Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.
стр. 6581
٧- إن التوحيد هو السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه والفوز بشفاعة الرسول ﷺ يقول الله تعالى مثنيا على المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
٨- إن الله تكفل لأهل التوحيد بالفتح والنصر والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال.
٩- إن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت.
١٠- إن التوحيد يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات ويسليه عن المصيبات فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي لما يخشى من سخطه وعقابه.
١١- إن التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله إلى صاحبه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان وجعله من الراشدين.
١٢- إن التوحيد هو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوباتهما.
١٣- إن التوحيد هو الطريق إلى الفوز بمحبة الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ .
١٤- إن التوحيد يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان يتلقى المكاره بقلب منشرح وصدر رحب ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة.
стр. 6582
١٥- إن الله تكفل لأهل التوحيد بالأمن والطمأنينة والولاية ودخول الجنان ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ .
هذه هي فضائل التوحيد ولا ينالها ولا يحظى بها إلا من حققه وتحقيقه ليس بالتمني ولا بالدعاوى الخالية من الحقائق ولا بالحلي العاطلة وإنما ذلك بما وقر في القلوب من عقائد الإيمان وحقائق الإحسان وصدقته الأخلاق الجميلة والأعمال الصالحة الجليلة.
يقول ابن القيم ﵀ في فضل كلمة التوحيد: "هي الكلمة [٧] التي قامت بها الأرض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات وعليها أسست الملة ونصبت القلة وجردت سيوف الجهاد وهي محض حق الله على جميع العباد وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار وهي المنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به والحبل الذي لا يصل إلى الله إلا من يتعلق بسببه وهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد ومقبول وطريد وبها انفصلت دار الكفر من دار الإسلام وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان وهي العمود الحامل للفرض والسنة "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" [٨] .
العبادات وأثرها في إصلاح القلوب وتهذيب النفوس
إن الإسلام قد فرض على الناس عبادات لها أثر حسن في إصلاح القلوب وتهذيب النفوس وسنشير في هذه العجالة إلى ما تشتمل عليه هذه العبادات من المثل العالية والمبادئ السامية التي تحقق السعادة في الدنيا والآخرة.
الصلاة وفضائلها:
إن من يدرس هذه الفضيلة دراسة واعية مستفيضة يدرك أنها تشتمل على كثير من الفضائل التي تسهم في سعادة الفرد والمجتمع ومن هذه الفضائل ما يأتي:
стр. 6583
١- إنها تسهم في حماية العبد من الأمراض التي تفتك به وتعوقه عن العمل لدنياه وأخراه لما فيها من الحث على النظافة فقد جعل الإسلام مفتاحها طهارة البدن والثوب والمكان.
٢- إنها تعوِّد المؤمن مراقبة الله وخشيته، إذ يقف العبد فيها فارغا من الشواغل موجها قلبه إلى مولاه يناجيه ويثني عليه بما هو أهله خائفا عقابه طامعا في رحمته طالبا منه العون والهداية فيؤثر ذلك في نفسه ويعوده مراقبة الله وخشيته فيجتنب ما يغضب مولاه عما حرم الله.
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ .
٣- الصلاة تمد المؤمن بقوة روحية تعينه على مواجهة المشقات والمكاره في الحياة الدنيا ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين﴾ .
وكان النبي ﷺ إذا حزبه [٩] أمر فزع إلى الصلاة [١٠] .
٤- إن في الصلاة غذاء روحيا للمؤمن يعينه على مقاومة الجزع عند الشر والمنع عند الخير والتغلب على جوانب الضعف الإنساني ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ .
٥- إن الصلاة سبب لمحو الخطايا وغفران الذنوب فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أرأيت لو أن نهرا على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات فهل يبقى على بدنه من درنه شيء قالوا: لا قال فذلك مثَل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا" أخرجه البخاري ومسلم.
٦- إن الصلاة تعلم العبد بما فيها من الركوع والسجود والثناء والتعظيم كيف يتواضع لله، وكيف يشكر من أحسن إليه ويكافئ من أسدى إليه معروفا.
стр. 6584
٧- إن الصلاة بما فيها من الخشوع ترقق قلب المؤمن وتملأه رحمة وقناعة فيرحم الضعفاء، ويواسي البؤساء، ويرضى عن الله في الشدة والرخاء.
٨- إن في الصلاة غذاء للروح لا يغني عنه علم ولا أدب فالصلوات الخمس هي وجبات الغذاء اليومي للروح كما أن للمعدة وجباتها اليومية يناجي المصلي فيها ربه فتكاد تشف روحه وتصفو نفسه فتسمع كلام الله الذي يقول: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله : حمدني عبدي، فإذا قال الرحمن الرحيم قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" رواه مسلم.
٩- في الصلاة تدريب للمسلم على النظام وتعويد له على الطاعة ويظهر هذا واضحا في صلاة الجماعة إذ يقف المسلمون في صفوف مستقيمة متلاصقة فلا عوج ولا فرج المنكب إلى المنكب والقدم إلى القدم فإذا كبر الإمام كبروا وإذا قرأ أنصتوا، وإذا ركع ركعوا، وإذا سجد سجدوا، وإذا سلم سلموا، من خرج على هذا النظام فكأنما خرج على الإنسانية وانحط إلى مستوى الحيوانية [١١] ففي الحديث الشريف: "ألا يخشى الذي يركع أو يسجد قبل الإمام أن يمسخ الله رأسه رأس حمار" رواه البخاري ومسلم.
١٠- في صلاة الجماعة مظهر من مظاهر المساواة الرائعة إذ يقف الأمير إلى جانب الفقير والغني في جوار المسكين، والسيد في محاذاة الخادم، فليس في المسجد لائحة تخصص الصف الأول للوزراء والصف الثاني للنواب، والصف الثالث للمدير وإنما الجميع سواسية كأسنان المشط فمن بكَّر في الذهاب إلى المسجد احتل مكانه في مقدمته أيّاً كانت منزلته وأيّاً كان عمله في الناس [١٢] .
стр. 6585
١١- في صلاة الجماعة دعم لعاطفة الأخوة وتقوية لروابط المحبة وإظهار للقوة فبالاجتماع تذهب الضغائن وتزول الأحقاد، وتتآلف القلوب وتتحد الكلمة.
١٢- في صلاة الجماعة تظهر عظمة ملك الملوك ورب الأرباب ويعم الخير وتنتشر الرحمة لأن المسلمين إذا اجتمعوا في صعيد واحد وراء إمام واحد إلى قبلة واحدة يعبدون ربّاً واحدا خاشعين خاضعين خائفين عذابه طامعين في فضله غشيتهم رحمته وعمهم إحسانه ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
١٣- الصلاة تعود على البدن بنفع عظيم فهي تقوى العضلات وتسبب اليقظة المبكرة والنشاط لجميع الجوارح فالجسم في الصلاة يعمل قائما وقاعدا وراكعا واللسان يعمل قارئا مكبرا مسبحا مهللا [١٣] والعقل يعمل متدبرا متفكرا فيما يتلى عليه من القرآن والقلب يعمل مستحضرا رقابة الله تعالى وحشيته والشوق إليه.
عناية الإسلام بالصلاة
لقد عني الإسلام بالصلاة لما فيها من الفضائل ولما تشتمل عليه من الخير والنفع فشدد كل التشديد في طلبها وحذر كل التحذير من تركها أو تأخيرها عن أوقاتها فهي عمود الدين ومفتاح الجنة وخير الأعمال وأول ما يحاسب عليه المرء المؤمن [١٤] يوم القيامة يذكرها القرآن الكريم في دعاء الخليل إبراهيم. ﵊ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ .
ويمدح بها إسماعيل ﵊ ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ .
ويأمر الله تعالى كليمه موسى ﵊ بإقامتها أول ما يأمره به في ساعات الوحي الإلهي ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ .
стр. 6586
ويوحي إليه وإلى أخيه هارون عليهما الصلاة والسلام ﴿أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ .
ومن وصايا لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ .
وينطق عيسى ﵇ وهو في مهده ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ . ويأمر بها خام أنبيائه عليه أفضل الصلاة والسلام ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ .
ويؤكد الإسلام عليها في الحضر والسفر والأمن والخوف والسلم والحرب ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانا﴾ .
وينذر بالويل والهلاك من يصرف قلبه عنها أو يؤخرها عن وقتها فيضيعها ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ .
ويجعلها الرسول ﷺ الدليل الأول على التزام عقد الإيمان والشعار الفاصل بين المسلم والكافر ففي الحديث الشريف "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" رواه أحمد ومسلم.
