Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.
стр. 7001
بلى قد يؤدي الحزن إلى مصرع المحزون ولا دخل للتحدث هنا عن الأجل، فقد عاتب الله رسوله في هذا قائلا له: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ ، أما ثاني الرجلين، فهو الرقيق الإيمان المهلهل البنيان، لأنه مع الخير والشر متلون كالحرباء، متقلب كنهار الخريف، يريد لنفسه كل شيء، ولا يعطي من نفسه أي شيء، ولا يكاد يصاب بأمر لا يروقه حتى يضيق صدره، وينطلق لسانه برذاذ التبرم وعدم الرضا بما قدر الله وقضى، بل قد يمرق نهائيا مما كان لديه من بقايا إيمان، فيصبح من أهل هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ، إن رضيَّ البال هانئ الفؤاد رغم سحائب المصائب التي لم تنقشع عن رأسه، هو ذلك الفطن الذي علم بأن من المستحيل أن يحدث الله في كونه شيئا ما إلا لحكمة بانت أو غابت، وأنه ما فعل هذا به أو بغيره ليلعب بعباده أو يتلهى بلا أمر يريده ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ، وأدرك هذا النابه بعقله الذي أوتيه، أنه حين يقبل أمر ربه راضيا، خير له من أن ينزل على أم رأسه كارها، فقد ملأ قلبه قول ربه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ ، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ ، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَه﴾ ، أي ومن يؤمن بحكمة القدر وليس على أنه فقط تقلباتٌ وغير نهد قلبه إلى ما يهدئه ويُسَكنه، ثم يصبره ويؤجره، وذلك ليذيقه
стр. 7002
قطوف الحكمة التي اعتقد بالغيب مصاحبتها مع كل قضاء وقدر، وفي هذا يقول صلوات الله عليه بما رواه الترمذي وصححه "يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرضت بالمقاريض"وفي الصحيح قوله ﷺ "من يرد الله به خيرا يصب منه " ففي هذا الحديث ظهرت الحكمة من إصابة المؤمن بأنها إرادة له بالخير، لكن ما هو هذا الخير؟ سيغبط المبتَلَى من المعافي كما في الحديث السابق، ولهذا كان من سمات معتقدي الحكمة في كل ما يبشر أو يكدر، أن الله نزع من قلوبهم حب الدنيا ليهون عليهم كدرها ورغبهم في الآخرة ليديم عليهم صفاءها، ولهذا لما ذكر وفد بني الأزد للنبي ﷺ : أن من صفاتهم، الشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، أجابهم بقوله: "علماء حكماء"، ووعظهم إلى أن قال: "وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون" ذكره القسطلاني في المواهب وأبو نعيم في معرفة الصحابة، ونُكْتَةٌ جميلة أو لغز جميل، حتى لا يقال: إنكم معشر المصريين تدخلون النكتة حتى في أمر مهيب كالذي نحن بصدده، واللغز هو، اثنان لا يحاسبان يوم القيامة، ومع هذا فأحدهما إلى الجنة، والثاني إلى النار، والجواب سهل لأنه من كتاب الله، أما الأول فهو الصابر ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وأما الثاني ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ بل إن الصابر فضل على الذي أوتي كتابه بيمينه، لأن الآية قررت دخول الصابر الجنة بغير حساب، والآخذ باليمين قالت عنه ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ ولو كان هو العرض كما فسره ﷺ ، لأنه عُرض على الله، وقبل دخول الجنة، والصابر تعرض له الله بعد دخول الجنة.
стр. 7003
ثم بعد، فلكي نكون شاكرين، يتحتم أن نكون صابرين، فلابد من بسمة ودمعة ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾ وخير حسناته إلينا هو ما قدمه إلينا في قوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ حيث الظاهرة هدانا للإسلام، والباطنة ستره لمعاصينا، لهذا فُرض علينا شكرُه.
نسأله العون على القيام له بالمفروض علينا، عسى أن يتم علينا نعمته في الدنيا والآخرة، فقد سئل الحسن ﵁ عن معنى تمام النعمة فقال: "أن تضع رجلا على الصراط ورجلا في الجنة"ومسك الختام هذا الحديث العظيم، روى ابن أبي الدنيا، وابن حجر العسقلاني، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خصلتان من كانتا فيه، كتبه الله صابرا شاكرا، ومن لم يكونا فيه، لم يكتبه صابرا ولا شاكرا: من نظر في دينه إلى من هو فوقه، فاقتدى به، ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه، فحمد الله على ما فضله به عليه، كتبه الله صابرا شاكرا: ومن نظر في دينه إلى من دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته، لم يكتبه الله صابرا ولا شاكرا"، سألنا الله الخصلتين، واستعذنا به من ضدهما، وكتبنا عنده صابرين شاكرين.
стр. 7004
الصولي شاعرًا
دراسة فنية تحليلية لأهم أغراض الشعر عنده
لفضيلة الدكتور أحمد جمال العمري
"هو محمد بن يحي بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول تكين، أبو بكر الصولي البغدادي، العالم الفقيه، الأديب الكاتب، الشاعر الناقد، الإخباري المؤرخ، الشطرنجي النديم، الذي عاش قرابة ثمانين عاما – (٢٥٥- ٣٣٦هـ) في فترة تولى الخلافة فيها أكثر من اثني عشر خليفة، نادم أربعة منهم، واتصل بمعظم الباقين، وكانت له مكانة مرموقة، وسمعة حسنة لديهم جميعا، ففتحوا له أبواب قلوبهم وقصورهم، وليعيش في بلاطهم أكثر من نصف قرن من الزمان، وليصادف ما لم يصادفه أحد من قبلهن ليشهد ما لم يشهده أحد من معاصريه" [١] .
كان الصولي شاعرا فحلا بين فحول عصره الأفذاذ – أبي تمام والبحتري وابن الرومي وغيرهم، واستطاع أن يقف بين هؤلاء المشهورين منافسا قويا ...
فهو شاعر جزل الألفاظ، متخير الكلمات، لا يجد مشقة في الأوزان، ولا اختيار القوافي، اكتملت لديه نماذج الشعر العربي في مثله العليا، كان ولا شك يسيطر على لغته، ويتمثل التراث العربي في كل صوره وجلِّ معانيه وأغراضه وتراثا، واضحا جليا، واستطاع أن يصوغ الكثير من المعاني الجميلة، فيجئ بالجديد أو ما يشبه الجديد.
وشعر الصولي مرآة صادقة لعصره، وصورة صادقة للفن الخالص، والأدب العالي.. نرى فيها كل ما أحس به في حياته المديدة من الحنين واللوعة، والسعادة والتعاسة، والرضا والحسرة، ظهر كل ذلك واضح في شعره، فقد دفعته الأحاسيس النفسية إلى أن يعبر عن أعماق نفسه في جميع حالاتها، كما دفعته حياته الخاصة في رحاب الخلفاء والأمراء، وما كان يتنسمه ن عبير الحياة الرغدة في قصورهم إلى وصف المناظر الطبيعية، والوقوف على ضفاف الأنهار، وأن ينطلق لسانه بتصويرها مبينا أثرها في نفسه..
стр. 7005
ومن المهم أن نعرف أن الصولي س اي ر شعراء عصره.. مدح ورثى، وتغزل ووصف وفاخر وصور مشاعره إزاء الناس والحياة، كما كتب الرسائل الشعرية..
ويكفي لكي نبرهن على شاعريته أن نقف أمام مجالين من مجالات الشعر عنده.
أحدهما غيري: وهو المديح، والثاني ذاتي: وهو الفخر
المديح:
أكبر الموضوعات التي جال فيها الصولي بشعره وأهمها.. فن المديح، ذلك الفن الذي يصل الشعراء العباسيين بالشعراء الأقدمين، أولئك الذين ارتفعوا بهذا الفن إلى ذروته، ثم ترسم العباسيون خطاهم، فتتبعوهم فيه، ومعروف أن الشعراء القدامى اتخذوا من المديح أداة لتربية الخلق، والحث على مكارم الأخلاق، فكان الشاعر يمدح ممدوحيه بالكرم والشجاعة والاعتداد والإباء وغير ذلك من المثل العليا التي لم تكن ترجع إلى الفرد وحده، بل تعود على الجماعة أو القبيلة كلها.
ولما جاء الإسلام صبغ هذه المثل الخلقية العربية بصبغة روحية، فاخترعت المعاني الإسلامية التي تتحدث عن الإيمان والعدل والتقوى، فأضاف الشعراء الإسلاميون هذه الصفات إلى مدائحهم للخلفاء والوزراء. ولقد اتصلت المديحة العباسية بالمديحة الإسلامية، فالشعراء مضوا يتمسكون في مدائحهم بتصوير المثل الخلقية العربة وما أشاعه فيها الإسلام من مثالية روحية، فأكثروا من مدح الخلفاء بالعدل والتقوى.
وقد اختلفت القصيدة العباسين عن القصيدة القديمة من حيث الموضوعات وإن كانت تسير على نهجها، فهي تبدأ بمقدمة غزلية طللية، ولكن قد يضيف إليها الشاعر العباسي بعض تحليلات لخواطره إزاء الحب، كما يضع فيها تصويرا لمطامحه وآماله في الحياة، وقد يضيف إلى ثناياها بعض الحكم ووصف الطبيعة وبعض العناصر الدينية.
стр. 7006
فقصيدة المديح العباسية لم تكن مديحا خالصا، بل كانت تحمل في فاتحتها كثيرا من أحاسيس الشاعر، وخلجات صدره، كما كانت تحمل وصف الرياض والربيع والقصور، ومقدمات أبي تمام يتجلى فيها هذا الجانب. وأيضا فإنه قدم لقصيدته في فتح عمورية بحديث طويل عن القوة والعقل، وهاجم المنجمين وخرافاتهم. وزعم الاطلاع على الغيب، وقد اشتهر البحتري كذلك بوضع المقدمات التي تصف الرياض والربيع، كما تصف قصور الخلفاء.
كل ذلك كان تجديدا بلا شك من الشعراء العباسيين، اختلفوا فيه عن الشعراء السابقين، وعن منهجهم في التعبير، وفي وصف الرحلة وتحمل المشاق، وغير ذلك مما تطلعنا به قصائدهم ومدائحهم.
فإذا كانت هذه هي مقومات المديحة العباسية بوجهها الجديد – كما نراها عند أبي تمام والبحتري وغيرهما – فهل سار الصولي على نهجهما وتتبع خطا شعراء عصره؟.. أو أنه اتبع طريقا آخر ومنهجا مغايرا، فاستحدث أشياء أضافها إلى مدائحه؟
الواقع أن الصولي وقد عاش في العصر العباسي، ونهل مما نهل منه العباسيون شعراء وأدباء، جاراهم فيما جروا فيه، إلا أنه اختلف في منهجه، وفي مديحه بعض الشيء، فأضاف أشياء لم تكن موجودة عند نظرائه، واختط لنفسه – في مدائحه – منهجا يكاد يعرف به، ربما حدده له وضعه الديني والاجتماعي والأدبين صلته بالخلفاء والأمراء والوزراء..
