← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

وقد عرف عن غلام أحمد أنه كان في مطلع شبابه متصوّفا، ثم ترك العزلة ودخل في معترك الحياة، ونصب نفسه للمناظرات والمجادلات في أمور الدين؛ فلفت الأنظار إليه فاجتمع كثير من العامة عليه، واكتسب شهرة وصيتا ذائعا في أوساط المسلمين؛ فسولت له نفسه أنه ملهم من الله؛ فأخذ يتحدث للناس بما زعم أنه ينزل عليه من إلهامات، ويذكر لهم آيات قرآنية وأخرى محرفة، يحسبها من لا يحفظ القرآن قرآنا، وفي هذا تلبيس وتدليس وكيد عظيم لتحريف القرآن الكريم. ولم يقف غلام أحمد عند هذا الحد بل ادعى أنه نبي يوحى إليه، وأخذ ينشر مفترياته [٢١] ، متخذا الدين مدخلا يدخل به إلى قلوب أتباعه؛ ليخدم بذلك أغراضا سياسية، وينفذ خططا رسمها له المستعمرون؛ فإلى جانب ما تتركه هذه الدعوة المجرمة من إفساد للعقيدة الإسلامية في عقول من يصيبهم شررها فإنها حملت في ثناياها دعوة إلى إبطال الجهاد الذي هو فرض على المسلمين حين تدعو دواعيه وتقوم أسبابه، وبهذا مكّن للاستعمار، ودفع عنه كل ما كان يتهدده من ثورة المسلمين في الهند على وجوده. يقول غلام أحمد في كتاب نشره على الناس تحت عنوان (ترياق القلوب) : لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الانجليزية ونصرتها، ولقد ألّفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر (الانجليز) من الكتب والإعلانات والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة، وقد نشرت هذه الكتب في البلاد العربية ومصر والشام وتركيا، وكان هدفي دائما أن يصبح المسلمون مخلصين لهذه الحكومة الانجليزية، وتمحى من قلوبهم قصص المهدي السفاك والمسيح السفاح والأحكام التي تبعث فيهم عاطفة الجهاد، وتفسد قلوب الحمقى.

стр. 6757

وهذا يدل على أن غلام أحمد كان يتخذ دعوة القاديانية وسيلة لتثبيط عزائم المسلمين في الهند حتى لا يثوروا على المستعمرين، وحتى يرضوا بالذل والعبودية، أي أن القاديانية منذ نشأتها صنيعة للاستعمار وأعوانه، وهذا هو سرّ بقائها بعد وفاة غلام أحمد في عام ١٩٠٨؛ فما زال خلفاء غلام أحمد ينشرون دعوتهم بين المسلمين في حركة نشيطة يغذيها أعداء الإسلام بالمال والأفكار، ويفتحون لها الفروع في أوربا وآسيا وإفريقية على أنها داخل إطار الدعوة الإسلامية، ويتعاون في نشرها الاستعمار والاستشراق والصهيونية. إن القاديانية وهي تنتسب زورا إلى الإسلام، وهي أخطر سلاح يوجه إلى صدر الإسلام، حيث يتخذ منها أعداء الإسلام دعاة لهم، يضعون على أفواههم ما يريدون وما يدبرون من كيد للإسلام والمسلمين بالتشويش على دعوة الإسلام، والله من ورائهم محيط. ٢ - وسائل الإعلام تشارك الاستعمار في محاربة الإسلام: إن وسائل الإعلام بصورتها الحالية في الأقطار الإسلامية تتعاون مع الاستشراق في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته؛ فقد أصبح المجتمع الإسلامي يواجه غزوا رهيبا محملا بعوامل الإفساد للمسلمين، من وسائل الإعلام من جرائد ومجلات وإذاعة مسموعة ومرئية وأفلام سينمائية ومسرحيات وغيرها. وخطورة هذا الغزو أنه يدخل إلى العقول والقلوب دون أن يلتفت الكثير من المسلمين إلى ما قد دخل عليه من أفكار قد يكون بعضها مسموما مما يروجه المستشرقون أعوان الاستعمار ضد الإسلام، محاربة له وتشويشا على دعوته. إن وسائل الإعلام عدو خفي يحارب المسلمين بالكلمة والصورة والفكرة، وهي أسلحة أشد خطورة من الجيوش الزاحفة، والمدافع المنطلقة، التي يعرف المسلمون منها وجه العدو الذي يغزوهم.

стр. 6758

والشيء المؤسف حقا أن المسلمين في سائر أقطارهم لا ينتبهون إلى خطورة وسائل الإعلام، كما أن الدعاة لا ينبّهون إلى خطورتها تنبيها كافيا لتحويلها إلى أدوات بناء للمجتمع الإسلامي بدلا من كونها أدوات هدم وتدمير. إن وسائل الإعلام تنشر كثيرا من ألوان الفساد والانحلال والإلحاد بما تنقله من صورة الحياة في الأقطار الأوربية والأمريكية التي انتشر فيها الإلحاد في العصر الحديث؛ نتيجة لاستخفاف الناس بالدين، بعد أن كشف من متناقضات في المسيحية وفي اليهودية، لا يقبلها عقل مستنير، ولا يستريح إليها ضمير حيّ، في حين أن الإسلام ليس فيه متناقضات؛ فمن نظر فيه بعقله وجاء إليه بجميع وسائل العلم وجد أنه الحق الذي يلتقي مع العقل التقاء مؤاخيا، وهو يدعو المؤمنين به إلى العزة والجهاد دفاعا عن دينهم وأوطانهم وأموالهم وأعراضهم، الأمر الذي يشكل خطرا على الاستعمار وخططه ضد العالم الإسلامي، ويجعله يستغل وسائل الإعلام في تصدير عوامل الإفساد للأقطار الإسلامية لصرف المسلمين عن دينهم، والتشويش على الدعوة الإسلامية. ٣ - الحطّ من شأن العرب الجاهليين: ومن العوامل التي تساعد الاستشراق في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته أن كثيرا من المثقفين من المسلمين أصبحوا يسايرون المستشرقين في الحطّ من شأن العرب الجاهليين، ظنا منهم أن في هذا خدمة للإسلام، وهم مخطئون كل الخطأ؛ فلقد رمى المستشرقون العرب بتهم مماثلة، فصوروا حياتهم في الجاهلية وكأنهم وحوش ضارية تعيش في أرض قفر ومكان جديب، فكانت قلوبهم أقفر من أرضهم، ومشاعرهم أكثر جدبا منها.. هكذا يتحدث المستشرقون عن الأمة العربية في جاهليتها؛ ليخلصوا إلى القول بأن الإسلام دين بداوة لا يصلح في أحكامه وتشريعاته إلا في تلك المناطق المتبدية المتوحشة المقفرة، فهو - كما يزعمون - ليس الدين العالمي الذي يصلح عليه أمر الناس في البدو والحضر، وفي الحاضر والمستقبل.

стр. 6759

وقد خدع بهذا القول كثير من المسلمين الذين تصدَّوا للرد على هؤلاء المستشرقين؛ فسلّموا لهم بما قالوه في العرب الجاهليين، وفي أن الأمة العربية لم تكن شيئا قبل الإسلام، وهذا القول فيه حق، ولكن فيه باطل أيضا؛ أما الحق فيه فهو أن الإسلام قد ارتقى بالعرب إلى درجات عالية في عالم الفضائل والكمالات، وجعلهم في سنوات قليلة قادة الأمم وأساتذة الشعوب، وبناة الحضارة في كل موقع نزلوا فيه. وأما الباطل في ذلك القول فهو أن الأمة العربية لم تكن خلوا من الفضائل؛ فقد كانت تحمل في كيانها أسلم القلوب، ويكفيها فخرا أن الله تخيرها كما تخير موطنها، وكما تخير بنيها لتكون هذه الأمة مطلع شمس دين الإسلام، وأفُقَه الذي يشعّ منه نوره على هذا العالم. وقد وجد الإسلام في الأمة العربية كثيرا من الفضائل التي زكاها، وأبقى عليها مثل حماية الجار وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم، وإكرام الضيف والغيرة على الحرمات من أموال وديار وأعراض؛ فكان ذلك ركيزة للأخلاق الفاضلة التي بنى الإسلام عليها دولته. فوصْف الأمة العربية بالسوء، وتجريدها من كل فضيلة لا يتّفق مع الحق، وهو تقليد لما يقوله المستشرقون ليتخذوا منه سلاحا يحاربون به الإسلام، ويشوشون به على دعوته، وينبغي أن ينتبه المسلمون إلى هذا جيدا، وأن يحذروا التقليد والانخداع بأقوال المستشرقين أعداء الإسلام. ومن الحق أن نقرّر هنا أن الثقافة الإسلامية هي في صميمها ثقافة عربية برسولها العربي، وعربية بلسانها الذي نزل به القرآن دستور شريعتها، وعربية بعروبة من استقبلوا دعوتها ورفعوا رايتها، وأذنوا بشريعتها في العالمين، وعربية بالوطن العربي الذي طلعت فيه شمسها، وتجلت فيه آياتها، وذلك ما يشير إليه قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [٢٢] .

