← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

الأدلة والبراهين على حرمة التدخين فضيلة الشيخ إبراهيم محمد سرسيق المدرس بكلية الحديث والدراسات الإسلامية لقد أجمع من يعتد برأيهم من علماء الإسلام: أن التدخين وباء لا يقبل عليه العقلاء، واستندوا في تحريمه إلى عدد من النصوص الصريحة، التي تشير بأوضح بيان إلى حرمة التدخين وخطره على الإنسان، لما يسببه من الأضرار في النفس وفي المال، وهما من الجواهر الخمس التي تجب حمايتها على كل مسلم. أليس التدخين من الخبائث التي يجب أن تتنزه عنها أمة محمد ﷺ وهي خير أمة أخرجت للناس؟ إننا سنورد هنا من أقوال المختصين ما يوضح طبيعة التدخين الخبيثة، بحيث تنقطع كل شبهة في تحريمه على كل نفس مسلمة تخشى الله وترهب عقابه. ولنمض الآن في توضيح الأصول الأولى –التي تنبني عليها الحرمة بالأدلة الشرعية، ليعلم كل مدخن أنه إنما يعصى الله تعالى بكل لفافة تبغ ينفث دخانها بالهواء، في نشوة وخيلاء. أولا: إضاعة الصحة: لا يماري أحد من العقلاء في أن الصحة نعمة الله تعالى على عباده وأن الواجب شرعا: المحافظة عليها من أي أذى. ولهذا شرع الله التداوي من الأمراض والأوبئة. قال ﷺ : "تداووا عباد الله، فإن الله تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواءً، غير داء واحد: الهرم" [١] . ومن عجب: أن يرى الإنسان كيف تضيع صحته وعافيته –بينما هو مستمر في العكوف على هذا السم الزعاف: يحرق أصابعه، ويسل مدامعه ويبدد رحيق الحياة في جسمه، ويفسد عناصر الحيوية والوقاية في دمه، وقد حاء في الخبر: عن أم سلمة ﵂ قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر" [٢] . ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀:

стр. 6932

(فلما علم بالضرورة والتجربة والمشاهدة ما يترتب على شاربه غالبا من الضرر في صحته وعقله، وقد شوهد موت وإغماء وغش، وأمراض عسرة كالسعال المؤدي إلى مرض السل الرئوي ومرض القلب، والموت بالسكتة القلبية، وتقلص الأوعية الدموية بالأطراف، وغير ذلك مما يحصل به القطع العقلي: أن تعاطيه حرام. فإن العقل الصريح –كما يقضي ولابد بتعاطي أسباب الصحة والحصول على المنافع- كذلك يقضي حتما بالامتناع عن أسباب المضار والمهالك والمبالغة في مباعدتها، لا لا يرتبا في ذلك ذو لب ألبتة) [٣] ١هـ. ولبيان أهمية هذا العامل في التحريم القاطع –سوف نعود إليه بشهادات من الأطباء المختصصين، ليعلم عشاق الموت البطيء: أننا لا نخيفهم بأكثر مما يخيفون به أنفسهم بالفعل- لا بالكلام! ثانيا: إتلاف المال: وإتلاف المال بسبب التدخين عملية خطيرة ذات شقين: أولهما: خطر التدخين على المال الشخصي أو الفردي وثانيهما: خطر التدخين على الاقتصاد القومي. وبالنسبة للخطر الأول يعتبر التدخين ثغرة مفتوحة تتسرب فيها أموال طائلة ينفقها المرء يوميا بغير حساب، وينفقها في المقام الأول لإضعاف بدنه وإفساد صحته، فيدخل في عداد السفهاء الذين يجب فرض الحجر عليهم ومنعهم من حرية التصرف الفاسد بأموالهم، ثم إنه يحظى بصحبة شريرة وصداقة سخيفة مع نوع من أرذل مخلوقات الله وهم الشياطين: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [٤] وهذه الأخوة الشيطانية خليقة أن تجعل كل مدخن يستحي من ربه، ولا يستمرئ هذه الهواية التي هي عين الغواية، وأن يتوقف منذ اللحظة عن تعاطي هذه اللفائف التي هي أبوا ب الفساد والإتلاف. إذ لا شك أن المدخن يبتاع بماله ما يدخل الفتور والإضعاف على بدنه، فيجمع بين ضررين في وقت واحد! وإذا كان الإسراف في حد ذاته محرما، فكيف بمن يجعل الإسراف مدعاة للإتلاف والإضعاف؟

стр. 6933

علم الله إنه للجنون بعينه: أن ينساق المدخنون إلى حتفهم بظلفهم، وأن يسعوا بأنفسهم لشراء المنية بأموالهم! ورد في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات.. وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال". فلو لم يكن التدخين محرما لما فيه من كثرة الإسراف، فإنه لمحرم أشد التحريم لما فيه من الانتحار البطيء الذي يستنزف طاقة المدخن وعافيته حتى لا يكف عن السعال والهزال. خطر التدخين على الاقتصاد القومي ورد في (أمور بديهية عن التدخين: common sense about smoking ١٩٦٣) أن الباحثين توصلوا إلى أن الشخص الذي يبتدئ حياته التدخينية في حوالي السابعة عشر من عمره –ينفق في بريطانيا وحدها ما يقرب من (أربعة آلاف جنيه إسترليني) على التدخين. أي ما يعادل (ثلاثين ألف ريال تقريبا) على السيجارة وحدها. ومن المؤكد أن هذه المبالغ قد تضاعفت بسبب ارتفاع الأسعار. ويؤخذ من تقرير لجنة المستشارين لوزارة الصحة الأمريكية: أن المدخنين كانوا سببا في إشعال نيران الحرائق بنسبة أكثر من غيرهم، لأن كثيرا من المدخنين تطيش عقولهم فيذهلون عن عقب السيجارة..وقد يدهمهم النوم وهو مازال بين أصابعهم فيتسببون في إشعال النار في فراشهم، وبيوتهم يكونون هم أول الضحايا..! وكم من فنادق صارت أنقاضا، ومنشآت أصبحت رمادا، ومؤسسات انصهرت واحترقت فيها مئات الأجساد بسبب غفلة من مدخن، أوقعه سوء عمله في إهلاك نفسه وإهلاك من معه!! وقد أعلنت إحدى شركات التأمين: أن ثلاثين بالمائة من الحرائق التي توصل التحقيق فيها إلى معرفة الفاعل الأصلي –ثبت أن مرتكبيها هم مدمنوا التدخين.. فبالله اسمع وتعجب!! ألم ترى إلى كثير من المدخنين وقد اخترقت شرارة النار أثوابهم، وأحرقت السيجارة جلودهم أوسودت أصابعهم؟ ما أغناهم لو أنصفوا- عن كل هذا الجحيم!!

стр. 6934

ثالثا: الرائحة المنتنة: أخبروني أيها السادة، من منكم يستطيع أن يقترب من فم أحد المدخنين لمدة تزيد عن دقيقة؟ من منكم يطيق أن يدنوا من مدخن برائحة فمه المنتنة، التي سببتها ألوان التبغ الكثيرة فأصبح أسود الأسنان كريه العثنون، قبيح النفس –بفتح الفاء- صعود وهبوطا، كثير الشهيق والزفير كأنما حط من عبء كبير؟ كم من صف في الصلاة اضطرب حبله بسبب رائحة خبيثة انطلقت من فم مدخن فأصابت الجميع بالتقزز والاشمئزاز، وكانت سببا في إلحاق الأذى والضر بعباد الله دون ذنب جنوه إلا مجاورة هذه المدخنة المحترقة!! روى الطبراني في الأوسط عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "من آذى مسلما فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله" إسناده حسن وقد ورد في الصحيحين عن جابر ﵁ "إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس". ومعلوم أن الإسلام يرعى حرمة المجتمعات الإسلامية ويوصى بحسن التأدب لها وضرورة الالتزام الخلقي وعدم إلحاق الضرر بأهلها لاسيما تجمعات العبادة وأماكن الصلاة ما دام الدافع إلى ارتيادها طاعة الله والرغبة في الخير والثواب وإبراز وحدة المسلمين. وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن جابر مرفوعا "من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته".

стр. 6935

ولا شك أن رائحة الثوم والبصل أخف وطأة من رائحة التدخين المنتنة –لأن رائحة الثوم والبصل مؤقتة وليست دائمة، فهي تزول بتطهير الفم منها، ثم هي رائحة طعامين مباحين من أطعمة الله، وفي السنن: أنه ﷺ "أمر آكل البصل والثوم أن يميتهما طبخا". وقد أهدى إليه صلوات الله عليه طعام فيه ثوم، فأرسل به إلى أبي أيوب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، تكرهه وترسل به إلي؟ فقال: "إني أناجي من لا تناجي" [٥] وقد ذكر ابن القيم من فوائد البصل أنه يقوي المعدة، ويهيج الباءة، ويزيد في المني ويقطع البلغم، ويجلو المعدة- كما ذكر من فوائد الثوم: أنه هاضم للطعام، قاطع للعطش، مطلق للبطن، مدر للبول، يقوم في لسع الهوام وجميع الأورام مقام الترياق [٦] . أما التدخين، فما فوائده ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .! فالأفضل لكل مدخن أن يراقب الله في نفسه وفي معاشريه، وليعلم علم اليقين أنه يسبب غاية النفور لمن حوله من المرافقين والجلاس بما يحمل من قبح الرائحة ونتن الأنفاس، وحتى وإن أخفوا عنه حقيقة شعورهم نحوه، خوفا منه أو تأدبا معه. ولكن: هل يقلب التأدب الحق باطلا؟ أو الكراهية حبا؟ والسؤال بعبارة أخرى أكثر صراحة هو.. هل يعلم المدخن المفرط في التدخين حقيقة شعور زوجته نحوه؟ هل استطاع أن يدرك أهي قادرة على تحمل رائحة فمه أو هي تغالب نفسها في ذلك، وهل استطاع أن ينظف فمه قبل نومه أو تركه ينفث الخبائث والنتن في أرجاء المكان من حوله؟ تدبر ذلك يا أخي ثم تأمل كيف كان الصادق المصدوق صلوات الله عليه يدعو ربه فيقول "اللهم كما حسنت خلْقي فحسن خلُقي" ويقول "اللهم جنبني منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء، والأدواء". أخرجه الترمذي وصححه الحاكم واللفظ له. فصلوات الله وسلامه على من كان المثل الكامل للإنسانية الفاضلة. رابعا: تخدير الجسم بمادة ((النيكوتين))

