← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

هكذا نظم الإسلام - بالاختصار - علاقة العبد بربه وخالقه, فكما نظم هذه العلاقة على الوجه الذي ذكرنا، كذلك اهتم الإسلام بتنظيم الأسرة. وقد حث الإسلام على إنشاء مؤسسة الأسرة بتشريعه الزواج وحثه عليه مبيناً أن الزواج سكونٌ للنفس للطرفين وهدوء لهما وراحة للجسد، وطمأنينة للروح وامتداد للحياة إلى آخر مطافها. فلنستمع الآن إلى بعض الآيات القرآنية في هذه المعاني إذ يقول الله تعالى وهو يحث عباده على الزواج: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (النساء: ٣) . ويقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: ٢١) وحيث يقول: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (البقرة: ١٨٧) , ويقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ﴾ (البقرة: ٢٢٣) . هكذا يتحدث القرآن عن مؤسسة الأسرة في عديد من الآيات، وبأساليب مختلفة كما رأينا وكما نسمع مرة أخرى آية سورة النساء التي تبين أن طرفي هذه المؤسسة خلقا من نفس واحدة وكأنهما شطران لنفس واحدة فلا فضل لأحد الشطرين على الآخر في أصل الخلقة ومن حيث العنصر وإنما يحصل التفاضل بينهما بأمور خارجية ومقومات أخرى غير ذاتية وصفات مكتسبة إذ يقول الله تعالى في هذا المعنى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ (النساء: ١) . هكذا يحث الإسلام على إنشاء الأسرة لتكون امتدادا للحياة وراحة للطرفين. أهداف الزواج في الإسلام التشريع الإسلامي تشريع حكيم، وله هدف ومغزى..

стр. 7247

فالله تعالى من أسمائه: (الحكيم) لذا يجب أن نعتقد جازمين أنه تعالى حكيم في تشريعه كما هو حكيم في خلقه وصنعه. فحكم تشريع الزواج تكمن في الأمور التالية: أ – غض البصر من الطرفين، وقد اهتم الإسلام في قرآنه وسنة النبي الكريم ﷺ بهذا الأمر, يقول الله تعالى: وهو يأمر الرجال والنساء معاً بغض البصر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ, وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: ٣٠-٣١) . والتساهل في مسألة غض البصر يؤدي إلى الانزلاق الخلقي كما هو مشاهد في أكثر مدننا وعواصمنا الإسلامية ـ وللأسف الشديد.. ب – حفظ الفرج, وقد تناولت الآيات التي تقدم ذكرها قريباً الأمر بحفظ الفرج مع الأمر بغض البصر، ولعل الأول ينتج الثاني بمعنى أن غض البصر ينتج حفظ الفرج في الغالب الكثير، لأن من تمكنت منه مراقبة الله تعالى فلازم غض بصره خوفاً من الله وحياء منه سوف يحفظ فرجه عما حرمه الله عليه ولا يقع في الفاحشة. وقد صح عنه ﵊ قوله: "العينان تزنيان وزناهما النظر, والأذنان تزنيان وزناهما السماع" إلى أن قال: "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه".. ج – الحصول على النسل الذي هو لبنة في بناء المجتمع وسبب إكثار أتباع خاتم الأنبياء والمرسلين. ويزيد الأمر وضوحاً الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود والذي يخاطب فيه الرسول الكريم ﵊ شباب المسلمين بذلك الأسلوب الرقيق ليرشدهم إلى ما فيه صلاحهم ونجاتهم إذ يقول ﵊:

стр. 7248

"يا معشر الشباب من استطاع الباءة منكم فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". وعند البيهقي من حديث أبي أمامة "تزوجوا فإني مكاثرٌ بكم الأمم". وقد تقدمت بعض المعاني التي يمكن أن تعد من أهداف الزواج كالهدوء وراحة النفس مثلاً. وقد يخطئ الذين يظنون أن الغرض من الزواج هو الحصول على اللذة والمتعة كيفما تيسرت، وليس وراء ذلك غرض آخر، وهذا التصور الخاطئ قد أوقع كثيراً من الشباب في مهالك خطيرة وسقوط في الخلق والانحطاط، مما جعل حياة عديد منهم في كثير من البلدان شبيهة بحياة الحيوانات التي ليس عليها قلم التكليف بل هم أضل سبيلاً وأسوأ حالا. من يتولى إدارة مؤسسة الأسرة؟ إن الإسلام لم يهمل هذه المؤسسة وبيان من يرأسها، أو من أولى الناس لتحمل مسؤليتها. والذي يتضح من دراسة الإسلام أن الاختصاصات أو الصلاحيات موزعة بين الطرفين, والواجبات محددة, ولكل جانب خاص هو مسئول عنه: للرجل اختصاصات لا تشاركه فيها المرأة ولا تقوى على الاضطلاع بمهمتها وسياستها، وللمرأة اختصاصات لا يصلح لها الرجل ولا يحس القيام بها.. فمحاولة أحد الطرفين التدخل في اختصاص الطرف الآخر يعرض المؤسسة للارتباك والاضطراب ويسلمها للفوضى. فلنستمع إلى بعض الآيات القرآنية وهي تنظم حياة الأسرة وتحدد المسئوليات فتعطي الرجل القوامة والإدارة حيث يقول الله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ (النساء: ٣٤) .