فإذا نظرنا في مدائح الصولي، وجدناه يقدم لها أحيانا بمقدمات تختلف عن مقدمات معاصريه، فنراه في مطالع مدائحه يبدل المقدمة الغزلية أو غيرها من المقدمات التي اصطنعها الشعراء الآخرون، بوضع مقدمة أخرى تبين استبشار الناس وفرحتهم بحلول خليفة جديد أو أمير أو وزير – يأملون فيه أن يرجع هيبة الدولة, وأمجاد الإسلام, على نحو قوله في فاتحة ضاديته للخليفة الراضي بالله:
أصبح الملك عاليا بأبي العب
اس أعلى الملوك بعد انخفاض
واستفاض السرور في سائر ال
ناس, بملك المهذب الفياض
стр. 7007
فهو مستبشر مسرور لعلو الملك ثانية بحلول الخليفة الراضي, الذي سيعيد المهابة إلى الخلافة الإسلامية, بعد الضعف الذي أصابها من قبل, ويقول إن السرور عم جميع المسلمين بتولي الخلافة رجل همام سيعيد للدولة مجدها وهيبتها بقوة عزيمته.
ويقول في مديحته السينية.. إن الدهر قد ضحك بعد أن ظل عابسا مدة طويلة, وأن السعد سيكون حليفا له وللمسلمين بعد أن لازمهم النحس طويلا, وستلبس الأيام ثوب النعيم, بعد أن لبست طويلا أثواب الشقاء, لأن الله قد اختار للخلافة رجلا قويا سيعيد لها هيبتها وجلالها بعد أن كانت كالربع الواهي الضعيف البناء.
يقول:
ضحك الدهر بعد طول عبوس
طالعا بالسعود لا بالنحوس
وأتتنا الأيام متعذرات
لابسات نعيمها بعد بوس
رضي الراضي الإله لملك
أوضح النهج منه بعد الدروس
آنس الله بالخليفة ملكا
موحش الربع واهن التأسيس
ويمدح الخليفة الراضي بالله، بأنه نسيم الحياة، الذي أنعش الدهر وأضحكه، ويشبه أيامه اللذيذة وسعادة الناس المحبين للوصال، وسعادة العروسين في ليلة الزفاف، وهما صورتان جديدتان برع الصولي في رسمهما، يقول:
يا نسيم الحياة أضحكت دهرا
كان لولاك دائم التعبيس
إن أيامك اللذاذ كوصل ال
حب طيبا ونومة التعريس
وليس معنى ذلك أن جميع فواتح قصائده تسير على هذا المنوال، فالصولي يجاري أيضا تيار عصره، ويحاكي الشعراء المعاصرين التقليديين، فبدأ أحيانا بعض مدائحه بمقدمات غزلية مأثورة، له فيها لفتات نادرة، وصور رائعة، من مثل قوله في مديحته الدالية للراضي:
متيم متلفه تلدده
بان بين الهوى تجلده
طال عليه مدى الصدود فما
يبصره في ضناه عوده
قد كتب الحب بالسقام له
نظمه بمن أتي بفنده
стр. 7008
على أن مقدمات مدائح الصولي لا تسير على وتيرة واحدة، أو تنحصر في مجال واحد، فنراه أحيانا يخالف منهجيه السابق، فيجعل افتتاحيات قصائده شكوى لهمومه وأحزانه، وتنفيسا عن تباريحه وأسقامه، على نحو قوله في مقدمة ميميته لابن مقلة وزير الرضي:
أنا من بين ذا الورى مظلوم
وإذا ما خصمتهم مخصوم
تخطاني الحظوظ فآسى
ومكاني من علمهم معلوم
كم ترى في الزمان مثلي حتى
لميرمني الوزير فيمن يروم
وقد يخالف الصولي ما تواضع عليه الشعراء، فلا يقدم لمدائحه بمقدمات، بل يتناول موضوعه مباشرة، كما فعل في مديحته النونية التي هنأ بها البردي وزير المتقي لله، بتوليه زمام الحكم.
وإذا كان الصولي لا يقدم أحيانا لمدائحه للوزراء – فإنه قلما يمدح الخلفاء بقصائد دون أن يقدم لها بمقدمات غزلية أو استبشارية أو غيرها، فلم نعثر إلا على مديحة واحدة للراضي –وهي مديحته الزائية- بدأها الصولي بالدعاء للخليفة دون أن يقدم لها.. حيث قال:
بارك الله للأمير أبي العبا
س خير الملوك في النيروز
وأراه أولاده الغر أجدا
رًا بملك نامٍ وعزٍّ عزيز
غير أن الصولي في معظم الأحيان يقدم القصائده بمقدمات غزلية، قد تطول أو تقصر حسب انفعاله، وحالته النفسية، فقد تكون بيتًا واحدًا كما في داليته للخليفة المعتضد بالله [٢] ، وقد تصل إلى العشرين بيتًا كما في مقدمته لقصيدته البائية [٣] التي مدح بها الوزير ابن الفرات. وعمومًا فمقدماته الغزلية تتراوح بين الأربعة والخمسة الأبيات، أما مقدماته الاستبشارية فهي دائمًا متوقفة على تولى الخلافة أو الوزارة أو الإمارة.
стр. 7009
وإذا تركنا مقدمات مدائح الصولي إلى مدائحه نفسها، وجدناه يجسم المثالية الخلقية تجسيمًا قويًا في ممدوحيه، فهو حين يمدح الخلفاء أو الوزراء أو الأمراء، لا ينفصل عن منهج السابقين والمعاصرين، حيث يتمثل المعاني العربية المتوارثة، كالشجاعة والكرم والوفاء والإباء، وغير ذلك مما يتصل بالأخلاق الفاضلة، والخصال الحميدة.
فتراه يمدح الخليفة الراضي بالشجاعة، وأن قواده وجنوده يستمدون منه القوة والمقدرة القتالية، وأنه سيف على الخارجين عليه، العاصين لأوامره، وهو المقتدر المطفئ لنار طغيانهم.. يقول:
جيوشه حوله كما حدقت
بالبدر بدر التمام أسعده
سيف على مَنْ عصاك مقتدر
تطفي به طغيانه وتغمده
ويمدح قائده - ابن ياقوت - بالشجاعة والبأس، وأنه قبلة الحرب، المؤيد بنصر الله فيقول:
يا إمام الهدى استمع لوليِّ
سائر في مديحكم ركاضِ
يفضل الناس في الشجاعة والبأس
كفضل الدَّيس لابن مخاض
قبلة الحرب حين تجتنب الحر
ب وتدرى خيولها في العراضِ
ويمدح الصولي الأمير توزون بالإقدام والفتك والجرأة يوم احتدام الوغى، والتقاء الأقران، فيقول:
عرفت بإقدام وفتك وجرأة
فما أحد في كل ذلك ينكرك
إذا التقت الأقرانُ واحتدم الوغى
فسيفك بالنصر القريب يبشرك
وإن جر يومًا عسكرًا ذو تجمع
فسيفك فردًا في قتالك عسكرك
ويساير الصولي - في مدائحه - تيار الشعر المتوارث، فيمدح الراضي بأكبر الصفات والمعاني التي كان يفاخر بها العرب وهي صفة الكرم حيث يقول:
أمواله نحونا موجهة
بنائل لا تحث ورّده
يعلى لنا الحال والمحل به
فلا سؤال له نردِّده
стр. 7010
ويبالغ في مديحه بالكرم، فيصفه بأنه النبع الصافي الذي منه يرتوي الناس، وأن جوده شمل كل من حوله، وأن بشره زائد العطاء، ويربط بين سخائه وصورة البرق الذي يلمع في السماء دليلاً على انهمار الغيث، ويقول إن هذا العطاء والسخاء يأتي تكرمًا دون سؤال إنسان أو تذكير من أحد، فالعطاء يجري من يديه إلى الناس خالصًا، كما تجري المياه من منابعها صافية.
يقول:
يرِدُ الناس منه أغدار جود
طيب الورد مترع الأحواضِ
بشره زائد العطاء كما البر
ق دليل الغوث بالإيماضِ
صافيًا من تكدر المطل يجرى
جرى ماء صافٍ على رضراض
ويضيف الصولي إلى هذين المعنيين المتوارثين –الشجاعة والكرم- معاني أخرى، فنراه يمدح ممدوحه بصفات أخرى تتصل بالناس وصلة الحكام بهم. فيمدح الراضي تارة بأنه المفرج للكروب، وخير مَن يلوذ به الناس ويحتمون، الوفي بالوعد، السمح ... ويمدحه تارة أخرى بأنه المحسن الذي اكتسب حب الناس وطاعتهم له، وتقديرهم لمكانته وفضله، حتى لم يعد هناك إنسان يبغضه أو يسخط عليه لسماحة وجهه وعفوه ... يقول:
أحسنت حتى ما نرى متسخطًا
يشكو الزمان ولا نرى لك مبغضا
كم مبغض حطت إليك ركابه
قال الغنى عجلاً فأغنى المبغضا
ويضيف الوصولي إلى مدائحه بالأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة وغيرها مدائج أخرى، بعضها يتصل بالصفات الشخصية، فيمدح الراضي بالذكاء ورقة الطبع ... فيقول:
رقيق حواشي الذهن هذب طبعه
ومحص في قرب المدى أيما محص
وأنه لا يخونه الفهم، ولا يسئ التقدير:
أرى ذكيا ذكت خواطره
فلم يخن فهمه متلده
ويصفه بأنه البدر الذي أضاء دجى الظلماء، والذي لم يأت خليفة مثله، ولن يستطيع أن يصل إلى مرتبته إنسان فيقول:
بدر يضئ دجى الظلام ولم يزل
لسواد ما تجني الخطوب مبيضا
بكر الزمان فليس ينتج مثله
أبدًا ولا يلغي بع متمخضا
من شام عزك ذل دون مناله
стр. 7011
أو رام ما رفعت منه تخفضا
كما يمدح ممدوحيه ببعض الصفات التي تتناسب مع مكانتهم الرسمية، تلك التي تتصل بالحكم والسياسة وأمور الدولة، نحو مديحته للراضي بسداد الرأي، والتمسك بالوفاء، وحسن تدبير أمور الرعية، وتوجيه سياسة الوزراء والحجاب بما فيه صالح الشعب، يقول:
يسل رأيا كالسيف وقفته
ويحتوي سيفه ويغمده
تمسكًا فيه بالوفاء وما
تقصر عما يريده يده
يسوسهم بالسداد حاجبه
وهو بآرائه يسدده
ويمدحه أيضًا بأنه القادر على الوصول إلى أهدافه، الألوف، العيّاف، النهوض بالخطوب، إذا ما واجهته المحن [٤] .