стр. 6936

قبل كل شيء دعوني هنا أعلن معارضتي المطلقة لمن يدعون أن التدخين غير مفتر، وغير مخدر. لأن وقائع الأحوال كلها تؤكد أن الإدمان يبلغ بالمدخن حدا يفقد معه السيطرة على أعصابه تماما، ويبلغ هذا الحد أقصاه عندما يفقد المدخن علبة السجائر مثلا، فتراه هائجا كالمجنون يذرع الطرقات هائما على وجهه بحثا عن هذه المادة المخدرة.. التي تريح أعصابه بعد أن سرى السم إليها وأصبح عادة لها. وفي الحقيقية فإن الحقائق العلمية المعروفة عن هذه المادة مخيفة تماما، ونحن بدورنا نقدمها هدية إلى المدخنين، ليعرفوا في أي طريق من طريق الشر يسيرون. لم تكتشف هذه المادة إلا عام ١٨٢٨م اكتشفها عالمان ألمانيان هما: بوسلت Bosslet ورايمان Reimau وأطلقا على هذه المادة اسم نيكوتين Nicotin نسبة إلى رجل يدعى ((جان نيكوت Jean Nicot)) – (وكان سفيرا لفرنسا في البرتغال، وقد زرع هذه المادة في حديقة منزله مستهدفا تزيينها بأوراق التبغ الجميلة وأزهاره الجذابة) . وفجأة طارت الشائعات ببعض الفوائد الطبية لهذا النبات وسرعان ما فشا وانتشر في أوربا كلها. وكانت تلك هي البداية الخطيرة.. بعدها أصبح التبغ مبسما في كل فم، وذخيرة حية في كل جيب. النيكوتين هو المادة الفعالة المؤثرة في التبغ. وهو مادة سامة قاتلة، ويكفي منها خمسون ملليجراما للقضاء على أي إنسان في عدة ثوان. فإذا عرفت أن نسبة ما يوجد منها في السيجارة العادية حوالي خمسة ملليجرامات أدركت الموت البطيء الذي يتعرض له مدمن السيجارة والعياذ بالله. وقد أورد بعض الباحثين دليلا على شدة امتصاص الجلد المخاطي لسم النيكوتين: ((أنه لو وضع عدد من نقط النيكوتين على لسان إنسان، لكان ذلك كافيا لقتله في عدة ثوان. فكيف بمن يصل النيكوتين إلى أمعائه، ويتوزع على سائر أجزاء جسمه الداخلية وأعضائه؟)) ..

стр. 6937

ومع أن كل جرام من التبغ –يحتوي على عشرين ملليجراما من النيكوتين فإن كمية النيكوتين ترتفع في ثلث السيجارة الأخير إلى ٤٠% وهي المنطقة المسماة (منطقة التكاثف: kondensation) أما في ((عقب السيجارة)) فتقفز هذه النسبة إلى ٦٠%. ويتزايد الأمر خطورة عند عملية التدخين نفسها، فإن جرام التبغ المتوهج يا عزيزي المدخن، يبعث إلى فمك ما يصل إلى ٧ ميللجرامات من تلك المادة السامة ((النيكوتين)) . هذا بخلاف السموم الأخرى، التي تؤدي إلى الشعور بحرارة في المعدة، وجفاف في الحلق وإحساس بصعوبة النفس، وفقدان الوعي الناتج عن تسارع النبض وهياج الأعصاب وزيغ البصر والسمع. ولا شك أن هذه المادة بما تحويه من عناصر مخدرة ومفترة- هي ما يحملنا على الجزم بأن التدخين مخدر، بل هو من أشد المخدرات فتكا بالإنسان، ولا يتطلب في ذلك سوى يد تمتد إلى صندوق لتخرج منه أنبوبة السم الفتاك، وتظل تتراقص بين شفتيه وهو هائم بها مفتون، حتى يؤول به الأمر إلى أن يسقط في النهاية مصروعا، وقد سرى في سائر جسده سم الأفعى. يقول الشيخ محمد ابن إبراهيم ﵀ (ولذلك يتركه كثيرا من الناس خوفا من ضرره وكراهية لرائحته، وقد يعلقون طلاق نسائهم على العودة إليه، يريدون بذلك تركه نهائيا، فإذا حمل إليهم وقت الحاجة لم يستطيعوا الإعراض عنه أبدا، بل يقبلون عليه بكلياتهم كل الإقبال ولو طلقت نساؤهم فله سلطان عظيم على عاشقيه وتأثير على العقل، وذلك أن شاربه يفزع إلى شربه إذا نزل به مكدر فيتسلى، ويذهل العقل بعض الذهول) ا. هـ. ويقول الشيخ ﵀ في شرح طريقة عمل النيكوتين في إفساد الجسم:

стр. 6938

(وقد أثبت الأطباء له مضار عظيمة وقالوا إنها تكمن في الجسم أولا ثم تظهر فيه تدريجيا، وذكروا أن الدخان الذي يتصاعد عن أوراق التبغ المحترقة يحتوي على كمية وافرة من المادة السامة –هي النيكوتين- فإذا دخل الفم والرئتين أثر فيهما تأثيرا موضعيا وعموميا، لأنه عند دخوله الفم تأثر المادة الحريفة السامة التي هي فيه- في الغشاء المخاطي، فيهيجه تهييجا قويا، وتسيل منه كمية زائدة من اللعاب، وتغير تركيبه الكيماوي بعض التغيير بحيث يقل فعله في هضم الطعام، وكذلك تفعل في مفرز المعدة كما فعلت في مفرز الفم- فيحصل حينئذ عسر الهضم. وعند وصول الدخان إلى الرئتين عن طريق الحنجرة تؤثر فيهما المادة الحريفة فتزيد مفرزهما، وتحدث فيهما التهابا قويا مزمنا.. فيتهيج السعال حينئذ لإخراج ذلك المفرز الغزير الذي هو البلغم- ويتسبب عن ذلك: تعطل الشرايين الصدرية، وعروض أمراض صدرية يتعذر البرء منها، وما يجتمع على باطن القصبة من آثار التدخين الكريهة الرائحة يجتمع مثله على القلب: فيضغط على فتحاته ويصد عنه الهواء فيحصل حينئذ عسر التنفس، وتضعف المعدة، ويقل هضم الطعام، ويحصل عند المباشر له الذي لم يعتد دوار وغثيان وقيء وصداع، وارتخاء للعضلات ووهي للأعصاب ثم سبات.. وهي كناية عن حالة التخدير الذي هو من لوازم التبغ المتفق عليه- وذلك لما يحويه من المادة السامة) ا. هـ. إن الخطورة الكبرى لحالة التخدير التي يسببها التبغ –ليست في كونه مغيبا لعقل شاربه فقط، بل في كونه مهيئا له إتيان المنكر بشتى أنواعه. نعم، فإن من الحقائق المعروفة في علم النفس الجنائي: أن الجاني يتغلب على تردده في ارتكاب الجريمة بتعاطي بعض المخدرات، وحين يفقد وعيه ويضيع توازنه -يصبح قادرا بغير شعور على ارتكاب المحظور! وكم من وقائع وصل فيها المجرم إلى مرحلة الهياج- وكان التحكم في المخدر وسيلة ناجحة لإذلاله وتحطيم معنوياته.

стр. 6939

ولعل القرآن الكريم يشير إلى ذلك –والله أعلم بمراده- في قوله سبحانه ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ وهو أحد الرأيين في تفسير جزء الآية. يقول الشوكاني ﵀: أي تناول الناقة بالعقر فعقرها أو اجترأ على تعاطي أسباب العقر فعقر. ١هـ وهذا الرأي الثاني أقرب والله أعلم إلى نظم الآية، لأن من المعلوم لدى البلاغيين: أنه قد يقصد تعلق الفعل بمفعول غير مذكور، ولابد من تقديره، إن عاما فعام وإن خاصا فخاص. ومثاله قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ أي يدعو كل مكلف. وقوله سبحانه ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِه﴾ أي أحدا- ولما كانت أسباب العقر ومقدماته والعوامل المساعدة عليه كثيرة، ناسب أن يحذف المفعول لقصد التعميم مع الاختصار، ويستأنس لهذا الاتجاه في معنى الآية بأن التعاطي هو تناول الشيء بتكلف، والتكلف للشيء هو الاستعداد له ولأخذ بأسبابه مع مجاهدة ومكابدة. وهذا أيضا تصوير لواقع وطبيعة المدمن الذي نفسه ضد طبيعتها الأصلية، ويروضها بوسائل الإفتار والإسكار لتقوم بما ليس من شيمتها أن تقوم به، ومن ثم يأتي المجرم في عاقبة أمره أن يتعرف بما صدر عنه في حالة فقدان الوعي. ولله في خلقه شئون. خامسا: تعريض الجسم للتهلكة بسرطان الرئة: لم يعد هناك أدنى شك في أن للتدخين سبب قوي من أسباب الإصابة بسرطان الرئة. هذه نتيجة علمية أسفرت عنها بحوث الهيئات الطبية المتخصصة في جميع أنحاء العالم. وكانت إشارة الخطر الأولى المنذرة بوجود علاقة أكيدة بين السرطان وبين الفحم ومشتقاته –هي شيوع ((سرطان الصفن)) بين كثير من منظفي المناجم، الأمر الذي لفت انتباه السير ((بير سفال بوث)) عام ١٧٧٥م. وأعقبت ذلك ظاهرة مشابهة لدى عمال المناجم في ساكسونية: حيث فشت الإصابات فيهم نتيجة التأثير نفسه مما جعل الأطباء يهتمون بدراسة المرض ومعرفة أسبابه المباشرة.

