Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.
стр. 6896
عالمية الرسالة بين النظرية والتطبيق
لفضيلة الشيخ محمد الغزالي
رئيس قسم الدعوة بكلية الشريعة بمكة
كان الوحي الإلهي قديما يتخير بقاعاً من الأرض لينزل بها كما ينزل الغيث في مكان دون مكان. لكن بعثة محمد ﵊ كانت نقلة جديدة بالعالم كله وتحولا في حركة الوحي الإلهي على ظهر الأرض. إذ جاءت الرسالة الأخيرة لكل بشر يعقل ما يسمع.. ثم هي قد صحبت الزمان في ميسرته، فإذا انتهى جيل من الناس فإن الجيل الذي يليه مخاطب بها مكلف أن يمشي في سناها.
والإجماع معقود بين المسلمين على عموم الرسالة وخلودها، ونريد أن نلقي نظرة على الآيات التي دلت على عالمية الرسالة لنستخلص منها حكما محددا..
قال تعالى في سورة التكوير: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ وقال في سورة القلم: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ .
وقال في سورة سبأ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال في سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ وقال في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 6897
وقال في سورة يوسف: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ وقال في سورة الأنعام: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ . وقال أيضا في السورة نفسها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ وهذه الآيات كلها مكية، أي أن عالمية الرسالة تقررت منذ بدء الوحي وفي الأيام التي كانت الدعوة فيها تعاني الأمرين.
كان القرآن إذن يقرر أنه رسالة للعالم كله في الوقت إذن كان فيه أهل مكة يستكثرون أن يكون محمد ﷺ رسولا لهم وحده!!
стр. 6898
ولم تنزل بالمدينة آية تتحدث عن هذه العالمية اكتفاء بما تمهد في صدر الدعوة إلا آية واحدة من سورة الأحزاب هي قوله جل شأنه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وختم النبوة تقرير لهذه العالمية فإن القارات الخمس إلى قيام الساعة لن يطرقها من السماء طارق، ولن يجيئها من عند الله رسول، وسيبقى كتاب محمد ﷺ وحده صوت السماء بين الناس إلى أن يحشروا للحساب فيقال لهم: ﴿َقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وآية ختم النبوة صدقتها الأيام المتتابعة فها قد مضت أربعة عشر قرنا وما نزل من السماء وحي. وقد حاول الاستعمار الأوربي أن يضع يده على مخبول في الهند وآخر في إيران ليصنع منهما أنبياء يكابر بهما نبوة محمد ﷺ ، وهيهات هيهات فإن الأوربيين أنفسهم احتقروا الرجل الذي صنعوه فما تبع أحدهم متنبئ الهند ولا متنبئ العجم، وبدأت اللعبة تنكشف ويفر عنها المستغفلون!! إن الصباح العريض الذي بزغ مع رسالة محمد ﷺ سوف يظل وحده النور الذي يغمر العالم ويملأ الأفق إلى أن يأذن الله بانتهاء الحياة والأحياء.
وإنما لفتنا النظر إلى أن الآيات الناطقة بعالمية الرسالة مكية كي ندحض فرية لبعض المستشرقين الذين زعموا أن محمد ﷺ بدأ عربي الرسالة معنيا بقومه وحدهم فلما نجح في إخضاعهم أغراه النجاح بتوسيع دائرة الدعوة فزعم أنه للخلق كلهم. وهذا تفكير سقيم المأخذ بين السخفـ فقد رأيت بالاستقراء أن عالمية الرسالة تم التصريح بها في أوائل ما نزل من الوحي!!.
стр. 6899
ثم نسأل: متى تم خضوع العرب لمحمد ﷺ حتى يغريه النجاح بمزيد من التوسع؟ إن مكة التي طاردته لم تفتح له إلا قبل الممات بسنتين اثنتين، فأين استقرار النصر والتطلع إلى إخضاع الدنيا وهو لما ينته من الجزيرة العربية نفسها؟؟
إن هذا الفكر الاستشراقي لم يلق حفاوة من عاقل، ولذلك نخلص منه لنقرر حقائق أخرى نابعة من هذه الحقيقة المؤكدة حقيقة أن محمدا رسول إلى العالمين من رب العالمين. وأول ما نقرره أن هذه الصفة انفرد بها محمد ﵊، فكل الأنبياء من قبله محليون، رسالتهم محدودة الزمان والمكان. ابتدأ من آدم إلى عيسى.
والنصارى يرون أن رسالة عيسى عالمية وينطلقون بها في كل مكان ليبلغوها وينشروها، ونحب نبي الله عيسى ونعتقد أنه رسول حق إلى بني إسرائيل خاصة ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ..﴾ .
على أن النصرانية التي تشيع بين الناس اليوم وتساندها قوى كثيرة تخالف رسالات السماء كلها إذ هي فلسفة تجعل من عيسى إلها أو شبه إله يرسل الرسل وينزل الكتب ويغفر الذنوب ويحاسب الخلائق..
والنصرانية بهذا المفهوم المستغرب لا يعنينا أن تكون عالمية أو محلية لأنها شيء آخر غير ما ينزل الوحي به على سائر الرسل، قال تعالى لنبيه محمد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ إن هذه النصرانية الجديدة لا تتصل بعيسى الذي مهد لمحمد ﷺ كما لا تتصل بعيسى الذي بلغ تعاليم إبراهيم وبنيه، ومن ثم فهي في نظرنا منهج بشري مستقل بأفكاره عما قبله وعما بعده.. ورسل الله يصدق بعضهم بعضا ويمهد السابق منهم للاحق ما استطاع.
стр. 6900
ورسالة محمد ﷺ أقامت مفهوم العالمية فيها على أن الدين واحد من الأزل إلى الأبد وأن الأنبياء إخوة في التعريف بالله والدلالة عليه واقتياد البشرية إليه.. وأن القرآن الكريم جمع في سياقه الباقي كل ما تناثر على ألسنة النبيين من عقائد وفضائل ولذلك فإن الإيمان بهم جميعا مطلوب والكفر بأحدهم انسلاخ من رسالة محمد ﷺ نفسه. ومن الطبيعي أن تبدأ الرسالة عملها في بقعة ما من أرض الله. وقد شرع النبي العربي محمد ﷺ يعلم الأميين من عبدة الأوثان، ويرشد الحائرين والجاحدين من أهل الكتاب. وبعد تسعة عشر عاما من الدعوة الدائبة استطاع أن يظفر من الوثنية الحاكمة بحقه في الحياة وحق من يتبعونه في العيش بدينهم والتجمع عليه.
عندما نال هذا الحق من معاهدة الحديبية وأصبح له موضع قدم يستقر فيه ويدعو منه أخذ يرسل إلى أهل الأرض يبلغهم الحق ويفتح عيونهم على سناه.
ومن أهل الأرض يومئذ؟ الروم غربي الجزيرة وشمالها. والفرس في الناحية المقابلة، وحكام آخرون يعيشون في جوارهم أو يدورون في فلكهم.
هل كان وراء الرومان من يفهمون الخطاب شمالي أوريا أو وسطها؟ أو وسط إفريقيا وجنوبها؟ كانت هناك قبائل السكسون والجرمان والغالة والوندال وقبائل أخرى مشابهة لها في إفريقية وكانت هناك وراء الفرس شعوب جاء وصفها في قصة ذي القرنين في القرآن الكريم بأنهم لا يكادون يفقهون قولا..
على أية حال فإن النبي المبعوث للعالم أرسل إلى إمبراطور الروم وملك الفرس وحاكم مصر ونجاشي الحبشة، وإلى الأمراء المنتشرين حول الجزيرة العربية يدعوهم إلى توحيد الله واعتناق الإسلام لعله بدأ بالجيران الذين يلونه فبلغ أمر ربه حتى إذا أتم هدايتهم تجاوزهم إلى من يلونهم من أجناس البشر.
стр. 6901
أو لعل الفكر البشري في هذه الآونة لم يبلغ درجة الوعي وأهلية الخطاب إلا في هذه البقاع المحتضرة والتي ظهرت فيها جمهرة الرسالات السماوية من قديم.
على أية حال فإن اليقظة الإنسانية التي بدأت في جزيرة العرب ما كانت نهضة جنس متفوق ولا طماح زعيم متطلع، بل كانت حركة قبيل من الناس اختارهم العناية العليا ليربطوا جماهير البشر بالله الواحد، وليسيروا في هذه الدنيا وفق هداه لا وفق هواهم) ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ .
وأكذب الناس على الله وعلى عباده من يزعم الإسلام طورا من أطوار البعث العربي، إن هذا الكلام لا يساويه في الرخص والغثاثة إلا ما تضمنه من إفك وتظليل فإن محمدا ﵊ رفض رفضا باتا أن يكون للعرق، أو اللون أو القوة أو الثروة أي رجحان من موازين الكرامة الإنسانية، والمحور الذي دار عليه الإسلام هو التوحيد والعبادة والتشريع والوجهة والولاء، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِه﴾ وقد قلنا، ولا نزال نقول: إن الله ربى محمدا ﵊ ليربي به العرب وربى العرب بمحمد ﵊ ليربي بهم الناس فرسالة العرب أن يكونوا جسورا لهدايات السماء، وأن يعلموا الخلق ما تعلموه من الخالق.
وإذا كانوا تلامذة لخاتم الرسل فهم بما درسوا أساتذة للشعوب الأخرى تتلقى عنهم وتستضئ بهم..
وهذه المكانة للأمة العربية مكانة عالية حقا، بيد أنها لا تقوم على الدعوى بل على البلاغ، ولا تقوم على البطالة بل على التضحية، وذلك معنى قول الله تبارك اسمه.
стр. 6902
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ .
وقد قامت دولة الإسلام بدورها العالمي، هذا على عهد النبوة وأيام الخلافة الراشدة وتدافع التيار إلى مداه أيام الأمويين والعباسيين والعثمانيين، وإن كان هذا التيار قد شابه من الكدر والدخن ما أزرى به وحط قدره حتى توقف آخر الأمر.