стр. 6760

ومن فضل الله على العرب أن جعل محمدا ﷺ ، خاتم الأنبياء والمرسلين - عربيا، وجعل رسالة الإسلام خاتمة الرسالات، وجعل أهلها الأمة العربية؛ فكانت أكمل رسالة في يد أكمل الرسل في خير الأمم، فكل محاولة للتهوين من شأن العرب، والحط من قدر العرب الجاهليين مجاراة للمستشرقين في محاربة الإسلام بكل وسيلة. فينبغي على المسلمين في جميع أقطارهم أن يسدوا الثغرات التي تمزّق صفوفهم، وتمكن المستشرقين من اتخاذها وسيلة للتشويش على الدعوة الإسلامية. وأختم هذا البحث ببيان الوسائل التي نحارب الاستشراق بها؛ حتى نفسد خططهم ونردّ كيدهم في نحورهم، ونردّهم على أعقابهم خائبين خاسرين، وبالله التوفيق. خامسا: الوسائل التي نحارب بها الاستشراق: إن ما يقوم به الاستشراق من حرب سافرة وخفية ضد الإسلام لصرف المسلمين عن دينهم يجب أن يقابل بوسائل قادرة على دحر أعداء الإسلام، وكشف زيفهم وأباطيلهم وفضحهم بها؛ ولهذا كان من مهمة الدعوة الإسلامية اليوم أن يعمل دعاتها في ميدانين في وقت واحد، أحدهما دفاعي والآخر تبليغي. أما الميدان الدفاعي: ففيه يردّ الدعاة على حملات المستشرقين على الإسلام لمحاولة تشويه حقائقه، وإلقاء ظلال مزيفة من التهم عليه والتشكيك فيه، حتى ينصرف المسلمون عن دينهم، وحتى يتوقف الذين يبحثون عن الإسلام لاتخاذه دينا يملأ الفراغ الديني التي خلت نفوسهم منه. ويحتاج هذا الميدان إلى أجهزة متخصصة، ودعاة متخصصين ذوي كفاءات عالية في العلم، ومنازل كريمة في الخلق والسلوك، دعاة ينذرون أنفسهم للدفاع عن دين الله مهما كلفهم هذا الدفاع من تضحيات، وإن أولي العزم والإيمان هم وحدهم الذين يقفون هذه الوقفة لله.

стр. 6761

إن العاملين في ميدان الدفاع عن دين الله يجب أن يكونوا على درجة عالية من الفقه في دينهم، وعلى جانب كبير من العلم والإحاطة بما كتبه أعداء الإسلام من المستشرقين وأشباههم، ولا تتيسر لهم هذه الإحاطة إلا إذا كانوا على قدر كبير من الإلمام باللغات الأجنبية كالانجليزية والفرنسية والألمانية والروسية؛ فيجب أن يتكوّن العاملون في ميدان الدفاع عن دين الله من جماعات، تتقن كل جماعة منها لغة أجنبية، إلى جانب درجتها العالية من الفقه في الدين، وبهذا يستطيع المدافعون عن دين الله أن يصرعوا أعداء الإسلام، وأن يفضحوا أكاذيبهم ومفترياتهم وما لفقوا ويلفقون من أباطيل للتشويش على الدعوة الإسلامية. أما الميدان التبليغي: ففيه يقوم الدعاة بالدعوة إلى دين الله في المواطن التي خلت من الدين، وفي المواطن التي خف ميزان الدين فيها؛ فالناس في هذه المواطن في ربوع العالم المختلفة يبحثون عن دين يجدون فيه الحق الذي يلتقي مع الفطرة الكامنة في كل نفس، ومع العقل المتشوق إلى الحق، الباحث عن الحقيقة. ويحتاج هذا الميدان إلى دعاة يفقهون أمور دينهم بدرجة كبيرة، ويكونون على جانب كبير من الفطنة والذكاء، ويتكونون من جماعات تتقن كل جماعة منها لغة أو أكثر من اللغات الرائجة في أوربا وأمريكا وآسيا وأفريقية، كالانجليزية والفرنسية والفارسية والأردية، حتى يحقق العاملون في هذا الميدان الغاية المرجوة ويصلوا إلى الهدف المنشود. إن العلم والفقه في الدين والذكاء والفطنة وسائل لا غنى عنها في التصدي للاستشراق، ومواجهة أعداء الإسلام أيا كانت أسماؤهم وصورهم وأشكالهم؛ لأن الذي يعرض حقائق الإسلام إن لم يكن على مستوى عال من العلم والفقه والذكاء والفطنة كان ضرره أكثر من نفعه في هذا المقام.

стр. 6762

فيجب أن نعدّ الدعاة الذين يفون بالمطلوب لدعوة الإسلام اليوم في ميدانها الدفاعي والتبليغي، وهنا نتساءل: هل أدّى المسلمون حق دينهم عليهم، وهم يعلمون أنه الحق من ربهم؟ الحق أن المسلمين مقصّرون متهاونون في أداء هذا الواجب الذي يفرضه الدين عليهم، إن الدين دعوة، ولابدّ لهذه الدعوة من دعاة يبلغونها إلى الناس، ويكشفون لهم عن وجه الحقائق فيها، وهذه هي الحكمة من إرسال رسل الله إلى الناس مع ما يحملون إليهم من رسالات الله، وإلا لوقف الرسول بمهمته عند وضع الرسالة بين أيدي الناس دون أن يقطع عمره كله واقفا عليها، مناعا عنها، متحملا الأذى والضر في سبيلها، ثم كيف يكون هذا موقفنا والله قد أناط بنا حمل أمانة الدعوة إلى دينه؟ فقال جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [٢٣] . والدعوة إلى دين الله أمر مطلوب من كل مسلم، وذلك بسيرته المحمودة في الناس، وبخلقه الكريم، وسلوكه الطيب الذي يراه غير المسلمين عنه، في أقواله وأفعاله؛ فإن الدين بأهله، والناس إنما ينظرون إلى الدين فيما يرون من آثاره في المتدينين به، قبل أن ينظروا إليه في حقائقه،؛ فينبغي على أولي الأمر في الأقطار الإسلامية أن يحسنوا اختيار المبعوثين إلى أوربا وأمريكا من الطلاب وغيرهم؛ لأنه كثيرا ما يسيء هؤلاء المبعوثين إلى الإسلام بسوء سلوكهم، ويصيرون أخطر على الإسلام من أعدائه. أما الدعاة المتخصّصون العاملون في الميدانين الدفاعي والتبليغي فيجب عليهم أن يبينوا للناس حقائق الإسلام؛ لأن بيان هذه الحقائق كاف لإخماد أصوات أعداء الإسلام مهما كانت مرتفعة، كما أنه كاف لإحباط خطط هؤلاء الأعداء الذين يقف المستشرقون في مقدمتهم.

стр. 6763

وينبغي أن يبين الدعاة للناس أن الإسلام دين الفطرة، وأنه هو المثل الأعلى للإنسانية؛ لأنه حرّر العقل وأطلقه من عقاله إطلاقا يعود على الإنسانية بكل خير، ودفع العقل دفعا ليتفكر في الكون ليسمو الجانب الروحي، وليفكر في تسخير الأشياء للإنسان ليرتقي الجانب المادي. ويجب أن يبين الدعاة للناس أن الإسلام حرّر الإنسانية من ظلم البشرية وتناقضاتها، ووحّد القوى الإنسانية التي تقود العالمين إلى السعادة القصوى؛ ولذلك ختم الله به الديانات السماوية، وجعل نبي الإسلام صلوات الله عليه آخر لبنة في بيت النبوة العتيد؛ فتم بها بناؤه، وكمل بها رواؤه. وينبغي على الدعاة أن يبينوا للناس أن الإسلام هو النظام الإلهي الكامل الذي لا يمكن للإنسانية - في سعيها المتصل لبلوغ الكمال الإنساني - أن تجد أرقى منه في جميع مجالات الرقي؛ عقليا ونفسيا وخلقيا وعاطفيا وروحيا وماديا وفرديا واجتماعيا. ويجب أن يبين الدعاة أن الدين كله لله؛ فهو الذي يتعبد عباده بما يشاء، ويشرع لهم من الأحكام والحدود والفرائض والآداب ما اقتضته حكمته مما يعلم أن فيه صلاحهم وسعادتهم؛ فلا يجوز لأحد أن يزيد في دين الله ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه، وأنّ دين الله واحد، وهو الإسلام الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه، وأنّ الأنبياء كلهم إخوة؛ دينهم واحد وأمهاتهم شتى، وأنّ الواجب الإيمان بهم وما أنزل إليهم جميعا، قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [٢٤] .

стр. 6764

ينبغي أن يبين الدعاة للناس أن العقيدة الإسلامية تقوم على الإيمان بالله إلها واحدا لا تنبغي الإلهية إلا له، وعلى الإيمان بأن له وحده الأسماء الحسنى والصفات العليا. ويجب أن يبين الدعاة للناس أن الإيمان باليوم الآخر وبالبعث والجزاء مما يقتضيه العقل تحقيقا لقاعدة العدل؛ إذ ليس في المعقول ولا في الحكمة أن تكون هذه الحياة القصيرة هي الغاية من خلق هذا العالم الكبير، وأن تكون نهاية المؤمن والكافر سواء، ونهاية الظالم والمظلوم سواء، ونهاية البَرّ والفاجر سواء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ. أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [٢٥] ، وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [٢٦] . فإذا علم كل إنسان أنه مسئول عما قدم، وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [٢٧] ، سلك في حياته سبيل الجادة وحاسب نفسه بنفسه؛ فلا يمكن أن يصبر على ذنب ارتكبه، ولا أن يقصر في أداء ما وجب عليه، وبهذا تستقيم الأمور في هذه الحياة. فإذا بيّن الدعاة أن العقيدة الإسلامية ترتكز على أسس ثابتة من الفطرة الإنسانية العامة، والمنطق العقلي المستقيم، والنصوص الدينية الصريحة لم يستطع عدوّ للإسلام من المستشرقين وأشباههم أن يقف في وجهه، أو يشوش على دعوته.

