Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.
стр. 7141
وينبغي أن تضيف إلى البيانات السابقة عن كل مرجع تقرؤه كلمة موجزة تصف فيها قدر ما تستطيع موضوع المرجع وخصائصه، وأبرز نواحي القوة ونواحي الضعف فيه وتذكر أرقام صفحات الموضوعات التي تثير اهتمام الباحث والمراجع التي اعتمد عليها ذلك المرجعُ إن وجدت.
وبعد أن تكتب ذلك كله في إضبارة المراجع تسأل الأساتذة المختصين عن ذلك المرجع وترى رأيهم فيه وتضيفه إلى ما سبق.
وفي مسألة الأساتذة المختصين عن كل مرجع تقرؤه فوائد كثيرة:
منها أنها تزيدك معلومات جديدة عن المرجع.
ومنها أن ما يقوله الأساتذة يعدُّ نقدا وتقويما لما كتبته أنت عن ذلك المرجع.
والفائدة الثالثة أنك بما يقوله الأساتذة تزداد قدرة على النقد وقدرة على التعمق فيما تقرؤه من مراجع.
وأحب أن أقول لك قبل أن أودع إضبارة المراجع إنها ليست مقصورة على مراجع بحث معين، وإنما هي عامة تفتح صدرها مدى الحياة لكل مرجع تقرؤه، فهي صديقة عمرك كله.
والآن إلى الخطوة الثالثة
٣ _ العثور على المراجع
والخطوة الثالثة على طريق البحث هي العثور على المراجع، وقبل العثور على المراجع أقول:
من الباحثين من يجعل الفرق قائما بين كلمة مصدر وكلمة مرجع، فإذا قلت في بحثك ورأي سيبويه في هذه المسألة كذا وكذا، وكنت قد نقلت ذلك من كتاب سيبويه فأنت حينئذ قد نقلت من مصدر، وإذا كنت قد نقلت رأي سيبويه من كتاب آخر قد نقلت حينئذ من مرجع.
ومن الباحثين من لا يرى فرقا بين كلمة مصدر وكلمة مرجع، وإنما يفرق بين المصادر والمراجع بالوصف، فنقل رأي لسيبويه من كتاب سيبويه نقل من مرجع أصلي ومصدر أصلي، ونقل رأي سيبويه من كتاب آخر نقل من مرجع فرعي ومصدر فرعي.
стр. 7142
وإذا قلت في بحثك: ورأي الشافعية في هذه المسألة كذا وكذا، فإذا كنت قد نقلت رأيهم من كتبهم المعتمدة فقد نقلت من مرجع أصلي ومصدر أصلي، وإذا كنت نقلت رأيهم من كتب المذاهب الأخرى فقد نقلت من مرجع فرعي ومصدر فرعي، وهكذا.
وينبغي للباحث أن يعتمد في معلوماته التي ينقلها، وفي آراء العلماء التي يسوقها، وفي غير ذلك مما ينقل، أن يعتمد على مراجعها الأصلية ما أمكنه ذلك، لأن المراجع الفرعية تنقل من غيرها، وهذا النقل عرضة للزيادة والنقص، وعرضة لأن يكون الناقل قد أساء الفهم أو أساء القصد.
وينبغي للباحث كذلك أن يقرأ الكلمات المطبوعة بشيء من الدقة والحذر، لأنه كثيراً ما تقع في الطباعة أخطاء تفسد المعنى وتوقعُ في اللبس.
بعد هذا قد تسأل وتقول: ولكن كيف أعثر على المراجع؟
للعثور على المراجع طرق كثيرة:
منها القراءات الخارجية للباحث وإطلاعه الواسع من قبل أيام كان طالبا في الكلية وفي الدراسات العليا وبعد التخرج، وهذا الطريق أفضل الطرق وأعلاها شأنا، وينبغي أن يكون طريق كل باحث.
ومنها أن يزور الباحث المكتبات العامة والخاصة، وأن يقرأ فهارسها التي تتصل بمادة بحثه، وأن يسائل المشرفين على هذه المكتبات ومن لهم إطلاع على ما فيها من مراجع وكتب.
ومنها أن يسأل رؤساء الأقسام في الجامعات وأساتذة المادة التي ينتمي إليها بحثه عما يعرفونه من مراجع أصلية.
ومنها الإطلاع على البحوث والرسائل السابقة التي تناولت موضوعات ذات صلة وثيقة ببحثه، وهذا الإطلاع سيفيدك إفادتين:
الأولى: أنك ترى طرق التصدي لمسائل العلم، وكيف تكون الخطط في بناء الرسائل وترتيب فصولها، وفي هذا ما يزيدك خبرة ويوسع آفاق تصورك لأعمال البحوث.
والثانية: أنك تطلع على قوائم المراجع التي اعتمدت عليها تلك البحوث وأغلب الظن أنه سيكون بين تلك المراجع كتب قيمة تصلح أن تكون أيضا مراجع لبحثك.
стр. 7143
٤ _ كيف تقرأ المراجع
الخطوة الرابعة على طريق البحث كيف تقرأ المراجع:
ينبغي لك _ ولكل قارئ _ أن تجيد القراءة بعينيك دون أن تحرك لسانك وشفتيك، لأن القراءة بتحريك اللسان والشفة قراءة بطيئة جدا لا تجاوز مئة كلمة في الدقيقة إلا قليلا، على حين يستطيع القارئ الجيد المدرب أن يقرأ بعينيه دون لسانه وشفتيه ما يزيد على أربع مئة كلمة في الدقيقة الواحدة. وشتان ما بين القراءتين في الوقت والجهد.
وينبغي لك _ ولكل باحث _ أن تكون قارئا ناقدا تستطيع أن تتبين الفكرة الرئيسة في كل فقرة وفي كل فصل، وأن تتبين كذلك ما ينطوي تحت الفكرة الرئيسة من فروع ذات قيمة.
وينبغي لك إذا أردت أن تكون باحثا مجيدا أن تتقن قراءة المراجع، فلا تقرأ ما بين الدفتين كلمة كلمة وسطرا سطرا، وإنما تتبع الخطوات الأربع التالية:
الخطوة الأولى في قراءة المراجع أن تقرأ مقدمته، ففي هذه المقدمة يذكر المؤلف في أكثر الأحيان الغرض من تأليفه، ويعطي صورة مجملة عما جاء فيه، ويبين الطريقة التي اتبعها في تأليف الكتاب.
والخطوة الثانية في قراءة المرجع أن تنتقل من المقدمة إلى الفهرس، وفهارس كثير من الكتب الموسعة تذكر الموضوع الرئيسي وتذكر ما ينطوي تحته من مسائل فرعية. اقرأ الفهرس أكثر من مرة قراءة دقيقة واعية، وكلما مررت بمسألة تتصل ببحثك كتبتها حالا في مكان مخصوص بها في إضبارة المعلومات، وكتبت البيانات الدالة عليها من رقم الصفحة والجزء واسم الكتاب والمؤلف _ لتعود إليها فيما بعد فتقرأها بأناة ودقة، وإذا انتهيت من قراءة الفهرس وكتابة البيانات الدالة على ما فيه من مسائل تتصل ببحثك خطوت الخطوة الثالثة وهي قراءة التصفح.
وقراءة التصفح تعني أن تقلب أوراق الكتاب كلها ورقة ورقة، وأن تنظر إلى كل صفحة من صفحاته نظرة دقيقة حادة كنظرة الصقر الذي يطير سابحا في السماء ومع ذلك لا يخطئ فريسته التي تدب على وجه الأرض.
стр. 7144
وعليك في أثناء هذا التصفح أن تقرأ بعض الجمل والسطور هنا وهناك، وأن تقرأ بعض الفقر والفصول من حين إلى حين لتعرف أسلوب الكتاب ونهجه، وإذا رأيت في أثناء التصفح شيئا ذا بال يتصل ببحثك فأشر إلى ذلك في إضبارة جمع المعلومات كما فعلت في المسائل التي عثرت عليها في الفهرس، لتعود إليه فيما بعد فتقرأه على هينة وعناية.
وعلى كل حال فسوف تعود عليك قراءة التصفح بفائدتين:
الأولى: أنها تحدد لك المسائل والمعلومات التي تتصل ببحثك.
الثانية: أنها توفر جهدا ووقتا كانا سيضيعان في قراءات كثيرة ليس وراءها طائل ولا نائل.
وبعد قراءة التصفح تخطو خطوتك الرابعة في قراءة المراجع، فتعود إلى المسائل والنصوص والمعلومات التي عثرت عليها في فهرس المرجع وفي أثناء قراءة التصفح فتقرؤها بعناية وأناة كلمة كلمة وسطرا سطرا، وكلما انتهيت من قراءة شيء ورأيته جديرا بالنسخ نقلته إلى إضبارة جمع المعلومات في الفصل الذي تندرج تحته.