ويمدح الوزير ابن مقلة بالاستقلال بالرأي، وأنه أعلم الزمان الذي لا تخفى عليه خافية، وأنه ذو عزم ويقين، وخير ناصح وأمين، فيقول بين ثنايا مديحته الضادية للراضي:
أيّد الله ملكه بوزير
مستقل برأيه نهّاض
عالم بالزمان قد راض منه
جامحًا آبيا على الرواض
لم يطف اليقين من ظنه ال
شك ولا حال دونه باعتراض
ناصح لم يخض ضحا ضح غش
في الزمان الماضي مع الخواض
والصولي يجعل من مدائحه سجلاً تاريخيًا، يتحدث فيها عن عائلة ممدوحيه وأنسابهم: آبائهم وأجدادهم، فحين يمدح الخلفاء يشير دائمًا إلى انتسابهم للبيت النبوي الشريف، الذي يعلو على كل البيوتات بالشرف والعز والمجد والنبوة، ويجعل من هذا النسب وسيلة لرفعة الخلفاء، والتفاف قلوب الناس حولهم، من مثل قوله في الراضي:
طاب أصلاً وبابنه طاب فرعًا
غرس الملك منه خير غريس
قد أمر الزمان طوعًا عليه
فسخًا بعد نفرة وشموس
فترى الناس خاضعين إليه
من قيام بأمره وجلوس
ويشير في مديحته للخليفة المتقى لله، إلى بني العباس وفضلهم على الخلافة والإسلام، وأنهم ملكوا الجبلين اللذين قام بهما الإسلام: النبوة والخلافة، وأنه لولا وجودهم وقيامهم بأمر الدين لضعف نور الحق ... يقول:
стр. 7012
ولولا بنو العباس عم محمد
لأصبح نور الحق فيه خمول
لكم جبلا الله اللذان اصطفاهما
يقومان بالإسلام حين يميل
نبوته ثم الخلافة بعدها
ومالها حتى اللقاء حويل
كما يمدح آباء ممدوحيه وأجدادهم بأهم الصفات والخصال التى برزوا فيها.
فحين مدح الراضى بالله اشار إلى عدل أبيه المقتدر، ومدحه بأنه العادل، الذى أحبا عدله
البرية حتى أن الناس سموه بالفاروق. يقول:
إلى ابن الذى أحيا البرية عدله
فشبه بالفاروق منهم أبى حفص
وحين مدح ابن مقلة وزيره، مدح آباءه بالشرف والمجد، ووصفهم بأنهم نجوم الورى، الساطعة دوما، وأن المجد الموقوف عليهم، والناس لهم عارفون، ولعزيمتهم مقدرون لأنهم يملكون زمام السياسة والكتابة، وأن قلمهم يجمع بين البيان والحسن، ومدح كتابهم بأنها كالرقوم الموشاة، تحتوى أكل المعاني وأجملها. يقول:
أنتم يابني علىّ نجوم
للورى في الضياء ليست تغيم
خيمت فيكم محاسن خط
لاح منها للناس در عضيم
قلم جامع بيانا وحسنا
ما حوى فيه مثلكم إقليم
تتباهى به القراطيس حسنا
مثل وشى تروق منه الرقوم
وغلام كأنه زهر الروض
بدت للنجوم منه نجوم
قد أحاطت به عيون المعاني
وأضاءت في جانبيه الظلوم
والصولى -في مدائحه- يضيف إلى كل العناصر السابقة التى تناولها.. عناصر أخرى تتصل بأبرز سمات الممدوح، ولقد كان من أبرز سمات الراضي بالله..العلم والأدب. لذلك ركز الصولى على هذا العنصر تركيزاً شديداً، فمدحه بأنه أجل الناس علماً، وأن هذا العلم هو الذى أحيا سنن الدين بعد أن عفت، كما مدحه بأنه الخطيب المفوه، الذى يؤم المسلمين، ويفعل ما كان يفعله النبي وخلفاؤه الراشدون.. يقول:
أجل الناس آراء وعلما
مقال ليس يقرن بالأفوك
وما أحياه من سنن تعفت
فدار صلاحها دور الدموك
ركوب للمنابر سار قصدا
إليها وهى حائرة السلوك
стр. 7013
فذكرنا مقال منه فصل
مقال المصطفى بحرى تبوك
ويمدحه بأنه نهل من جنان العلم الأنيقة، ورياضه حتى كمل فيه الفضل والفضائل منذ كان صغيرا، وأصبح بالعلم خير خليفة تولى إمرة المؤمنين.
على أن أهم عنصر يضيفه الصولى في مدائحه في الخلفاء _ هو العنصر المتصل بالدين، حيث يضمن مدائحه للخلفاء معاني تضفى عليهم صفات التقديس. فنراه يصف الراضي بأنه الإمام الذي اختاره الله لينقذ الدين، وأنه حاز كل المكرمات، وحاز بها الكمال والمجد وحب الناس، كما يمدحه بأنه حجة الله، وأنه قبلة الدين، التي يتجه إليها الناس في صلاتهم وحياتهم، وأن طاعته واجبة وجوب طاعة الله ومن عصاه فله الموت والهلاك في الدنيا، وثقل العذاب في الآخرة. يقول:
يا إماما إليه حلت عرا الفخ
ر وفلّت معاقد الأغراض
حاز بالمكرمات كامل مجد
علق الناس فيه بالأبعاص
حجة الله أنت يا قبلة ال
دين فليست ترد بالادحاض
أذن السيف من عصاك من ال
ناس يهلك واشك وانقراض [٥]
وبثقل من العذاب ووزر
ينقض الظهر أيما انقاض
ويقول أيضا.. إن الله أوحده في فضائله، وأوجده من بدء الوجود، يحميه ويكلفه برعايته، وينحس أعداءه، ويلهمه السداد والتوفيق، ويصل الصولي إلى قمة مديحه الدينى، فيبالغ مبالغة شديدة حين يقول في مديحته الدالية للراضي: لو جاز لبشر أن يعبدوا غير الله، لعبدوا الخليفة ومجدوه وسبحوا بحمده. يقول:
أوحده الله في فضائله
فهو من بدء الكمال أوجده
كفاية الله تستطيف به
تنحس أعداءه وتسعده
لو جاز أن يعبد العباد سوى ال
خالق كنا للبرِّ نعبده
ويمدحه أيضا بأن كل ما في الوجود من محاسن مرجعه إليه، فهو مالك الدهر، الكل له مطيع، فطاعته من طاعة الله. يقول:
محاسن هذا الخلق منك إبتداؤها
ويجذبها ذو كلفة منك كاللص
فلا زلت للدهر المملك مالكا
يطيعك فيما تشتهيه ولا يعصى
стр. 7014
ويمدحه بأنه المعتلي بفخره، والذي يهتدي بنور هديه الناس، وانه إمام المسلمين. وعصمة أمرهم ودينهم، يقول:
بعلوّ فخرك في المفاخر يعتلى
وبنور هديك في الديانة يُسْتضَا
ويمدح الراضي أيضا بأنه كل الورى وسيد الناس، والجميع عبيد له يأتمرون بأمره، وينتهون بنهيه، كبيرهم وصغيرهم، أعلاهم وأدناهم، ففي حياته حياة الناس، وفي بقائه الفوز لهم والغنى والسداد، ومن لا يؤمن بطاعته وحبه، فلن تنفع له صلاة.. يقول:
فأسلم الله إمام الهدى
فما عطاء الدهر بالنحسِ
كل الورى أنت وكل يرى
عبدك من عال ومن نكسِ
بقاؤك الفوز لنا والغنى
نصبح فيه مثل ما نمسِ
من لا يرى حبك فرضاً فما
أدى فروض الله في الخمسِ
والصولي يشير دائما في مدائحه للخلفاء العباسيين إلى فكرة الخلافة، وأنهم أحق الناس بها لصلة الدم والعصب، وأن الله ارتضاهم وفضلهم على العالمين، واختارهم للخلافة واختارها لهم. من ذلك قوله: أن اختار الراضي خليفة له على الأرض، وهو كفء لذلك وراضٍ، وأن الخلافة أتته طوعا، ولم يطلبها أو يسعى إليها، وهو الأحق بها، المعان بقوة الله على أمورها:
بمحمدٍ رضي الإله خليفة
في الأرض فهو بذلك راضٍ مرتضى
جاءته طوعا لم يسيرِّ لفظه
فيها، ولا أضحى لها متعرضا
فهو الحقيق بها، المعان بقوة
فيها بحكم فاصل لن يدحضا
ويقول في قصيدة أخرى إن الخلافة خطرت نحوه طائعة بإجماع من الناس، فالكل عقد عليه العزم لإرجاع مجد الإسلام، حتى الزمان قد استلذ وفرح وترنم، وجلى سواده القديم ببياض الأمل:
خطرت نحو الخلافة طوعا
باتفاق من السورى وتراضِ
واصطفاق من الأكف دراكا
واجتماع موف وعزم مفاضِ
واستلذ [٦] إذ أسفر المل
ك وجلى سواده ببياضِ
стр. 7015
وفي مديحته اللآمية للخليفة المتقى لله، يخاطبه قائلا.. إن الخلافة أتتك قدراً من العلى القدير، الحافظ الوكيل، وأنه حباك بها، وصانها لك، وأنه كفيل بإتمام نعمته عليك، ولو حِدْت عنها فإنه سيقودها إليك، فليس هناك كفء لها غيرك. فهو الذي اصطفاك لها واصطفاها لك:
أتتك اختياراً لا احتلابا خلافة
لك الله فيها حافظ ووكيل
حباك بها من صانها لك انه
بإتمام نعماه عليك كفيل
ولو حدت عنها قادها بزمامها
إليك اصطفاء الله وهى نزيل
ويسجل الصولى في مدائحه للخليفة كل الأحداث التي تحدث في عهده، من انتصار في الحروب أو إخماد للفتن، أو قضاء على المؤامرات، فتراه يذكر -في مديحته للراضي- إخماد فتنة ((مردواج)) الذى حاول أن يناهض الخلافة، غير أنه ((بحكم)) قضى عليه وأحبط مؤامرته.
