← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

ودخل موسى بن نصير مدينة دمشق في السادس والعشرين من يناير عام ٧١٥م جمادى الأولى عام ٩٦هـ، أي قبل وفاة الخليفة الوليد بأربعين يوما، وحرص موسى على أن يشرف بنفسه على طريقة سير الموكب وارتداء المشتركين فيه بثيابهم وبطريقة عرض الكنوز والغنائم، وأمر موسى بالأموال والجواهر واللؤلؤ والياقوت والزبرجد والجزع والوطاء والكساء المنسوج بالذهب والفضة المحرشة باللؤلؤ والياقوت والزبرجد وضمّها إلى موكب النصر مع رجاله بأرديتهم الجميلة الزاهية، ثم أقبل موسى بالذين ألبسهم التيجان حتى دخل مسجد دمشق والوليد على المنبر يحمد الله، وكان الخليفة يعاني في تلك الأيام من وطأة المرض ومع ذلك أبى إلا أن يخرج إلى المسجد متحملا لأجل قدوم موسى بن نصير، ولما رأى الخليفة هذا الموكب استولت عليه الدهشة والعجب الشديد وصاح الحاضرون من الناس: موسى موسى!، وأقبل هذا القائد المظفّر حتى سلّم على الخليفة ووقف ثلاثون رجلا من أصحاب التيجان في موكب النصر عن يمين المنبر وشماله، على حين وقف أمام الخليفة سائر أفراد الموكب ومراكب الغنائم المقامة على عجل، وهزّ هذا المنظر الباهر قلوب الحاضرين ومشاعرهم كما أثار ذكرياتهم عن فتوح المسلمين الكبرى، وقالوا إن الدولة الإسلامية لم تشهد منذ فتح فارس مثل هذا الموكب الرائع، ومثل تلك الغنائم الوافرة، وأخذ الخليفة يلقي خطبته في هذا المشهد الحافل وأكثر فيه الحمد لله والثناء عليه والشكر لما أيده الله ونصره، وأذهل موسى الناس بما أتى به من الخيرات والغنائم والأسرى، وكان موكب النصر هذا موكبا مشهودا؛ إذ لم ير الناس من قبل مثل هذا العدد من أمراء الغرب والأسرى الأوربيين، وقد جاءوا يقدمون الولاء والطاعة لأمير المؤمنين.

стр. 6722

وكان من أبرز ما قدّمه موسى بن نصير إلى الخليفة الوليد من الغنائم التذكارية النفيسة مائدة تفوق قيمتها كل تقدير، كان طارق بن زياد قد غنمها من كاتدرائية طليطلة، وكان القوط قد تفننوا في صنعها فنسبها العرب إلى سليمان بن داود، وإنما أطلق عليها هذا الاسم كناية عن قدمها وعظم شأنها. واختلفت الروايات كذلك في وصف هذه المائدة وبيان هيئتها وسبب وجودها، فذكرت إحدى الروايات أن الأغنياء والموسرين من القوط دأبوا أن يوصلوا للكنائس بقدر معلوم من ثرواتهم عند الوفاة وكلما تجمع المال الوفير بين المشرفين على تلك الكنائس أمروا بصناعة موائد وكراسي من الذهب والفضة تضع القساوسة عليها الأناجيل في أيام الاحتفالات من أجل المباهاة والتفاخر، ونالت كنيسة طليطلة قدرا كبيرا من مال الوصايا، وخاصة أنها كانت مقرّ البيت المالك، ولذا تأنق الملوك في عمل مائدة لهذه الكنيسة فاقت كل الموائد في سائر أسبانيا؛ إذ حرص كل ملك على أن يزيد في مائدة كنيسة طليطلة إعلاء لذكره وتباهيا بعاصمة ملكه حتى صار لها مركز الصدارة في جميع البلاد وتحدث الجميع بجمالها وعلو قيمتها، فكانت مصنوعة من الذهب الخالص مرصعة بفاخر الدر والياقوت والزبرجد. ومهما يكن من أمر تلك الروايات فمما لا شك فيه أنها أجمعت على شيء واحد هو عظمة هذا الكنز الثمين الذي فاقت أخباره ما عداه في كنوز وجدها الفاتحون في سائر مدن الأندلس، ويرجح أن هذه المائدة كانت مذبح الكنيسة الجامعة في طليطلة، وأنها كانت على درجة خيالية من الجمال حتى تليق بعاصمة القوط، ولتكون رمزا على ثراء دولتهم وغناها الوافر. وكان مما قدّم للخليفة الدر والياقوت أكيالا والسيوف المحلاة بالجواهر والتيجان الذهبية المرصّعة بالحجارة الثمينة وآنية الذهب والفضة، وغير ذلك مما لا يحيط به وصف.

стр. 6723

وقد أغدق الخليفة الخلع على موسى ثلاث مرات تشريفا له، كما أغدق المنح لآل بيته، ولما انتهى الخليفة من منح موسى براءات الشرف والتكريم استأذن منه هذا القائد العظيم في تقديم المشتركين معه في موكب النصر فأدخل عليه موسى ملوك البربر وملوك الروم وملوك الأسبان وملوك الفرنجة، ثم أدخل عليه رؤوس البلاد ممن كان معه من قريش والعرب؛ فأحسن الخليفة لهم العطايا والمنح. وبانتهاء يوم الاستقبال اختتم موسى بن نصير حياته العامة، ذلك أن الوليد ابن عبد الملك توفي بعد ذلك اليوم بأربعين يوما فقط، وخلفه سليمان بن عبد الملك عام ٩٦هـ (٧١٥م) ، وأعفى الخليفة الجديد غداة توليه العرش موسى بن نصير - وكان إذ ذاك قد ناهز الثمانين من عمره - من العودة إلى الأندلس، وأراد الخليفة سليمان بن عبد الملك أن يختم حياته بالحجّ إلى بيت الله الحرام واصطحب معه إلى مكة والمدينة موسى بن نصير، وقد توفي موسى بن نصير بالمدينة بعد أداء فريضة الحج ودفن بالبقيع في أوائل عام ٩٧هـ. أما طارق بن زياد فقد انتهت حياته في غموض، ولا تذكر الرواية الإسلامية أين ومتى توفي، ويقال إن مغيث الرومي وشّى به وخوّف الخليفة منه، وكان الخليفة سليمان ابن عبد الملك يريد أن يوليه الأندلس فعدل عن ذلك. ولكن إهمال المؤرخين لطارق بن زياد لم يحرمه نصيبه من الخلود، فقد شاءت المقادير أن تحمل اسمه أول بقعة في الأندلس وطئتها قدماه وهي جبل طارق، كما سمي بحر الزقاق باسم مضيق جبل طارق، وانتقلت هذه التسمية إلى اللغات الأوربية جميعها بصيغها محرفة تحريفا بسيطا.

стр. 6724

ولم تشر الروايات العربية إلى مصير يوليان الذي مهّد لفتح الأندلس، وتذكر بعض الروايات أنه عاد إلى سبتة وأقطع ما حولها من الأرض، وظل أميرا على سبتة نظير خدماته، ولكنه بقي نصرانيا هو وبنوه الأقربون، أما ذريته فيقال إنها دخلت الإسلام بعد ذلك، أما أبناء غيطشة فقد أقطعوا ما كان لأبيهم، كما عين أخ غيطشة حاكما لمدينة طليطلة. بعض مصادر البحث: ١_ الكامل في التاريخ لابن الأثير. ٢_ الحلل السندسية طبعة ١٩٣٦م لأرسلان. ٣_ المغرب في ذكر إفريقية والمغرب طبعة ١٩١١م للبكري. ٤_ فتوح البلدان طبعة ١٩٠٠م للبلاذري. ٥_ قيام دولة المرابطين طبعة ١٩٥٧م لحسن محمود. ٦_ فتح العرب للمغرب طبعة ١٩٤٧م لحسين مؤنس. ٧_ فجر الأندلس طبعة ١٩٥٩م لحسين مؤنس. ٨_ تاريخ المغرب العربي طبعة ١٩٦٥م لسعد زغلول عبد الحميد. ٩_ الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى طبعة ١٨٠٤م للسلاوي. ١٠_ المغرب الكبير (العصر الإسلامي) طبعة ١٩٦٦م للسيد عبد العزيز سالم. ١١_ بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس طبعة ١٨٨٤م للضبي. ١٢_ فتوح مصر والمغرب طبعة ١٩٢٠م لابن عبد الحكم. ١٣_ العقد الفريد لابن عبد ربه. ١٤_ الأساطيل العربية طبعة ١٩٥٧م للعدوى. ١٥_ البيان المغرب في أخبار المغرب لابن عذارى. ١٦_ دولة الإسلام في الأندلس طبعة ١٩٤٣م لمحمد عبد الله عنان. ١٧_ الآثار الأندلسية طبعة ١٩٥٦م لمحمد عبد الله عنان. ١٨_ تاريخ المغرب الكبير لمحمد علي دبوز. ١٩_ النجوم الزاهرة طبعة ١٩٢٨م لأبي المحاسن. ٢٠_ نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب طبعة ١٨٥٥م للمقري. ٢١_ معجم البلدان لياقوت الحموي.

стр. 6725

تعقيب لا تثريب إبراء للذمة وتذكيرا بالحق لفضيلة الشيخ: محمد المجذوب كلية الدعوة وأصول الدين من مسلم ناصح إلى شيخ المقرئين في مصر - ومن ثم في العالم الإسلامي كله - الشيخ محمود خليل الحصري هدانا الله وإياه سواء السبيل. الحمد لله الذي أكرم المؤمنين فجعلهم نصحة أمناء، وأنقذهم بذلك من صفات الكافرين الغششة السفهاء، وصلى الله وسلم وبارك على صفوته من خلقه محمد وآله وصحبه ومن التزم سبيله، ونهض بدعوته على بصيرة إلى يوم الدين.. أما بعد، فقد سمعتك أمس تتلو في مسجد رسول الله ﷺ وعلى مقربة من مثواه المبارك قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ..﴾ ؛ فأثار ذلك في نفسي ضروبا من التأملات، وكان من غرائب الاتفاق أن تعتري هذه الحالة كثيرين غيري أيضا؛ فإذا أحدهم يقول لآخر وهو يحاوره: كيف سمح هذا الرجل لنفسه أن يقدم على هذه التلاوة هنا في مهبط الوحي، وهو يعلم أن معصيته للوحي ومبلّغ الوحي لم تتلاش بعد من أذهان الناس، ولم يكد يفرغ الكرام الكاتبون من تسجيلها، أبهذا اللسان نفسه الذي افتتح أمس حفل الذكرى لأم كلثوم بآيات الحي القيوم، يرتل في مسجد رسول الله آيات الله!..