стр. 6940

وهناك حقيقة مؤسفة بهذا الصدد: وهي أن السرطان الرئوي داء خبيث، لا يتم اكتشافه في العادة إلا بعد أن تتضح آثاره خارج الرئة نفسها، مما يجعل أربعة من كل خمسة أشخاص يصابون به لا يمكن تداركهم في الوقت المناسب فيواجهون القضاء المحتوم ولهذا السبب أعلن مجلس الأبحاث الطبية في بريطانيا عام ١٩٥٧م ((أن التفسير الوحيد المقبول لازدياد الوفيات بحوادث سرطان الرئة لدى الرجال في الخمس والعشرين سنة الأخيرة هو أن الازدياد ناتج في غالبيته عن التدخين، لاسيما التدخين الشديد؛ (أكثر من عشرين سيجارة يوميا) . وفي الدراسة المشار إليها آنفا: Common sense about smoking إحصائية تقول: إن عدد الموتى في سنة واحد -مصابين بسرطان الرئة- هم ثلاثة وعشرون ألفا عام ١٩٦٢م. وأنه قد مات في بريطانيا حتى عام ١٩٦٣م أكثر من (ربع مليون شخص) بسبب التدخين. وكل شيء بقضاء الله وقدره. وجدير بالذكر هنا: أن جمعيات السرطان التي تكافح هذا الوباء في كل مكان –تؤكد للعالم كله، أنها لا تنطلق في نشاطها المعادي للتدخين من دافع ديني أو اجتماعي أو أخلاقي، وأنها إنما تنبعث من دافع واحد فقط: وهو خطر التدخين على الناحية الصحية ذلك الخطر الذي يشتد ويتزايد مع بلع الدخان، أو الإصرار على إخراجه من الأنف، أو التدخين قبل تناول الطعام مطلقا، أو التدخين في الغرف المغلقة بصفة عامة وغرف النوم بصفة خاصة. وحيث قد تأكدت علاقة التدخين بالسرطان الرئوي، فلم يعد ثمة مجال للقول بغير التحريم المطلق للتدخين بحكم كونه مفضيا إلى التهلكة المنهي عن الوقوع فيها بالنص القرآني ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ .

стр. 6941

وبقوله سبحانه ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ .وقد أجمع على ذلك الأطباء المهرة من العدول وغيرهم، الذين ثبت لهم من البحوث التجريبية والمعملية بما لا يدع مجالا للشك أن التدخين خطر على الحياة نفسها، مما يدخله مدخل الانتحار المحرم. لماذا يشيع التدخين بين الشباب؟ لا أظن أن الآباء وكبار الأولياء قد جنوا على النشء البريء جناية أفدح ضررا ولا أعظم خطرا ولا أسوأ أثرا من تلقينهم الدروس الأولى في التدخين، وذلك منذ أرسلوهم ليبتاعوا لهم علب السجائر أول مرة، ثم استمرءوا بعد ذلك إشعالها وتدخينها على مرأى ومسمع أبنائهم الصغار، الذين تحتل غريزة المحاكاة مكانا أساسيا في طباعهم: على ما كان عوده أبوه وينشأ ناشئ الفتيان منا وقد نشرت مجلة النيوزويك الأمريكية تحقيقا بتاريخ ٨/٤/١٩٦٨م أثبتت فيه أن أهم سبب يدعو الشبان إلى التدخين هو ((تقليدهم لأفراد الأسرة)) وخصوصا الأب، والأخ الأكبر. وأن نسبة هؤلاء الشبان هي ضعف نسبة الأولاد الآخرين.. من آباء غير مدخنين. وجاء أيضا في تقرير موجز للكلية الملكية للأطباء في بريطانيا عن التدخين والصحة Smoking and health أنه قد ثبت علميا، من الدراسات التي أجريت، أن نسبة الوفيات بين من بدءوا التدخين قبل سن العشرين أكبر مما هي عليه بين الذين بدءوا التدخين بعد سن العشرين. ((أثر التدخين في التخلف الدراسي)) هناك إحصائية علمية قام بها عدد من الباحثين أبرزت نتيجتين هامتين: أولاهما: وجود علاقة قوية بين التدخين، وبين حدوث التخلف الدراسي لدى الطلاب المدخنين ((والمقصود بالتخلف الدراسي: انخفاض نسبة التحصيل دون المتوسط العام بانحرافين معياريين سالبين، حيث نسبة التحصيل = العمر التحصيلي × ١٠٠ [٧] . العمر الزمني

стр. 6942

وثانيتهما: امتياز غير المدخنين في الألعاب الرياضية والمجالات المهنية على المدخنين، نتيجة لانخفاض طاقة القوة في عضلات المدخنين بنسبة تتراوح ما بين ١٥% و٣٢% عن زملائهم، مما يؤثر في قوة تحملهم وصلابة عضلاتهم أما في المواد العلمية فقد وجد الباحثون أن درجات غير المدخنين تعلوا بنسبة تصل إلى ٢١% عن درجات زملائهم المساكين من ضحايا التدخين. ولم يكن ذلك راجع إلى مزيد من الاجتهاد لدى الممتنعين عن التدخين، ولكنه راجع في الحقيقة إلى الهمود العقلي والتفكك الذهني لدى أولئك الضحايا، حيث يعيشون جل أوقاتهم في تشتت فكري، وضياع للأفكار، وعدم القدرة على التركيز، وضعف في الذاكرة، واضطراب في الفهم. وفي كتيب نشرته ((الجمعية الأمريكية للسرطان)) -عرضت قصة طفل كانت أمه تدخن، ومنها تعلم تدخين السيجارة الأولى، فلما قام بزيارة لأحد معارض الجمعية وشاهد الأخطار المفزعة التي يتعرض لها المدخنون- تأكد لو أنه استمر المقطوع الحالي للسجائر في البلاد على ما هو عليه- فإن ((مليون شخص من اليافعين)) الذين مازالوا حتى اليوم على مقاعد الدرس، سوف يموتون من سرطان الرئة! كيف توقف التدخين؟ ١- ليس ثمة ما يضمن نجاحك في إيقاف التدخين بعد اعتمادك على الله تعالى، واستمدادك العون منه وحده- سوى عزيمتك القوية، وإرادتك الصارمة، مثل الغريق الذي يجد من حوله أمواجا كالجبال، فيضرب البحر بذراعه المفتولة وصدره العريض حتى يجد نفسه على شاطئ النجاة: فقد خسر القليل من الجهد، وكسب أعظم الأشياء وأثمنها: وهو النجاة من الموت غرقا. وبدون هذه الإرادة الشخصية وحدها، لن تفيدك عشرات النصائح، ولا مئات الإحصائيات عن عدد الضحايا.

стр. 6943

إنك لم تعد مجرد إنسان مدخن، بل صرت عبدا خاضعا لشر العادات، عادة التدخين التي تفتك بكل شيء، وأهم شيء: وهو قوة العزيمة. ونقطة البدء في صراعك مع التدخين، هي أن تستنقذ هذه الإرادة المسلوبة من براثن الداء، وبعدها يسهل عليك كل شيء بإرادة الله. ٢- لا تنس أبدا أن التدخين مجرد عادة يمكنك أن تستبدل بها غيرها، بتغيير المكان، أو الغياب عن العصبة المدخنة، أو تغيير المناخ والقيام ببعض الجولات والرحلات، والتسلي بهوايات جديدة مفيدة يغلب عليها الطابع الحركي الذي لا يترك للسيجارة مكانا بين إصبعيك، ولا فرجة بين شفتيك. وعندئذ تصبح السيجارة مجرد ذكرى كئيبة تطردها الأيام والأعمال عن مخيلتك. ٣- سوف تجد من شياطين الإنس من يقول لك: إن الإقلاع عن التدخين مسألة أعقد من ذنب الضب، بل هو من المستحيلات! فإن لقيت مثل هذا فاعلم أنه الصديق الجهول، الذي خير منه العدول العاقل. وضع نصب عينيك أن الكف عن التدخين إنما هو طاعة لله تعالى قبل أن يكون شيئا آخر. وفي ذلك يقول الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵏ (فلا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلتفت إلى قول أحد من الناس إذا تبين له كلام الله وكلام رسوله في مسألة من المسائل، وذلك لأن الشهادة (بأنه رسول الله) تقتضي طاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وتصديقه فيما أخبر) ا. هـ. وقد أفتى الشيخ خالد بن أحمد من فقهاء المالكية بأنه لا تجوز إمامة من يشرب التنباك، ولا يجوز الاتجار به، ولا بما يسكر ا. هـ. وبذلك يستقر في الذهن أن التدخين محرم، والإصرار عليه كبيرة، حيث من المقرر لدى أهل العلم أن الصغيرة تعطى حكم الكبيرة بالإصرار عليها، أو التفاخر بها، أو بوقوعها من ذوي الولايات الدينية ومن يقتدى بهم ويحتج بفعلهم أو قولهم أو سكوتهم من العلماء والقضاة والأئمة وأهل الفتوى.

стр. 6944

٤- إذا لم تقلع عن التدخين من الآن فلسوف يجبرك الأطباء غدا على إيقافه، وعلى إيقاف تناول مجموعة أخرى معه من أحب الأطعمة والأشربة إلى نفسك، بعد أن يكون الخطر قد زاد، والضرر قد استشرى:! فهل فكرت حين يتقدم بك العمر وقد تسارعت ضربات قلبك، وانسدت أوعية دمك، وارتفع معدل ضغطك، وأصابك الهزال والضعف والصداع والرعشة؟ هل فكرت وأنت تهرب من رائحة الأخشاب والأعشاب المحترقة- أنك تسمح لدخان هذه الأعشاب والأوشاب أن يسري في دمك، ويتسلل إلى رئتيك..؟ ٥- قبل أن تمد يدك إلى السيجارة في الصباح وقبل الإفطار، تناول كأسا من الليمون المر، فهذا أكبر مساعد لك على إيقاف التدخين طوال فترة الصباح. ثم اجعل معك من التين أو التمر ما يغنيك عن تناول علبة اللفائف الكريهة، فكم لها من مزايا في طرد السموم. ويضيف ابن القيم إلى التين أنه أغذى من جميع الفواكه، وينفع خشونة الحلق والصدر وقصبة الرئة، ويغسل الكبد والطحال، وينقي الخلط البلغمي من المعدة، ويغذي البدن غذاء جيدا. كما يقول عن التمر: وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن بما فيه من الجوهر الحار الرطب، وأكله على الريق يقتل الدود، فإنه مع حرارته فيه قوة ترياقية، فإذا أديم استعماله على الريق جفف مادة الدود وأضعفه وقلله أو قتله، وهو فاكهة وغذاء ودواء وشراب وحلوى. وقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: "من تصبح بسبع تمرات لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر" وقال "بيت لا تمر فيه جياع أهله". كما وأنصحك أيضا بالكف عن تناول اللحوم مؤقتا حتى تنجح محاولتك في قهر عدوك، فإن التدخين أكثر ما يكون استجابة لطعام غذي باللحوم.