ولكن كيف تنقل المعلومات والنصوص التي عثرت عليها في المراجع؟
أتنقلها حرفا حرفا وكلمة كلمة، أم تنقلها بعد أن تلخصها بأسلوبك وتحذف ما لا غناء فيه لبحثك ولا خير يرجى من نقله؟
هذا شيء قد اختلف فيه الباحثون على ما ستراه في الخطوة التالية:
٥ _ كيف تنقل المعلومات من المراجع
الخطوة الخامسة على طريق البحث يا تلميذي العزيز كيف تنقل المعلومات والمسائل التي تعثر عليها في المراجع؟
يرى فريق من الباحثين أن تنسخ المعلومات والمسائل كما وردت في مراجعها الأصلية حرفا حرفا وكلمة كلمة دون أن تبدل أو تحذف أو تزيد أو تلخص، وعليك بعد أن تنتهي من جمع كل ما قدرت عليه مما يتصل ببحثك أن تعود إليه فتقرأه مرة ثانية بأناة وإمعان نظر تحلل وتوازن وتستنبط وتلخص وتأخذ ما كان وثيق الصلة ببحثك، وتدع ما كان بعيدَ الصلة ليس بذي قيمة.
стр. 7145
ويقول هؤلاء الباحثون ردا على مخالفيهم إن نقل المواد العلمية من المراجع ملخصة بأسلوب الباحث عرضة لإهمال المعلومات الصغيرة والتفصيلات الفرعية التي قد يراها الباحث حين التلخيص بعيدة عن موضوع بحثه، أو يراها أشياء ليس لها قيمة، ثم يتبين له بعد ذلك حين يقوم بعملية نقد المادة التي جمعها أن بحثه في حاجة إلى تلك التي أهملها فيضطر إلى أن يعود إلى المراجع مرة ثانية يقرأ وينسخ، وقد يكلفه الوصول إلى تلك المراجع وقتا طويلا، وقد يكون الوصول إليها صعبا بعيد المنال.
ويرى فريق آخر من الباحثين أن النص الذي ينسخ نسخا حرفيا دون تغير هو ما كان لألفاظه قيمة ذاتية يجب المحافظة عليها، أو ما كان لألفاظه غرض خاص يتصل بنقطة معينة في البحث، أو ما كانت كلماته معدودة لا تجاوز السطرين والثلاثة.
أما المواد العلمية التي تجيء في المراجع ملء الصفحة والصفحتين وما يقرب من ذلك، وكذلك المواد التي تكون ضعيفة الصلة بالبحث، والمواد الضحلة التفكير _ فإن نسخها نسخا حرفيا مضيعة لجهد الباحث ووقته.
ويقول هذا الفريق يجب على الباحث أن يكون باحثا ناقدا منذ البداية يحلّل ما يقرؤه في المراجع ويقوّمه فيأخذ الصالح منه وما كان له قيمة، معبراً عنه بأسلوبه، ويترك ما لا خير فيه وما كان بعيد الصلة.
وإذا جّدت حاجة إلى شيء كان الباحث قد تركه وأغفله، وهذا شيء لا يحدث إلا في النّدرى، فمن السهل أن يعودَ إليه بمساعدة البيانات التي يكتبها في إضبارته وتشيرُ إلى كل شيء يعثر عليه في المراجع مما له علاقة ببحثه.
ويقول هذا الفريق أيضا إن الباحث الذي لا يلتزم بالنسخ الحرفي من المراجع يجد نفسه دائما مضطرا إلى أن يفهم كلَّ ما يقرؤه وأن ينقده ويقومَه ليصل إلى ما هو صالح وجدير بالأخذ والنقل.
وأنه يجد نفسه كذلك مكلَّفا أن يعبر عن تلك المعلومات التي يختارها من المراجع بأسلوب جديد من عنده قوي الدلالة دقيق التعبر.
стр. 7146
وأنه بسبب هذه القراءات الكثيرة وهذا النقد والتقويم لما يقرأ، وبسبب ممارسة التعبير عن تلك المعلومات المختارة، بسبب هذا كله تنمو عند هذا الباحث القدرة على فهم المواد العلمية ونقدها وتمييز الصالح الجيد مما ليس بذي صلاح وجودة.
وتنمو عنده كذلك القدرة على نقد المراجع وتقويمها، وتنمو عنده كذلك القدرةُ على الكتابة العلمية.
ثم إنه بهذه التلخيصات التي كتبها قد أعدّ لبناتٍ كثيرةً صالحة لبناء المسوّدة الأولى لبحثه.
ولا شك أن هذه القدرات والتلخيصات تعد غنما عظيما يغنمه الباحث الذي لا يلتزم النسخ الحرفي للمعلومات، على حين يفقدها الباحث الذي يلتزم.
وقد تسألني وتقول: أي الرأيين ترى ومع أي الفريقين تذهب؟
أرى أن طريقة التزام النسخ الحرفي من المراجع أصلح للباحث المبتدئ، وأما طريقة الذين لا يلتزمون فأغلب الظن أنها لا تصلح إلا للباحثين الذين سبقت لهم تجارب في إعداد البحوث.
وأنا أميل إلى الطريقة الأولى طريقة الالتزام وإن كانت محاسن الثانية كثيرة جدا.
ومهما يكون من أمر فهناك أمور شكلية لابد من إتباعها لدى كل باحث:
أولها: لا يجوز أن تكتب أو تنسخ إلا على وجه واحد من الورقة أو البطاقة، ولا يجوز أن تكتب على ذلك الوجه إلا نصا واحدا.
وثانيها: يجب أن تكتب في الجانب الأيمن من أعلى الصفحة أو البطاقة قبل أن تنسخ أية كلمة البيانات التالية:
أ _ رقم الصفحة التي تنقل منها النص أو المعلومات ورقم الجزء.
ب _ اسم الكتاب والمؤلف والناشر ومحل النشر ورقم الطبعة.
وثالثها: يجب أن تكتب في الجانب الأيسر من أعلى الصفحة عنوانا موجزا واضح الدلالة على مضمون ما تنسخ في تلك الصفحة، ليسهل عليك الرجوع إلى أي نص أو معلومات حين تدعو الحاجة إلى ذلك.
ورابعها: يجب أن تكتب دائما بالحبر لأن كتابة قلم الرصاص سهلة الزوال بكثرة لمس الأوراق وتقليبها.
стр. 7147
وخامس هذه الأمور: يجب أن تنسخ دائما بدقة ووضوح، وإياك وأن تسرع في النسخ فإن هذه السرعة قد تجعلك في حاجة إلى الرجوع إلى الأصل مرة ثانية لتعرف قراءة كلمة أو لتعثر على كلمة أو جملة سقطت من النسخ، فإن الرجوع إلى الأصل يأخذ وقتا غير قليل وربما كان غير سهل ولا ميسر.
وقبل أن نخطو الخطوة الأخيرة أحب أن أنبهك إلى أمور حقيقة ألا تغفل عنها وجديرة أن تلاقي عناية منك ورعاية.
قد تلمع الفكرة أو الرأي في ذهنك وأنت تقرأ الكتب أو تدرس المسائل أو تنسخ النصوص.
وقد تترك القراءة الأولى لما تقرؤه انطباعات عميقة أو تهيج إثارات عاصفة. وقد تمر بخلدك خواطر تلمع كالبرق الخاطف لا تطول ولا تنتظر، ولا تدري كيف أقبلت ولا من أين جاءت.
كل أولئك يجب أن يكتب لحظة مجيئه في مكان خاص في إضبارتك دون ما تأجيل أو تريث، اكتبه قبل أن يفلت من ذاكرتك بأي أسلوب يجري به القلم وبأية عبارات تسبق إلى الذهن، وحين تعيد النظر فيه وتدرسه مع ما تدرس من معلومات جمعتها ونصوص نقلتها سيكون لديك متسع من الوقت لتعبر عنه بقوة وحسن بيان.
إياك وأن تستهين بمثل هذه الأشياء فقد تكون من أفضل ما اشتمل عليه بحثك وإياك وأن تظنها سهلة الصيد سهلة التذكر، فالخواطر العابرة والانطباعات الأولى والآراء اللماحة لا تزورك إلا مرة واحدة كردّ الطرف ثم هيهات أن تعود.
٦ _ كيف تكتب مسوّدة بحثك
الكتابة _ سواء أكانت علمية أم كانت أدبية _ موهبة وهبها الله بعض عباده واستعداد فطري فطر الله عليه بعض الناس. والمرانة الطويلة، والممارسة المستمرة، والقراءات الكثيرة الراشدة التي لا تنقطع، تصقل تلك الموهبة صقلا فتضيء، وتنمي ذلك الاستعداد الفطري فيزهر ويثمر.
من أجل ذلك لم تكن هذه الخطوة لتجعلك كاتباً مجيدا أو باحثا فصيح القول رائع البيان، وإنما كانت لتهديك سبيل الرشاد في البناء الخارجي للبحث وفي تخطيطه العام.
стр. 7148
وعلى هذا أكتب إليك وأقول:
بعد الانتهاء من جمع معلوماتك من المراجع تعود إلى قراءتها مرة ثانية قراءة تفهم وتحليل وتقويم، ولا شك أن هذه القراءة الثانية ستعطيك صورة جديدة عن موضوعك، وتمدك بمعلومات جديدة لم تكن تعرفها من قبل.
وسوف يحملك هذا في أغلب الظن على أن تحدث تغييرا في خطة بحثك كأن تزيد عنوانا جديدا، أو تحذف عنوانا قديما، أو تضم عنوانا إلى عنوان.
