Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.
стр. 7106
[١١] سورة هود: الآية رقم ٤٩.
[١٢] سورة الروم: الآيات ٢، ٣، ٤.
[١٣] سورة النساء: الآية رقم ٨٢.
[١٤] انظر: في ظلال القرآن. للشهيد سيد قطب. الجزء الخامس ص١٦٧ إلى ١٦٩.
[١٥] انظر: في ظلال القرآن. للشهيد سيد قطب. الجزء الرابع ص١٩ الطبعة الخامسة.
[١٦] سورة الإسراء: الآية رقم ١٢.
[١٧] سورة النحل: الآية رقم ٨٩.
[١٨] سورة الزمر: الآية رقم ٢٣.
[١٩] سورة المائدة: الآيتان رقم ٤٨، ٤٩.
[٢٠] سورة النساء: الآية رقم ٥.
[٢١] سورة البقرة: الآية رقم ٢٣٣.
[٢٢] سورة النساء: الآية رقم ٧.
[٢٣] سورة المائدة: الآية رقم ٤٥.
[٢٤] سورة النور: الآية رقم٤
[٢٥] سورة الأنفال: الآية رقم ٦١.
[٢٦] سورة الأنفال: الآية رقم ٥٨.
[٢٧] سورة البقرة: الآية رقم ١٩٠.
[٢٨] سورة الأنفال: الآيتان رقم ١٥، ١٦.
[٢٩] سورة النساء: الآيتان رقم ٥٨، ٥٩.
[٣٠] سورة الإسراء: الآية رقم ٣٦.
[٣١]_ معالم الثقافة الإسلامية: للدكتور عبد الكريم عثمان الطبعة الثالثة ص١٧٣.
стр. 7107
ثمار من غرس النبوة
القائد الشاب
لفضيلة الشيخ محمد الشال
وتأهب الحجيج القضاعي للسفر إلى مكة فأعدوا الرواحل وتزودوا للرحلة. وحانت ساعات الوداع وشخصت الأبصار إلى حارثة بن شراحيل وأخيه كعب، وفيها دمعات حبسها الإشفاق على الوالد الحزين الذي لا يزال في هم موصول ينفث حزنه المكبوت في قوله:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل
أحيٌّ فيرجى أم أتى دونه الأجل
ويا ليت شعري هل لك الدهر أوبة
فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
سأعمل نص العيس في الأرض
ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
ويطرق الركب المودع بالرءوس حتى لا تقع عين حارثة على الدموع المنهمرة فيزداد به الحزن ويبرح به الألم. ويتهامسون بالتحية تعلوها الزفرات ويأخذون طريقهم إلى مكة ينصون عيسهم في الدروب والوهاد. وهم يرددون نشيد الوالد الحزين لعل الريح تحمل صداه إلى مكان زيد. ولكنه يضيع في جوانب الصحراء. ويستمر الركب في إنشاده حتى يصل إلى مكة ويطوف بالبيت ويلتقي بزيد ويسمعه نفثات أبيه ويجيب الغريب النائي بقوله:
أحن إلى أهلي وإن كنت نائيا
بأني قعيد البيت عند المشاعر
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم
ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسرة
كرام معد كابرا بعد كابر
ويسأله رهطه عن أمره ويقفون منه على أنه عند محمد ﷺ ويحدثهم زيد عن مكانته عنده ومنزلته في نفسه ... ويؤوب الركب وهو يطوي الصحراء خفافا تستخفه البشرى وتدفعه إلى الجد في السير. ولعل الوالد الحزين كان يستشرف أخبار الركب على أبواب الدروب ومنافذ الطرق.. ويلتقي الآيب بالمقيم ويخبرونه برؤية زيد وينشدونه حنينه. ولعل حارثة لم يطل به المقام حتى ينتهي الركب من حديثه فيمتطي راحلته ويستأنس بأخيه كعب ويسير إلى غايته يستروح رائحة زيد كلما علا نجدا أو هبط واديا.
стр. 7108
ثم يصل إلى مكة ويسأل عن محمد فيدله الناس عليه فيضرع إليه في إشفاق أن يرد عليه ابنه ويأخذ ما شاء من فداء. ولكن محمدا ﷺ يرى سحابة من الحزن الطويل على سمات حارثة وأخيه فيرق له رقة الوالد ويطمئنه على أنه لن يطلب منه مالا ولكنه سيخير زيدا بين المقام والظعن فإن اختاركما فذاك، وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا. فيزيد الرسول ﷺ بذلك على النَّصَف كما قال حارثة وأخوه.
ويأتي زيد ويسمع خيار رسول الله ﷺ له، ولشد ما يقع في نفس الوالد وأخيه حينما يسمعان من زيد أنه اختار البقاء على الرحيل ويقولان له أتختار العبودية على أبيك وأمك وبلدك وقومك ولكن الرسول ﷺ يقطع عليهم الحديث العاتب بمكافأة زيد بالإنعام عليه بالحرية والبنوة على عادة قومه إذَّاك.
وتهدأ نفس الوالد ويزداد الابن تعلقا بأبيه الجديد. ويشيع في الناس أن محمدا قد تبنى زيدا ويناديه القوم بالبنوة لمحمد.
وكان يقيم في بيت الرسول ﷺ حاضنته أم أيمن التي شهدت مولده وهي على سمرتها الحبشية قد أبيض قلبها البياض كله في إخلاص الحب للرسول ﷺ فكانت له أما بعد أمة تحنو عليه حنين الغريب على الغريب فقد اجتمعت لها وله غربة الدار وغربة اليتم.
ويدرج الرسول في مدارج الطفولة وقد حرمه القدر من رحمة الأبوة وحنان الأمومة. فتعوضه أم أيمن ما استطاعت بحنانها وحبها ويخلص لها الرسول ﷺ الحب ويناديها يا أمي، ثم يزوجها من متبناه زيد فيجمع بهذا الزواج بين قلبين قد أخلصا له الحب ومحضا له الوفاء.
стр. 7109
وتنجب أم أيمن أسامة وقد ندبه عرق لأمه ففيه سمرتها وفيه شبهها ويشب الوليد بين يدي رسول الله ﷺ فيسبغ عليه حبا غامرا يزيد على حب والديه ويحمله بين يديه ويداعبه مداعبة الأبوة الرحيمة على الطفولة المرموقة ويرضى فيه رغبة الأبوة بعد أن فقد أبناءه أطفالا ويعثر أسامة يوما بين يدي رسول الله ﷺ ويسيل دمه فيمسحه الرسول ويضمد جراحه ثم يكفكف دمعه ولا يزال يمازحه حتى ينسيه ألمه.. ثم لا يزال أسامة في رعاية الرسول ورعاية والديه حتى يهاجر الرسول ﷺ ويهاجروا معه إلى أن يؤمر أباه على جيش ذاهب إلى تخوم الشام ليدفع بوادر الشر التي ظهرت من ولاة الرومان. ويستشهد زيد في مؤته ويرجع الجيش ولا يرجع زيد. وينظر الرسول ﷺ إلى أسامة وقد أصابه اليتم فيزداد عليه حدبا وله محبة.
ويعرف أسامة وقد أصبح أهلا للمعرفة أن أباه قد قتله الرومان في البلاد النائية. ويغدو أسامة ويروح لا يسمع لأبيه صوتا ولا يرى له شخصا وتتوق نفسه إلى أن يذهب إلى تخوم الشام لعله يلتقي بمن قتلوا أباه ولعله إن التقى بهم وأظهره الله عليهم يقتص لأبيه القصاص العادل وينتصف للإسلام انتصاف المظلوم ولعله أظهر هذه الرغبة للرسول ﷺ ولكن الرسول يشفق عليه لحداثة سنه فلم يكن قد أتم العقد الثاني من عمره.. ولعل أسامة استمر ينشد بغيته.
ويرى الرسول ﷺ من أمره الجد ويعلم أنه أصبح أهلا للإمارة كما أن أباه كان أهلا لها وينادي الرسول ﷺ عام وفاته بتأهب المهاجرين والأنصار للحرب. وقد استمر بغي الرومان على رسل المسلمين ولم يكف شرهم جيش زيد ولا جيش الرسول من بعده. ولو تركوا لساورتهم أنفسهم بغزو المسلمين في المدينة.
стр. 7110
ويستجيب كبار المهاجرين والأنصار لدعوة الرسول ﷺ ويعدون عدتهم ثم يتطلعون للقيادة. ويتقدم الرسول ويقلد أسامة على حداثة سنه الإمارة ويسمع همسا خافتا أن غيره أولى منه بأمارة الجيش وأحق منه بقيادته.
وينادي الرسول ﷺ نداء يحبس هذه الهمسات في الصدور فيقول "وأيم الله إنه لخليق بالأمارة وأن كان أبوه لخليقا بها.." ويتولى أسامة إمرة الجيش وينزل المسلمون على أمر الرسول ﷺ ولكن الجيش لا يكاد يبدأ السير حتى يمرض الرسول وينتظر الجيش وأميره ليقفوا على الأنباء ولا يطول الانتظار فيلقى الرسول ربه.. ويؤول الأمر لأبي بكر.
وتظهر الهمسات المكبوتة وتصل إلى أبي بكر في رجاء من عمر أن يعزل أسامة ويولي غيره.. ولكن أبا بكر لا يعزل قائدا ولاه الرسول ويأمر الجيش بالمسير ويأمر أميره الشاب بالركوب ويأخذ أبو بكر بلجام فرس أسامة ويسير ماشيا ليغبر قدميه ساعة في سبيل الله حتى لا يبقى لمعترض إثارة من خوف وحتى يخرج الجيش إلى غايته وهو راض عن قائده.. وتضيع الهمسات على الشفاه فلا يسمع لها صوت ولا يتردد لها صدى.
ولقد عرف الرسول ﷺ وكذلك أبو بكر ﵁ أن لأسامة غاية وثأرا، أما غايته فهي نشر راية الإسلام على ربوع الشام ورد كيد أعدائه.. وأما ثأره ففي مؤته حيث تخضب ثراها بدماء أبيه. ولذلك أمره الرسول أن يصل إليها ويقف على الثرى الذي روي بالدماء الزكية من أبيه ورفاقه في القيادة يستروح رائحتهم وهي عابقة بالمجد معطرة بالإيمان.
ولقد وقف أسامة موقف أبيه وجاء إلى البلد الذي استشهد فيها فأخذ له بثأره وردع من وقفوا في سبيل الدعوة الناشئة.. وانقلب بنصر حقق أمل الرسول فيه وأرضى أصحاب الهمسات وغيرهم ورسم لهم منهج الاعتماد على الشباب ووضعهم في مصاف القيادة إذا ما آنسنا منهم نضجا أو كانت لهم ثارات.