وذكر الرسول ﷺ يوما فقال: "من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف" أحمد وابن حبان.
وفي توجيه هذا الحديث كلام حسن خلاصته أن من شغله عن الصلاة ماله فهو مع قارون ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون ومن شغله عنها رياسته ووزارته فهو مع هامان ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف.
стр. 6587
وفي الحديث الشريف "من فاتته صلاة فكأنما وتر أهله وماله" رواه ابن حبان تلك هي مكانة الصلاة في الإسلام ولهذه المكانة كانت أول عبادة فرضت على المسلمين فقد فرضت في مكة قبل الهجرة بسنتين تقريبا، وكانت طريقة فرضيتها دليلا آخر على عناية الله تعالى بها إذ فرضت ليلة الإسراء والمعراج بخطاب مباشر من رب العالمين ﵎ إلى خاتم النبيين ﷺ .
الصلاة التي يريدها الإسلام
إن الصلاة التي يريدها الإسلام والتي تشتمل على الفضائل التي سلفت ليست مجرد أقوال يلوكها اللسان، وحركات تؤديها الجوارح بلا تدبر من عقل ولا خشوع من قلب، أو تلك التي ينقرها صاحبها نقر الديك [١٥] كلا وإنما الصلاة التي يريدها الإسلام هي التي تأخذ حقها من التأمل والخشية واستحضار عظمة المعبود ﷻ لأن القصد الأول من الصلاة هو تذكير الإنسان بربه ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ فالصلاة التي يريدها الإسلام لابد فيها من حضور القلب والعقل معا فالقلب يستحضر عظمة المعبود والعقل يتدبر فيما يتلى من القرآن، وبحضور القلب والعقل تسكن الجوارح ويتم الخشوع، وتؤتي الصلاة ثمارها، ويحظى المصلي بفضلها وثوابها وتقوى صلته بربه فيسعد في الدنيا والآخرة يقول عبد الله بن عباس ﵄: "ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه".
الزكاة وفضلها
ومن العبادات التي تشتمل على كثير من الفضائل ((الزكاة)) ومن فضائلها ما يأتي:
١- إنها تغرس في نفس المؤمن فضيلة السخاء وتطهر نفسه من رذيلة الشح فيفوز برضا الله ويسعد بتوفيقه ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
٢- الزكاة فيها سدّ لحاجة الفقراء وتفريج لكربة الغارمين وتيسير لأبناء السبيل وعون على المصالح العامة.
стр. 6588
٣- إنها تخرج الأضغان من قلوب البائسين وحقدهم على الأغنياء المترفين وتملأ قلوبهم بمحبتهم وتمنعهم من الإساءة إليهم وبذلك يسود الأمن وبذلك تكون الألفة والإخاء.
٤- الزكاة فيها تطهير للمال من الشر ففي الحديث الشريف "إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره" رواه الحاكم وفي الحديث الشريف أيضا: "حصنوا أموالكم بالزكاة" رواه أبو داود.
٥- الزكاة ضمان اجتماعي [١٦] لأن الإسلام يأبى أن يكون في مجتمعه من لا يجد القوت الذي يكفيه والثوب الذي يواريه والبيت الذي يؤويه فهذه ضرورات يجب أن تتوافر لكل من يعيش في ظل الإسلام الرحيم والمسلم مطالب بأن يحقق هذه الضرورات وما فوقها من جهده وكسبه فإن لم يستطع فالمجتمع يكفله ويضمنه والزكاة مورد أساسي لهذه الكفالة الاجتماعية التي فرضها الإسلام لفقراء والمساكين ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ .
٦- الزكاة أمضى سلاح لمحاربة كنز الأموال ولإخراج النقود من مخابئها فالمال المخبوء تأكله الزكاة.
هذه هي بعض الفضائل التي تشتمل عليها هذه الفريضة ولو أن الناس أخرجوا زكاة أموالهم كما أمرهم ربهم لسدت حاجة الفقراء والمساكين ولعاش الناس إخوة متحابين متآلفين ولكن بعض الأغنياء بخلوا بزكاة أموالهم فمنعوها مستحقيها فكانوا سببا في انتشار الأحقاد والضغائن وحدوث كثير من المفاسد والجرائم.
الصيام وفضائله
كذلك من العبادات ذات الأثر الحسن في إصلاح القلوب وتهذيب النفوس (الصيام)) فهو يشتمل على كثير من الفضائل نذكر بعضها:
стр. 6589
١- في الصيام ضبط للنفس وإطفاء لشهواتها فإنها إذا شبعت تمردت وسعت وراء شهواتها وإذا جاعت خضعت وامتنعت عما تهوى قال ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فهو له وجاء" فإنه يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه الشهوة فيصير إلى العنت والفاحشة فكان الصوم ذريعة إلى كف النفس عن المعاصي.
٢- إن الصيام وسيلة إلى إصلاح النفوس وتهذيبها إنه يربي في الإنسان فضيلة الصدق والوفاء والإخلاص والأمانة والصبر عند الشدائد لأن النفس إذا انقادت للامتناع عن الحلال من الغذاء الذي لا غنى لها عنه طلبا لمرضاة الله وخوفا من أليم عذابه فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام الغنية عنه فلا يكذب الصائم ولا يغدر ولا ينقض عهدا ولا يخلف وعدا ولا يكون مرائيا ولا خائنا فكان الصوم سببا في اتقاء المحارم وقوة العزيمة والتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل وإلى هذا كله أشار ﷻ بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [١٧] .
٣- الصوم يدعو إلى شكر النعمة إذ هو كف للنفس عن الطعام والشراب ومباشرة النساء وكل هذا من جلائل نعم الله على خلقه والامتناع عن هذه النعم من أول اليوم إلى آخره يعرف الإنسان قدرها إذ لا يعرف فضل النعمة إلا بعد فقدها فيعينه ذلك على القيام بشكرها، وشكر النعمة واجب وإلى هذا أشار جل وعلا بقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [١٨] .
٤- الصيام يبعث في الإنسان فضيلة الرحمة بالفقراء والعطف على البائسين فإن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات تذكر الفقير الجائع في كل الأوقات فيسارع إلى رحمته والإحسان إليه.
стр. 6590
٥- في الصيام تمام التسليم لله وكمال العبودية له فالصائم يجوع ويعطش وأسباب الغذاء والري أمامه [١٩] ميسرة لولا حب الله تعالى والرغبة في رضاه ولهذا جاء في الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي يدع شهوته وطعامه من أجلي" رواه مسلم.
٦- الصيام يعود على البدن بالصحة ويكون سببا في شفاء كثير من الأمراض إذ فيه راحة للمعدة من عناء الهضم وتخليص للجسم من فضلاته الضارة وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول "صوموا تصحوا" رواه الطبراني.
هذا هو الصيام لم يشرعه الله تعالى تعذيبا للبشر ولا انتقاما منهم وإنما شرعه إيقاظا لأرواحهم وتصحيحا لأجسامهم وتقوية لإرادتهم وتعويدا لهم على الصبر وتعريفا لهم بالنعمة وتربية لمشاعر الرحمة فيهم وتدريبا لهم على كمال التسليم لله رب العالمين [٢٠] .
الحج وفضائله
إن في فريضة الحج كثيرا من الفضائل التي تسهم في تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة ومن هذه الفضائل ما يأتي:
стр. 6591
١- الحج غذاء روحي كبير تمتلئ فيه جوانح المسلم خشية وتقى لله رب العالمين، ففي كل منسك من مناسكه غذاء للروح فما الإحرام إلا تجرد من شهوات النفس والهوى وحبس للنفس عما سوى الله وحث على التفكير في عظمة الله ﷻ وحث على تذكر الموت والاستعداد له بالعمل الصالح فالحاج في لباس إحرامه يذكر بالميت في أكفانه، وما التلبية إلا استجابة وذكر وطاعة وامتثال، وما الطواف بعد التجرد إلا استحضار لعظمة الله تعالى حول بيته، وامتثال لأمره ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وما السعي بين الصفا والمروة إلا تردد بينهما التماسا لرحمة الله تعالى وطلبا لمغفرته، وما الوقوف بعرفة إلا بذل [٢١] للمهج في الضراعة إلى الله بقلوب مملوءة بالخشية وأيد مرفوعة بالرجاء وألسنة لاهجة بالدعاء وآمال صادقة في أرحم الراحمين، وما الرمي بعد ذلك إلا رمز لاحتقار عوامل الشر ونزغات الشيطان، وما الذبح إلا إراقة للدم الذي أمر الله به أن يراق ورمز للتضحية والفداء.
