ومائتان وسبعة وسبعون جامعيا يكون عدد الحاصلين على الشهادة العليا (الليسانس) من كلتي الشريعة والدعوة وأصول الدين في الجامعة حتى الآن ألفا وأربعمائة وستين جامعيا ينتمون إلى اثنين وستين قطرا من أقطار العالم.
صاحب السمو الملكي الرئيس الأعلى للجامعة:
стр. 6645
إن حكومة المملكة - وفقها الله - تقدّم للمسلمين في أنحاء العالم المساعدات المادية والمعنوية، وإن أفضل شيء قدمته وتقدمه للعالم تعليم أبنائه ليقوموا بالدعوة إلى الخير والتحذير من الشر، فهؤلاء الخريجون في الحقيقة أنفس هدية تقدمها حكومة المملكة للعالم، وأي هدية أنفس وأغلى من دعاة إلى الجنة وهداة إلى الصراط المستقيم ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
وإني لأرجو أن يكتب الله لجلالة الملك خالد حفظه الله، ولسموكم الكريم، ولكل من ساهم في تحقيق أهداف هذه الجامعة مثل أجورهم وأجور من استفاد خيرا بسببهم، فإن من دل على خير فله مثل أجر فاعله، ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا.
صاحب السمو الملكي الرئيس الأعلى للجامعة:
لعالمية هذه الجامعة وشمول نفعها وسمو أهدافها تلقى دائما من حكومة المملكة - وفقها الله - كل تأييد ودعم مادي ومعنوي، وتحظى بالعناية والرعاية، ويتمثل الدعم المادي باعتماد المبالغ الكبيرة في ميزانيتها سنويا، أما التأييد المعنوي فلا حدود له، وأبرز أمثلته أن جلالة الملك فيصل ﵀ هو الرئيس الأعلى لهذه الجامعة، ثم بعد تولي جلالة الملك خالد حفظه الله تفضل بإسناد رئاستها لسموكم الكريم فانتقلت رئاستها العليا من يد قوية أمينة إلى يد قوية أمينة، وما قدوم سموكم إلى المدينة هذا اليوم لرئاسة المجلس الأعلى للجامعة في دورته الرابعة، وقدوم سموكم في العام الماضي لرئاسة الدورة الأولى إلا نموذج مما تلقاه الجامعة من سموكم الكريم من رعاية وعناية.
стр. 6646
ومن آثار اهتمام حكومة المملكة - أدام الله توفيقها - بهذه الجامعة وعنايتها بها وحرصها على تعميم نفعها ما حصل لها من توسع في مجال الدراسات العالية وفي مجال الدراسات العليا، فحصل لها نمو أفقي يتمثل بافتتاح ثلاث كليات خلال ثلاث سنوات، فقد افتتحت كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية في عام ٩٤/١٣٩٥هـ، وافتتحت كلية اللغة العربية والآداب في عام ٩٥/١٣٩٦هـ، وافتتحت كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية في عام ٩٦/١٣٩٧هـ، وبحمد الله إن الجامعة الإسلامية سبقت إلى افتتاح كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية وكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية، في عام ٩٦/١٣٩٧هـ، وهما أول كليتين من نوعهما في العالم، وحصل للجامعة نمو رأسي بافتتاح قسم الدراسات العليا لمنح درجة الماجستير ثم الدكتوراه، وقد افتتح هذا القسم في أول العام الدراسي ٩٥/١٣٩٦هـ، وخلال أشهر قليلة بمشيئة الله يبدأ في هذه القاعة بمناقشة الرسائل المقدمة لنيل درجة الماجستير.
أيها الإخوة الخريجون، يسرني أن أهنئكم بإتمام دراستكم العالية في هذه الجامعة، وبهذا التكريم الذي ظفرتم به، وهو رعاية سمو الرئيس الأعلى للجامعة حفل تخرجكم وتفضله بتسليم شهاداتكم لكم، وأحب أن ألفت أنظاركم إلى أن نيل هذه الشهادة لا يعني انتهاءكم من الدراسة، وإنما يعني وصولكم إلى بداية طريق العلم ودخولكم ميدان العمل، ودراستكم في هذه الجامعة إنما هي وسيلة إلى غاية نبيلة هي الدعوة إلى الخير والتحذير من الشر، وأسأل الله تعالى أن يزيدكم علما وهدى وأن يوفقكم لما فيه رضاه ونفع عباده.