فلا تلتزم بالخطة التي وضعتها أولا إن بدا لك بعد القراءة الثانية أن هناك ما يقتضي التغيير، ومن الخير أن تغير وتبدل كلما رأيت ذلك أفضل وما دام البحث بين يديك لم يخرج إلى أيد أُخر.
وحذار حذار أن يكون موقفك أمام ما جمعته من معلومات ونصوص موقف الباحث العاجز الذي يبقي عليها جميعها بنصها الحرفي ويكون عملُه أن يضم ما تجانس منها وتماثل بعضه إلى بعض مع حذف كلمة من هنا وتغيير جملة من هناك، ثم يقول للناس هاؤم اقرءوا كتابي، وما هو بكتاب له، وأنى له ذلك، ولو قلنا لما فيه من ألفاظ وجمل وفقر وآراء عودي إلى مراجعك الأولى لطارت جميعا ولما بقي له منها شيء.
عليك أن تقف أمام ما جمعته من معلومات موقف الناقد المبصر، الذي ينخل معلوماته نخلا، فيأخذ اللباب ويدع القشور.
ولا تأسف على ترك معلومات قد بذلت في نسخها الجهد والوقت، إذا تبين لك أن البحث لم يعد في حاجة إليها.
وعليك أن تحسن التعبير عما تختاره من معلومات وآراء فتصوغها صياغة جديدة دقيقة مشرقة البيان واضحة الدلالة.
حذار أن تقع فيما يقع فيه بعض الباحثين فتجعل همك ووكدك أن ينتفخ بحثك ويتضخم، فتحشدَ له معلومات كثيرة على غير حاجة، لتقول للناس انظروا كم جمعت من معلومات وكم قرأت من مراجع.
стр. 7149
إن الذين يقرءون بحثك يا تلميذي العزيز ليسوا أناسا عاديين تستطيع أن تخدعهم بمثل هذه المظاهر، إنهم يقولون لك: كلما كثرت المعلومات المنقولة من المراجع في متن البحث قلّ النقد والتحليل والاستنباط وظهر عجز الباحث. فإذا أردت أن تنال رضا الناس وإعجابهم، فليكن ذلك بما يشتمل عليه بحثك من فهم عميق للنصوص، وتحليل دقيق للمعلومات واستنباط آراء جديدة سديدة تدل على بعد نظر وذكاء.
لا تستشهد في بحثك بالنصوص المنقولة الطويلة التي تبلغ الصفحة وتزيد، فإن النصوص الطويلة صدوع عميقة في بناء بحثك تفقده التماسك والتسلسل، وتضعف رغبة القارئ في مواصلة القراءة. فإذا زاد النص على ثلاثة أسطر فلا تورده في بحثك بنصه الحرفي، لخصه بأسلوبك وأشر إلى مصدره في الهامش.
على أن إيراد النصوص الطويلة يكون حسنا مقبولا إذا كان الغرض منها عرض نماذج لأدب شاعر وكاتب أو إعطاء صور من كتاب مؤلف.
لا تكثرنَّ من الإشارة إلى المراجع في هامش كل صفحة، وقد يكون الباعث على كثرة الإشارات أنك تريد أن تظهر سعة إطلاعك وكثرة مراجعك وقد يكون الباعث ضعف الثقة بنفسك، فأنت بهذه الإشارات تريد أن تلقي في روع القارئ هذه الثقة.
وأيّاً كان الباعث فالإشارات الكثيرة عبء ثقيل جداً على نفس القارئ، حين يرى عينيه تصعدان وتهبطان كلما قرأ بضعة أسطر.
أشر إلى المراجع إذا دعت حاجة ملحة إلى ذلك كأن تنسبَ إلى عالم مشهور رأيا لا يتوقع أن يصدر عنه، أو تسوق معلومات قد تثير شك القارئ في صحتها أو تردده في قبولها.
لا تكرر الآراء والمعلومات في فصول بحثك المختلفة، فالتكرار ضعف في البحث وعجز في مقدرة الباحث أن يضع المسائل والآراء في مواضعها الصحيحة الثابتة.
والتكرار إلى جانب ذلك مدعاة إلى سأم القارئ وإملاله.
يجب أن ترتب معلومات بحثك وفصوله على أساس سليم محكم، بحيث لو نقلنا فصلا من مكانه إلى مكان آخر لظهر الخلل وبان الاضطراب.
стр. 7150
وأنت قد اطلعت على مراجع كثيرة مختلفة، ورأيت كيف تكتب المقدمات، وما الذي تشتمل عليه المقدمات، ورأيت تتابع فصول الكتب تتابعا مشوقا منطقيا بحيث يكون كل منها مبنيا على ما قبله وأساسا لما بعده، ولا شك أن اكتسبت من وراء ذلك قدوة حسنة وتجارب واسعة.
يجب أن يكون أسلوب كتابتك بعيدا عن التكلف، خاليا من الزخارف اللفظية والجمل المحفوظة المكررة.
ويجب ألا يكون مبتذلا مرذولا لا تكاد تفرق بينه وبين العامية إلا في إعراب أواخر الكلام.
ويجب أن تكون الكتابةُ خالية من الأخطاء النحوية والأخطاء اللغوية، فأنت ما درست النحو من أجل الامتحان، وإنما درسته ليكون صديق العمر كله.
وإن كبار الأدباء والعلماء يظلون طوال حياتهم يرجعون إلى معاجم اللغة في معاني الكلمات الصعبة وتعدية الأفعال بالحروف وصحة بعض التراكيب، فأنت حقيق أن تسير سيرتهم وأن تتبع خطاهم.
وإذا كانت الأخطاء النحوية والأخطاء اللغوية تعد عيبا منكرا، في كتابة الطلاب، فأي شيء نعدها في بحوث العلماء وفي رسائل الباحثين؟!!
إياك وأن تجعل مسوّدة بحثك التي تكتبها أول مرة هي النصَّ النهائي الذي تعلنه للناس.
فكثيراً ما يحدث أن يكتب الباحث صفحات من بحثه أو بعض فصوله، وهو يعيش حياة غير عادية، وفي أحوال نفسية وعاطفية غير هادئة ولا معتدلة.
وقد يكتب الباحث وهو كالٌّ تعِب، فيأتي بالغث الذي لا خير فيه، وقد يكتب مسوقا بالهوى والتعصب، فيكون بعيداً عن الحق والعدل، وقد يكتب عن رجل عظيم معجب به فلا يرى له إلا الحسنات.
ولهذا ولغيره يجب أن تترك مسوّدة بحثك الأولى فترة من الزمن كافية لتغيير الجو الذي كتبت فيه، ثم تعودَ إليها، ولكنك حين تعود يجب أن تقرأها قراءة مدرس إنشاء حاذق يسيء الظن بدفتر طالب ضعيف، اقرأها كأنما كتبها باحث غيرك، وقد طلب منك أن تقومها وتبينَ ما فيها من قوة وضعف ومن عمق وسطحية ومن صواب وخطأ.
стр. 7151
اقرأها قراءة جهر بأناة وتؤدة، لترى كيف يجري بها لسانك، وكيف تستقبلها أذنك، وكيف يكون جرس الألفاظ ووقع الجمل على سمعك. فاللسان يتذوق الكلام كما يتذوق الطعام، وللآذان أحكام قلما تخطئ وتظلم.
فإن رأيت بعد هذه القراءة أن مسوّدة بحثك لا تزال تحظى برضاك وإعجابك وأنها لا تزال تحتفظ بقوتها وجدتها فلتكن هي النص النهائي لبحثك. وإن بدا لك فيها رأي آخر فغير واحذف وأضف على النحو الذي تراه صوابا، ولا تحزن على شيء يحذف، ولا على وقت أو جهد يضيع، فهذه أشياء قد اعتادت الباحثين من قبلك.
وليس هناك من باحث يستطيع / فيما أظن / أن يزعم أن مسوّدة بحثه الأولى كانت هي النص النهائي لبحثه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 7152
المرأة في ظلال الإسلام
للدكتور خالد علي كماخي
جلست برفقة بعض الكتب العلمية، وقد انقضى من الليل نصفه أو أقل قليلاً، أعد محاضرة لطلبتي في إحدى السنوات المتقدمة في كلية علوم جامعة الرياض لأواصل معهم ما بدءوا دراسته مع مطلع عامهم الدراسي. وعندما فرغت من هذا الالتزام الواجب، شرعت في إعادة ترتيب ما استعنت به من مراجع، فلفت انتباهي كتاب كنت قد استقبلته هدية كريمة من معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ وزير التعليم العالي، ويتضمن نص المحاضرة القيمة التي سبق أن ألقاها في النادي الأدبي بجدة منتصف شهر ذي القعدة من عام خمسة وتسعين وثلاثمائة وألف تحت عنوان ((المرأة ... كيف عاملها الإسلام.؟)) .