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
٢- في الحج تدريب على ركوب الأخطار وتحمل المشقات ومفارقة الأهل والتضحية بالراحة والدعة في الحياة الرتيبة بين الأهل والأصحاب.
٣- في الحج تدريب للمسلم على المبادئ الإسلامية العالية التي جاء بها الإسلام ففي وحدة مظهر الحجاج في إحرامهم معنى المساواة في أجلى صورها وأتمها.
٤- في الحج ترى معنى الوحدة الإسلامية جليا كالشمس فشعور المسلمين فيه واحد وشعائرهم واحدة لا إقليمية ولا عنصرية ولا عصبية للون أو جنس أو طبقة فكلهم مسلمون يؤمنون برب واحد ويطوفون ببيت واحد [٢٢] .
стр. 6592
٥- الحج مظهر من مظاهر السلام فأرض الحج هي البلد الحرام والبيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا، ومن دخله كان آمنا. إنها منطقة أمان شمل الطير في الجو والصيد في البر والنبات في الأرض فهذه المنطقة لا يصاد صيدها ولا يروع طيرها ولا حيوانها ولا يقطع شجرها ولا حشائشها [٢٣] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ﴿حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ .
٦- الحج مؤتمر إسلامي عظيم فهناك يجد المسلم إخوانا له في الدين من قارات الدنيا الخمس اختلفت أقاليمهم وألوانهم ولغاتهم وجمعتهم رابطة الإيمان والإسلام [٢٤] فما أجدر المسلمين أن ينتفعوا من هذا المؤتمر السنوي بما يعود عليهم بالخير في أمر دينهم وأمر دنياهم ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم﴾ .
هذه هي بعض الفضائل التي تشتمل عليها العبادات، وهذه الفضائل لا تحصل للعابد إلا إذا أسس عبادته على التوحيد بأن يصرف كل هذه العبادات لله وحده وأن يحسن أداءها بحيث يأتي بها على الوجه الذي شرعه الله تعالى على لسان نبيه محمد ﷺ .
العبادات بين السلف والخلف
стр. 6593
لقد عرف السلف الصالح قيمة هذه العبادات فأسسوها على التوحيد وأحسنوا أداءها فجنوا ثمارها وانتفعوا بفضائلها فقويت صلتهم بربهم فألّف بين قلوبهم، ووحّد بين صفوفهم فسادوا وعزّوا، وكوَّنوا مجتمعا قويّاً متماسكا أعزَّ الإسلام والمسلمين وأذلَّ الشرك والمشركين ونَعِم الجميع في ظله بالأمن والاستقرار والسعادة، أما اليوم فقد جهل كثير من المسلمين التوحيد فاختلت عقائدهم فاتجهوا إلى المخلوقين يطلبون منهم قضاء حوائجهم، وغَلَوا في ذلك فشدُّوا الرحال إلى الأموات يطوفون بأضرحتهم كما يطوف الحجاج ببيت الله الحرام ويستلمون هذه الأضرحة استلامهم لأركان البيت الحرام ويخاطبون الميت بالكلمات الشركية من قولهم: "على الله وعليك". ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد، وقد اتسع نطاق هذه الشركيات في البلاد الإسلامية فأصبح لكل قوم من المسلمين رجل ينادونه، وأصبح في كل قرية أموات يهتفون بأسمائهم، وينادونهم، ويرجونهم لجلب النفع ودفع الضر وفعل هؤلاء هو بعينه فعل المشركين في الأصنام، وهم بهذا المسلك ينسلخون من الإسلام ويعودون إلى الجاهلية.
ولقد صور الإمام المحدث السلفي محمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني فعل هؤلاء في أبيات من قصيدة له يمدح بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويشيد بدعوته:
أعادوا بها معنى سواع ومثله
يغوت وودٌ بئس ذلك من ودّ
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها
كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
وكم نحروا في سوحها نحيرة
أهلت لغير الله جهلا على عمد
وكم طائف حول القبور مقبلا
ويلتمس الأركان منهن بالأيدي
стр. 6594
كذلك استهان كثير من المسلمين اليوم بهذه العبادات فتركوها فحرموا فضائلها فقست قلوبهم وانقطعت صلتهم بربهم ففسدت أعمالهم، وساءت معاملاتهم وعاداتهم وتدهورت أخلاقهم، وساروا وراء أهوائهم، وفتنوا بزخارف الحضارة المزيفة والمدنية الكاذبة فظنوا الإباحة حرية والخلاعة رقيّاً فتعدوا حدود العقل والدين، وأغضبوا خالق الأرض والسماء فساءت حالهم وسلط عليه عدوهم ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .
داء ودواء
لقد جهل كثير من المسلمين اليوم أمر التوحيد واستهانوا بالعبادات وهذا داء عضال سببه عزلة المسلمين عن الكتاب والسنة وعلاجه الوحيد هو إعداد الدعاة الفاهمين للكتاب والسنة وانتشارهم في البلاد الإسلامية لكي يصححوا العقائد ويحرروا العقول من الخرافات والبدع والأباطيل وليكشفوا للناس النقاب عن أسرار التشريع الإسلامي وخصائصه ومزاياه، ويحثوهم على التمسك بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ففي التمسك بهما الهداية والخير والسعادة وفي البعد عنهما الضلال والشر والشقاء ففي الحديث الشريف "تركت فيكم ما إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي".
والله الكريم نسأل أن يوفق المؤمنين المخلصين في كل مكان لإعداد هذا النوع من الدعاة فينطلقوا إلى مختلف بقاع الأرض فيعيدوا للإسلام مجده وللمسلمين عزتهم ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وهو حسبي ونعم الوكيل..
--------------------------------------------------------------------------------
[١] ألقيت هذه المحاضرة في منى في معسكر الجامعة الإسلامية صباح يوم الجمعة الموافق ١٢ من شهر ذي الحجة عام ١٣٩٦هـ.
стр. 6595
[٢] القول السديد في مقاصد التوحيد ص١٤.
[٣] المرجع السابق ص١٦.
[٤] القول السديد في مقاصد التوحيد ص١٥.
[٥] القول السديد في مقاصد التوحيد ص١٦.
[٦] المرجع السابق ص١٧.
[٧] الجواب الكافي ص١٧٠.
[٨] رواه أحمد وأبو داود وعن معاذ وهو حديث صحيح.
[٩] أي نزلت به شدة.
[١٠] رواه أحمد وأبو داود.
[١١] من محاسن الإسلام للأستاذ أحمد عز الدين ص٤٥.
[١٢] من محاسن الإسلام للأستاذ أحمد عز الدين ص٥٨.
[١٣] المرجع السابق ص٤٨.
[١٤] من محاسن الإسلام للأستاذ أحمد عز الدين ص٣٤.
[١٥] من محاسن الإسلام للأستاذ احمد عز الدين ص٤١.
[١٦] من محاسن الإسلام للأستاذ أحمد عز الدين ص٦٤.
[١٧] سورة البقرة آية رقم ١٨٣.
[١٨] سورة البقرة آية رقم ١٨٥.
[١٩] من محاسن الإسلام للأستاذ أحمد عز الدين ص٦٩.
[٢٠] المرجع السابق ص٧١.
[٢١] من محاسن الإسلام للأستاذ أحمد عز الدين ص٧٩.
[٢٢] من محاسن الإسلام للأستاذ أحمد عز الدين ص٨٢.
[٢٣] المرجع السابق ص٨٣.
[٢٤] المرجع السابق ص٨٤.
стр. 6596
التشريع الإسلامي صالح للتطبيق في كل زمان ومكان
لفضيلة الشيخ محمد فهمي علي أبو الصفا
موضوعات البحث.
١ المقدمة
٢ حكمة انبعاث الإسلام من جزيرة العرب
٣ النواحي التي تناولها التشريع الإسلامي
٤ النزعة الجماعية في التشريع الإسلامي
٥ مميزات التشريع الإسلامي
٦ التشريع الإسلامي يحفظ المقاصد التي يقوم عليها أمر الدين والدنيا
٧ السنة توضح القرآن
٨ التشريع الإسلامي ملائم لكل البيئات
٩ أهم المبادئ التي يدعو إليها
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين.
وبعد..
فإن من تمام النعمة على الناس ومن مظاهر حكمة الله تعالى في خلقه بعد أن تخطى العقل البشري دور الطفولة وتهيأ الفكر للتدرج في مراقي الحياة. أن يكون الإسلام هو الدين الذي يتعهد الله به بني الإنسان والشريعة التي يختتم بها شرائعه الأولى.