стр. 7249

فالآية صريحة في إعطاء الرجل إدارة المؤسسة، والقوامة عليها كما ترى ولم تهمل الآية بيان السبب، بل بينت إذ يقول الله : ﴿بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ، ثم إنه مما لا نزاع فيه أن أي مؤسسة أو شركة إنما ينتخب لإرادتها من لديه دراية وخبرة وقوة على الإدارة, وعلى الصبر على العمل, وحنكة في سياسة طبيعة العمل، ومؤسسة الأسرة من أعم المؤسسات وأخطرها على الإطلاق؛ إذ بصلاحها يصلح المجتمع, وبفسادها يفسد المجتمع؛ لأنها هي التي تقدم للمجتمع أفراداً هم لبنات المجتمع, والبناء إنما يكتسب صفاته من مواد البناء قوة وضعفاً. لهذا كله حمّل الإسلام الرجل هذه المهمة, وهي أمانة ثقيلة لأنه أليق بها وأقوى على أدائها, والمرأة المنصفة تعترف بذلك. يقول الأستاذ محمد الغزالي في كتابه: (حقوق الإنسان في الإسلام) . "ولما كان الرجل بعيداً عن مشاغل الحيض والنفاس والحمل والرضاع كان أجلد على ملاقات الصعاب ومعانات الحرف المختلفة، وكان الضرب في الأرض ابتغاء الرزق ألصق به هو, ومن ثم فقد كلفه الإسلام الإنفاق على زوجته وعلى قرابته الإناث الفقيرات"اهـ. ما ذكره الأستاذ الغزالي جانب مهم ومعقول لترشيح الرجل لهذه المهمة مهمة القوامة. وهناك جوانب أخرى تبدو عند التأمل في بعض النواحي وهي كثيرة, نكتفي بهذه الإشارة اقتصاداً في الوقت: مسئولية المرأة في الأسرة إذا كان الرجل هو الذي كلف ليمثل سياسة الأسرة الخارجية والاقتصادية على ما وصفنا فإن المرأة هي المسئولة عن إدارة الأسرة الداخلية تحفظ بيت زوجها في حضوره وغيابه. وتحفظ ماله وتحفظ أولاده وعليها تنظيم المنزل إلى غير ذلك من الشئون المنزلية.

стр. 7250

ولهذا كله تتمتع بكل احترام وتقدير من أفراد الأسرة طالما حافظت على مسئوليتها الداخلية ولم تتطلع إلى ما وراءها مما لا تستطيع القيام به من صلاحيات الرجل. الإسلام لم يظلم المرأة كثيراً ما نسمع تلكم الأصوات المنكرة التي تنادي بأن الإسلام هضم حقوق المرأة وظلمها ولم يعطها حريتها ولن يساو بينها وبين الرجل إلى آخر تلكم العبارات المترجمة عما يكتبه أعداء الإسلام ضد الإسلام. وفي الواقع أن أصحاب هذه الدعوى هم أحد رجلين اثنين: أما أحدهما: فجاهل ساذج سمع الناس قالوا قولة فاتبعهم بل صار لهم بوقاً يبلغ ما يقولون، وليس لديه علم يستند عليه فيما يقول ويذيع، بل ليس له من الأمر شيء إلا البلاغ، وهو يهرف ما لا يعرف. وقد اغتر به كثير من الناس الذين لم يؤتوا من الفقه في الدين شيئاً ولا سيما النساء المثقفات بثقافة غير إسلامية أو الجاهلات المقلدات على غير هدى. وهذا الصنف من الناس يضل ويضلل غيره لأنه جاهل وفي الوقت نفسه أنه يجهل جهله، يصدق عليه قول القائل: إذا كنت لا تدري بأنك لا تدري فذاك إذاً جهل مضاف إلى جهل وأما الآخر: فهو إنسان ماكر يمكر ويكيد للإسلام والمسلمين ويريد أن يفسد عليهم دينهم وأخلاقهم عن طريق إفساد الأسرة متأثراً بأعداء الإسلام ومنفذاً لخطتهم في محاربة الإسلام. إنّ هذا وذاك وهما اللذان يطلقان هذا الصوت المنكر في كل مكان لمحاولة التضليل وقد تأثر به الكثيرات من المسلمات الجاهلات ظناً منهن بأن هذا النداء في صالحهن فضمت أصواتهن إلى ذلك الصوت. فبذلك تصبح المرأة لمسلمة المتأثرة بذلك النداء ظالمة لدينها وإسلامها متهمة إياه بأنه ظلمها، ذلك الإسلام الذي رفع من شأنها لو كانت تعلم وتفقه - وأين الفقه لدى نسائنا إلا ما شاء الله - والله المستعان.

стр. 7251

فعلى المرأة المسلمة المثقفة أن تدرس دينها لتعرف موقف الإسلام من المرأة وما لها من الكرامة في الإسلام ولا تتبع كل ناعق. وفي الوقت نفسه عليها أن تتطلع على ما في القوانين الأجنبية مثل القوانين الفرنسية وغيرها لتعلم موقف تلك القوانين [٢] من المرأة، ثم عليها أن تعرف كيف كانت المرأة قبل الإسلام حيث كانت سقط المتاع فاقدة القيمة والكرامة وما أكرمها إلا الإسلام. تتمتع المرأة في الإسلام بالحقوق المدنية مثل الرجل للمرأة المسلمة حرية كاملة في الحقوق المدنية، وهي مثل الرجل في هذه الحقوق. فللمرأة المسلمة أن تبيع وتشتري وتهب وتقبل الهبة وتعير وتستعير وتتصرف في مالها، ولها جميع التصرفات المالية مثل الرجل. الحقوق الدينية للمرأة المسلمة فالمرأة المسلمة تشرع لها جميع العبادات كالرجل فهي تصلي وتصوم وتزكي من مالها وتحج وتثاب على عباداتها وطاعتها مثل ما يثاب الرجل وليس أجرها دون أجر الرجل. إلا أن الإسلام قد يخفف عن المرأة بعض العبادات تقديراً لظروفها الطارئة فمثلاً يسمح للمرأة الحائض في ترك الصلاة ولا تؤمر بقضائها بعد الطهر لما في ذلك من المشقة والحرج ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ (الحج: ٧٨) . ولها أن تترك الصيام أيام عادتها ولكنها تقضي على السعة لعدم المشقة عليها في قضاء الصوم بخلاف الصلاة، والنفساء تعامل بنفس المعاملة. حرية الزواج للمرأة المسلمة الإسلام يعطي المرأة حرية كاملة في الزواج، فهي تختار الزوج الصالح لها قبل أن يكلفها وليها على من يختاره هو, بل ليس له أن يزوجها إلا بإذنها الصريح بالنطق إذا كانت المرأة ثيباً لأنها قد جربت الرجال ولا تستحي أن تقول نعم أو لا.