стр. 7111
وللعرب ثارات وثارات على عرصات فلسطين وفوق ثرى سيناء والجولان وبور سعيد خلفت وراءها الكثير من اليتامى ممن اختطف البغي آباءهم. ولهؤلاء علينا حقوق وحقوق ألاَّ نشعرهم باليتم المضيع أو المنة المذلة أو المهانة التي تغرس في نفوسهم العداوة للمجتمع. بل نرعاهم رعاية الإعزاز لهم والتكريم لآبائهم وننزلهم من نفوسنا منزلة أسامة من نفس محمد ﷺ ، وننادي فيهم كل يوم أن لهم ثأرا لا يزال ينتظرهم، وأن ملاعب صباهم وملاهي طفولتهم قد اغتصبها أفاقون وأن أموالهم وديارهم قد استولى عليها خليط عجيب متنافر القلوب متحد الهوى ينفث في روعه أعداء لنا لا يألون جهداً في تدبير الكيد للوقوف في سبيل نهضتنا ليضاعف بغيه ويواصل عدوانه.
وأن دماءنا لا تزال تخضب الثرى الزكي يحمل أريحها النسيم الغادي والرائح ونسمع لها همسا دامعا أو داميا ألاَّ ننسى الديار ولا نرضى بالضيم.. وسوف نجد بين البراعم الناشئة أسامة وأسامة يأخذون بالثأر ويحققون الرجاء
стр. 7112
الوحدة الإسلامية
لمعالي الشيخ محمد المبارك
لقد سبق للإسلام _ في فترة من الزمن امتدت عدة قرون ابتداء من ظهوره _ أن كون في مجموعة من الشعوب التي اتخذته دينا لها ونهجا لحياتها أمة واحدة هي (الأمة الإسلامية) ودولة واحدة هي (الدولة الإسلامية) وحضارة إسلامية مشتركة أسهمت فيها هذه الشعوب وثقافة إسلامية مشتركة كذلك.
ثم تطورت الحال بتأثير عوامل عديدة وانتهى الأمر بعد عدة قرون إلى تجزؤ الدولة إلى دول مع بقاء الشعوب في بداية الأمر متجمعة في أمة واحدة منسجمة رغم اختلاف الألسن والقوميات ثم أخذت هذه الشعوب في القرون الأخيرة تتجزأ أيضا بعض التجزؤ وجاء عهد الاستعمار في القرون الثلاثة الأخيرة ليكون عاملا قويا في إكمال عملية التجزئة والفصل. وانتهى الأمر إلى ما يسمى في العصر الحاضر (العالم الإسلامي) .
و (العالم الإسلامي) هو مجموعة من الشعوب تدين بالإسلام تحكمها حكومات متعددة تختلف في نظمها التربوية والثقافية والتشريعية والاقتصادية وفي سياستها الداخلية والخارجية وارتباطاتها الاقتصادية.
ولكن ما بقي من رصيد الوحدة السابقة من رصيد الإسلام في عقيدته وتصوراته وفي شعائر عباداته المشتركة وما تبقى من نظمه التشريعية النافذة ومن أحكامه المؤثرة في العادات تحليلا وتحريما ومن المشاعر المشتركة بين المسلمين ومن مناهج التعليم الإسلامي الموروث المشتركة إن ما بقي من ذلك كله يمكن أن يكون نقطة انطلاق من جديد لتغيير الواقع في اتجاه الوحدة في صيغ جديدة تتناسب مع مجموع الأحوال والملابسات المعاصرة.
стр. 7113
وإن طبيعة الإسلام نفسه وخصائصه وسابقته التاريخية في تكوين أمة واحدة واتجاه الشعوب في العصر الحاضر إلى تكوين كتل تتألف كل منها من مجموعة من الشعوب تلتقي على صعيد عقيدة مشتركة ونظم مشتركة واقتصاد موحد أو متناسق، إن هذه الأمور كلها تؤكد إمكان الانتقال بالعالم الإسلامي في صورته الحاضرة إلى أمة واحدة، ودولة واحدة أو متحدة أو اتحادية وثقافة مشتركة ذات لغة مشتركة، وحضارة مشتركة.
نحن إذن أمام واقع وهدف نريد الوصول إليه ولابد من البحث عن الطريق الموصل من الواقع إلى الهدف، وبحثنا يتناول هذه العناصر الثلاثة.
الهدف:
يختلف الإسلام عن المسيحية والبوذية وأكثر الأديان بأنه يغطي بتوجيهاته وتعاليمه جميع جوانب الحياة ويستغرقها سواء أكان ذلك عن طريق التوجيه وتحديد الأهداف أم عن طريق التحديد. فهو يحدد المعالم الأساسية للتصورات الفكرية وقواعد السلوك العملي الأخلاقي وينظم العلاقات الاجتماعية في شتى المجالات (الأسرة، المال، الدولة..) ولا تشغل العبادات وشعائرها والإيمان بالغيبيات إلا جزءا منه فحسب. وليست كذلك أكثر الديانات ويختلف عن اليهودية التي تشتمل على بعض التشريع بأنه شامل لتنظيم جميع جوانب التشريع من جهة وأنه قابل للتطبيق مع تغير ظروف الحياة لما يتصف به من السعة والمرونة.
وبناء على هذا فلا يمكن مقارنة الإسلام بأي دين من الأديان من جهة قدرته على تكوين أمة وجمع مختلف الشعوب في إطارها وقدرته على تكييف ظروف الحياة وتطوراتها حسب مقاييسه وقواعده.
يمكن مقارنة الإسلام _من هذه الناحية_ بالعقائديات المعاصرة التي تشمل التصورات العامة للوجود _وتكون فلسفتها الأساسية_ ومفاهيمها في الأخلاق ومقاييسها ونظمها التشريعية وبالتالي تستطيع الجمع بين شعوب مختلفة، وذلك باشتراكها في هذه الجوانب.
стр. 7114
ويختلف الإسلام عنها بأنه يضيف إلى ذلك ما يسميه أصحاب هذه العقائديات بالدين أي الإيمان بحقائق غيبية وإقامة شعائر العبادات.
فالإسلام إذن هو من نوع العقائد التي يمكنها أن توحد الشعوب وأن توجد قاعدة صلبة للقاء بل هو من أقدرها على ذلك.
ولا شك أن الإسلام نفسه كما تدل نصوصه الأصلية من القرآن والسنة يهدف إلى جعل الإنسانية كلها أمة واحدة في ظل عقيدته وأحكامه تتضامن وتتكافل وتتعاون على أساسه في مجال الشعور بالأخوة وفي مجال التعاون الحضاري والتناصر والتكافل المالي.
ولا يمكن ذلك إلا بالنسبة لمن يؤمن به ويذعن لأحكامه وتبقى الدائرة مفتوحة لمن يريد أن يدخل فيها طواعية.
واقع العالم الإسلامي:
أطلق لفظ العالم الإسلامي في العصر الحديث بدلاً من تعبير (الأمة الإسلامية) الذي كان يستعمله المسلمون والغالب على الظن أن هذا التعبير استعمله أولاً غير المسلمين من أهل أوربا وأمريكا بالإنكليزية (Muslim word) وبالفرنسية (le monde muslman) .
وهو يشمل الشعوب المسلمة أو التي أكثريتها مسلمة سواء أكانت حكومتها إسلامية أم كانت غير إسلامية، ويضاف إليها أو يلحق بها الأقليات الإسلامية في البلاد غير الإسلامية.
وسنذكر فيما يلي جوانب الاختلاف والانقسام تمهيدا للبحث عن طرق إزالة الاختلاف والانقسام والعودة إلى الوحدة والانسجام الاجتماعي:
١ _ تعدد الدول:
стр. 7115
إن انقسام الدول الإسلامية ظاهرة قديمة ولكن حكام الدول الإسلامية كانوا يشعرون كما يشعر المسلمون جميعا يومئذ أنهم يقتسمون أرضا واحدة ومجتمعا واحدا وكان الفرد المسلم لا يشعر بالانفصال عن المسلمين الذين هم تحت حكم حاكم آخر فالشعور بوحدة المسلمين أو المجتمع كان واضحا وقويا حتى أن الانتقال من دولة إلى دولة كان أمرا عاديا وميسورا وكذلك تغيير محل الإقامة من دولة إلى دولة وكان المسلم ينتقل إلى بلد آخر وإلى سلطة حاكم آخر دون أن ينتقص أي حق من حقوقه، فيمكن أن يتولى فيها أي ولاية من الولايات كالقضاء والوزارة وغيرها كما حصل لابن خلدون وابن بطوطة وعدد كبير من العلماء الذين تولوا القضاء في الشام ومصر أو في مصر والمغرب أو غيرها.
أما الانقسام الذي حصل في القرن الأخير ولاسيما في عهد الاستعمار وبعد الاستقلال فهو انقسام إلى دول تفصلها حدود حاجزة وتكون مجتمعات أخذ بعضها يتباعد عن بعض، وتكونت لها عصبيات قومية أو إقليمية انعكست آثارها في نفوس الشعوب وتجسدت في كيانات وطنية وقومية متنافسة تنافس القبائل قديما بل متصارعة ومتعادية أحيانا.
وبني على هذا الأساس المناهج الدراسية وخاصة في التاريخ والجغرافيا وغذيت هذه الروح المبنية على هذه العصبيات الإقليمية أو القومية والوطنيات المحدودة الخاصة حتى في الأدب والشعر والأناشيد (الوطنية) فلتركيا نشيد ولمصر نشيد وللعراق نشيد.. الخ. واستمر الحكام الذين حكموا بعد التحرر من الاستعمار كالحكام الذين سبقوهم أو الذين لم تستعمر أرضهم في هذا الاتجاه بسبب نشوئهم في هذه الأجواء من جهة وبسبب حرصهم على مناصبهم من جهة أخرى.
٢ _ اختلاف نظم الدول القائمة في العالم الإسلامي:
أ _ نظم التربية والتعليم:
стр. 7116
بعد أن أدخل الاستعمار _ وهو حكم غير المسلمين للبلاد الإسلامية _ مناهج للتعليم غير المناهج الإسلامية المتوارثة وبنيت هذه المناهج على الفكر الغربي من حيث الأساس، اختلت الوحدة الثقافية والفكرية في البلاد الإسلامية. فوجد أولاً نوعان من الثقافة والتفكير، نوع بني على المناهج الإسلامية الموروثة القديمة ونوع بني على المناهج الأجنبية الوافدة أو الغازية.
ووجد اختلاف آخر نشأ عن تعدد الدول غير المسلمة التي غزت بلاد المسلمين وهي نفسها مختلفة المناهج وإن اشتركت في أصولها فثمة نظام إنكليزي ونظام فرنسي وغيرهما. ثم ظهر نظام آخر كان له تأثير أيضا وهو النظام الماركسي الذي تأثرت به بعض البلاد الإسلامية بتأثير الدول الشيوعية ودعايتها ونفوذها وهكذا تكون من مجموع ذلك تفكير متعدد مختلف الاتجاهات وليس هذا الاختلاف بين بلد وبلد فحسب بل في البلد الواحد نفسه. وبذلك فقدت أو انتقصت الوحدة الفكرية والثقافية التي كانت ماثلة، في بلاد المسلمين كلها.