فلا غرو أن كان تشريعا محكم الأساس وطيد البنيان كامل النظام سامي الأغراض وافيا بحاجات الأفراد والجماعات صالحا للتطبيق في كل زمان ومكان وكيف لا تتسع الشريعة الإسلامية لشئون الناس وهي شريعة الخلود شريعة كتب لها أن تكون خاتمة الشرائع السماوية فلا شريعة بعدها ولا رسالة تخلف رسالة محمد ﷺ ولا وحي يمكن أن يكون بعد الذي أنزل عليه كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ .
стр. 6597
وليس لأحد أن يشرع غير الله تعالى حتى الأنبياء فإنهم مبلغون عن الله واجتهاد الرسول ﷺ واجتهاد أصحابه ليس تشريعا بل هو فهم للكتاب والسنة وتطبيق لمبادئ الدين ولذلك انتهى التشريع بوفاة الرسول ﷺ ثم ابتدأ الفقه يستمد مضمونه من التشريع فشريعة الإسلام هي شريعة السماء الخالدة إلى أهل الأرض ما بقيت وما بقي الناس حتى يوم الدين.
ومن أجل ذلك وجب أن تكون وافية بجميع الأحكام والقوانين التي تحتاج إليها الأمم في تدبير شئونها وتنظيم حياتها صالحة لمسايرة هذه الحياة في جميع تطوراتها ومراحل تقدمها ورُقِيِّها تزودها في كل عصر وكل جيل بما يكفل لها السعادة ويسبغ ﵍ والأمن وهذا ما يشهد به قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ .
وقوله ﷺ : "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله".
وليس معنى أن القرآن تبيان لكل شيء وأنه أحاط بجزيئات الوقائع والحوادث ونص على تفاصيل أحكامها فإن الواقع يشهد بأن في الأغلب لم يعرض لهذه التفاصيل ولم يعن بالجزيئات وإنما أتت الأحكام في صورة قوانين عامة ومبادئ كلية يمكن تحكيمها في كل ما يعرض للناس في حياتهم اليومية فهي قوانين محكمة ثابتة لا تختلف ولا يسوغ الإخلال بشيء منها وعامة كلية يمكن أن تتمشى مع اختلاف الظروف والأحوال.
فالقرآن الذي هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي تبيان لكل شيء من حيث أنه قد أحاط بجميع الأحوال والقواعد التي لابد منها في كل قانون وأي نظام وذلك كوجوب العدل والمساواة والشورى ورفع الحرج ودفع الضرر ورعاية الحقوق لأصحابها وأداء الأمانات إلى أهلها والرجوع بمهام الأمور إلى أهل الذكر والاختصاص.
وما إلى ذلك من المباد العامة التي لا يستطيع أن يشذ عنها قانون يراد به صلاح الأمم وإسعادها.
стр. 6598
وقد تضافرت النصوص الإسلامية وعلم من الدين بالضرورة عموم رسالة محمد ﷺ .
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ .
لهذا قام محمد رسول الله بتبليغ هذه الرسالة إلى من استطاع تبليغهم من الأمم متمثلين في الحكام كهرقل إمبراطور الروم وكسرى ملك الفرس والنجاشي ملك الحبشة وغيرهم تاركا لخلفائه من بعده القيام بتبليغ الدعوة إلى بقية الأمم.
وقد اهتدى بعض تلك الأمم فآمن بدعوته إنصافا للحق كما أنصفه من اتبعه من قومه.
حكمة انبعاث الإسلام من جزيرة العرب
كان سكان تلك الجزيرة خليطا على عقائد متباينة وأديان مختلفة فمن عبدة الأوثان إلى عبدة الجن والملائكة إلى معتنقي المجوسية إلى اليهود والنصارى من أهل الكتاب فإذا جاء الإسلام في هذه البقعة ليرد الناس جميعا إلى الدين الحق.
استطاع أن يحاج العقائد جميعها متمثلة في هذا الخليط من أهل الأديان والنحل المختلفة.
وكان من السهل على حامل تلك الدعوة ومبلغها على ضوء هدايته محاجة العقائد في سائر الأمم والشعوب.
يضاف إلى هذا أن أهل المنطقة كانوا متفككي الروابط كثيري المشاحنات فهم أحوج ما يكون إلى من يجمع كلمتهم.
على أن الإسلام لم يكن بدعا في انبعاثه من هذه المنطقة. فقد انبعث منها ومما حولها سائر الأديان السماوية ومنها شريعتا موسى وعيسى ﵉.
النواحي التي تناولها التشريع الإسلامي
стр. 6599
جاء الإسلام موجها لاستصلاح الناس فيما يتعلق بشئونهم في دينهم ودنياهم، واعتبر الإسلام كل عمل من أعمال الخير عبادة ودعا الإنسان إلى أن يستعمل نعمة الله في تحسين العلاقات بينه وبين الناس ابتغاء لمرضاة الله مع المحافظة على حقوقه نفسه ومن يلوذون به.
وحث على العمل والكفاح لكسب العيش مقترنا بالعمل للآخرة فقد علم الإسلام معتنقيه أن كل عمل من أعمال الدنيا من صميم الدين مادام الباعث عليه حب الخير والحرص على الإنتاج الصالح النافع ومصلحة الجماعة وأن العبادة إذا شغلت عن إصلاح شئون الدنيا والعمل المنتج فيها فليست بعبادة وقد دخل النبي ﷺ المسجد فرأى رجلا منقطعا للنسك والزهد وسمع من أصحابه ثناء عاطرا عليه من تلك الناحية فقال لهم: "من ينفق عليه؟ ". قالوا أخوه. فقال: "أخوه أعبد منه".
وفي هذا المعنى الكثير من الآثار الإسلامية التي ألهبت جذوة النشاط والسعي الكادح بين المسلمين في شئون الدنيا النافعة ليتقربوا بذلك إلى الله سبحانه ومن ذلك قول النبي ﷺ : "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه".
وقوله ﷺ : "إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الصوم ولا الصلاة قيل فما يكفرها يا رسول الله قال الهموم في طلب العيش".
ولذا فإن مفهوم كلمة دين في القرآن الذي عبر عن الإسلام بالدين في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ تشمل صلة الإنسان بربه وصلته بنفسه وصلته بالغير فالدين الإسلامي ينظم سلوك الناس ويهذب أساليب تعاملهم بحيث لا يكون في النفوس سبيل إلى التظالم ولا أثر للضغائن والأحقاد.
ولهذا قال الباحثون في التشريع الإسلامي إنه يرجع إلى ثلاث نواح.
١_ الأحكام الاعتقادية.
٢_ الأحكام الخُلقية.
٣_ الأحكام العملية.
стр. 6600
وإليك صورة موجزة عن كل ناحية منها:
أولا: الأحكام الاعتقادية.
المراد بالأحكام الاعتقادية معرفة ما يتعلق بالله وصفاته وبالرسل الذين أرسلهم إلى خلقه وشئون اليوم الآخر.
وقد أفرد علماء المسلمين علما خاصا به يسمى علم الكلام أو علم التوحيد.
ثانيا: الأحكام الخُلقية:
المراد بها بيان ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الصفات التي ينتج عنها صدور الأفعال الخيرة بسهولة كالحلم والصفح والتواضع ولِين الجانب وتطهير النفس من الغل والحقد والحسد وما إلى ذلك وهي صفات منبثة في ثنايا القرآن الكريم والسنة النبوية.
وهذه الناحية تعتبر دعامة أصيلة في توجيه الإسلام وهي الأساس لانقياد النفوس للعمل بما جاءت به الشريعة الإسلامية من الأحكام التي تنظم علاقات الناس وتحول بينهم وبين البغي والأثرة اللذين يورثان نيران العداوة والبغضاء ويشيعان الفساد في الأرض.
وقد تدرك جانبا من ذلك التوجيه الخلقي العظيم فيما أدركه منذ بدء دعوة الإسلام رجل من أتباعه وقف موقفا بين يدي نجاشي الحبشة فدعاه الموقف إلى أن يسرد نواحي التوجيه البارزة في دعوة محمد بقضائه على ما كان شائعا بينهم من مفاسد خلقية إذ يقول: "كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة فصدقناه وآمنا به".
стр. 6601
ولا غرو فقد كان محمد حامل الرسالة الإسلامية أول من تخلَّق بأخلاقها فلقد هذبه الله وقوم خلقه ووصفه بأنه على خلق عظيم ولهذا روي أن رسول الله ﷺ قال: "أدبني ربي فأحسن تأديبي". وروي أيضا أنه قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
ثالثا: الأحكام العملية:
ويراد بها ما يتصل بأعمال المكلفين في عباداتهم لربهم وتعاملهم فيما بينهم أفرادا وجماعات.