стр. 7252

وأما البكر فيكفي في إذنها السكوت حين الاستئذان فلا بد من الاستئذان ولو زوجها أبوها في صغرها وقبل بلوغها فلها الخيار إذا بلغت بين إجازة ذلك الزواج أو رفضه. هذا هو حكم الإسلام في الزواج حيث يقول الرسول ﵊: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن وإذنها صماتها أي سكوتها". أو كما قال ﵊ رواه البخاري من حديث أبي هريرة. إرث المرأة في الإسلام وقد ركز دعاة المساواة على هذه النقطة فتمكنوا من تضليل الكثيرات من المسلمات الغافلات حيث زينوا لهن بأن الإسلام يفضل الرجل على المرأة فيعطيه في الميراث أكثر من النساء، فيعطيه مثل حظ الانثيين ولماذا؟؟ !! .. وللإجابة على السؤال أقول: حقاً إن الإسلام يعطي الرجل امرأتين وهذا التفضيل في الميراث لا يترتب عليه تفضيل الرجل على المرأة في كل شيء كما سنرى قريباً إن شاء الله. كما لا يلزم منه الحط من مكانة المرأة بل إنه عطاء عادل ومنصف. بيان ذلك ما سبق أن ذكرنا من أن الإسلام يكلف الرجل وحده بالإنفاق على الأسرة المكونة من الزوجة والأولاد بل وعلى كل محتاج من أقاربه ولم يكلف المرأة حتى بنفقة نفسها بل نفقتها على زوجها ولو كانت هي أغنى من زوجها وأما قبل الزواج فنفقتها على أهلها. فهل من الإنصاف أن تعطى المرأة المنفق عليها مثل الذي ينفق عليها؟؟ !! أعتقد أن المرأة المسلمة المنصفة سوف تبادر بالجواب على هذا السؤال قبل الرجال قائلة: إن ذلك ليس من الإنصاف لو حصل. بل الإنصاف ما فعله الإسلام وقد أنصف الرجل والمرأة معاً ولله الحمد والمنة. سفر المرأة في الإسلام النقطة الثانية من النقاط التي يركز عليها دعاة الحرية والمساواة مشكلة سفر المرأة يقولون: إن الإسلام لا يسمح لها بالسفر كما يسمح للرجل ولو في سفر أداء فريضة الحج ولماذا؟؟ !!

стр. 7253

والعجيب من أمر هؤلاء أنهم كثيراً ما يقلبون الحقائق ليغالطوا الناس فيجعلون الإهانة كرامة والكرامة إهانة كما في هذه المسألة. والمرأة المسلمة الجاهلة تسمع لكل ناعق لجهلها أمر دينها واستجابة للعاطفة أحياناً. وفي الواقع أن الإسلام لم يمنع المرأة من السفر المباح إلا أنه قيد سفرها بقيد واحد. وهذا القيد في الحقيقة إكرام لها وحفظ لشرفها لو كانوا يعلمون. يشترط الإسلام لسفر المرأة وجود زوجها معها في السفر أو أحد أقاربها الذين تحرم عليهم تحريماً مؤبداً كأبيها وأخيها مثلاً؛ لأن هؤلاء سوف يضحون بأنفسهم في سبيل المحافظة عليها وحفظ كرامتها ولا تصل الذئاب إليها إلا على أشلائهم. كما يقومون بخدمتها في سفرها حيث تعجز عن الخدمة وهل اشتراط الإسلام لسفر المرأة هذا الشرط يعتبر إهانة للمرأة أم هو إكرام لها؟ إنها لإحدى الكبر!! فلتقول المرأة المسلمة الإجابة على هذا الاستفهام. أما السفر من حيث هو فالإسلام لا يمانع فيه. فالمرأة تسافر للحج، وتسافر للتجارة، وتسافر لزيارة أهلها وأقاربها وتسافر لطلب العلم ولغير ذلك من الأسباب طالما الشرط متوفر وهو وجود الزوج أو المحرم معها. هذا هو حكم الإسلام في سفر المرأة أيها المسلمون إذ يقول رسول الله ﷺ "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا ومعها رجل ذو محرم عليها" [٣] . وللحديث ألفاظ كثيرة وروايات متعددة وكلها تدل على أن الإسلام يشترط في سفر المرأة وجود الزوج أو رجل ذي محرم عليها تحرم عليه تحريماً مؤبداً. وهذا يعد إكراماً للمرأة المسلمة لو كانت تعلم، وبالله التوفيق. موقف الإسلام من التبرج والاختلاط والخلوة

стр. 7254

إنّ موقف الإسلام واضح من هذه الجاهليات وهو موقف فطري ومعقول، بل ومقبول لدى الأذواق السليمة، والإسلام يشدد الإنكار على هذه الجاهليات ولا سيما جاهلية الخلوة إذ يقول رسول الهدى ﵊: "ألا لا يخلونّ رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان"، "لا يخلونّ أحد بامرأة إلا مع ذي محرم". هكذا يقول رسول الإسلام أيها المسلمون، وفي النهي عن جاهلية التبرج يقول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣) ويقول مخاطباً لنبيه وخليله محمد ﵊: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٩) , هكذا يأمر الإسلام المرأة المسلمة ابتداء من أمهات المؤمنين الطاهرات إلى يوم الناس هذا, بل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يأمرها بالحشمة والحياء وعدم الاختلاط لأن الحياء شعبة من الإيمان, وينهى عن هذه الجاهليات, ويشدد الإنكار عليها لأنها ذرائع للفساد الخلقي الذي إذا أصيبت به المجتمعات ضاعت وذهبت، ولقد صدق الشاعر حيث يقول: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا موقف الإسلام من عمل المرأة ولسنا نقول - كما يظن - أن المرأة لا تخرج من بيتها لمزاولة الأعمال، كلا بل للمرأة المسلمة أن تعمل ولها مجالات واسعة للعمل, والقول بأن الإسلام يمنع المرأة عن العمل إساءة إلى الإسلام وسمعته كما أن القول: مجال عملها ضيق قول غير محرر، فالمرأة المسلمة لها أن تزاول أعمالها دون محاولة أن تزاحم الرجال أو تختلط بهم أو تخلو بهم، للمرأة أن توظف مدرسة أو مديرة أو كاتبة في المدارس النسائية, ولها أن تعمل طبيبة أو ممرضة أو كاتبة أو في أي عمل تجيده في المستشفيات الخاصة بالنساء إلى آخر الأعمال المناسبة لها.