ويقول للراضى: لا تخش أعداءك من أمثال ((مردواج)) وهم جميعاً يقتلون بقدرة الله، لأن الله يؤيدك بنصره، ويستعير صورتين من التاريخ، يربط بهما بين أحداث العصر وأحداث الماضي، فيربط بين جحافل جيوش المسلمين التي دلت فارس فأطفأت نار المجوس، وبين جحافل جيوش الراضي التي قضت على مردواج.
ويربط بين سرعة انهيار ملك بلقيس وبين سرعة القضاء على هذا الخارج؛ فيقول للخليفة الراضي.. إن رياح أيامك الغر الميامن قصفته فأخمدت نار الفتنة التي أشعلها, كما أخمد الفاتحون المسلمون نار المجوس , فانهار العرش الذي الذي بناه لنفسه ذلك اللعين, وسلب منه سريعا. بل أسرع مما سلب العرش من يدي الملكة بلقيس. يقول:
مردواج بسيف حظك مقت
ل فأهون بذاك من مرموس
قصفته رياح أيامك الغ
ر فأخمدت منه نار المجوس
ثل عرش العين أسرع مما
سلب العرش من يدي بلقيس
стр. 7016
وخصيصة بارزة في مدائح الرجل- وهي دائما أنه ينتقل من المجال الغيري- المديح- إلى المجال الذاتي, فيتحدث عن نفسه وعن أحواله في جميع مراحلها. فهو في كثير من مدائحه للخلفاء يذكر أنه السابق إلى مديحهم, وأنه يتقدم كل الناس بالرغم مما عاناه من كيد الكائدين وبغضهم, وأنه اختار لهذه المدائح أشعارا لم يُقَل مثلها, ولا امتدح بمثلها خليفة من قبل, وتقدم بها إلى الخليفة في قصيدة عصماء تناسب جلالته ومكانته. يقول:
وتقدمت في مدحي له النا
س على الرغم من ذوي الأبغاض
وافترعت الأبكار من عزة الشع
ر فذلك صعبها بامتضاض
ويقول أيضا:
لي سبق المديح منك على النا
س وفخر باسبق في التأسيس
ويقول: إن الشعر كثير , يطلق في أناس وممدوحين مختلفين, ولكن شعري وقف على مديح أمير المؤمنين مقصور عليه, لأنه أولى به وأقدر على تقويمه..
يطلق الشعر في أناس وشعري
وقف مدح على الإمام حبيس
ويتحدث عن غبطته وسعادته لأن الخليفة اختار ليكون له جليسا ونديما, ويبين مدى سعادته, لأنه يستمتع بعذب حديثه المستفاض, ويقول: انه بلغ غايته ومناه, وبشره الناس بالغنى بعد الفقر, وبالعز بعد الذل, وأصبح ينام قرير العين مرتاح البال. يقول:
وتشرفت بالجلوس لديه
بحديث يلتذه مستفاض
وبلغت المنى وبشرني ال
ناس بثوب من الغنى فضاض
وتبدلت بالتذلل عزا
آذن الهم عنده بانقضاض
واطمأن الفراش بعد أن جا
نب جنبي تجنب النهاض
ويذكر دائما ولاءه وصدق نصحه للخليفة, وأن هذا النصح، وهذا الولاء قديم, وسيظل قائما ولن يشوبه أبدا زور أو رياء أو تدليس مهما طال الزمن أو اشتعل الشعر شيبا. يقول:
يا حلى الزمان يا زينة الأر
ض ورأس الملوك وابن الرؤوس
إن نصحي وصدق ودي قديم
لم أَشُبه بالزور والتدليس
قبل أن يأكل الزمان شبابي
خالسا غرتي بشعر خليس
стр. 7017
ولقد كانت مدائح الصولي مجالا كبيرا لشكواه, ومتنفسا عما بنفسه من أسقام وأحزان وما يقاسيه من مكايد ووشايات، أو فقر وحرمان، فهو يضمن مدائحه شكواه من العانتين الحاقدين، الذين لا يدخرون وسعا في ثلبه، وانتقاصه، حتى صار لا ينام الليل، وتكحلت عيناه بالسهاد والأرق، لأنهم يحسدون صلته، بالخليفة، ولكنه يصرح بأن كل شيء يهون لأن الله عوضه فقربه من الخليفة الذي يحس به ويقدره. يقول:
زأرتني أسود حقد عليكم
لم تغيب بغابة وغياض
وفراني الزمان منه بناب
بعدكم مرهف الشبا عضاض
وانتحى آكلا للحمى ورض ال
عظم منى بكلكل رضاض
من حسود منافس لي عليكم
لبحار اغتيابكم خواض
مبغض لي لما أسير فيكم
من مديح، على الأذى حضاض
فأراني الإله ما كنت أرجو
هـ وعوضت أحسم الاعتياض
والصولي في مجال حديثه عن نفسه وشكواه، لا يشكو حساده وعذاله والكائدين والواشين فحسب، بل يشكو أيضا شيخوخته ومرضه وضعف قوته، كما يشكو كبر سنه بعد أن ناهر السبعين، وأصبح لا يهنأ بالحياة أو النوم.. بل هو منتظر يومه الموعود وقدره المكتوب. يقول للراضي:
صرحت بالشكوى إليك تأنسا
بندى يديك إذا غريب عرضا
من بعد ما غال المشيب شبيبتي
ونضا لباس تجملي فيما نضا
وأحارني مرضي وأوهن قوتي
فغدوت منه وقد صححت ممرضا
وإذا دنت سبعون من متأمل
داني ولم ير في اللذاذة مركضا
وجفاه نوم كان يألف جفنه
قدما وأضحى للحتوف معرضا
ويتذكر حياته الرغدة السابقة، وشبابه الفائت الذي لن يعود.. فيبكي قائلا:
أبكي كساء كان أوثق عدتي
إن أخصر البرد العظام ونقضا
ومخدة قد كان يألف لينها
خدي فأضحى الجسم منها ممرضا
ونفيس فرش كالرياض نقوشه
ما كان من دون الرياش مرحضا
ومجمعا قد كنت أجمع آلة
فيه وكان من البلاء مفضفضا
стр. 7018
غير أن هذه الشكوى وهذا البكاء – في شعره – يصلان أحيانا إلى حد الاستجداء والذل فيظهر في شعره جانب الضعف الإنساني، حيث يرفع نحيبه وخوفه من المصير والمستقبل والفقر. ولا شك أن هذه الظاهرة كانت سبببا في أن بعض الباحثين [٧] وصموه وعابوه.
والحقيقة إن هذه السمة بارزة في شعره، فهو دائم الاستجداء سواء من الخلفاء أو الوزراء – إن تلميحا.. وإن تصريحا – من مثل قوله للخليفة الراضي بالله، مشيرا إلى ما بينه وبين دهره من صراع وحرب عوان، فيشكو ذل الحاجة ومر السؤال، استجداء للجود، وطمعا في العطاء..
إن بيني وبين دهري حربا
جاوزت حرب داحس والبسوس
أنا منه لغير هجر ووصل
واقف بين لوعة ورسيس
فاعتبر ما شكاه عبدك منه
ثمداو الخناق بالتنفيس
هو في مخلب الزمان فريس
فارحم الآن نفس هذا الفريس
واسقه من سلاف جودك بذلا
فاق طيبا سلافة الخنديس
وقد يرتفع استجداء الصولي لكي يصل إلى درجة التصريح فيقول:
لا والذي أنت منه نعمة ملأت
عرض البلاد وحلت حبوة النوب
ما في عبيدك إن فتشت أمرهم
أقل مني في رزق وفي نشبي
هذه هي مدائح الصولي – للخلفاء والأمراء والوزراء – بكل عناصرها وخصائصها، وهي تشتمل على عناصر بعضها جديد من عنده، وبعضها موروث، ولكنه في العناصر الموروثة استعاد صورا جديدة، فظهرت في أزهى حلة وأبهى زينة..
أما العناصر التي استحدثها الصولي في مدائحه فهي:
стр. 7019
أ- أنه أضاف إلى المقدمات الغزلية مقدمات أخرى تحمل الأمل والاستبشار بحلول خليفة أو وزير أو أمير جديد قوي، يستطيع أن يزيح الغمة عن كاهل الأمة، ويعيد للدولة وللخلافة هيبتها وجلالها وقوتها، كما أنه أضاف أضاف أيضا مقدمات بث فيها شكواه وهمه وأحزانه، وما يكابده من أسقام، غير أنه لم يجعل ذلك منهجا مضطردا في كل قصائده، بل تجده في كثير من الأحيان يخرج عن القاعدة المتبعة عند الشعراء والمتوارثة عبر الأجيال، فيحذف المقدمة الغزلية أو غيرها، فيبدأ قصائده المديح مباشرة.
ب- أنه أضاف إلى مديحه بالمعاني الدنيوية – مديحا بالعلم والأدب، وسعة الاطلاع والثقفة وكبر العقل، واتقاد الذهن، ورقة الطبع، وبشاشة الوجه، وأيضا مديحا بالإحسان وحب الناس وغير ذلك.
ج- أن مديح الصولي بالمعاني الدينية لم يكن وقفا على المديح بالتقوى والعدل والورع وطاعة الله، بل كان يتعدرى ذلك إلى مديحه بأنه الخليفة المختار، الذي فضله الله، وأيده بنصره لينقذ دينه، وأنه عماد الدين، وعزة الإسلام، المهتدي بنوره، كما مدحة بأنه المحيي لسنن الدين، الخطيب المفوه، الذي يؤم المسلمين، ويفعل مثلما فعل النبي وخلفاؤه الراشدون، وأنه ينتسب إلى أشرف البيوتات، وأعلاها وهو البيت النبوي الشريف، كما مدح آباءه وأجداده بتوارث الشرف، وأ، الخلافة حق فيهم، جاءتهم بقدر الله..الخ.
د- أن الصولي يضمن هذه المدائح حديثا عن نفسه وع خواطره، وما مني بها لنفس، ويذكر الصلة بينه وبين الخليفة، وأنه السباق إلى مديحه بمدائح لم يقل مثلها، كما أ، هـ كان يتشرف بالجلوس في رحابه، وأن الخليفة كان يفسح له أقرب مكان وأنه نعم ببره وعطاياه كما كان الصولي يضمن هذه المدائح شكواه من الحاسدين والوشين، وشكواه من الزمن.
وقد أضاف الصولي إلى هذه العناصر – عناصر أخرى تدولت من قبل، وهي ذكر حوادث عصر الخليفة كانتصار في حرب، أو إخماد فتنة، أو القضاء على مؤامرة، وغير ذلك.
стр. 7020
وفي ثنايا مدح الصولي للخلفاء، مدح أيضا قوادهم وأمراء أمرائهم، ووصفهم بالجرأة والشجاعة، والبأس والإقدام ورباطة الجأش، وأضاف إلى ذلك كله مديحا لهم بأنهم مخمدو الفتن، وقبلة الحرب، وسيوف الخلافة إلى غير ذلك من الصفات التي يجب أن تتوفر في رجال الحرب..كما مدح معاونيهم وكتابهم الذين يدبرون أمورهم.