وتقع هذه الناحية في آخر مراتب التشريع كما هو التدرج الطبيعي فإنه بعد أن استصلح العقائد والأخلاق تمهيدا لاستصلاح هذه الناحية عقب بها لينقاد المسلمون إلى تقبل الأحكام العملية المتعلقة بما يصدر عن الشخص المكلف من أقوال وأفعال وتصرفات فعرفهم من هو المكلف الذي يخاطب بأحكام الشريعة ويلزم بها وما هي العوارض التي تؤثر على الشخص فتجعله غير مكلف كما بين لهم الصحيح والباطل في تصرفاتهم والحلال والحرام في أعمالهم واتصالاتهم أفرادا وجماعات.
كما تناول أحكام العبادات التي يتقربون إلى الله بها من طهارة وصلاة وصوم وزكاة وحج.
وأشار إلى ما يجب في تملك الأموال من حقوق نحو الفرد ونحو المجتمع وما ينبغي أن يكون عليه التعاقد في ضوء تعاليم الإسلام.
كما أشار إلى النظم التي تحكم الأسرة من كافة نواحيها وتوضح علاقاتها في حياة الأفراد وبعد مماتهم.
وبيَّن الجرائم والجنايات وما يقابل ذلك من عقاب وجزاء.
كما أشار إلى نظام الحكم والتقاضي وطرق إثبات الدعاوى وتنفيذ الأحكام إلى غير ذلك من شئون الحياة.
النزعة الجماعية في التشريع الإسلامي
عني التشريع الإسلامي بصالح كل من الفرد والمجتمع ولكنه آثر صالح المجتمع على صالح الفرد وبذا حق أن يوصف بأن نزعته جماعية يوضح هذا أنه يعمل على الحد من سلطان الفرد إذا أساء استعمال حقه فأضر بغيره.
стр. 6602
فحقوق الأفراد في الإسلام منح إلهية قيدت بمراعاة الصالح العام وعدم الإضرار بالآخرين فلهذا يمنع المرء من عمل هو في الأصل مباح له إذا ترتب عليه إضرار بغيره لأن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة ولأن الرسول ﷺ روي عنه أنه قال: "لا ضرر ولا ضرار".
ومعنى هذا أنه يجب مقاومة كل عمل يترتب عليه الإضرار بالآخرين وإن كان في الأصل مباحا.
وهناك أحاديث تورد بعض تفصيلات لهذه القاعدة كنهي النبي ﷺ أن يبيع أحد على بيع أخيه أو يخطب على خطبته إلا أن يأذن له ومن هذا جاء تشريع الشفعة فإنه حد من حرية المتبايعين وتقييد له يمنع ضرر الشريك أو الجار.
وعدم المضارة بالأفراد الآخرين مما يوفر الطمأنينة ويحقق ناحية من السعادة وفي هذا صلاح للمجتمع أيضا.
وهذه النظرة الجماعية نظرة إصلاحية عامة وهامة تبين ما في الإسلام من أحقية وخلود.
مميزات التشريع الإسلامي:
تبين لنا من نظرة الإسلام الجماعية أنه دين إنساني جدير بالخلود والبقاء وأنه يثبت جدارته بذلك على مر الأيام لما فيه من دعائم ثابتة وبنيان محكم متين وهذا يثبت لك ما يشتمل عليه التشريع الإسلامي من مطالب البشر وحاجات الناس مما يدعو إلى وجوب التمسك بأهدابه والاحتكام إليه فيما دق وجل فإن كل من تأمل فيه يقف على مدى مكانته في معالجة شئون العالم.
فالتشريع الإسلامي وهو خاتم الشرائع السماوية وأمها من عند الله علام الغيوب المنزه عن الخطأ والهوى.
стр. 6603
فهو تشريع يحيط بكل شئون الناس وحاجاتهم دون قصور أو زيغ بخلاف القوانين التي هي من وضع الناس وتفكيرهم المحدود الذي من شأنه أن يتحكم فيه الهوى أو يشتمل على نقص في المقدمات وأسباب الأحكام لهذا كان التشريع الإسلامي بما يشتمل عليه من التوجيه الروحي والتهذيب النفسي يربي يقظة الضمير والانتفاع بتوجيه القلب الطاهر الذي أصلحته تلك التوجيهات فهو ينبعث بصفاته إلى حب الخير وجلب النفع ومقاومة الشر.
بخلاف قوانين البشر فإنها مقصورة على التوجيه من ناحية الإرهاب والعقاب فكأنما يساق بها الناس سوق الدواب من غير توجيه ضمير إنساني ولا انبعاث خلقي.
التشريع الإسلامي يحفظ المقاصد التي يقوم عليها أمر الدين والدنيا
جاءت الشريعة الإسلامية رحمة بالعباد وفصلا بينهم فيما يختلفون فيه ومحافظة عليهم فيما هم محتاجون إليه.
فقد أحاط القرآن بأصول ما يلزم لحفظ المقاصد التي لم تأت الشرائع السماوية ولم تنشأ القوانين إلا لخدمتها والمحافظة عليها فإن عليها يقوم أمر الدين والدنيا.
وبالمحافظة عليها تنظم شئون الأفراد والجماعات.
وتلك هي المقاصد الخمسة الدين والنفس والعقل والنسل والمال فمهما تنوعت الشرائع واختلفت القوانين فإنها ترمي بأحكامها إلى المحافظة على هذه المقاصد التي عني القرآن بها فوضع من أصول الأحكام ما يحفظ كيانها ويكفل بقاءها ويدفع عنها ما يفسدها أو يضعف ثمرتها.
ثم جاءت السنة تشرح وتفصل وتبيِّن وتكمِّل وتضع للاجتهاد والاستنباط نماذج يحتذيها أولو الأمر فيما يجِّد من الحوادث.
فالدين لابد منه للإنسان الذي يسمو في معانيه المشخصة له عن الحيوانية إذ التدين خاصة من خواص الإنسان ولابد أن يسلم له دينه من كل اعتداء فللمحافظة على الدين وضع القرآن قواعد الإيمان وفرض أنواع العبادات من الصلاة والصوم والحج ثم حاطها بما يمنع عوامل الشر والفساد أن تعبث بها أو تمتد إليها.
стр. 6604
فأوجب عقوبة من يعتدون على الدين أو يصدون عن سبيله.
والمحافظة على النفس هي المحافظة على حق الحياة العزيزة الكريمة.
والمحافظة على النفس تقتضي حمايتها من الاعتداء عليها بالقتل أو قطع الأطراف أو الجروح الجسيمة كما أن من المحافظة على النفس المحافظة على الكرامة الإنسانية بمنع السب والقذف وغير ذلك من كل أمر يمس كرامة الإنسان وللمحافظة على النفس أباح القرآن جميع الطيبات وأحل البيع والشراء والرهن والإجارة وما إليها من المعاملات ثم شرع ما يمنع الاعتداء عليها فأوجب القصاص وفرض الديات.
والمحافظة على العقل حفظه من أن تناله آفة تجعل صاحبها عبئا على المجتمع ومصدر شر وأذى للناس. وهي تتجه إلى أن يكون كل عضو من أعضاء المجتمع الإسلامي سليما يمد المجتمع بعناصر الخير والنفع فإن عقل كل عضو من أعضاء المجتمع ليس حقا خالصا له بل للمجتمع حق فيه باعتبار أن كل شخص لبنة من بنائه إذ يتولى بعمله سداد خلل فيه فمن حق المجتمع أن يلاحظ سلامته.
وللمحافظة على العقل أباح الشارع كل ما يكفل سلامته ويزيد نشاطه وحرم ما يفسده ويضعف قوته.
ومن أجل ذلك حرم شرب الخمر وتوعد عليه.
ثم وكل أمر العقوبة الزاجرة فيه إلى بيان النبي ﷺ .
والمحافظة على النسل هي المحافظة على النوع الإنساني وتربية أجياله على المحبة والعطف ليأتلف الناس وذلك بأن يتربى كل ولد بين أبويه ويكون للولد حافظ يحميه.
стр. 6605
وقد اقتضى ذلك تنظيم الزواج واقتضى منع الاعتداء على الحياة الزوجية كما اقتضى منع الاعتداء على الأعراض سواء أكان بفعل الفاحشة أم كان بالقذف وذلك كله لمنع الاعتداء على الأمانة الإنسانية التي أودعها الله تعالى جسم الرجل والمرأة ليكون منهما النسل والتوالد الذي يجعل حياة الإنسان باقية في هذه الأرض على أن تكون متآلفة قوية تعيش عيشة طيبة عالية فيكثر النسل ويكون قويا في جسمه وخلقه وعقله يكون صالحا للامتزاج والائتلاف بالمجتمع الذي يعيش فيه ومن أجل المحافظة على النسل كانت عقوبة الزنى وعقوبة القذف وغير ذلك من العقوبات التعزيرية التي وضعت لحماية النسل.