ب _ التشريع:
غزا الغرب غير المسلمين البلاد الإسلامية قبل استعمار البلاد الإسلامية فأخذت القانون الجنائي ثم القانون التجاري ثم القانون المدني وأخيراً قانون الأحوال الشخصية. ولكل من هذه القوانين تأثيرها في المجتمع في توجيه حياته الأخلاقية عن طريق التشريع الجنائي _ والاقتصادية عن طريق القانون التجاري والمدني وحياة الأسرة المسلمة عن طريق قوانين الأحوال الشخصية.
ونشأ عن ذلك:
الاختلاف بين التشريع الإسلامي الذي كان سائدا والتشريع الغربي الغازي. الاختلاف بين التشريعات الأجنبية نفسها لتعدد مصادرها.
التعارض بين بنية المجتمع الإسلامي القديمة والتشريع الجديد الأجنبي فيها وأخيرا فقدان الوحدة التشريعية في البلاد الإسلامية واختلاف تكوين البناء الاجتماعي وإقصاء التشريع الإسلامي عن المجتمعات الإسلامية.
ج _ الاقتصاد والنظم الاقتصادية:
стр. 7117
إن الاختلاف في النظم الاقتصادية والانقسام والتوزيع على دورات أو شبكات اقتصادية من جهة الارتباط والتعامل الخارجي _ ظاهرتان جديدتان في العالم الإسلامي لم تكونا موجودتين حتى في عصر الانحطاط إذ كان العالم الإسلامي مترابطا اقتصاديا وكان النظام السائد فيه واحدا.
نشأ هذا الاختلاف والانقسام بتأثير الاستعمار وتعدد دوله واختلاف نظمه واختلاف الدول أو البلاد الإسلامية في اقتباس النظم الاقتصادية من رأسمالية قديمة إلى رأسمالية حديثة إلى اشتراكية إلى اشتراكية ماركسية وقد نشأ عن الاختلاف في هذا الميدان نتائج وآثار متعددة منها: اختلاف في تركيب المجتمع وفي آلية الحركة الاقتصادية أو طرائق التنمية وفي كل ما يتأثر بالاقتصاد وأسلوبه في الداخل.
اختلاف في الارتباطات الاقتصادية الخارجية في الصادرات والواردات والأساس النقدي ومراكز الإيداع. فكل بلد إسلامي مرتبط بشبكة اقتصادية خارجية تختلف عن البلدان الإسلامية الأخرى وذلك بسبب تضارب المصالح والتنافس وقد يسبب التعارض في المصالح الاقتصادية وذلك مما يجر إلى اختلاف المواقف السياسية الخارجية وإلى وجود البلاد الإسلامية في جبهات مختلفة ومتصارعة وكثيراً ما سبب ذلك السير في سياسة خارجية تخالف الإسلام بل التنكر لبعض القضايا الإسلامية الدولية.
د _ السياسة الداخلية والخارجية:
стр. 7118
من الطبيعي أن يرتبط الاختلاف في السياسة الداخلية بالاختلافات السابقة وخاصة في التربية والثقافة وفي التشريع وفي المفاهيم العقائدية والمعايير الأخلاقية وهي التي تحدد الحقوق والواجبات ومدى الحريات وأنواعها ولا شك كذلك أن حرص الحكام في كل بلد على الاستمرار في الحكم وبقاء البلد الذي يحكمونه مستقلا عن غيره من البلدان الإسلامية هو دافع إلى وضع قوانين ونظم وإجراءات في السياسة الداخلية تقوي روح الإقليمية والانعزالية في الشعب حتى تتغلب على شعوره بواجب الاتحاد أو الوحدة مع سائر البلدان الإسلامية، ويضاف إلى ذلك اعتقاده أن في ذلك مصلحة له لئلا يقاسمه أبناء البلدان الأخرى المنافع والمكاسب في زعمه غافلا عما تجلبه الوحدة وسعة الرقعة من القوة ومن المنافع والمصالح بالإضافة إلى كونها واجبا إسلاميا بصرف النظر عن مكاسبها.
وبذلك يصبح المسلم في بلد إسلامي ليس بلده وفي دولة غير دولته ليس له من الحقوق المدنية كالعمل والإقامة والتملك والتوظف وغيرها من الحقوق إلا ما لسائر الأجانب من غير المسلمين وهذه ظاهرة لم يسبق لها نظير في تاريخ الإسلام ولم تحدث إلا في العصر الحديث.
أما السياسة الخارجية فهي كذلك مختلفة بسبب اختلاف العوامل التي ذكرناها من التربية وما تنشره من أفكار وعقائد ومن النظم الاقتصادية والمصالح الاقتصادية فهذان العاملان أعني التأثر بالتيارات الخارجية كالشيوعية والليبرالية. والديمقراطية والقومية وغيرها، وارتباط المصالح الاقتصادية بدول وبلدان غير إسلامية أدت ولا تزال تؤدي حتما إلى اختلاف كبير في السياسة الخارجية وانقسام بين حكومات البلاد الإسلامية في هذا المجال. وإن من أساليب المعارضة لوحدة الشعوب الإسلامية واتحاد الدول الإسلامية صرفها إلى تكتلات أخرى تختلط فيه دول الشعوب الإسلامية وتتوحد مع دول غير إسلامية.
٣ _ تعدد المذاهب والاتجاهات:
стр. 7119
إن الوحدة بين المسلمين في الماضي والحاضر لم يكن ليؤثر فيها ما بينهم من اختلاف مذهبي وفيما يلي تلخيص يعطي صورة واضحة ويؤيد ما قلناه:
أ _ أن المذهب السني هو مذهب الأكثرية العظمى للمسلمين في العالم والمذهب الذي يليه في الأهمية من حيث العدد هو المذهب الشيعي الإمامي وهو مذهب أكثرية الشعب الإيراني وفريق من سكان القارة الهندية (الهند وباكستان وبنغلاديش) والمهاجرين منهم إلى جنوب أفريقيا ونصف سكان العراق وأقليات أخرى في بلدان متفرقة.
إن وجود هذين المذهبين ويضاف إليهما المذهب الإباضي في عمان والجزائر وزنجبار والمذهب الزيدي في اليمن، لم يكن ليخلق أي مشكلة أمام الوحدة بين المسلمين. فالتنسيق بين المذهب السني والمذهب الشيعي وهما الأكثر تباعدا بين هذه المذاهب التي ذكرناها أمر ميسور وممكن لعظم الجانب المشترك بينهما وضآلة جانب الاختلاف.
وأما المذاهب التي أعلنت انشقاقها وانفصالها عن الإسلام قديما أو حديثا كالدرزية والبهائية، أو التي أعلن المسلمون انفصالها عن الإسلام كالقاديانية فهي لا توجد مشكلة لقلة عدد أصحابها ولعدم معارضتها للوحدة بين المسلمين.
ب _ المذاهب الحديثة العقائدية والاجتماعية والسياسية:
إن من أبرز العوامل المعارضة للوحدة في داخل كل بلد إسلامي وبين البلدان الإسلامية ظهور تيارات فكرية ومذاهب عقائدية حديثة مستمدة من الغرب تولدت بسبب الاستعمار والغزو الأجنبي الفكري. وهذه المذاهب إما معارضة للإسلام معارضة أساسية وكلية وإما عاملة لحصر الإسلام في نطاق العبادات والعقيدة الشخصية.
بعض هذه المذاهب يتخذ لنفسه صفة عقيدة شاملة (إيديولوجية) كالماركسية أو الشيوعية والقومية لدى فريق من القومين (في مختلف الشعوب الإسلامية) وبعضها يتخذ لنفسه صفة جانبية سياسية كالوطنية والقومية عند فريق آخر من القوميين أو اقتصادية كالاشتراكية (غير الماركسية) .
стр. 7120
إن هذه التيارات السياسية والاجتماعية والعقائدية راجت وانتشرت في المجتمعات الإسلامية وكان لها آثار ونتائج خطيرة وعميقة في حاضر العالم الإسلامي ومستقبلة وفيما يلي أهم هذه النتائج:
أولاً: أن هذه المذاهب والتيارات تأثر بها فريق من الجيل الماضي والحاضر من الشعب في كل بلد إسلامي وكونت على أساسها أحزاب سياسية وأصبحت في بعض البلدان مذهب الدولة الرسمي والفعلي ووصل المتمذهبون بها إلى مراكز الحكم والقيادة.
ثانياً: اختلفت البلاد الإسلامية في الأخذ بهذه المذاهب فاتخذت بعضها الاشتراكية وبعضها الشيوعية وبعضها القومية وبعضها العلمانية وبعضها الإسلام صراحة أو ضمنا فكان سببا في الاختلاف العقائدي للدول الإسلامية.
ثالثاً: وقفت هذه المذاهب بعضها موقف المعارضة للإسلام كالشيوعية وبعضها موقف الحد من الإسلام وحصره في نطاق محدود ضيق كالقومية والديمقراطية العلمانية، وحتى الوطنية. وتكاد تكون كلها معارضة للإسلام في جانبه السياسي وباعتباره عامل وحدة بين المسلمين تشريعا وثقافة وحكما فهي على أحسن الأحوال تعتبره (تراثا) قوميا أو إنسانيا وتحصره في نطاق العبادات والمواسم و (التقاليد) .
رابعاً: تتعاطف كل دولة إسلامية مع الدول التي تدين بمذهبها ولو كانت غير مسلمة وتتنكر للدول التي تدين بمذهب مغاير لمذهبها ولو كان شعبها مسلما أو كانت هي مسلمة ويظهر ذلك في التقاء الأحزاب الاشتراكية (غير الشيوعية) أو الأحزاب الشيوعية في مؤتمرات عمل أو في زيارات ودية. وكذلك في لقاء الحكومات التي تدين بمذهب مشترك من هذه المذاهب. ولا شك أن في ذلك طعنة للإسلام يراد بها القضاء عليه وتفتيتا للوحدة بين المسلمين سواء في ذلك وحدة الشعوب أم وحدة الدول وصدا عن السير في طريق الوصول إليها.
стр. 7121
خامساً: أن هذه المذاهب والتيارات تتعارض تعارضا كليا أو جزئيا مع الإسلام ويكون المنتمون إليها في داخل الشعوب الإسلامية تيارات معارضة للكيان الإسلامي ولجماهير المسلمين ولكل حركة إسلامية، ويوجدون بذلك تصدعا في الوحدة والانسجام المتحققين بين الشعوب المسلمة وفي داخل كل شعب منها.
سادساً: لم يقتصر التأثر بهذه التيارات المستوردة والعقائديات المعارضة للإسلام على فئة خاصة من حكام ومثقفين وقادة أحزاب بل تأثر بها فريق من الشعب في كل بلد وأن تكن الجمهرة الكبرى من الشعب في كل بلد باقية على موالاة الإسلام بحسب فهمها له. وبذلك حصل شيء من التصدع الداخلي الذي أخل بوحدة الشعب في كل بلد ووحدة الشعوب الإسلامية كذلك.