стр. 7255

أما المرأة التي تخرج من بيتها بدعوى أنها تريد أن تعمل - متبرجة - بزينتها ومتعطرة ومنكرة [٤] مائلة مميلة وكأنها تعرض نفسها حين تتجول بين الرجال. فموقف الإسلام منها أنه يشبهها بالمرأة الزانية لما ثبت عند الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﵊ قال: "والمرأة إذا استعطرت فمرّت بالمجالس فهي كذا وكذا يعني زانية"، قال الترمذي: "هذا حديث صحيح", ولأبي هريرة مثله عند أبي داود, والذي يبدو أن اللفظة يعني "زانية" من قول أبي موسى الأشعري تفسير لكذا وكذا والله أعلم. وهذه المرأة مثلها كمثل طعام شهي بذل صانعه في إعداده كل ما في وسعه ثم أخذه فجعله في قارعة الطريق وبجوار المستنقعات فرفع عنه الغطاء فهاجرت إليه الحشرات من كل مكان تستنشق ريحه فأخذ الذباب يحوم حوله فيسقط فيه أحياناً والناس ينظرون إليه مستقذرين وعابسين وجوههم. وفي النهاية يصبح عشاء للكلاب إذا تغلبت على الحشرات ولا بد أن تتغلب هذا مثل المتبرجات المتجولات فلتربأ المرأة المسلمة بنفسها وشرفها عن هذه المنزلة المنحطة ولتسدل جلباب الحياء عن وجهها كما أمرها ربها وذلك خير لها عند الله وأمام المجتمع. ويريد الإسلام من وراء هذا كله المحافظة على الأسرة المسلمة لأن سلامتها تعني سلامة المجتمع كما أن فسادها فساد للمجتمع كله كما تقدم. وقد حرص الإسلام على هذا المعنى كل الحرص وأنه لا يُغفِل هذه المحافظة حتى في حال أداء بعض العبادات التي تؤدى في حال اجتماع الرجال والنساء في مكان واحد كالجمعة والعيدين مثلاً فقد نظم الإسلام كيف يتم هذا الاجتماع لأداء تلك العبادات. يقول رسول الهدى ﵊ وهو ينظم الصفوف: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها, وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" [٥] .

стр. 7256

ولعلمه ﷺ ما تثيره المرأة المتعطرة في صدور الرجال أمرها بقوله: "إذا خرجت المرأة إلى المسجد فلتغتسل من الطيب كما تغتسل من الجنابة" [٦] . وبعد: إن هذا الحديث والذي قبله يعتبران - بحق - من أبرز أمثلة الذرائع كما ترى. والله الموفق. إنهاء الحياة الزوجية تنتهي الحياة الزوجية بأحد فراقين اثنين: ١ – فراق بالموت وهو أمر لا يملك كل من الطرفين تقديمه أو تأخيره فلذا نمسك عن الحديث عنه. ٢ – فراق بالطلاق وهو محل حديثنا: يعتبر الطلاق في نظر الإسلام مخرجاً مما قد يتفاقم بين الأزواج من الخلافات والنزاعات وهو بمثابة الكي في حل المشكلات الزوجية والكيّ آخر العلاج. حيث يبدأ علاج المشكلات الزوجية على النحو التالي: أ – الوعظ. . الوعظ الذي يتضمن النصح والتوجيه وبيان ما على الزوجة من حقوق الزوج كما يتعرض لبيان حقوق الزوجة على الزوج, ويركز علي بيان ما يترتب على تضييع حقوق الزوج وعصيانه. ب – الهجران في الفراش. . الهجران الذي يجلب لها نوع من الوحشة وعدم الأنس ويدعو إلى التوبة والرجوع إلى الطاعة. ج – الضرب شريطة أن يكون ضرب تأديب وتخويف فقط لا ضرب انتقام يجرح الجلد أو يكسر العظم. د – جلسة مفاوضة ومناقشة يشترك فيها حكَمٌ من أهله وحكَمٌ من أهلها وإذا لم يُجْدِ شيء مما ذكر وضاق كل واحد منهما نفساً بالحياة الزوجية, هنا يأتي الطلاق لإنقاذ الموقف بإنها تلك الحياة التي تحولت جحيماً لا تطاق بعد أن كانت مودة ورحمة وطمأنينة وراحة. وهذه المراحل التي تسبق الطلاق - وربما تمنع الطلاق - بيّنتها سورة النساء في الآيتين التاليتين: آية رقم ٣٣ إذ يقول الرب عزّ من قائل:

стр. 7257

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ . وآية رقم ٣٤: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ . لماذا جعل الإسلام الطلاق في يد الرجل فقط وقد تبين مما تقدم أنّ مشروعية الطلاق أمر له أهميته في الموضوع إذا ثبت أنه العلاج الأخير في المشكلات الزوجية. وبقي في المقام سؤال له وزنه إذا فهم جوابه حق الفهم وهو لماذا جعل الطلاق في يد الرجل فقط؟؟!! قبل أن يكون للمرأة فيه دور يذكر, اللهم إلا ما كان من قبل الخلع وهو فراق تشترك فيه المحكمة الشرعية ولا تستقل به المرأة كما هو معروف. الجواب عن هذا السؤال أن يقال: لما كان الرجل هو الغارم الذي عليه المهر وسائر النفقات جعل الطلاق في يده لأنه سوف لا يفرط في الحياة الزوجية التي غرم في تأسيسها بل سوف يكون أحرص ما يكون على بقاء مؤسسة الأسرة متمتعة بالهدوء والراحة كلّما وجد إلى ذلك سبيلا ولو جعل الطلاق في المرأة لرأينا الآتي: رأينا رجلاً يؤسس ثم يؤثث فيحرص على النتائج المنتظرة من المؤسسة ثم رأينا امرأة ناقصة العقل والتفكير تهدم المؤسسة وتبعثر الأثاث لأتفه الأسباب لأنها لم تغرم شيئاً عند تأسيس المؤسسة بل ربما رغبت عن هذه المؤسسة لتجرب غيرها.