والمسلمون في هذا العصر يكادون يجهلون أن لهم رسالة عالمية بل أن حياتهم وفق شرائع دينهم وشعائرهم موضع ريبة وقد تكون موضع مساومة.
وأذكر أن حوارا دار بيني وبين الأستاذ علي أمين بعد ما كتب يستنكر أذان الفجر ويزعم أنه يزعج النيام المستريحين (!) قلت له: إن إيقاظ الناس للصلاة مقصود قصدا وفي أذان الفجر كلمة تقول: الصلاة خير من النوم! قال: من أراد الصلاة فليشتر منبها يوقظه ليصلي: قلت له إن جمهور المسلمين وهم كثرة هذا البلد يريدون الصلاة علانية ويردون أن يصبغوا الحياة الاجتماعية بها وأن ينظموا نومهم وانتباههم على أوقاتها فإذا شاء الكسالى غير ذلك فليتواروا بإثمهم لا أن يفرضوه على المجتمع ويطلبوا من المؤمنين التواري بدينهم.
وأشهد أن الرجل لان وتأثر واستكان وأرجوا أن قد تاب ومات مغفورا له وإنما ذكرت هذا الحوار ليعرف من جهل مبلغ ما انحدرت إليه أمتنا.
إن الشيوعية تريد أن تكون نظاما عالميا، وكذلك المادية والإباحية، وكذلك الصهيونية والصليبية أما الإسلام فإن طبيعته العالمية يراد إنكارها، وإذا تم ذلك فإن وجوده المحلي ينبغي الخلاص منه والإجهاز عليه..
وأريد أن نعرف: من نحن؟ وما ديننا؟ وما هدفنا؟ وما طبيعة جهادنا؟ إننا ورثة الإسلام وحملته وأصحاب الحضارة الوحيدة التي تعترف بالدنيا والآخرة والروح والجسد والعقل والعاطفة.
стр. 6903
وفي قرآننا وسنة نبينا صلاحنا وصلاح العالم من حولنا، وقد هنا على أنفسنا فكان طبيعيا أن نهو على غيرنا، وزهدنا في ديننا فكان طبيعيا أن يزهد العالم فيه.
وقد بدأت في الأفق تباشير عودة ناجحة إلى هذا الدين العظيم، فلنصور بدقة طبيعة النور الذي خصنا الله به، طبيعة الرسالة التي شاء الله أن تحق الحق وتبطل الباطل، وتهدي الحيارى في المشارق والمغارب. ويفرض علينا هذا المعنى أمورا ذات بال..
أولها: مادام محمد ﵊ للعالم كله وليس للعرب خاصة فيجب على العرب –وهم الذين تحدث محمد ﷺ بلغتهم وكلفوا بنقل رسالته إلى غيرهم- يجب عليهم أن يوصلوا هذا القول إلى كل قبيل من الناس وبكل لغة يتم التفاهم بها..
أي أنهم يجب عليهم أن يتقنوا كل اللغات العالمية، وما استطاعوا من اللغات المحلية وأن يودعوها خلاصة كافية هادية من تعاليم الإسلام في مجال العقيدة والخلق والعبادة وشتى أنواع المعاملات وأن يذكروا بدقة ولطف الفروق الكبيرة بين أصول الإيمان عندنا وعند أهل الأديان الأخرى سماوية كانت أو أرضية..
إن هذا الواجب لم يكن منه بد حتى لو كان الميدان خاليا لنا وحدنا، فكيف وهناك أجهزة عالمية مخوفة تخصصت في تحقير الإسلام وإهانة نبيه؟ ﵊. فكيف وقد تآمرت على الإسلام شتى القوى، وتألب خصوم خبثاء يصطادون الشبه ويتلمسون للأبرياء العيوب؟
стр. 6904
إن الاستعمار سخر أجهزة إلحادية وصليبية سبقتنا إلى أجيال كثيفة من الزنوج والجنس الأصفر، وتركت في نفسه سموما ضد محمد ﵊ ودينه وانتهزت الصمت الذي خيم على أجهزة الدعاية الإسلامية والسلبية المشينة التي لذنا بها وراحت تكذب وتكذب حتى نجحت في تلويث سمعتنا وقدرت على غرس تدين مختل الأصول مضطرب السلوك، وأمكنها بسهولة أن تصد عن سبيل الله وتردم معالم الصراط المستقيم. إن ذلك يوجب علينا الإحساس المضاعف بخطئنا وتخلفنا ويحملنا عبء المسارعة إلى تعليم الجاهل ومراجعة المخدوع وتعريف الناس بربهم الواحد الأحد الفرد الصمد، وربطهم بالدين الذي حمل رايته جميع الأنبياء ثم نقاه وشد دعائمه وثبت أهدافه النبي الخاتم محمد ابن عبد الله ﷺ .
والأمر الثاني: المتصل بعالمية الرسالة يرجع إلى اللغة العربية. فلغة الرسالة الخالدة يجب أن تتبوأ مكانة رفيعة لدى أصحابها ولدى الناس أجمعين، فإن الله –باختياره هذه اللغة وعاء لوحيه الباقي على الزمان- قد أعلى قدرها وميزها على سواها والواقع أن اللغة العربية مهاد القرآن وسياجه فإذا تضعضعت وأقصيت عن أن تكون لغة التخاطب والأداء ولغة العلم والحضارة أوشك القرآن نفسه أن يوضع في المتاحف ولهذه الغاية الخاسرة تعمل فئات غفيرة من المستعمرين وأذنابهم. وما أكثر تلك الأذناب في الجامعات والمجامع ودور الإذاعات والصحف وغيرها؟
إن آبائنا عليهم الرضوان نشروا اللغة العربية بكل الوسائل المتاحة لهم، وما تأسست مدرسة لخدمة الدين إلا انقسمت علومها بين مناهج الشريعة ومناهج اللغة والآداب.. ويلاحظ الآن انكماش مفزع في هذا الميدان ورواج سمج للهجات العامية والمصطلحات الأجنبية والترجمات الركيكة والكلمات الدخيلة..
واللغة العربية لا تخدم بالحماس السلبي، بل لابد من إعادة النظر في شئون شتى تتصل بكيتنها وتعاليمها.
стр. 6905
ولنفرق من الآن بين طرق تعليمها للتلامذة العرب وللتلامذة الأجانب، ولنبتكر أساليب ميسورة لتدريس المصادر وتصريف الأفعال وجموع التكسير وأنواع المترادفات وغير ذلك مما يعانيه طلاب العربية..
إن هناك لغات لم يشرفها الله بوحي، ولم تصحب حضارة إنسانية مشرقة يخدمها أبنائها بذكاء نادر فما دهى العرب حتى تركوا لغتهم توشك أن تكون من اللغات الميتة أو الثانوية في هذه الدنيا؟
إننا عجزنا عن جعل اللغة العربية لغة أولى بين الألف مليون مسلم الذين يعتنقون الإسلام وهذا وحده فشل ذريع نؤاخذ به يوم الحساب، ويرجع هذا الفسل إلى أن العرب أنفسهم لا يجلون لغتهم. بل لقد استطاع الاستعمار الثقافي أن يكرهها لهم أو يحقرها لديهم فأي بلاء هذا؟ والمطلوب الآن للفور إقصاء اللهجات العامية والرطانات الأعجمية عن جميع منابر الصحافة والإعلام وإعادة الحياة إلى اللغة الفصحى في كل محفل..
وأكرر مطلبا آخر ذكرته في أحد المؤتمرات وهو إنشاء مدارس وإرسال بعثات لنشر اللغة العربية وحدها أي دون ربط اللغة بالدين، فإن هذا التعليم المجرد سيوسع القاعدة الثقافية للغة القرآن وسيكون يوما ما رافدا من روافد الحق والإيمان.
والأمر الثالث والأخير في عملية الدعوة يتصل بالوضع الأدبي والمادي داخل الأمة الإسلامية نفسها إن الخلق الزاكي لغة إنسانية عالمية تعجب وتقنع، وبهذه اللغة تفاهم الصحابة والتابعون مع الشعوب التي عرفوها وعرفتهم فدخل الناس في دين الله أفواجا.
стр. 6906
أي أن القدوة الحسنة فردية كانت أو جماعية تفرض احترام العقيدة والحفاوة بها وهذه القدوة ليس دورا تمثيليا يؤدى بالخداع واجتذاب المشاهدين كلا كلا فحبل الكذب قصير إن هذه القدوة هي الحلاوة في الثمرة الناضجة أو الرائحة في الزهرة العاطرة، أي هي نضج الكمال الذاتي وقد شاء الله أن يؤتي السلف الصالح أنصبة جزلة من هذا الحسن الذاتي ففتحت لهم المدن العظام أبوابها وألقت إليهم الجماهير بقيادها..
وإنني أشعر اليوم بغضاضة شديدة حين أرى السائحين والسائحات يجوبون بلادنا ويدرسون أحوالنا، ثم يجاوزوننا بقلة أكثرت أو باستهانة بالغة.
إنهم لا يرون - فيما يشهدون - الإسلام الحق في نظافته وسموه. بل يرون شعوبا أقل منهم كثيرا في المستوى الحضاري ولا أقول في المستوى الخلقي المعتاد.
وتلك أحوال تصد عن الإسلام ولا تغرى باعتناقه، وعالمية الإسلام تفرض على أتباعه أن يقدموا من سلوكهم الخاص والعام نماذج جديرة بالإكبار.
أو على القليل جديرة بالسؤال عن حقيقة الإسلام لمن لم يعرفوا هذه الحقيقة، وما أكثرهم في أرض الله.
стр. 6907
الدين الحق
لفضيلة الدكتور عبد المنعم حسنين
الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية
إن الدين الحق اتباع يظهر في السلوك والعمل، وليس قولا وادعاء لا يطابقهما الفعل، قال الحسن البصري ﵀ ((ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في الصدور وصدقته الأعمال)) .