стр. 6765

وهذه هي الوسائل التي يستطيع المسلمون أن يواجهوا بها أساليب الاستشراق، ويحبطوا بها جهوده في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته، ويحولوا بينه وبين الوصول إلى أهدافه التي أهمّها إضعاف المسلمين بصرفهم عن دينهم. خاتمة إن كشف الجهود التي يبذلها الاستشراق في محاربة الإسلام بكل سلاح وبأية وسيلة أمر لازم لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة. وإذا كان الإسلام قد واجه في جميع أزمانه - منذ مطلع الدعوة حتى اليوم - كثيرا من القوى المعادية له، حتى دخل معارك ضارية متصلة باللسان مرة وبالسنان مرة أخرى، فإن ما يواجهه الإسلام في العصر الحديث من القوى المعادية له أشدّ ضراوة، وأبلغ كيدا مما واجهه من قبل، ويعدّ الاستشراق أخطر القوى التي تحارب الإسلام وتشوش على دعوته؛ لأنه يستعين بالعلم في محاربته للإسلام؛ فيستعمل أسلحة كثيرة متنوعة، ويستفيد من كل وسيلة يمكن أن تصل به إلى أهدافه، وتمكنه من إضعاف المسلمين بصرفهم عن دينهم. لهذا ينبغي على المسلمين في جميع أقطارهم أن يحاربوا الاستشراق بالعلم والخلق، وأن يحسنوا إعداد الدعاة الذين يتصدون للدعوة في ميدانيها الدفاعي والتبليغي؛ حتى يتمكنوا من إخراس ألسنة أعداء الإسلام الحاقدة بتوضيح حقائق دينهم القويم للناس أجمعين، وبذلك يندحر المستشرقون الذين أرادوا أن يطفئوا نور الله رب العالمين، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [٢٨] . والله يقول الحق ويهدي السبيل، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. --------------------------------------------------------------------------------

стр. 6766

[١] جولد تسيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة الدكتور محمد يوسف موسى وزميله، ص ١٥. [٢] جولد تسيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام ص ٤١. [٣] سورة الحاقة: آية ٤٤-٤٧. [٤] سورة الصف: آية ٨. [٥] سورة القيامة آية ٢٠-٢١. [٦] سورة الإنسان آية ٢٧. [٧] البقرة آية ١٣٢. [٨] المائدة آية ٨٧. [٩] الأعراف آية ٣٢. [١٠] النحل آية ٩٧. [١١] وليم جيمس: إرادة الاعتقاد ص ١٢١ ترجمة الدكتور محمود حب الله. [١٢] سورة الزمر آية ٩. [١٣] سورة المجادلة آية ١١. [١٤] سورة طه آية ١١٤. [١٥] سورة المنافقون آية ٨. [١٦] سورة الشعراء: آية ١٩٣-١٩٥. [١٧] سورة يوسف: آية ٢١. [١٨] يمكن الرجوع إلى كتاب فصوص الحكم لابن عربي - وهو من القائلين بوحدة الوجود - لتتبين ما انتهى إليه أمر الصوفية من الضلال والإلحاد. [١٩] أبو الحسن الندوي: القادياني والقاديانية ص ١٩ وما بعدها. [٢٠] توجد كتب في شرح البهائية بالانجليزية والفرنسية والفارسية والعربية. [٢١] من يريد مزيدا من المعلومات فليرجع إلى كتاب الندوي المذكور. [٢٢] سورة الأنعام: آية ٢٤. [٢٣] سورة آل عمران: آية ١٠٥. [٢٤] سورة البقرة: آية ٢٨٥. [٢٥] سورة ص: آية ٢٧-٢٨. [٢٦] سورة الجاثية: آية ٢١. [٢٧] سورة الزلزلة: آية ٧-٨. [٢٨] سورة التوبة: آية ٣٢-٣٣.

стр. 6767

الشيوعية في الميزان لفضيلة الشيخ محمد علي عبد السميع - كلية الدعوة وأصول الدين الإنسان متدين بطبعه: لقد خلق الله هذا الكون لغاية فاضلة وحكمة سامية؛ فلم يخلقه لهوا ولا عبثا، وإنما خلقه للدلالة على ذاته وعنوانا على قدرته وإحكامه، ثم اقتضت حكمته تعالى أن أرسل من لدنه رسلا لينقلوا الناس من دياجير الجهل والظلام ومهانة الإفك والضلال إلى نور العلم والعرفان؛ حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ . وإن الناظر في هذا الكون العجيب ليرى الأدلة ناطقة على حكمة خالقه، والبراهين ساطعة على قدرة موجده، ولقد درج الإنسان من مبدأ الخليقة على التديّن والإقرار بأن للوجود إلها هو مسيّر أمره ومدبّر شأنه، والجماعات الإنسانية على مدى العصور والدهور وإن لم تتفق على من هو ذلك الإله، إلا أن الشعور من قرارة نفس كل فرد يناديه بأن قوة قاهرة هي المسيطرة على الوجود، وبالتالي يسميها الإنسان بالإله. ومردّ ذلك الاختلاف بين الجماعة الإنسانية هو أن الديانات السماوية وإن أجمعت على أن إله الكون هو الله تعالى الذي لا إله إلا هو، إلا أن كثيرا ما كان ينحرف الناس عن تعاليم تلك الديانات؛ فيرمزون إليه بكوكب تارة، أو بحيوان تارة أخرى، أو غير ذلك من الأشياء التي يرون فيها القوة الخارقة والقدرة الفائقة؛ لاستشعارهم أن الإله لا بدّ أن يكون ذا جبروت لا يبارى واقتدار لا يجارى، وفي بعض الأوقات يرمزون إليه بشيء يجدون احتياجهم إليه شديدا، وأن حياتهم متوقفة عليه، وليس بلازم أن يكون ذا بأس وقوة. كل هذه المعاني وتلك الاتجاهات من الإنسان تدل على اقتناعه في قرارة نفسه على أن للوجود إلها هو الذي إليه يرجع الوجود في كل أمر من أموره.

стр. 6768

استمر الأمر على ذلك قرونا وقرونا وأجيالا وأجيالا يسطع نور الحق، حاملا مشعله رسول يرسل أو نبي يبشر، ويخبو نوره تارة أخرى عندما تمتدّ الفترة بين الرسل؛ فتنتكس عقائد الناس ويركسون في الضلالة من جديد، حتى أرسل الله محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا، ورسولا إلى الخلق كافة؛ فملأ هداه الخافقين وانتشر نبأ رسالته في المشرقين، وهناك في أوربا وآسيا كانت المسيحية ضارية شرسة في القرون الوسطى، وكان لرجالها سلطان قوي، وكان للقياصرة في روسيا بأس شديد؛ فتسلل أحد قساوسة اليهود إلى صفوف هؤلاء القياصرة، وكان داعرا منحلا؛ فأشاع الدّعر والعهر بين صفوف هؤلاء القياصرة من حكام روسيا، فشوّه بذلك صورتهم ولطّخ بهذا الصنيع سمعتهم، فظهروا في أعين الناس بمظهر منبوذ كريه كما ظهر بهذا المظهر ذلك القسيس، وهنا أصبح رجال الدين والحكم في نظر العامة عنوانا على الفساد الخلقي والانحلال السلوكي؛ فتبرّم الناس بالقياصرة رجال الحكم وبالقساوسة رجال الدين، وقد كان الناس يئنون من بشاعة حكم هؤلاء وتسلّط أولئك؛ فوجدوا الفرصة سانحة لأن ينفضوا عن أنفسهم غبارا طال ما تراكم عليهم، وكتم أنفاس التخلص تغلي في صدورهم؛ فقرّروا أنه لا بد من التخلص منهما معا؛ لأن كلا منهما ظهر بصورة حطّت من شأنه وهوّنت من احترامه في نفوس الناس. تبديل وتغيير:

стр. 6769

فقام يتزعم الناس رجل يقال له ماركس، مناديا بسقوط القياصرة؛ فتهلل الناس لندائه واستجابوا له مندفعين ثائرين غير عابئين بما يترتب على ذلك من نتائج، وحتى لا يقوم معارض لتلك الجماعات الثائرة يقف في سبيلهم باسم الدين نادى ماركس وأتباعه بأن الدين خرافة، وأن كلّ منتم إليه مفتر كذّاب، ولكي يذيعوا الرعب في نفوس الناس أعملوا المناصل في رقاب رجال الدين؛ إسكاتا للمعارضين ودحرا للمحتجين على قتل من قتل من الحاكمين، وحتى لا يوجد بعد ذلك من يناصر هؤلاء أو هؤلاء غيّروا نظام البلاد السياسي إلى نظم أخرى سمّوها بأسماء خلابة، ووضعوا عليها لافتات براقة لتستهوي الناس وتستميل البائسين والمحرومين. والحديث عنها يطول وليس هذا مجاله. أما الدين فلم يغيروه، بل أنكروه مدّعين أن الدين لن يصلح نفوسا ولن يربي أرواحا؛ إذ لو كان كذلك لظهر أثره في رجاله الآثمين الذين تحالفوا مع القياصرة وأباحوا لهم ولأنفسهم ضروبا من الفساد تقشعّر لذكرها الجلود وتتقزز لسماعها النفوس. إنكار وافتراء: وحتى لا يحاول بعد ذلك إنسان ما أن يردّد صوت الدين أو نغمة التدين أنكروا وجود الله، وبفريتهم هذه اضطروا إلى القول بأن العالم الذي هو صنعة الله موجود بالصدفة تلقائيا أي: بدون حكمة أو تدبير، أو بالتفاعل أي: بتأثير جزئياته بعضها في البعض بمعنى أن الشيء مؤثر ومتأثر. وبذلك نخلص إلى أن مبادئ الشيوعية من حيث العقيدة تتلخص في شيئين اثنين: (١) إنكار وجود الله. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (٢) أن وجود العالم بطريق الصدفة أو التفاعل. تدليل باطل:

стр. 6770

ولقد سلك ماركس - عليه اللعنة - في التدليل على دعواه الباطلة مسلكا عجيبا، وتبعه في ذلك لينين ومن نحا نحوه؛ فيرى ماركس أن كل موجود لا بد وأن يُرى، وحيث إن الله لا تراه عيوننا في دار الدنيا فاستنتج من ذلك أنه غير موجود، وكأنه جعل الإقرار بوجود الله كالتسليم بنتيجة نظرية من النظريات الطبيعية المادية؛ لأن المادة عنده مكونه من عناصر، وكل عنصر مغاير للآخر فله خصائصه ومميزاته، وكل عنصر مركب من جزئيات، وكل جزئية لها خصائصها ومميزاتها، إذن كل هذه الأشياء متمايزة متغايرة ولا يمكن معرفة تمايزها وتغايرها إلا برؤيتها بالعين أو إحساسها بإحدى الحواس الأخرى التي بها تميّز الأشياء ويفرّق بينها عند الإدراك، وكأنه يريد بذلك أن يقول - لا بل قال -: إن الله فرد من أفراد المادة يخضع لقوانينها، ويقاس بمقاييسها ويوزن بموازينها، (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) . ولو أنه لو تريّث هنيهة أو تعقل قليلا لوجد الفطرة من أعماقه تناديه إن للعالم إلها إليه تهرع في الملمات وتلجأ إلى رحمته عند النكبات، وهو مغاير لذلك العالم في ذاته وصفاته، وإلا ما كان للجوء إليه دون غيره معنى أو مدلول، وما صرخة ذلك المهندس الشيوعي مستغيثا بالله عندما هوى ابنه من جانبه من أعلى الصرح إلا تعبيرا صادقا ودليلا قاطعا على أن الفطرة مهما طمسها الضلال وطغى عليها الكذب والبهتان لا بد وأن يشعّ وميضها بين تلك الجحافل الآثمة، ويلمع بريقها من خبايا تلك الافتراءات الملحدة معلنا أن للوجود إلها خلقه بقدرته وسيّر أمره بإرادته، ولو أن الملحدَيْن الخبيثين (ماركس ولينين) استجابا لنداء الفطرة لأيقنا بأن للعالم إلها، ولكن كيف يكون منهما ذلك وقد أغرقا في الكذب والافتراء والإلحاد والكفران. ولندع اعتقادهما؛ فذلك لا يعنينا، ونناقش الفكرة والدليل فهي التي في الأمر تهمنا وتعنينا.

стр. 6771

ففكرتهم أو مبدؤهم هو أنه لا وجود لله، ودليلهم أن الله لم تره أعيننا، وحيث إن الأمر كذلك فهو غير موجود. نقاش وإبطال: إننا إذ نناقش هذا الدليل نجد أن بطلانه أهون من أن يوجه إليه طعن، وأن انهياره ليس بمحتاج لعناء. فنقول: إذا كان لا بدّ من رؤية كل موجود، وأن الشيء الذي لا يُرى لا يكون موجودا فماذا تقولون في الروح التي بها حياة الفرد هل هي موجودة مع كونها لم تُر، أم أنها ليست موجودة؟ إن قلتم بالأول فقد غايرتم بين الموجودات في صفة هي مردّ الحكم، وإن قلتم بالثاني فقد ادّعيتم إفكا وزورا؛ لأنها موجودة بالضرورة؛ إذ بها تكون حياة الفرد. والعقل الذي به نفكر وندرك هل موجود أو معدوم؟ إن قلتم إنه معدوم فقد افتريتم كذبا وقلتم بهتانا وإدا، وإن قلتم إنه موجود - ولا مناص لعاقل أن يقول غير ذلك - فهل ثبتت لديكم رؤيته، أم أنكم تقولون بوجوده والحال أنكم لم تروه؟ فإن قلتم بالأول فالواقع يصفع عقولكم ويبطل دليلكم، وإن قلتم بالثاني فقد أقررتم بوجود شيء لا نستطيع رؤيته، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تعترفون بحكم بالنسبة لأمر وتنكرونه بالنسبة لآخر؟ وهو أن بعض الموجودات لا يمكن رؤيتها، وبذلك يكون الله تعالى موجودا ومع ذلك لا تراه الأبصار ﴿لا تُدْرِكُهُ الأََبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأََبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ . تعصب ممقوت: إن ماركس وأتباعه الذين اتخذوا الشيوعية لهم عقيدة ومبدءا لا يواكبون مسار العلم والعقل، بل يشايعون التعصّب للباطل ومظاهرة الضلال والجهل؛ إذ من القواعد العامة والأمور الثابتة التي لا تقبل نقاشا ولا جدلا أن الأشياء إذا كانت لها صفة توفرت فيها جميعها يكون الحكم عليها باعتبار تلك الصفة واحدا، وتخصيص فرد منها بحكم دون الآخر تعصّب ممقوت وتحيّز مردود.

стр. 6772

من هذا ننتهي إلى أن العقل والروح كل منهما موجود، ولم يثبت أن إنسانا ما في الوجود رآهما أو رأى واحدا منهما، ولا يوجد إنسان ما ينكر وجودهما، وحيث إن الأمر كذلك فإذاً تقرِّر البديهة أن الشيء يكون موجودا ومع ذلك لا يرى؛ إذ ان عدم رؤيته لا تطعن في وجوده، وقد ثبت ذلك بالنسبة للروح والعقل، إذاً عدم رؤية الله تعالى لا تطعن في وجوده، إذاً فالله موجود وإن لم تره العيون، وإن العقول السليمة تقرر في جلاء ووضوح ودون شك أو ريب أن الله تعالى موجود؛ لأنها تدرك البرهان على ذلك في كل شيء دالا على قدرته، شاهدا بعلمه وحكمته، ناطقا في كل وقت وحين، تبارك الله أحسن الخالقين، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ، ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ . زيادة إيضاح: إن الأدلة كثيرة ناطقة وعديدة واضحة، وجميعها تدل على وجود الله تعالى؛ فهذا النظام البديع الذي يسير عليه الكون، وهذا الإبداع المعجز الذي وجد عليه العالم يدل على أن للكون إلها، بقدرته خلق الوجود، وبحكمته أبدع كل مخلوق، ووجود تلك الأنواع المتعددة، وكثرة تلك الخصائص المتباينة أصدق دليل على وجوده تعالى.

стр. 6773

وقولهم إن العالم وجد بطريق الصدفة فهذا أمر لا يسلم به عاقل؛ إذ كيف تنتج الصدفة هذا النظام البديع، والمعلوم أن السمع لا يهبه لفرد إلا عالم بقانون السمع، وكذلك كل صفة من الصفات التي يسعد بها الإنسان والتي لا بدّ لوجودها من تدخل وقدرة عالمة حكيمة مدبّرة، ولا يمكن القول بأن تلك القدرة من جنس تلك الموجودات، وإلا لأمكن غيرها أن ينازعها أو يبطل عملها؛ إذ المفروض أن الجميع متساوون في كل شيء، وإن قانون التأثير والتأثر يحتم تقدم المؤثر على المتأثر، والمفروض أن كلا منهما يساوي الآخر تماما؛ فإذاً يكون الشيء على هذا موجودا ليوجد ومعدوما ليوجد، وهذا باطل، كما وأنه لا بدّ من كون تلك القوة المؤثرة مغايرة لما عداها في كل شيء في ذاتها وفي صفاتها حتى تكون قادرة على الخلق والإيجاد، ولا يصح أن تأخذ تلك الصفات عن غيرها وإلا لكان غيرها مؤثرا فيها، وبذلك يكون شأنها شأن غيرها من المخلوقات، ومعنى هذا أنه لا بدّ وأن يكون وجودها من ذاتها حتى تتمّ المغايرة بينها وبين ما توجد وتخلق.