стр. 6726

وقال آخر: مسكين! ألم يقرأ في كتاب الله غير هذا الويل الموجه إلى الهمزة اللّمزة؟!.. ولم يعلم أن ثمة ويلات كثيرة لكثيرين من العاصين، وبينهم المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون، والقاسية قلوبهم من ذكر الله، والظالمون والأفّاكون الآثمون!!.. ولا سهو عن الصلاة أهول من فقدانها روح التطهير من الفحشاء والمنكر، حتى تصبح عادة يؤديها فاعلها كما يؤدي أي عمل آخر في معزل عن الخشوع والوعي، وأي قسوة أشدّ من أن يقرأ امرؤ كتاب الله، بل يتخذ منه حرفة للارتزاق، ثم لا يتورّع عن اقتراف المنكر الذي يخزي صاحبه في الدنيا والآخرة!.. وهل ثمّة ظلم بعد الشرك أكبر من أن يفتتح مقرئ حفلة غناء بآيات من الكتاب الذي اؤتمن عليه، والذي يقول منزله - تبارك اسمه -: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ؟! ألا يعلم هذا المسكين أن هذا عين الإفك وجماع الإثم، وأدنى دركات التلاعب بكتاب الله!.. يا شيخ محمود.. هذا ما يقوله عنك كل مؤمن يعي آيات الله، ويفقه تعاليمه سبحانه، فهل علمت ذلك؟.. وهل أتيح لك من يبلغكه يا أبا الافراج؟!.. لقد والله أحدثت فتقا في الإسلام يتعذر - إذا لم يستحل – رتقه؛ بجرأتك على الله، واقتحامك تلك العقبة الخطيرة، يوم رضيت لتلك الهاوية المغفلة أن تقوم مقام هاتيك الفينة الصغيرة بنظر كل فاضل، وإن كبرت في منظار كل سفيه غوي من أهل الباطل، لتتغنى وتتمعج، كي تستثير إعجاب الغواة الهواة من أذناب الشيطان، كما فجرت الخمر من قبل مشاعر مدمنيها، فراحوا ينظمون في مدحها ونعتها أفانين الشعر، وهم الذين بهم وبأضرابهم دمّر الله حصون هذه الأمة في بغداد والأندلس؛ إذ استطاعوا أن يجردوها من مقوماتها، ويصرفوها عن رسالتها، فذلّت بعد عزّ، وطمع بقهرها كلّ ذي عجز.

стр. 6727

ولو أن أي فارغ من الخلق قدم ابنته لأسماع الغواة وأبصارهم على ذلك النحو ولو في موكب من الآيات والذكر الحكيم لما كان لفعلته سوى أثر ضئيل يذكره الناس ثم لا يلبثون أن ينسوه، أما أن يقدم على ذلك شيخ أزهري يسمى في لغة الدواوين شيخ المقارئ المصرية، فتلك هي البدعة الشنعاء التي سيحمل إثمها وإثم من أخذ بها إلى يوم القيامة. ولعلك قرأت فيما قرأت من حديث رسول الله ﷺ قوله: "ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها" رواه مسلم، وليس كل من ارتكب سوءا يعتبر صاحب سنة سيئة، أو يقال إنه أحدث فتقا لا يرتق، فالحشاشون كثيرون، والسكارى أكثر، وتاركو الصلاة.. والمنسلخات من آداب الإسلام بالسفور الذي ملأ ديار الإسلام إلا من رحم الله، هؤلاء كثير كثير، ولكنهم مع ذلك لا يؤلفون السنة التي يلحق وزرها صاحبها إلى يوم القيامة؛ لأنهم عديمو الوزن في قسطاس الناس، فلا يؤبه لهم ولا يتأسى بهم.. وإنما المحدثون المحشورون في زمرة الظالمين لأنفسهم وغيرهم هم الذين يحملون صفة العلم، ويظنّ بهم الفقه والفضل.. ومن أحقّ بأن يكون مظنة العلم والورع - في نظر العامة وأشباههم - من حملة كتاب الله، الهادين به في بيوت الله، الشاحنين به أمواج الأثير إلى عباد الله! ... أجل يا شيخ محمود.. لقد سبقت كل المبتدعين إلى خرق هذا الفتق الرهيب؛ لأن تاريخ الإسلام لم يعرف قطّ واحد قبلك من كبار القراء أو صغارهم قدّم كريمته للغناء في محافل العابثين، وفي موكب من آيات الكتاب المبين!

стр. 6728

أنا لا أستبعد أن تكون قد ندمت على ما فرطت في جنب الله، وأسفت على ما أسلفت، فآليت أن لا تعود لمثلها - كما قيل على لسانك - ولكن ندمك وأسفك لن يمحو وزرك الكبير أبدا أبدا، إلا أن تعلن بكل ما وسعك من وسائل الإعلام أنك كنت بما فعلت في ضلال، وأنك تشهد الله وعباده على أنك أقلعت عنه إلى غير رجعة، وستعمل على تكفيره بكل ما أوتيت من قوّة، رجاء أن يتداركك الله بعفوه ومغفرته، وما أدري إذا كنت قادرا على ذلك وجارئا عليه.. وحولك من الشياطين من لا يرى في جنايتك بأسا، بل لا يرى فيها إلا سابقة مشكورة إلى العمل الصالح!.. استمع يا شيخ محمود إلى واحدة من فضائل حملة القرآن: في معركة المرتدين من بني حنيفة أصابت المسلمين جولة بسبب اختلاط الطلقاء - ذوي الإسلام الحديث - بأهل السابقة العليا من المهاجرين والأنصار؛ فكان الرأي استبعاد الطلقاء عن مباشرة القتال، وتركه لتلاميذ النبوة الناضجين الصامدين، وعهد بلواء الإسلام إلى خطيب رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شماس ﵁، فأراد إخوانه أن يلهبوا رجولته فذكروه قائلين: إن الناس إنما يؤتون من قبل راياتهم؛ فحذار أن نؤتى من قبلك، فدفن ساقيه في الأرض، وهو يقول لإخوانه: "بئس حامل القرآن أنا إن أوتيتم من قبَلي". ذلك شأن حملة القرآن من سلف هذه الأمة، ثبات في وجه الكفر كثبات الأرض في وجه العواصف، وتصميم على التحقق بكل عزائم القرآن حتى الموت. فقس بهذا الطراز يا شيخ محمود أولئك الذين لا يفقهون من حملهم للقرآن سوى أنه وسيلة للارتزاق، وسبيل إلى التنافس على الدنيا، والحصول على إعجاب الفارغين العاطلين من تلاميذ الشياطين!.

стр. 6729

يا شيخ.. محمود إن الذين يحاربون الإسلام وينخلعون من ربقته كل يوم كثيرون لا يحصرهم إحصاء، على حين إن الذين يلتزمون سبيله ويتفانون في نصرته هم الأقلون المضطهدون.. ولكنهم وحدهم السعداء بمرضاة ربهم؛ لأنهم الثابتون على عهد نبيّهم؛ لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة، فإلى أي الفريقين تنحاز يا شيخ محمود؟ وبأيهما تلوذ؟ فاختر لنفسك! وتذكر أنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه، فلن تنفعك فتوى فلان، ولا تصفيق فلتان، ولا تهريج علان ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ . إن الزلّة لكبيرة يا شيخ محمود؛ فأدركها بتوبة تغسلها، وأعلن ذلك على الملأ كما اقترفتها على الملأ.. تلك نصيحتي أبعث بها إليك إبراء للذمة، وتذكيرا بالحق؛ فافتح لها صدرك، وتلقها بمثل الروح التي أملتها، ولا تكن كذلك الذي ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْم﴾ ، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . هذه الكلمات كُتبت في أعقاب السقطة الفاجعة، وكان من حقّها أن تصل إليك يا شيخ محمود على صفحات إحدى المجلات الإسلامية منذ ذلك اليوم، ولكن قدّر الله أن تحول الحوائل دون نشرها، حتى تحمل إلى قرائها بعض ذيول القصة التي بدأت بحفلة الذكرى، ولا يعلم غير الله متى وأين وكيف ستنتهي.

стр. 6730

لقد سمحتم للشيطان أن يستحوذ على تلك المسكينة منذ أغفلتم تحصينها بعواصم الإسلام؛ فلم تجد بأسا في الاستجابة لهواتف الغواية تأخذ بخطمها إلى مهاوي الأخسرين أعمالا من أهل الفن الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وقديما قيل: إن من وضع قدمه في مزلقة الإثم لا يسعه التوقف قبل القاع، وهكذا فتنت بالغناء وغرّها ما قرأته وما سمعت من تمجيد المضللين لأهله، وإكبابهم على مسجلاتهم يستهلكون معها لياليهم، حتى يصرعهم سكر الطرب، فيسلمهم إلى نوم لا يذكرون معه ربا ولا واجبا، ووجدت - وربما وجدتم - في حنجرتها نغما يؤهّلها للحاق بركب النجوم الذين واللواتي استطاعوا أن يفرضوا سلطانهم على قلوب الجماهير العمياء، التي تكاد تتخذهم آلهة من دون الله؛ فيستولون بذلك على ثروات الأمة، ويسلبوا السفهاء وعيهم حتى لا يروا للحياة معنى بغير وجودهم، فيقتلوا أنفسهم حزنا لفراقهم.