الدين الحق أساسه الإيمان، والإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان، وقد قال رسول الله ﷺ في حديث متفق عليه: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"
وقال صلوات الله وسلامه عليه في حديث صحيح رواه أبو داود وابن حبان والحاكم وأحمد وغيرهما "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا"
وقال ﷺ في حديث رواه مسلم "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطيع فبقلبه فذلك أضعف الإيمان".
وقد كثر الآن المتحدثون باسم الدين والمتجرون به في الأقطار الإسلامية المختلفة، وارتفعت أصوات هؤلاء ارتفاعا غطى على أصوات المؤمنين الصادقين الذين يدينون دين الحق، وأصبح الأتجار بالدين الحق حرفة رائجة في البلاد الإسلامية، والعجيب أن أكثر الناس في أنحاء مختلفة في العالم الإسلامي يظهرون الحرص على التمسك بأحكام الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتظاهرون بأنهم يحملون أمانة الدعوة إلى دين الله، ويتشدَّدون في نقد من يخالف الكتاب والسنة في أمر من الأمور، ولكن أعمالهم تخالف أقوالهم وباطنهم يختلف مع ظاهرهم وأنهم يقولون ما لا يفعلون.
والذين يتكلمون ولا يعملون كلامهم كالطبل الأجوف يقلق ولا يرشد، لأن الدين الحق يرى في سلوك المتدينين به، والداعية يكسب لدعوته بسلوكه أكثر مما يكسب لها بموعظه، فسلوكه هو التطبيق العملي الحي لما يؤمن به، ويدعو إليه.
стр. 6908
لقد كان رسول الله ﷺ أول المطبقين لأوامر الله في سلوكه ومعاملاته، فكان عمله هديا وإرشاد وتطبيقا لما أنزل عليه وما أمر به، وينبغي أن يكون للمسلمين في رسولهم أسوة حسنة يقول الله ﷻ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ (الأحزاب:٢١)
إن القدوة العملية تصيب من القلوب أكثر مما تصيب الكلمة مهما كانت طيبة ومؤثرة. ونستطيع أن نأخذ الدروس النافعة الهادية من سيرة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ولقد حدث بعد صلح الحديبية أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن ينحروا هديهم ويحلقوا رءوسهم فلم يقم منهم أحد، فدخل على أم سلمة فأشارت عليه أن يخرج ثم لا يكلم أحد كلمة حتى ينحر بدنه ويدعو حالقه فيحلقه، فلما فعل صلوات الله وسلامه عليه قام الناس ينحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا.
هذه حادثة معبرة أصدق تعبير وأوضحه على أن تطبيق الداعية لما يدعو إليه له تأثير قوى فعال في المدعوين، فهذا رسول الله ﷺ ، وهو من هو لما أمر الناس بالنحر ثم الحلق فلم يستجب له أحد، وأخبر أم سلمة فأشارت له بالعمل بدل القول، فلم يكد الرسول صلوات الله وسلامه عليه يخرج إلى القوم ويفعل ما يجب أن يفعل حتى بادر الصحابة رضوان الله عليهم بفعل ما امتنعوا عن فعله حين كلمهم.
أجل إن القدوة العملية تؤثر في الناس أكثر مما تؤثر الأقوال مهما كانت بليغة، فعلى الدعاة أن يكونوا عمليين أكثر منهم قوالين حتى تثمر دعوتهم، وينبغي أن تظهر هذه الثمار في بيوتهم وفي دوائر أعمالهم، فيظهر الدين الحق في سلوك الزوجة والأولاد، والخدم والأحفاد والمتصلين بالدعاة والمشتركين في عمل من الأعمال.
стр. 6909
إن الذي يدعو إلى اتباع الكتاب والسنة والتأسي برسول الله ﷺ والاهتداء بهدية ينبغي أن يتبع هذا بالتطبيق العملي لما يدعو إليه، فيظهر هذا التطبيق في سلوكه وجميع أعماله، وأن يلزم المتصلين به والعاملين معه بتطبيق ما يدعو إليه وما يطبقه هو، وكل تقصير في التطبيق مدعاة للسخرية والاستهزاء، وسبب في أن تصير الدعوة غير مجدية، وغير مؤثرة في القلوب، لأن الدعاة إذا لم توافق أعمالهم أقوالهم كانوا دعاية سيئة لما يدعون الناس إليه
إن دعوة الناس إلى الخير، تقتضي أن يكون الدعاة سباقين إلى الخير، ومطالبة الناس باتباع الكتاب والسنة تستوجب أن يكون الدعاة متبعين للكتاب والسنة في جميع أعمالهم، ونهي الناس عن منكر يحتم أن يكون الناهون ملتزمين لذلك النهي مبتعدين عن المنكر في أفعالهم.
ولهذا أوصى الرسول ﷺ الرجل الذي سأله أن يقول له في الإسلام قولا فصلاً بقوله: "قل آمنت بالله ثم استقم".
ووصية الرسول هذه وصية جامعة لأن إعلان المسلم الإيمان بالله إثبات لولائه لله رب العالمين، واستقامة المؤمن دليل على صدقه في إعلانه الإيمان بالله، وذلك بالتطبيق العملي الدال على صدق القول والإعلان. وقد بشر الله ﷻ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا بالجنة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: ٣٠) .
стр. 6910
فالدين الحق تطبيق وعمل، واتباع لما أمر الله به، واجتناب لما نهى الله عنه واهتداء بهدي رسول الله ﷺ ، أما الذين يقولون ما لا يفعلون فهم أخطر على الإسلام من أعدائه، لأنهم يلبسون زي الدعاة، ويتظاهرون بأنهم يحملون أمانة الدعوة إلى دين الله، ويطالبون الناس بالاستقامة ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، ثم تكون أعمالهم منافية لأقوالهم، فبينما تراهم ينتقدون الناس إذا خالفوا سنة رسول الله ﷺ في أمر من الأمور إذا هم في سلوكهم ومعاملاتهم يخالفون الله ورسوله، فلا يعدلون إذا حكموا بين الناس بل يميلون مع الهوى، ويستبيحون لأنفسهم الظلم وأكل حقوق الغير، ويساندون العاملين تحت إمرتهم إذا ظلموا واغتالوا حقوق الناس وحكموا بغير ما أنزل الله، ولا يلزمون أهليهم بما يدعون الناس إليه، ولا ينتقدون أولادهم إذا ارتكبوا أمراً منكراً من الأمور التي يتشددون في انتقادها إذا ارتكبها غيرهم.
هذا في الواقع ما ابتلي به المسلمون في كثير من أقطارهم، إن هؤلاء المتجرين بالدين يشبهون علماء بني إسرائيل الذين خاطبهم الله ﷻ بقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ٤٤) .
إن الذين يتجرون بالدين أينما وجدوا ينطبق عليهم قول ربنا : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (الكهف: ١٠٣-١٠٤) .
إن مخالفة الداعية في سلوكه لما يدعو غيره إليه أمر يتنافى مع العقل والمنطق السليم مما يجعل دعوته تفقد قيمتها وتأثيرها، بل قد تحدث نتيجة عكسية وهذا هو الخطر الذي يتهدد شباب المسلمين من جهة هؤلاء المتجرين بالدين، الذين يقولون ما لا يفعلون.
стр. 6911
إن الدين الحق أن يصدق العمل القول، وأن يطبق المسلم في سلوكه وفي كل ما يصدر عنه من أفعال ما جاء في كتاب الله وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه.
إن الإيمان الصادق هو الدافع المحرك للقوى الكامنة في نفس الإنسان، وهو الذي يجعل المؤمن في شوق دائم للعمل بما يرضي الله تعالى، فيدفعه إلى تفضيل أعمال البر ليثقل ميزانه يوم القيامة.
فينبغي على المؤمنين الصادقين الذين يدينون دين الحق أن يقفوا في وجه المتجرين بالدين، وأن يكشفوا زيفهم وضلالهم، وأن يحملوا أمانة الدعوة إلى دين الله الحق الذي يزيغ أمامه كل باطل، وأن يعملوا بقول الله جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤) .
وليعلم المؤمنون الصادقون الذين يدينون دين الحق أن أهل الباطل كالزبد يذهب جفاء، وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض.
ولكن على المؤمنين الصادقين أن يعملوا ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:١٠٥) .
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 6912
المصلحة المرسلة [١]
محاولة لبسطها ونظرة فيها
لفضيلة الدكتور علي محمد جريشة
أولا: تقديم وتعريف:
١- إن الله بالناس لرؤف رحيم، لم يخلقهم عبثا بل جعل لهم غاية، ولم يتركهم سدا بل هداهم السبيل وحدد معالمه.. كل ذلك بما شرع لهم من أحكام في دينه، وكانت أحكامه محققة لمصالحهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم.. وقد ثبت لدى العلماء من تتبع أحكام الشرع واستقرائها أنها تحقق مصالح خمسا وتحافظ عليها هي الدين والنفس والعقل والنسل والمال وهي في تحقيقها لهذه المصالح تتدرج بين مراتب ثلاثة:
هي الضرورات: وهو لابد منها لإقامة هذه الخمسة وحفظها، والحاجيات وهي وإن لم تلزم لقيام الخمسة فإنها تلزم لرفع الضيق والحرج عند الأخذ بها، والتحسينات وهي ليست بلازمة لقيام هذه المصالح ولا لدفع الضيق والحرج عند الأخذ بها ولكنها استكمال لحسن الأمر وتحقيق لصالح الخلق [٢] .
وتقف كل مصلحة من المصالح الخمسة مكملة للتي تسبقها وخادمة لها، كذلك تقف كل مرتبة من المراتب الثلاثة مكملة للتي تسبقها وخادمة لها.
ففي المصلحة الأولى وهي الدين تقف في المرتبة الأولى الضرورات، وفي مقدمتها شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلابد من إقامتها لإقامة الدين، ولو أدى ذلك إلى التضحية بالمصلحة التي تليها وهي النفس، وذلك عن طريق الجهاد إعلاء لكلمة الله، وتمكينا لدينه..