стр. 6945

٦- وإني لأناشد الهيئات الصحية المختصة أن تفكر في فتح عيادات لعلاج التدخين.. مثل العيادات التي فتحها في السويد ((دكتور بورجي أيروب Dr. Borje Eyrup)) وعالج بواسطتها ((ستة آلاف مدمن)) عن طريق الحقن المهدئة للأعصاب، وحقن النيكوتين اليومية، التي أعطت نتيجة حاسمة بعد عشرة أيام فقط من بدء العلاج، وأعطت دفعة قوية من الأمل في القضاء على هذا الوباء الملعون! نداء إلى شباب الإسلام..! أيها الشباب المسلم.. إني أخاطبكم بما للإسلام عليكم من حقوق، وبما عليكم نحوه من واجبات، وأولها أن تحفظوا عقولكم من الخلل، وأجسادكم من المرض، ونفوسكم من الأهواء والشهوات. افتحوا أعينكم جيدا على الخطر الداهم الذي يشتعل نارا بين أصابعكم. إنكم لم تولدوا والسيجارة في أفواهكم، بل اكتسبتم التدخين باعتباره عادة من أسوأ العادات في مجتمعكم: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . ألا وإن أقبح عادة فيكم هي أن تكونوا عبيدا لعادتكم.. فاستخدموا هذه الجوارح الطاهرة فيما خلقت لأجله، ولا تجعلوا أفواهكم النظيفة مداخن للشيطان ينفث منها سمومه لتفسد الهواء النقي، وتستذل الأنفى الحمى، وتصيب البلاد والعباد بالأوبئة الفتاكة، وتفسد بهاء الأسنان بالصدأ المثير للغثيان. ألم تروا ما سببه التدخين لآبائكم وإخوانكم وذويكم من أمراض وعلل قليلها ظاهر، وكثيرها مستور؟ أليس من المخزي بالنسبة لكم أن تسلكوا نفس الطريق المفضي إلى الدمار وأنتم تشاهدون الضحايا على الجانبين؟. واخيبة أمل الإسلام فيكم، إذا دعاكم للجهاد فلم يجد فيكم غير رئات مسلولة، وأياد مغلولة، وأجساد عليلة، وشيوخ يرتدون ثياب الشباب!

стр. 6946

نريد أن تبقى أخطار التدخين حية في وجدانكم على الدوام. نريدكم أن تضعوا رقابة العلي الأعلى نصب أعينكم فهو الله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ونريدكم أن تكونوا رقباء على أنفسكم قبل أن يكون أولياء أموركم رقباء عليكم، فتعسا للبشر إذا لم يرعوا حق رب البشر.. ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإثم وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثم سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ . -------------------------------------------------------------------------------- [١] رواه أحمد في مستنده، وأبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح. [٢] رواه الإمام أحمد وأبو داود، وقال الحافظ العراقي: إسناده صحيح، وصححه السيوطي في الجامع الصغير. [٣] راجع فتوى الشيخ ﵀ بتحريم شرب الدخان. [٤] سورة الإسراء: ٢٧. [٥] الطب النبوي لابن القيم ص ٢٢٧ ط بيروت. [٦] المرجع نفسه ص ٢٢٣، ص ٢٢٧. [٧] د. حامد زهران: الصحة النفسية والعلاج النفسي. ط أولى: ص ٤٧٨.

стр. 6947

رسائل لم يحملها البريد لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي الأستاذ المساعد- بكلية الشريعة والدي العزيز: لشد ما يحزن القلب ويحزب النفس أن أكتب إليك اليوم أني قد تزوجت، وأني قد تزوجت فتاة مسيحية ليس بينها وبين الإسلام نسب ولا سبب، وأنها أجنبية الدم وليس لها في ديار العرب جدود ولا أرحام.. لقد تزوجت منذ ثلاث سنوات خلت، ولكني كتمتك الخبر خشية أن ينقطع عني عونك المتواصل، ويتخلى عن جيبي مالك المتدفق، أما اليوم فقد أصبحت طبيبا أتدرب في أحد المستشفيات، وآخذ راتبا يكفيني ويزيد، وتخرجت زوجتي في كلية الآداب وأصبحت مدرسة في إحدى المدارس الثانوية، وفي مرتبها ما يزيد مالنا قوة على قوة، ووفرا على وفر. والدي العزيز: سوف تقرأ هذه الرسالة مرة بعد مرة، وفي كل مرة ترجع البصر كرتين تتعرف توقيعي الماثل في ذيل هذه الرسالة، وتتبين اسمك الكامل الذي أخطه على وجه الغلاف، وسوف ترجوا في كل مرة أن تكون هذه الرسالة قد كتبها كاتب غيري، أو أن تكون قد وقعت بين يديك عن خطأ وغفلة من موزع بريد. رفقا بنفسك يا والدي العزيز، وأمسك عليك بقايا بصر كاد يؤدي به مرض السكر، فما بك من حاجة إلى أن تقرأ هذه الرسالة أكثر من مرة، كل ما فيها صدق لا يشوبه كذب، وحق لا يعتريه باطل، وهذا التوقيع الذي تحدق فيه وتحملق هو توقيع ابنك لا شك ولا زيف. سوف تتهمني يا والدي العزيز أني قد عققتك ودلست عليك، وأني لم أك ذلك الولد البار الذي كنت تتوقع وتؤمل، سوف تتهمني بالخداع والمراوغة، أظهرت لك خلاف ما أبطن، وقلت لك قولا لم أكن به أومن، حتى إذا ما انتهت حاجتي إليك وأصبحت ذا غناء عنك، سقط النقاب عما كنت أخفيه، وأفصح اللسان عما كنت أطويه.

стр. 6948

الحق يا والدي العزيز أني لم أك عاقا لك ولا مدلسا عليك ولا مخادعا مراوغا، لقد كان علي أن أسلك أحد سبيلين: سبيل الفاحشة التي حرم الله، وليس لها من عقبى سوى الخسران والضياع، أو سبيل هذا الزواج الذي تكره، ولقد اخترت ما فيه عصمت لديني ورعاية لخلقي وزلفاي إلى الله، وهذا الخيار على فيه من مشكلات قد تحدث في المستقبل البعيد هو –فيما أعلم- خير عند الله وخير عند الناس وأحسن عاجلة وأفضل عقبى. أما خيارك الثالث في الانتظار الطويل حتى أتخرج فلم أستطع عليه صبرا، وكيف يستطيع شاب مثلي غرثان مرمل ناهز الثلاثين من العمر، تعرض عليه اللحوم البشرية عارية تفيض غضارة ونضارة، وتناديه من عن يمينه ويساره على مقاعد الدراسة، وتلقاه وجها لوجه في الحدائق العامة والشوارع المزدحمة، وتنتظره من خلفه حيث يسكن ويأكل وينام، كيف يستطيع شاب مثلي هذه حاله أن يظل سبع سنوات: صائما بلا طعام، حيا بلا حس ولا قلب. ما أسهل الحرب على النظارة يا والدي العزيز! وما أصعب غمارها وأشد أوارها على أولئك الذين يصطلون بنارها ويفغم أنوفهم دخانها وغبارها!! لقد طلبت إليك منذ أربع سنوات أن أتزوج فتاة من بلادي وجنسي، وعلى ديني وحسي، ولكنك أبيت كل الإباء، ورفضت بعنف وشراسة تهدد وترعد وتوعد، فلم أستطع إلا أن أسكت على خوف، وأظهر الرضا على مضض، وفي القلب لهيب حب تحت الرماد، وفي النفس حسرات هوى تكاد تقتل. ما أكثر ما كنت تعزيني عن ذاك الزواج وأنا أجلس إلى جوارك حزينا مطرق الرأس فتقول: صبرا صبرا يا بني، غدا تصبح طبيبا، وسوف أفتح لك عيادة في أوسع شوارع عمان وأكثرها ازدحاما وحياة وحركة، وسوف أعلق فوق باب العيادة لافتة كبيرة كتب عليها بخط كبير جميل اسمك مقرونا باسمي واسم العائلة، وسوف أزوجك فتاة من إحدى العائلات المعروفة ذات الصيت البعيد والسمعة الطائرة والسلطان الواسع.