стр. 7258

وفي اعتقادي أن المرأة المسلمة المنصفة تصدقني فيما ذكرت قبل الرجل نفسه لأن بعض الوقائع من تصرفات بعض النساء تشهد لما قلنا في الوقت الذي ليس في يدها الطلاق. والله أعلم. وبعد أيها الأخوة المسلمون فلنمثّل إسلامنا بالعمل ما استطعنا إلى ذلك سبيلا لا بالقول فقط لأن الإسلام دين عمل وتطبيق فالمسلم معناه هو الإنسان المستسلم المنقاد لأوامر ربه وخالقه المنفذ لأحكامه. والقصد الحسن والنية الصادقة والعمل الصالح محاولة تطبيق الشريعة هذه المعاني هي محل نظر الرب من عبده إذ يقول رسول الهدى ﵊: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". أيها الإخوة إن لديكم الفرصة لتعملوا لدينكم وإسلامكم لأن قانون بلدكم يسمح لكم أن تخدموا دينكم بكل حرية فعليكم أن تدركوا أن هذه الحرية نعمة من نعم الله عليكم, فعليكم أن تستغلوها بالعمل الجاد لنشر تعاليم إسلامكم. والله معكم إن صدقتم في أعمالكم لأنه تعالى مع العاملين الصادقين يوفقهم ويهديهم. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: ٦٩) .. وصلى الله وسلم وبارك على رسول الهدى محمد وآله وصحبه.. محمد أمان بن علي الجامي عميد كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية ـ بالمدينة المنورة -------------------------------------------------------------------------------- [١] ألقيت هذه المحاضرة في مدينة (كوسومو) في كينيا في (الندوة الدينية) التي أقامها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في كينيا. [٢] في القوانين الفرنسية في الأسرة لا يسمح للمرأة أن تتصرف في مالها الخاص إلا بإذن زوجها وتنتسب إلى زوجها لا إلى أبيها. [٣] البخاري ومسلم وأهل السنن.

стр. 7259

[٤] مستعملة ما يسمى بالمناكير في أظفارها. [٥] رواه مسلم. [٦] رواه النسائي.

стр. 7260

غزوة بدر معالم في طريق النصر لفضيلة الشيخ محمد السيد الوكيل تمهيد: لقد أحدث الإسلام أخطر انقلاب في تاريخ البشرية الطويل، فمنذ انقطاع الوحي برفع عيسى ﵇ والبشرية تتعثر في خطواتها، وتنحدر بسرعة هائلة إلى حضيض مخيف، وهوة ساحقة. ووقف المنصفون وذوو البصائر من هذا التردي وقفة الحذر المترقب، وقفوا يرقبون البشرية وهي تحفر قبرها بيدها، وصاح بعضهم صيحات الإنذار على هؤلاء الغافلين ينتبهون إلى المصير المشئوم الذي ينتظرهم، ولكن هيهات. ولف الدنيا ظلام حالك، وخيم عليها سكون رهيب، وضاعت كل صيحات الإنذار بين ضجيج الشهوات المسيطرة، وعربدة الفساد المتسلط، فلا تكاد تجد داعياً ولا تكاد ترى مصغياً. والمنصفون من القوم يمسكون رؤوسهم بأيديهم، ويعصرون قلوبهم بسواعدهم خوفاً من وقوع الكارثة كنتيجة لها التردي. وبينما هم يرقبون الكارثة بزغ نور بدد الظلام، وفرق السكون، وأهدى إلى الدنيا أعظم منحة في عمرها المديد، وتبددت علامات التشاؤم أمام هذا النور الغامر، وحلت محلها بشارات الأمل المنشود. وانساب نور النبوة يسري في جزيرة العرب كالماء يتسلل إلى عروق تلك الشجرة اليابسة فيعيد إليها نضرتها وبهجتها، ويدعو القائظين إلى تفيؤ ظلها الظليل. وأعلنت الرسالة الجديدة ثورة عارمة على الوثنية ومعتنقيها، وحررت رقاب الناس من الخضوع لأصنام صنعوها بأيديهم، ليذعنوا بها بالعبودية، ويحيطوها بالتقديس والإجلال ووصلت أصداء تلك الثورة إلى كل قلب, ودخلت كل بيت, وعاشت في كل نفس، وبدأ الناس يفكرون في آلهتهم ويترقبون ماذا سيكون مصيرها؟