ومن الحاجيات المكملة لإقامة الدين ما شرعه الله من تيسير في بعض أحكامه، رفعا للعنت والحرج [٣] ومنعا من الضيق والملل، كأداء الصلاة قعودا لمن كان ذا عذر، وقصرها للمسافر وما شرع الله من عقود وأحكام للمعاملات.
ومن التحسينات المكملة لإقامة الدين ما ينبغي أن يتحلى به المسلم من خلق العفو والصفح الجميل ودرء السيئة بالحسنة.
стр. 6913
ووقوف المصلحة وراء كل حكم أنزله الله أمر يراه كل ذي بصيرة فإن خفيت فإيمان المسلم ويقينه بأن الله لا يريد به إلا اليسر، ولا يشرع له إلا الحق والخير.. كل ذلك كاف لأن ندرك ما قرره علماء الشريعة من أن وراء كل حكم شرعي مصلحة.
والقول بأن وراء كل مصلحة حكم شرعي [٤] ينبغي أن يتقيد بالشروط والقيود التي سنشير إليها، وإلا فليست كل مصلحة يتصورها إنسان يمكن أن يبنى عليها حكم شرعي.
٢- والمصلحة التي يورد الشارع حكما يحققها تسمى مصلحة معتبرة [٥] وتلك التي يأتي النص بعدم اعتبارها تسمى مصلحة ملغاة [٦] .
والتي لم يعتبرها الشارع ولم يلغها هي المصلحة المرسلة [٧]- وهي موضوع هذا البحث.
ثانيا: حجية المصلحة المرسلة:
٣- الوحي –قرآنا وسنة- ليس فقط هو المصدر الأول للأحكام، بل هو المصدر الوحيد للأحكام..
فكيف يتفق ذلك مع ما يعدده الأصوليون من مصادر تقارب العشرة أو تجازوها؟ ووظيفة الإجماع أنه يقوي من هذا الدليل.. والقياس تعرية للحكم الشرعي –الوارد في الكتاب أو السنة- إلى واقعة أخرى لم يرد فيها نص، لاتحاد العلة في الواقعتين.
أما المصلحة.. فهي –كما سيبين بإذن الله- لون من القياس على النصوص في مقاصدها ومعناها، وليس في عبارتها ومبناها، أو هي بعبارة أخرى. حكم بروح النصوص ومقاصدها وليس حكم بعبارتها وألفاظها.
٤- بيد أن الأمر ليس بهذه السهولة التي أشرنا إليها.. فإن دليلا من الأدلة لم يثر جدلا عنيفا ولا غموضا شديدا، ولا تطرفا ذات اليمين وذات اليسار.. كما أثارت المصلحة المرسلة..
فالبعض أفرط فقدمها على النصوص. والبعض فرط فرفضها رفضا مطلقا. وبين هذا الفرث والدم.. كان رأي الجمهور وسطا سائغا للفاقهين..
٥- وقبل أن نشير إلى هذه الثلاثة نقول إن المصلحة لا عمل لها في دائرة العقيدة لأنها مبنية على اليقين، والمصلحة لا تفيد إلا الظن، كذلك لا عمل لها في ميدان العبادات.
стр. 6914
(الشعائر والنسك) لأن نصوص القرآن والسنة جاءت مفصلة لها ومبنية، فضلا عن أن أغلب أحكامها ليس له ظاهرة أو مصلحة واضحة لأنها أساسا جاءت اختبارا لمدى طاعة العبد، ويأخذ حكم العبادات ما جرى مجراها من حدود ومقدرات وسائر ما استأثر الله بعلم تفصيلات المصلحة فيه [٨] .
أ- المصلحة بين الإفراط والتفريط:
٦- تنازع التطرف المصلحة فالبعض قال بتقديمها على النصوص، والبعض قال برفضها.. ولكل وجهة هو موليها وتشير إلى الطرفين وحججها.
٧- أما الإفراط فيحمل لواءه نجم الدين الطوفي –الذي قيل إنه حنبلي لكن التحقيق أنه يميل إلى التشيع [٩]- وقد عرض لرأيه في معرض شرحه لما روى عن رسول الله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار" [١٠] ، وقال إنه يرى الأدلة الشرعية تسعة عشر دليلا جعل في مقدمتها النص والإجماع واعتبرها أقواها، ولكنه عاد فقال إن المصلحة تتقدم النص والإجماع إذا تعارضت معه [١١] .
ولم يشأ نجم الدين الطوفي خلال عرضه الطويل أن يقدم مثلا واحدا لتعارض النص مع مصلحة حقيقية!
وبغض النظر عما ثار حول عقيدته، فإن رأيه يناقض بعضه بعضا، ويتهاتر أوله مع آخره حتى يسقط عن مستوى الاستدلال.. فإنه بعد أن صرح بتقدم النص والإجماع عاد فصرح بتقدم المصلحة على النص والإجماع، وهو وإن أجعل التعارض شرطا.. فإنه لم يستطع أن يقدم مثلا واحدا للتعارض!
فضلا عن أنه إذا تعارضت المصلحة مع النص.. فإنه يسقط الاستدلال بها إذ تغدو مصلحة ملغاة.. لا مرسلة ولا معتبرة!
٨- وقد نسب إلى الإمام مالك أنه قال إن المصلحة تخصص عام القرآن وتقيد مطلقه [١٢] ، وليس في أصول الإمام مالك ولا فقهه ما يؤيد ذلك.
стр. 6915
كذلك نقل عن الإمام مالك أنه قال بتعذيب المتهم لإجباره على الإقرار –استنادا للمصلحة المرسلة- وقد ثبت بالتحقيق أنه ليس رأيا للإمام مالك، وأن هناك رأيا لسحنون في هذا الموضوع لكنه حرف ونقل على هذا النحو، ثم حرف ونسب إلى الإمام مالك [١٣] .
هذا بعض عن جانب الإفراط.
٩- أما جانب التفريط: فقد ذهب إليه أولئك الذين رفضوا المصلحة نهائيا [١٤] ولأهمية هذا الحكم، ولسقوط كثير من حكام المسلمين في هذا الإثم نذكر شيئا من التفصيل، فنقول بعون الله:
. إن الرجوع إلى كتب المذهب تكشف خطأ نسبة هذا الرأي إلى مالك، بل تثبت عكس ذلك تماما فهو يقول ((لا أقيم الحد إلا أن يقر بذلك آمنا لا يخاف شيئا)) (المدونة –ج ٦. ص ٩٣ طبعة السعادة) .
. والذي يبدوا أن الرأي حرف عن سحنون! إذ قال: ((إن إقرار المتهم في حبس سلطان عادل إقرار صحيح)) لكن تفحص العبارة يفيد عكس التحريف الذي فهمت به، فهو يقيد صحة الإقرار بعدالة السلطان إن كان المتهم محبوسا.. مما يفاد منه أنه إذا كان ثمة إقرار لسجين في سجن سلطان غير عادل فلا قيمة له.. لأن السجن في مثل هذه الحالة يمثل لونا من الإكراه يشوب الإقرار ومن ثم يغدو مرفوضا، وإذا كان السجن يشكل وحده لونا من الإكراه. أفلا يشكله التعذيب؟!
. ويشير الإمام الشاطبي في الاعتصام (ج ٢ ص ٢٩٣، ٢٩٤- مطبعة المنار بمصر) إلى نفس الرأي السابق وينسبه إلى الإمام مالك ويشير إلى أن العذاب المقصود هو السجن، ونحسب أن الشاطبي بذلك نقل رأي سحنون على أنه رأي مالك فهو الذي رأى أن إقرار المتهم في حبس سلطان عادل يعتد به، وهو ما أشرنا إلى أنه يفيد عكس ما يقررون، ومع ذلك فقد أضاف الشاطبي إلى أن أصحاب مالك مضوا على الضرب لإمكان استخلاص الأموال من أيدي السراق والغصاب وأشار نقلا عن الغزالي إلى أن الإمام الشافعي لا يقول بذلك. (ص ٢٩٥ نفس المرجع) .
стр. 6916
ولقد نعلم أن البعض قد يحاجج بما كان من رسول الله ﷺ يوم خيبر إذ أمر الزبير أن يمس عم حيي بن أخطب بعذاب ليعترف على ما خبأه ابن أخيه، وبيان ذلك أن رسول الله ﷺ قاتل في غزوة خيبر فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء، واشترط عليهم أن لا يكتموا شيئا ولا يغيبوا شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد: ومع ذلك فقد غيبوا مسكا فيه مال، وحلي لحيي بن أخطب كان قد حمله إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله ﷺ لعم حيي بن أخطب: "ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير"، فقال أذهبته النفقات والحروب، فقال: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك"، فدفعه رسول الله ﷺ إلىالزبير فمسه بعذاب، وقد كان قبل ذلك دخل قرية، فقال قد رأيت حييا يطوف في خربة ها هنا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله ﷺ ابني أخ الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أبي أخطب، وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا (عن زاد المعاد لابن القيم الطبعة الأولى ١٣٥٣هـ ج ٢) .
. ونحن نلاحظ على هذه الرواية التي قد يحاجج بها البعض ليجعل للتعذيب شرعية:
١- أن الأمر كان في حالة حرب بين مسلمين وغير مسلمين.
٢- أن العذاب لم يقع على أحد من المسلمين، وإنما وقع على يهودي محارب.
٣- أن النصوص كثيرة متواترة على حفظ دم المسلم وعرضه وماله، بل إن بعضها يجعل حرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة بيته المحرم.
٤- أنه قد بدر من الفريق الآخر بعد الصلح نكث للعهد ولذا أمر الرسول ﷺ بالقتل والسبي.
стр. 6917
٥- أنه ليس هناك ما يفيد في هذه الرواية أن ما وقع على عم حيي بن الأخطب كان لحملة على الاعتراف، بل الأرجح أنه كان عقابا على كذبه على رسول الله ﷺ حين سأله، وعلى نكثه العهد حين اشترط عليهم الرسول ألا يكتموا وألا يغيبوا! وإذا كان الرسول ﷺ قد أمر بالقتل والسبي جزاء على ذلك فإن الضرب جزاء دون ذلك الجزاء!