стр. 6774

أما قولهم (إن العالم وجد بطريق التفاعل) فنقول لهم مبطلين ما يدّعون: إن المادة التي سيتم التفاعل بين جزئياتها مَنْ الذي أوجدها؟ مَن الذي جعلها قابلة للتفاعل؟ ومَن الذي غاير بينها في الصفات والخصائص؟ لا بدّ من قوة مدبرة حكيمة عالمة بقوانين التفاعل والتغاير، حتى يمكنها أن تعطي ذلك العنصر من الصفات ما يجعله يتفاعل مع ذلك العنصر خاصة بكيفية خاصة؛ لينتج عن تفاعلها شيء خاص، وإلا لو كان التفاعل راجعا إلى عنصرية محضة دون تغاير أو تمايز بين العناصر لكانت نتيجة التفاعل واحدة، ولجاء العالم صورة واحدة متماثلة، كما ينادي بذلك قانون التفاعل في علم الكيمياء؛ لأننا لو وضعنا في مخبر مادتين فتفاعلتا، ثم أحضرنا بعد ذلك آلاف المخابر ووضعنا في كل منها مقدارا من المادتين اللتين وضعتا في المخبار الأول لكانت النتيجة واحدة، ونحن إذا نظرنا إلى العالم وجدنا التغاير بين أفراده وعناصره واضحا ملموسا؛ فلو كان موجودا بالتفاعل بين جزئياته لما وجد ذلك التغاير بين أفراده في خصائصه ومميزاته؛ فهذا معتم وهذا مضيء، وهذا حسّاس نام وذاك جامد لا ينمو، وهذا يعيش في الماء ويموت في اليابس وهذا على العكس من ذلك، إلى غير هذا مما تراه العين، ولا ينكر التغاير بينه وبين غيره إلا مكابر أفّاك ومدّع كذّاب، ولله درّ القائل ردا على منكري وجوده تعالى: فهرعت ربي أحتمي بحماك رباه مالي في الكروب سواك فوجدتها مقرونة بتقاك رباه إني قد نشدت سعادتي ينكر وجودك يصبح الأفاك يا رب أنت الخالق الباري ومـ موجدا من ذا الذي سوّاك يا مؤمنا قل للذي زعم الطبيعة من أبدع الإيجاد في دنياك يا من تخبط في الضلالة سادرا متطلعا للخير في أخراك إن كنت تسعى للحقيقة صادقا متدبرا ثم احتكم لنهاك فدع التعصب جانبا وانظر معي ومن الذي بالنطق قد حلاك

стр. 6775

من ذا الذي قد شق سمعك محكما ومن الذي بالحسن قد أولاك والعين من أعطاك فيها مقلة وأقام في شتى السهول رباك ومن الذي يعل الجبال رواسيا من غير أعمدة ترى عيناك ومن الذي رفع السموات العلا طول المدى لا تخطئ الأفلاك مزدانة بكواكب تجري على بالخير والإنعام قد ربّاك هو خالق الأكوان ﷻ في الإفك بل والله ما أشقاك يا منكر الله إنك مغرق وإلى المهيمن ترشد الإدراك إن العجائب في الوجود كثيرة وإذا أصابك بعضه أرداك فالسم في الأفعى يصون حياتها والشهد من عاني السقام شفاك والنحل في زهر الرياض غذاؤه وإذا طغى يوما يصير هلاكا بالماء نحيا والحياة رغيدة واليبس يفني الحوت والأسماك والحوت يسبح في الخضم موحدا والطير في كبد السما أشجاك في الصخر يحيا الدود غير منغص ينمي الزروع ويقتل الفتاك والشمس ترسل في النهار شعاعها وبدونه لن نستطيع حراكا والليل يمسح بالنعاس عناءنا والبدر يؤنس في الدجى مسراك والنجم للسفن المواخر مرشد وبدونه لن تستبين خطاك والعقل ينتج للأنام حضارة عند الذي من فضله أحياك والروح سرّ في الجسوم وعلمه للحق والإيمان قد ناداك والقلب ينبض في المنام ونبضه لكنها صنع الذي يرعاك تلك العجائب لا تنظم صدفة قولي فماذا يا عنيد دهاك وجميعها فيها الدليل مؤيّدا وعن الغواية يا شقي نهاك والعقل يدمغ ما تقول بداهة لله تقديسا وما جاراك والكون يلهج بالثناء جميعه نبذ الورود وفضّل الأشواك لكنك الغاوي الأثيم ومن غوى وتجنّبت صوت الهدى أذناك عطلت عقلك يا غوي حماقة

стр. 6776

وتسابقت نحو الردى قدماك وركبت من بحر الضلالة لجة أو مبدع شيئا فما أغواك أما التفاعل إن نقل هو موجد والكون فاض تغاير أخزاك إن التفاعل في النتائج واحد فعل الإله ومبطل دعواك هذا التغاير في الخصائص مثبت والجهل بالبهتان قد أغراك فارجع عن الإنكار إنك مفتر سبحانك اللهم جل علاك وانهض لربك بالقداسة هاتفا لا يشبه القدوس ذا أو ذاك ذات الإله عن المثيل تقدست فالله في جنح الظلام يراك ودع المآتم تائبا مستغفرا ليست بخافية على مولاك خطرات نفسك في الظلام أو الضحى عما يفيد النقص والإشراك لك خالقي كل الكمال منزها والكون يا رحمان في يمناك تعطي وتمنع من تشاء بحكمة وجعله ربي مشرقا بسناك فاحفظ إلهي القلب من زلاته

стр. 6777

هذا بيان مجمل عن الشيوعية وما تنادي به، والمؤسف المؤلم أن بعض دول العالم العربي - وهم يدينون بدين الإسلام - ينادون بالاشتراكية، بل اتخذوها لهم شعارا ومبدأ، ونحن نتساءل من أي لون هذه الاشتراكية؟ هل هي اشتراكية علمية أم اشتراكية ديمقراطية؟ بمعنى هل هي عقيدة أم مذهب؟ إن كانت عقيدة فهي تساوي الماركسية تماما في أهدافها وغاياتها، ولا تختلف عنها إلا في الاسم فقط، وهذا الذي نقوله بناء على تعريفها وبيان كنهها عند الماركسيين أنفسهم حتى ولو سموا الماركسية بالاشتراكية؛ لأنهم جعلوا من ضمن مبادئهم الشيوعية أنه لا مانع من التضليل والكذب والبهتان ووضع أسماء على غير مسمياتها ما دام يؤدي ذلك الخداع والكذب إلى الهدف المنشود، أما إن كانت اشتراكية ديمقراطية - أي أنها مذهب اقتصادي فقط لا شأن له بالعقيدة والخلق - فما أغنانا عنه بما عندنا من تراث إسلامي عريق نهض بالعرب من الحضيض إلى أوج السعادة والرقي البشري، يوم أن قاد جماعة المسلمين رسول الله محمد ﷺ ، وهذا التراث الإسلامي العظيم ممثل في الفقه الإسلامي، وإن أولئك الذين ينادون بالاشتراكية مذهبا اقتصاديا، ويرهقون أنفسهم في الدعوة له والدعاية إليه لو أنهم اطلعوا على الفقه الإسلامي لأغناهم ذلك عن كل هذا العناء، يا قومنا أجيبوا داعي الله واحكموا بما أنزل على نبيه، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ .

стр. 6778

إن الإسلام دستور كامل أسعد البشرية يوم أن استظلت بظلاله، ويسعدها اليوم إن هي التزمت أحكامه وارتضت قضاءه؛ ففيه السياسة والاقتصاد والحرب والسِّلم والسلوك والاجتماع والروح والمادة وجميع ما يحتاج إليه بنو الإنسان في حياتهم، إن الإسلام من وضع خالق البشر، العليم بما يصلح شأنهم ويقوّم معوجهم ويسعد جماعتهم، وينهض بهم إلى أسمى درجات السعادة والرقي؛ لذلك أودعه كل ما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ . ولله درّ القائل: وتبددت بجيوشها الظلماء بالمصطفى الهادي تألق صبحنا وعلى الأمور يسيطر الجهلاء قد جاء والإلحاد في طغيانه فيها لمن يبغي العلاج شفاء فأقام بالتوحيد أعظم ملة هي للوجود الكوكب الوضاء وهي للحياة سدادا ورشادها هي في الهجير الروضة الغناء هي للشعوب بلا سم لجراحها وبغيثه جدب الحياة رخاء دستورها القرآن فاض هداية للمسلمين العزة الشماء في هرم الزمان ولم يزل في هديه

стр. 6779

يا قومنا اضربوا على أيدي المتطرفين الملحدين الذين يدينون بالشيوعية؛ فإنهم في جسم الأمة الإسلامية كالسرطان، يهدمون كيانها ويقوضون كل مقوماتها، ولا تربطهم بفرد فيها رابطة من خلق أو دين؛ إذ الرابطة بينهم هي مبادئ الشيوعية فقط دون غيرها من روابط اجتماعية أو أسرية أو روحية أو قومية أو وطنية، بمعنى أن الشيوعي في مشرق الأرض أولى بالشيوعي في مغربها من أمه وأبيه أو ابنه وأخيه؛ فكل القيم منهارة في نظر الشيوعي أمام عقيدته التي يبذل في سبيلها كل شيء، فهل يصح ونحن نؤمن بالله وبرسوله أن ندع الخطر يستشري ونحن سكوت زاعمين أننا لن نمكنهم من الوصول إلى مركز القيادة والسلطة، فهذا لا يعفينا من المسئولية، وإلا كان مثلُنا كمثل من أرادوا خرق السفينة ليصلوا إلى الماء دون عناء فإن تركهم من هم في أعلاها غرقوا جميعا وإن منعوهم سلموا جميعا، فنحن إن وقفنا عند هذا الوضع السلبي كان ذلك أخذا للأمور الخطرة بسهولة لا توائم بعض ما يجب أن تؤخذ به من الاهتمام والجدّ. يا قومنا إن الأمر جدّ خطير؛ فالشيوعية بلاء ومحنة، وهي - كما سبق أن قلت -كالسرطان يعايش الإنسان زمنا طويلا، ولا يظهر له خطر ولا يبدو منه أذى، حتى إذا ما اكتملت قدرته على الهجوم وشرست استطاعته على الفتك انقضّ عاتيا لا يرحم، جبارا لا يتفاهم، كل همه الوصول إلى غايته والحصول على مأربه مهما شرّد أو قتل أو هدم أو دمّر؛ لأن الغاية عنده تبرر الوسيلة، وهل يوجد أحطّ مستوى ممن يبيح لنفسه الخداع والكذب والتضليل والتمويه، بل يجعلها من مبادئه وأخلاقه ما دامت تصل به إلى مقاصده وأهدافه.