стр. 7261

وأسوا بنفوذ الدين الجديد يسيطر على أهل الجزيرة طائعين أو مكرهين، وماجت أندية القوم بآراء الناس في الرسالة والرسول، وارتفعت الأصوات في صخب وضجيج معارضة أو مؤيدة ومبشرة أو متوعدة، وعاد الناس إلى بيوتهم وقلوبهم واجمة مضطربة، وعيونهم شاخصة جاحظة، تدور رؤوسهم كالرحا، وهم لا يدرون ماذا تخبئ لهم الأيام المقبلة؟ بين يدي المعركة: أيقن الشرك الحاقد أن الأمر قد أفلت من يده بنجاح خطة الهجرة إلى طيبة، وظل يجتر عداوته، ويبدئ ويعيد في خصومته، ونعم المؤمنون بالأمن والاطمئنان في وطنهم الجديد، وأخذوا يرسلون قواعد الدولة الفتية، ويخططون لإقامة المجتمع على هدى كتاب الله الذي كان يمدهم بكل ما يحتاجون إليه. ظن السفهاء من المشركين أن الآلهة قد أراحتهم من محمد ودينه، وأنهم سيفرغون لعبادتهم من غير أن يكون هناك معكر لصفوها، وأيقن أولوا الرأي منهم أن نجاح الهجرة واستقرار الرسول ﷺ وأصحابه في المدينة إنما هو بداية نهايتهم مهما طال بهم الأمد. وأشار هؤلاء على قومهم بمهادنة محمد إذا لم يريدوا الدخول في دينه ﷺ ، ولقد لقوا من جراء صراحتهم عنتاً ومشقة وظلت الأوضاع هكذا جامدة لا تغادر أبواب مكة. ولكن الرسول قد استعد للأمر، واتخذ وسائل لحماية الدولة الجديدة، فأخذ يعمل على تأمين حدودها فأرسل السرايا وبعث البعوث ليثبت قوة المسلمين، وقدرة الدولة الناشئة على حماية نفسها من أي عدو يبغيها الدوائر. وخرجت سرية من المدينة تترصد عيراً لقريش قادمة من الطائف، وكانت القيادة فيها لعبد الله بن جحش واستولى المسلمون على القافلة وكانت محملة زبيباً وأدماً، وقتلوا عمرو ابن الحضرمي وأسروا رجلين من رجالها [١] . ولم تتحرك قريش لهذا العدوان، وكأن الأمر لا يعنيها في قليل أو كثير حتى كانت قافلة أبي سفيان بن حرب القادمة من الشام والتي تمخضت عن غزوة بدر.

стр. 7262

لقد أثارت سرية عبد الله بن جحش الرعب في قلوب المكيين، وكانت سبباً في أمرين هامين: الأول: اتخاذ اللازم لحماية القوافل. والثاني: تشويه سمعة المسلمين. ولقد اضطر أهل مكة على أثر ذلك إلى أن يشددوا الحراسة على قوافلهم سواء كان ذلك داخل الجزيرة أو في خارجها، حتى بلغ عدد رجال قافلة أبي سفيان المتوجهة إلى الشام أربعين رجلاً. [٢] كذلك استغل أهل مكة قتل ابن الحضرمي على أيدي المسلمين في الأشهر الحرم حيث قتل في شهر رجب، وأخذوا يشوهون على المسلمين، وأكثروا من ترديد ذكر الحادث محاولين بذلك إثارة سكان الجزيرة ضد المسلمين لاعتدائهم على حرمة الشهر الحرام حيث كانوا يعظمون تلك الأشهر، ويرون الاعتداء فيها خطيئة لا تغتفر. وقد نجحت دعايتهم إلى حد ما، وأثارت جدلاً عنيفاً حتى بين المسلمين أنفسهم، وقد أنكر الرسول ﷺ فعلتهم، وقال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، وعنفهم إخوانهم المسلمون على صنيعهم. [٣] وقد سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا ولم يحسم الأمر إلا نزول الآية الكريمة: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [٤] . وضعت الآية الكريمة الأمور في نصابها وأوضحت الأمر بالنسبة لموقف المسلمين، ومن ناحية أخرى أثارت دعاية المشركين المغرضين نفوس المسلمين، ودفعتهم إلى تحديد موقفهم من تجارة قريش التي تعبر حدود الدولة الإسلامية في طريقها إلى الشام، وعزموا على مصادرة كل قافلة تمر بهم، وكانت أولى القوافل قافلة أبي سفيان. فرصة يجب ألا تفلت:

стр. 7263

علم المسلمون بعودة قافلة أبي سفيان من الشام، واستنفر الرسول ﷺ أصحابه للاستيلاء عليها، وأسرعوا في الخروج حتى لا تفلت القافلة، فخرجوا وليس عليهم كبير سلاح، وكان عدوهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً. وعلم أبو سفيان بخروج المسلمين لمطاردة القافلة في محاولة للاستيلاء عليها فاستأجر رجلاً وبعثه إلى أهل مكة يستنجدهم لحماية القافلة، ووصل رسول أبي سفيان إلى مكة، وصرخ فيهم منذراً بتعرض تجارتهم للوقوع في أيدي المسلمين، وأخذ أهل مكة يستعدون للخروج. وكان أبو سفيان رجلاً خبيراً بمسالك الطريق، فطالما خرج بالقوافل في تجارة القوم وطالما سلك هذا الطريق حتى أصبح لا يخفى عليه شيء من شعابها ودورها، أفينتظر حتى تأتيه نجدة قريش؟ وقد يسرع إليه المسلمون فتقع القافلة تحت أيديهم، أم يتصرف بطريقته الخاصة محاولاً إنقاذ التجارة والنجاة بها، وقدر أبو سفيان أن نجدة قريش قد تتأخر فانحاز على بدر ومال ذات اليمين وسلك طريق الساحل. ونجا بقافلته. وجاءت الأخبار إلى رسول الله ﷺ بنجاة القافلة، واتجاهها إلى مكة. أفلتت الفرصة وبقيت المواجهة: أصبح الموقف حرجاً بالنسبة للجيش الإسلامي، وبالتالي أصبح موقف الرسول ﷺ دقيقاً للغاية، فهو لم يخرج لقتال، ولم يخبر أصحابه بذلك حتى يأخذوا أهبتهم لملاقاة عدوهم، وماذا يفعل وقد خرجت قريش للحرب، ورمتهم مكة بأفلاذ كبدها؟ إن الجيش الإسلامي لا يستطيع العودة إلى المدينة دون مواجهة، لأن ذلك يعود على الدولة الناشئة بأضرار بليغة، وعواقب وخيمة، إذ لا يشك إنسان حينئذ في طمع قريش، وقد يترتب على ذلك مهاجمة المدينة، وانتهاك حرمة الدولة باقتحام حدودها ثم ماذا سيكون موقف اليهود داخل المدينة، وهم يتربصون بها وينتظرون لحظة ضعف للانقضاض عليها؟