وللمحافظة على المال والعناية بأمر تدبيره ووجوه الانتفاع به شرع نظام المعاملات وحرم الغش والتغرير والربا وكل ما فيه أكل أموال الناس بالباطل.
وفرض ضمان المتلفات وشرع الحد في السرقات وهكذا نجد أن الأحكام التي شرعت لخدمة هذه المقاصد الخمسة والمحافظة عليها قصدت في ذلك إلى أمرين: الأول حفظها في أصل وجودها بتقوية أركانها وتمكين قواعدها والثاني حفظ بقائها ونموها لتؤتي الثمرة المرجوة منها وذلك بحمايتها من عوامل الفساد وأسباب الانحلال.
هذه هي المقاصد الخمسة التي تقوم عليها حياة الإنسان وبصلاحها يستقيم أمر الأفراد ونظام الجماعات.
وضع لها القرآن القواعد والأصول وقرر لكل نوع ما يناسبه من الأحكام قرر هذه الأحكام كليات وأتى فيها بعمومات لكنه مع ذلك لم يُغفل ما يراه منها في حاجة إلى تفصيل.
السنة توضح القرآن
стр. 6606
ثم جاءت السنة توفي ذلك حقه من الشرح والبيان فقد بيَّن النبي ﷺ بأقواله وأعماله أحكام ما كان يعرض للناس من الحوادث يستقيه من الوحي وقد وضع ﷺ لنا مبادئ حكيمة في الأخلاق وأنواع العبادات وقواعد صالحة في نظام الأسرة وتربية الناشئين وأسسا متينة لأحكام روابط الاجتماع فسنَّ من القوانين في المعاملات والجنايات وعلاقات بعضها ببعض ما هو كفيل بإقرار السلام والأمن في الأرض وحتى آداب الأكل والشرب وآداب السلام وما ينبغي أن يكون في السفر والإقامة والصحة والمرض والغنى والفقر كل ذلك قد عني به وترك لنا فيه مثلا عالية للتربية والتعليم ونماذج صالحة للتهذيب والتثقيف.
ثم كان ﵊ يجتهد ويجمع في الحكم بين المتماثلات بربط الأشياء بنظائرها ويلحق الفروع بأصولها منبها إلى علل الأحكام وأسرار التشريع وقد علم الصحابة بهذا أن أحكام الشريعة لها حِكمها وأسرارها ولها أسبابها وغاياتها لأنها شريعة خالدة عامة.
فوجب أن تكون أحكامها وافية بهذه الحاجة في كل عصر وهكذا كان رجال الصدر الأول من المسلمين يفهمون الشريعة من مصادرها ويستنبطون الفروع من أصولها فكانوا يجدون في هذه المصادر والأصول الكفاية بأحكام ما يأتون وما يذرون وما شعروا يوما أنهم مع هذه الشريعة عاجزون أن يواجهوا ما كان يتوارد عليهم من الوقائع ومختلف النوازل.
وكثير منها لم يكن لهم به عهد من قبل بل كان من نتائج الفتح الإسلامي وأثر من آثار اختلاط العرب بغيرهم من الأمم التي خضعت لسلطان الإسلام.
التشريع الإسلامي ملائم لكل البيئات
مما لا شك فيه أن التشريع الإسلامي الذي نزل الوحي بقواعده وأصوله الكلية صالح كل وقت ملائم لجميع البيئات.
стр. 6607
فقد بني على التيسير ورفع الحرج ودفع الضرر. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقال جل شأنه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ والنبي ﷺ : "يسروا ولا تعسروا".
وقد ثبت من سيرته أنه ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما.
والمتتبع لأحكام الشريعة الإسلامية يجد مظاهر هذا الأصل في شتى نواحيها فقلة التكاليف إلى مراعاة أعذار المعذورين إلى رفع التكليف أو عدم المؤاخذة في حالة الضرورة كل ذلك يدل في وضوح إلى اليسر وعدم الحرج أضف إلى ذلك أن القرآن في جانب تشريع المعاملات لم يعمد إلى التفصيل بل أتى بقواعد عامة صالحة للتطبيق في كل حين _ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ وقال أيضا: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ .
وهو بهذا يرمي إلى تحقيق مصالح الناس على اختلاف الأزمان والبيئات لأنه تشريع للناس كلهم قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ . فلو لم يكن محققا لمصالح الجميع لكان نقمة عليهم مع أنه جعله رحمة لهم قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . وهو بحق يحقق العدل والمساواة بين الناس كلهم لأنه ينظر إلى الناس جميعا نظرة المساواة في الخضوع لأحكامه وفي المؤاخذة على مخالفتها لا فرق بين حاكم ومحكوم ولا بين غني وفقير ولا بين شريف ووضيع ولا بين أبيض وأسود. فلا يعفى شخص من المؤاخذة بماله من جاه وسلطان.
стр. 6608
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ . وقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ .
والنبي ﷺ يقول: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
وبالجملة فقد قصد الإسلام بتشريعه تحقيق المصالح للناس ودفع المفاسد عنهم وكانت تشريعاته كلها مبنيَّة على أن مصلحة الجماعة مقدَّمة على مصلحة الفرد إذا ما تعارضت المصلحتان وأن دفع الضرر العام مقدم على دفع الضرر الخاص ومن هنا نهى عن احتكار الطعام وأمر ببيعه للناس وقت الحاجة وإن لم يرض صاحبه _ كما حرَّم الربا وشدَّد النكير فيه مع ما يحققه من نفع لصاحب المال حماية للمجتمع من جشع المُرَابِين ورحمة بالمحتاجين الذين يضطرون إلى مد أيديهم طلبا للقرض من أولئك المُرَابِين.
وهذه نزعة جماعية تحمي الجماعة من طغيان الأفراد وتسلط أصحاب الحقوق.
أهم المبادئ التي يدعو إليها الإسلام
الشريعة الإسلامية جاءت بمبادئ سامية تقود الناس دائما إلى الفلاح وتقضي على عوامل الشر والفساد ومن ذلك:
стр. 6609
أولا: مبدأ العدالة والمساواة فإن أحكامها بُنِيَّت على العدالة المطلقة والتسوية التامة بين الناس ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ والرسول ﷺ يقول: "الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى".
ثانيا: مبدأ الشورى فقد جعل الإسلام الشورى أساسا للحكم فأمر نبيه بها قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾ وأمتدح المؤمنين بها فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ .
ثالثا: مبدأ التسامح فقد جاد الإسلام يدعو إلى التسامح مع الأفراد قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ ومع الجماعات المخالفة قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ .
رابعا: مبدأ التضامن الاجتماعي فقد حرص الإسلام من أول الأمر على أن يقرر حق الفقراء في مال الأغنياء ويحمل الأغنياء مسئولية كفايتهم.
وبما أسلفنا نكون قد أوضحنا أن التشريع الإسلامي صالح للتطبيق في كل زمان ومكان وأن تشريعا يستمد حياته من القرآن والسنة لن يقف في يوم من الأيام عن مسايرة الزمان.
محمد فهمي علي أبو الصفا
٢٠ ربيع الثاني ١٣٩٦ هـ ـ ١٩ أبريل ١٩٧٦م
من سقطات (المنجد) .
ثلاث غلطات في خبر واحد
стр. 6610
يقول مؤلفو (المنجد) في تعريف الصحابي الجليل سعد بن معاذ ﵁: "إنه حمل اللواء في وقعة بدر، وضمد جرح النبي بعد وقعة أحد، وأخذ حكما في مصير الأسرى من يهود خيبر، فحكم بقتل رجالهم وسبي نساءهم واقتسام أموالهم".
ولا صحة لأي من هذه الأخبار الثلاثة. فسعد ﵁ كان يحمل راية الأنصار في بدر وهي غير اللواء الذي كان مع مصعب بن عمير ﵁ ولم يذكر سعد في من ضمد جرح رسول الله ﷺ يوم أحد. ولقد عاجله الأجل قبل غزوة خيبر. وإنما كان تحكيمه في قريظة عقيب غزوة الأحزاب.