وقد يكون هذا التفريط رد فعل لذلك الإفراط، لكنهم يبررون ذلك بما يلي:
١- أن الله سبحانه إذا قرر ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ قد كفل له من الأحكام ما يكفل له تنظيم حياته دون حاجة إلى جديد ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ .
٢- أن المصالح الحقيقية هي التي وردت بها الأحكام، وما لم يرد به حكم فليس بمصلحة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
٣- أنها مظنة الحكم بالهوى ما دامت ليست معتبرة من الشارع، بل هي مترددة بين الاعتبار والإلغاء وفي هذا يقولون إنها ما دامت مترددة بين الاعتبار والإلغاء فإن انحيازها إلى جانب الاعتبار ليس أولى من انحيازها إلى جانب الإلغاء [١٥] .
ب. المصلحة المرسلة عند الجمهور:
١٠- شاع لدى البعض أن الإمام مالك وحده هو الآخذ بالمصالح المرسلة كدليل من أدلة الأحكام الشرعية [١٦] وأضاف البعض إليه الإمام أحمد.
لكن النظر الدقيق يثبت أن الأئمة الأربعة أخذوا بها وإن كان ذلك تحت مسميات أخرى فالعبرة بالمعنى قبل المبنى.
فالإمام الشافعي عالجها تحت باب القياس وهذا في رأيي نظر ثاقب من الإمام الشافعي لأن المصلحة قياس معنى وإن لم تكن قياس لفظ كما سيبين إن شاء الله والإمام أبو حنيفة عالجها تحت باب الاستحسان والعرف [١٧] .. والمصلحة قريبة من الاستحسان..
стр. 6918
وعلى ذلك يمكن أن نقول أن المصلحة كدليل شرعي مسلم بها من جمهور الفقهاء.
١١- ودليلهم في ذلك:
(١) أن الشارع دلً عليها على سبيل الإشارة، حين بين لنا الأحكام وكشف في بعضها عن المصالح التي تتحقق من ورائها.. فكأنه سبحانه. بذلك يدل على أن وراء كل حكمة مصلحة، وكأنه بذلك سبحانه يدلنا على أن نقيس على المصالح، فبعد أحكام الصيام نجد قول الله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .
وبعد أحكام الوضوء نجد قول الله ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُم﴾ وعن الصلاة يقول سبحانه ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ .
وفي تحويل القبلة يقول سبحانه ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ . وفي القصاص قول الله سبحانه ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَاب﴾ .
فماذا على الناس بعد ذلك أن يرعوا المصالح التي أرشد إليها رب الناس؟
(٢) إن المصالح تدور في فلك مقاصد الشارع التي استقرئت من أحكامه وهي:
الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
وبالنظرة الفاحصة فإن الأخذ بالمصلحة على هذا النحو يمثل لونا من القياس على النصوص ليس في عبارتها ومبناها ولكن في مقاصدها ومعناها [١٨] ..
فهي ليست كما ظن البعض انفلاتا من النصوص أو خروجا عليها أو حكما بالرغبة والهوى والتشهي وإنما هي حكم بالنصوص بروحها ومقاصدها إلى جوار ألفاظها وعبارتها.
وهي بذلك تحقق شمولا واتساعا ومرونة هي سر من أسرار خلود هذه الشريعة.
(٣) سلك الصحابة سبيل الاجتهاد بناء على المصلحة، فجمع أبو بكر المصحف ودوًن عمر الدواوين وسك العملة، وعلى ضمن الصناع وقال ((لا يصلح الناس إلا ذاك)) .
стр. 6919
والصحابة في ذلك لا يصدرون عن رأي مجرد أو هوى متبع، وإنما يصدرون عن القرآن الذي تلقوه، والنبي ﷺ الذي تعلموا على يديه، ومسلكهم في هذا السبيل نقتدي به ونقتفي أثره عملا بأمر الرسول ﵊ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".
ولقد وقع البعض في خطأ كبير إذ ظنوا أن الصحابة كانوا يعملون المصلحة ولو صادمت النصوص.
(٤) أن النصوص كألفاظ وعبارات قد تتناهى، وحاجات الناس لا تتناهى والمصلحة كقياس –معنوي- إلى جوار القياس اللفظي تحقق الاتساع والشمول الذي يكفل مواجهة الحاجات المتجددة.
١٢- وهذه الحجج نفسها تتضمن الرد في نفس الوقت على حجج من رفضوا المصلحة، إذ قامت أغلب حججهم على افتراض خروج المصلحة عن دائرة النصوص والأحكام الشرعية، ومن ثم ظنوها حكما بالهوى، أو اعتبروها خروجا على الدين بعد إذ اكتمل، وهو ما رأيناه داحضا بعد أن بلغنا إلى اعتبار المصلحة لونا من القياس على روح النص ومبناه، فليس ثمة خروج فيها على النصوص..
أما قول الأولين إن انحياز المصلحة المرسلة إلى جانب الاعتبار ليس بأولى من انحيازها إلى جانب الإلغاء.. فمردود بأن هذا الانحياز راجع إلى أن ما تحققه المصلحة المرسلة يضاهي ما تحققه المصلحة المعتبرة، وأن المصلحة المرسلة تدور في فلك نفس المقاصد التي تدور فيها المصلحة المعتبرة.
ج- شروط المصلحة:
١٣- المصلحة عند الجمهور قائمة على أسس يصح أن تعد شرطا فهي:
(١) لا تصادم نصوصا ولا إجماعا.
وإلا كانت مصلحة ملغاة، لأن معنى إرسالها أن الشارع لم يلغها ولم يعتبرها.
(٢) أن تحقق أحد المصالح الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، أي أن تكون المصلحة من جنس هذه المصالح.
(٣) أن تكون حقيقية وعامة.
لأنها إن لم تكن حقيقية كانت وهما، والوهم لا ينبني عليه حكم شرعي.
стр. 6920
وإن لم تكن عامة كانت خاصة، والأحكام في الشريعة لا توضع لفرد ولا لبعض وإنما هي للناس كافة بغير تفرقة.
وهذه الشروط في حقيقتها مستمدة من طبيعة المصلحة، ومن كونها دليلا شرعيا.
١٤- ولقد أضاف البعض إلى ذلك شروطا أخرى:
فقد نقل عن الشافعي أنه يشترط فيها أن تكون ((شبيهة بالمعتبرة)) .
ونقل عن الغزالي اشتراطه كونها ((ضرورية)) .
أما شرط الشافعي فهو في حقيقته الشرط الثاني الذي أشرنا إليه أن تكون من جنس المصالح التي جاء بها الشارع.. وبهذا تكون شبيهة بالمعتبرة.
وأما شرط الغزالي أن تكون المصلحة ضرورية [١٩] فإنه قد يشعر بحصر نطاق العمل بالمصلحة المرسلة على مرتبة الضروريات دون سائر المراتب الأخرى (الحاجيات والتحسينات) وذلك قد يصح إذا اقتصرنا على أحد مؤلفاته ((المستصفى)) لكن هذا الظن قد يتبدد إذا رجعنا إلى سائر مؤلفاته [٢٠] .
ولعل ما جاء بالمستصفى كان بيانا لما هو موضع اتفاق بين الجميع، إذ يعمل بالمصلحة الضرورية عند جميع الفقهاء بلا استثناء، وذلك في ظننا راجع إلى القاعدة الأصلية ((الضرورات تبيح المحظورات)) [٢١] .
كذلك قد يكون الغزالي في معرض بيان الترجيح بين مصلحة ضرورية وأخرى أوفى منها فهو يخص الضرورية بالعمل والتقديم..
ولقد يكون ما ضربه الغزالي مثلا دليلا على ذلك، فهو يضرب مثلا بحالة تترس الكفار ببعض المسلمين، فنحن إزاء مصلحتين: الحفاظ على حياة المسلمين الذين تترس بهم الكفار، ثم الحفاظ على الدين بهزيمة هؤلاء الكفار وفي مراتب المصالح تتقدم المصلحة الأخيرة على المصلحة الأولى لأنها ضرورية وقطعية (أي حقيقية) وكلية (أي عامة) [٢٢] .
ثالثا: ما نسب إلى الصحابة خطأ حول المصلحة:
١٥- تولى نجم الدين الطوفي كبر تقديم المصلحة على النصوص.
стр. 6921
وقد قدمنا أن لا مصلحة خارج النصوص وأن المصلحة الحقيقية لا تكون إلا داخل دائرة النصوص في فحواها ومبتناها وأنها إن خرجت.. كانت مصلحة ملغاة لا يعتد بها في مجال الأحكام الشرعية.
لكن الذين اقتفوا أثر نجم الدين الطوفي وساروا في دربه استدلوا على صحة القضية بعمل الصحابة، وعلى وجه التغليب استدلوا بعمل عمر بن الخطاب ﵁، وقالوا عنه أنه كان يقدم المصلحة على النصوص [٢٣] .
وجاوزوا في ذلك الحق والحقيقة.. فما كان لصحابة رسول الله ﷺ الذين تربوا في مدرسة الوحي وقدروه حق قدره أن يخرجوا على الوحي عملا بما يسمى المصلحة!!
ولسان حال هؤلاء الصحابة ما قاله أبو بكر الصديق أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا أنا قلت في كتاب الله برأيي.. فمجرد التأويل بالرأي في كتاب الله وليس خارجه يعده أبو بكر كبيرة لا يتصور معها أن تقله أرض الله أو تظله سماؤه أما عمر فهو وإن اجتهد فقد كان يجتهد داخل دائرة النصوص بحثا عن حكم الله أما أن يخرج على النصوص تفضيلا للمصلحة عليها.. فهذا لا يتصور من عمر.. لأن معنى ذلك أن يتقدم برأيه على الوحي وهو الذي يتلوا قول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، وهو الذي ضرب رأس منافق راح يحتكم إليه بعد أن احتكم إلى رسول الله، فقال له عمر بعد أن خرج بسيفه وهوى عليه: هذا حكم عمر فيمن لا يرضى حكم الله ورسوله.