كتاب يفرض نفسه:
أخذت الكتاب وشرعت في قراءة ما احتوته صفحاته من حقائق فشعرت بأنه يفرض نفسه على قارئه، فلا يملك إلا أن يتابع القراءة إلى نهاية الكتاب، وذلك للطريقة الفنية والموضوعة الواعية في الأسلوب الذي شاء معاليه أن يصوغ به هذه الرسالة إلى الأمة الإسلامية في وضوح تام، مبيناً وضع المرأة في الحياة بوجه عام _ وتقويم المرأة المسلمة في إطار الشريعة الإسلامية السمحة _ ووضعها في الحياة من وجهة نظر العقيدة الخالدة بوجه خاص. وما أن فرغت من قراءة الكتاب للمرة الأولى حتى حدثتني نفسي بضرورة العودة إليه مرة أخرى، على أن أختار لنفسي ظروفاً أكثر ملاءمة للاستيعاب تسر الناظرين والطاعمين. وهكذا قرأت الكتاب للمرة الثانية، فإذا هو عظيم الفائدة وإنَّ فيه لعظة وعبرة لكل من شاء أن يتعظ أو يعتبر، ولكل من يتطلع إلى نجاح موفق في فهم العلاقات الإنسانية، ويستهدف الرفعة وينشد الكرامة لنفسه وذويه، رجلاً كان أو امرأة، وذلك من خلال الإيمان بالله وكتبه ورسله، عليهم أجمعين أفضل الصلاة وأجل التسليم. فيعرف كل من الرجل والمرأة ما لهما وما عليهما من حقوق وواجبات.
стр. 7153
شخصية المرأة في ظل الشريعة الإسلامية:
ثم عدت أناظر بين الأمس (ما قبل الإسلام وبعده) واليوم بوحي مما وعت ذاكرتي بشأن ما كُتب عن المرأة (قضية العصر الحديث) فتيقنت أن كتاب اليوم يلقي كثيراً من الضوء على شخصية المرأة، ويتلخص في الأمور الثلاثة التالية:
١ _ المرأة في العصور القديمة وإن شئت فقل العصور المظلمة، وكيف أوقف الإسلام منذ إشراق فجره سلسلة المظالم التي واجهتها المرأة، والتي قد يمكن أن تواجهها في المستقبل.
٢ _ مفهوم العناية الصادقة والرعاية المخلصة للمرأة.
٣ _ المساواة كما رآها دين الحق فأقرها وأوصى بها.
وكل هذه العناصر الثلاثة مؤيد بقبس من آيات الله الحكيم، وبها حفظ عن رسول الله ﷺ إلى ما هنالك من شواهد وأحكام الواقع والمصالح الإنسانية. وفي الجملة فإن الكتاب ثمرة بحث مفصل قصد به إبراز شخصية المرأة في الإسلام، فترك في نفسي ما لابد أن يستثيرها
الإسلام والمذاهب الوضعية:
стр. 7154
ويقف دين الحق قوياً في الدعوة إلى الإنصاف وخلق أسباب الحياة الكريمة القائمة على المودة والرحمة ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وهكذا يحفظ للجنس البشري كرامته على مدى الأجيال المتعاقبة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ويضمن له استمرار التعاون البنَّاء بين جِنْسَيهِ على المنهج الإسلامي، الذي ارتضاه خالق الكون للبشر عامة منذ نزل قوله الحكيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ وذلك على النقيض من كثير من النظريات الاجتماعية الوضعية التي يدعو إليها الشيطان وأتباعه، لإبداع مذاهب تناوئ الإسلام سراً وعلانية، تلك المذاهب التي لا تجني البشرية من ورائها إلا الضياع في الحياة الدنيا الزائلة، والعذاب في الحياة الآخرة الباقية، هذا بالإضافة إلى الضياع المشاهد في الخلق والسلوك وحتمية المصير إلى الضلال المبين، الذي أعلن خطته عدو الإنسانية حين قال لربه : ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً﴾ فالشيطان يعد إتباعه ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ووعد الله هو الحق ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
стр. 7155
ومنذ فترة من الزمن، بدأت عوارض أمراض ما يلقب بالمذهب الشيوعي في عدد من الأمم التي انقادت وراءه وأخذت به حتى إذا تغلغل في نفوسهم الضعيفة أحسوا أن مرضاً خبيثاً لا يستطيعون الخلاص منه سوف يؤدي بهم إلى هوة الانحدار الخلقي، ويصل بهم إلى غاية العذاب النفسي الأليم.
وعندها يندمون حيث لا ينفع الندم ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فلا ﵏ ولا رحمهم الراحمون، وباءوا بغضب على غضب من الله وملائكته ورسله والناس أجمعين.
بؤرة التشريع الأرضي:
стр. 7156
وعلي مرَّ الزمان اختلط الحابل بالنابل حتى أعلنت الأمم المتحدة عن رغبتها في أن تطلق على ذلك العام ما سمي، بالعام العالمي للمرأة، تحديداً لموقف العصور الحديثة منها ومن بقية الأمم غير المسلمة بطبيعة الحال من أن الأمم المتحدة هي بؤرة التشريع الاجتماعي والسياسي إلى آخر ما يوحيه لهم الشيطان من تشريعات هذه الأرض في جاهلية القرن العشرين. وصاحَبَ ذلك نشاط لمطالبة المرأة الغربية على الأخص بحقوقها تمشياً مع لغة العصر ودعاوى بعض الهيئات في جميع الدول الغربية والشرقية قاطبة وبعض البلاد الإسلامية، كما هي عادتهم في التقليد الأعمى لكل ما يصدر من تشريعات صاغها غير المسلمين بوحي من عمل الشيطان، ومن هؤلاء من هم متخصصون في الدراسات الاجتماعية والدراسات التاريخية والدراسات الفلسفية ... إلى آخر ما يزعمون. ولكننا نحمد الله كثيراً نحن أبناء هذه الأمة في المملكة العربية السعودية أنَّ بين أيدينا تشريعاً سماوياً أنزله الله على نبيه ﷺ ليبلغه الناس كافة، بل الثقلين كليهما من أنْسِ وجن عامة. وكان يجدر بهذه الهيئات وبالعالم حاضره ومستقبله، أن يأخذ من هذا التشريع السماوي السمح قبساً يضيء له طريق المعرفة الحقة في تحديد وضع المرأة وغيرها من العلاقات الاجتماعية لكل عصر، وفي كل زمان ومكان، لتواجه كل تطور على هذه الأرض بما يضبطه في نطاق المصلحة الإنسانية.
ليس هنا حقوق مُهْدَرة:
стр. 7157
ومهما يكن من رأي في موقف العصور الحديثة من المرأة، فالذي لا ريب فيه وهو مؤكد عند الأعداء قبل الأصدقاء أن الإسلام بريء مما نسب إليه من تقصير في أي من حقوق المرأة، وهذه الحقيقة يعرفها من يعتنق الإسلام ومن يعاديه، إلا أن ما ورثته شعوب أمتنا من الأمم الضالة المضلة، وما صاحب ذلك من ضعف الإسلام في نفوسنا، وما أهملنا من تراثه، وما أخذنا به من تقليد القردة، وما تعلمناه تعلُّّم الببغاء. جميع هذه الملابسات وغيرها، دفعت ببعض الشعوب المسلمة إلى معاناة بعض النقص في أسس الخلق القويم، والحياة الكريمة، أعقبته آثار سيئة جعلت بعض أشباه المسلمين، أو بعض الذين يدعون الإسلام، يظنون أنّ للمرأة حقوقاًَ مهدرة غفلت عنها الشريعة الإسلامية هذه الشريعة التي هي خاتمة الرسالات السماوية إلى الأرض، والعياذ بالله من الشياطين وأتباعهم الذين يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية. وهكذا مع بالغ الأسف، نلاحظ أن تلك الشعوب المسلمة بدأت ولو بقدر يسير تعيد سيرتها الأولى من الجاهلية الأولى والعياذ بالله. وأن أسوأ ما تُنْكبُ به الأمة المسلمة اليوم هو تجردها من الشريعة الإسلامية الكاملة، ولو بقدر مهما كان محدودا بالإضافة إلى عزوفها عن مبادئها وإعراضها عن أخلاقها، يستوي في ذلك الرجل والمرأة.
لابد من اليقظة:
стр. 7158
وآياً كانت المناسبة التي دعت إليها المنظمة العالمية فحسبها ريبة أن معظم أعضائها من حزب الشيطان، فلا عقيدة تردعهم، ولا ضمير يؤنبهم على ما ينشرون من نظريات هدفها أولاً وأخيراً محاربة عقيدة السماء. والأدلة على هذا أكثر من أن تحصى، وحربها للإسلام ومحاولة النيل منه أبرز من أن يشار إليها. ومهما كانت الأتعاب التي خلقتها المنظمة على ذلك العام فهي لن تخرج عن كونها ستاراً في ظاهره الرحمة وداخله العذاب الأليم، فالمسألة تقتضي اليقظة. إذ لابد لكل عامل أن يحسب للزمان حسابه ويقدر للأحداث قدرها، ويتخذ لكل أمر الحيطة الواجبة، حتى لا يغافلنا الحاقدون المضللون، الذين يتقنون الدعاية ويتحينون الفرص للمساس بالدين الخالد ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ . فلا بد أن يهيئ الله لهذه الأمة من يوقظها من سباتها لينصروا دين الله، وذلك في كل مناسبة تستوجب يقظة وجهاداً في سبيل الله مدركين بإيمان مطلق قول الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾
المرأة ما لها وما عليها
стр. 7159
وفي العصر الحديث منح الله الأمة المسلمة مفكرين يدافعون عن الحق ويعيدونه إلى نصابه، ويذودون عن العقيدة بالنفس والنفيس استجابة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . ومن فضل الله علينا أن نعيش في بلد شرَّّفها الله بأسمى الرسالات السماوية، وجعل فيها بيته ومثوى نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام. كما نحمد الله بأن منَّ على هذا البلد وعلينا بولاة يخشون الله ويرجون لقاءه، فينهضون بأمانة للذود عن العقيدة ومحاربة التيارات الخبيثة والأفكار الهدامة. ولا سعادة لأمة حتى يقوم رجال مخلصون فيها بأداء النصيحة ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ . وأحمده أن وهب لنا من أمته ومن أبناء هذا البلد الأمين من تحملوا هذه المسئولية وجاهدوا في سبيل الله مخلصين، لتكون كلمة الله هي العليا، يدعون إلى الحق ولا يخشون في الحق لومة لائم. ومن هؤلاء معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ الذي وفقه الله لدراسة هذه القضية، قضية المرأة التي تعاني منها الشعوب عامة، فيقدم للأمة الإسلامية بل للعالم أجمع بحثاً موجزاً في أبلغ صورة وأقوى حجة عن المرأة في الإسلام.