стр. 6647
وفي الختام أشكر الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ثم أشكر لحكومة المملكة وعلى رأسها جلالة الملك خالد بن عبد العزيز الرئيس الفخري لهذه الجامعة، وسمو ولي عهده الأمير فهد بن عبد العزيز الرئيس الأعلى للجامعة على رعايتهما وعنايتهما بهذه الجامعة العالمية، ولا يفوتني أن أشكر سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي بدأت مسيرة هذه السفينة على يديه، فقادها خلال خمسة عشر عاما إلى بر النجاة وشاطئ السلامة، وكان له الفضل بعد الله في ثباتها واستقرارها على طريق الحق والهدى، كما أشكر العاملين في هذه الجامعة من مسئولين وهيئة تدريس على الجهود الطيبة التي بذلوها في صالح هذه الجامعة، وأسأل الله تعالى أن يثيبهم خيرا وأن يبارك في جهود الجميع إنه سميع مجيب.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم، وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 6648
دراسات حول إعجاز القرآن الكريم في القرن الثالث الهجري
لفضيلة الدكتور صادق إبراهيم خطاب
أستاذ البلاغة والنقد بكلية الشريعة
القرآن الكريم منذ أن نزل على النبي الأمين محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - كان وما يزال الحجّة الكبرى والمعجزة العظمى التي وقف العرب أمامها مبهورين لا يملكون جواباً وما عساهم يفعلون، لم يكن أمامهم إلا أن يرجعوا إلى أنفسهم لعلّهم يجدون مخرجاً، ولكنّ الحجّة أعيتهم ووقفت ألسنتهم واحتبست أصواتهم وهم يستمعون إلى النبي ﷺ يبلغ الناس قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [١] ، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [٢] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [٣] .
стр. 6649
ولكنّهم عجزوا أن يأتوا بمثله أو بأقصر سورة؛ وهم أصحاب لسن وفصاحة وبيان وإقناع، مع حرصهم البالغ على تكذيب الرسول فيما يدّعيه أنه مرسل به من ربّه، وبدأوا يتخبّطون؛ فقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرى﴾ ، ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ ، ويقولون: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ، ومع هذا أخذوا يتحاشون سماع القرآن الكريم خوفا من أن يؤثّر في نفوسهم ويهديهم برغم أنوفهم، ولنستمع إلى الوليد بن مغيرة أحد خصوم الدعوة الألدّاء بعد أن استمع إلى بعض آي الذكر الحكيم قال: والله لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإنّ له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق.
стр. 6650
كان هذا موقف العرب عند بدء الدعوة، ولكن بعد أن اتّسعت الفتوح وانتشر الإسلام واختلط العرب بغيرهم من أهل البلاد التي فتحوها شُغل الناس بالقرآن الكريم؛ يتدارسونه ويوضحون معانيه ويبحثون عن ألفاظه وتراكيبه وما فيه من علوم وفنون، فأضحت آياته ميدانا لدراسات مختلفة، خاصة البلاغيّة منها؛ يحاولون بذلك بيان الوجه الذي من أجله عجز الناس عن محاكاته أو الإتيان بأقصر سورة منه، وكان لانقسام المسلمين إلى فرق وطوائف أثر بالغ في هذه الدراسات التي تدور حول القرآن وما فيه من معان وأغراض وأسرار، وأقدم ما ظهر من الكتب في هذا الشأن هو كتاب ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة ٢٠٨هـ، ويقول أبو عبيدة عن سبب تأليفه هذا الكتاب: إن الفضل بن الربيع وزير الرشيد ثم الأمين استقدمه من البصرة، فلما بلغ مجلسه ببغداد وكان به إبراهيم بن إسماعيل الكاتب سأله الكاتب عن معنى قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ وإنما يقع الوعد والوعيد بما عرف مثله وهذا لم يعرف؟ فقال له أبو عبيدة: إنما كلّم الله تعالى العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس:
ومسنونة زرق كأنياب أغوال
أيقتلني والمشرفي مضاجعي
وهم لم يروا الغول قط، ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم ويفزعهم أوعدوا به؛ فاستحسن الحاضرون هذا الجواب.
ومنذ ذلك الحين عزم أبو عبيدة على أن يخرج كتابا يبين فيه ما يشتبه على الناس، فلما رجع إلى البصرة أخذ في تأليف كتابه هذا ((مجاز القرآن)) وهو لا يريد بكلمة (مجاز) ما يقابل الحقيقة كما هو اصطلاح المتأخرين، وإنما يريد الدلالة الدقيقة لصيغ التعبير القرآنية المختلفة، وقد ظهر مراده هذا في السطور الأولى من الكتاب.