الأقليات الدينية والقومية:
حينما كان الإسلام هو المهيمن على الحكم والعلاقات الاجتماعية قبل العصر الأخير كانت الأقليات الدينية غير الإسلامية والمنشقة عن جمهرة المسلمين بمذهب خاص انفصلت به عن الجماعة قد كيفت وضعها الخاص تكيفا لا يدع مجالا لمشكلة اجتماعية ولا لشكوى إلا كانت عارضة فلما ظهرت التيارات المذهبية الحديثة وجدت هذه الأقليات طريقا جديدا لتغير وضعها والمشاركة مع المنتمين إلى هذه التيارات من المسلمين أنفسهم لتحقيق رغبة نفسية لديها وهي إزالة حكم الإسلام وإقصاؤه عن مجال الحكم والتشريع متذرعة بالفكرة الوطنية الديمقراطية العلمانية أو القومية أو الاشتراكية، فأوجد هذا الوضع مضاعفات وتعقيدات ومنازعات مؤسفة في عدد من البلاد الإسلامية.
أما الأقليات القومية فكانت منسجمة مع القومية التي تعيش معها حينما كان الإسلام أساسا للحكم والعلاقات الاجتماعية وإنما برزت المشكلة حتى تكونت الدولة الحديثة _ في البلاد الإسلامية_ على أساس قومي فكان رد الفعل الطبيعي مطالبة هذه الأقليات بحقوقها القومية من تكوين دولة أو استقلال ذاتي ولغة خاصة ومشاركة في الحكم وما إلى ذلك.
стр. 7122
بعد استعراضنا لواقع العالم الإسلامي المعاصر وما ظهر من ظاهرات انتقصت من الوحدة بين الشعوب الإسلامية وعوامل أثرت فيها وأحدثت فيها انقساما وتصدعا وتشبعا، لابد لنا من إثبات ملاحظة هامة. ذلك أنه بالرغم من العوامل التي انتقصت الوحدة وأضعفتها فإنه لا تزال كثير من جوانب الاشتراك وأسس الوحدة قائمة في كل شعب وبين الشعوب الإسلامية.
لا يزال الشعور الشعبي الإسلامي قويا عميق الجذور وهو شعور بالانتماء إلى الإسلام والإيمان به وشعور بالوحدة بين المسلمين ولا يزال هذا الشعور أقوى من أي شعور آخر يقابله مما تولد من التيارات المذهبية الحديثة.
ولا تزال وحدة المظاهر الدينية في العبادات وشعائرها والأعياد والمواسم والعادات ذات أثر كبير في النفوس ولا تقل عن ذلك ذكرى ماضي الإسلام وتاريخه في الوعي الشعبي.
ونضيف إلى هذه الجوانب ظاهرة جديدة آخذة بالقوة والاتساع والعمق وهي ظاهرة العودة إلى الإسلام دراسة وإطلاعا وإحياء لتراثه ومصادرة والتزاما لأحكامه ومطالبة بتنفيذه في مجال التشريع والاقتصاد والحكم حتى أن الحكام أخذوا يشعرون بالضغط الشعبي القوي للعودة إلى الإسلام مما يضطرهم للمسايرة أو المجاملة.
إتماما للصورة التي رسمناها للعالم الإسلامي والعوامل المؤثرة في وحدته وانقسامه، وانسجامه أو تنافره، يجب أن نضيف أن هذه العوامل لا تتفاعل مستقلة بمعزل عن المؤثرات الخارجية. فإن القوى الخارجية والدول غير الإسلامية ذات مصلحة في هذا الموضوع ولها فيه اهتمام بالغ. ولذلك فهي تحاول التأثير في كل واحد من هذه العوامل لتقويته أو إضعافه حسب مخططها.
стр. 7123
إن للدول الأجنبية مصلحة في بقاء الدول الإسلامية التي تتعامل معها اقتصاديا وتسير في فلكها سياسيا مستمرة، وقد كان ذلك يجري في العصر الماضي بقوة الجيش والسلاح ولكنه أصبح يتم في العصر الحاضر بطريقة أخرى سليمة وهي التوافق في العقيدة والفكرة والنظم. ولذلك فهي تحرص على الدعاية لمذهبها العقائدي وثقافتها ونظمها التربوية حرصها على ترويج بضاعتها وصناعتها وخبرتها الفنية.
ومن هنا يأتي إمداد المذاهب العقائدية الحديثة والتعاون مع الحكام السائرين في الاتجاه المناسب لهذه المصالح والعقائد والعاملين على ترويجها وهذه هي الطريقة السليمة غير المباشرة التي تنتج إقصاء الإسلام وإبعاد الوحدة الإسلامية والإبقاء على هذا النوع من الارتباط.
ليست الدول الأجنبية غير الإسلامية وحدها صاحبة المصلحة في ذلك بل يضاف إليها قوى خارجية وعالمية أخرى كالشركات الكبرى والصهيونية العالمية وجميع مراكز السلطات العليا للأديان المنافسة للإسلام.
ولهذه الأسباب كانت الدعوة إلى أي عقائدي أو اجتماعي سياسي معارض أو منافس للإسلام كالقومية والشيوعية والاشتراكية _كمذهب شامل مرتبطة ارتباطا قويا بالدول الأجنبية والقوى العالمية تشجعها وتمدها وتدعمها وتستميت في هذا السبيل لإقصاء ظهور الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية والوحدة الإسلامية. كما أنها تعادي وتقاتل كل حركة أو دعوة هدفها بعث الإسلام وإحياؤه وتوحيد الشعوب على أساسه وتبذل كل ما في وسعها لقتلها وإبادتها وتدفع جميع المؤتمرين بأمرها والمتعاونين معها من حكام ومثقفين وكتاب للقضاء عليها. وقد تعمل على تشجيع الطعن فيها وتكوين حركات مريضة باسم الإسلام لصرف المسلمين عن الإسلام الحقيقي الذي يهدف إلى وحدة المسلمين والقيام على أساس الإسلام.
طريقة الوحدة وإزالة العقبات:
стр. 7124
إن عوامل تغيير واقع العالم الإسلامي التي يمكن أن تنقله من الاختلاف والانقسام إلى الوحدة والانسجام بعضها بيد الحكومات وبعضها مشاع ومتاح للشعوب نفسها وبالتالي يمكن أن يسعى في تحريكه الأفراد والهيئات والجماعات فتغير نظم التربية والتعليم ونظم التشريع والاقتصاد وخطط السياسة الداخلية والخارجية هي بيد الحكومات. فما السبيل لجعل هذه الحكومات تتحرك وتعمل في هذا الاتجاه؟
لا شك أن البداية والانطلاق إذا حصل منها أو من بعضها فهو المطلوب وإن لم يحصل فلابد من الرجوع إلى وسيلة لتحريكها ودفعها.
إن الوسيلة لتحريكها ودفعها هي مطالبة الأفراد والجماعات والهيئات الإسلامية لها وتوليد الرأي العام الإسلامي الشعبي في جميع البلدان الإسلامية للضغط على الحكومات وإنما يقوم بتوليد الرأي العام الشعبي وتغذية الوعي العام المؤمن بالفكرة المتصفة بالوعي والعاملة المجاهدة في سبيلها عن فقه وبصيرة؟
ولهذا نكتفي ببيان العوامل المؤثرة تاركين تحديد الجهة التي ستباشرها.
١ _ توليد رأي إسلامي عام قوامه:
١ _ الانتماء المبدئي الأعلى والأهم هو الانتماء إلى الإسلام: دينا ومبدأ ونظاما.
٢ _ الانتماء الاجتماعي الأعلى والأهم هو الانتماء إلى الأمة الإسلامية أو جماعة المسلمين والوطن الإسلامي وأن من المهم جدا وضوح هاتين الفكرتين وقوتهما وقوة عرضهما وحسن التعبير عنهما بالطرق الناجحة وبشتى الأساليب التي تؤكدهما وترسخ جذورهما وتكوين وعي شعبي قوي وتغذيته باستمرار حتى يكون قوة اجتماعية ذات تأثير وضغط تجاه الحكومات والهيئات والأفراد ولتوليد هذا الرأي العام الشعبي القوي الواعي وسائل كثيرة نقترح منها ما يلي:
стр. 7125
أ _ نشر البحوث الموضحة والعارضة للإسلام بوصفه مبدأ كليا ونظاما عقائديا شاملا (ودينا كاملا) . والتذكير بهذه الفكرة الأساسية حتى في الأبحاث الجزئية والخاصة وكذلك الإلحاح في عرض فكرة (الأمة الإسلامية) وما يتفرع عنها من دار الإسلام أو الوطن الإسلامي ومنطقة الثقافة الإسلامية والحضارة الإسلامية والمجتمع الإسلامي وما إلى ذلك.
ويكون هذا النشر في كتب ومقالات ومحاضرات وندوات ومؤتمرات مع العناية بتحديد مواصفات الكتاب الإسلامي الجيد والعناية بإبراز الكتب الجيدة والتنويه بها حتى لا تضيع في خضم الكتب العادية والقليلة الجدوى.
ب _ تدريس الثقافة الإسلامية المكونة من المحورين الأساسيين الإسلام والأمة الإسلامية أو المجتمع الإسلامي في التعليم الثانوي والجامعي في جميع فروعه والعناية بإبراز فكرة (العالم الإسلامي) بوصفه عالما متميزا مشتركا بين الشعوب المسلمة وتدريس جغرافيته في الجغرافية واقتصادياته في الاقتصاد والعمل على تعميم ذلك في البلدان الإسلامية في جميع الجامعات والمدارس ولاسيما أن عدداً من الجامعات في السعودية والسودان قد أقرت ذلك.
ج _ توجيه طلاب الدراسات العليا إلى الموضوعات التي تخدم مبدأ الوحدة وتوضحه والتي تفصل جوانبه وتعمق أفكاره.
٢ _ الدعوة إلى مؤتمرات للدول الإسلامية واقتراح ذلك والمطالبة به والسعي لتحقيقه ولاسيما في المجالات التالية:
أ _ التربية والتعليم (في جميع المراحل) التنسيق بين المناهج، توحيد مناهج بعض المواد، توحيد أنظمة التعليم، توحيد مادة الثقافة الإسلامية، وإقرار تدريسها، وسائل تعميم اللغة العربية بوصفها اللغة المشتركة للثقافة الإسلامية ولغة القرآن.
ب _ التشريع: التنسيق بين القوانين وتوحيد ما يمكن توحيده (للقانون المدني والتجاري والجنائي والأحوال الشخصية وغيرها) .
ج _ الاقتصاد:
стр. 7126
تنسيق نظم وقوانين الاقتصاد والتجارة والجمارك وتوحيد ما يمكن توحيده منها، التنسيق بين اقتصاديات البلدان الإسلامية لإيجاد سوق مشتركة واقتصاد متكامل.