стр. 7160
لذلك ألتمس من معالي الوزير إذاعة هذا الكتاب بجميع وسائل الإعلام المتوافرة والممكنة وترجمته إلى أكبر عدد ممكن من اللغات الأخرى، وبخاصة تلك اللغات التي تتداولها بعض البلاد الإسلامية والبلاد القريبة منها التي أقبلت على الإسلام، والتي سوف تُقبل عليه آجلاً أو عاجلاً، لتمكينها من فهم الإسلام ومبادئه وإشعارها بالدور الذي تقوم به المملكة العربية السعودية في هذا المضمار. وهذا الملتمس يرجع أولاً إلى الإيمان الكامل بأن حياة المرأة في رحاب الإسلام ميزان صادق لحقوقها منذ ظهوره وحتى تقوم الساعة. وثانياً لأن الإسلام رفع مكانة المرأة من ملكة جمال وعارضة أزياء ونجمة الموسم، بأن بَوّأها منزلة ما كان يمكن أن يتصورها الحاقدون على شريعة الله.
стр. 7161
تعدد الزوجات وحكمه في الإسلام
لفضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد
تعدد الزوجات ما شأنه؟ ولم كثر حوله اللغط؟ وما بال خصوم الإسلام اتخذوه مطية للقدح فيه والتشنيع عليه. إن الإسلام لم يبتدعه في عالم لم يعرفه، فقد كان التعدد شائعاً في كثير من الأمم القديمة كان معروفاً لدى الفرس والروم والآشوريين والبابليين وغيرهم من الأمم عدا إسبرطة فقد كانت وحدها تقرر تعدد الأزواج دون تعدد الزوجات.
وشريعة بني إسرائيل تبيح للرجل أن يتزوج بما شاء دون تقيد بعدد ولهذا ورد في الملوك الأول الإصحاح الحادي عشر ٠ (وكان له _ أي لسليمان _ سبعمائة من النساء السيدات وثلاثمائة من السراري) _ وفي التثنية ٢١: ١٥ _١٦ "إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة والأخرى مكروهة فولدتا له بنين المحبوبة والمكروهة فإن كان الابن البكر للمكروهة فيوم يقسم لبنيه ما كان له، لا يحل له أن يقدم ابن المحبوبة البكر على ابن المكروهة البكر".
هذا النص فيه تسليم بتعدد الزوجات، وبيان ما يتفرع عنه من أحكام.
ولا يوجد نص في الإنجيل يصرح بمنع التعدد.
وقد تزوج قسطنطين بكثير من النساء وهو أول ملك آمن بالمسيحية ودعا إليها وسن فالنتين الثاني تشريعا يبيح تعدد الزوجات وبقي ذلك مباحا حتى منعه جوستنيان بقانون ٣٥٠ م واستقر الأمر أخيرا على هذا وظلت الكنيسة تناوئه وتقول بحرمته.
نعم. . أباحة بعض البابوات لشارلمان ملك فرنسا وهو الذي عاصر الخليفتين: المهدي وهارون الرشيد.
стр. 7162
والعرب في جاهليتهم كانوا يعرفون تعدد الزوجات ويذهبون فيه كل مذهب ولا يقفون به عند حد فلما بعث الرسول إليهم نظم شرعة الزواج تنظيما دقيقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فجعل له أركانا وشروطا واعتبره ميثاقا غليظا، وقرر بمقتضاه حقوقا على الرجل نحو المرأة، وحقوقا على المرأة نحو الرجل، ورتب عليه آثارا في الحياة وفي الموت، في الاتصال وفي الانفصال.
وموقف الإسلام من مشكلة التعدد موقف يشهد ببراعته، ويدل على دقته وحكمته، فهو يمنع تعدد الأزواج لأنه ينافي الفطرة السليمة، ويعادي الطبيعة المستقيمة، ويؤدي إلى فساد النسل، ويجر إلى اختلاط الأنساب. لكنه بجانب هذا يبيح تعدد الزوجات دون أن يرغب فيه أو ينهى عنه، ويشترط لإباحته ضمان العدل وأمن الجور.
وفي هذا يقول المولى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾
روى البخاري عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة ﵂ قال لها: يا أمتاه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ إلى ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قالت عائشة: "يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينتقص من صداقها فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء".
стр. 7163
قالت عائشة:"استفتى الناس رسول الله ﷺ بعد ذلك فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ . فأنزل الله لهم في هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات مال وجمال رغبوا في نكاحها ونسبها والصداق وإذا كان مرغوبا عنها في قلة المال والجمال تركوها وأخذوا غيرها من النساء. قالت: "فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق".
في ضوء هذا الأثر نستطيع أن نفهم الآية وندرك وجه الربط بين الشرط والجزاء فالمولى يقول لهؤلاء الأوصياء الذين يطمعون في أموال اليتامى ويرغبون في إحرازها عن طريق الزواج ولا يتحرون العدل معهن في الصداق ولا يأمنون على أنفسهم من أن يجوروا عليهن يقول لهم: ما يضطركم إلى هذا الطريق الوعر الذي يجر عليكم المآثم فقد أفسحت لكم المجال وأبحث لكم أن تتزوجوا باثنتين أو ثلاث أو أربع ممن تستطيعوهن وتميل نفوسكم إليهن.
وواضح أن الآية بهذا المعنى نص في التعدد ودليل على أن الله أباح لنا أن نتزوج من النساء إلى أربع بشرط أن نتيقن العدل معهن ولا نظلم واحدة منهن فإن خفنا عدم العدل وتوقعنا الشطط فلا يباح سوى واحدة ويكون الاقتران بأخرى عند ذلك ممنوعا والعدل الذي يشترطه الإسلام هو الداخل في نطاق الوسع من النفقة والمبيت ولا يمكن أن يراد به ما يشمل ميل القلب فهذا أمر خارج عن الطاقة وقد رفعه الله عن العباد ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا﴾ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .
стр. 7164
وسنة الرسول ﷺ تقرر هذا وتؤكده، فقد كان ﵊ يتحرى العدل بين أزواجه في القسم، ولا يميز واحدة على أخرى ثم يعتذر عما لا يقدر على التصرف فيه وهو ميل الفؤاد، ورغبة النفس واتجاه اللب.
روى الأربعة عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني القلب".
فهذا الحديث يلقى الضوء على العدل المشروط لإباحة التعدد، ويبين أنه العدل في القسم دون غيره.
هذا ما قرره الرسول ﷺ وفهمه الصحابة، وجرى عليه العمل إلى عصرنا ولا يعقل أن يتوسع المولى فيفتح لنا باب التزوج برابعة مع أن الثانية في نظر من يحرمون التعدد ممنوعة لامتناع شرط الإباحة وهو إقامة العدل بين الزوجات.
ومما يؤكد ما فهمناه من جواز التعدد بشرطه أن الإسلام عمل على تنظيمه فبعد أن قال المولى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ نظم في سلك المحرمات ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ فالآية الكريمة تدل على منع الجمع بين الأختين ويحمل عليه ما شابهه مما أشارات إليه السنة. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجمع بين المرأة وعمَّتِها ولا بين المرأة وخالتها" فتحريم هذا الجمع وإباحة ما سواه تنظيم للتعدد ودليل على جوازه، ولا فائدة من النص على تحريم الجمع بين الأختين ما دام بين المسلمات ممنوعا كما يزعم نفر من أبناء عصرنا ترديدا وتقليدا للغربيين.
قال البخاري في صحيحه ٩: ١٢٦، ١٢٧ "جمع عبد الله بن جعفر بين ابنة علي وامرأة علي.. وجمع الحسن بن الحسن بن علي بين ابني عم في ليلة".
стр. 7165
هذا هو ما فهمه المسلمون منذ الصدر الأول إلى يومنا، وليس فهما جديدا مبتكرا. والقول بتحريم التعدد على إطلاقه قول في دين الله بغير علم، وفهم حديث لا سند له من كتاب ولا سنة، وترديد لأقوال المتفرنجين الذين يبغون لي عنق الإسلام ليتمشى مع مذاهبهم ومسالكهم.