стр. 6780

يا قوم إن الشيوعية في تقديرها لبعض الأمور وخاصة المعنوية منها أخطر من بعض فصائل الحيوان، وإن ادّعى معتنقوها سموّ إحساسهم ورِقَّة وجدانهم، وإن تباكوا على الإنسانية المعذّبة التي يدعون أنهم يريدون إسعادها، وتخليصها من نير الذل والاستعباد، وتحكم الإقطاع والاستغلال، وجموح رأس المال المستبد الذي لا يعرف رحمة ولا شفقة في نظرهم، إلى غير ذلك من العبارات الخادعة الخلابة التي يخدعون بها الشعوب، ويغشون بها الجماعات، حتى إذا ما وقعت في الفخ الذي نصبوه واحتواها الشرك الذي حاكوه ذاقت من الذل ألوانا يشيب لها الولدان وتضطرب لذكرها الأبدان. أي سعادة في نظام يجعل إنكار الإله عقيدة، والتناحر بين الطبقات مبدأ، وإشاعة الهلع بين الأفراد طابعا، وخيانة الابن لأبيه والزوجة لزوجها بالتلصص عليهما سلوكا ومنهجا، ثم أي سعادة في هذا النظام الذي يسلب الفرد قسرا ما امتلك بحجة التأميم لصالح الدولة؛ لأنها هي التي يجب أن تملك وسائل الإنتاج ورأس المال، أليس ذلك قتلا لغريزة حب الاقتناء التي هي جزء من مقومات الإنسان التي تدفعه إلى العمل راضيا بما يجد من مشقة وعناء؟ ثم هذا الإنتاج الذي هو ثمار شقاء الطبقات الكادحة المحرومة إلى أين يذهب؟ ومن الذي في خيره ونعيمه يتقلب؟ أليست تلك الفئة الباغية الحاكمة التي تقبض على نواصي الأمور بقبضة من حديد، ولا ترى الشعوب إلا سوط الإرهاب تلوح به في الفضاء بدا ليفي والاستعباد لابسة قفازا من الحرير تخدع الشعوب بملمسه، وهي لا تعرف ما بداخله من ظلم وفساد وعتو واستبداد. لا تصح المقارنة:

стр. 6781

إنه لا تصح المقارنة بين نظام هذا طابعه وتلك المذكورة آنفا أهدافه وغاياته، وبين الإسلام الذي هو في أسمى درجات الرقي بين النظم الاجتماعية التي سعد بها بنو الإنسان؛ فلا استغلال فيه ولا عسر في العمل والإنتاج، إنما عن اقتناع وإيمان يعمل الإنسان في الإسلام؛ لأن له ثمرة ما يعمل، وهو مع ذلك يؤدي ما عليه من واجبات يسهم بها في بناء المجتمع الإسلامي السعيد الذي هو حلية نافعة في جسمه الكبير، وبهذا يعلن الإسلام بين بنيه ما استحق الحياة من عاش لنفسه فقط؛ فهو بذلك يحقق الخير لنفسه ولغيره، فالإسلام بذلك نظام محكم؛ فليس أنانية محضة كما هي الرأسمالية المستقلة، وليس حرمانا محضا كما هي الشيوعية الملحدة، بل هو وسط بين نقيضين؛ فحرّم الرّبا وحثّ على الإنفاق والصدقة بعد تأدية فرض الزكاة "لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع"، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ . فهل يداني هذا النظام قانون ما من القوانين التي تستنها الدول تخفيفا لآلام الفقراء والعاجزين؟ ثم هو لا يجرد الإنسان من الامتلاك بل جعل له ذلك الحق بشرط ألا يعتدي على حق غيره أو يسلبه ماله؛ فإن فعل ذلك فله في الدنيا خزي وعار وفضيحة ونكال، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ﴾ .

стр. 6782

إن الإسلام عالج مسألة الاقتصاد علاجا لم يسبق إليه، ولن تستطيع دولة ما أن تصل إلى ما وصل إليه من علاج يحقق الرفاهية لأهله والمساواة الصحيحة بين ذويه؛ فنظام الزكاة والكفارات والمغانم وغير ذلك من وجوه البذل يجعل من المسلمين أمة متكافلة بالمعنى الصحيح، وفي الوقت نفسه لا يعوق الإنسان عن الكسب الكريم الشريف، بل يشجعه ويحث عليه، "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده". فلا تواكل في الإسلام ولا تعطيل للطاقات ولا مصادرة للأموال والممتلكات؛ لأن كل نظام فيه أقيم على أساس سليم، فكل فرد في الدولة الإسلامية عضو من أعضائها تحسّ به ويحسّ بها وترعاه ويعمل من أجلها، بل يتفانى بحق في سبيلها مدفوعا لذلك بشعور صادق وإيمان عميق؛ لأنه يراها الأم الحانية والراعي الذي لا يدّخر وسعا في سبيل سعادته، بخلاف الشيوعي؛ فهو يعمل ولكن على مضض يعمل، وهو ينتج ولكنه من وجل ينتج، بل في وسط اللهيب وعلى القنا يسير؛ لأنه يرى أن يد البطش القاسية مسلطة عليه، والجاسوسية القذرة متربصة به؛ فهو لا يأمن على نفسه، وليس بمستريح ضميره طول حياته؛ لأنه خدع بألفاظ لم يجد لها مدلولات، وبعبارات لم يلمس لها مفهوما، فهو على يأس يعيش متمنيا ساعة الخلاص، ولكن هيهات هيهات أن تمكنه مما يريد، تلك الشرذمة الطاغية المتسلطة عليه فهي لن تدع له فرصة يتمكن فيها من الفرار من ميدان الذل والاستعباد والتسخير والاستقلال؛ لأنهم يرون ذله عزا لهم، واستعباده سيادة لجماعتهم، ولذلك كثيرا ما نسمع أن أفرادا غافلوا الحراس وفرّوا من المعسكر الشرقي إلى المعسكر الغربي؛ لأن الحرمان استبدّ بهم واليأس قد سدّ كل طريق أمامهم؛ فوجدوا ألا خلاص إلا بركوب المخاطر والتعرض للهلاك باقتحامهم الأسوار.

стр. 6783

هذا من الناحية الاقتصادية التي هي الشغل الشاغل للعالم أجمع، أما ما عدا الناحية الاقتصادية فإن نظاما يقوم على مبدأ الروح والمادة اللذين هما العنصر المكوّن للإنسان لا شكّ أنه يسعد المرء في دنياه وفي أخراه، وهذا ما حقّقه الإسلام لمعتنقيه، بخلاف نظام يقوم على نكران الروح ويجعل الحياة مادة صرفة، وان الشيوعي ما هو إلا قطعة من آلة ما دام تسير فيها الوقود فهي تعمل ولا تفكر وتسير، وحذار أن تلتفت حولها أو تسأل عن شيء بدا لها. فنظام هذا طابعه لا شكّ يشقى معتنقيه ويجعلهم يرزحون طول حياتهم تحت عبء الهمجية الداعرة والفوضوية التي لا تقرّ نظاما مهذّبا أو دستورا كريما ساميا يرتقي ببني الإنسان عن مستوى الهوام والحيوان، وبذلك اتضح الأمر لذي عينين، وأميط اللثام عن نظامين ومنهجين، أحدهما في أسمى درجات الرفعة والعلو وهو الإسلام، والثاني من أحطّ دركات الحضيض والامتهان، وهو الشيوعية، وتلكم ما هي إلا نظام الإلحاد والكفران.