ولو دقق أولئك الباحثون فيما احتجوا به من أمثلة لوجدوا لها تفسيرا آخر غير أن يقولوا إن الصحابة قدموا المصلحة على النصوص.
ونورد فيما يلي الأمثلة لنناقشها ونتبين قصد عمر منها:
١ - إبطال سهم المؤلفة قلوبهم:
стр. 6922
١٦- قيل إن عمر ﵁ أبطل سهم المؤلفة قلوبهم الوارد في مصارف الزكاة في الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ ..
وذلك إعمالا للمصلحة في مواجهة النص.
١٧- لكن النظرة الفاحصة تكشف غير ذلك.
إن لكل حكم مناطا للتطبيق، ومنط تطبيق هذا النص هو تأليف القلب، وقد نظر عمر فإذا الإسلام قد عز، ودانت له أكبر إمبراطوريتين في العالم. ولم يعد الإسلام بحاجة إلى تأليف القلب أو إلى المؤلفة قلوبهم، وإذا كان النص يدور حول علته وجودا وعدما، فإن إعمال النص نفسه يقتضي الكف عن إعطاء هذا الفريق من الناس بعد أن عز الإسلام وعزت دولته!
أفليس هذا اجتهاد داخل النص..؟! أم يفتات على عمر ويقال إنه قدم المصلحة على النص؟!
٢- في قتل الجماعة بالواحد:
١٨- قيل إن عمر إذ قرر قتل الجماعة بالواحد قد فعل ذلك بناء على المصلحة مصادمة للنص الكريم ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ وقوله ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ..﴾ .
١٩- ولم يكن عمل عمر تشريعا كما تصور البعض.
إنما كان تطبيقا للنص بفهم عميق:
إن التعريف في النفس يعني ((الجنس)) ولا يعني ((المفرد)) والباء في النفس التالية هي باء السببية.. وعلى ذلك فإن النص يعني أن كل نفس شاركت في القتل تقتل بالنفس التي قتلت أي بسبب هذه النفس المقتولة.
стр. 6923
وقد فهم ذلك الوضعيون أخيرا حين جعلوا جزاء القتل لكل من ساهم فيه وجعلوا مجرد الوقوف في الطريق العام لملاحظته دون اشتراك مادي في الجريمة تجعل صاحبها فاعلا أصليا يستحق نفس العقوبة.. وما دون ذلك جعلوه شريكا له نفس عقوبة الفاعل الأصلي ولئن تنكب الوضعيون السبيل فلم يجعلوا العقوبة هي القتل إلا في ظروف معينة قلما تثبت، ومن ثم فلم يعد الناس يجدون شفاء لصدورهم في تلك العقوبات الهزيلة.
ولئن تنكبوا السبيل كذلك فلم يجعلوا لولي الدم العفو أو القصاص أو الدية بما يكفل شفاء الصدر لهم.
فإن عقوبة الإسلام لا تحتاج إلى سبق إصرار ولا ترصد ولا اقتران بجريمة أخرى.
كما أن ولي الدم له الحق بين القصاص أو الدية أو العفو.
كذلك فإن اجتهاد عمر بقتل الجماعة بالواحد يجعل في تطبيق النص على هذا النحو شفاء للصدر أيما شفاء.. أمر عجزت عنه كل الأنظمة الوضعية!
أفنلوم عمر بعد ذلك أن اجتهد في فهم النص وتطبيقه؟!
٣- تعطيل حد السرقة عام المجاعة:
٢٠- نسب إلى عمر أنه عطل حد السرقة عام الرمادة بناء على المصلحة وأنه بذلك يقدم المصلحة على النص.
٢١- والحق أن الأمر ليس تقديما للمصلحة على النص ولا تعطيلا لحد من حدود الله.. ولكنه بولايته العامة وجد أن شروط النص غير منطبقة إذ يوجد شبهة قوية تحول دون تطبيق الحد أو تدرؤه، وهو الذي سمع رسول الله ﷺ يقول:"ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" وسمعه كذلك يقول: "لئن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" وهو الذي ترجمه القانونيون المحدثون بقولهم ((إن العدالة تتأذى من إدانة برئ واحد لكنها لا تتأذى من تبرئة مائة متهم)) .
وهو الذي جاءه صاحب بستان يشكو سرقة خادمه لثمار البستان فلما حقق القضية وجد أن صاحب البستان لا يعطي خادمه ما يكفيه.. فقال له عمر لو سرقت بعد ذلك لقطعت يدك أنت..
стр. 6924
هذا الفقه السليم لإقامة الحدود الإسلامية هو الذي فقهه عمر فوجد أن الرمادة شبهة كبيرة تدرأ الحد.. فوجد أن شروط النص لا تنطبق..
وليس معنى ذلك تقديم المصلحة على النص.. إنما هو اجتهاد داخل النص نفسه للبحث في توافر شروط الجريمة وشروط العقوبة..
وهكذا لم يفهم البعض عمر.. ولا فقه عمر..!
٤-إيقاع طلاق الثلاث بلفظ واحد طلاقا بائنا:
٢٢- قالوا إن عمر خالف صريح القرآن في قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَان﴾ أي دفعتان، وخالف سنة رسول الله ﷺ العملية إذ كان يوقع طلاق الثلاث طلقة واحدة، فقد روى ابن عباس ﵁ ((كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق ثلاث واحدة فقال عمر ابن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم)) [٢٤] .
٢٣- ويرد على ذلك بالآتي:
أ- أن هذا الحديث ضعفه كثير من من رجال الحديث [٢٥] .
ب- أنه وردت أحاديث أخرى تفيد العكس أن عمل عمر كان هو عمل الرسول ﵊.
جـ- أنه على فرض التسليم بصحة الحديث فإنه يعني أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ يوقعون طلقة واحدة، لكنهم في عهد عمر صاروا يوقعون الثلاث دفعة واحدة، يدل على ذلك ما جاء في آخر الحديث ((إن الناس استعجلوا أمرا كانت لهم فيه أناة)) ، أي أن الحديث يحكي الحال الذي كانوا عليه والحال الذي صاروا إليه، فهو حديث عن تغير عادة الناس وليس عن تغير الحكم في المسألة [٢٦] .
د- الآية الكريمة ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ لا تعني ((دفعتان)) فقد ورد كذلك قول الله ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْن﴾ وقوله ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ولم يقل أحد إنها تعني أن الأجر والعذاب يكون على دفعات [٢٧] .
رابعا: نظرة في المصلحة المرسلة:
стр. 6925
٢٤- لعل وجه المصلحة بعد هذا العرض الطويل قد بان بغير غيش ولا تشويه، بعد أن قضت في كتب الأصول وقتا طويلا غير واضحة المعالم. ولعلها بانت تطبيقا لروح الشريعة ومقاصدها، وليس خروجا عليها أو انفلاتا منها، ولعل الشروط التي تقدمت من عدم مصادمتها للنصوص، ومن دورانها في فلك المقاصد الخمسة التي تدور حولها أحكام الشرع كلها، ومن كونها حقيقية وعامة، لعل هذه الشروط ضوابط تحرسها أن تكون مظنة الحكم بالهوى أو التشهي!
ثم لعلها بذلك تحقق المرونة داخل إطار الإسلام فنواجه بروح النصوص كل جديد لم يرد به نص ولم يمكن قياسه على نص، وتؤكد بذلك صلاحية هذه الشريعة وخلودها على مر الأيام وتجدد الحاجات والرغبات.
وهي تحقق المرونة في المجال الذي يحتاجها وهو مجال المعاملات.
أما مجال العقيدة والعبادات وما يجري مجراها فهو بعيد عن عمل المصلحة قائم على التطبيق المباشر للنصوص.
وهي بعد ذلك ليست مصدرا مستقلا للأحكام لكنها وسيلة أو أداة للاجتهاد أو الاستنباط ترد الأمر أخيرا إلى الله ورسوله.. فما تكشف عنه المصلحة هو حكم الله في الموضوع.. لأنه رد إلى نصوص الكتاب والسنة في معناها دون مبناها وفي غاياتها ومقاصدها دون عباراتها وألفاظها.
وإن أمثلة المصلحة الكثيرة [٢٨] يمكن ردها بيسر إلى نصوص الكتاب والسنة، بدليل أن الأمثلة التي ضربوها على أنها مصادمة للنصوص وتقديم للمصلحة عليها تبين أنها تطبيق للنصوص ذاتها وليس ثمة خروج عنها!
وبعد
فهل آن للمخلصين من الفاقهين أن يعيدوا كتابة فقهنا الإسلامي وأصوله بعد أم طال عليه الأمد حتى أصاب وجهه المضيء الكثير من التشويه أو الغبار..؟
وهل آن لهم بعد ذلك أن يدخلوا مجال الاجتهاد ليقدموا للأمة الإسلامية الحلول الشرعية لمشاكلها بدلا من أن تستورد الحلول وتستورد معها الانحلال من الغرب ومن الشرق؟!
стр. 6926
هل آن لهم أن يقفوا وقفة ((مضرية)) في وجه الراغبين عن شريعة الله، المنفذين أو الراضين بما لم يأذن به الله..؟!
والله لو فعلوا لتغير وجه الأرض، ولتغير وجه التاريخ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. والحمد لله رب العالمين.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] يذكرها البعض في بحوث ((أدلة الأحكام الشرعية)) ويتناولها آخرون تحت عنوان مصادر الأحكام الشرعية. ويظنها كثيرون خروجا عن الكتاب والسنة.. وسوف نرى بمشيئة الله كيف يمكن بيسر ردها إلى الكتاب والسنة.
[٢] المستصفى للغزالي ج ١، ص ٢٨٣، رسالة دكتوراه للأخ الدكتور محمد سعيد البوطي، ١٣٨٥هـ-١٩٦٥م صفحات ٧٨ وما بعدها ص ١٨١، ١٨٥-١٨٧.