стр. 6731

أجل.. لقد استهوى ذلك قلبها إذ كان كالحصن الذي لا حامية فيه؛ فلم تلبث أن سقطت في حبالة الشياطين، وكانت الخطوة الأولى في هذا المنحدر تلك الحفلة التي أفتاك بعض المعمَّمين من عشاق الطرب، وباركتها أنت يا شيخ محمود بالتقديم لها في زفة من آيات الله، ثم ما لبثن الخطى أن تلاحقت في المنحدر؛ فإذا هي تتخذ لنفسها اسم ياسمين الخيام بدل إفراج الحصري، وكأنّها بذلك تعلن الحرب على ماضيها الإسلامي نفسه بالانتساب إلى ذلك العربيد (الخيام) الذي أصبح مضرب المثل في عالم الضياع والدعوة إلى الاستهتار، وتبع ذلك ما لا مندوحة عنه من طرح للحجاب، وعمل مع الفرق الراقصة، وظهور في المسارح الماجنة.. استجداء لتصفيق المعجبين ومشاركة لصعاليك الفن في تجميع الملايين.. وقد رضيت أن تدفع ثمن ذلك الهُويّ كلَّ ذخيرتها من طمأنينة الحياة الزوجية، وأن يسلبها شططها هذا كل أثر للسكن والمودة والرحمة؛ فأشقت الزوج، وأيتمت البنين، وتناست موقفها القريب الرهيب بين يدي رب العالمين!! ولا عجب فهي الحصيلة الطبيعية لهذا النوع من الشذوذ عن سبيل المؤمنين، وليست مأساة (البيت الأردني) الذي دمره شطط تلك الهاوية الأخرى ببعيدة عن عيني إفراج وأبي إفراج، لو كانوا من المستبصرين المعتبرين.. وأخيرا.. لا أدري والله بأي كلمة يجب أن أختم خطابي هذا إليك، أبالدعاء لك بأن يتوب الله عليك؛ فيوفقك إلى التكفير عما أسلفت في هذه المأساة من آثار يتعذر رصد عواقبها على الأجهزة الحاسبة والحاسبين! أم أدعو عليك بعقاب يكافئ ما قدّمت لدينك من مساءة سررت بها الفاسقين، وكسرت قلوب المؤمنين؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

стр. 6732

الفكر والفلسفات المعاصرة الاستشراق وجهوده وأهدافه في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته للدكتور عبد المنعم محمد حسنين - كلية الدعوة وأصول الدين مقدمة الاستشراق حركة ظهرت في العصر الحديث، وتبدو هذه الحركة علمية في ظاهرها؛ فهي تحاول دراسة التراث الشرقي، ولكنها في الحقيقة تبغي من وراء هذه الدراسة التعرّف على منابع تراثنا الشرقي، ثم تحاول صرف أهله عنه، وليجرفهم تيار الحضارة الغربية الضالّة المضلّلة. والمستشرقون جماعة من علماء الغرب - من مسيحيين ويهود وملحدين - درسوا اللغات الشرقية من عربية وفارسية وعبرية وسريانية وغيرها، وتوفر كثير منهم على دراسة اللغة العربية والإطلاع الواسع على علومها ومعارفها؛ لاتخاذ هذه الدراسة وسيلة للقاء كثير من المفتريات والأباطيل في محيط الإسلام للتهوين من شأن الدعوة الإسلامية والتقليل من أثرها في الحياة، وفي الارتفاع بالمستوى الإنساني، وبدورها في إنقاذ الإنسانية وتحريرها من العبودية، وإخراجها من الظلمات إلى النور. كما أن هذه المفتريات والأباطيل تحاول التقليل من شأن الثقافة الإسلامية، ودورها في نشر العلوم والمعارف، وفي نقل أوربا من العصور الوسطى - عصور الجهل والظلام - إلى مشارف العصر الحديث، وما ظهر فيه من علوم ومعارف يفخر بها العالم الغربي.

стр. 6733

ويواصل الاستشراق بذل جهوده في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته؛ لأن المستشرقين لم يستطيعوا التخلّص من نزعاتهم الموروثة وأهوائهم المعادية للإسلام، بحيث لم يعد خافيا ما يبذله المستشرقون من جهود في محاربة الإسلام بالتشكيك في مصادره وتلفيق الأباطيل والإلقاء بها في ساحة الشريعة الغرّاء، ومحاولة إغراق المسلمين بالتيارات الفكرية المضلّلة، ومحاربة اللغة العربية التي نزل بها القرآن، ومساندة الدعوات المضلّلة التي قامت تحت راية الإسلام، واستغلال وسائل الإعلام في إفساد المسلمين بإبعادهم عن دينهم، والحرص على تضليل أبناء المسلمين الذين يتتلمذون عليهم. فينبغي أن نبين خطر الاستشراق وجهوده وأهدافه في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته، ويجب أن نكشف الأسلحة التي يستعملها في حربه السافرة والخفية، والوسائل التي نتقي بها شره، ونردّ بها كيد أعداء الإسلام في نحورهم. وهذا ما سأحاوله في هذا البحث وبالله التوفيق. أولا: نشأة الاستشراق يخطئ من يقول إن الاستشراق حركة علمية، لا هدف لها إلا دراسة التراث الشرقي في معتقداته وآدابه؛ لأن الاستشراق في الحقيقة والواقع خادم للاستعمار وأهدافه، وهو يتخذ من دراسة التراث الشرقي وسيلة لمحاربة الإسلام، والتشكيك في مصادره ليصرف المسلمين عن دينهم، فلا تتحقق لهم قوة ولا عزة، بل يظلون تابعين للغرب، مقلّدين كل ما في بلاده من ألوان الفساد والانحلال.

стр. 6734

إن الاستشراق في الحقيقة امتداد للحروب الصليبية ضدّ الإسلام وحقائقه الناصعة؛ لأن الحروب الصليبية لم تنته، وإنما اتخذت أشكالا وألوانا مختلفة، منها الاستشراق؛ فالمستشرق يجيء إلى الإسلام لابسا العلم الظاهر، ومدّعيا البحث عن الحقيقة، ولكنه في الباطن قد عقد النية على جمع المطاعن الملفقة عن الإسلام؛ فلا يلبث أن يرمي الإسلام بكل ما يحمل صدره من غل، وينفث قلمه من سم؛ فهو يتنكر لمنهج العلم الصحيح الذي من شأنه أن يعرض الحقائق، وأن يترك للناس الحكم عليها، دون أن يمزجها بمرارة حقده، ونفثات عداوته، ودون أن يحاول تشويه هذه الحقائق بصورة من الصور. والمتتبع لحركة الاستشراق يجد أنه مواكب لحركة الاستعمار الغربي لبلاد الشرق والإسلام، مما يدل على أنه امتداد للحروب الصليبية، وشكل من إشكالها، وقد نشطت حركة الاستشراق وبلغت أشدها منذ قرنين من الزمان في صورة حركة تابعة لحركة الاستعمار. والاستشراق مصدر الفعل (استشرق) أي: اتجه إلى الشرق ولبس زى أهله، وقد اتخذ المستشرقون من دراسة لغات الشرق وسيلة للاتجاه إليه، فدرس كل منهم لغة أو أكثر من لغات الشرق كالعربية والفارسية والعبرية والسريانية وغيرها، ثم درس بهذه اللغة علوم تلك اللغة وفنونها وآدابها ومعتقدات أهلها، وكانت اللغة العربية المطلب المقصود عند الكثير من المستشرقين. قد أقبل المستشرقون على دراسة اللغة العربية والتخصص في علومها من نحو وصرف وأدب وبلاغة؛ ليتمكنوا من اللغة، ثم نظروا بعد ذلك في علوم الدين الإسلامي من عقيدة وشريعة؛ لاتخاذ هذه الدراسة وسيلة لتلفيق الأباطيل للتشكيك في حقائق الإسلام، وصرْف المسلمين عن دينهم الذي يهديهم إلى طريق التقدم والعزة؛ فتتحقق بذلك أهداف الاستعمار في مواصلة احتلال بلاد المسلمين.

стр. 6735

وأوضح دليل على صلة الاستشراق بالاستعمار أن سوق الاستشراق رائجة في أوربا وأمريكا في الدول التي لها مصالح في الدول الشرقية بعامة وفي الدول الإسلامية بخاصة، وأن هذه السوق أكثر رواجا في الدول الاستعمارية التي تحاول غزو الدول الشرقية بأية صورة من صور الغزو والمعروفة في العصر الحديث؛ سواء أكان الغزو عسكريا أم اقتصاديا أم سياسيا أم ثقافيا، بل لا تكاد توجد سفارة من سفارات هذه الدول الاستعمارية في دولة من دول الشرق الإسلامية لا يوجد فيها مستشرق أيّا كانت رتبته بين رجال السفارة والعاملين بها. إن ارتباط الاستشراق بالاستعمار وتبعته له جعلت الاستشراق يواصل جهوده في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته، ويستعمل كل الأسلحة في حربه؛ لأن هذا الدين الحنيف هو السدّ المنيع الذي يقف في وجه الاستعمار والعبودية لغير الله. إن المستشرقين يعلمون من دراستهم للإسلام أن العقيدة التي جاء بها ترتكز على أسس ثابتة من الفطرة الإنسانية العامة والمنطق العقلي المستقيم، والنصوص الدينية الصريحة، بحيث لا يمكن لعقول المفكرين والفلاسفة أن ينقضوا أصلا واحدا من أصولها إذا التزموا منهج العلم الصحيح، ولذلك يحاول الاستشراق منذ نشأته التشويش على دعوة الإسلام بتلفيق الأباطيل، واتخاذ البحث العلمي ستارا يلفقون من ورائه هذه الأباطيل. وقد صار الاستشراق مظلة لكل أعداء الإسلام من المستعمرين والملحدين وغيرهم؛ فأصبح يستظل بها أصحاب العقائد الفاسدة الباطلة من الشيوعيين وأنصار المذاهب الإلحادية الانحلالية في العصر الحديث، فقد جمع هؤلاء بغضهم للإسلام؛ لأن أساسه التوحيد، وهو زبدة الرسالات الإلهية وغايتها، ترتكز كلها عليه وتستند في وجودها إليه، وتبتدئ منه وتنتهي إليه؛ فكل رسول افتتح دعوته لقومه بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .

стр. 6736

والدين فطرة غرزها الله في البشر، وقد كانوا أوّل الأمر متفقين على التوحيد قبل أن تزيّن لهم الشياطين عبادة الطواغيت واتخاذ الأصنام. والعقيدة الإسلامية عقيدة واضحة بعيدة عن إغراق الوهم، وجموح الخيال، وتحكم الأهواء، وهذا ما يسعى إليه العقل في تفكيره الدائب للوصول إلى الحقيقة التي ينشدها. من هنا كان الاستشراق هو المطية التي يركبها أعداء الإسلام لعلهم يستطيعون بهذه الوسيلة التشويش على دعوته التي تتفق مع الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. وقد بذل الاستشراق منذ نشأته جهودا عديدة متواصلة في محاربة الإسلام، واصطنع وسائل متنوعة في حربه، واستفاد من تقصير المسلمين - أحيانا - في الدفاع عن دينهم، وانخداع بعضهم - أحيانا أخرى - بكلام بعض المستشرقين الذين يضعون السمّ في العسل. وسأعرض فيما يلي جهود الاستشراق المختلفة في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته، وأبيّن أهدافه من وراء هذه العداوة الشديدة، والله غالب على أمره ولو كره الكافرون. ثانيا: جهود الاستشراق في محاربة الإسلام بسلاح العلم ينبغي على المهتمين بتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة أن يكونوا على دراية تامة بالجهود التي يبذلها المستشرقون في محاربة الإسلام؛ لأنهم - في الحقيقة - ألدّ أعداء الإسلام. والمستشرقون يتخذون العلم وسيلة للتشويش على الدعوة الإسلامية ويتسترون وراء البحث العلمي، وهم يلفّقون الأباطيل، ويلقون بها في ساحة الشريعة الإسلامية، ويحاولون تضليل شباب المسلمين الذين يتتلمذون عليهم، وإقناعهم بآرائهم الفاسدة الخبيثة؛ ليشركوهم معهم في الإساءة إلى الإسلام دون وعي.

стр. 6737

إن ما يكتبه المستشرقون عن رسالة الإسلام ورسول الإسلام يفضح الحقد الدفين الكامن في قلوبهم، ويكفي أن نذكر - على سبيل المثال - ما كتبه واحد منهم هو (جولد تسيهر) ؛ لينكشف دورهم في الطعن على الإسلام، والتشويش على دعوته متخذين العلم وسيلة لما يهدفون إليه، يقول المستشرق المذكور: "فتبشير النبي العربي ليس إلا مزيجا منتخبا من معارف وآراء دينية عرفها أو استقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها، التي تأثر بها تأثرا عميقا، والتي رآها جديرة بأن توقظ عاطفة دينية حقيقية عند بني قومه" [١] . وهذا قول آثم، ردّد به هذا المستشرق الحاقد زعما زعمه المشركون منذ أربعة عشر قرنا، وردّ الله تعالى عليه في حينه؛ فما إن قال المشركون هذا القول حتى فضحهم الله به، يقول الله تعالى على لسان المشركين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ ، ويردّ ﷻ عليهم بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾ ، ثم يقول سبحانه على لسانهم: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأََوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ، ثم يردّ جل وعلا عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ . ثم تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله؛ فعجزوا ولم يرفع أحد رأسه، يقول ﷻ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ .

стр. 6738

إن جولد تسيهر وأمثاله من المستشرقين أعداء الإسلام يردّدون ما كان يردّده مشركو قريش من قبل في موقف العناد والكبر، غير أن مشركي قريش عدلوا عن عنادهم ودخلوا في دين الله وجاهدوا في سبيل الله، وكان منهم سيوف الله على رقاب أعداء الله، أما المستشرقون فمصرّون على محاربة الإسلام والتشويش على دعوته بالتشكيك في القرآن الكريم والإيهام بأنه من عمل محمد ﷺ ، وأن الرسول كان يتجاوز بعض الوحي القرآني، وينسخ بأمر الله ما سبق أن أوحاه إليه [٢] . والحقد واضح في مقولة هذا المستشرق، بل لقد ذهب الحقد بعقله؛ إذ كيف يستسيغ عقل سليم أن يصف محمدا ﷺ بأنه رسول ثم يقول إن هذا الرسول بدّل رسالة ربه بأمر من ربه لظروف اضطرته إلى ذلك! هل يعقل هذا؟!.. فأي رسول يحمل رسالة الله ثم يكذب على الله ثم يظلّ رسولا بعد ذلك؟! أليس ما يقوله ذلك المستشرق اللعين هو الحقد الذي يذهب العقول ويقلب حقائق الأشياء؟! ألم يقرأ هذا الحاقد قول الله تعالى - ردّا على مفتريات المشركين بأن محمدا يفتري على الله الكذب -: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [٣] ؟!

стр. 6739

إن عداوة المستشرقين للإسلام قد بدت من أفواههم، ومن كتاباتهم المسمومة، وما تخفي صدورهم أكبر؛ فينبغي أن نقف منهم موقف الحذر دائما، وأن نكشف زيفهم وبخاصة الذين يصطنعون الحكمة والتعقّل، ويتظاهرون بالإعجاب برسالة الإسلام ليدخلوا على العقول دخول اللص في غيبة الحارس!! ويدسّوا السمّ في العسل؛ فلتكن عقولنا حاضرة ونحن نسمع أو نقرأ لهؤلاء المستشرقين ما يكتبون عن الإسلام ولو كان حقا وصدقا؛ فقد تندس كلمة هنا وكلمة هناك فتقع موقعا قاتلا لمن لا ينتبه إليها، ولا يأخذ حذره منها؛ فما أكثر الذين خدعوا من المثقفين من المسلمين بهؤلاء المستشرقين، وأخذوا مقولاتهم على أنها أحكام قاطعة لا تقبل نقاشا؛ فاشتركوا مع المستشرقين في محاربة الإسلام والتشويش على دعوتهم، وضلّ سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، والعياذ بالله!. إن المستشرقين بعامة قد حاولوا دراسة الإسلام بنية منعقدة على جمع المطاعن الملفقة عن الإسلام، وهم يتزيّون بزي العلم والبحث عن الحقيقة، غير أن العصبية تغلبهم عن أن يقولوا كلمة الحق، وأن ينطقوا بما في أيديهم من شواهد؛ فيكابرون ويلجون في الضلال، ويرمون الإسلام بكل ما تحمل صدورهم من غل، وحتى من يقول منهم في الإسلام كلمة حق - ليبعد عن نفسه تهمة التعصب، ويلصق بنفسه صفات العالم النزيه الذي لا يدلس ولا يدجل - لا يمكن أن تسلم كتابته من بعض التعليقات المضلّلة؛ فيجب أن نحتاط ونكون على حذر ونحن نقرأ كتابات المستشرقين أو نقتبس منها؛ لأنهم لم يستطيعوا التخلّص من أهوائهم ونزعاتهم الموروثة منذ أيام الصلبيين؛ فصرفوا جهودهم في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته دعوة الحق التي يزهق أمامها كل باطل.

стр. 6740

إن الإسلام يواجه عداوات متربّصة من كل جانب، وإن المسلمين في مواجهة حرب من أعدائهم المستشرقين؛ ورثة الصلبيين، وهذا ما يقتضيهم أن يكونوا على وعي ويقظة، وأن يتسلح الدعاة منهم بأسلحة الثقافة الواسعة الشاملة، وأن يتعرفوا على ما عند أعدائهم من أسلحة يحاربونهم بها، حتى يلقوهم بأسلحة من دينهم ومن تراثهم؛ ليردوا كيدهم ويبطلوا تدبيرهم، وما يريدونه من سوء بالمسلمين وبدينهم، والله من ورائهم محيط. وسأعرض في هذا البحث بعض وسائل الاستشراق في محاربة الإسلام بتضليل المسلمين وصرفهم عن دينهم، ولكن الله ردّ كيدهم في نحورهم وحرس دينه الذي ارتضاه لعباده. ثالثا: وسائل الاستشراق في التشويش على دعوة الإسلام للاستشراق وسائل عديدة في التشويش على دعوة الإسلام ينبغي أن يتنبّه إليها المسلمون، حتى يتقوا شرّ أعدائهم ويحبطوا خططهم، وسأعرض في هذا البحث أهمّ هذه الوسائل وأكثرها خطورة؛ والله ولي الذين آمنوا!. ١_ التبشير الصليبي: إن الشيء الذي يجب أن لا يشك فيه المسلمون هو أن الحروب الصليبية لم تنته، فمنذ خرجت أوربا من ظلام القرون الوسطى تطلّعت إلى الشرق الذي كان الضعف قد دبّ فيه، الأمر الذي جعله فريسة للدول الأوربية؛ فاستعمرت أكثر دوله، وكانت أوطان المسلمين أول ما أحكمت عليه قبضتها.

стр. 6741

وكان الاستعمار الغربي يهدف من وراء السيطرة على أوطان المسلمين إلى استغلال هذه الأوطان أرضا وبشرا، ثم إلى محاربة العقيدة وإجلائها من قلوب المسلمين، ومحاولة ما عجزت عنه الحروب الصليبية من قبل، وذلك لما يعلمه المستعمرون - بواسطة أعوانهم المستشرقين - من خطر الإسلام على خططهم التي يرسمونها على أساس قتل المعاني الإنسانية في الأوطان المستعمرة حتى تموت مشاعر الناس هناك؛ فلا يحاول أحد أن يثور في وجه المستعمرين له المستغلين لأرضه وجهده، الأمر الذي لا يصبر عليه المسلم الذي يستظلّ براية التوحيد؛ فلا يخفض رأسه إلا لله ولا يحني قامته لغير الله، وهذا من شأنه أن يبعث في نفسه العزة والكرامة وإباء الضيم؛ ولهذا عمل المستعمرون - بواسطة المستشرقين - على محاربة الإسلام حرباً خفية بعد أن حاربوا المسلمين بالحديد والنار. وظهرت هذه الحرب في صورة تجنيد جيوش من المبشّرين بقيادة المستشرقين، ودفع هؤلاء المبشرين إلى بلاد المسلمين، وحمايتهم بجيوش المستعمرين، والتمكين لهم من التغلغل في المدن والقرى، وإمدادهم بالمال؛ لقيموا المستشفيات والملاجئ والمدارس ليتخذوا منها شباكا لتضليل الناس، مختفين في زي المبعوثين إليهم لإنقاذهم من المرض والفقر والجهل باسم المسيح.