стр. 6651
جاء في فاتحته: قال الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ مجازه تأليف بعضه إلى بعض، ثم قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه﴾ مجازه فإذا ألّفنا منه شيئا فضممناه إليك فخذ به واعمل به وضمه إليك ... وهكذا يمضي في كتابه مسترشدا باستعمالات العرب وما أثر عنهم في أشعارهم وأساليبهم، وأدّاه هذا الاختيار إلى أن يتحدّث عمّا في الآيات من تشبيه وكناية وتقديم وتأخير وحذف وإضمار وتوسّع في تصور الخصائص التعبيرية، كالدلالة بلفظ الخصوص على العموم، وبلفظ العموم على معنى الخصوص، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، ومخاطبة الجميع مخاطبة الواحد، كما تنبّه في ثنايا ذلك إلى الصورة العامة للالتفات وإن كان لم يسمّه باسمه؛ يقول: ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد ثم تركت وحوّلت مخاطبته إلى الغائب، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ أي بكم.
والذي يقرأ كتاب أبي عبيدة يلاحظ أنه اختار الآيات التي تصوّر طرقا مختلفة في الصياغة والدلالة، متمثلا بما يشبهها من أشعار العرب وأساليبهم، وشارحا لما تضمنه من لفظ غريب أو معنى بعيد، وما كان أبدا يعني بكلمة مجاز المعنى الذي أراده البلاغيون؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية [٤] : (أول من عرف أنه تكلّم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه، ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية) .
стр. 6652
وفي النصف الأول من القرن الثاني الهجري ظهر أبو عثمان عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ المتوفى ٢٥٥هـ فألف كتبا كثيرة نقف عند اثنين منها، هما: البيان والتبيين، والحيوان، وقد تحدّث في كتابه الأوّل عن الفصاحة والبلاغة عند العرب وعند غيرهم، وأكثر من الحديث عن جزالة الألفاظ وفخامتها ورقتها وعذوبتها ونشر ذلك في كل جوانب كتابه، كما عرض لتلاقي الكلمة مع الكلمة، ملاحظا أن من الألفاظ ما يتنافر بعضه من بعض، وأوجب أن تكون الكلمات كأفراد الأسرة الواحدة التي تقوم بينها واشجة الرحم. وعلى الجملة فقد ألَمّ الجاحظ في كتابه هذا بالصور البيانية المختلفة وبكثير من فنون البديع، غير أنه لم يسق ذلك في تعريفات وتحديدات، فقد كان مشغولا بسوق النموذج البلاغية من غير أن يعنى بتوضيح دلالة المثال على القاعدة التي يقررها.
وكتب الجاحظ وإن لم تكن في موضوعنا الذي نعالجه نصّا إلا أن بالمسلم حاجة إلى قراءتها؛ ليستطيع تمييز الكلام الجيّد من غيره، وكما نعلم فإنه لا يقف على وجوه إعجاز القرآن إلا من عرف معرفة بينة وجوه البلاغة العربية، وتكوّنت له فيها ملكة يقيس بها الجودة والرداءة في الكلام، بحيث يميز بين نمط شاعر وشاعر ونمط كاتب وكاتب، وبحيث يعرف مراتب الكلام من الفصاحة.
ولا شك أن الجاحظ فيما كتب كان خبيرا بالأساليب الفصيحة يميزها ويذكر خصائصها ويكشف عن سبب حسنها أو رداءتها؛ فهو صيرفيّ بارع في هذا الشأن، وسنورد طرفا مما أتى به من تأويل بعض الآيات لنتبين مذهبه في بيان ما أشكل فهمه على الناس.
وكانت عنايته في كتاب الحيوان منصبّة على أنواع الحيوانات، وطبائعها وخصائصها وما جاء في القرآن الكريم عنها وما ذكره العرب في ذلك، وإن كان قد عرض لكثير من النصوص الأدبية وبيّن المراد منها وسبب حسنها أو قبحها.