[٣] دفع الحرج غالبا يكون تحقيقا لحاجة لكنه قد يكون ضروريا إذا تعارضت مصلحة شخصية مؤكدة مع محرم لغيره لا محرم لذاته، ذلك أن المحرم لذاته لا يباح إلا لضرورة كأكل الميتة ولحم الخنزير وأكل مال الغير أما المحرم لغيره فهو يباح للحاجة ولا يشترط الضرورة، فرؤية عورة المرأة محرم لغيره لا محرم لذاته إذا هو محرم لما قد يفضي إليه من زنى.. لذلك أجيز للطبيب رؤية عورة المرأة لحاجة المرض.
((موسوعة الفقه الإسلامي –جمعية الدراسات الإسلامية، إشراف الشيخ أبو زهرة ص ٥٠، ٥١)) .
[٤] من العبارات الجارية ((إذا وجدت المصلحة فثم شرع الله)) وهذه إن تركت بغير قيود كانت خطأ إذ ليس كل مصلحة –أيا كانت- تحقق شرع الله، ولكن إن فهمت مع قيودها وضابطها كانت صحيحة على النحو الذي سنشير إليه –راجع عز الدين بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام ج ١ ص ٤.
стр. 6927
[٥] مثلها ما شرعه الله من إفطار المسافر والمريض فقد أردف ذلك بقوله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وما شرعه الله من قصاص لتحقيق حياة رافهة بالحق والعدل فاكهة بالأمن والطمأنينة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ .
[٦] ومثلها ما قد يظنه البعض مصلحة، لكن الشارع الحكيم نهى عنه.. مثل الربا والزنى وشرب الخمر.
[٧] راجع أمثلة كثيرة للإمام الشاطبي في الاعتصام ج ٢ ص ٢٨٧-٣٠٤٠ وراجع قبلها حديثه عن المصلحة أو الاستدلال المرسل ص ٢٨٣-٢٨٧.
[٨] الاجتهاد بالرأي للمرحوم الشيخ عبد الوهاب خلاف ص ٨٢، سلم الوصول لعلم الأصول للشيخ عمر عبد الله ص ٣١١، ٣١٢.
[٩] انفرد نجم الدين الطوفي دون سائر الحنابلة بهذا الرأي، وقد نقل ابن رجب في طبقاته (ج ٢ ص ٣٦٦، ٣٦٧) وابن عماد في شذرات الذهب (ج ٦ ص ٢٣٩) أن نجم الدين الطوفي انحرف إلى التشيع ثم الرفض، وقد حاول الدكتور مصطفى زيد في رسالته الدفاع عنه، وعلق على ذلك الإمام محمد أبو زهرة.. فإن النصوص التي نقلها مستشهدا بها لنفي التشيع تطوي في ثناياها دليل إثباته، وكل نص ساقه دليل للنفي هو في مغزاه ومرماه وباعثه دليل الإثبات (المصلحة ونجم الدين الطوفي ص ٩) وينقل الدكتور معروف الدواليبي أن الشيعة نفسهم يتبرأون من نجم الدين الطوفي فقد قال عنه الشيخ عبد الحسين شرف الدين شيخ علماء جبل عامل وإمامهم: ((وسليمان الطوفي من الغلاة الذين مازالت خصومنا تحملنا أوزارهم)) (علم أصول الفقه للدواليبي ٢١٥، ٢١٦) ولا يفوتنا بعد ذلك الإشارة إلى ما ذكره بعض المؤرخين من أنه تاب عن الرفض والتشيع (البوطي ص ١٤٣، ومع ذلك فإنه يتحمل أمام الله والتاريخ مسؤولية تلك الفتنة التي أثارها والتي مازال صداها يجلجل به أعداء الإسلام.
стр. 6928
[١٠] ،٣ الدكتور مصطفى زيد، ومن رأي الطوفي بعض المحدثين الذين سنشير إليهم فيما بعد إن شاء الله.
[١١]
[١٢] محمد أبو زهرة، أصول الفقه ص ٢٧٤، المرحوم عبد الوهاب خلاف في علم أصول الفقه ص ٢٣٣، ٢٣٤، الدواليبي ص ٢١٥.
[١٣] البوطي ص ١٣٣، ١٣٤، ٢٤٧.
[١٤] وهم القاضي أبو بكر الباقلاني والأمدي من الشافعية وبعض الظاهرية، وليس صحيح أن الغزالي منهم (البوطي ٢٩٥، ٢٠٣، الاعتصام للشاطبي ج ٢، ص ٢٨٢) .
[١٥] الشيخ محمد زكريا –أصول الفقه ص ٢٣٩، الدكتور عبد الحميد متولي- مبادئ نظام الحكم في الإسلام ص ١٢٢ ومن نقلوا عنهم.
[١٦] الرسالة للشافعي ٥١٥، عبد الوهاب خلاف –ص ٨٣، ٥١٦، الاجتهاد في الرأي للمرحوم عبد الوهاب خلاف ص ٨٣.. سلم الوصول إلى علم الأصول للشيخ عمر عبد الله ص ٣١٥- وراجع ذلك ابن حجر في فتح المبين لشرح الأربعين ص ٩٤ ط، الزنجاني في تخريج الفروع على الأصول ص ١٦٩-١٧١.
[١٧] الغزالي في كتابه المنخول –مخطوط- ورقو ١٣١-١٣٣ (تحت رقم ١٨٨ بدار الكتب المصرية) .
[١٨] في هذا المعنى يقول الأستاذ أبو زهرة.. المصلحة من جنس المصالح التي أقرها الإسلام فهي رجوع إلى عموم المقاصد التي أخذت من النصوص (تاريخ المذاهب الفقهية –ج ٢ ص ٤٠٠) .
[١٩] المستصفى للغزالي ج ١ ص ١٤١ وشروطه أن تكون ضرورية، وقطعية، وكلية، والشرطان الأخران هما اللذان أشرنا إليهما من فبل ((أن تكون حقيقية وعامة)) أما الشرط الأول فقد أولناه في المتن.
[٢٠] جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ج ٢ ص ٢٨٤، وشفاء الغليل ص ١٨٨ وفي هذا المرجع أشار الغزالي إلى الأخذ بالمصالح في دائرة الحاجيات، وفي المنخول –ورقة ١٣٥- أطلق الأمر دون شروط - راجع الدكتور البوطي المرجع السابق- الإمام الشاطبي في الاعتصام ج ٢ ص ٢٨٢، ٢٨٣.
стр. 6929
[٢١] ،٢ -الدكتور البوطي- المرجع السابق والأستاذ أبو زهرة أصول الفقه ص ٢٧٢، والأستاذ عبد الوهاب خلاف في الاجتهاد بالرأي ص ٩٤.
[٢٢]
[٢٣] راجع الدكتور مصطفى زيد في رسالته: المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي –الطبعة الثانية ١٣٨٤هـ -١٩٦٤م، ص ٣١ فقرة ٢١- الأستاذ علي حسب الله، أصول التشريع الإسلامي ص ١٥٦ الدكتور عبد الحميد متولي مبادئ نظام الحكم في الإسلام ص ١٢٦. ولقد كان البعض الآخر أكثر اعتدالا إذ قال أن الصحابة قدموا المصلحة على القياس (الدكتور محمد يوسف موسى: في التشريع الإسلامي وأثره في الفقه الغربي ص ٢٥) ولئن كان من الصحابة هذا اللون من التقديم فهو صح استحسانا إذ الاستحسان عدول عن قياس جلي إلى قياس خفي، والمصلحة ضرب من القياس ((قياس المعنى)) وهي بالنسبة لقياس اللفظ تغدوا قياسا خفيا- والله أعلم.
[٢٤] رواه مسلم.
[٢٥] في مقدمتهم ابن عبد البر الذي أنكر رواية طاووس –وفي تفسير القرطبي ج ٣ ص ١٢٨ حديث عن ابن عباس ﵄ فيمن طلق زوجته ثلاثا أنه قد عصى ربه وبانت منه امرأته.
[٢٦] الأستاذ محمد الرفزاف، دروس لقسم الدكتوراه بكلية الحقوق جامعة القاهرة، العام الدراسي ١٩٦٠.
[٢٧] القرطبي ج ٣ ص ١٢٨_١٣٠.
[٢٨] من الأمثلة على ذلك:
ما حدث على عهد أبي بكر الصديق من جمعه القرآن، وقتاله المرتدين، واستخلافه عمر بن الخطاب.
_ أما جمعه للقرآن فرد المصلحة فيه إلى النصوص أمر يسير
стр. 6930
فهو تحقيق لوعد الله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، وهو قياس على عمل قام به النبي ﷺ وهو أمره بكتابة القرآن فهو لون من الحفظ والجمع لون آخر، والمصلحة بعد ذلك تحقق المقصد الأول من المقاصد الخمسة وهو حفظ الدين- أما قتال المرتدين.. ففيه نصوص من الكتاب والسنة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقد جعل شرطين آخرين بعد التوبة للكف عن القتال وهما إقام الصلاة وإيتاء الزكاة فإن تخلفت إحدهما وجب القتال ومن الحديث قول الرسول ﵊ "من بدل دينه فاقتلوه" ومنع الزكاة جحودا تبديل للدين وقول الرسول ﵊ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" فقد جاء في نهايته إلا بحقه.. والزكاة من حقه –أما الاستخلاف.. فهو محض عمل سياسي شبيه بما يسمى هذه الأيام ((الترشيح)) وهو من قبيل الأعمال التنفيذية الداخلية فيما سكت عنه الشرع رحمة بنا غير نسيان.
стр. 6931
الأدلة والبراهين على حرمة التدخين
فضيلة الشيخ إبراهيم محمد سرسيق
المدرس بكلية الحديث والدراسات الإسلامية
لقد أجمع من يعتد برأيهم من علماء الإسلام: أن التدخين وباء لا يقبل عليه العقلاء، واستندوا في تحريمه إلى عدد من النصوص الصريحة، التي تشير بأوضح بيان إلى حرمة التدخين وخطره على الإنسان، لما يسببه من الأضرار في النفس وفي المال، وهما من الجواهر الخمس التي تجب حمايتها على كل مسلم.