стр. 6742

وكان مما حاوله المبشرون - بتوجيه من المستشرقين - محاربة اللغة العربية وإجلاؤها من الألسنة؛ حتى تنقطع الصلة بين المسلمين وبين كتاب الله الذي هو دستور دينهم ولسان شريعتهم، وكان من تدبيرهم لتحقيق هذه الغاية أن أشاروا على المستعمرين بأن يقربوا إليهم كل من يحسن لغتهم، وأن يمكنوا لهم من تولى المناصب العالية، الأمر الذي دعا كثيرا من المسلمين إلى تعلّم لغة المستعمر وحذقها، في الوقت الذي انصرف هؤلاء المتعلمون عن لغتهم العربية، معتقدين أن هذا لا ينتقص شيئا من دينهم، ولا يمسّ شيئا من عقيدتهم، وبهذا أصبحت دول كثيرة من الدول الإسلامية التي كان لسانها عربيا لا تكاد تنطلق بتلك اللغة، ولا تعرف من كلماتها إلا ما تؤدي به الصلاة في ركاكة عجمية، كما كان ذلك مشاهدا في البلاد الإسلامية الواقعة في شمالي أفريقية، وهذه البلاد تحاول جاهدة الآن - بعد أن جلا الاستعمار عنها - أن تسترد لسانها العربي بعد تلك الغربة الطويلة التي انقطعت فيها الأسباب بينها وبينه. وقد استغلّ المبشرون وضعهم في البلاد الإسلامية المستعمرة في التشويش على دعوة الإسلام، مستفيدين من غياب اللسان العربي، الأمر الذي أدّى إلى إضعاف الغيرة الدينية عند كثير من المسلمين، وتراخي أيديهم عن التمسك بشعائر الدين، والتأدّب بآداب الإسلام والتخلق بأخلاقه. وقد جهل المستعمرون وأعوانهم من المستشرقين والمبشرين أن السرّ في فشلهم في حمل المسلمين على التخلي عن دينهم هو أنهم يعملون في اتجاه مضاد لطبيعة الأشياء؛ لأن الإسلام دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ فلا يمكن للفطرة أن تنفصل عنه، مهما بذل أعداء الإسلام من الجهد والمال.

стр. 6743

وهذا هو السرّ الذي دخل به الإسلام إلى أوطان كثيرة؛ فغزا القلوب ونفذ إلى العقول، بدون جيوش زاحفة وحملات تبشيرية غازية، وإنما كان الإسلام بذاته هو الذي يفتح أوطانا بأسرها، على يد بعض التجار الذين لم يكن من قصدهم الدعوة إلى الدين، وإنما كانت هذه الدعوة تأتي عرضا في حديث جار، فإذا هي تسري بين الناس سريان العافية في الأجسام العليلة، وإذا الناس على دين الله وعلى فطرة الله. هكذا دخل الإسلام كثيرا من بلاد إفريقية ومن بلاد آسيا، ودخل بلادا عديدة في أوربا، ودخله كثيرون في أمريكا، ولم يدخل أحد الإسلام في البلاد بحملات حربية أو تبشيرية، وإنما دخله طبيعيا بدعوة من الفطرة؛ لهذا فشلت حملات التبشير في بلاد الإسلام، وتكسّرت نصالهم على صخرة هذا الدين. لقد كانت أهداف التبشير الصليبي - بعد الحروب الصليبية - التشويش على الدعوة الإسلامية؛ لكسب مواقع جديدة من أرض المسلمين، فلما عجز المبشرون عن بلوغ أهدافهم حاول قادتهم من المستشرقين أن يشوشوا على دعوة الإسلام بإلقاء الأباطيل والمفتريات في ساحة شريعته الغراء، خصوصا بعد أن انتشر الإلحاد في أوربا وأمريكا، بعد أن كشف العلم الحديث للمسحيين ما في دينهم من أمور لا يقبلها العقل، كالتثليث الذي يجعل الإله الواحد ثلاثة: أب وابن وروح قدس.

стр. 6744

فخشي المبشرون الصليبيون أن يطلّ الإسلام بوجهه المُشرق على أوربا وأمريكا؛ فيجد قلوبا مهيأة له وعقولا متجاوبة معه؛ فشجع رجال الكنيسة حركة الاستشراق، وحمى المستعمرون هذه الحركة؛ فكثر عدد المستشرقين الذين يتصلون اتصالا مباشرا بالكنيسة ليشوشوا على الدعوة الإسلامية لإضعاف سلطان الدين على نفوس المسلمين، فيقلّ عزمهم في محاربة الاستعمار وطرده من بلادهم؛ فتحقق بذلك أهداف الاستشراق في خدمة الصليبيين والمستعمرين، لكن الله بالغ أمره ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [٤] . ٢_ محاولة إغراق المسلمين بالتيارات الفكرية المضللة: ومن الوسائل التي يستعملها الاستشراق في التشويش على دعوة الإسلام محاولة إغراق المسلمين بالتيارات الفكرية المضللة، وتصدير هذه التيارات إلى أقطار المسلمين؛ لتضليل الشباب وصرفهم عن دينهم، والتشويش على دعوة الإسلام التي تتفق مع فطرة الله التي فطرهم عليها، وأهم هذه التيارات الفكرية المضللة ما يلي: أ - المادية: يتّسم العصر الحديث بتحكم المادية في تفكير الناس وفي سلوكهم، والمادية تنكر المشاعر الإنسانية التي يعمل الدين على غرسها وتنميتها في النفوس؛ من الرحمة والمودة والعطف والإيثار، وكل ما يشيع في كيان الإنسان من عواطف إنسانية نحو أهله وقرابته ومجتمعه والإنسانية كلها. وأخطر ما في المادية أنها تتملّق شهوات الناس، وتأتي إليهم من الجانب الضعيف فيهم، حيث تميل النفوس دائما إلى العاجل من كل محبوب ومرغوب عندها، وقد بيّن الله جل وعلا طبيعة النفس البشرية في كتابه الكريم فقال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [٥] وقال جلّ شأنه: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [٦] .

стр. 6745

وقد حاول أعداء الإسلام أن يستغلوا هذا الميل إلى المادية في تضليل شباب المسلمين عن حقيقة دينهم، واستفاد الاستشراق في التشويش على الدعوة الإسلامية من أقوال الصوفية الذين ينتسبون إلى الإسلام؛ فالصوفية يروّجون أن الزهد في متاع الدنيا دليل الاتباع الصحيح للدين، وهذا زعم باطل، ولكن المستشرقين استفادوا منه في إغراق شباب المسلمين بتيار المادية ليشوشوا على الدعوة الإسلامية ويشككوا في مقررات الإسلام. إن المادية تنكر على الدين الدعوة إلى الإيمان بما وراء الحسّ؛ من الإيمان بالله وملائكته واليوم الآخر والحساب والجنة والنار، وكل ما لا يقع في مجال المدركات الحسية التي هي عمدة العقل المادي في الحكم على الأشياء وقبولها أو رفضها، أي أن المادية تغرق الناس في الشهوات ليتخذوا من حبّها دينا وينصرفوا عن دين الحق. فينبغي على الدعاة الذين يتصدَّون لردّ هذه الدعوة المضلّلة أن يبينوا للشباب - بخاصة - أن الإسلام حينما يدعو الناس إلى الإيمان بالحياة الآخرة لا يحرمهم شيئا من طيبات الحياة الدنيا، بل إنه يطلق كل قوى الخير فيهم؛ ليعملوا جادين في كل ميدان من ميادين الحياة وليقطفوا كل طيب من ثمرات عملهم وجهدهم.

стр. 6746

إن الإسلام لم يحرم على الناس شيئا من طيبات الحياة الدنيا؛ فالله جلّ وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [٧] ، كما يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [٨] ، ويقول : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [٩] ، ويقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [١٠] . إن الله دعا الناس إلى العمل الطيب، ووعدهم بالجزاء الحسن في الدنيا والآخرة؛ ولذلك أطلق الإسلام كل قوة من قوى الإنسان الخيرة، ولم يقف حائلا دون أية رغبة من رغبات الإنسان الشريفة؛ فإذا رسم الإسلام للإنسان حدودا لا يتعداها، وإذا وضع على طريق مسيرته في الحياة معالم لا يخرج عنها فما ذلك إلا لضمان سلامة الإنسان في تلك المسيرة، ووقايته من شهوات نفسه التي تقوده إلى الهلاك، أو تلبسه الشقاء الدائم في حياته قبل آخرته، فمن رحمة الله تعالى بعباده أن أخذهم بأدب هذه الشريعة الغرّاء، وأنْ حرم عليهم الخبائث التي تفسد عقولهم وقلوبهم، وتغتال معالم الإنسانية فيهم، وتنزلهم إلى عالم الحيوان الذي تريد المادية إنزالهم إليه. ب - الوجودية:

стр. 6747

تقوم الوجودية على دعوة خادعة، وهي أن يجرد الإنسان نفسه بالتحلل من كل ما يربطه بالمجتمع من نظم وقواعد وعادات وتقاليد، وأن يطلق نفسه على هواها تهيم في كل واد، وترعى كل ما يصادفها على طريقها من غير وعي أو تفكير أو تقدير لما يأخذ أو يدع من أمور، ومن غير تقيّد بشيء ما؛ فلا دين ولا بيت ولا زوجة ولا وطن. إن الوجودية - في الواقع - آخر تيار فكري أوجدته المادية الحديثة؛ فهي دعوة إلى عزل الإنسان عن عالمه الروحي، وجعله جسدا حيوانيا، ولا يجد في كيانه شيئا من العواطف والمشاعر الإنسانية، يقول بول سارتر زعيم الوجودية المعاصرة: "إن ما ينبغي أن تكون عليه حياة الوجودي هو توديع ما يسميه الجبناء وجدانا وضميرا، والاستجابة إلى داعي الحيوانية وتلبية كل ما تدعو إليه شهواته، ونبذ كل التقاليد والتعاليم الاجتماعية، وتحطيم القيود التي ابتدعتها الأديان" [١١] . إن الوجودية تفسد طبيعة الإنسان وتدمّر عقله وقلبه وروحه، وتحوله إلى حيوان بلا عقل ولا قلب ولا روح؛ فهي دعوة خبيثة انتشرت في ربوع أوربا وأمريكا نتيجة لموجة الانحلال عن المسيحية التي انتابت هذه البلاد، وقد حرّكت أصابع الصهيونية تلك الدعوة، وأخذ اليهود يروّجونها لإشاعة الانحلال والفوضى في المجتمعات الأوربية والأمريكية، ثم حاولوا تصديرها إلى بلاد المسلمين بواسطة شباب المسلمين الذين يذهبون إلى بلاد الغرب طلبا للعلم، وهم يوهمون شبابنا بأنها دعوة إلى التحرّر، ويلعب المستشرقون دورا كبيرا في تضليل شباب المسلمين بهذه الدعوة؛ ليتحرروا من الدين ومن العقل ومن الإنسانية، وليصيروا كالأنعام؛ فلا يخشى خطرهم على الاستعمار في أي شكل من أشكاله؛ فتتحقق بذلك أهداف الاستعمار والاستشراق في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته.

стр. 6748

فيجب أن نحذر شباب المسلمين من هذه الدعوة الخطيرة، ونزوّدهم دائما بزاد كاف من العلم بأمور دينهم؛ ليعصمهم هذا الزاد من الزلل والتأثر بما يروجه أعداء الإسلام من دعوات ضالة مضللة، يتخذونها وسيلة لمحاربة الإسلام ودعوته التي تخرج الناس من الظلمات إلى النور، وتجعل الإنسان أفضل المخلوقات. ج - العلمانية: ومن الوسائل التي يشوّش بها الاستشراق على الدعوة الإسلامية إفهام بعض أدعياء العلم من الذين ينتسبون إلى الإسلام بأنه يجب الفصل بين العلم والدين، وهو ما يسمونه (العلمانية) ، وهي دعوة من الدعوات الخادعة المضللة لأنها مشتقة من العلم. والحقيقة أن العلمانية التي يدعو إليها المستشرقون - ويعنون بها العلم المنعزل عن الدين - حركة ظهرت في أوربا نتيجة للصراع العنيف الذي نشب بين رجال العلم والكنيسة التي كانت بسلطانها القوي في القرون الوسطى متحكّمة في العقل الأوربي؛ فلا يقبل فكر أو رأي لا يكون مصدره الكنيسة ورجال الدين فيها، وكان من السلطان الديني للكنيسة أنها تملك حقّ الغفران للعصاة ومرتكبي الكبائر من المسيحيين، كما أن لها في أتباعها حقّ الحرمان والطرد من ملكوت الله ومن ساحة رحمته. وقد انتهى هذا الصراع بين العلم والكنيسة بانفصال كل منهما عن الآخر؛ فالعلم له رجاله، ولهم في مجال العلم أن يقولوا ما يشاءون دون أن يكون للكنيسة حق مؤاخذتهم، وللكنيسة رجالها الذين يقولون ما يشاءون في أمور الدين دون أن يكون للعلم وعلمائه موقف معهم.

стр. 6749

وإذا قام هذا الصراع بين العلم والدين في المسيحية - لأن الكنيسة صادرت كل كلمة يقولها العلم، وعزلت الدين عن الدنيا، فأخذ العلم وجهة غير وجهة الدين - فإنه لا مجال أبدا لأن يقوم مثل هذا الصراع بين العلم والدين في رحاب الإسلام؛ لأن الإسلام يؤاخي بين العلم والدين، ويجعل الدين علما، والعلم رائدا هاديا إلى الدين، وكلمة العلم وما يشتق منها من أكثر الكلمات دورانا في القرآن الكريم؛ فقد ورد ذكر العلم ومشتقاته أكثر من ثمانمائة وعشرين مرّة في الكتاب الكريم. فالعلم هو رسالة الإسلام، وبالعلم يَعرف الإنسان ربه وخالقه، وما يجب عليه من ولاء لله واستقامة على أوامره واجتناب لنواهيه، حيث لا يكون عمل إلا عن علم، ولهذا كانت دعوة الإسلام إلى طلب العلم، وإلى الاجتهاد الدائب في طلبه، يقول الله ﷻ : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [١٢] ، ويقول : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [١٣] ، ويقول لنبيّه الكريم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [١٤] . فالدعوة إلى العلم دعوة كريمة مستحبة من كل ذي عقل؛ لأن العلم سبيل الإنسان إلى الكمال العقلي والسمو الروحي، حيث يميز به الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والخير من الشر، والنافع من الضار. أما العلمانية التي يروّج لها المستشرقون فتدعو إلى العلم الذي ينعزل عن الدين؛ فلا مجال لها في الإسلام، ولا ينبغي أن تظهر في المجتمع الإسلامي؛ لأن الإسلام جامعة العلم والمعرفة، الأمر الذي لا يمكن أن تقوم معه جفوة بين العلم والدين أبدا؛ فلا ينبغي أن يقبل مسلم دعوة إلى الفصل بين العلم والدين؛ لأن من يقبل هذه الدعوة يكون جاهلا بحقائق الإسلام؛ فلا يكون مسلما ولا عالما.

стр. 6750

فينبغي أن نحذر المثقفين من شباب المسلمين من الانقياد الأعمى لمثل هذه الدعوات الضالة المضللة، ومن الغرق في التيارات الفكرية التي يحاول الاستشراق إغراق المسلمين بها؛ للتشويش على عقيدتهم وإبعادهم عن دينهم الذي به صلاحهم وعزتهم ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [١٥] . ٣ - محاربة اللغة العربية: من الوسائل التي يحارب الاستشراق بها، ويشوش بها على دعوته محاربة اللغة العربية التي نزل بها القرآن، وقد لجأ المستشرقون إلى هذه الوسيلة بعد عجزهم عن النيل من القرآن الكريم؛ فأخذوا يروّجون بين المثقفين من المسلمين من تلاميذهم أن اللغة العربية في حاجة إلى تطوّر وتجديد، وهم يهدفون من وراء دعوتهم هذه إلى إضعاف اللغة العربية؛ لينصرف المسلمون عنها؛ فتنقطع الصلة بينهم وبين كتاب الله وسنة خاتم الأنبياء والمرسلين ﵊. إن المستشرقين يتهمون اللغة العربية بالعجز عن مسايرة ركب الحضارة الحديثة، ويزعمون أن اللغة العربية تعجز بقاموسها اللغوي عن حمل العلوم والفنون التي جاء بها العصر الحديث، وأن التخلّف الذي أصاب المجتمع الإسلامي سببه قصور اللغة العربية وعجزها عن نقل ما جاءت به العقول والقرائح عند الأمم الغربية، ولهذا يجب على أهل العربية - في زعمهم - أن يتركوا هذه اللغة ويبحثوا عن لغة أخرى حتى يلحقوا بركب الحضارة، ويعيشوا مع أهل العصر.

стр. 6751

وهذه دعوى باطلة من أساسها؛ فاللغة العربية أوسع اللغات وأقدرها على توليد الألفاظ الجديدة، والدليل على هذا أنها حين خرجت إلى ما وراء موطنها العربي إلى دولتي الفرس والروم استوعبت بألفاظها - من مفردات وتراكيب - كل ما وجدته من حضارات، ثم إنها مدّت ذراعها إلى حضارتي اليونان والرومان القديمتين، فترجمت كل ما أنتجته عقول حكمائها وعلمائها، وكان للتراث العلمي المشرق الذي أنتجته العربية أثره البعيد في تنوير أوربا، وإخراجها من ظلام القرون الوسطى وإدخالها إلى هذا العصر الحديث الذي تفخر به؛ فلا يعقل - بعد هذا - أن تعجز اللغة العربية عن نقل العلوم والفنون التي جاء بها العصر. وقد لقّن المستشرقون بعض تلاميذهم من المسلمين الدعوة إلى العدول عن الكتابة بالحروف العربية إلى الحروف اللاتينية؛ بحجة أن عملية الطباعة بالحروف العربية شاقة بطيئة؛ لأن لكل حرف صورا عديدة بحسب موقع الحرف في الكلمة، أما كتابة الكلمات العربية بالحروف اللاتينية فإنها لا تحتاج إلى جهد ووقت؛ لأن الحروف تكتب متفرقة على صورة واحدة مهما اختلف موقع الحرف في الكلمة. وهذه دعوة خبيثة تهدف إلى قطع الصلة بيننا وبين تراثنا القديم إذا طال الزمن وأصبحت الكتابة الإفرنجية هي التي تعلمتها الأجيال المتعاقبة، وصارت هي طريقها إلى القراءة والكتابة؛ فإذا رجع واحد من أبنائنا إلى كتاب مكتوب بالحروف العربية لا يحسن قراءته، وبذلك تطوى صفحة مكتبتنا العربية التي تضمّ موروثنا من العلوم والمعارف في الدين واللغة وفنون العلم المختلفة. كما أن في اللغة العربية حروفا لا مثيل لها في الحروف اللاتينية، مثل الثاء والحاء والطاء والعين والقاف، وهذه الحروف لا يتيسر النطق بها نطقا سليما بالحروف اللاتينية. فالدعوة إلى العدول عن الكتابة بالحروف العربية إلى الحروف اللاتينية تهدف في الحقيقة إلى إضعاف العربية لغة القرآن، ومحاربة الإسلام بهذه الوسيلة.