د _ السياسة الداخلية:
لتسهيل الانتقال بين البلدان الإسلامية وإعطاء الأولوية في العمل والتعاقد والإقامة.
هـ _ السياسة الخارجية: التنسيق الكامل.
و_ الدفاع: توحيد المصطلحات والشعارات وأنواع السلاح والتخطيط للتكامل في صنع السلاح.
ز _ تكوين منظمة للدول الإسلامية تمهيدا لإقامة اتحاد (confederation) ثم دولة متحدة federation))
٣ _ التخطيط للتحرر من التيارات المذهبية والاجتماعية السياسية المعارضة أو المخالفة للإسلام ويمكن اقتراح ما يأتي:
أ _ احتواء ما يمكن احتواءه من المذاهب العقائدية الأخرى. مثال ذلك بالنسبة للدعوة القومية: إظهار دور كل شعب من الشعوب الإسلامية في التاريخ والحضارة الإسلاميين ليكون في ذلك إشباع للعواطف القومية وتحويلها نحو الإسلام _ وإبراز مبدأ العدالة في الإسلام في مختلف المجالات ولاسيما التشريع لتحويل الميول الاشتراكية ذات البواعث السليمة إلى الوجهة الإسلامية ثم صياغتها صياغة إسلامية متميزة عن المذاهب الاشتراكية المختلفة.
ب _ وأما الجوانب التي تعارض الإسلام من هذه المذاهب فيجب معارضتها بإبراز المبادئ والأفكار الإسلامية المقابلة لها بطريقة إيجابية قوية كبيان مبدأ الإسلام في التعاون بين القوميات على أسس إنسانية وفي اتجاه أهداف إنسانية في مقابل الاستعلاء القومي المؤدي إلى التنافر والصراع والحرب والاستعمار ويمكن للهيئات الفكرية المخصصة وللمفكرين المسلمين القيام بهذه العمليات والتعاون على ذلك والتخطيط وتبادل الرأي فيه.
стр. 7127
ج _ التخفيف من حدة الخلافات بين الطوائف أو الفرق المسلمة وتطويقها تمهيدا لإزالتها أولا لاعتبارها غير ذات شأن في الوحدة وذلك عن طريق أبحاث هادفة ومثال ذلك قضية الخلافة والإمامة بين الشيعة والسنة وما يتفرع عنها. والعمل كذلك لإيجاد صعيد مشترك سليم الأسس لالتقاء الاتجاهات المختلفة بين المسلمين بوجه عام وفي مقابل ذلك إبراز الأفكار المخالفة لأسس الإسلام والتي تقوم بها فرق تنتمي في أصلها التاريخي إلى الإسلام. ولكنها انفصلت عنه بسببها لئلا تكون المجاملة على حساب الإسلام مع تذكير المنتمين إلى هذه الفرق بالأصل الذي ابتعدوا عنه وخرجوا عليه. كما هي الحال في الدروز والبهائية والقاديانية وأمثالهم.
إن مهمة الجمعيات والهيئات الإسلامية والمفكرين المسلمين والمجلات التي تصدر عنهم كبيرة جدا. إذ عليهم الدعوة إلى الوحدة وتوضيحها وبسط أفكارها وتغذية الشعوب بها. والتذكير بها ومطالبة الحكومات بتحقيقها وعقد المؤتمرات لكل ما يخدمها ويقويها ويؤدي إليها، وإشاعة الأفكار التي توضحها وتصحيح الأخطاء السابقة في شأنها ونشر التعابير والشعارات التي تدل عليها والتي ترد ما يعارضها من التعابير والشعارات التي روجتها وأشاعتها المبادئ والمذاهب المعارضة للإسلام تزينا لها.
أعتقد أن عوامل التغيير سائرة في اتجاه الوحدة بين المسلمين أفرادا وشعوبا وحكومات على ما في الطريق من معوقات فعلى من تقع عليهم التبعة من أولي القوة العلمية والسياسية أو المالية أو الخبرة أن يكونوا عناصر إيجابية للإسراع وتسديد الخطى نحو الهدف وإزالة المعوقات والبناء بتقديم ما لديهم من إمكانيات وقدرة، والله سبحانه هو الموفق والمعين والهادي إلى سبيل الرشاد.
стр. 7128
حضارة الإسلام دعامة أساسية في الحضارة الأوربية
لفضيلة الشيخ محمد أحمد أبو النصر
إن الحضارة الإنسانية ليست إلا محصلة الجهد البشري في كل معارف الحياة من الفلسفة.. والقانون.. والتشريع.. ونظام المجتمع.. وأخلاقه وسلوكه.. وقيمه.
وبهذا يعتبر الإسلام دين حضارة ومصدراً أساسياً في حضارة العالم فقد أدى رسالته العالمية ومازال يؤدي وسيظل مصدر إشعاع نوراني على كوكبنا الأرضي لتوجيه البشرية في مجالات الإنتاج المختلفة.. إنتاجاً مشعاً صافياً.. بل إن كل ما ينعم به إنسان اليوم في سلم الحضارة مادية وآلية تعود إلى فكر الإنسان المسلم منذ العصور الوسيطة وإلى تجاربه وعلومه وتوجيهها نحو خدمة الإنسان وحضارته في معراج الكمال الإنساني المنشود.
وإذن فهناك رابط أصيل بين الحضارة المادية والحضارة الصناعية من جهة والحضارة الإنسانية والبشرية في الفكر والوجدان والإرادة من جانب آخر.. وإذا كان الدين منبعاً للحضارة البشرية والعلم أساس الحضارة المادية، فالدين والعلم متلازمان، ولا غنى عنهما للإنسان في بناء حضارته والاستفادة من هذا النبع. وهناك نظرة غير عادلة تفصل العلم عن الدين، وتعطي العلم قيمة أرفع من الدين وهذا خطأ واضح في فهم طبيعة الإنسان وتصوره.
стр. 7129
فهي تنظر إلى جانب مضيء بالعين المجردة دون بقية الجوانب الأخرى الخفية من حيث فكره ووجدانه.. وإرادته الحرة، وإذ قيل في شأن الإسلام بعد ذلك أنه دين غير حضاري أو أنه لا يتفق مع الحضارة الإنسانية _ فذلك قول يصور الحضارة بأنها ظواهر السلوك التي تسيطر على المجتمعات الأوربية الآن _ أو يصور الإسلام على أنه حاضر المسلمين وسلوكهم في فترات زمنية.. وهذا التصور أو ذاك يحمل معنى الإجحاف والتعسف بمعنى الحضارة، وينطوي على ظلم شديد في الحكم على الإسلام. لأن ظواهر السلوك في المجتمعات الأوربية ليست دائما ترجمة للحضارة الإنسانية بمعناها الصحيح.. وهو النضوج في الفكر البشري والعواطف والوجدان.. وسلوك المنتسبين إلى الإسلام كثيراً ما يبتعد عن تطبيق التعاليم الإسلامية، وجوهر الدين الحنيف.
وأصحاب الهوى والغرض الذين يحكمون على الإسلام أنه كان لفترة مضت ولم يعد صالحا للإسهام في بنائها أو تنميتها. لا ينصفون الإسلام. وأني لهم النَّصفة؟!.. لا ينصفون الإسلام لأنه كما رأينا مصدر رئيسي في بناء الحضارة الإنسانية وغرضهم واضح كل الوضوح في العمل على إبعاد العرب عن أمجادهم وتاريخهم الأصيل، وقطع صلتهم بالقيم الروحية وبالرسالة التي حملوها ونشروا نورها بين البشرية وأسسوا بها حضارة عربية إسلامية أسهمت، ومازالت تسهم حتى عصرنا هذا في بناء الأمم والحضارات المعاصرة. حتى إذا ما تأثر العرب المعاصرون بهذا الرأي سهلت قيادتهم لغيرهم، وتحولوا إلى تابعين ومقلدين في الفكر والتوجيه ومظاهر الإنسانية.
إن الحضارة الإسلامية والسلوك الإسلامي لم يكونا من صنع أحد من البشر، وإنما هما وحي الله الذي تنزل على سيد البشر محمد _ ﷺ _ وأصبح يملأ أرجاء الدنيا نورا وعلما وسلوكا، وسوف يظل يشع نوره باقيا ما بقي الإنسان.
стр. 7130
إننا نؤمن إيمانا لا يتطرق إليه الشك أن الشعوب الحية إنما تفكر بماضيها، وترتكز في حاضرها على كثير من مقومات أمجاده تستوحي منه مواقفها، وتستلهم منه مستقبلها فإن هي فقدت الثقة في ماضيها وتزعزع إيمانها بقدرة آبائها الأوائل ومؤسسي مجدها فقدت ولا شك أول مقوم من مقومات وجودها الحي ألا وهو شخصيتها.
وإن أي أمة تفقد شخصيتها أمة ضائعة منهزمة لا محالة.
وإن الهدف الأسمى لكل داع أن يوقظ في نفوس أبناء الجيل الجديد تلك الروح الجبارة التي دفعت الآباء والأجداد إلى الأخذ بكل أسباب القوة والعزة..
إن الشعوب لا تموت، وإنما تكمن قدراتها وتستكين تحت الظروف التي تمر بها. فإن هي عادت إلى مثل الظروف الأولى التي انطلقت منها قدراتها الحقيقية هبَّت من رقادها وسلكت ولا شك سبيل الحق والعزة والقوة مرة أخرى.
إن الهدف الأول من بحوث الباحثين وآراء المصلحين في كل موقع إسلامي.. هو العمل من أجل تغيير واقع الفكر المضلل الذي أوجده الاستشراق في حنايا هوة الفراغ الفكري وداخل أدمغة شبابنا ومفكرينا ومن بيدهم مقاليد أمورنا. وساعدهم على ذلك هذا العدو المتدثر بدثار الإعلام الساحر بكلمته المؤثرة وصورته الداعرة ونبض شعوره السام.
ولا أعتقد أننا بمستطيعين تغيير هذا الواقع الذي نعيشه اليوم إلى واقع أنضر وأشرق.. إلا إذا غيرنا تغييراً جذريا تلك المفاهيم المدمرة التي أرساها في نفوسنا ذلك النفر من الضالين والمضللين من أبناء الاستشراق أو الاستغراب أو الذين نقلوا مفاهيمهم وأفكاره بحسن نية أو سوء نية.
ولا سبيل أمامنا _نحن أبناء هذا الدين السماوي_ إزاء كل هذه القوى الجبارة العاتية التي تحاربنا من الخارج ومن الداخل إلا أن نعمل جاهدين على إحياء تلك القوة الكامنة في نفوسنا.. قوة الماضي بكل عناصرها.
стр. 7131
فإن بين أيدينا المنهج الكامل، والدستور القائم أبد الدهر، وإن أي خروج عليه أو انحراف عنه، يفسد علينا حياتنا ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام: ١٥٣.