стр. 6784

العدد ٣٩ فهرس المحتويات ١- أهل الكتاب في القرآن الكريم: لفضيلة الشيخ معوض عوض إبراهيم ٢- التكرار في القرآن العظيم: لفضيلة الدكتور أحمد جمال العمري ٣- بين القرآن والكتب السماوية - حكم حفظه دونها: لفضيلة الدكتور إبراهيم عبد الحميد سلامية ٤- عالمية الرسالة بين النظرية والتطبيق: لفضيلة الشيخ محمد الغزالي ٥- الدين الحق: لفضيلة الدكتور عبد المنعم حسنين ٦- المصلحة المرسلة محاولة لبسطها ونظرة فيها: لفضيلة الدكتور علي محمد جريشة ٧- الأدلة والبراهين على حرمة التدخين: فضيلة الشيخ إبراهيم محمد سرسيق ٨- رسائل لم يحملها البريد: لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي ٩- الحضارة الإسلامية: لفضيلة الشيخ أحمد عبد الرحيم السايح ١٠- تأملات في كتاب (الله أو الدمار) : لفضيلة الشيخ محمد مصطفى المجذوب ١١- المقاومة في الشعر الأندلسي - دراسة تحليلية نقدية: لفضيلة الدكتور عبد الرحمن بله علي ١٢- متى يفيق الغافلون: شعر فضيلة الشيخ: محمد المجذوب ١٣- صيغة فعلان واستعمالاتها في اللغة العربية: لفضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس ١٤- تسعة أغلاط في خبر صغير ١٥- الإسراء وفلسطين ودولة اليهود: لفضيلة الشيخ أسعد بيوض التميمي ١٦- من أعماق الكتب ١٧- محمد أمين المصري: بقلم الشيخ محمد الصباغ ١٨- الصحافة المصرية في قفص الاتهام: عن مجلة (الاعتصام) - القاهرة ١٩- رأي في إصلاح أجهزة الإعلام ٢٠- وصايا صحية: لسعادة الدكتور حسين كامل ٢١- إلى أين أيها.. المغرب الحبيب؟ ٢٢- أخبار الجامعة عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 6785

أهل الكتاب في القرآن الكريم لفضيلة الشيخ معوض عوض إبراهيم إن الذين يستهدفون جلاء حقيقة إلهية في كتاب الله الكريم، أو إبراز قضية من قضايا السنة المطهرة، يمضون إلى غاياتهم في نور القرآن والسنة، غير ملقين أسماعهم لصيحات باطل تتردد في فترة من فترات الزمان، أو في أي مكان، آخذين ذلك الأدب من كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ، والله تعالى يقول لمصطفاه. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور﴾ ِآل عمران (١٨٦) . ولقد كان النبي ﷺ في ذلك القدوة الحسنة لصحبه، حتى قال تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ القصص (٥٥) . وقال في خواتيم سورة الفرقان من صفات عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ الآية (٦٣) . وقال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ الآية (٧٢) . يمضي المسلمون إلى غاياتهم النبيلة لا يزايلون آدابهم التي توارثوها جيلا عن جيل، وقبيلا في أعقاب قبيل، من كتاب ربهم وسنة نبيهم، القولية والعملية على سواء. ((ولو أنهم ردُوا منكر القول وزوره بحجة الحق، وقوة الصدق ما اعتدوا أبدا، ولا جاوزوا مشارع الصواب)) قال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ النساء (١١٤) .

стр. 6786

ولكننا نرجو عفو القادر الذي يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.. وهو تعالى يقول.. ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ النساء١١٥. ولقد قال أحدهم لابن عباس ﵄: هل عليَّ من جناح إن آخذت من ظلمني؟! فقال: لا. ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الشورى: (٤١-٤٢) . وإني لأذكر، وكأن ذلك الساعة، أنني كتبت من قرابة ثلاثين عاماً كلمة في مجلة ((نور الإسلام)) التي كانت وما تزال تصدرها إذاعة الوعظ في الأزهر. وكان عنوان الكلمة ((الجامعة الإسلامية.. بعد الجامعة العربية)) وكانت الجامعة العربية وليدة ما تزال في السنة الرابعة من عمرها تقريبا، وكانت الفرحة بقيامها أملا في إمكان جمع الصف الإسلامي وتوحيد أممه وشعوبه في جامعة إسلامية، وكان الجو الذي كتبت فيه بحثي قبيل موسم الحج في ذلك العام، فاسترعيت الانتباه إلى إمكان جمع شتات أمتنا الكبرى التي تجتمع في الصلاة خمس مرات في كل يوم وليلة، وتجتمع في الجمعة تجمعا أكبر، وتجتمع في الأعياد على نحو اظهر وأبهر، وتجتمع في فريضة الحج من كل فج عميق في مهد التوحيد ومنزل الوحي، في عرفات وغيره من مشاهد الفريضة الخاتمة!!

стр. 6787

ولم يمضي طويل زمن حتى حمل البريد إلي رسالة أحد القسس من بلدة اسمها صفط الخمّار بمديرية المنيا يومئذ، وهي في صعيد مصر، وتبعد كثيراً عن بور سعيد التي كنت أؤدي فيها آنذاك أمانة الدعوة إلى الله، وفي الرسالة من سخائ م النفوس، وأوغار الصدور، والضيق بالإسلام الكريم ما اجتزئ منه بمجرد الإشارة إليه، ولون الماء من لون الإناء كما يقولون، وصدق الله الذي يعلم من خلق، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ آل عمران/ ١١٨ وحسبي أن أورد هذه العبارة من رسالة القس فهي أخف ما فيها.. قال ((أي جامعة إسلامية تريدها يا شيخ معوض؟! عوضَك الله خيرا في الإسلام)) !!! ولقد رددت على الرسالة، ولكن العهد حينئذ، ونظام الحكم، وضيق المسئولين بكلمة الإسلام حالت دون نشر ما كتبت وللبحث والرسالة والرد عليها فرص تحين إن شاء الله مقرونة بذكريات ليس إلى نسيانها من سبيل مع قسس كانت تجمعنا بهم صوالح المناسبات، ولا يعلق بالخواطر من أقوالهم وأفعالهم ما يثير ريبة أو يدعو لإنكار، وبور سعيد تذكر ذلك العهد وكم ذكروني به حين كنت بينهم من أيام تجدد عهد الدعوة في ظروف طغت فيها مادية ((المدينة الحرة)) على طبيعة الهدوء التي عرف الناس بها بور سعيد من قديم.

стр. 6788

أجل إن ما يتهاوى إلى الأسماع في هذه الأيام من برم تطبيق الشريعة الإسلامية في بعض أقطارها، واستعلان أقوام كانوا منذ قريب يدعون إلى ((وحدة الأمة)) و ((وحدة الكتب الدينية)) التي تملأ خواء الأنفس، وفراغ الأرواح من سلطان الدين والإيمان اللذين هما في المناخ الإسلامي البلسم والشفاء والهدى والضياء، ولا شيء من ذلك في غير كلمة الله الأخيرة.. الإسلام!! استعلان هؤلاء باستنكارهم لتحكيم الشريعة الإسلامية في برقيات وبحوث ونشرات صفراء.. وإعلان الصوم أياما.. لا إلى الموت كما فعل ويفعل أقوام ـ يكشف عن خبيئة هؤلاء القناع ويسلط النور على ما يصطنعونه حينا بعد حين من كيد وحيلة وخداع، ويضيف جديدا من الشواهد على أن المسلمين وحدهم ـ هم صمام السلام، وألوية الوئام منذ أعطى نبيهم صلوات الله عليه ((أهل الكتاب)) من يهود عهده "لهم ما لنا وعليهم ما علينا.."وما يعنيه قوله "أحب أن يعلم أهل الكتاب أن في ديننا سماحة". ولا يحسبن أحد أن هذه السماحة تعني الضعف أو المواربة والخداع، كلا وإيم الحق، وليسأل من شاء التاريخ القريب والبعيد، فنجهل فوق جهل الجاهلينا ألا لا يجهلن أحد علينا وما يضائل من حرصي على متابعة ما بدأته من بيان ((أهل الكتاب)) في القرآن والسنة أن أدعو من ينصف من ((أهل الكتاب)) إلى استجلاء حرص النبي ﷺ على دعوة القوم إلى الإسلام ابتداء بالأهم فما يليه، وباب بعث معاذ إلى اليمن في الصحيحين وفي مسلم بشرح النووي يورد رواية "فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم.." الحديث وقد أورد الإمام النووي كلاما للقاضي عياض كأنه الإلهام في هذه الأيام، أو رؤية الغيب من وراء ستر رقيق، قال النووي ((قال القاضي عياض:

стр. 6789

وهذا ـ ما يستفاد من الرواية المذكورة يدل على أنهم ـ أهل الكتاب ـ ليسوا عارفين الله، وهو مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى، أنهم غير عارفين الله تعالى، وإن كانوا يعبدونه ويظهرون معرفته، لدلالة العقل عندهم على هذا، وإن كان العقل لا يمنع أن يعرف الله تعالى من كذب رسولا)) . قال القاضي عياض ﵀: ((ما عرف الله تعالى من شبهه وجسمه من اليهود، أو أجاز عليه البداء أو أضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه الصاحبة والولد، وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى)) . ((أو وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه من المجوس والوثنية، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله، وإن سموه به، إذ ليس موصوفا بصفات الإله الواجبة له)) . ((فإذن ما عرفوا الله سبحانه، فتحقق هذه النكتة، واعتمد عليها. وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا، وبها قطع الكلام أبو عمران الفارسي بين عامة أهل القيروان عند تنازعهم في هذه المسألة)) ١هـ[١] . وفي القرآن الكريم آيات تنطق بهذا النحو من الفهم بصراحة لا يعتريها شيء من الخفاء أو اللبس، وآيات أخرى تطول بها أعناق طوائف اتَسموا بالإنصاف والبراءة من اللجاج والخلاف والإعتساف، وذهبوا بحظ وافر من الإيمان الواثق والإذعان المطمئن للإسلام وكم نجد اليوم غير أستاذ في جوانب من شرق الدنيا وغربها، قد خلعوا أردية التعصب للباطل، والتشبث بما تواصى به غيرهم لمجرد أنه مواريث أوائلهم، ونظروا في القرآن والسنة بتجرد وصدق في نشدان الحق، فانكشف لهم من خلال الإسلام عقيدة ومنهاج عبادة وسلوك ما صرحوا به ولم يلمحوا، وأعلوا حجته على مأثورهم من معتقدات لا تتماسك أمام النظر السليم والعقل القويم، وهكذا يشق الحق طريقه، ويشرق ويتألق، قاهرا الأوهام وسجف الظلام التي تكتنفه وتعترض بفعل الأقوام مساره.