ولن يكون الناس في آخر الزمان أصح إدراكا، وأنفذ بصيرة، وأصدق فهما لنصوص الشريعة ومراميها من أولئك الذين حملوها إلينا، وفضلهم المولى علينا.. نعم. إنه لا يتصور أن يكون الذين فهموا إباحة التعدد وجروا عليه من أيام الرسول ﷺ إلى أيامنا هذه قد أخطئوا الفهم، وحادوا عن الصواب، وظل خطؤهم عالقاً بأذهان المسلمين إلى أن جاء في عصرنا الذي اتسم بالتحلل نفر من المتفقهين أصلحوا لهم خطأهم، وأوضحوا لهم وجه الصواب في دينهم، وكيف يستساغ هذا وفيه إساءة بالغة إلى أسلافنا الأوائل الذين تلقوا الإسلام وفهموه من المعلم الأول سيدنا محمد ﷺ .
قد يقول بعض المغرمين بإثارة الشبهات: إن المولى يقول ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ وفي آية أخرى يقرر أن العدل غير مستطاع فيقول سبحانه ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فمجموع الآيتين يفيد حظر التعدد ويمنع إباحته.
ونقول لهؤلاء: إنكم تغافلتم عن قول الله عقب ذلك ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ فأشبهتم من يقرأ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ ويدع قوله بعدها ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ .
стр. 7166
إن المولى نفى استطاعه العدل بمعناه الشامل لميل القلب، ومالا يستطاع لا يكلف به إنسان قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا﴾ لذلك بين القدر الكافي في براءة الذمة فقال: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَة﴾ أي لا نطلب منكم توخي العدل تماما في سائر النواحي فهذا ليس في طاقتكم وإن حرصتم ولكن عليكم بالقصد في كل أعمالكم، فلا تميلوا لواحدة ميلا كليا وتهملوا الأخرى كل الإهمال فتذروها كالمعلقة.
ومثل هذا ما رواه أصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من كانت له امرأتان ولم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط" فهذا الحديث يصرح بوقوع التعدد ولا يمانع فيه، إنما يمانع في الجور ويعاقب عليه.
قد يسأل بعض الناس ولم صدر المولى الآية بنفي الاستطاعة؟ فقال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾
وأقول: إنما صنع ذلك لكي يثير المخاوف في قلب الإنسان حتى يفكر طويلا في شرط التعدد، ويتثبَّت من مقدرته على العدل بين الزوجات فلا يتسرع في الزواج بأخرى لشهوة طائشة أو رغبته جامحة أو وهم كاذب ينخدع به لفترة قصيرة ثم يستيقظ بعد فوات الأوان وسوء الحال، وليس معنى هذا أن الشارع يحرم التعدد. فما كان الله ليبيحه نصا، ويأتي به ابتداء في مستهل الآية ثم يأتي عقب ذلك في مقطعها بما يتناقص مع مطلعها.
إن أمر التعدد ورد في القرآن قبل أمر التفرد، وقد روي عن قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "اختر منهن أربعا"رواه أبو داود وابن ماجة.
стр. 7167
وعن عبد الله بن عمر قال: "أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعا"رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وعن نوفل بن معاوية قال: "أسلمت وتحتي خمس نسوة فسألت النبي ﷺ فقال: فارق واحدة وأمسك أربعا"رواه الشافعي والبيهقي.
هذا كله دليل على جواز التعدد ولو كان حراما لأمر الرسول ﷺ هؤلاء بأن يمسكوا بواحدة ويفارقوا البواقي كما أمر بمفارقة ما زاد على أربع.
ولا أدري كيف ينظم الرسول ﷺ طريقة القسم بين الزوجات ما دام التعدد ممنوعا؟ كيف يتأتى على مذهب المانعين ما رواه البخاري ومسلم عن أبي قلابة عن أنس قال: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا ثم قسم وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم"قال أبو قلابة: "ولو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى رسول الله ﷺ "كيف يتأتى هذا وكيف يتأتى قول أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "للبكر سبعة أيام وللثيب ثلاث ثم يعود إلى نسائه" رواه الدرقطني.
إن هذين الحديثين يؤكدان أيضا ما قررناه من إباحة التعدد لمن قدر على العدل بمعناه الذي شرحناه.
ولا يحول دون ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن المسور بن مخرمة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر "إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي مضغة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها".
стр. 7168
فهذا الحديث الذي يردده المانعون لا وجه للتمسك به فهو كما ترى يبيح التعدد ويزيد عليه إباحة الطلاق، وما أظن الذين يتملقون المرأة خداعا ويزعمون أنهم أنصارها يرضون بهذا _ نعم فيه ما يدل على استهجان الجمع بين بنت رسول الله وبين بنت عدو الله كما صح في رواية مسلم. وهذا أبشع ما يكون من الجمع وهو على الرغم من بشاعته جار على مقتضى عاطفة الأبوة التي أرادت فاطمة أن تثيرها فقالت له كما في صحيح مسلم: "إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك".
فأي شيء أن يشارك الرسول وهو بشر ابنته فيما يثيرها؟ أي شيء في أن يطيب خاطرها _ بعد أن أثارت عاطفته بكلمة طيبة تهدئ ثائرتها؟ لقد أنصت الرسول ﷺ لفاطمة، وأفسح صدره لشكاتها وأعانها بالحيلة والقول الحسن وما كان ينتظر منه كمثل أعلى للوالد البار الحنون أن ينهرها ويغلظ لها القول ويتنكر لها في هذه الساعة.
وماذا عليه لو استرضى فاطمة بقول له فيه سعة، وفاطمة هذه ابنته الوحيدة، وهي أولا وأخيرا بنت خديجة التي أعانته في دينه ودنياه، وقد ماتت أمها وأصبح الرسول ملاذها الوحيد عليه وعليه وحده أن يبرها لأنها ابنته، ولا ملجأ لها سواه، وعليه كذلك أن يبرها وفاء بحق خديجة تلك التي ظلت تحسن إليه طول حياتها.
فماذا لو استؤذن في أن يتزوج عليها فلم يأذن وهو بعد لم يحرم حلالا ولم يحل حراما؟
стр. 7169
ليس هناك نص من الشارع يفرض على الوالد أن يأذن بالزواج على ابنته ونصوص الإسلام التي وردت توصي ببر الأهل، والإحسان إليهم بالقول والفعل وهذا كل ما فعله الرسول ﷺ برا بفاطمة وإحسانا إليها، ومن حق كل بنت على أبيها أن يسرى عنها في مثل هذه الظروف العارضة، ويحاول بفطنته أن يجد لها مخرجا وموقف الرسول ﷺ لا يحتمل سوى هذا فقال: "إني لا أحرم ما أحله الله"أي لا أحرم التعدد الذي أباحه الله، ولكن إذا استؤذنت كوالد لفاطمة لا آذن بالتزوج عليها، وأرى _ ومن حق كل والد أن يعالج مشكلات ابنته على الوجه الذي يظن فيه الخير _ أرى أن يطلق ابن أبي طالب ابنتي ويتزوج ابنتهم ما دامت نفسه تطيب بذلك، وهذا الذي عرضه الرسول كان بعد أن قلب وجوه الرأي، وقد ارتآه ﵊ خشية على بنته من أن تفتن في دينها وتقصر في حقوق زوجها، ورغبة أيضا في أن يفسح الطريق أمام علي إن قوى ميله إلى أخرى وأصر على الاقتران بها، ولا يعدو أن يكون هذا مجرد عرض أراد الرسول به أن يجد خلاصا لفاطمة، ويصرف _ بكياسة _ نظر علي عن أمر له في تركه سعة، ويثنيه على الجمع بين بنت رسول الله وبنت عدو الله ولم يرد أن يحرم ما أحله الله أو يحل ما حرمه، ولكيلا يتوهم الناس ذلك حرص الرسول ﷺ على أن يقول صراحة، وبلهجة صارمة مؤكدة، كما في صحيح مسلم "إني أتخوف أن تفتن في دينها وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما".
بعد هذا البيان أرى أن الحديث يصدم أولئك الذين يزعمون أنهم أنصار المرأة بدعوتهم إلى منع التعدد، وحظر الطلاق. وذلك لأنه يبيح تعدد الزوجات ويسمح في ظاهره للرجل بأن يتزوج ما شاء إذا سمحت نفسه أن يتخلص من الأولى بالطلاق، وهذا _ كما هو واضح _ على عكس ما ينادي به هؤلاء.
стр. 7170
فليفهم هذا أولئك الذين يرددون هذا الحديث وليعلموا أنهم بين أمرين لا مفر منهما فإما أن يرتضوا التعدد مع الجمع من غير طلاق وهو ما نذهب إليه وتؤيده النصوص، وإما أن يرتضوا التعدد إذا أصر الزوج عليه ويرتضوا بجانب ذلك تطليق الأولى أخذا بظاهر هذا الحديث.
إن الإسلام حين أباح التعدد أراد أن يتمشى مع ظروف كل إنسان، ويلائم الناس جميعا في كل زمان ومكان، ويعالج أدواء المجتمع علاجا سليما ويقضي على ألوان الفساد قضاء مبرما.