ولا يخطرن في البال، أن المنهج الرباني الذي رسمه الله لنا، قد ألزمنا أن نكون آلات صماء، أو دمى تحركها الخيوط بحيث تلغى العقول والأفهام، فإن أمراً كهذا لا يكون من تدبير رب العالمين، الذي منح الإنسان عقلا ودعاه إلى النظر به في ملكوت السماوات والأرض، وجعل لهذا العقل مكانه وسلطانه في كيان الإنسان. يتعرف به الهدى من الضلال، ويميز به الطيب من الخبيث، والخير من الشر، والنور من الظلام.
ولقد رفع الإسلام من شأن العقل، ولفت ذوي العقول إلى عقولهم، ودعاهم إلى الانفتاح على موارد العلم والمعرفة.
وما حرم الإسلام ((الخمر)) إلا لأنها عدو راصد للعقل يغتاله، ويفسده، فلا يتمكن من التمييز بين خير وشر.. وهذا ما يشير إليه ربُّنا ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .. إنه لا فلاح أبداً لمن ضل عنه عقله، وغاب عنه وعيه.
العقل إذن هو عين الإنسان المفتوحة على هذا الوجود يتعرف بها إلى حقائق الكون، وسر الوجود، وعظمة الخالق، ويتهدَّي بها إلى الله، ويتعامل بها مع شرعة الوجود..
فهل بعد هذا يقال إن الإسلام الذي جعله الله تعالى جامعة رسالاته، والمصاحب للإنسانية على مدى الأزمان _ هل يعقل أن يخلي مكان العقل من هذا الدين؟ وكيف يكون حجة الله على الناس، إن لم تكن بين أيديهم الشواهد الشاهدة على أن هذا الدين هو دين الله، وأن هذا الكتاب هو كتاب الله، وأن الرسول الذي جاءهم به هو رسول الله؟ إنه لا سبيل إلى شيء من هذا إلا بالعقل السليم. القائم على النظر والاستدلال.
стр. 7132
فمن زايله عقله، أو فارقه وعيه، فلا سبيل له إلى الإسلام والله يقول: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ وبأي وسيلة يكون تدبر آيات الله إن لم يكن العقل حاضرا أو قائما في كيان الإنسان؟!
يقول الإمام الغزالي: (اعلم أن العقل لا يهتدي إلا بالشرع، والشرع لم يتبين إلا بالعقل.. فالعقل كالأس والشرع كالبناء، ولن يغني أس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس؟ وأيضا، فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولن يغنى الشعاع، ما لم يكن بصر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ .
وليس من سبب جعلنا نتخلف عن هذا الركب الحضاري، ونتقاعس عن دفع تلك العجلة غير عوامل خارجية ألمت بعالمنا العربي، فأخمدت فينا شعلة المدنية، وأول هذه العوامل والأسباب ظلم أصابنا وبطش ألم بنا، وعنف أذل رقابنا في عهود خلت، ثم دعايات عبقرية مغرضة، وأدب وصحافة انحرفا في كثير من الحيان عن سواء السبيل، وعجزا عن تكوين رأي عام موحد قوي يستطيع مواجهة القوى المعادية في قالب من الوحدة الفكرية الصامدة.
ومن هنا تقاعسنا واهزمنا خلقيا ونفسيا، وأظلمت في نفوسنا منابع الحب والعدل والحق والحرية، وطغى على وجه هذا المجتمع الباسل العظيم روح الانهزامية والضعف والاستكانة وإذن ينبغي لنا أولاً: أن نتخلص نهائيا من جميع الأوهام والأضاليل والأكاذيب التي أشاعتها أوربا عنا وعن حضارتنا كذبا وبهتانا، ورددها للأسف جماعة من مفكرينا، سواء المأجور منهم أو الشعوبي أو الذين شرقوا وغربوا؟! فبلبلت الأفكار، ومزقت الأقطار.
стр. 7133
وإنني إذ أمسك القلم، وأسجل خواطري.. لأشعر من أعماقي بهوة الكارثة التي ألمت بعالمنا الإسلامي نتيجة الحملة المسعورة التي قامت بها الصليبية من قلب أوربا على العالم الإسلامي.
لقد اهتزت شخصية المسلم بسبب ذلك اهتزاز من الأعماق.. وإن أي أمة تهتز شخصيتها وتفقد الثقة في نفسها، أمة ضائعة منهزمة لا محالة.. إن أملنا في الجيل الجديد أمل بلا حدود.. وإن تفاؤلنا بما يمكن أن تحققه الأجيال العربية الإسلامية القادمة تفاؤل نبنيه على مقدمات تاريخية ثابتة الأصول.. سوف تنتصر الأجيال القادمة بعون الله إذا آمن أبناؤها بقدرتهم على التفوق والاستعلاء وعملوا على إحياء ما يمكن في نفوسهم من حب للخير والعدل والحكمة، وجهدوا لتحقيق ما تنطوي عليه عقولهم من قدرة على الإبداع والتجديد.
стр. 7134
إن المسلمين قاموا في الماضي بدور من أمجد أدوار التاريخ الإنساني.. وإنهم لأهل لأن يقوموا بمثله مرة أخرى. والخلاصة أن العلماء العرب في عصور الإسلام الزاهية، قاموا بدورهم الطليعي خير قيام في بناء النهضة العلمية العالمية، فقد نقلوا التراث الإغريقي وغيره من ألوان التراث العلمي الذي تقدم عليهم في التاريخ.. نقلوه إلى اللغة العربية التي كانت لغة العلم في العصور الوسيطة فعلى امتداد الدولة العربية الإسلامية من مشارف الصين شرقا إلى حدود فرنسا وجنوب إيطاليا غربا.. كان كل من أراد أن يكتب علما يقرؤه الناس لجأ إلى لغة القرآن الكريم، فكتب وألف بها، وظلت كتبهم في العلوم الطبيعية المراجع المعتمدة في جامعات أوربا حتى أواخر القرن السابع عشر حيث ترجمت إلى اللغات اللاتينية وما إن عرفت الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر، حتى طبعت هذه الكتب عدة مرات، وشهد كثيرون من مؤرخي العلم من أمثال سارتون، وهولمبارد، وسميث، وكاجوري. وغيرهم بأنه لولا تراث العلماء العرب، لاضطر علماء النهضة الأوربية إلى أن يبدءوا من حيث بدأ هؤلاء. ولتأخر سير المدنية عدة قرون. وقال بعضهم إنه كان لابد من وجود ابن الهيثم والخازن والكندي وابن سيناء والفارابي والبيروني والخوارزمي، لكي يظهر جاليليو وكيلر ونيوتن وكوبر نيق.
ويدلنا تتبع الفكر العلمي على مر العصور.. كيف أثر العلماء العرب في النهضة الأوربية. وكيف تأثر علماء أوربا بأعمال العلماء العرب فقد ثبت مثلا أثر العرب في ابتكار نظام الترقيم والصفر والنظام العشري. وكيف عرف ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى قبل هارفي بثلاثة قرون.
стр. 7135
وكيف قال الأدريسي وابن حزم والخازن بالجاذبية قبل نيوتن بقرون متطاولة.. بل كيف ربط الخازن بين الثقل والسرعة والمسافة مما جعل كثيراً من المحققين يقولون إن صاحب كتاب "ميزان الحكمة"أي الخازن كان يعرف هذه العلاقة التي وضعها نيوتن على هيئة قوانين ومعادلات. وكيف أجرى ابن الهيثم من التجارب لقياس سرعة الضوء، وتقدير زوايا الانعكاس والانكسار وبحوثه في البصريات.
وكيف قاس فلكيو العرب أبعاد الأجرام السماوية وكيف ابتكروا الألآت الفلكية.
وعرفنا أن ابن ماجد الملاح العربي. كان ربان سفينة.. فاسكودي جاما. في رحلاته الاستكشافية في أعالي البحار. وأن جابر ابن حيان هو أول من أسس علم الكيمياء على دعائم قوية وخلصه من التشويه والاضطراب فنقله من صورته المشوبه بالشعوذة والسحر، إلى علم له قواعده وتجاربه وأصوله. حتى قال عنه ((سارتون)) بحق.. إن علماء العصر الحالي لم يقدروا أن هذه أعمال رجل عاش في القرن الثاني للهجرة.. لوفرة ما بها من مادة علمية صحيحة، وشهد له بذلك ((هولمبارد)) العالم الكيميائي المعاصر.
ويدلنا هذا العرض لتطور الفكر العلمي على أن العرب كانوا بحق واسطة العقد. تأثروا بعلماء العصر الإغريقي، وعلماء العصر الإسكندري ولكنهم أثروا بدورهم في علماء النهضة الأوربية.
وإلى حلقة قادمة عن شاء الله.
стр. 7136
آراءٌ في البحث
لفضيلة الشيخ عبد الرءوف اللبدي
تلميذي العزيز:
وعدتك في رسالة سلفت أن أحدثك كيف تكون باحثا، وهاأنذا اليوم منجز ما كنت قد وعدتك، لقد عرفتك من هذه الفئة التي تجد في دراسة العلم لذة لا تنقضي، وتحس في قراءة الأدب متعة ما لها من نفاد، ولهذا أراني حريصا أن أكتب إليك هذه الرسالة، حفيا أن أسوق إليك هذا الحديث.
١ _ اختيار موضوع البحث
أول خطوة على دروب البحث _ يا تلميذي العزيز _ أن تختار موضوعك وعنوان بحثك. واختيار الموضوع من أصعب الأمور في كتابة البحوث وفي تأليف الرسائل. لأن لهذا الاختيار حقوقا كثيرة يجب أن ترعاها حق الرعاية، وأن تقوم لها خير القيام.
فمن حقه عليك أن يكون موضوع بحثك متصلا تمام الاتصال بميدان دراستك ومادة تخصصك، وأن يكون مما تتوق إليه نفسك ويهواه الفؤاد.
وينبغي أن يكون موضوع بحثك من اختيارك أنت لا من اختيار غيرك، وأن يكون ناشئا عن قراءاتك الكثيرة وإطلاعك الواسع. على أنه لا ضير في أن تتقبل موضوعا يعرضه عليك أستاذك إذا لاقى هوى نفسك، وكان واضح الرؤية أمام عينيك، تستطيع أنت أن ترى أبعاده بوضوح، وأن تضع خطوطه العريضة بدقة، وأن توفيه حقه من الدراسة والبحث.
ومن الخطأ أن تكتب في موضوع يفرض عليك فرضاً، لا تحس رغبة فيه، ولا ترى له صورة واضحة في ذهنك، حتى ولو كثرت مصادره ومراجعه، ورسم لك غيرك خطة العمل فيه.
ومن حق موضوعك أن يكون ذا سعة، ولكنها سعة ذات حدود يمكن الوقوف عندها وقد أخذ الموضوع حقه من البحث، وانتهى الباحث فيه إلى رأي.