المجذوب
стр. 6611
العدد ٣٨
فهرس المحتويات
١- افتتاحية العدد - كلمة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز
٢- دراسات حول إعجاز القرآن الكريم في القرن الثالث الهجري: لفضيلة الدكتور صادق إبراهيم خطاب
٣- القاضي عياض ومفهومه للإعجاز القرآني: لفضيلة الدكتور أحمد جمال العمري
٤- رسائل لم يحملها البريد: لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
٥- ثمار من غرس النبوة رجال ومواقف: لفضيلة الشيخ محمد الشال
٦- فتح العرب للأندلس: لفضيلة الشيخ محمد أبو زيد طنطاوي
٧- تعقيب لا تثريب - إبراء للذمة وتذكيرا بالحق: لفضيلة الشيخ: محمد المجذوب
٨- الفكر والفلسفات المعاصرة - الاستشراق وجهوده وأهدافه في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته: للدكتور عبد المنعم محمد حسنين
٩- الشيوعية في الميزان: لفضيلة الشيخ/ محمد علي عبد السميع
١٠- ولم يزل أعداء الأمة يمكرون: لفضيلة الدكتور محي الدين رمضان
١١- دراسات في التربية والتعليم لمحة عن التربية الإسلامية: لفضيلة الدكتور محمد نغش
١٢- حديقة الشعر - قال لي صاحبي: لفضيلة الشيخ معوض عوض إبراهيم
١٣- المكتبة الإسلامية - حول كتاب: الحمد لله هذه حياتي بقلم الدكتور عبد الحليم محمود
لفضيلة الدكتور: عبد المنعم حسنين
١٤- حكم من يسخر من القرآن وأهله: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
١٥- أخبار الجامعة - مجلس الجامعة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 6612
افتتاحية العدد
كلمة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز
ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في الحفل السنوي لخريجي الجامعة لعام ٩٦/٩٧هـ مساء يوم السبت ١٦/٧/٩٧هـ بمقر الجامعة.
أيها الإخوة..
أحمد الله ﵎ وأصلي وأسلم على نبيه محمد، خاتم أنبيائه ورسله، وخيرته من خلقه هادي البشرية إلى خير البشرية، ورائدها على طريق سعادتها في دنياها وأخراها، وعلى آله وصحبه.
وبعد:
يسرني أن أحضر هذا الحفل السنوي للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، مهبط الوحي الإلهي الذي عمّ نوره أرجاء الدنيا، وعاصمة الإسلام الأولى التي أعطت المثل الأعلى للحياة الكريمة والحضارة الرشيدة.. هذا الحفل الذي تقيمه الجامعة، بمناسبة تخرج فوج من أفواجها المتتالية، الذين يتزوّدون منها بخير زاد من العلوم والمعارف الإسلامية؛ ليعودوا منها إلى بلادهم في شتى أنحاء العالم مجاهدين في سبيل نصرة دينهم وإعلاء كلمة ربهم، مساعدين أقوامهم وبلادهم على التقدم والازدهار.
وإن المملكة - وعلى رأسها جلالة الملك خالد بن عبد العزيز حفظه الله، من منطلق مسئوليتها الكبرى عن نشر دعوة الإسلام دعوة الحق والخير والسلام، في مشارق الأرض ومغاربها، والعمل بكل إمكانياتها على ما فيه خير المسلمين وعزتهم واستعادة مكانتهم في قيادة ركب الحياة على طريق الخير والهدى - لتولي هذه الجامعة التي أنشئت من أجل الإسهام في تحقيق هذه الغايات السامية كل عنايتها ورعايتها، حتى تؤدي رسالتها، وتحقق أهدافها بعون الله ﵎، وإني لأرجو أن يكون لخريجي الجامعة الدور الكبير والأثر المرجوّ في الدعوة إلى الله، وفي تغيير الحياة إلى الصورة المثلى والمستقبل الأفضل.
стр. 6613
وعلى الشباب المسلم المثقف في كل مكان أن يواجه بإيمانه وعلمه وعمله الجادّ المخلص تحدّيات العصر؛ لتعود سفينة الحياة بقيادته الواعية الرشيدة إلى طريقها المستقيم، الطريق الذي هدى الله إليه عباده ورتّب على سلوكهم إيّاه سعادتهم ورخاءهم في الدنيا وفوزهم ونعيمهم في الآخرة.
وعلى الجامعات أن تبذل كلّ جهودها في إعداد هذا الشّباب تعليما وتثقيفا وتربية؛ يتحمل مسئولياته في غده، على بصيرة بدينه، ومتطلبات عصره، وأهداف حياته.
أسأل الله أن يوفّقنا ويعيننا جميعا على ما فيه خير ديننا ودنيانا؛ إنه سميع مجيب..
стр. 6614
ولم يزل أعداء الأمة يمكرون
لفضيلة الدكتور محي الدين رمضان
كلية الآداب بجامعة اللآذقية
إن في عالم فكرنا المعاصر ظاهرة لا تخفى على أحد، تلك هي اضطراب المفاهيم الإسلامية لدى أغلب فئات الأمة، حتى كأنها مبتدعات الأفراد والجماعات؛ فلا تكاد هذه المفاهيم تستقل بذاتها ولا بمضمونها، ولا تكاد تأتلف في جزئياتها، ولا تلتئم في أساليبها، وهكذا هي سواء في أمور العقيدة والعبادات التي يرثها المسلم دون مناقشة ولا تمحيص، أم في أمور العلاقات فيما بين الفرد والجماعة، أم في أمور الحكم والتشريع، أم في أمور المعاملات وغير ذلك.
وأسباب ذلك كثيرة تتلخص في فوضى مناهج التربية وتضارب أفكارها ومبادئها، وهو شيء مهّد له منذ أبد، وأنفق الممهدون له جهدا ووقتا طويلا، ولم يكن ارتجالا أو خبط عشواء، وإنما هو النافذة التي فاجأ هؤلاء المتربصون منها هذه الأمة بعد أن أعيت عليهم المذاهب مدى قرون عديدة، وكانت هذه النافذة هي الثقافة والفكر والتربية ومناهجها والتعليم وأساليبه، فأجدى هذا أي جدوى بعد أن فلّ السيف وأُخرس المدفع ودحرت الجيوش.
فكل ما يتصل بالثقافة والفكر وأسباب نشرهما والحرص على إذاعتهما، والعناية بهما وما يستوجب هذا كله كانت مفاتيح بأيدي هؤلاء الناس الذين وجهوا العقول، واستمالوا القلوب حتى أذلوا الرقاب، وخلصوا إلى النفوس، وامتلكوا كل زمام دون أن يتكبدوا ما تكبده أسلافهم جيوشا وعتادا وجهودا وأموالا ثم لم يفلحوا، واتخذت هذه الجهود الماكرة صورا شتى بدأت برجال الثقافة والبعثات العلمية والمعونات الطبية، ثم المعاهد التبشيرية تناثرت هنا وهناك، وانتهت إلى صور أخرى يراها البصر ولا تدركها البصيرة.
стр. 6615
وقد كثرت وسائل الإعلام من صحف ومجلات ونشرات وسينما وراءٍ [١] ، وتطورات أساليب التوجيه والتأثير، وأنجزت هذه كلها مراحل من المخططات العديدة التي كان همها الأكبر هو تنشئة شخصية ليس لها طابع مميز إلا أن يكون تبعا إمعة، تتنكر لأمتها وماضيها وتستهين بتراثها وتنعى عليه، وتتعلق بالأجانب وبما أتوا به، ويقلدونهم ويرون فيهم أئمة يقتدون بهم، ويحرصون على القوال بآرائهم واعتقادها والتسليم بها، وهؤلاء الذين استطاعت تلك المعاهد والبعثات أن تحتويهم وتربيهم وتعلمهم، وكانوا طلائع فئات من الشباب والرجال صاروا إلى مناصب في طول البلاد وعرضها، وقاموا بما نشئوا عليه وعُلِّموه، بما عوّل عليهم معلموهم ومربوهم؛ فأدوا عنهم ما كان موكولا إلى هؤلاء من الجديد الخطر تربية وفكرا وثقافة، ونابوا عنهم في مهمتهم، وبهذا تواروا عن الأنظار كغرباء، يمكن أن يبعث ظهورهم عند الأمة على الاستيقاظ والانتباه، وهذا من مكرهم وغفلة الأمة عما يدبر لها.
وليس هذا كله من هؤلاء المكيدين بدعا ولكنه صورة متجددة الشكل متفقة المضمون، وهو شيء تشرحه الآية الكريمة وتدل عليه قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَق﴾ (البقرة ١٠٩) .
وهذه الرغبة العارمة عند هؤلاء هي الدافع لهم إلى كل محاولة لصرف المجتمع المؤمن عن الجادة بكل وسيلة ودون توان، ورغبة الإفساد سببها الحسد الذي ذكر في الآية، وهذا الحسد إنما هو لخير ما أوحى به تعالى من كتابه العزيز إلى رسوله الكريم ﷺ ، وهو ما تقدّم ذكره في آية هي قوله : ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة ١٠٥) .