стр. 6752

كما لقّن المستشرقون بعض تلاميذهم من العرب الدعوة إلى استعمال اللغة العامية بدل الفصحى؛ بحجة أن الفصحى لا تستعمل في الحياة العامة حتى بين المثقفين أنفسهم؛ فهي في واد والحياة في واد آخر. وهي دعوة ظاهرة البطلان؛ لأن اللغة الفصحى هي التي يفهمها من يتكلمون العربية جميعا من مثقفين وغير مثقفين؛ فالعامة حين يستمعون إلى آيات القرآن يفهمون دلالتها وما تحمل من أوامر وزواجر وقصص ومواعظ، أما اللغة العربية العامية فلا تفهم إلا في نطاق ضيق بين المتحدثين بها في إقليم بعينه، وليس عجيبا أن تختلف العامية في بلد عنها في بلد آخر من بلاد اللغة الواحدة، فالإنجليزية تختلف عاميتها في إنجلترا عنها في أمريكا وهكذا.. وهذه الدعوة لا تهدف في الحقيقة إلا إلى محاربة الإسلام؛ لأن اللغة العربية الفصحى هي لغة القرآن الكريم، كتاب هذا الدين الذي يربط بين أتباعه برباط متين، كما أنها اللغة الوحيدة التي يتلقى عنها أهل العربية في جميع أقطارهم في مجال العلوم والآداب والفنون، وفي أخذهم من تراثهم الرائع في فروع المعرفة المختلفة. وقد لقّن المستشرقون أيضا بعض تلاميذهم من العرب الدعوة إلى ترك الإعراب وتسكين أواخر الكلمات العربية تسكينا لازما في جميع الأحوال، شأنها في ذلك شأن اللغات الأوربية، بحجة أن هذا الأمر ييسر تعلّمها، ويجعل متعلمها في مأمن من الخطأ. وهذا دعاء باطل يراد به هدم اللغة من أساسها، ومحاربة الإسلام؛ إذ كيف يقرأ كتاب الله ﷻ وتقرأ أحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه؟!

стр. 6753

إن الإعراب في اللغة العربية هو أعظم مميزاتها عن اللغات الأخرى، ويكفي اللغة العربيةشرفا أنها حملت المعجزة التي عجز الإنس والجن عن تحديها، وبهذا استحقت هذا الوصف الكريم من الله تعالى في قوله جل شأنه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [١٦] . فليس هناك شكّ في أن محاربة الاستشراق للغة العربية، ومحاولاته العديدة للقضاء عليها أو إضعافها إنما هي محاربة للإسلام وتشويش على دعوته. وينبغي على الدعاة أن يدافعوا عن دينهم، وعن اللغة التي يتعلمون بها أمور هذا الدين الحنيف، حتى يردوا سهام المستشرقين إلى نحورهم ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [١٧] . رابعا: العوامل التي تساعد الاستشراق في محاربة الإسلام يستفيد الاستشراق - في محاربته للإسلام وتشويشه على دعوته - من مختلف الأسلحة والوسائل التي تمكنه من بلوغ أهدافه التي أهمها صرف المسلمين عن دينهم حتى لا تقوم لهم قائمة، ويستغل الاستشراق ما يجده في المسلمين من عوامل الضعف؛ فيستفيد من هذه العوامل ويتخذ منها أسلحة يحارب الإسلام بها، ويشنّع بها على دعوته، وسأحاول هنا - بعون الله - أن أبين أهمّ تلك العوامل الموجودة في الأمة الإسلامية الآن، والتي تشبه الثغرات في صفوف المسلمين بحيث يستطيع المستشرقون - أعداء المسلمين وورثة الصلبيين - أن ينفذوا منها، ويستفيدوا منها في التشويش على الدعوة الإسلامية. ١ - الدعوات المضللة التي قامت تحت راية الإسلام يستغلّ المستشرقون ما يبدو من قول أو فعل من بعض الدعوات المضللة التي تنتسب إلى الإسلام في الإساءة إلى الإسلام والتشويش على دعوته، ومن هذه الدعوات المارقة المضللة التي قامت تحت راية الإسلام، وأساء أتباعها بمقولاتهم وسلوكهم إليه: الصوفية، والبهائية، والقاديانية.

стр. 6754

أما الصوفية فقد زعموا أنهم يريدون سلوك الطريق إلى الله ، ولكنهم بدل أن يسلكوا طريق الكتاب والسنة - الذي لا طريق غيره - راحوا يشرّعون لأنفسهم من الدين ما لم يأذن به الله تعالى، ويصنعون لأنفسهم قواعد للسلوك تقوم على الزهد والحرمان ورياضة النفس ومجاهدة الشهوات، ولما وجدوا أن المنهج الإسلامي القائم على الاعتدال والتكامل، ومحاربة الغلوّ والتطرف لا يشبع نزعاتهم السلبية الغالية، اقتبسوا من الديانات والمذاهب الأخرى وادّعوا لأنفسهم أحوالا وواردات ومواجد وأذواقا لا يعرفها الدين، وما زال الشيطان بهم يصوّر لهم من الخيالات ما لا حقيقة له حتى أوقعهم في القول بالحلول ووحدة الوجود، وأفضى بهم إلى القول بالجبر وبطلان التكليف والتسوية بين الطاعات والمعاصي، والإيمان والكفر، بدعوى شهود الربوبية في كل موجود [١٨] . أما البهائية فقد ظهرت في إيران في القرن الماضي نابعة من الفكر الشيعي؛ فقد بشر الشيرازي الملقب بالباب بقرب ظهور الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري الذي ينتظر الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ظهوره، ثم ظهر كذب الباب عند الشيعة حينما قال إن الإمام الغائب سيظهر في تبريز بآذربيجان، والشيعة يعتقدون أنه سيظهر في مشرق إيران عند جبل يسمى (كوه خدا) أي (جبل الله) ؛ فقبضت السلطة على الباب وحوكم وأعدم، وأعلن قبل إعدامه أن الإمام الذي يقصده هو تلميذه (حسين صبح أزل) الملقب ببهاء الله؛ فسميت الدعوة البهائية نسبة إلى بهاء الله هذا الذي خرج هاربا من إيران، وزعم أنه نبي أرسل بدين جديد مجدد للإسلام، كما زعم أن كتابا نزل عليه، وأخذ يدعو لهذه الدعوة المارقة المضلّلة حتى مات ودفن في فلسطين وقبره في الجزء المحتل منها. ودعوة البهائية شبيهة بالشيوعية؛ فهي تدعو إلى التحلّل من الدين وترك الحرية للمرأة تفعل ما تشاء، وتقسم السنة إلى تسعة عشر شهرا؛ فهي في الحقيقة انسلاخ عن الإسلام وطمس لمعالمه.

стр. 6755

وقد ساند الاستعمار وأعوانه من المستشرقين هذه الدعوة؛ ليستعينوا بها في تزييف حقائق الإسلام؛ فألفوا كتبا بلغات مختلفة لشرح عقيدة البهائية [١٩] . وأما القاديانية فهي دعوة مارقة مضلّلة ظهرت في بلاد الهند في أواخر القرن الماضي، وهي تقوم تحت راية الإسلام، وقد دعا إليها ميرزا غلام أحمد، وكان مركزها الهند، وأتباعها من مسلمي الهند، ثم امتدت إلى خارج الهند؛ فظهرت في بعض الدول الآسيوية والإفريقية، وساندها الاستعمار والاستشراق. وقد ظهرت هذه الحركة في وسط جوّ فكري وسياسي عاصف اجتاح بلاد الهند في أعقاب ثورتها على الاستعمار الانجليزي في سنة ١٨٥٧م، فقد أصابت المسلمين بعد إخفاق هذه الثورة وحشة الفتح ونكبة الهزيمة، وعانوا وطأة الاستعمار السياسي ووطأة الاستعمار الثقافي، وقامت الدولة الانجليزية المنتصرة بنشر ثقافتها وحضارتها في محاولة لزعزعة العقيدة الإسلامية وإضعاف الثقة بأسس العقيدة ومصادر الشريعة [٢٠] ؛ لأن الدين الإسلامي هو الدين الوحيد في الهند الذي كان يدعو إلى الجهاد في سبيل الدفاع عن الدين والوطن والعرض والمال. وقد استغل الاستعمار أيضا المحترفين للتصوّف في نشر شطحاتهم وخرافاتهم؛ فاستولى على مسلمي الهند اليأس والقلق، ثم استسلموا للأوضاع الفاسدة، وأخذوا يتطلعون إلى منقذ ينقذهم من الحيرة واليأس ولو بالخرافات والأباطيل. وفي وسط هذا الجوّ الفكري العاصف دعا ميرزا غلام أحمد إلى القاديانية، وكان غلام أحمد هذا من إمارة البنجاب، وكان والده من أصحاب الإقطاعات، ومن ذوي النفوذ في قومه، كما كان من صنائع الانجليز ومن أخلص الدعاة لهم.

стр. 6756

وقد عرف عن غلام أحمد أنه كان في مطلع شبابه متصوّفا، ثم ترك العزلة ودخل في معترك الحياة، ونصب نفسه للمناظرات والمجادلات في أمور الدين؛ فلفت الأنظار إليه فاجتمع كثير من العامة عليه، واكتسب شهرة وصيتا ذائعا في أوساط المسلمين؛ فسولت له نفسه أنه ملهم من الله؛ فأخذ يتحدث للناس بما زعم أنه ينزل عليه من إلهامات، ويذكر لهم آيات قرآنية وأخرى محرفة، يحسبها من لا يحفظ القرآن قرآنا، وفي هذا تلبيس وتدليس وكيد عظيم لتحريف القرآن الكريم. ولم يقف غلام أحمد عند هذا الحد بل ادعى أنه نبي يوحى إليه، وأخذ ينشر مفترياته [٢١] ، متخذا الدين مدخلا يدخل به إلى قلوب أتباعه؛ ليخدم بذلك أغراضا سياسية، وينفذ خططا رسمها له المستعمرون؛ فإلى جانب ما تتركه هذه الدعوة المجرمة من إفساد للعقيدة الإسلامية في عقول من يصيبهم شررها فإنها حملت في ثناياها دعوة إلى إبطال الجهاد الذي هو فرض على المسلمين حين تدعو دواعيه وتقوم أسبابه، وبهذا مكّن للاستعمار، ودفع عنه كل ما كان يتهدده من ثورة المسلمين في الهند على وجوده. يقول غلام أحمد في كتاب نشره على الناس تحت عنوان (ترياق القلوب) : لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الانجليزية ونصرتها، ولقد ألّفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر (الانجليز) من الكتب والإعلانات والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة، وقد نشرت هذه الكتب في البلاد العربية ومصر والشام وتركيا، وكان هدفي دائما أن يصبح المسلمون مخلصين لهذه الحكومة الانجليزية، وتمحى من قلوبهم قصص المهدي السفاك والمسيح السفاح والأحكام التي تبعث فيهم عاطفة الجهاد، وتفسد قلوب الحمقى.