стр. 7264

وهناك مشكلة أعظم من ذلك كله، لقد كان أكثر المسلمين من الأنصار حيث كان عددهم واحداً وثلاثين ومائتي رجل، في حين كان المهاجرون ثلاثة وثمانين رجلاً [٥] ، ولم يكن الأنصار ملزمين بحماية الرسول ﷺ والدفاع عنه إلا في داخل المدينة حسب نصوص بيعة العقبة، فما موقف الأنصار من هذه المعركة التي فوجئوا بها، وقد فرضت عليهم نفسها؟ إن الموقف دقيق للغاية، ويحتاج إلى حل حاسم وسريع، فليس هناك مجال للتردد وليس في ميدان المعركة مكان للمترددين. استعرض الرسول ﷺ كل هذه المشكلات، وأدار فكره فيها، وقرر فيها رأيا، ولكنه لم يفرض على أصحابه، لأن في المسلمين من ليسوا ملزمين بالقتال في هذا الموقف، ولأن الأمر شورى بين المسلمين فيما لم يرد فيه نص، لهذا صارح الرسول أصحابه بحقيقة الموقف، وأخبرهم بخروج قريش لتحمي تجارتها، وتدخل معهم في معركة إذا اقتضى الأمر ثم قال: "أشيروا علي أيها الناس" [٦] . وهنا قام زعماء المهاجرين - أبو بكر وعمر والمقداد بن الأسود - فأحسنوا الكلام وردوا الأمر إلى رسول الله ليفعل ما أمره به الله، وقال المقداد: "لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: ٢٤) , ولكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك" [٧] .

стр. 7265

وظل الرسول يطلب مشورة القوم، حتى فطن سعد بن معاذ ﵁ لما يعنيه الرسول من أخذ رأي الأنصار، فقال: "لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً عليها ألا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت, واقطع حبل من شئت, وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا منها ما شئت، وما أخذت منها كان أحب إلينا مما تركت, وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك, فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك" [٨] . وعندئذ استوثق الرسول ممن معه، واطمأنّ إلى أنه لن يتخلف منهم أحد عن خوض المعركة فسرّ بما سمع وأشرق وجهه وقال: "سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيت مصارع القوم" [٩] . وبهذا تكون الجبهة الإسلامية قد توحدت تماماً، ولم يعد هناك خوف من شذوذ أحد ممن خرج من المسلمين، ولم يعد النبي ﷺ في حاجة إلى التفكير في موقف الأنصار تجاه سياسته الخارجية. ولو تركنا الجبهة الإسلامية قليلاً في وضعها القوي المتماسك لننظر في وضع الجبهة الأخرى وحالتها المعنوية لوقفنا على ما يلي: لم يكن أهل مكة متفقين على الخروج للمعركة، وهم رغم اتفاقهم في عداوة المسلمين إلا أنهم كانوا مختلفين في خوض المعركة، فقد تخلف عنهم بنو عدي بن كعب، ورجع بنو زهرة من الجحفة نزولاً على رأي الأخنس بن شريق، فلم يشهد بدراً من هاتين القبيلتين أحد [١٠] . ولم يكن موقف زعمائهم خيراً من موقفهم، فإننا نرى أمية بن خلف وعتبة بن ربيعة، وحكيم بن حزام لم يخف أحد منهم للخروج لأنهم كانوا غير مؤمنين بسلامة موقفهم، وحتى أبو لهب مع شدة عدواته لم يشهد المعركة وأخرج رجلاً آخر مكانه.

стр. 7266

ولقد لعبت العصبية القبلية دوراً خطيراً في الخلاف الحاصل بين المكيين، كما كان لنجاة القافلة ووصولها إلى مكة سالمة أعظم الأمر في تثبيط همم الخارجين للقتال، حيث وجدوا أنفسهم أمام معركة لا مبرر لها، ولعلهم أيضاً لا يضمنون نتائجها، حتى أحسوا بأنهم إنما خرجوا يقاتلون عن قضية وهمية لا وجود لها، وهذا هو ما عبر عنه الأخنس بن شريق حين قال: "يا بني زهرة، قد نجّى الله لكم أموالكم، وخلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا لي جانبها، وارجعوا, فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في ضيعة" [١١] . وكما كان ذلك رأي الأخنس فإنه رأى عتبة بن ربيعة حين قام خطيباً - وقد وصلوا بدر - فقال: "يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين الرجل وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون" [١٢] . ولم يرض أبو جهل بهذا الرأي، وأتاهم عتبة بالجبن والخوف على ولده الذي كان بين صفوف المسلمين وثار النزاع وتكلم بعضهم على بعض، وحدث الخلاف واستحكمت الفرقة. وهكذا كانت الجبهة المكية خلاف في الرأي بين القواد، وخصومة ونزاع بين الجنود، وعدم وضوح للغاية والهدف عند الجميع. والتقى الجمعان: وفي يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة كانت المعركة الفاصلة حيث التقى الجمعان على الحال التي كانت عليها كل منهما، ولكن هل كان هناك تكافؤ في الفرص والعدد والعتاد؟ وذلك ما سأوضحه فيما يأتي: أستطيع أن أؤكد أنه لم يكن هناك تكافؤ قط في شيء مما ذكر، بل كان هناك تفاوت وفرق هائل في كل شيء.