أما إذا كان الموضوع ذا سعة لا يمكنك أن تلم بأطرافها، ولا تستطيع لها حصرا، ولا أن تصل فيه إلى غاية، فلا ينبغي لك أن تختاره، ولا ينبغي لك أن تكتب فيه.
стр. 7137
وكذلك من حقه ألا يكون ضيقا محدود الآفاق، ليس فيه من المسائل العلمية الرئيسية ولا من الفروع القيمة ما يكفي لأن يصل بالبحث إلى حده الأدنى وقدره المقبول.
وكذلك ينبغي ألا يكون الموضوع صعبا لا تستطيع له فهما ولا هضما، ولا تستطيع أن تكتب فيه للناس شيئا يؤثر ويذكر.
ومن أعظم حقوق موضوعك عليك أن تخرج فيه على الناس بجديد كأن يرى الناس فيه مشكلة أو مشكلات كانت تنتظر حلاًّ فتأتي لهم بذلك الحل، أو شيئا خفي على الناس أمره فتقوم أنت فتجلوه على حقيقته وتظهره نقيا مصفىّ. أو يرى الناس فيه مادة علمية كانت مبعثرة هنا وهناك على غير نظام وفي غير ترتيب، فجئت أنت فلملمت أطرافها المبعثرة، وضممت شعثها المتفرق، وأخرجتها للناس متكاملة الصورة متصلة الأطراف، منسقة الأبواب والفصول.
وعلى وجه الإجمال لابد أن يكون في موضوعك شيءٌ جديدٌ يجذب القارئ وينفع الناس ويمتع، لا أن يكون مجرد موضوع تنال به الدرجة العلمية ثم لا يهُمك بعد ذلك أن يعلوه الغبار، ويطويه النسيان ويعيش في ظلمات القبور.
٢ _ إعداد الأوراق التي تجمع فيها المعلومات
تلميذي العزيز:
الخطوة الثانية على طريق البحث أن تُعِدَّ أوراقك التي تجمع فيها معلومات بحثك.
من الخطأ وضياع الجهد والوقت أن تكتب معلوماتك التي تعثر عليها في المراجع على أوراق مبعثرة لا تستطيع جمعها ولا الرجوع إليها كلما دعت الحاجة. وكذلك من الخطأ وضياع الجهد والوقت أن تكتب معلوماتك على صفحات متوالية في دفتر كبير مجلد، لأن ذلك سيأتي بمشاق كثيرة في المستقبل حين يأتي دور تنظيم المادة وتنسيقها وضم الحقائق ذات الموضوعات المتماثلة بعض إلى بعض.
ولذلك كان لابد من إتباع إحدى طرائق ثلاث:
стр. 7138
الطريقة الأولى طريقة الكراسات، وهي أن يحضر الباحث كراسات بعدد الفصول التي يقترحها لبحثه، ويخص كل كراسة بفصل من فصول ذلك البحث ينسخ فيها المعلومات والنصوص التي يعثر عليها في المراجع مما له علاقة بذلك الفصل، وينبغي أن تكون أوراق كل كراسة كافية لاستيعاب المعلومات المخصوصة بها.
وعيب هذه الطريقة أنها لا تستجيب لأي تغيير في تخطيط البحث، كنقل معلومات من فصل إلى فصل، أو إنشاء فصل جديد تكون معلوماته موزعة في الفصول الأخرى.
ولهذا كان الآخذون بهذه الطريقة قلة قليلة.
أما الطريقة الثانية فطريقة البطاقات:
والبطاقات أوراق صلبة سميكة لا يسرع إليها تمزق ولا تشقق، ثم هي ذات أحجام ثلاثة: حجم صغير مقاسه ٨ × ١٣ سم (ثمانية في ثلاثة عشر سنتيمترا) وحجم متوسط مقاسه ١١×١٥ سم (أحد عشر في خمسة عشر سنتيمترا) وحجم كبير مقاسه ١٥× ٢٣ سم (خمسة عشر في ثلاثة وعشرين سنتيمترا) ومن الباحثين من يفضل الحجم الصغير لأنه من السهل أن يحمل في الجيب ويكون صالحا للاستعمال خارج البيت، غير أنه يعاب على هذا الحجم أنه لا يتسع لكتابة نصوص طويلة، فيضطر الباحث أحيانا إلى استعمال أكثر من بطاقة لنص واحد، وفي ذلك تكثير للبطاقات، والبطاقات الكثيرة تكلف الباحث عناء ومشقة في تنظيمها وترتيبها وفي مراجعة ما فيها من نصوص ومعلومات.
ولذلك يفضل كثير من الباحثين الحجم المتوسط، لأن بطاقته تتسع لكتابة نص كامل في كثير من الأحوال، وهي بهذا تقلل عدد البطاقات المستعملة، وفي هذه القلة يسر في التنظيم والترتيب والمراجعة.
стр. 7139
وعلى الباحث الذي يتبع طريقة البطاقات أن يحضر العدد الكافي منها، يشتريها من المكتبات، أو يصنعُها بيده إذا آنس من نفسه القدرة على ذلك، ثم يأتي بظروف قوية واسعة ويجعل لكل فصل أو فكرة رئيسية ظرفا خاصا، يضع فيه البطاقات التي تتعلق به، ويكتب على ظاهر كل ظرف موضوع البطاقات التي في داخله، فيكون من السهل دائما أن يضع كل بطاقة في مكانها، وأن يرجع إلى أي بطاقة في أي موضوع يريد.
وينبغي للباحث أن يرتب البطاقات التي في داخل كل ظرف على النحو الذي يراه مناسبا لدراسة ما فيها من المستقبل، ولعقد الموازنات والمقارنات بين ما تشتمل عليه من معلومات ونصوص.
أما الطريقة الثالثة فطريقة الإضبارة، والإضبارة معروفة، ولكنها ذات أشكال كثيرة وأحجامٍ مختلفة، والتي أريدها هنا هي ذات الحجم الكبير التي مقاسُها ٢٨× ٣٥ سم (ثمانية وعشرون في خمسة وثلاثين سنتيمترا) وعرض كعبها ثمانية سنتيمترات وفي داخلها حلقتان تفتحان وتغلقان بسهولة ولا يستعمل لها إلا الأوراق المثقوبة.
وبعد أن يضع الباحث في هذه الإضبارة قدرا كافيا من الأوراق يقسم هذه الأوراق أقساما بعدد الفصول التي بنى عليها بحثه، ثم يلصق لسانا بارزاً من الورق المقوى في الطرف الأعلى وفي جانب الأيسر للورقة الأولى من كل قسم، ويكتب على الجزء البارز من هذا اللسان عنوانَ الفصل المخصوص بهذا القسم من هذه الإضبارة.
ومما تمتاز به هذه الطريقة الثالثة أن الباحث يستطيع أن يضيف أوراقا جديدة في أي مكان من الإضبارة، وأنه يستطيع كذلك أن يَنقلَ الأوراق المشتملة على المعلومات والنصوص من فصل إلى فصل إذا بدا له ذلك.
стр. 7140
ومما تمتاز به هذه الطريقة أيضاً أن الفصولَ وأوراقها المشتملة على المعلومات تظل في داخل الإضبارة مرتبة منسقة على الصورة التي رسمها الباحث يمسكها من الداخل حلْقتان محكمتان، ويصونها من الخارج جداران قويان. على حين أن البطاقات في الطريقة الثانية عرضة للسقوط والضياع والاختلاط والفوضى.
وما تمتاز به أيضاً أنك تستطيع الرجوع إلى أي نص أو معلومات مكتوبة فيها دون عناء ودون إبطاء. وليس الأمر كذلك في طريقة البطاقات.
وتعطيك هذه الإضبارة _ زيادة على ما تقدم _ صورة كتاب تام تستطيع أن تنظر إليه نظرة شاملة فترى ما بين فصوله وأجزائه من تماسك وتناسق وتسلسل، أو تفكك وتنافر واضطراب، وفي ضوء هذه النظرة الشاملة نستطيع أن تقف الموقف الحق، فإما أن تبقي ما كان على ما كان، وإما أن تغير وتصلح.
وفي طريقة البطاقات لا تستطيع أن ترى هذه الصورة.
إضبارة المراجع
ومن الخير لك أن تعد إضبارة أخرى تسمى إضبارة المراجع، وهي غير الإضبارة السابقة التي تسمى إضبارة جمع المعلومات.
وإضبارة المراجع هذه كتلك في الحجم والتكوين واستعمال الأوراق المثقوبة، غير أن هذه لا تقسمها فصولا وأبوابا، ولكنك ترتب صفحاتها بالرقم العددي المسلسل، وتجعل في آخرها فهرسا يبين مكان كل مرجع في الإضبارة.
ولعلك تسأل وتقول: ماذا أكتب في إضبارة المراجع؟
تكتب فيها عن كل مرجع تقرؤه ما يلي:
١ _ اسم الكتاب واسم المؤلف كاملين.
٢ _ اسم الناشر ومكان النشر ورقم الطبعة إذا أمكن ذلك.
٣ _ عدد صفحات الكتاب وعدد أجزائه.
وإذا كان المرجع مجلة أو جريدة ذكرت اسم المجلة أو الجريدة ورقم الصفحة واسم الكتاب وتاريخ العدد ورقمه.
стр. 7141
وينبغي أن تضيف إلى البيانات السابقة عن كل مرجع تقرؤه كلمة موجزة تصف فيها قدر ما تستطيع موضوع المرجع وخصائصه، وأبرز نواحي القوة ونواحي الضعف فيه وتذكر أرقام صفحات الموضوعات التي تثير اهتمام الباحث والمراجع التي اعتمد عليها ذلك المرجعُ إن وجدت.
وبعد أن تكتب ذلك كله في إضبارة المراجع تسأل الأساتذة المختصين عن ذلك المرجع وترى رأيهم فيه وتضيفه إلى ما سبق.
وفي مسألة الأساتذة المختصين عن كل مرجع تقرؤه فوائد كثيرة:
منها أنها تزيدك معلومات جديدة عن المرجع.
ومنها أن ما يقوله الأساتذة يعدُّ نقدا وتقويما لما كتبته أنت عن ذلك المرجع.
والفائدة الثالثة أنك بما يقوله الأساتذة تزداد قدرة على النقد وقدرة على التعمق فيما تقرؤه من مراجع.
وأحب أن أقول لك قبل أن أودع إضبارة المراجع إنها ليست مقصورة على مراجع بحث معين، وإنما هي عامة تفتح صدرها مدى الحياة لكل مرجع تقرؤه، فهي صديقة عمرك كله.
والآن إلى الخطوة الثالثة
٣ _ العثور على المراجع
والخطوة الثالثة على طريق البحث هي العثور على المراجع، وقبل العثور على المراجع أقول:
من الباحثين من يجعل الفرق قائما بين كلمة مصدر وكلمة مرجع، فإذا قلت في بحثك ورأي سيبويه في هذه المسألة كذا وكذا، وكنت قد نقلت ذلك من كتاب سيبويه فأنت حينئذ قد نقلت من مصدر، وإذا كنت قد نقلت رأي سيبويه من كتاب آخر قد نقلت حينئذ من مرجع.