стр. 6757

وهذا يدل على أن غلام أحمد كان يتخذ دعوة القاديانية وسيلة لتثبيط عزائم المسلمين في الهند حتى لا يثوروا على المستعمرين، وحتى يرضوا بالذل والعبودية، أي أن القاديانية منذ نشأتها صنيعة للاستعمار وأعوانه، وهذا هو سرّ بقائها بعد وفاة غلام أحمد في عام ١٩٠٨؛ فما زال خلفاء غلام أحمد ينشرون دعوتهم بين المسلمين في حركة نشيطة يغذيها أعداء الإسلام بالمال والأفكار، ويفتحون لها الفروع في أوربا وآسيا وإفريقية على أنها داخل إطار الدعوة الإسلامية، ويتعاون في نشرها الاستعمار والاستشراق والصهيونية. إن القاديانية وهي تنتسب زورا إلى الإسلام، وهي أخطر سلاح يوجه إلى صدر الإسلام، حيث يتخذ منها أعداء الإسلام دعاة لهم، يضعون على أفواههم ما يريدون وما يدبرون من كيد للإسلام والمسلمين بالتشويش على دعوة الإسلام، والله من ورائهم محيط. ٢ - وسائل الإعلام تشارك الاستعمار في محاربة الإسلام: إن وسائل الإعلام بصورتها الحالية في الأقطار الإسلامية تتعاون مع الاستشراق في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته؛ فقد أصبح المجتمع الإسلامي يواجه غزوا رهيبا محملا بعوامل الإفساد للمسلمين، من وسائل الإعلام من جرائد ومجلات وإذاعة مسموعة ومرئية وأفلام سينمائية ومسرحيات وغيرها. وخطورة هذا الغزو أنه يدخل إلى العقول والقلوب دون أن يلتفت الكثير من المسلمين إلى ما قد دخل عليه من أفكار قد يكون بعضها مسموما مما يروجه المستشرقون أعوان الاستعمار ضد الإسلام، محاربة له وتشويشا على دعوته. إن وسائل الإعلام عدو خفي يحارب المسلمين بالكلمة والصورة والفكرة، وهي أسلحة أشد خطورة من الجيوش الزاحفة، والمدافع المنطلقة، التي يعرف المسلمون منها وجه العدو الذي يغزوهم.

стр. 6758

والشيء المؤسف حقا أن المسلمين في سائر أقطارهم لا ينتبهون إلى خطورة وسائل الإعلام، كما أن الدعاة لا ينبّهون إلى خطورتها تنبيها كافيا لتحويلها إلى أدوات بناء للمجتمع الإسلامي بدلا من كونها أدوات هدم وتدمير. إن وسائل الإعلام تنشر كثيرا من ألوان الفساد والانحلال والإلحاد بما تنقله من صورة الحياة في الأقطار الأوربية والأمريكية التي انتشر فيها الإلحاد في العصر الحديث؛ نتيجة لاستخفاف الناس بالدين، بعد أن كشف من متناقضات في المسيحية وفي اليهودية، لا يقبلها عقل مستنير، ولا يستريح إليها ضمير حيّ، في حين أن الإسلام ليس فيه متناقضات؛ فمن نظر فيه بعقله وجاء إليه بجميع وسائل العلم وجد أنه الحق الذي يلتقي مع العقل التقاء مؤاخيا، وهو يدعو المؤمنين به إلى العزة والجهاد دفاعا عن دينهم وأوطانهم وأموالهم وأعراضهم، الأمر الذي يشكل خطرا على الاستعمار وخططه ضد العالم الإسلامي، ويجعله يستغل وسائل الإعلام في تصدير عوامل الإفساد للأقطار الإسلامية لصرف المسلمين عن دينهم، والتشويش على الدعوة الإسلامية. ٣ - الحطّ من شأن العرب الجاهليين: ومن العوامل التي تساعد الاستشراق في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته أن كثيرا من المثقفين من المسلمين أصبحوا يسايرون المستشرقين في الحطّ من شأن العرب الجاهليين، ظنا منهم أن في هذا خدمة للإسلام، وهم مخطئون كل الخطأ؛ فلقد رمى المستشرقون العرب بتهم مماثلة، فصوروا حياتهم في الجاهلية وكأنهم وحوش ضارية تعيش في أرض قفر ومكان جديب، فكانت قلوبهم أقفر من أرضهم، ومشاعرهم أكثر جدبا منها.. هكذا يتحدث المستشرقون عن الأمة العربية في جاهليتها؛ ليخلصوا إلى القول بأن الإسلام دين بداوة لا يصلح في أحكامه وتشريعاته إلا في تلك المناطق المتبدية المتوحشة المقفرة، فهو - كما يزعمون - ليس الدين العالمي الذي يصلح عليه أمر الناس في البدو والحضر، وفي الحاضر والمستقبل.

стр. 6759

وقد خدع بهذا القول كثير من المسلمين الذين تصدَّوا للرد على هؤلاء المستشرقين؛ فسلّموا لهم بما قالوه في العرب الجاهليين، وفي أن الأمة العربية لم تكن شيئا قبل الإسلام، وهذا القول فيه حق، ولكن فيه باطل أيضا؛ أما الحق فيه فهو أن الإسلام قد ارتقى بالعرب إلى درجات عالية في عالم الفضائل والكمالات، وجعلهم في سنوات قليلة قادة الأمم وأساتذة الشعوب، وبناة الحضارة في كل موقع نزلوا فيه. وأما الباطل في ذلك القول فهو أن الأمة العربية لم تكن خلوا من الفضائل؛ فقد كانت تحمل في كيانها أسلم القلوب، ويكفيها فخرا أن الله تخيرها كما تخير موطنها، وكما تخير بنيها لتكون هذه الأمة مطلع شمس دين الإسلام، وأفُقَه الذي يشعّ منه نوره على هذا العالم. وقد وجد الإسلام في الأمة العربية كثيرا من الفضائل التي زكاها، وأبقى عليها مثل حماية الجار وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم، وإكرام الضيف والغيرة على الحرمات من أموال وديار وأعراض؛ فكان ذلك ركيزة للأخلاق الفاضلة التي بنى الإسلام عليها دولته. فوصْف الأمة العربية بالسوء، وتجريدها من كل فضيلة لا يتّفق مع الحق، وهو تقليد لما يقوله المستشرقون ليتخذوا منه سلاحا يحاربون به الإسلام، ويشوشون به على دعوته، وينبغي أن ينتبه المسلمون إلى هذا جيدا، وأن يحذروا التقليد والانخداع بأقوال المستشرقين أعداء الإسلام. ومن الحق أن نقرّر هنا أن الثقافة الإسلامية هي في صميمها ثقافة عربية برسولها العربي، وعربية بلسانها الذي نزل به القرآن دستور شريعتها، وعربية بعروبة من استقبلوا دعوتها ورفعوا رايتها، وأذنوا بشريعتها في العالمين، وعربية بالوطن العربي الذي طلعت فيه شمسها، وتجلت فيه آياتها، وذلك ما يشير إليه قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [٢٢] .

стр. 6760

ومن فضل الله على العرب أن جعل محمدا ﷺ ، خاتم الأنبياء والمرسلين - عربيا، وجعل رسالة الإسلام خاتمة الرسالات، وجعل أهلها الأمة العربية؛ فكانت أكمل رسالة في يد أكمل الرسل في خير الأمم، فكل محاولة للتهوين من شأن العرب، والحط من قدر العرب الجاهليين مجاراة للمستشرقين في محاربة الإسلام بكل وسيلة. فينبغي على المسلمين في جميع أقطارهم أن يسدوا الثغرات التي تمزّق صفوفهم، وتمكن المستشرقين من اتخاذها وسيلة للتشويش على الدعوة الإسلامية. وأختم هذا البحث ببيان الوسائل التي نحارب الاستشراق بها؛ حتى نفسد خططهم ونردّ كيدهم في نحورهم، ونردّهم على أعقابهم خائبين خاسرين، وبالله التوفيق. خامسا: الوسائل التي نحارب بها الاستشراق: إن ما يقوم به الاستشراق من حرب سافرة وخفية ضد الإسلام لصرف المسلمين عن دينهم يجب أن يقابل بوسائل قادرة على دحر أعداء الإسلام، وكشف زيفهم وأباطيلهم وفضحهم بها؛ ولهذا كان من مهمة الدعوة الإسلامية اليوم أن يعمل دعاتها في ميدانين في وقت واحد، أحدهما دفاعي والآخر تبليغي. أما الميدان الدفاعي: ففيه يردّ الدعاة على حملات المستشرقين على الإسلام لمحاولة تشويه حقائقه، وإلقاء ظلال مزيفة من التهم عليه والتشكيك فيه، حتى ينصرف المسلمون عن دينهم، وحتى يتوقف الذين يبحثون عن الإسلام لاتخاذه دينا يملأ الفراغ الديني التي خلت نفوسهم منه. ويحتاج هذا الميدان إلى أجهزة متخصصة، ودعاة متخصصين ذوي كفاءات عالية في العلم، ومنازل كريمة في الخلق والسلوك، دعاة ينذرون أنفسهم للدفاع عن دين الله مهما كلفهم هذا الدفاع من تضحيات، وإن أولي العزم والإيمان هم وحدهم الذين يقفون هذه الوقفة لله.
следующие страницы →