стр. 6790

﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَال﴾ الرعد (١٧) . يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ – في كتابه أضواء البيان جـ١ ص٧٤ عند تناوله لقول الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ البقرة (١٣١) . أشار إلى أنه دين الإسلام هنا بقوله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام﴾ آل عمران (١٩) .

стр. 6791

وقوله ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ آل عمران (٨٥) .. ثم علق ﵀ على قوله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى..﴾ البقرة (١٣٦) فقال: ((لم يبين هنا ما أوتيه موسى وعيسى ولكنه بينه في مواضع أخرى، وذكر أن ما أوتيه موسى هو التوراة المعبر عنها بالصحف في قوله تعالى ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ الأعلى (١٩) ، وذلك لقوله ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَاب﴾ الأنعام (١٥) –وهو التوراة بالإجماع ((وذكر أن ما أوتيه عيسى هو الإنجيل كما في قوله ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنجيل..﴾ الحديد (٢٧) اهـ، إنها ليد بيضاء للقرآن على ((أهل الكتاب)) وهو يسمي كتبهم، ويعرِّف بها، ويشيد بخصائصها في زمانها، وشهادتها بما أنزل الله من بعد في الكتاب المهيمن والقرآن –ولله ولكتابه المثل الأعلى- هو الشمس التي تشرق بنور ربها، وتعطي الفرصة لغيرها من الأشياء التي تظهر مزاياها وجوانب الحسن فيها، فيكون للشمس ونورها في ذلك الظهور والوضوح أكبر الفضل. ولقد كان من حق عارفة القرآن، على ((أهل الكتاب)) أن لا يجحدوها طرفة عين.. لكن الطبائع غالية، فمن القوم إن لم نقل أكثرهم من يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ويأخذون آيات الله هزوا، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون ليس علينا في الأميين سبيل، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ البقرة (٨٩) . هذا إجمال يتبعه تفصيل، وعموم تلقاك على تخصيصه عما قليل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

стр. 6792

-------------------------------------------------------------------------------- [١] شرح الإمام النووي لصحيح مسلم ج ١ ص ١٩٩-٢٠٠.

стр. 6793

تأملات في كتاب (الله أو الدمار) لفضيلة الشيخ محمد مصطفى المجذوب بين يدي الساعة كتاب (الله.. أو الدمار) من تأليف الأستاذ سعد جمعه رئيس الوزارة الأردنية أيام النكبة، التي زلزلت العالم الإسلامي عام ١٣٨٧هـ (١٩٦٧م) وقد سبق أن قرأت من تصانيفه كتابيه (المؤامرة ومعركة الصبر) ثم (مجتمع الكراهية) فحفزني إعجابي بهما على تصفح هذا الثالث، الذي لم يفارق سبيلهما في تقصي الوقائع واستشفاف الحقائق بنور الله، الذي يفيضه على القلم النظيف، فيهز بما يكتب القلب المفتوح لأشعة الحق. لقد وفق المؤلف في هذا السفر إلى استجلاء كثير من الأسرار، التي لا يتوافر الحصول عليها إلا للصابرين على المطالعة والمتابعة والملاحظة، فهو حصيلة عشرات الكتب، وخلاصة لدراسات نفسية على الطبيعة، تغلغل بها إلى الأعماق من التيارات التي واجهها ويواجهها أثناء وجوده في الحكم، واستشرافه عن كثب للعوامل التي ألفت عناصر المأساة، ثم ما أعقبها من زعازع لا تزال تخض أعصاب الجيل فتبعثره بين مختلف المذاهب والجوانب، ولو شئت الإشارة إلى ل ما انطوى عليه هذا الجهد من الحسنات لاضطررت إلى الوقوف عند كل واحدة من صفحاته المائتين والسبعين، التي حفلت بالقبسات البارعة، والاستنباطات الرائعة، والتعابير المتألقة الماتعة، وما ذلك بالميسور في المحدود من السطور، فبحسبي إذن أن أوجه نظر القارئ منها إلى بعض النماذج الدالة على ما ورائها من الجمال، لينهض إلى استقصائها بنفسه فذلك أجدى عليه وأمتع له.

стр. 6794

في صدر الفصل الخاص بالتبشير والاستعمار مثلا يقف المؤلف على عمل المستشرقين في تمجيد ما يسمونه (التصوف الإسلامي) لقربه في زعمهم من المفهومات المسيحية (فهم لذلك يسوغون عقيدة الحلول والفناء عند الصوفية التي تدعوا إلى الرهبنة والانعزال والهروب من مشاكل الحياة، وصرف المسلمين عن فكرة الجهاد) [١] ومع أن المؤلف لم يطل وقفته هناك، فقد قدح بها رغبة القارئ في تتبع مجاري هذه المكيدة الاستشراقية، ليرى مدى نجاحها في استهواء العديد من طلابهم المسلمين، ودفعهم إلى التشبث بهذه الانحرافات، بعد أن تمكنوا من الاستحواذ على إعجابهم، فعادوا إلى مواطنهم يبثون في قلوب العامة وأشباههم هاتيك السموم، ويتعهدون تغذيتها بكل ما أوتوا من طاقة ونشاط.. ويتبع المؤلف آثار المستشرقين والمبشرين في أوساط البعثات التعليمية (التي عادت محملة بخمائر المذهبيات الأوربية..) وراحت تحقق أغراضهم في بث الخلافات الايديولوجية التي صدعت الشمل، ونشرت بذور التشكيك. وضرب على ذلك مثلا بطه حسين الذي حمل دعوة هؤلاء الشياطين للانفصال عن الإسلام، والاندماج في بناء الحضارة الغربية بعُجَرَها وبُجَرها.. ثم يخص بالذكر الشيخ علي عبد الرزاق، الذي يعرضه كعينة لما يمكن لعدوى الاستشراق والتبشير أن تعمله حتى في أفكار بعض علماء الدين. وينقل هنا رأي الدكتور محمد البهي في نقد كتاب هذا الشيخ (الإسلام وأصول الحكم) ومهاجمته فيما حواه حيث يلخص مضمونه بأنه دعوة صريحة لتهديم النظام الإسلامي بإبطال الجهاد، واعتبار الشخصية الجماعية في الإسلام قد انتهى أمرها بوفاة صاحب الرسالة ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ .

стр. 6795

ولقد أحسن المؤلف صنعا حين نقل في أمثال هؤلاء، الذين خربهم المستشرقون والمبشرون، شهادة (جان بول سارتر) في مقدمته لكتاب (معذبو الأرض) المترجم إلى العربية وفيها يقول (شرعت الصفوة الأوربية تصطفي فتيانا مراهقين، ترسم على جباههم بالحديد الأحمر مبادئ الثقافة الأوربية، وتحشو أفواههم بشعرات رنانة، ثم تردهم إلى ديارهم وقد زيفوا، واستحالوا أكاذيب حية [٢] ..) وإنها لشهادة دامغة لهؤلاء الناعقين بأبواق الغرب يطوقهم بعارها واحد من أساطين الهدامين الذين أسهموا في إفسادهم.. ومثل ذلك تصويره لخصائص اليهودية التي جمعت أولئك الشذاذ على إقامة إسرائيل حتى ينتهي بالقارئ إلى ذلك المشهد الرهيب حيث أحاطت جماهير اليهود بحائط المبكى، يوم السابع من حزيران لتقيم صلاة النصر، وهي تهتف بأصواتها المدوية: ليسقط.. اليوم انتهى محمد.. محمد مات وخلف بنات يالثاَراتِ خيبر!!! ثم يردف ذلك العرض الفاجع بهذا التقريع الصادع: (لم يهتفوا ضد ناصر أو الأتاسي أو عارف أو الحسين، أو غيرهم من قادة العرب وزعمائهم لأن هدف المؤامرة هو محمد والإسلام) . وإنها والله لكذلك.. فوا محمداه.. ووا إسلاماه!!! وبعد.. فتلك لمحات عجلى من روائع ذلك السفر لا تغني عن قراءته في تدبر. وأن عنوانه (الله.. أو الدمار) لأدل على مضمونه من أي محاولة لتعريفه إذ هو حشد من البراهين الحاسمة، تلاقى على صياغتها التاريخ والعلم والأحداث، والدراسات النفسية والاعترافات الصارخة، على أننا نحن العرب والمسلمين، بل البشرية أجمعون مهددون –بعد الضياع- بالدمار الماحق، إلا أن نعود إلى الله، ونعتصم بحبله الذي لا ينفصم: الإسلام. ولكم كنا نود لو تمت له ميزة السداد، فسلم من بعض الهفوات التي رأينا التنبيه إليها في هذا التعقيب، خدمة للكتاب، وتعاونا على الخير الذي يهدف إليه الكتاب.
следующие страницы →