ومن الباحثين من لا يرى فرقا بين كلمة مصدر وكلمة مرجع، وإنما يفرق بين المصادر والمراجع بالوصف، فنقل رأي لسيبويه من كتاب سيبويه نقل من مرجع أصلي ومصدر أصلي، ونقل رأي سيبويه من كتاب آخر نقل من مرجع فرعي ومصدر فرعي.
стр. 7142
وإذا قلت في بحثك: ورأي الشافعية في هذه المسألة كذا وكذا، فإذا كنت قد نقلت رأيهم من كتبهم المعتمدة فقد نقلت من مرجع أصلي ومصدر أصلي، وإذا كنت نقلت رأيهم من كتب المذاهب الأخرى فقد نقلت من مرجع فرعي ومصدر فرعي، وهكذا.
وينبغي للباحث أن يعتمد في معلوماته التي ينقلها، وفي آراء العلماء التي يسوقها، وفي غير ذلك مما ينقل، أن يعتمد على مراجعها الأصلية ما أمكنه ذلك، لأن المراجع الفرعية تنقل من غيرها، وهذا النقل عرضة للزيادة والنقص، وعرضة لأن يكون الناقل قد أساء الفهم أو أساء القصد.
وينبغي للباحث كذلك أن يقرأ الكلمات المطبوعة بشيء من الدقة والحذر، لأنه كثيراً ما تقع في الطباعة أخطاء تفسد المعنى وتوقعُ في اللبس.
بعد هذا قد تسأل وتقول: ولكن كيف أعثر على المراجع؟
للعثور على المراجع طرق كثيرة:
منها القراءات الخارجية للباحث وإطلاعه الواسع من قبل أيام كان طالبا في الكلية وفي الدراسات العليا وبعد التخرج، وهذا الطريق أفضل الطرق وأعلاها شأنا، وينبغي أن يكون طريق كل باحث.
ومنها أن يزور الباحث المكتبات العامة والخاصة، وأن يقرأ فهارسها التي تتصل بمادة بحثه، وأن يسائل المشرفين على هذه المكتبات ومن لهم إطلاع على ما فيها من مراجع وكتب.
ومنها أن يسأل رؤساء الأقسام في الجامعات وأساتذة المادة التي ينتمي إليها بحثه عما يعرفونه من مراجع أصلية.
ومنها الإطلاع على البحوث والرسائل السابقة التي تناولت موضوعات ذات صلة وثيقة ببحثه، وهذا الإطلاع سيفيدك إفادتين:
الأولى: أنك ترى طرق التصدي لمسائل العلم، وكيف تكون الخطط في بناء الرسائل وترتيب فصولها، وفي هذا ما يزيدك خبرة ويوسع آفاق تصورك لأعمال البحوث.
والثانية: أنك تطلع على قوائم المراجع التي اعتمدت عليها تلك البحوث وأغلب الظن أنه سيكون بين تلك المراجع كتب قيمة تصلح أن تكون أيضا مراجع لبحثك.
стр. 7143
٤ _ كيف تقرأ المراجع
الخطوة الرابعة على طريق البحث كيف تقرأ المراجع:
ينبغي لك _ ولكل قارئ _ أن تجيد القراءة بعينيك دون أن تحرك لسانك وشفتيك، لأن القراءة بتحريك اللسان والشفة قراءة بطيئة جدا لا تجاوز مئة كلمة في الدقيقة إلا قليلا، على حين يستطيع القارئ الجيد المدرب أن يقرأ بعينيه دون لسانه وشفتيه ما يزيد على أربع مئة كلمة في الدقيقة الواحدة. وشتان ما بين القراءتين في الوقت والجهد.
وينبغي لك _ ولكل باحث _ أن تكون قارئا ناقدا تستطيع أن تتبين الفكرة الرئيسة في كل فقرة وفي كل فصل، وأن تتبين كذلك ما ينطوي تحت الفكرة الرئيسة من فروع ذات قيمة.
وينبغي لك إذا أردت أن تكون باحثا مجيدا أن تتقن قراءة المراجع، فلا تقرأ ما بين الدفتين كلمة كلمة وسطرا سطرا، وإنما تتبع الخطوات الأربع التالية:
الخطوة الأولى في قراءة المراجع أن تقرأ مقدمته، ففي هذه المقدمة يذكر المؤلف في أكثر الأحيان الغرض من تأليفه، ويعطي صورة مجملة عما جاء فيه، ويبين الطريقة التي اتبعها في تأليف الكتاب.
والخطوة الثانية في قراءة المرجع أن تنتقل من المقدمة إلى الفهرس، وفهارس كثير من الكتب الموسعة تذكر الموضوع الرئيسي وتذكر ما ينطوي تحته من مسائل فرعية. اقرأ الفهرس أكثر من مرة قراءة دقيقة واعية، وكلما مررت بمسألة تتصل ببحثك كتبتها حالا في مكان مخصوص بها في إضبارة المعلومات، وكتبت البيانات الدالة عليها من رقم الصفحة والجزء واسم الكتاب والمؤلف _ لتعود إليها فيما بعد فتقرأها بأناة ودقة، وإذا انتهيت من قراءة الفهرس وكتابة البيانات الدالة على ما فيه من مسائل تتصل ببحثك خطوت الخطوة الثالثة وهي قراءة التصفح.
وقراءة التصفح تعني أن تقلب أوراق الكتاب كلها ورقة ورقة، وأن تنظر إلى كل صفحة من صفحاته نظرة دقيقة حادة كنظرة الصقر الذي يطير سابحا في السماء ومع ذلك لا يخطئ فريسته التي تدب على وجه الأرض.
стр. 7144
وعليك في أثناء هذا التصفح أن تقرأ بعض الجمل والسطور هنا وهناك، وأن تقرأ بعض الفقر والفصول من حين إلى حين لتعرف أسلوب الكتاب ونهجه، وإذا رأيت في أثناء التصفح شيئا ذا بال يتصل ببحثك فأشر إلى ذلك في إضبارة جمع المعلومات كما فعلت في المسائل التي عثرت عليها في الفهرس، لتعود إليه فيما بعد فتقرأه على هينة وعناية.
وعلى كل حال فسوف تعود عليك قراءة التصفح بفائدتين:
الأولى: أنها تحدد لك المسائل والمعلومات التي تتصل ببحثك.
الثانية: أنها توفر جهدا ووقتا كانا سيضيعان في قراءات كثيرة ليس وراءها طائل ولا نائل.
وبعد قراءة التصفح تخطو خطوتك الرابعة في قراءة المراجع، فتعود إلى المسائل والنصوص والمعلومات التي عثرت عليها في فهرس المرجع وفي أثناء قراءة التصفح فتقرؤها بعناية وأناة كلمة كلمة وسطرا سطرا، وكلما انتهيت من قراءة شيء ورأيته جديرا بالنسخ نقلته إلى إضبارة جمع المعلومات في الفصل الذي تندرج تحته.
ولكن كيف تنقل المعلومات والنصوص التي عثرت عليها في المراجع؟
أتنقلها حرفا حرفا وكلمة كلمة، أم تنقلها بعد أن تلخصها بأسلوبك وتحذف ما لا غناء فيه لبحثك ولا خير يرجى من نقله؟
هذا شيء قد اختلف فيه الباحثون على ما ستراه في الخطوة التالية:
٥ _ كيف تنقل المعلومات من المراجع
الخطوة الخامسة على طريق البحث يا تلميذي العزيز كيف تنقل المعلومات والمسائل التي تعثر عليها في المراجع؟
يرى فريق من الباحثين أن تنسخ المعلومات والمسائل كما وردت في مراجعها الأصلية حرفا حرفا وكلمة كلمة دون أن تبدل أو تحذف أو تزيد أو تلخص، وعليك بعد أن تنتهي من جمع كل ما قدرت عليه مما يتصل ببحثك أن تعود إليه فتقرأه مرة ثانية بأناة وإمعان نظر تحلل وتوازن وتستنبط وتلخص وتأخذ ما كان وثيق الصلة ببحثك، وتدع ما كان بعيدَ الصلة ليس بذي قيمة.
стр. 7145
ويقول هؤلاء الباحثون ردا على مخالفيهم إن نقل المواد العلمية من المراجع ملخصة بأسلوب الباحث عرضة لإهمال المعلومات الصغيرة والتفصيلات الفرعية التي قد يراها الباحث حين التلخيص بعيدة عن موضوع بحثه، أو يراها أشياء ليس لها قيمة، ثم يتبين له بعد ذلك حين يقوم بعملية نقد المادة التي جمعها أن بحثه في حاجة إلى تلك التي أهملها فيضطر إلى أن يعود إلى المراجع مرة ثانية يقرأ وينسخ، وقد يكلفه الوصول إلى تلك المراجع وقتا طويلا، وقد يكون الوصول إليها صعبا بعيد المنال.
ويرى فريق آخر من الباحثين أن النص الذي ينسخ نسخا حرفيا دون تغير هو ما كان لألفاظه قيمة ذاتية يجب المحافظة عليها، أو ما كان لألفاظه غرض خاص يتصل بنقطة معينة في البحث، أو ما كانت كلماته معدودة لا تجاوز السطرين والثلاثة.
أما المواد العلمية التي تجيء في المراجع ملء الصفحة والصفحتين وما يقرب من ذلك، وكذلك المواد التي تكون ضعيفة الصلة بالبحث، والمواد الضحلة التفكير _ فإن نسخها نسخا حرفيا مضيعة لجهد الباحث ووقته.
ويقول هذا الفريق يجب على الباحث أن يكون باحثا ناقدا منذ البداية يحلّل ما يقرؤه في المراجع ويقوّمه فيأخذ الصالح منه وما كان له قيمة، معبراً عنه بأسلوبه، ويترك ما لا خير فيه وما كان بعيد الصلة.
وإذا جّدت حاجة إلى شيء كان الباحث قد تركه وأغفله، وهذا شيء لا يحدث إلا في النّدرى، فمن السهل أن يعودَ إليه بمساعدة البيانات التي يكتبها في إضبارته وتشيرُ إلى كل شيء يعثر عليه في المراجع مما له علاقة ببحثه.
ويقول هذا الفريق أيضا إن الباحث الذي لا يلتزم بالنسخ الحرفي من المراجع يجد نفسه دائما مضطرا إلى أن يفهم كلَّ ما يقرؤه وأن ينقده ويقومَه ليصل إلى ما هو صالح وجدير بالأخذ والنقل.
وأنه يجد نفسه كذلك مكلَّفا أن يعبر عن تلك المعلومات التي يختارها من المراجع بأسلوب جديد من عنده قوي الدلالة دقيق التعبر.
следующие страницы →