نظر إلى الناس فرأى منهم من يصلح حاله بواحدة، ومنهم من يحتاج لأكثر ودون ذلك يتعرض ويتعرض المجتمع معه لخطر المخادنة، فتعيش المرأة معه عيشة الحيوانات لا تربطه بها سوى اللذة البهيمية حتى إذا قضى وطره منها تركها وشأنها فريسة الأوهام والأحزان لا يعترف لها بحق ولا يقر لولدها ببنوة ولا يتكلف لها ما يتكلفه الأزواج لزوجاتهم، ولا يهتم بأولادها كما يهتم الآباء بأولادهم.
هنا سمح الإسلام للرجل _ مع تيقنه بالعدل _ بأن يتزوج إلى أربع ولم يكن له أن يقف في طريق ذلك أو يأباه وهو الدين الذي يحارب الزنا، ويقاوم الرذيلة، ويحافظ على النسل ويقضي على التشرد، وتلك كلها نتيجة حتمية لداء المخادنة فالمرأة التي لا تجد لنفسها ولا لولدها حقا معترفا به يسهل عليها أن تقدم على الانتحار، وترمي بثمرة جرمها في قارعة الطريق دفعا لعاره وتخلصا من أوزاره.
كذلك نظر الإسلام نظرة رحمة وإشفاق إلى من ابتلي بزوجة عقيم أو مريضة فأباح له أن يأتي بأخرى تحقيقا لهدفه من النكاح ورغبة في حصوله على النسل، ورحم الأولى فلم يفجعها بالطلاق وحرص على راحتها وهناءتها فاشترط لها العدل.
كذلك وضع في حسابه وفرة النساء وقلة الرجال أعقاب الحروب ففتح الطريق ليكون لكل جماعة منهن عائل يدخل السرور عليهن ويقوم على راحتهن ويتولى شئونهن، ويحقق بالعدل هناءتهن.
стр. 7171
وليس من الإنصاف أن نرعى واحدة ونتجاهل بقية النساء بل الواجب أن نشملهن جميعا بالعطف، ونحكم فيهن شرعة المساواة وأولى أن يشتركن جميعا في الخير من أن تنفرد واحدة به.
وهنا نحب أن نبين لماذا اهتم الشارع بإقامة العدل بين الأزواج؟ وسر ذلك أن الرجل إذا التزم به وسار على نهجه ضمن سلامة بيته ورضا أزواجه، وعطف أولاده، وأصبح من الممكن أن يعيشوا في سلام ووئام يتعاونون جميعا على جلب ما ينفعهم، ودفع ما يضرهم، فإذا اضطرب ميزان العدالة في يد الرجل تبع ذلك اضطراب البيت، وانقلب جحيما على من فيه وتحللت الأسرة، وتقوضت دعائم المجتمع، وأصبح ضرر التعدد أكثر من نفعه، وهذا لا يمكن أن يقره الإسلام أو يرضى عنه.
لكن من ذا الذي يستطيع أن يزن العدل المشروط لإباحة التعدد؟ إنه الرجل نفسه لا القاضي ولا شهادة الشهود ولا قلة المال أو وفرته. فقد تختل نظرة القاضي ويتعذر على الشهود أن يعرفوا حقيقته، ويفهموا طبيعته، ويدركوا خبيئته، فكثيرا ما حسنت أخلاق بعض الناس خارج المنزل، وساءت في داخله.
والمال عرض زائل، وعارَّية مستردة، يعلو ويهبط، وينمو ويثقل، ويكثر وينمحي فلا يصح أن يكون مقياسا وهو في غاية الاضطراب خصوصا والمولى يقول: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
قد يقول قائل: إن بعض الدول الإسلامية تعاني من مشكلة زيادة السكان وكثرة التناسل، ووفرة التعداد.
стр. 7172
ونقول في دفع ذلك إن هنالك آفاقا واسعة في أرض الله لكثير من الأيدي العاملة.. واقتحام هذه الميادين واستصلاح الأراضي البور واستغلال القوى الطبيعية التي يسرها الله تعالى لنا، وإنشاء المصانع والمعامل..، كل هذا يعين عل حل تلك المشكلة ويساعد على معالجتها مع العلم بأن تعدد الزوجات في مثل هذه الدول ضئيل جدا بالنسبة لعدد المتزوجين.
نعم. إننا في حاجة ماسة إلى تربية الأمة تربية دينية خلقية، وإلى وضع حد لمآسي السفور والاختلاط فلا سبيل إلى سعادة الأمة إلا بالدين والخلق، ويوم يفهم الناس ما عليهم من واجبات وينهضون بما في عنقهم من تبعات. ويعملون في ضوء الوصايا الدينية والمبادئ الخلقية يومئذ يسمو الفرد، وتهنأ الأسرة، ويسعد المجتمع، وترقي الأمة، ويعيش الناس جميعا عيشة راضية مرضية.
وبعد.. فإن تحريم تعدد الزوجات يؤدي بنا _ على الرغم منا إلى إباحة المخادنة كما هو مشاع في أوربا.
وماذا نصنع مع من مال قلبه إلى فتاة ومالت إليه وتمكن الحب بينهما؟ وما أكثر ما يقع هذا في مجتمعنا اليوم! إما أن نقر التعدد بنظامه المشروع وتبعاته المقررة..
وإما أن نرتضى المخادنة بأساليبها المنكرة، وحقوقها المهدرة.
ولن يوجد عاقل يؤثر الرذيلة على الفضيلة، أو يقدم الشر على الخير.
وحسبنا دليلا على بعد نظر الإسلام ما بلغته أوربا من سوء الحال نتيجة تحريم التعدد حتى ضج عقلاؤهم بالشكوى وطالبوا بإباحته حفظا لكرامة المرأة، وصونا للنسل من الضياع، وقد قرأنا في الصحف أن أهل مدينة بون” عاصمة ألمانيا الغربية” قد طالبوا حكومتهم بإباحة تعدد الزوجات.
وأصروا عل إدخال هذا النص في الدستور ومن قبل قال غستاف لوبون في كتاب روح السياسة:
(إن تعدد الزوجات الشرعي عند الشرقيين (المسلمين) خير من تعدد الزوجات الخبيث المؤدي إلى زيادة اللقطاء عند الغربيين) .
стр. 7173
ونشرت جريدة لاغوص ويكلى ركورد يوم ٢٠/ ٤/ ١٩٠١ مقالاً جاء فيه:
"لبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوربي على الاكتفاء بامرأة واحدة فهذا التَّحديد هو الذي جعل بناتنا شوارد، وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجل ولابد من تفاقم الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة.
أي ظن وأي خرص يحيط بعدد الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد غير شرعيين أصبحوا كلا وعالة على المجتمع الإنساني فلو كان تعدد الزوجات مباحا لما حاق بأولئك الأولاد وبأمهاتهم ما هم فيه من العذاب الهون".
هذا كله يؤكد تماما أن الخير كل الخير فيما جاءت به رسالة خاتم الأنبياء من لدن الحكيم الخبير.
стр. 7174
كلمة العدد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه.
وبعد:
فمنذ أن أنشئت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة مهبط الوحي ومشرق النور إلى العالمين، وهي لا تفتأ تبذل من جهودها ما وسع العاملون المخلصون بها، لتحمل لواء الدعوة في الداخل والخارج بما يسر الله لها من وسائل. وقد كانت سبَّاقة إلى الاضطلاع بحمل هذا العبء لأن رسالتها عالمية تهدف إلى تخريج جيل من أبناء المسلمين في شتى أنحاء العالم ينهلون الإسلام من معينه الصافي علماً وعملاً، على نهج السلف الصالح من هذه الأمة رضوان الله تعالى عليهم، ثم يعودون إلى بلادهم ليفقهوا أقوامهم ويبصروهم بالهدى والحق من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إنفاذاً لقول الله : ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ .
وقد رأت الجامعة منذ عشر سنوات مضت أن تصدر لها مجلة كإحدى وسائل نشر الدعوة، تعبر عن رسالتها، وتترجم أهدافها، وتبلغ بقدر ما يمكن قلب كل مسلم في أرجاء المعمورة، فتكون بمثابة داعية يجوب أقطار الأرض، يدعو الناس جميعاً إلى الرسالة التي نزلت إلى الناس جميعاً على ما قال جل شأنه ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ .
وقد أفرغ الذين حملوا عبء إصدار المجلة في السنوات العشر الماضية جهوداً نسأل الله أن يجزيهم عنها خير الجزاء.
стр. 7175
وها هي المجلة تبدأ عامها الحادي عشر، ولكن في ثوب جديد - بعد أن رأت الجامعة تطويرها - فأحدثَتْ أبواب ثابتة بالمجلة تستوعب موضوعات متنوعة في نظام متسق. كما أحدثت اللجنة جانباً منها يصدر باللغة الانجليزية يحمل بالترجمة معاني بعض آيات من القرآن الكريم، وباباً آخر لترجمة معاني بعض الأحاديث النبوية وباباً ثالثاً للتعريف بالإسلام.