стр. 6949

لن يقفل في وجهك باب يا بني حين تكون طبيبا، ولن يرد الناس لك طلبا، كل فتاة في عصرنا الحاضر تود لو تصبح ذات يوم زوجا لطبيب، وكل أم تقول لجارتها وهي ترضع طفلها وتمسح يديها على رأسه إن ابني هذا سيكون طبيبا. يا بني ستكون رجلا مشهورا حين تكون طبيبا، فكيف ترضى أن تكون زوجا لفتاة مغمورة لا يكاد يعرف أهلها أحد، سوف تعض على يديك ندما وحسرة يوم ترى ما بينكما في المستقبل، ولن ينفعك يومئذ حسرة ولا ندم. ما أكثر ما كنت تقول يا والدي وما أكثر ما كنت تؤمل، ولقد كنت حريصا على أن أكون عند ظنك وألبي نداء نفسك وأجيب هتاف قلبك، ولكن البيئة التي أعيش فيها سدت الطريق أمام ما كنت تؤمل وأمام ما كنت أريد. من الآباء يا والدي العزيز طائفة كانوا يودون لو يكونون في هذه الحياة شيئا مذكورا، فقصرت بهم العزائم أو حالت دون أمانيهم أحداث قاسية ومطالب عيش لا ترحم، فهم يريدون أن يعوضوا أنفسهم ويعزوها بأن يروا ما فقدوه حياً ماثلا في أبنائهم، فتراهم يرسمون لهم الخطط، ويضعون لهم معالم الطرق، ويصبون النصائح في آذنهم صبا، ويلقون عليهم الأوامر والنواهي كأنهم جنود يعيشون في ثكنات عسكرية. ولكن كثيرا من أولئك الأبناء الذين يعيشون في بلاد أجنبية الدم والدين يكونون في شغل شاغل عما يريده آباؤهم: وإني وإياها لمختلفان هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى

стр. 6950

على أنني سوف أسلك طريقا لعله يرضيك أو يخفف عنك ما بك، طريقا ما كان يخطر لي على بال من قبل وما كان ليخطر لك أنت أيضا على بال، ولكن هذا الزواج الذي نقمته هو الذي ساقه إلي وجعله سهلا لا حبا أمام عيني، سوف آخذ جنسية هذه البلاد التي تعلمت في جامعاتها وتزوجت إحدى فتياتها وهأنذا اليوم طبيب في إحدى مستشفياتها، وبهذه الجنسية أستطيع العودة إلى وطننا الذي أخرجنا منه وإلى المدينة التي ولدت فيها وإلى دارنا المهجورة المغلقة الأبواب، وسوف أتخذ شقة من شققها سكنا وأتخذ من أخرى عيادة، وسوف أضع على مدخل الدار لافتة كبيرة أكتب عليها اسمي مقرنا باسمك وباسم العائلة كما كنت تأمل وترجو، وسوف تكون هذه الأسماء كبيرة الحروف جميلة الشكل واضحة الرؤية إلى درجة أنها تقرأ بسهولة من الشارع المجاور، وسيأتي يوم –أسأل الله ألا يكون بعيدا- تسترد فيه بعون الله تعالى تلك الأرض المغصوبة وتلك المدينة المنكوبة، وحينئذ تستطيع أن تجلس في حديقة الدار صباح مساء كما كنت تجلس من قبل، وسوف يشير الوافدون على عيادتي للاستشفاء وهم يعبرون الحديقة جيئا وذهابا، سوف يشيرون إليك بأطراف البنان وهم يتهامسون: والد الطبيب. قد تحسب هذا خيالا أسوقه إليك ابتغاء مرضاتك وتخفيف وقع هذا الزواج على نفسك، أحسب يا والدي الحسبان الذي تشاء، وظن الأمر كما تريد وتهوى، فهذه هي الحقيقة قد جلوتها عليك واضحة، وهذا ما آل إليه أمري قد صورته لك صادقا قد تقول وأين كانت هذه الحقيقة من قبل، ولم تصور لي ما آل إليه أمرك منذ البداية؟! ولم كلفتني نفقات زواجك ثلاث سنوات وأنت على يقين أني غير راضي عنه؟! الناس يا والدي العزيز يحبون الحق ويحرصون على العدالة حين ينصبون أنفسهم حكاما وقضاة، أما حين يكونون غير ذلك فما أكثر ما تقف العدالة والصراحة وكلمة الصدق على أبوابهم طويلا تطرقها وتطرق وتطرق فلا يأذنون لها ولا يعتذرون.

стр. 6951

لقد عشت أنت أيها الوالد العزيز أكثر من ثلاثين عاما موظف دولة، أما حدث ذات مرة أن أمسكت عن قولة الحق وإبداء رأي الصدق حين كنت ترى بعض رؤسائك يبغون الأمور عوجا ويعرضون الأمر مبتسرا فجا، ألم تك تنفذ بعض الأوامر وأنت تعلمها جائرة، وتمضي بعض المعاملات على ما فيها من باطل، ألم يحدث ذات مرة أن فعلت شيئا من ذلك حرصا على راتبك وإبقاء على وظيفتك؟! على أنك لست في هذا بدعا بين الموظفين ولا فردا بين الناس، فالموظفون كثيرا ما يقولون الكذب وهم يعرفون أين يكون الصدق، ويأتون الباطل وهم يبصرون طريق الحق، ويعتذرون عن ذلك بلقمة الخبز لأفراد الأسرة، وكسوة الصغار الذين يدرجون في البيت، وتعليم الكبار الذين يغدون على المدارس، ولا يذكرون حق الدين وحق الفضيلة إلا كما يذكر الموتى وأسقاط المتاع. علم الله أني لم أقصد بهذا إساءة إليك، ولا كشف منقصة فيك، ولا إذاعة عيب عنك، وأنىً لي هذا؟! ولكن الشيء بالشيء يذكر، والحديث ذو شجون. وفي ختام هذه الرسالة أقول: من الخير يا والدي العزيز أن تسمح لابنك هذا بالعودة، وأن تفتح أبواب بيتك لاستقباله، وأن تمد جناح العطف والرحمة على هذا الزواج. من الخير أن تسمح لهذا الولد الغريب أن يعود إلى بيت أبيه وأمه، ومن الخير أن تجد هذه الزوجة الأجنبية أبواب البيت لها مفتوحة، والقلوب التي في الصدور لها مشروحة.

стр. 6952

وإذا كنت تبتغي رضا وثواب الآخرة حقا، وتحب ألا يضيع ما أنفقته سدى، فمد أجنحة الحنان والرحمة على هذا الزواج، وافتح الطريق أمام هذه الزوجة الحائرة كي تتعرف الإسلام من الواقع الذي تعيش فيه أسرتنا وأسر أخرى تهتدي بهدى الإسلام وتستضيء بنوره، غربها عن هذه البيئة التي تمسك بيدها كلما همت أن تمدها إلى الإسلام، غربها عن هذه البيئة التي تشد قدميها إلى الأرض كلما همت أن تسير على طريقه، أنقذ أولادنا من أن يصبحوا على غير دين أو على دين لا يعرفون من شريعته حكما ولا من قرآنه حرفا، أنقذني أنا من قبل أن أنسى مناسك ديني ومن قبل أن يصبح قلبي خاليا من الإيمان، تذكر قوله تعالى ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقوله تعالى ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ . ابنك البار

стр. 6953

الحضارة الإسلامية لفضيلة الشيخ أحمد عبد الرحيم السايح لفظ الحضارة في مفهومه الحديث، ومفهومه العالمي المعاصر، قد أصبح أكثر اتساعا، مما كان يدل عليه في مفهومه اللغوي التقليدي.. وإذا كان أصل الحضارة: الإقامة في الحضر. فإن المعاجم اللغوية الحديثة، ترى أن الحضارة هي: الرقي العلمي، والفني، والأدبي، والاجتماعي، والاقتصادي في الحضر.. وبعبارة أخرى أكثر شمولا، هي: الحصيلة الشاملة للمدنية، والثقافية، والفكر، ومجموع الحياة، في أنماطها المادية والمعنوية.. ولهذا كانت الحضارة هي: الخطة العريضة –كماً وكيفاً- التي يسير فيها تاريخ كل أمة من الأمم، ومنها الحضارات القديمة، والحضارات الحديثة والمعاصرة.. ومنها الأطوار الحضارية الكبرى، التي تصور انتقال الإنسان أو الجماعات، من مرحلة إلى مرحلة.. ولئن كان الإسلام قد امتاز بأنه دين الحضارة الإنسانية، فإن الواقع يبين للباحث والمفكر، والدارس، أن الحضارة الإسلامية استمدت كل مقوماتها، وعناصر وجودها، وأسباب نمائها وازدهارها، من الإسلام ذاته.. والإسلام كان ولا يزال دين الحضارة والإنسانية، بمعنى أنه كان منذ نزوله دين عبادة، ودين معاملة، وأنه أنشأ لونا من الحضارة، عرف باسمه، وهو الحضارة الإسلامية.. لهذا نجد أن المستشرقين مدفوعين بدوافع شتى، قد ظلموا الحضارة الإسلامية، حينما أطلقوا عليها في مؤلفاتهم وكتاباتهم: الحضارة العربية أو حضارة العرب، وهذا يدل على الجهل والتجاهل، لأن حضارة عربية بدون إسلام لم تقم.. وقد قامت الحضارة الإسلامية، على دعائم أساسية، جعلت منها حضارة عالمية متميزة، وفريدة من تاريخ البشرية.. ومن ذلك.. أولا: أن الإسلام قد انطوى على طاقة روحية، جعلت منه قوة فاعلة، والشيء المهم في هذه القوة الفاعلة. أنها كانت أصلا جذريا يمس كل الأوضاع في حياة الناس.

стр. 6954

ثانيا: أن الإسلام كان دين دعوة.. وفكرة الدعوة في الإسلام، قد واتتها ظروف الانتشار في النطاق العالمي، وفي ظلال الدعوة المستمرة، تمكن الإسلام من نشر طابعه الحضاري، كعقيدة للحياة، وأن يصبح في أقل من ربع قرن، مقوما أساسيا من مقومات الحضارة الإنسانية.. ثالثا: كان الإسلام دينا سهلا غير معقد، ولا مركب في عقيدته، وكان في الوقت ذاته، دينا مباشرا، يتصل فيه الإنسان بخالقه دون وساطة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ، ولا نجد عقيدة تطلب من الإنسان شهادة أبسط من شهادة الإسلام، على عمقها وعظمتها: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله)) .. عبارة سهلة رائقة نظيفة، تقف بالعاقل على عتبة الدخول في الإسلام، موقفا سهلاً. والمقوم الأصيل في هذه البساطة، أن القرآن الكريم هو الوعاء الأساسي للعقيدة كلها. رابعا: كان الإسلام دينا رحبا يدعو إلى سبيل العقل، في حدود أصول العقيدة، كما يدعو إلى سبيل الضمير، والحق.. ومن هنا كانت الدعوة إلى النظر، وإلى المعرفة، أساسا من أسس الدعوة الإسلامية، وكان التفتح البصير مفتاح الدعوة للحضارة.. والإسلام في رحابته الحضارية، استطاع أن يمتص ألوان الحضارات في البلاد التي أوقد فيها قناديل الضياء، وأن يسبغ عليها طابعاً إسلاميا شاملا..