стр. 6653
يقول في تأويل آية [٥] : حدثني أبو الجهجاه قال: سأل أبو عمرو المكفوف عن قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا﴾ ؟ فقلت: إن تدبيرا يعجب منه نبي من الأنبياء ثم يعظم خطره حتى يضحكه لعجب! قال: فقال: ليس التأويل ما ذهبت إليه؛ فإنه قد يضحك النبي ﵇ من الأنبياء من كلام الصبي ومن نادرة غريبة، وكل شيء يظهر من غير معدنه - كالنادرة تسمع من المجنون - فهو يضحك؛ فتبسم سليمان عندي على أنه استظرف ذلك المقدار من النملة، فهذا هو التأويل.
ويقول [٦] في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ : وليس أن الناس رأوا شيطانا قطّ على صورة، ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهته، وأجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتفزيع لما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم.
ويقول [٧] في تأويل قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ ، وقوله عزّ اسمه: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ : إنه قد يقال لهم ذلك وإن شربوا بتلك الأموال الأنبذة ولبسوا الحلل وركبوا الدواب؛ ولم ينفقوا منها درهما واحدا في سبيل الأكل، وقد قال الله : ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ .
وقال الشاعر في أخذ السنين من أجزاء الخمر:
وتَبَقّى مُصاصَها المكنونا
أكل الدهر ما تجسم منها
وقال الشاعر:
يأكل منها بعضها بعضا
مرّت بنا تختال في أربع
стр. 6654
ثم يعلّق على هذه النصوص بقوله: إذا قالوا (أكل الأسد) فإنما يذهبون إلى الأكل المعروف، وإذا قالوا (أكله الأسود) فإنما يعنون النهش واللدغ والعضّ فقط.
ويقول في باب آخر في مجاز الذوق وهو قول الرجل إذا بالغ في عقوبة عبده: ذق! وكيف ذقته؟ وكيف وجدت طعمه؟.
وقال : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ .
ويختم كلامه بقوله [٨] : وللعرب إقدام على الكلام؛ ثقة بفهم أصحابهم عنهم، وهذه فضيلة أخرى، وكما جوّزوا بقولهم (أكل) وإنما عضّ، و (أكل) وإنما أفنى، و (أكل) وإنما أحاله، و (أكل) وإنما أبطل عينه جوّزوا أيضا أن يقولوا: (ذقت) ما ليس بطعم، ثم قالوا: (طعمت) لغير الطعام، وقال العرجي:
وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
وإن شئت حرمت النساء سواكم
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ ، يريد لم يذق طعمه.
وعلى هذا النهج وضّح الجاحظ كثيرا من المعاني التي ربما أشكل فهمها على غير الواقفين على أسرار العربية، وبين المراد منها مستشهدا باستعمالات العرب؛ إذ إن القرآن الكريم نزل بلغتهم؛ فهو يسوق اللفظ ويبيّن المراد منه في القرآن ويستدل على أن العرب يستعملونه هذا الاستعمال، وإن جاء ذكر المجاز في كلامه فيعني به ما عناه أبو عبيدة وما يقصد منه في اللغة، ولا يستطيع منصف أن ينسب للجاحظ أو يأخذ من كلامه أنه قصد من المجاز ما ذهب إليه المتأخرون من أنه قسيم الحقيقة.
стр. 6655
ولذلك نرى أن الدكتور شوقي ضيف [٩] قد جانبه التوفيق حين قال: إن استعماله - يعني الجاحظ لكلمتي الحقيقة والمجاز في كتاب الحيوان - يدخل في استعمال البلاغيين المتأخرين، وقد أدّاه هذا الفهم الخاطئ لكلام الجاحظ إلى أن يحكم على ابن تيمية بالخطأ؛ إذ يقول [١٠] : إن ابن تيميه أخطأه التوفيق حين زعم أن تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز تقسيم حادث بعد القرون الثلاثة الأولى للهجرة. والنصوص التي سقناها من كلام الجاحظ فيما سبق شاهدة على صدق ما نقول.
وننتقل الآن إلى كتاب آخر ظهر في منتصف القرن الثالث الهجري، هو تأويل مشكل القرآن لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى المتوفى سنة ٢٧٦هـ، وهو عالم سنيّ محافظ يكره الاعتزال والمعتزلة، وكان غرضه من تصنيف كتاب (تأويل مشكل القرآن) الردّ على الملاحدة الذين يطعنون على القرآن الكريم؛ ويقولون إن به تناقضا وفسادا في النظم واضطرابا في الإعراب، وإنما أدّاهم هذا إلى جهلهم بأساليب العربية وقصورهم عن إدراك أسرارها وفهم مراميها، ومن ثم جاء هذا الكتاب لإظهار الحق وإبطال ما يدعون.
следующие страницы →