ويمكن القول – إن المديحة الصولية كانت مديحة رسمية أو شبه رسمية، كانت مقيدة بظروف تختلف عما عند الشعراء الآخرين الذين يتكسبون من عرض بضاعتهم على الخليفة، فينالون بره وعطاءه ثم يرحلون.. لكن مدائح الصولي كانت أشبه بوثائق تاريخية، وتعاليم دينية، يسجل فيها كل ما يتصل بالخليفة وعلاقته بالمسلمين من حيث وجوب الطاعة له، والإيمان به، ورفعه فوق مصاف العباد، وأيضا ما يتصل بالدولة من أحوال وسياسة وحروب وأحداث.
وقد دفع الصولي إلى نظم مثل تلك المدائح.. وبكل هذه العناصر اتصاله ببلاط الخلافة وبالوزراء والأمراء.
وتبرز عواطف الصولي الدينية بروزا واضحا في مدائحه للخليفة، بل غنه ليمكن القول.. إنه خير من مثل به في هذه العواطف الدينية تمثيلا حقيقيا صادقا، فهذه العواطف لم توجد بنفس العمق، والمعاني عند نظرائه ومعاصريه، ذلك لأنه لم يكن شاعرا محترفا يبغي أجرا، بقدر ما كان يريد إظهار ولائه وحبه للخلفاء.
ونستطيع أن نقول – إن مدائح الصولي الدينية بعمقها ومضمونها – كانت إرهاصا بظهور هذه المدائح الدينية بصورتها الضخمة بعئذ عند شعراء الدولة الفطمية..
كذلك فإن شكواه من الزمن ومن الوشاة والحاقدين، كانت ينبوعا استقى منه كل الشعراء الذين أتوا بعده خاصة "المتنبي"– الذي أخذ من معاني الصولي الكثير. خصوصا ما يتصل بشكوى الزمن، والحديث من شعره..
تعقيب لا تثريب
стр. 7021
لعل من الإنصاف لحق الأدب أن نصرح بمخالفتنا للصديق الدكتور العمري في ما ذهب إليه من إكبار لشعر الصولي إذ اعتبره – في مقدمة البحث – شاعرا فحلا بين فحول عصره الأفذاذ – ووصف شعره بأنه "جزل الألفاظ متخير الكلمات، لا يجد مشقة في الأوزان، ولا في اختيار القوافي..". ثم ختم تقديره إياه بما ورد في نهاية البحث من اعتبار مدائحه إرهاصا لظهور المدائح الدينية بصورتها الضخمة.. وأن شعره في الشكوى كان ينبوعا استقى منه أمثال المتنبي..الخ.
والذي نراه أن في النماذج التي عرضها الدكتور من مدائح الصولي وشكاواه ما يعكس الحكم، إذ نرى الشاعر في معظم هذه الشواهد – منهوك الطاقة، تخونه الألفاظ والمعاني والقوافي، فتأتي تعابيره قلقة تشكو حيرتها وغرتها.. ومن حيث المعاني لا نكاد نجد فيها جديدا بل ربما أمكن ردها إلى الكثير من أقاويل الشعراء من معاصريه وسابقيه، مع تفاوت كبير في عفويتهم وتكلفه البالغ حد العجز. – اللهم إلا أبياتا قليلة لا تكاد تنجو من التهافت -.
ثم كلمة أخيرة وهي أن الدكتور يقرر أن الصولي – في مدائحه – لم يكن شاعرا محترفا يبغي أجرا.. ونسي حفظه الله ما أسلف هو من حكم عليه بأنه دائم الاستجداء إلى حد الذل! وماذا يبقى لشاعر من كرامة بعد قوله لممدوحيه:
ما في عبيدك إن فتشت أمرهم
أقل مني في رزقي وفي نشبي
ومعذرة للصديق العزيز مع خالص التقدير لجهوده المشكورة..
المجذوب
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر: ترجمنه في: غرشاد الأديب لياقوت والأعلام للزركلي، إنباء الرواة للقفطي والأنساب للسمعاني والبداية والنهاية في التاريخ.
[٢] انظر مروج الذهب للمسعودي ٤/٢٧٨.
[٣] أخبار الراضي بالله ص٤٧.
[٤] انظر أخبار الراضي ص٧٩.
стр. 7022
[٥] البت مختل الوزن دلل تصحيحه بأ عادة (واشك) إلى (مواشك) [٥]
[٦] وهنا خلل مرده إلى سقوط كلمة بعد (استلذ) . [٦]
[٧] محمد كردعلي: كنوز الأجداد ص ١٤٤.
стр. 7023
صيغة " فعلان "
واستعمالاتها في اللغة العربية
لفضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس
٢
" فعلان " في باب التصغير
ما ختم بالألف والنون الزائدتين مثلث الفاء سواء تحركت عينه أم سكنت يأخذ أحكاما عند التصغير، وهاأنذا أفصلها لك تبعا لنوعية كل صيغة كالتالي: [١]
١ _ ما ختم بألف ونون زائدتين إذا كان علما مرتجلا لا تقلب ألفه ياء عند التصغير تقول في تصغير مروان، عثمان، عمران، وغَطَفان وسَلمان، مريان وعثيمان، وعُميران، وغطيفان، وسليمان فلوحظ أنك فتحت ما بعد ياء التصغير ولم تقلب الألف ياء وذلك لأن علماء الصرف شبهوا ما فيه ألف ونون زائدتان بما فيه ألف التأنيث الممدودة مثل حمراء يقول الرضي [٢] :
وليس كل ألف ونون زائدتين تشبهان بألف التأنيث الممدودة فيمتنع قلب ألفه في التصغير ياء فإذا أردت تمييز ما يقلب ألفه ياء مما لا يقلب فاعلم أنهما أي الألف والنون المزيدتان إذا كانتا في علم مرتجل نحو: عثمان، وعمران وسعدان وغطفان وسلمان ومروان شابهت الألف والنون ألف التأنيث في عدم القلب، لأن تاء التأنيث لا تلحقها لا قبل العلمية ولا معها أما قبلها فلفرض ارتجالها، وأما معها فلأن العلمية مانعة، وأما عثمان في فرخ الحبارى على ما قيل وسعدان في نبت فتصغيرها عثيمين، وسعيدين بقلب الألف ياء لأنهما جنس وليسا أصلين لسعدان وعثمان علمين بل اتفق العلم المرتجل واسم الجنس.
العلم المنقول: [٣] وأما العلم المنقول فحكمه حكم ما نقل عنه فإن نقل عن صفة فلا يكسر ما بعد ياء التصغير وبالتالي تبقى الألف نحو سكران مسمى به نقول في تصغيره سكيران وإن نقل عن اسم جنس فيكسر ما بعد ياء التصغير وتقلب الألف ياء تقول في تصغير سلطان مسمى به: سليطين. وكذلك إذا سميت إنسانا بِسِرْحان تقول فيه سريحين.
стр. 7024
(٢) وأما فعلان إذا كان صفة فلا تقلب ألفه ياء عند التصغير وتبعا لذلك يفتح ما بعد ياء التصغير سواء كان مؤنثها خاليا من التاء وهو الأصل أو بالتاء حملا على الصفات التي تمنع من الصرف نقول في نحو سكران سكيران، وجوعان جويعان وعريان عريّان، وندمان نديمان، وقطوان [٤] قطيان.
يقول صاحب شذا العرف [٥] : وتحقيق تصغير ما ختم بألف ونون أن يقال: لا تقلب الألف ياء فيما يأتي:
أولا: الصفات مطلقا أي سواء كان مؤنثها خاليا من التاء أو بالتاء.
ويقول الرضيُ [٦] : "ومثل العلم المرتجل الصفة المنتهية بالألف والنون إذا كانت ممتنعة من التاء مثل: جوعان وسكران تشابهانها (أي ما ختم بألف التأنيث الممدودة) بانتفاء التاء فلا تقلب الألف ياء عند التصغير، وكذلك الصفة التي لا تمتنع من التاء كالعريان والندمان والصميان للشجاع والقطوان تشبه بالألف والنون في باب سكران لكونها صفات مثله اهـ"فمن الملحوظ أن الصفات الأخيرة في باب التصغير اتفقت في الحكم وهذا بخلافها في مبحث الممنوع من الصرف [٧] ، وإن كان الصبان لم يسو بينهما في الحكم وفرق بين ماله مؤنث بالتاء وبين غيره.
(٣) وأما فعلان إذا كان اسم جنس [٨] فلا يخلو: إما أن تكون ألفه رابعة في اسم جنس على فعلان مثلث الفاء ساكن العين كحومان للنبت. واحده (حومانة) وسلطان وسرحان فإنك تكسر ما بعد ياء التصغير وتقلب الألف ياء تقول في تصغير ما مر: حويمين، وسليطين وسريحين تشبيها لها بزلزال وزليزيل، وقرطاس وقريطيس وسربال وسريبيل.
أما إذا كانت ألفة رابعة في اسم جنس (ليس على فعلان مثلث الفاء ساكن العين) كظربان، وسبعان فإنك لا تكسر ما بعد ياء التصغير وتبعا لذلك تبقى الألف دون قلب تقول في تصغير ما مر: ظريبان وسبيعان.
стр. 7025
قال الرضي: "وإن كانتا في الأمم الصريح (أي اسم الجنس) غير العلم لا يشبه ما فيه الألف والنون الزائدتان بالألف والنون في باب سكران مطلقا بل ينظر. هل الألف رابعة أو فوقها؟ فإن كانت رابعة في اسم له نظير مختوم بلام قبلها ألف زائدة قلت الألف في التصغير ياء تشبيها بالألف مثل النظير وذلك في ثلاثة أوزان فقط: فعلال كحومان (بفتح الحاء) ، وفعلان كسلطان، وفعلان كسرحان (بكسر السين) فإن نون حومان موقعها اللام في جبار وزلزال وموقع سلطان كلام قرطاس وزنار وطومار، وموقع نون سرحان كلام سربال ومفتاح تقول في الثلاثة حويمين، سليطين، سريحين كزليزيل، وقريطيس ومفيتيح.
وإن لم يكن الاسم مساويا لآخر في زيادة الألف قبل لام تشبه الألف والنون في باب سكران فلا تقلب الألف ياء تقول في ظربان [٩] ظريبان وفي السبعان [١٠] السبيعان.