стр. 6955

خامسا: البيئة بعواملها المحلية، وموقعها الجغرافي، قد ساعدت على إعطاء الحضارة الإسلامية، ما كان لها من طابع، ومن مكانة.. ولقد كانت الجزيرة العربية ذاتها، منطقة وصل بين أطراف العالم، عند ملتقى القارات الثلاث في العالم القديم ((أسيا وأفريقيا وأوربا)) .. ومن شواطئ الجزيرة العربية، تمتد بحار الشمال، بادئة بالبحر الأبيض المتوسط. وبحار الجنوب بادئة بالبحر الأحمر، والخليج الإسلامي [١] .. وقد كان عدم اتصال المياه بين الشمال والجنوب، سببا في أن شبه الجزيرة العربية، كانت نقطة تغيير، في وسائل المواصلات، وفي ظهور الوساطة التي كتب للمسلمين أن يقوموا بها.. ولم يكن الأمر بالطبع مجرد التوسط الجغرافي على أهميته، وإنما كان الأمر أوسع وأعمق، فهو توسط من ناحية الطبيعة البشرية، ومن ناحية السلوك الإنساني، ومن ناحية الاعتدال في كل ما يصل بالمادة وهي أمور كلها اتصلت بطبيعة البيئة العربية. ومن هذه البيئة الوسط، انتشر الإسلام شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، بالبر والبحر على السواء.. وقد شاء الله ، أن تستيقظ الجزيرة العربية في القرن الرابع عشر الهجري، الموافق القرن العشرين ميلادي، والقرن العشرون يعتبر أزهى قرون الحضارة في الغرب. شاء الله أن تقوم –في الجزيرة العربية المملكة السعودية، على أساس القرآن الكريم، لا على أنه المادة الأولى أو الثانية من الدستور، كما تفعل كثير من الدول التي يقال عنها، عربية وإسلامية.

стр. 6956

ولكن على أساس أنه هو كل شيء، في التعليم، وفي التوجيه، وفي الحكم، وفي السياسة، وفي الثقافة، وفي جميع نواحي الحياة.. وقد قامت في السعودية نهضة علمية وثقافية جبارة، جعلت الجامعات تعمل في إعداد كامل، لمؤتمرات إسلامية جامعة، مثل مؤتمر الفقه الإسلامي ومؤتمر العلم والتكنولوجيا، ومؤتمر الاقتصاد، ومؤتمر الشباب، ومؤتمر الدعاة ومؤتمر المساجد، ومؤتمر المذيعين، وصارت الجامعات والكليات ومعاهد العلم، تصدر صحفا، ومجلات ذات دراسة وعمق، معدة إعدادا يتفق مع ما وصلت إليه الطباعة من تقدم.. ولا شك أن هذا كله دعامة من دعامات الحضارة الإسلامية القائمة على الإسلام.. حتى لا يأتي إلينا مخرف من الشرق، أو من الغرب، فيقول إن حضارة الإسلام قد شاخت وهرمت.. شاء الله أن تظل تجربة الحكم بالقرآن الكريم، قائمة في أرض الجزيرة العربية، كما كانت في عهد الرسول ﷺ ، وعهد الخلفاء الراشدين.. سادسا: الوسطية التي جاء بها الإسلام، والوسطية التي جعلت فيها الأمة الإسلامية وشرفها الله بها.. ليست الوسطية المبتدعة في الفكر المستورد الحديث. فالوسط المبتدع في الفكر العصري، وسط عفن، قام بين تراكمات عفنة من اليمين واليسار. ولا شك أن اندفاع بعض المجتمعات الإسلامية إلى هذا الوسط العفن، وما جاء حوله من يمين ويسار، يعد عند الدارسين لتطور الشعوب، كارثة فكرية خطيرة، وردة جاهلية وثنية.. والوسطية الإسلامية وسطية عامة شاملة، لا تعترف بتقسيم اليمين والوسط واليسار. بل إنها: ١- في العقيدة تقوم على توحيد الله وإفراده بالعبادة، والتمسك بما شرع من آداب السلوك والمعاملة.. ٢- وفي التشريع تقوم على أصول رئيسية، مصدرها الأساسي: القرآن الكريم، وسنة الرسول محمد ﵊. ٣- وفي الأخلاق تقوم على خلوص النية، ونقاء الضمير، والتمسك بقيم الخير، والحق، والتزام الآداب الفردية والاجتماعية..

стр. 6957

٤- وفي الاجتماع تقوم على الأسرة المتماسكة القائمة على ركائز المودة، والرحمة، والإخلاص، والاحترام والتعاون.. ٥- وفي السياسة تقوم على الشورى، واحترام حقوق الإنسان، والتزود بكل أسباب القوة، والدفاع عن العقيدة.. ٦- وفي الاقتصاد تقوم على تبادل المنافع، واتخاذ المال وسيلة لا غاية واحترام الملكية الفردية.. ٧- وفي الثقافة تعتمد على طلب المعرفة، واستخدام العقل في كسب المعارف.. ٨- وفي الفكر تقوم على استنهاض العقول، وحرية الفكر، واستقلال الإرادة.. فأي وسطية أسمى من هذه الوسطية التي ارتضاها الله، وجعلها سمة هذه الأمة الإسلامية، ذات الحقيقة الكبيرة، والوظيفة الضخمة في هذه الأرض، ويقول في ذلك شهيد الأمة الإسلامية سيد قطب: ((إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا، فتقيم فيهم العدل والقسط، وتضع لهم الموازين والقيم، وتبدي فيهم رأيها.. فيكون هو الرأي المعتمد، وتزن قيمهم، وتصوراتهم وتقاليدهم، وشعاراتهم. فتفصل في أمرها، وتقول: هذا حق منها، وهذا باطل.. لا التي تتلقى من الناس تصوراتها، وقيمها، وموازينها وهي شهيدة على الناس، وفي مقام الحكم العدل بينهم. وبينما هي تشهد على الناس هكذا، فإن الرسول هو الذي يشهد عليها، فيقرر موازينها وقيمها، ويحكم على أعمالها وتقاليدها، ويزن ما يصدر عنها، ويقول فيه الكلمة الأخيرة.. وبهذا تتحقق حقيقة هذه الأمة، ووظيفتها، لتعرف وتشعر بضخامتها ولتقدر دورها حق قدره، وتستعد له استعدادا لائقا.. وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط. سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد، أو من الوسط بمعناه المادي الحسي.

стр. 6958

﴿أُمَّةً وَسَطا﴾ في التصور والاعتقاد. لا تغلو في التجرد الروحي، ولا في الارتكاس المادي. إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد. أو جسد تتلبس به روح. وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات، حقه المتكامل من كل زاد، وتعمل لترقية الحياة ورفعها، في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها، وتطلق كل نشاط على عالم الأشواق، وعالم النوازع، بلا تفريط ولا إفراط: في قصد، وتناسق، واعتدال.. ﴿أُمَّةً وَسَطا﴾ في التفكير والشعور، لا تجمد على ما علمت، وتغلق منافذ التجربة والمعرفة. ولا تتبع كذلك كل ناعق، وتقلد تقليد القردة المضحك، إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول، ثم تنظر في كل نتاج الفكر والتجريب.. وشعارها الدائم: الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها أخذها، في تثبت ويقين.. ﴿أُمَّةً وَسَطا﴾ في التنظيم، لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر، ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب. إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب وتزاوج بين هذه وتلك. فلا تكل الناس إلى وسط السلطان، ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان، ولكن مزاج من هذا وذاك. ﴿أُمَّةً وَسَطا﴾ في الارتباطات والعلاقات لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته، ولا تتلاشى شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة، ولا تطلقه كذلك فرداً أثراً جشعاً، لا هم له إلا ذاته.. إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء، وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه، ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة، وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادما للجماعة، والجماعة كافلة للفرد، في تناسق، واتساق..

стр. 6959

﴿أُمَّةً وَسَطا﴾ في المكان، في سرة الأرض، وفي أوسط بقاعها، وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام، إلى هذه اللحظة.. هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب، وجنوب وشمال، وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعا وتشهد على الناس جميعا، وتغطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة، وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة، وثمار الروح والفكر، من هنا إلى هناك، وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء.. ﴿أُمَّةً وَسَطا﴾ في الزمان، تنهي عهد الطفولة البشرية من قبلها، وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها، وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام، وخرافات، في عهد طفولتها، وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى، وتزاوج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات، ورصيدها العقلي المستمر في النماء، وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك)) . فالأمة الإسلامية ليست بحاجة إلى الأحزاب التي أوجدها ورعاها التبشير الصليبي.. وليست في حاجة إلى التقدمية، والثورية، واليمين والوسط واليسار.. وليست في حاجة إلى اشتراكية المنحرفين، من سماسرة الشيوعية، والدجل الفكري، وليست في حاجة إلى تعدد المنابر، واستيراد ما هب ودب.. وليست في حاجة إلى تجارب الأمم. إذن وبدون شك. الأمة الإسلامية في حاجة إلى إسلام، والإسلام فقط.. سابعا: القرآن الكريم ذاته. وذلك أن القرآن كان أعظم ما عرفته الإنسانية في تاريخها الممتد الطويل.. وقد تضمن القواعد الرصينة الكفيلة بقيام المجتمع الإنساني السليم. تشده الإنسانية فتجد فيه مبتغاها من التشريعات الفردية، والعلائق الأسرية، والمعاملات الاقتصادية والحربية، والقوانين المدنية، والأنظمة الدولية، وبعبارة أوجز.. تجد فيه الأمة كل ما تحتاج إليه في حياتها العامة والخاصة، الدين والدنيا..