وإذ تظهر المجلة بثوبها الجديد في عددها الأول في سنتها الحادية عشرة فإن أسرة التحرير تسأل الله العلي القدير أن يوفق القائمين عليها للعمل الجاد الخالص لكي تصبح المجلة لسان صدق وخير داعية إلى الله, وإلى نشر الدعوة الإسلامية في ربوع العالم كله إنه خير مسئول وأكرم مجيب.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الكريم محمد وآله وصحبه..
أسرة التحرير
стр. 7176
العقل والنقل عند ابن رشد
بقلم فضيلة الشيخ محمد أمان بن علي الجامي
عميد كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية
تمهيد
من هو ابن رشد؟
قبل أن نتحدث عن موقف ابن رشد من العقل والنقل يحسن بنا أن نقول شيئاً عن ابن رشد:
عن حياته، عن فلسفته، لكي نعرف الظروف التي نشأ فيها حتى صار أحد أساطين الفلسفة، وما الذي عرضه لذلك الاضطهاد والعسف والتشريد، والاتهام بالإلحاد والزندقة أحياناً؟!!
ولد أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد في مدينة قرطبة سنة خمسمائة وعشرين من الهجرة الموافق عام ستة وعشرين بعد الألف ميلاديا، وترعرع في حب العلم وأهله في كنف والده الذي كان من كبار علماء قرطبة وقضاتها، وشغف في حداثة سنه بدراسة الطب والشريعة وتطلع إلى العلوم الماورائية، فظهر منه نبوغ عجيب لفت إليه النظار، والعجيب من أمر هذا الفيلسوف الكبير أنه لا يُدرى أين درس الفلسفة والعلوم الماورائية، ومن أستاذه في هذه العلوم؟
стр. 7177
يرى بعض الناس أنه اتخذها عن ابن ماجه - الفيلسوف المشهور - إلا أن الواقع التاريخي يأبى ذلك، لأن وفاة ابن ماجه كانت سنة ١١٣٨م وكان ابن رشد في هذا التاريخ في الثانية عشرة من عمره، فليس في الإمكان أن يدرس الفلسفة في هذا السن المبكر، بل كان يدرس مبادئ العلوم الشرعية في هذا التاريخ كالفقه وعلم الكلام على والده. ويرى البعض الآخر أنه تتلمذ على ابن طفيل, ولكن التاريخ يثبت أن ابن طفيل ما كان يعرف ابن رشد معرفة شخصية إلا في الوقت الذي ذاعت فيه شهرته وطار صيته في الآفاق، كفيلسوف وطبيب، هذا ما يستنتج من وصفه لحاله عندما دخل على السلطان يوسف بن يعقوب لأول مرة، وعنده ابن طفيل، يقول ابن رشد: "لما دخلت على أمير المؤمنين ابن يعقوب وجدته هو وأبا بكر بن طفيل، فأخذ أبو بكر يثني عليّ ويذكر بيتي وسلفي، ويضم إلى ذلك بفضله أشياء لا يبلغها قدري.."إلى آخر كلامه..
وهذا يدل على أن ابن طفيل إنما عرف ابن رشد من صيته الطويل، ولا يعرفه قبل ذلك، فضلاً عن أن يتتلمذ عليه.
стр. 7178
هكذا يثبت بالواقع التاريخي أن ابن رشد لم يأخذ فلسفته عن ابن طفيل كما أثبت من قبل أنه لم يأخذها عن ابن ماجه، فيبقى أستاذه في الفلسفة غير معروف ولعله بدراسته لمبادئ العلوم الشرعية وعلم الكلام عكف على دراسة كتب أرسطو وتتلمذ عليه بواسطة كتبه، كما يظهر من تأثره البالغ بفلسفته، وعلى أي حال فهو فيلسوف كبير يكتنفه الغموض وتحيط به الاستفهامات من كل جانب، أهو فيلسوف متهور؟ كما يقول بعض الكتاب؟ أهو فيلسوف جامع بين الفلسفة والدين كما يظهر من بعض كتبه؟ أهو أشعري في عقيدته؟ أو واقفيٌ؟ أو مفوض؟ أو هو.. أو هو.. أهو باطنيٌ الخ. والذي جعل ابن رشد يقع تحت هذه الاستفهامات ويعيش هذا الغموض أنه كان كثير المداراة ويحاول أن يعيش مع الجمهور بظاهره، وأما في حقيقته فهو في عالم آخر.. عالم الخواص، الذي يزعم أنه يفهم من نصوص الشريعة فهماً خاصاً لا يفهمه الجمهور ويعذر الجمهور في مفهومه السطحي - على زعمه - ولا يبيح للعلماء أو الخواص أن يقفوا عند مفهوم الجمهور، ولابن رشد اصطلاح خاص قد ينفرد في هذا المعنى، وهو أنه يثبت فريقاً ليسوا من العلماء، وهم فوق الجمهور، وهم علماء الكلام من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية ومن يدور في فلكهم، يطلق عليهم (جدليون) ويتبعون ما تشابه من النصوص ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
فابن رشد شخصية غريبة يحتار المرء في تحديده، فتراه فقيهاً واسع الاطلاع على أقوال الفقهاء وكثيراً ما يحاول ترجيح قول على قول، أو تقديم رأي على رأي فيقارع الحجج بالحجج، وقد تراه يتحدث عن مذهب السلف حديث مطلع ومقتنع ويثني عليه خيراُ لأنه لا يأول النصوص بل يبقيها على ظاهرها على ما يليق بالله, ثم تراه وقد انزلق مع الفلاسفة المتهورين ويدعو إلى تحكيم البراهين, ويعتبرها هي الأصل في باب الإلهيات مع الاكتراث بالأدلة النقلية، ويقول بقدم العالم كما يبدو من بعض كتبه [١] .
بين يدي البحث
стр. 7179
قبل أن أشرع في البحث أحب أن أضع بين يدي القارئ النقاط التالية:
١ – مما يجب الاتفاق عليه بين المسلمين (وحدة المصدر في معرفة العقيدة الإسلامية) واعتماد ذلك المصدر في بحث أي معنى من معاني العقيدة الإسلامية، وعدم إغفاله، وبذلك تسلم عقيدة المسلم من الزيف والإلحاد والضلال.
٢ – لا يجوز تعطيل العقل في مجال العقيدة وغيرها؛ لأن العقل أساس التكليف ومناط الأهلية، إلا أنه لا يجوز أن يتجاوز العقل حدوده ويتجاهل وظيفته ويجمع في مجال الخيال الفاسد والأوهام الكاذبة، والخيالُ والأوهامُ لا يصلحان أساساً للعقيدة والمعرفة الصحيحة حتماً.
٣ – دعوتنا إلى وحدة المصدر للعقيدة الإسلامية حقيقة دل عليها الشرع بالقواطع من الأدلة النقلية، والعقل السليم لا يعارضها، على القاعدة التي تقول: (العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح)
٤ – إذا كان العقل هو الذي دلنا على معرفة الله وعلى أن محمداً رسول الله حقاً فأي معارضة تفرض بين العقل وبين ما جاء به الكتاب والسنة، أورد خبر الله وخبر رسوله بحجة مخالفتهما للعقل، يعتبر كل ذلك مناقصة صريحة لما دل عليه العقل نفسه.
٥ – العقل نور جعله الله في قلبك ليكشف لك عن الأشياء الموجودة والحقائق الواقعة ولتفهم به عن الله ورسوله، هذه وظيفة العقل، فلو أردت منه أن يريك كل ما تحبه وتتخيله من المعدومات قلا يجد إلى ذلك سبيلاً، اللهم إلا إذا كان على سبيل الوهم والخيال، وسبق أن قلنا: إن الوهم والخيال لا يصلحان للمعرفة الصحيحة والعقيدة السليمة، والله هو الهادي إلى سواء السبيل. [٢]
تعريف العقل
يقال: عقل الشيء فهمه معقول أي مفهوم، العقل نور روحانيٌ تدرك به النفس الأمور الضرورية، والفطرية وابتداء وجوده عند اجتنان الولد في الرحم، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ [٣] .
стр. 7180
ويقال للأدلة النظرية الأدلة العقلية: لأنها تدرك بالعقل، حيث عن الإنسان يستعمل العقل في ترتيبه وتكوينه وتنظيمه، وسمي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه لئلا يقع فيما ينبغي من اعتقاد فاسد أو فعل قبيح، ومن ذلك "اعقلها وتوكل على الله" أي احبسها.
تعريف النقل
يقال: نقل الشيء أي أخذة من مكان إلى مكان، ونَقَلَةُ الحديث هم الذي يدونون الأحاديث وينقلونها ويسندونها إلى مصادرها.
ويقال لأدلة الكتاب والسنة: الأدلة النقلية، ويقال لها السمعية ويقال لها: الخبرية والأدلة المأثورة، وكلها بمعنى واحد، وهي الأدلة المسموعة المنقولة عن كتاب الله العزيز والسنة المطهرة أو الأدلة التي نقلها إلينا نقلة الحديث والرواة.
العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح
هذا العنوان يجب أن يكون المحور لبحثنا وقاعدة ننطلق منها في دراستنا لآراء أبي الوليد في الإلهيات ومناقشتها، لنتبين مذهبه على حقيقته إن استطعنا إلى ذلك سبيلا، وهو أمر عسير غير يسير.
следующие страницы →