وكان قياس نحو ورشان [١١] وكروان [١٢] أن يكون كظربان إذ لا يقع موقع نونه لام كما لم يقع نون ظربان وسبعان لكن لما جاء على هذا الوزن الصفات كالصميان والقطوان وشبهت ألفها بألف سكران فلم تقلب قصدوا الفرق بينهما فقلبت في الاسم فقيل وريشين وكريوين أو كرتَّين لأن تشبيه الصفة بالصفة أنسب وأولى من تشبيه الاسم لها " (انتهى كلام الرضي) .
وإذا كانت الألف في اسم الجنس خامسة أو في حكم الخامسة وذلك بحذف بعض الأحرف التي قبلها نحو زعفران، وعقربان وأفعوان وصليان (للحية) فلا تقلب الألف ياء إذ لا تقلب تلك الألف ياء إلا رابعة عند التصغير كمفتاح ومصباح تقول فيما مر من أسماء الجنس زعيفران، عقيربان أفيعيان، وصليليان، وفي قرعبلانه (دويبه) تقول: قريعبة.
ملاحظة: إذا ورد ما آخره ألف ونون مزيدتان ولم يعرف هل قلبت العرب ألفه ياء فجمع على فعالين أم لا؟ حمل على باب سكران ولا يقلب لأنه أوسع وأكثر.
стр. 7026
تنبيه: إذا صغرت ما كان منتهيا بالألف والنون المزيدتين وكان على وزن من أوزان جمع الكثرة مثل عُقبان: لم يصغر على لفظه لا بفعيلان، ولا بفعيلين وإن كان يجمع على فعالن بل يرد إلى القلة ثم يصغر فيقال: أعيقب [١٣] .
فِعلان، وفُعلان الجمع
ذكرنا قبل أن وزن فعلان بالكسر والسكون أو فعلان بالضم والسكون كان دالا على المفرد وفي هذا الفصل نعرضه دالا على الجمع للكثرة.
(فِعلان بالكسر الدال على الجمع القياسي)
يكون فِعلان بكسر الفاء دالا على الجمع باطراد في كل اسم مفرد على أوزان معينة وهي كالتالي:
(١) كل اسم على وزن فعل بضم أوله وفتح ثانية مثل صُرَد [١٤] وجمعه صِردان، ونُغر [١٥] وجمعه نغران يقول الرضي [١٦] : لما اختص (فُعل) بالضم فالفتح بنوع من المسميات وهو الحيوان خصوه بجمع، وأيضا كأنه منقولٌ من فعال (بضم أوله) كغُراب وغِرْبان أو مشبه به قال ابن مالك في ألفيته:
وغالبا أغناهم فِعلانُ
في فُعَل كقولهم صِردان
(٢) كل اسم يكون على وزن فعال بضم أوله مثل غًراب وغِربان وغلام وغِلمان وحُوار [١٧] وحيران قال ابن مالك:
وللفُعال فِعلان حصل
(٣) كل اسم يكون على وزن فَعَل بفتح أوله وثانيه الصحيح العين نحو خَرَبٍ [١٨] وخِربان وشَبَثِ [١٩] وشبثان.
أو الأجوف مثل تاج وتيجان، وقاع وقيعان وجار وجيران قال الرضي [٢٠] وأما الأجوف فالقياس فيه الفعلان كالتيجان والجيران والقيعان وكذلك فعل المعتل الآخر مثل فتى وفتيان وأخ وإخوان.
(٤) كل اسم على وزن فُعْل (بضم فسكون) واوي العين مثل حوت وحيتان، وكُوز وكيزان وعود وعيدان قال ابن مالك:
وشاع في حوت وقاع مع ما
ضاهاهما وقل في غيرهما
стр. 7027
وقال الرضي [٢١] : (وباب عود على عيدان يعني أن فُعلان (بضم فسكون) إذا كان أجوف لا يجمع في الكثرة إلا على فعلان (بكسر أوله) كعيدان وحيتان قال أبو حيان في كتابه ارتشاف الضَّرِب من لسان العرب فِعلان (بالكسر) لاسم على فعل نحو صرد وصردان وفعل خرب وخربان وخال وخيلان وفتى وفتيان وأخ وإخوان، وفعال غراب وغربان وغلام وغلمان، وفعل واوي العين: حوت وحيتان) .
فِعلان جمع سماعي فيما يأتي:
يحفظ فعلان بكسر الفاء سماعيا في اسم على فِعْل مثلِ قنو وقنوان [٢٢] ، وصِنْو وصنوان [٢٣] ، وفُعال صوار [٢٤] وصيران وفَعَال غَزَال وغِزْلان، وفعول خروف وخرفان وفعيل ظليم وظلمان [٢٥] وفاعل حائط وفِعْله نِسْوة ونسوان وفَعْل عبد وعبدان وفَعَلة (بفتحتين) قَضَفه وقِضْفان وفُعَلة (بضم ففتح) يُرَكة ويركان، وفعلة. أمة وإمان، وفي وصف على فَعْل شيخ وشيخان [٢٦] وضيف وضِيفان وفُعال شجاع وشجعان.
فِعلان بالكسر جمع نادر [٢٧] فيما يأتي:
قالوا: كِرْوان، وفِلْتان، وصمْيان، وصِفْتان جمع كَروان بالفتح وفَلَتان وصَمَيان وصَفَن [٢٨] .
ملاحظة:
وربما جاء فعلان بالكسر دالا على المصدر فيكون مفردا مثل النسيان والحرمان [٢٩] ، والعرفان ووجد وجدانا وسبق أن قلنا إلى الفعلان (بفتح فسكون) قليل في المصادر أيضا كقولك: ليان وشنآن، وزيدان بمعنى الزيادة.
فُعلان: بالضم يكون جمعا قياسيا فيما يأتي:
(١) لاسم على وزن فعيل تقول رغيف ورغفان يقول ابن يعيش [٣٠] في شرح المفصل: والباب في فعيل فعلان (بالضم) نحو جريب وجربان وكثيب وكثبان وقليب وقلبان.
(٢) لاسم على وزن (فعل) بفتحتين الصحيح العين نحو ذكر وذكران قال الرضي [٣١] : (وأما ذكر وذكران فلاستعمال ذكر استعمال الأسماء فهو كخرب وخربان وحمل وحُملان) .
стр. 7028
(٣) لاسم على وزن (فعل) بفتح فسكون نحو بطن وبطنان وظهر وظهران يقول الرضي [٣٢] (فالمسموع في قلة (فعل) في غير الأجوف أفعال وأنف وآناف وفي كثرته فعلان بالكسر كجحش وجحشان ورئلان جمع جحش ورأل، وفعلان بالضم كظهر وظهران وبطن وبطنان قال سيبويه [٣٣] وفعلان بالكسر أقلهما) .
(٤) لاسم على وزن فعل (بكسر فسكون) تقول ذئب وذئبان صرح به في التسهيل بأنه مقيس وقال في الكافية قليل [٣٤] .
فعلان بالضم جمع سماعي فيما يأتي [٣٥] :
(١) حاجز وحجزان.
(٢) راع ورعيان وشاب وشبان.
(٣) أفعل فعلاء.
أسود وسودان (وزعم الفراء أنه في هذا ونحوه جعل لفعل جمع أفعل فعلاء وقال أبو زيد أحمد بن سهل بيض وسود وحمر في الجمع الأدنى فإن جمع منه شيء في الجمع الأقصى كان على وزن فعلان وهو جمع وهو بيض بيضان سود وسودان وعمى وعميان وبرص وبرصان وكذلك القياس في كله) . انتهى كلام ابن سهل ويدل كلامه على أنه مقيس.
(٤) حوار وحوران [٣٦] (٥) زقان وزقان (٦) ثنىّ وثنيان [٣٧] (٧) قعيد وقعدان [٣٨] (٨) رخل ورخلان [٣٩] (٩) جذع وجذعان
وشذوذه أنه صفة ومسرع وسرعان.
وخرج بالاسم الصفة فلا يجمع على هذا الوزن ما كان مثل: ضخم وجميل، وبطل، وخرج بقوله غير معل العين في فعل (بفتحتين) ما كان معل العين نحو قود فلا يجمع على هذا الوزن.
ملاحظة:
قد تكون صيغة فعلان [٤٠] (بالضم) مصدار سماعيا [٤١] مفردا كما في قولك غفر الله ذنبه غفرانا قال تعالى ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ وقالوا شكر يشكر شكرانا، وكفر كفرانا قال تعالى: ﴿فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِه﴾ . ورجح رجحانا.
فعلان: بفتح الفاء والعين
стр. 7029
هذه الصيغة تكون مصدرا قياسيا في كل فعل لازم يدل معناه على التنقل والتقلب المخصوص والاضطراب والحركة الشديدة تقول: طاف، طوفانا وجال جولانا، وغلت القدر غليانا [٤٢] ونزى نزوانا ونقز نقزانا [٤٣] ، وعسل [٤٤] عسلانا، ورتك رتكانا [٤٥] يقول الرضي [٤٦] والقياس المطرد في مصدر التنقل والتقلب الفعلان (بفتحتين) كالونزان والنقزان والعسلان والرتكان. والشنآن [٤٧] (بفتحتين) شاذ لأنه ليس باضطراب.
وقد يكون المصدر على هذا [٤٨] الوزن سماعا كما في قولك: غشيته غشيانا وذلك لأنه من المتعدي.
فعلان: (بفتحتين) ليس مصدرا.
وقد وردت ألفاظ في اللغة على هذا الوزن وليست بمصادر قال ابن مالك الذي جاء على فعلان بفتح أوله وثانيه وليس بمصدر ألفاظ محصورة تم نظمها فقال:
ما سوى المصدر من فعلان
أليان خظوان [٤٩] شحذان
شقذان صبحان صحران
صلتان صميان علتان
عدوان فلتان قطوان
كذبان لهبان ملدان
يردان حدثان دبران
ذنبان رمضان سرطان
سرعان سفوان شبهان
صرفان سفوان علجان
عنبان غطفان كروان
نفيان ورشان يرقان
وأصلي وأسلم على سيدنا محمد ﷺ وبعد فإن وقعت على هفوت فسبحان من انفرد بالكمال وتنزه عن الشرك والمثال فإن الإنسان محل النسيان وأول الناس.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] العلم المرتجل: ما وضع من أول أمره ولم يستعمل قبل ذلك في غير العلمية ومثاله الأعلام التي اخترعها العرب لمسميات عندهم مثل سعاد علم امرأة، وادد علم رجل، وعمران، وغطفان ومروان.. الخ.
[٢] انظر شرح الشافية ج١ ص١٩٦، ص١٩٧.