стр. 6960

ثامنا: اللغة العربية نفسها كانت دعامة من دعائم الحضارة الإسلامية، وذلك لأنها أعرق اللغات منبتا، وأعزها جانبا، وأقواها جلادة، وأغزرها مادة، وأدقها تصويرا لما يقع تحت الحس، وتعبيرا عما يجول في النفس.. وعندها من المرونة على الاشتقاق، والقبول للتهذيب، وسعة صدرها للتعريب. ما يمكنها من الاستمرار في عطائها، نزل القرآن بلسانها فجعلها أكثر رسوخا، وأشد بنيانا، وأقوى استقرار. وبفضل القرآن، صارت العربية، أبعد اللغات مدىً، وأوسعها أفقا، وأقدرها على النهوض بتبعاتها الحضارية، عبر التطور الدائم الذي تعيشه الإنسانية. واستطاعت العربية في ظل عالمية الإسلام، أن تتسع لتحيط بأبعد انطلاقات الفكر، وترتقي حتى تصل أرقى اختلاجات النفس، وليس هناك معنى من المعاني، ولا فكر من الأفكار، ولا عاطفة من العواطف، ولا نظرية علمية من النظريات، تعجز اللغة العربية عن تصويره بالأحرف والكلمات، وتجسيده داخل الكلمات. تاسعا: وبجانب هذا وذاك، كانت هناك مقومات تاريخية وبشرية، تتصل بالعصر الذي ظهر فيه الإسلام، ثم بالعنصر البشري، والتكوين السكاني. فأما عن العصر، فقد كان الإسلام ختام الأديان السماوية، وكان الإسلام بذلك رباطا لها من الناحية التاريخية، كما كان في الوقت ذاته تصحيحا لها لما أصابها من تخريف الفلاسفة والوثنيين.. ولقد كان هذا كله، قوة دفع للفكر الإسلامي، وما تصل به من حضارة، ومن هنا انطوى التفاعل الإسلامي على قوة غلبت كل التحديات الجاهلية، فانتشر طابع الحضارة الإسلامية على فعالية، لم يعرف لها مثيل في تاريخ الإنسانية..

стр. 6961

عاشرا: ومما يذكر أن ترسيخ معالم الحضارة الإسلامية، قد تضاعف بفعل مقوم إنساني آخر.. وهو تنوع السلالات التي دخلت في الإسلام، ثم هناك ظاهرة أخرى ترتب على كل هذه الجوانب والعوامل، وهي ظاهرة الاتصال والاستمرار الزمني في الحضارة الإسلامية.. ومن وراء كل ذلك هناك الإيمان بالله، فهو القوة الدافعة الموجهة التي تسند الضعيف من أن يسقط، وتمسك القوي من أن يجمح، وتعصم الغالب من أن يطغى، وتمنع المغلوب من أن ييأس.. وقد أثبت التاريخ أن الذين تربوا في مدارس القرآن، هم وحدهم الذين صلحت بهم الحياة، واعتدل في أيديهم ميزان الحق، والعدل.. ولقد كانت المملكة الإسلامية تزدهر بالعلم والحضارة شرقا وغربا، وتنتشر فيها أرقى الصناعات على اختلافها، وما تركه المسلمون من تراث علمي، لأكبر شاهد على ذلك.. ولقد تلمست أوربا الحضارة الإسلامية، فاستقت من روافدها العلوم والمعرفة من الفلك والجبر والهندسة والحساب والكيمياء والطب والزراعة، وسائر أنواع الفنون الحضارية. وبنى رجال أوربا بما تعلموه في معاهد المسلمين بالأندلس، وبما نقلوه من علوم.. بنوا أسس النهضة الحديثة التي ظهرت بوادرها في القرن الثامن عشر، وازدهرت في القرن العشرين..

стр. 6962

والإسلام بدعوته إلى العلم هو الذي خرج جهابذة الفكر، ورجال الحضارة، أمثال ابن الهيثم، وابن البيطار، وابن سينا، وابن النفيس، وابن زهر، وابن بطوطة، والكندي، والفارابي، والبيروني، والطوسي، والدينوري، والبغدادي، والرازي، والقزويني، والأنطاكي، والخوارزمي، والإدريسي، والمسعودي، وجابر والحافظ، وغيرهم ممن أفادوا الإنسانية. وهذا ابن الهيثم يبحث في السهول والأودية، ويجول فيها طولا وعرضا، حتى يضع قواعد علم الضوء. وابن الدجيلي، يسهر على قمم الجبال العالية، يحدق في الكواكب والنجوم، ليحد أفلاكها، ويعرف أبعادها، ويقيس محيط الكرة الأرضية. وعبد الله الخوارزمي العالم المسلم الذي ولد في إقليم خوارزم [٢] ، أول رجل في العالم يضع أصول علم الجبر، وفي كتابه ((الجبر والمقابلة)) يقسم العلماء إلى ثلاثة أقسام: فمنهم المخترع المبتكر الذي لم يسبق إليه، ومنهم الذي يتناول آراء العلماء قبله بالشرح والتفصيل والتوضيح، ومنهم الذي لم يكلف نفسه أكثر من جمع المتفرق.. وأبو الريحان محمد البيروني الذي ولد في بيرون، وهي مدينة صغيرة تتبع مدينة خوارزم. يساهم في الفلك والرياضيات، بمساهمات فعالة. وابن النفيس العالم الدمشقي، يجري التجارب والاختبارات، حتى يثبت أن الدم ليس سائلا مستقرا في الأوردة والشرايين. بل هو سائل متحرك، يدور في جميع أجزاء الجسم، وذلك قبل أن يكتشف العالم البرتغالي (هارفي) الدورة الدموية بثلاثة قرون..

стр. 6963

وابن مسكويه ذلك المفكر الإسلامي الكبير الذي طرق الدراسات الأخلاقية والنفسية، فذلل متونها، وسبق علماء أوربا، فيما وصل إليه من النظريات النفسية والسلوكية.. هذا كله في الوقت الذي كانت فيه أوربا تعيش في ظلمات الجهل والهمجية، ولم ينقذ أوربا من ورطتها التي كانت واقعة فيها إلا نور الإسلام. وما زالت أسماء العلوم والمصطلحات التي أعطاها العلماء المسلمون لغرائب العلم، ما زالت حية في جميع اللغات رغم ما مر عليها من تحريف وتغيير.. ولقد سجل تاريخ الحضارة الإسلامية بإعزاز. وتقول الكاتبة الألمانية الدكتورة سيجريد هونكه، في كتابها ((شمس الله تشرق على الغرب)) تقول: ((إن هذه الطفرة العلمية الجبارة التي نهض بها أبناء الصحراء من العدم، من أعجب النهضات العلمية الحقيقة في تاريخ العقل البشري، فسيادة أبناء الصحراء التي فرضوها على الشعوب ذات الثقافات القديمة، وحيدة في نوعها، وإن الإنسان ليقف حائرا أمام هذه المعجزة العقلية الجبارة)) .. وإن من يمعن النظر في أعماق الحضارة الإسلامية، وما حققته للإنسانية من أسباب النمو، وعوامل الازدهار، ويلم بما جاء به الفكر الإسلامي، من مفاهيم تناولت أهم معضلات الحياة. إن من يتعمق في ذلك، يدهشه مدى عمق التفكير الواعي الذي بلغ ذروته علماء الإسلام، وقد يتضاعف إعجاب الباحث، بهذا الفيض الزاخر، من الجهود العلمية التي شرقت بالحضارة وغربت، وملأت الدنيا بإشراقها..

стр. 6964

وربما تزداد دهشت الباحث العاقل، والمفكر الناصح، ويتعاظم تمجيده لحركة التحول الخطيرة التي أصابت المجتمع العربي في تلك الفترة القصيرة. ترى أي سر هذا الذي استطاع أن يحول عرب الصحراء، وهذه الشعوب المتفرقة.. إلى أساطين في العلم، ومشاعل في الحضارة، ومنارات في الثقافة؟ وأي قوة رفعت العرب من حال البداوة التي كانوا عليها إلى أبطال وقادة، يفتتحون أعظم الممالك وأوسعها، ويجولون في الأرض غير هيابين ولا وجلين..؟ .. وأي دعوة هذه التي حولت الناس من الجهل والجاهلية والمذاهب الوضعية، إلى النور الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور..؟ ليس من المعقول في نظر المفكر.. ولا من المقبول في نظر الباحث.. ولا من المعروف في نظر الدارس.. أن يطفر الفكر العربي الذي قيدته ظروف الحياة القبلية الآسنة اليبوس.. إلى مثل هذه المرتبة العالية، دون أن تكون هناك الأسباب القوية التي دفعت به إلى الحياة المتحركة دفعا.. فما هي تلك الأسباب التي استقى منها الفكر الإسلامي، مادة حيويته وحركته؟ وما هي الموارد التي نهل منها أسباب تكامله.. إن المنبع الأول والأصيل الذي استقى منه الفكر أسباب تقدمه ونمائه، هو القرآن الكريم، فهو السر الكامن، وهو القوة المحركة، وهو الدعوة القائمة المستمرة.. وذلك أن القرآن لم يكن كتاب دين يحث على العبادة وتوحيد الله فحسب، وإنما كان إلى جانب تأكيد وحدانية الله، وما يتبعها من عقائد وعبادات.. منبعا أصيلا من منابع الحضارة، ولقد كان أول أثر من آثار القرآن في الحضارة الإنسانية، الاهتمام الواسع بالعلم، وذلك أن العلم عنوان التقدم الحضاري.. ولقد كانت عناية القرآن بالعلم، تفوق حد الوصف واستطاعت توجيهات القرآن العلمية أن تكون منهجا علميا سليما، حدد به المسلمون موقفهم من مشاكل الكون والحياة.

стр. 6965

ومن هنا كان التفكير العلمي في الإسلام، يقوم على الموضوعية، والصدق، ومن الحوادث البالغة الدالة على العقلية الموضوعية، لدى الفكر الإسلامي، ما حدث مصادفة، أن كسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن محمد رسول الله، ﷺ . فقال قوم إنها كسفت لموت إبراهيم.. فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته". وبهذا قرر الرسول الصادق، مبدأ علميا، يعتمد عليه المسلمون، فيما يتصل بالكون وما فيه)) . وفي حادثة فيضان نهر النيل، بإقليم مصر الإسلامي، موضوعية علمية، تنبئ عن نظافة الفكر الإسلامي.. حيث كان الاعتقاد قبل الفتح الإسلامي، أن النيل لا يفيض بالماء، إلا إذا ألقيت فيه فتاة حسناء، لتموت فيه غرقا. فلما حان وقتذاك. كتب الحاكم عمرو بن العاص، والي أمر مصر، إلى خليفة المسلمون عمر بن الخطاب، في المدينة المنورة، عاصمة الخلافة الإسلامية، يخبره بما تعود عليه المصريون فأجابه عمر بإرسال رسالة، يلقيها في النيل، وكان في الرسالة: ((من عمر أمير المؤمنين إلى النيل إن كنت تجري من عندك فلا حاجة لنا بك، وإن كنت تجري بفضل الله، فاللهم بارك لنا)) . وفي ميدان التطبيق العملي، نجد أن عمر بن الخطاب في خلافته، قد أمر بقطع شجرة الرضوان، لأن بعض الناس قد أسبغ عليها صفات غير موضوعية.. هذا وأمثاله مظهر للتفكير العلمي الموضوعي لدى المسلمين ينبئ لكل عاقل أن الإسلام هو الدين الحق والصراط المستقيم.