أليس التدخين من الخبائث التي يجب أن تتنزه عنها أمة محمد ﷺ وهي خير أمة أخرجت للناس؟
إننا سنورد هنا من أقوال المختصين ما يوضح طبيعة التدخين الخبيثة، بحيث تنقطع كل شبهة في تحريمه على كل نفس مسلمة تخشى الله وترهب عقابه.
ولنمض الآن في توضيح الأصول الأولى –التي تنبني عليها الحرمة بالأدلة الشرعية، ليعلم كل مدخن أنه إنما يعصى الله تعالى بكل لفافة تبغ ينفث دخانها بالهواء، في نشوة وخيلاء.
أولا: إضاعة الصحة:
لا يماري أحد من العقلاء في أن الصحة نعمة الله تعالى على عباده وأن الواجب شرعا: المحافظة عليها من أي أذى. ولهذا شرع الله التداوي من الأمراض والأوبئة. قال ﷺ : "تداووا عباد الله، فإن الله تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواءً، غير داء واحد: الهرم" [١] .
ومن عجب: أن يرى الإنسان كيف تضيع صحته وعافيته –بينما هو مستمر في العكوف على هذا السم الزعاف: يحرق أصابعه، ويسل مدامعه ويبدد رحيق الحياة في جسمه، ويفسد عناصر الحيوية والوقاية في دمه، وقد حاء في الخبر:
عن أم سلمة ﵂ قالت:
"نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر" [٢] . ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀:
стр. 6932
(فلما علم بالضرورة والتجربة والمشاهدة ما يترتب على شاربه غالبا من الضرر في صحته وعقله، وقد شوهد موت وإغماء وغش، وأمراض عسرة كالسعال المؤدي إلى مرض السل الرئوي ومرض القلب، والموت بالسكتة القلبية، وتقلص الأوعية الدموية بالأطراف، وغير ذلك مما يحصل به القطع العقلي: أن تعاطيه حرام.
فإن العقل الصريح –كما يقضي ولابد بتعاطي أسباب الصحة والحصول على المنافع- كذلك يقضي حتما بالامتناع عن أسباب المضار والمهالك والمبالغة في مباعدتها، لا لا يرتبا في ذلك ذو لب ألبتة) [٣] ١هـ.
ولبيان أهمية هذا العامل في التحريم القاطع –سوف نعود إليه بشهادات من الأطباء المختصصين، ليعلم عشاق الموت البطيء: أننا لا نخيفهم بأكثر مما يخيفون به أنفسهم بالفعل- لا بالكلام!
ثانيا: إتلاف المال:
وإتلاف المال بسبب التدخين عملية خطيرة ذات شقين: أولهما: خطر التدخين على المال الشخصي أو الفردي وثانيهما: خطر التدخين على الاقتصاد القومي.
وبالنسبة للخطر الأول يعتبر التدخين ثغرة مفتوحة تتسرب فيها أموال طائلة ينفقها المرء يوميا بغير حساب، وينفقها في المقام الأول لإضعاف بدنه وإفساد صحته، فيدخل في عداد السفهاء الذين يجب فرض الحجر عليهم ومنعهم من حرية التصرف الفاسد بأموالهم، ثم إنه يحظى بصحبة شريرة وصداقة سخيفة مع نوع من أرذل مخلوقات الله وهم الشياطين: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [٤] وهذه الأخوة الشيطانية خليقة أن تجعل كل مدخن يستحي من ربه، ولا يستمرئ هذه الهواية التي هي عين الغواية، وأن يتوقف منذ اللحظة عن تعاطي هذه اللفائف التي هي أبوا ب الفساد والإتلاف. إذ لا شك أن المدخن يبتاع بماله ما يدخل الفتور والإضعاف على بدنه، فيجمع بين ضررين في وقت واحد! وإذا كان الإسراف في حد ذاته محرما، فكيف بمن يجعل الإسراف مدعاة للإتلاف والإضعاف؟
стр. 6933
علم الله إنه للجنون بعينه: أن ينساق المدخنون إلى حتفهم بظلفهم، وأن يسعوا بأنفسهم لشراء المنية بأموالهم! ورد في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات.. وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال".
فلو لم يكن التدخين محرما لما فيه من كثرة الإسراف، فإنه لمحرم أشد التحريم لما فيه من الانتحار البطيء الذي يستنزف طاقة المدخن وعافيته حتى لا يكف عن السعال والهزال.
خطر التدخين على الاقتصاد القومي
ورد في (أمور بديهية عن التدخين: common sense about smoking ١٩٦٣) أن الباحثين توصلوا إلى أن الشخص الذي يبتدئ حياته التدخينية في حوالي السابعة عشر من عمره –ينفق في بريطانيا وحدها ما يقرب من (أربعة آلاف جنيه إسترليني) على التدخين. أي ما يعادل (ثلاثين ألف ريال تقريبا) على السيجارة وحدها. ومن المؤكد أن هذه المبالغ قد تضاعفت بسبب ارتفاع الأسعار.
ويؤخذ من تقرير لجنة المستشارين لوزارة الصحة الأمريكية: أن المدخنين كانوا سببا في إشعال نيران الحرائق بنسبة أكثر من غيرهم، لأن كثيرا من المدخنين تطيش عقولهم فيذهلون عن عقب السيجارة..وقد يدهمهم النوم وهو مازال بين أصابعهم فيتسببون في إشعال النار في فراشهم، وبيوتهم يكونون هم أول الضحايا..!
وكم من فنادق صارت أنقاضا، ومنشآت أصبحت رمادا، ومؤسسات انصهرت واحترقت فيها مئات الأجساد بسبب غفلة من مدخن، أوقعه سوء عمله في إهلاك نفسه وإهلاك من معه!!
وقد أعلنت إحدى شركات التأمين: أن ثلاثين بالمائة من الحرائق التي توصل التحقيق فيها إلى معرفة الفاعل الأصلي –ثبت أن مرتكبيها هم مدمنوا التدخين.. فبالله اسمع وتعجب!! ألم ترى إلى كثير من المدخنين وقد اخترقت شرارة النار أثوابهم، وأحرقت السيجارة جلودهم أوسودت أصابعهم؟ ما أغناهم لو أنصفوا- عن كل هذا الجحيم!!
стр. 6934
ثالثا: الرائحة المنتنة:
أخبروني أيها السادة، من منكم يستطيع أن يقترب من فم أحد المدخنين لمدة تزيد عن دقيقة؟ من منكم يطيق أن يدنوا من مدخن برائحة فمه المنتنة، التي سببتها ألوان التبغ الكثيرة فأصبح أسود الأسنان كريه العثنون، قبيح النفس –بفتح الفاء- صعود وهبوطا، كثير الشهيق والزفير كأنما حط من عبء كبير؟ كم من صف في الصلاة اضطرب حبله بسبب رائحة خبيثة انطلقت من فم مدخن فأصابت الجميع بالتقزز والاشمئزاز، وكانت سببا في إلحاق الأذى والضر بعباد الله دون ذنب جنوه إلا مجاورة هذه المدخنة المحترقة!!
روى الطبراني في الأوسط عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "من آذى مسلما فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله" إسناده حسن وقد ورد في الصحيحين عن جابر ﵁ "إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس". ومعلوم أن الإسلام يرعى حرمة المجتمعات الإسلامية ويوصى بحسن التأدب لها وضرورة الالتزام الخلقي وعدم إلحاق الضرر بأهلها لاسيما تجمعات العبادة وأماكن الصلاة ما دام الدافع إلى ارتيادها طاعة الله والرغبة في الخير والثواب وإبراز وحدة المسلمين. وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن جابر مرفوعا "من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته".
стр. 6935
ولا شك أن رائحة الثوم والبصل أخف وطأة من رائحة التدخين المنتنة –لأن رائحة الثوم والبصل مؤقتة وليست دائمة، فهي تزول بتطهير الفم منها، ثم هي رائحة طعامين مباحين من أطعمة الله، وفي السنن: أنه ﷺ "أمر آكل البصل والثوم أن يميتهما طبخا". وقد أهدى إليه صلوات الله عليه طعام فيه ثوم، فأرسل به إلى أبي أيوب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، تكرهه وترسل به إلي؟ فقال: "إني أناجي من لا تناجي" [٥] وقد ذكر ابن القيم من فوائد البصل أنه يقوي المعدة، ويهيج الباءة، ويزيد في المني ويقطع البلغم، ويجلو المعدة- كما ذكر من فوائد الثوم: أنه هاضم للطعام، قاطع للعطش، مطلق للبطن، مدر للبول، يقوم في لسع الهوام وجميع الأورام مقام الترياق [٦] . أما التدخين، فما فوائده ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .!
فالأفضل لكل مدخن أن يراقب الله في نفسه وفي معاشريه، وليعلم علم اليقين أنه يسبب غاية النفور لمن حوله من المرافقين والجلاس بما يحمل من قبح الرائحة ونتن الأنفاس، وحتى وإن أخفوا عنه حقيقة شعورهم نحوه، خوفا منه أو تأدبا معه. ولكن: هل يقلب التأدب الحق باطلا؟ أو الكراهية حبا؟ والسؤال بعبارة أخرى أكثر صراحة هو.. هل يعلم المدخن المفرط في التدخين حقيقة شعور زوجته نحوه؟ هل استطاع أن يدرك أهي قادرة على تحمل رائحة فمه أو هي تغالب نفسها في ذلك، وهل استطاع أن ينظف فمه قبل نومه أو تركه ينفث الخبائث والنتن في أرجاء المكان من حوله؟
تدبر ذلك يا أخي ثم تأمل كيف كان الصادق المصدوق صلوات الله عليه يدعو ربه فيقول "اللهم كما حسنت خلْقي فحسن خلُقي" ويقول "اللهم جنبني منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء، والأدواء". أخرجه الترمذي وصححه الحاكم واللفظ له. فصلوات الله وسلامه على من كان المثل الكامل للإنسانية الفاضلة.
رابعا: تخدير الجسم بمادة ((النيكوتين))
следующие страницы →