стр. 7030
[٣] انظر شذا العرف في فن الصرف للأستاذ الشيخ الحملاوي ص١٢٠ والمراد بالعلم المنقول أحد شيئين: أما العلم الذي لم يستعمل لفظه أول الأمر علما مطلقا وإنما استعمل في شيء غير العلمية، ثم نقل بعده إلى العلمية إذا سمينا إنسانا: عريان فمثل هذا كان صفة في أول الأمر يؤدي معنى آخر ثم نقل وأصبح علما لفرد في نوع ثم صار علما لفرد في نوع آخر شخص معين، وأما العلم المنقول الذي استعمل أول مرة يخالف الأول مثل سعاد علم امرأة إذا نقل واستعمل علم قرية لا علم امرأة ومثل غطفان إذا استعمل علما على حي من أحياء العرب مثلا..
[٤] القطوان البطيء.
[٥] انظر شذ العرف ص١٢٠.
[٦] انظر الشافية ج١ ص١٩٦.
[٧] قال ابن مالك: كذاك ما مدة أفعال سبق.. أو مد سكران وما به التحق أي انفتح انحتم للحرف الذي قبل ألف فعلان كسكران وما ألحق به مما هو على وزن فعلان مضموم الفاء أو مفتوحها أو مكسورها مع سكون العين.
[٨] اسم الجنس هو كل ما يدل على الماهية المجردة أي الحقيقة الذهنية وهو أنواع:
أ _ اسم جنس جمعي وهو ما يفرق بينه وبين واحدة بالتاء أو بالياء مثل نخل ونخلة وروم ورومي.
ب _ اسم جنس إفرادي وهو الذي يصدق على القليل والكثير من الماهية مثل: هواء ماء دم.
ج _ اسم جنس أحادي وهو الذي يدل على الماهية ممثلة في فرد غير معين من أفرادها مثل: أسامة للأسد وسرحان للذئب وحومان لنبت وسعدان لنبت الخ.
[٩] الظربان: (بفتح فكسر) دابة تشبه القرد على قدر الهر طويلة الخرطوم سوداء الظهر بيضاء البطن منتنة الرائحة تفسو في ثوب أحدهم إذا صادها فلا تذهب الرائحة حتى يبلى الثوب.
[١٠] السبعان: (بفتح فضم) موضع معروف في ديار قيس: قال الشاعر: ألا يا ديار الحي بالسبعان أمل عليها بالبلا الملوان قال في اللسان: ولا يعرف في كلامهم اسم على فعلان بفتح فضم غيره.
стр. 7031
[١١] الورشان: بفتحات طائر يشبه الحمامة والأنثى ورشانة وجمع على ورشان بالكسر ووراشين، والورشان أيضا الجزء الذي يغطيه الجفن الأعلى من بياض المقلة.
[١٢] الكروان: طائر وجمع على كراوين، وكروان بالكسر جمع نادر.
[١٣] انظر التسهيل لابن مالك مبحث التصغير.
[١٤] الصرد بضم ففتح _ طائر فوق العصفور وقيل طائر أبقع ضخم الرأس يكون في الشجر بصفة أبيض ونصفه أسود ضخم المنقار قال الأزهري بصيد العصافير وفي الحديث الشريف: "نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع النملة والنحلة والصرد والهدهد".
[١٥] النغران جمع نغر بضم ففتح وهو طير كالعصافير حمر المناقير ومؤنثه نغرة (كهمزة) وأهل المدينة يسمونه البلبل وبتصغيره جاء الحديث عن النبي ﷺ حيث قال النبي لأبي طلحة الأنصاري وكان له نغر يلعب به فمات "فما فعل النغير يا أبا عمير".
[١٦] انظر: الشافية ج٢ ص٩٩ _ وارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان وهو من تحقيقنا ج١ ص١٥.
[١٧] الحوار بضم أوله ولد الناقة ساعة يولد وقيل أن يفصل عن أمه وجمعه أحورة وحيران، وحوران وفي المثل حرك لها حوارها.
[١٨] الخربان: بكسر أوله جمع خرب بفتح أوله وثانيه وهو ذكر الحبارى ويطلق على الشعر يكون في الخاصرة ووسط المرفق.
[١٩] الشبث بقتح الشين والباء: دويبة ذات ست قوائم طوال صفراء الظهر وظهور القوائم سوداء الرأس زرقاء العين.
[٢٠] انظر: الشافية ج٢ ص٩٦.
وبالنسبة للصحيح العين قال في الأشموني وشرح الكافية أن الخرب بفتحتين لا يطرد على فعلان بالكسر ولكنه قال في التسهيل يطرد جمعه على فعلان بالكسر.
[٢١] انظر: الشافية ج٢ ص٩٤.
[٢٢] القنو: وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب.
стр. 7032
[٢٣] الصنو الفرع وآخر أصل واحد وأصله المثل ومنه قيل للعم صنو وجمعه في لغة الحجاز صنوان بكسر الصاد وبضمها في لغة تميم وقلس كذئب وذؤبان ويقال صنوان بفتح الصاد وهو اسم جمع لا جمع تكسير لأنه ليس من أينيثه.
انظر: البحر المحيط ج٥ ص٣٥٧.
[٢٤] الصيران جمع صوار (بكسر ففتح) وهو القطيع من بقر الوحش كما يطلق على وعاء المسك قال الشاعر:
إذا لاح الصوار ذكرت ليلى واذكرها إذا نفح الصوار
فالأول معناه ظهر وبدأ، والثاني نفح وهب ومعناه المسك.
[٢٥] الظلمان: جمع ظليم وهو الذكر من النعام قال الرضي في الشافية ج٢ ص١٣٢ وظلماء قليل حكى أحمد ابن يحي ظليم وظلمان وعريض وعرضان، وجاء صبي وصبيان وقال بعضهم في ضرير ضران والضم فيه أشهر. والضرير هو ذاهب البصر والمريض المهزول وكل شيء خالطه ضر فهو ضرير.
[٢٦] قال الرضي في شرح الشافية ج٢ ص٩١. فالمسموع في فعل غير الأجوف في كثرته فعلان كجحشان ورئلان وقال في ص١١٧ وقد جاء فعلان بكسر الفاء في الأجواف وغيره كضيفان ووغدان بكسر الواو كما جاء في الاسم رئلان ويجوز أن يكون ضيفان وشيخان في الأصل فعلان مضموم الفاء فكسرت لتسليم الياء.
[٢٧] انظر: ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان ص١١٤.
[٢٨] الصفن وعاء الخصية ويحرك.
[٢٩] انظر: شرح المفصل ج٦ ص٤٤. قال الشاعر:
يا رب غابطنا لو كان يعرفكم لا في مباعدة منكم وحرمانا
قالوا حرمه حرمانا، ووجد الشيء يجده وجدانا وعرفته عرفانا ورضيته رضوانا، رأمه رئمان.
[٣٠] انظر شرح المفصل ج٥ ص٥٣، وسيبويه ج٢ ص٢١٥.
[٣١] انظر: الشافية ج٢ ص١١٩.
[٣٢] انظر: الشافية ج٢ ص٩١.
[٣٣] انظر: سيبويه ج٢ ص٢٠٤، ص١٧٧.
[٣٤] قال ابن مالك في الألفية
وفعل اسما وفعيلا وفعل غير معل العين فعلان حصل
стр. 7033
[٣٥] انظر الأشموني ج٤ ص١٠٠، ١٠١
والارتشاف ج١ ص١١٥.
انظر سيبويه ج٢ ص١٩٨، ص٢٠٦.
[٣٦] الحوار كغراب وكتاب ولدا الناقة ساعة يولد.
[٣٧] الثني من البعران ما دخل في السادسة ومن الخيل ما دخل في الرابعة ومن الشاء ما دخل في الثالثة، والثني من الأضراس: الأربع التي في مقدم الفم ثنتان من فوق وثنتان من أسفل.
[٣٨] القعيد من الإبل ما يقعد الراعي في كل حاجة.
[٣٩] الرخل بكسر فسكون وهي الأنثى من ولد الضأن.
[٤٠] انظر: شرح المفصل ج٦ ص٤٥.
[٤١] انظر: سيبويه ج٢ ص٢١٧.
[٤٢] النزوان الوثبان ولا يقال إلا للشاء والدواب والبقر في معنى الفساد.
[٤٣] والنقزان ومثله النقز هو الوثبان صعدا في مكان واحد وقد غلب على الطائر المعتاد الوثب كالغراب والعصفور.
[٤٤] العسلان: أن يضطرم الغرس في عدوه فيخفق برأسه ويطرد متنه، والعسلان أيضا أن يسرع الذئب والثعلب ويضطرب في عدوه ويهز رأسه.
[٤٥] الرتكان مقاربة البعير خطوة في رملانه ولا يقال إلا للتغير.
[٤٦] انظر الشافية ج١ ص١٥٦، وشرح المفصل ج٦ ص١٤٧ والأشموني ج٢ ص٢١٦ أبينه المصادر وسيبويه ج٢ ص٢١٨.
[٤٧] قال في شرح المفصل ج٦ ص٤٧ وأكثر ما يكون الفعلان في هذا الضرب مما فيه حركة واضطراب ولا يجئ فعله متعدي في الفاعل إلا أن يشذ شيء نحو شنئته شنأنا.
[٤٨] انظر شرح المفصل ج١ ص٤٥.
[٤٩] صحتها بالخاء المنقوطة
شرح المفردات في أبيات ابن مالك
كبش اليان: ما كان فيه شحم ولحم في العجز في الزهر بالحاء المعجمة وصحته بالخاء المنقوطة.
الخظوان: والظاء محركة من ركب بعض لحمه بعضا
الشحذان: قال في القاموس الشحذان أن محركة السواق والجائع والخفيف في سعيه.
قال في القاموس: الشقذان محركة الذي يكاد ينام، والذي يصيب الناس بالعين، والشديد البصر السريع الإصابة.
стр. 7034
رجل صبحان: محركة الذي بعجل الصبوح.
الصحران: غيره حمرة خفيفة إلى بياض قليل.
الصلتان: محركة النشط الجديد الفؤاد من الخيل.
الصميان: بفتحات من الرجال الشديد المحتنك السن والجريء.
الشجاع والتلفت والوقت يقال رجل صميان إذا كان ذا توثب على الناس.
العدوان: محركة الشديد العداوة.
الفلتان: محركة النشيط والصلب الجريء وطائر يصيد القردة.
القطوان: مقارب الخطو في مشيه يقال قطا في مشيته يقطو واقطوطى فهو قطوان.
اللهبان: محركة اشتعال النار إذا خلص من الدخان.
الملدان: محركة الشباب والنعمة.
اليردان: حب الغمام.
الحدثان: الليل والنهار، والحادثة انظر: مختار الصحاح.
الديران: محركة منزل القمر.
الذنبان: محركة عشب أو ثبت كالذرة واحدته بهاء وماء بالعيص.