стр. 6966

ولهذا كانت للمسلمين حضارة، وعلوم، ومخترعات.. كانت هناك تشريعات وفلسفة، وقوانين، وطب، وفلك، ورياضيات، وأدب، واجتماع وتاريخ وجغرافيا، وكيمياء، وآداب للسلوك.. وكان لكل هذه العلوم أساتذة عباقرة، كأئمة الفقه، وعلماء التفسير، ورجال الحديث، الذين خرجوا المسائل والأحكام الفقهية، وضبطوا أساليب النقد، وقعَّدوا قواعد التشريع.. ويذكر لنا التاريخ عشرات المئات من العلماء في كل فن.. أصبح هناك قادة وحكام لم يعرف التاريخ لهم مثيلا.. وهم لم يدخلوا الكليات الحربية، ولم يدرسوا في مدارس عسكرية.. ولكن دخلوا شيئا واحدا، هو كلية القرآن الكريم، ومدرسة الإسلام الحنيف.. وهناك مدن امتلأت بالعلم والعلماء، ومعاهد الحضارة، مثل: القاهرة، وبغداد، ودمشق، وقرطبة، وغرناطة، واشبيلية، وبخارى وغيرها من العواصم التي تزخر بكل ألوان الحضارة.. وكانت هناك دول وممالك، في الشرق والغرب، بسطت نفوذها الإسلامية وعقيدتها، وعبقريتها، وشرقت وغربت حتى نشرت الفكر الصحيح.. وكل هذا بفعل الاتجاهات القرآنية التي غرسها الإسلام، في قلوب الناس، والتي أدت إلى تنمية القوى العقلية في الإنسان المسلم، ففتحت أمامه آفاقا واسعة لا حدود لها)) . واليوم على الغيورين أن يدرسوا حال المسلمين، الذين ابتلوا بالأفكار المستوردة، والأحزاب الحمراء المتنمرة. لنرى هل يمكن أن تعود حضارة المسلمين، وتشرق من جديد، فتنقذ الإنسانية من بلاء الإلحاد. وحضارة المادية العفنة.. وقبل أن نقرر إمكانية عودة الحضارة الإسلامية أضع أمام القارئ الحقائق التالية: أولا: العالم الإسلامي حباه الله بأعظم النعم، إذ يتربع على كنوز ثمينة ويربض على ثروات معدنية هائلة، ويملك من حقول البترول أجداها نفعا، وأكثرها سخاء وثراء، وأقواها تدفقا وعطاء.

стр. 6967

ثانيا: يملك العالم الإسلامي من شواطئ البحار والأنهار، والممرات، والطرق، البرية، والبحرية، والجوية، ما يجعله في مركز القيادة، ويمكنه من المساهمة والإشراف والتحرك الفعال. ثالثا: مناطق الثقل في العالم الإسلامي بعيدة عن القطبين، ومصونة من الأعاصير، والطوفانات، والثلوج، والمد والجزر، والبراكين وهذا يتيح لها ما تستطيع به العمل والتقدم.. رابعا: العالم الإسلامي غني بالمحاصيل الزراعية، والإنتاج الحيواني، مما يمكن من قيام صناعات متقدمة ومتطورة. خامسا: يعيش العالم الإسلامي اليوم في يقظة واعية، وصحوة صحية، إذا أحسن توجيهها، أثمرت.. تلك وغيرها أمور تجعل العالم الإسلامي، قوة إيجابية، مرهوبة الجانب مهيأة لإنقاذ الإنسانية من وهدة الضياع.. ولا شك أن الأمور الخمسة المذكورة مع ما سبق ذكره من مقومات الحضارة الإسلامية، هي أسباب قيام حضارة كاملة.. ومن هنا نقول في غير تردد، إن عودة المسلمين إلى إقامة حضارة إسلامية، أمر ممكن، ولا يحتاج منا إلى أن نخرب أنظمة الأمم، ولا أن نتمسك بأحزاب بعثها المخربون، ولا أن نقسم الأمة إلى أنظمة وجبهات، ولا أن نمزق المجتمع الواحد إلى يمين ووسط ويسار، واشتراكيين وأحرار.. وإنما يحتاج إلى أمر واحد فقط هو الإسلام. الإسلام سلوكا وعملا، والإسلام ثقافة وتربية، والإسلام نظاما وحياة، ولن يصلح آخر الأمة إلا بما صلح به أولها. والله الموفق.. -------------------------------------------------------------------------------- [١] التسمية بالخليج الإسلامي هي أفضل طريقة أمام تحديات العصر. [٢] إقليم خوارزم هذا من الأقاليم الإسلامية التي كانت عامرة بالعلم والعلماء، وهو واقع الآن في قبضة الاستعمار الشيوعي الروسي..

стр. 6968

العدد ٤٠ فهرس المحتويات ١- أهل الكتاب في القرآن الكريم (٣) : لفضيلة الشيخ معوض عوض إبراهيم ٢- تعقيب لا تثريب - أتفسير هذا أم تغرير؟! : لفضيلة الشيخ محمد المجذوب ٣- مع كتاب الله: لفضيلة الشيخ أحمد عبد الرحيم السايح ٤- ثمار من غرس النبوة: لفضيلة الشيخ محمد الشال ٥- الوحدة الإسلامية: لمعالي الشيخ محمد المبارك ٦- حضارة الإسلام دعامة أساسية في الحضارة الأوربية: لفضيلة الشيخ محمد أحمد أبو النصر ٧- آراءٌ في البحث: لفضيلة الشيخ عبد الرءوف اللبدي ٨- المرأة في ظلال الإسلام: للدكتور خالد علي كماخي ٩- تعدد الزوجات وحكمه في الإسلام: لفضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد ١٠- كيف نكون شاكرين: لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي ١١- الصولي شاعرًا - دراسة فنية تحليلية لأهم أغراض الشعر عنده: لفضيلة الدكتور أحمد جمال العمري ١٢- صيغة "فعلان" واستعمالاتها في اللغة العربية (٢) : لفضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس ١٣- النمل والنحل مملكتان فسبحان الرحمن: لفضيلة الدكتور محمد نغش ١٤- الحمامة الحكيمة: لفضيلة الشيخ محمد المجذوب ١٥- نظرات في كتاب مع الرعيل الأول: لفضيلة الشيخ محمد سليمان العبده ١٦- العالم الإسلامي يتكلم: بقلم الطالب محمد الأمين الشيخ ١٧- مختارات من الكتب ١٨- مختارات من الصحف ١٩- الفتاوى - حُكم الإحداد على الملوك والرؤساء: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 6969

أهل الكتاب في القرآن الكريم (٣) لفضيلة الشيخ معوض عوض إبراهيم الذين يستجلون إنصاف القرآن لأهل الكتاب -يهود ونصارى- باعتباره الثبت الإلهي الوحيد الذي حفظه الله منذ كان من أن تمتد إليه الأهواء أو تلحقه مفتريات الأعداء، يزدادون بالنظر الموصول في الآيات التي نادتهم "يا أهل الكتاب"والآيات التي أخبرت عنهم بذلك أو باسم "يهود ونصارى"أو بصفاتهم التي تنم عنهم وتدل عليهم، أو بأنهم "أهل الإنجيل"كما تطالع المتأمل لسورة البقرة [١] وآل عمران [٢] ، والنساء [٣] والمائدة [٤] والعنكبوت [٥] والأحزاب [٦] والحديد [٧] والحشر [٨] والبينة [٩] وغيرها [١٠] يزدادون يقينا بأن الإسلام هو دين الله ونعمته التي أتمها على المسلمين، وأن القرآن كتاب الله حقا وهو يخاطب الأقوام ويخبر عمن انصف منهم ومن مارى في الحق واعتسف، وآثر هواه على هدى الله ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [١١]

стр. 6970

ولقد عرف الرسول صلوات الله عليه اليهود، وشافههم أول من عرف وشافه من أهل الكتاب بعد أن هاجر إلى المدينة، وكانوا على بينة من أمر نبي يُبْعث في آخر الزمان يعرفون صفاته وتتحرك ألسنتهم بسماته ويعلمون أنه الحق من ربهم، ويتوعدون به وقد حان حينه وتقارب زمانه، غيرهم من مشركي يثرب، ولكن الذين ما حفظوا عهود موسى ﵇، والذين جرعوه كئوس الخلاف عن أمره متزعة، والذين لم يحفظوا التوراة التي استحفظوها فحرفوها حتى أُنسوها ووضعوا مكانها من كلام غير الله ما لا تثبت نسبته إلى السماء حجة، ولا يقوم على ذلك بها دليل.. هؤلاء الذين لم يكن حظ عيسى ﵇ من أحفادهم أطيب من حظوظ من سبقوه، كان أحفادهم أمناء على أحقادهم المورثة ومكايدهم لمن عداهم فشعارهم في كل اتجاه ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [١٢] . فإنهم يطلقون "الأميين"على كل من ليسوا يهوداً، ويعاملونهم كما يشهد عليهم التلمود وبروتوكولات حكماء صهيون [١٣] بأحط ما تعامل به الحيوانات. وفي باب الهجرة من صحيح الإمام البخاري ﵀ جـ٢ ص ٢٣٠ طبعة الحلبي القاهرة ١٣٧٢هـ من حديث أنس بن مالك قال "فلما جاء نبي الله ﷺ -أي إلى المدينة- جاءه عبد الله بن سلام فقال: "أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق، وقد علمت اليهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأَعلمُهم وابن أَعلمِهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يَعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يَعلموا أني قد أسلمت قالوا فِيَ ما ليس في.. فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا، فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله ﷺ :
следующие страницы →