стр. 6616
ولا يتحقق لهؤلاء ما يرغبون فيه ويسعون إليه بنشر الفساد بين الناس، ولا يتم لهم الفساد ولا يتأتى إلا بأسباب وأساليب، ولا بدّ لهم من سعي وجهد، وأيسر أسباب الفساد وأجدى أساليبه تزيين المعاصي والمباعدة بين الدين وأهله، وتهوين أمر الكفر والعصيان، وهو ما حرض عليه أهل الكتاب من بني إسرائيل بعد أن كفروا وطغوا، فقال فيهم عزّ من قائل: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة ٦٤) .
وكذلك إشاعة الفاحشة بين المؤمنين وهي إحدى الطوامّ القوا صم التي تحلق الدين، وتوهي أواصر المجتمع، وقد قال سبحانه فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النور ١٩) .
وتكفي الملاحظة الخاطفة إلى ما يتصل بهذه الظاهرة من عناية مصممي الأزياء وثياب الجنسين وأشيائهما، وما يتعلق بالرجل والمرأة جنسين متميزين، وما ينشأ من تأثير أحدهما في الآخر إغراء وإثارة، فذلك يكفي في الكشف عن غرض هؤلاء الناس.
وهناك ظواهر كثيرة يجدر بأهل الغيرة من علماء وباحثين وكُتَّاب أن يولوها عنايتهم في رصدها والكشف عنها وتحليلها بما يقف جمهور الأمة على وجهها وينبه أولي الأمر كيما يوجهوا بما يناسب ويحول دون هؤلاء المتربصين وكيدهم.
وينبغي أن يقترن هذا بالتوجيه والتربية الكفيلين بحماية الفرد والجماعة من هذه الأشراك الخفية، ويتم هذا التوجيه وتلك التربية في كل بيئة من بيئات المجتمع، الأسرة والعمل والطريق والمدرسة، وذلك أن هذه البيئات متكافلة متواشجة الصلة جدا.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] هو التلفزيون.
стр. 6617
دراسات في التربية والتعليم
لمحة عن التربية الإسلامية
لفضيلة الدكتور محمد نغش - كلية الشريعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد النبي الأمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فالتربية الإسلامية هي الوسيلة للسعادة في الدارين الأولى والآخرة، بها تتكون شخصية المسلم المؤمن بربه، والمطيع لأوامره والمتجنب لنواهيه، المتمسك بدينه، الذي يؤدي رسالته في الحياة بأمانة، ويعمل للآخرة متبعا الكتاب والسنة، محاربا كل بدعة، مطيعا لربه العليم؛ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [١] ، ومقتديا بسنة نبيه الكريم ﷺ ؛ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِر﴾ [٢] .
والتربية معناها التنمية للقوى العقلية والخلقية والجسدية، وكلمة الأدب الواردة في قول الرسول ﷺ : "أدبني ربي فأحسن تأديبي" [٣] معناها أن الله هو الذي ربّى نبيه ليكون خير قدوة للبشرية، وقد منحه سبحانه هذه الشهادة الممتازة، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [٤] .
وقد حرص النبي ﷺ على تربية الرجال والنساء والأولاد، مثلما جاء في الأحاديث الثلاثة التالية: "أوقفوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدبوهم" [٥] ، و"أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم" [٦] ، و"مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع" [٧] .
التربية الأبوية:
стр. 6618
إن هذا تقسيم تدريجي، محكم الحلقات في أصول التربية الأبوية الإسلامية، وضعه خير البرية ليساير أرقى النظريات التربوية الحديثة؛ فمعظم ما يقوم به الإنسان مرجعه إلى العادات، والعقوبات الوسيلة الناجحة لمعالجة الانحرافات، وكلما كانت في سن مبكرة أثمرت ثمرة طيبة، والتفرقة بين الآباء والأبناء في المضاجع منذ العاشرة يجعل لهم شخصية مستقلة، ولنستمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [٨] ، هذا الاستئذان رمز لكل الآداب الأخرى، صغيرة كانت أو كبيرة، فيه توجيه حسن للسلوك الفردي، وتهيئة للسلوك الجماعي اللازم في مواجهة الحياة، وهو أعظم هبة يهبها الله ورسوله المؤمنين في تعليم تلك البراعم الصغيرة، وهو شرع يتوارثه الأخلاف عن الأسلاف، وتقليد فيه خير لكافة الأجيال، فيه يعرف الفرد ما له من حقوق وما عليه من واجبات، وهو الأدب الحسن الذي يسيطر على النوازع والرغبات، وبه تتحقق هذه الأمنية الغالية؛ ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [٩] .
والذي يعلّم ولده فيحسن تعليمه، ويؤدبه فيحسن تأديبه فقد عمل في ولده عملا حسنا، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [١٠] .
стр. 6619
وهذا الواجب يتقاسمه الوالدان بصفتيهما الأبوية، ويشاركهما في هذا الواجب أب روحيّ وهو المدرس، فإذا شعر بمسئوليته تجاه الله والمجتمع، عرف أن التربية أمانة في عنقه، وأن جزاءها تضعيف الأجر؛ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَة﴾ [١١] ، فالآباء هم القدوة للأبناء؛ إذ يقلدونهم في سلوكهم الحسن منه أو الرديء، فليكن الأب لابنه مصباح هداية، وليحذر أن يكون مفتاح غواية، وللموعظة الحسنة أثرها بجانب السلوك السوي، وخير ما نلقنه للأبناء وصايا الرحمن على لسان لقمان لابنه؛ فهي تجمع بين الإيمان والتوحيد، والدعوة إلى الخلق القويم، ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ... يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [١٢] .
ولرسول الله ﷺ وصايا عديدة، من اقتدى بها حصل على مزايا جليلة [١٣] ، يقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في وصية له: "اضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة؛ اصدقوا إذا حدثتم، وأدوا الأمانات إذا ائتمنتم، وأوفوا بالعهد إذا وعدتم، غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفّوا أيديكم" [١٤] ، إن هذه الوصية الجليلة من جوامع الكلم، تجمع آداب السلوك الاجتماعية اللازمة لسعادة البشرية.
فالله خلق الإنسان وأنشأ له الإرادة، فعليه الاختيار إما أن يفعل الخير فيصير من الأبرار، وإما أن يفعل الشر فيصبح من الأشرار، والجزاء معروف؛ فلهذا الجنة ولذلك النار.
стр. 6620
ولذا يحرص الآباء المسلمون على تعليم أبنائهم تعاليم الدين ويبدأون بحفظ القرآن الكريم؛ لتتحد البواعث الدينية في نفوسهم مع البواعث الشخصية منذ نعومة أظافرهم.
وهذه هي الوسيلة السليمة لتنشئتهم النشأة القويمة التي تؤتي ثمارها الطيبة بإذن ربها.
التربية المدرسية:
والمدرسة من أكبر العوامل في تكوين الشخصية، خصوصا في المرحلة الأولى حيث يتصل الطفل بغيره من الصبيان ممن هم في مثل سنه أو ممن يكبرونه أو يقلون عنه قليلا، ويتصل أيضا بالمدرس الذي يعده التلاميذ قدوتهم، ويقلدونهم في سكناته وحركاته، فمحاكاة الحركات والأعمال أسبق من محاكاة المعاني والآراء.
ففي المرحلة الأولى من حياة الصبي يقع سلوكه في دائرة تأثير المعلم، وتأثير الصبيان الذين يختلط بهم، وتأثير آبائه في المنزل، فإن صلحت هذه الدائرة نما الطفل وترعرع بين الفضيلة، وإن فسدت انغمس الصبي في متاهات الرذيلة، ولهذا يجب الحرص على أن يتنفس أبناؤنا - فلذات أكبادنا - في جو إسلامي صحي، فمن الخير للإنسان المبادرة بتكوين العادات الفاضلة في الأبناء حتى تتأصل فيهم، وتنزل منزلة الطبع؛ لأن الإقلاع عن العادات المرذولة إذا تمكنت يكون شاقا عسيرا.
من هذه الصفات الخلقية التي يجب أن يتحلى بها الصبيان الطاعة لله ورسوله أولا وقبل كل شيء ثم لأولي الأمر، وفي القرآن آيات كثيرة تحث على الطاعة بل تأمر بها، فقد أمر الله المرأة أن تطيع زوجها، والابن أن يطيع أباه، والمعلم يحل محل الوالد، ومنزلته هي نفس منزلته، ولذلك تجب طاعة الصبيان له.
ومن الصفات الخلقية التي يجب أن يتعودها الصبيان النظام؛ لأن الفوضى مفسدة للمجتمع، ومضيعة للتعاون الضروري للحياة الإنسانية.
следующие страницы →