السرطان: برج في السماء وورم سوداوي يبتدئ مثل اللوزة فإذا أكبر ظهر عليه عروق حمر وخضر شبيه
سرعان: الناس محركة أوائلهم المستبقون إلى الأمر والسرعان الوتر القوي.
صفوان اليوم البارد بلا غيم ولا كدر.
الشبهان: محركة النحاس الأصفر ويكسر، ونبت شائك له ورد لطيف أحمر.
الصرفان: محركة الموت والنحاس والرصاص، وتمر رزين صلب المضاغ يعدها ذو العيالات.
سفوان: محركة موضع بالبصرة.
قال الشاعر: وظل لنسوة النعمان منا.. على سفوان يوم أروناني
العلجان: محركة اضطراب الناقة والعلجان تراب تجمعه الريح في أصل شجره.
العنيان: محركة النشيط الخفيف والثقيل من الطبار أو المسن منها وهو من الأضداد.
غطفان: محركة حي من قيس.
والكروان: بالتحريك طائر ويدعى الحجل وجمعه كروان بكسر فسكون وكراوين.
نفيان: بالتحريك ما تنفيه الريح في أصول الشجرة من التراب، وما يتطرف من معظم الجيش.
ورشان: بفتحات طائر يشبه الحمامة والأنثى ورشانة.
стр. 7035
اليرقان: آفة للزرع ومرض معروف
والحصوان: محركة موضع باليمن.
وجاء أيضا الحصوان في القاموس مادة (حصى)
стр. 7036
النمل والنحل مملكتان
فسبحان الرحمن
لفضيلة الدكتور محمد نغش
سبحان الرحمن الذي أوحى إلى مملكة النحل ليخرج من بطونها شرابا فيه شفاء وغداء، وهو الذي ألهم النمل في مملكته إلى حسن التدبير، والصبر على العمل من أجل تحصيل الرزق الوفير.
مملكة النحل:
قال الله رب العالمين ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
إن خلية النحل الواحدة مجموعة من المصانع، لإنتاج الدواء الذي فيه شفاء للناس، مصانع لأنها تبدأ أولا في البناء لبيوتها في أشكال هندسية بوحي من ربها، أي بإلهام وهداية وإرشاد. ليس في أبنيتها فرجة ولا خلل، بل هي محكمة الصنعة مسدسة الهيئة، أقامتها بطريقة هندسية في همة عالية، دون استخدام آلة أو الاستعانة بأية ماكينة عصرية، إنها تستخدم إمكانياتها الطبيعية التي منحها لها ربّ البرية.
стр. 7037
يقول ابن قيم الجوزية في كتابه مفتاح دار السعادة: "تأمل كمال طاعتها وحسن ائتمارها لأمر ربها، اتخذت بيوتها في هذه الأمكنة الثلاثة في الجبال في الشّقفان، وفي الشجر، وفي بيوت الناس حيث يعرشون أي يبنون العروش وهي البيوت. فلا يرى للنحل بيت غير هذه الثلاثة البتة. وتأمل كيف أن أكثر بيوتها في الجبال والشّقفان وهو البيت المقدم في الآية ثم في الأشجار وهي من أكثر بيوتها، ومما يعرش الناس وهي أقل بيوتها بينهم حيث يعرشون، وأما في الجبال والشجر فبيوت عظيمة يؤخذ منها من العسل الكثير جدا. ثم تأمل كيف أدّلها حسن الامتثال إلى أن اتخذت البيوت أولا، فإذا استقر لها بيت خرجت منه فرعت وأكلت من الثمار ثم آوت إلى بيوتها لأن ربها سبحانه أمرها باتخاذ البيوت أولا ثم بالأكل بعد ذلك، ثم إذا أكلت سلكت سبل ربّها مذللة لا يستوعز عليها شيء، ترعى ثم تعود".
والنحل واحدته نحلة، وقال أبو إسحاق الزجاج: "جائز أن يكون سمي نحلا لأن الله نحل أي أعطى الناس العسل الذي يخرج من بطونها"، وقال غيره من أهل العربية: "النحل يذكر ويؤنث، وقد أنثها الله ومن ذكر النحل فلأن لفظه مذكر، ومن أنثه فلأنه جمع نحلة".
وبالرغم من أن النحل يعد مصانع منتجة، إلا أنه كما يصفه القزويني في كتابه عجائب المخلوقات "ذو هيئة ظريفة، وخلقة لطيفة، وبنية نحيفة، وسط بدنه مربع مكعب، ومؤخره مخروط، ورأسه مدور مبسوط، وركب في وسط بدنه أربع أرجل ويدين متناسبة المقادير كأضلاع الشكل المسدس في الدائرة".
стр. 7038
وقد سمينا جماعة النحل بالمملكة لأن اليعسوب ملكة النحل المطاعة في الخلية تتوارث الملك عن آبائها وأجدادها. وهي أكبر جثة تكون بقدر نحلتين، تقسم الأعمال بين النحل، فهم يعرفون نظام التخصص الذي هو سمة العصر الحديث فلكل اختصاص لا يتعداه.. وكان العرب قديما يظنونها ذكرا لضخامتها ولقوتها البدنية، فهم يقولون: هو يعسوب قومه: أي رئيسهم وكبيرهم ومقدمهم.
وقوله ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ فألوانه ما بين أبيض وأصفر وأحمر، وغير ذلك من الألوان الحسنة، على اختلاف مراعيها ومأكلها منها.
وقد احتار القدماء والمحدثون في معرفة كيفية تحول الرحيق الذي ترشفه النحل من الأزهار إلى عسل حلو لذيذ سائغ للشاربين. تتغذى منه هي وأولادها وتختزن بعضه لوقت الشتاء، وهي تغطي مخازنها بغطاء رقيق من الشمع فلا يسقط منه شيء.
وقوله تعالى ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ إشارة إلى أهمية العسل كدواء، وتنبيه الناس إلى طريقة استخلاص الأدوية المفيدة من الأزهار المختلفة.
وقد كان رسول الله الكريم ﷺ يوصي بالتداوي به فيقول: "عليكم بالشفائين: القرآن والعسل". فالقرآن علاج للأمراض النفسية، والعسل علاج للأمراض البدنية.
وقوله سبحانه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول ابن كثير: "إن في إلهام الله لهذه الدواب الضعيفة الخلقة إلى السلوك في المهامه، والاجتناء من سائر الثمار، ثم جمعها الشمع والعسل وهو أطيب الأشياء لآية لقوم يتفكرون في عظمة خالقها، ومسخرها، وميسرها فيستدلون بذلك على أنه الفاعل القادر، الحكيم العليم، الكريم الرحيم".
стр. 7039
وفي العصر الحديث في مختلف بلدان العالم المتحضر، يعكف الأطباء والباحثون على الاستفادة بالعسل كدواء لكافة الأمراض، البسيط منها والمستعصي، الباطني منها وغير الباطني، وقد وجدوا فيها مقويا عاما للأبدان، ولفت نظرهم من قديم الزمان، أن العسل يحتفظ بخواصه لا يدركه العفن ولا الفساد.
وفي العصر الحديث اكتشفوا أن الجراثيم المؤذية للإنسان إذا وضعت في العسل ماتت، فهو ينفع للعين والبطن وما حوت، وتعالج به الأمراض الجلدية والجروح المتقيحة. وهم يحاولون الآن أن يعالجوا به السرطان، هذا البلاء الذي يفتك بالإنسان، والذي حير العقول والأذهان في كل مكان.
إن الله سيكشف لعباده معجزاته في كل أوان، وسيرون أن القرآن من الرحمن الذي خلق الإنسان وعلمه البيان.
مملكة النمل:
قال الله تعالى في محكم آياته ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَي﴾ .
فالنملة هذه المخلوقة الصغيرة الحجم الكبيرة الشأن، لها لغة تتخاطب بها فيما بينها كما أنها عاقلة ذكية، تستطيع أن تميز الأشياء، فتعرف سليمان ﵇ بعينه ومن معه من جنوده، ثم إنها مخلوقة حازمة في أمرها لبني جنسها في أخذ الحيطة من مرور سليمان ﵇ وجنوده من فوقهم، فيحطمونهم دون قصدهم، لأنها تعرف أنهم لم يأتوا لحربهم.
فما هو تصرف سليمان ﵇ الذي قيل إنه سمع حديث النملة من مسافة بعيدة، قيل: إنه أمر جنوده أن يتوقفوا حتى يدخل النمل مساكنهم رحمة منه، وشفقة على مخلوقات الله الضعيفة، ثم هو يشكر ربّه الذي أنعم عليه، إذ جعله نبيّا ذا سلطان على الحيوان والجان.
стр. 7040
روي أن رجلا استوقف المأمون ليسمع منه فلم يقف له، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله استوقف سليمان بن داود ﵉ لنملة ليستمع منها، وما أنا عند الله بأحقر من نملة وما أنت عند الله بأعظم من سليمان، فقال له المأمون: صدقت. ووقف له، وقضى حاجته.
وقال فخر الدين الرازي "إن وادي النمل المذكور في الآية بالشام، وأن الله تعالى أتى بحرف الجر ((على)) لوجهين أحدهما أن إتيانهم كان من فوق، فأتي بحرف الاستعلاء. الثاني أنه يراد به قطع الوادي وبلوغ آخره".
وحكي عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس، قال: سلوا عما شئتم. وكان أبو حنيفة حاضرا، وهو يومئذ غلام حدث، فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم أنثى؟ فسألوه، فأفحم، فقال أبو حنيفة كانت أنثى، فقيل له: كيف عرفت ذلك؟ فقال: من قوله تعالى: قالت ولو كانت ذكرا لقال: قال نملة لأن النملة مثل الحمامة، والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى.
وقال السهيلي: "إن في قول النملة ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ إشارة منها إلى عدل سليمان ﵇ وفضله وفضل جنوده إذ شعروا بهم. وقال: إن تبسمه ﵇ كان سرورا بهذه الكلمة من تلك النملة، ولذلك أكد التبسم بقوله ﴿ضَاحِكاً﴾ .
إذن قد يكون التبسم من غير ضحك ولا رضا. ألا تراهم يقولون: تبسم، تبسم الغضبان وتبسم تبسم المستهزئ، وتبسم تبسم الضاحك، وتبسم الضحك إنما هو من سرور".
وقال بعض البلغاء: إنها تكلمت بعشرة أنواع من البديع: قولها: يا نادت، أيها نبهت، النمل سمت، ادخلوا أمرت، مساكنكم عينت، لا يحطمنكم حذرت، سليمان خصت، وجنوده عمت، وهم أشارت، لا يشعرون اعتذرت.
следующие страницы →