стр. 7267

فمن حيث الفرصة فإن المسلمين فوجئوا بالحرب، ولم يكونوا على استعداد لها، وقد يعدوا من مصادر تموينهم فليست هناك فرصة للتسلح والاستعداد للمعركة، في حين أن المشركين خرجوا متهيئين للقتال متسلحين بكل ما يحتاج إليه المحارب، حتى كانوا يقولون: "أيظن محمد أن نكون كعير ابن الحضرمي؟ " [١٣] . ومن حيث العدد فإن جيش المسلمين كان أربعة عشر وثلاثمائة مقاتل، في حين كان جيش المشركين يتراوح عدده بين التسعمائة والألف. وأما المعتاد فلم يكن لدى المسلمين سوى سبعين بعيراً يتعاقبونها، وفرسين فقد، ومن السلاح ما يحمله الرجل الذي لم تخطر بباله الحرب، ولذا كانت وصية الرسول ﷺ لهم ألا يحملوا على العدو حتى يأمرهم, وقال: "إن اكتنفوكم فانضحوهم عنكم بالنبل"، [١٤] كأنه يريد بذلك ألا يسرف المسلمون في استعمال السلاح، وليس معهم ما يكفي ذلك. وأما المشركون فكان معهم سبعمائة بعير، ومائة فرس, هذا عدا ما كانوا يذبحون منه يوماً عشراً ويوماً تسعاً، وكان معهم عدة الحرب كاملة حيث كانوا قد استعدوا لها، [١٥] ولقد وصفهم القرآن الكريم فقال: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [١٦] لأنهم كانوا فخورين بعددهم مختالين بقوتهم. مهارة القيادة الإسلامية ومرونتها: أثبتت القيادة الإسلامية مهارة فائقة في رفع الروح المعنوية للمقاتلين حيث وعدتهم بالنصر، وبشرتهم بالجنة، وأخبرتهم بشهود الملائكة المعركة ليؤازروهم ويهزموا أعداءهم، فكان ﷺ يقول لهم: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة" [١٧] .

стр. 7268

كما أثبتت مرونة لم تعهد من قبل، وذلك بمشاورة الجنود، والنزول عند مشورتهم عندما تتبين صحة المشورة، كما حدث في مشورة الحباب بن المنذر حين أشار بتغيير مكان الجيش، فنزل الجيش بذلك أفضل موقع بالنسبة للمعركة، وحرم جيش العدو من السيطرة على ذلك المكان، كما حرم من استعمال الماء اللازم ضرورة للجيش [١٨] . نتيجة المعركة: إن نظرة سريعة إلى المقارنة التي أوردتها آنفاً بين الجيشين تدل على أن نتيجة المعركة لا بد أن تكون في صالح المشركين لأنهم كانوا أكثر عدداً وأعظم عدداً، وأحسن حالاً من المسلمين، ولكن هل كانت النتيجة كذلك؟؟!! لا، إن النتيجة كانت في صالح القلة الضعيفة، ذات الأسلحة الهزيلة، والظروف السيئة - أي في جانب المسلمين - ولم يكن أحد يتوقع ذلك، لأن حساب المعارك دائماً يكون بالتفوق المادي أما الغيبيات أما قدرة الله، أما نصر الله لعباده المؤمنين، فذلك لا يدخل قط في حساب الماديين ولهذا كانت النتيجة مدهشة لكل من علم بها، إذ كيف تنتصر القلة على الكثرة؟ وكيف يهزم الضعيف القوي؟ بل كيف تتغلب فئة لم تخرج لقتال، وليس معها من السلاح إلا القليل على الكثرة المغرورة التي أعدت من السلاح وأسباب القوة ما يحقق النصر غالباً؟؟ ذلك هو ما حصل في ميدان المعركة، فلم تكد القوتان تلتقيان حتى ولى المشركون الأدبار ومنحوا المسلمين أكتافهم يقتلون ويأسرون، فكان اللقاء كما قال سلمة بن سلامة ﵁: "فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعاً كالبدن المعلقة، فنحرناها" [١٩] . ولم يكن هؤلاء العجائز الصلع إلا سادات مكة، وأشرفها، لذا تبسم ﷺ حين سمع مقالة سلمة وقال: "أي ابن أخي، أولئك المل " أ [٢٠] .

стр. 7269

انهزمت القوة التائهة المختالة، وخلفت وراءها في أرض المعركة سبعين قتيلاً فيهم سادات قريش: أمية بن خلف، عمرو بن هشام - أبو جهل -, عتبة بن ربيعة, الوليد بن عتبة, شيبة بن ربيعة, نبيه ومنبه ابنا الحجاج, وغيرهم من القادة والزعماء، كما تركوا في أيدي المسلمين سبعين أسيراً منهم سهيل بن عمرو والعباس بن عبد المطلب وغيرهما، واستولى المسلمون على كثير من الغنائم، ولم يستشهد من المسلمين سوى أربعة عشر رجلاً [٢١] . وكان لهذه النتيجة أبعاد أعمق من إحراز النصر نلخصها فيما يأتي: أ – رفع معنويات جيش المسلمين، وإحساسه بمعونة الله له. ب – تشجيع المسلمين على خوض معارك مع أعدائهم لم يجرؤوا على خوضها لولا انتصارهم في بدر. ج ـ شعور الجيش الإسلامي بأنه قوة رادعة جعله يمضي قدماً في تأسيس الدولة بعزم. د – ردع الأعداء حتى شل تفكيرهم عن الدخول في معارك جديدة مع المسلمين لمدة تزيد عن السنة مما أعطى المسلمين فرصة لتنظيم أنفسهم والاستعداد للقاء عدوهم. هـ-كل انتصارات المسلمين بعد تلك الغزوة كانت امتداداً طبيعياً للنصر فيها حيث كان المسلمون يقاتلون وهم يعتقدون أنهم في معية الله وكان المشركون يعتقدون أنهم يقاتلون عدواً غير عادي ليس من السهل التغلب عليه. دروس من المعركة: وإذا كانت نهاية المعركة جاءت على هذا النحو الغريب، ولم تكن بالشيء الذي يمر به الإنسان دون أن يقف حياله مبهوراً حائراً، كان لازماً على الباحث أن يستخلص منها بعض الدروس التي يمكن أن تكون عوامل هامة في توجيه المعركة ونتائجها، كما يمكن أن يستفيد بها المسلمون في مواجهة أي عدو يلقونه، ومن هذه الدروس ما يلي:

стр. 7270

١ – التنظيم الدقيق الذي امتاز به الجيش الإسلامي، فقد صفهم الرسول صفوفاً على غير عادة العرب, وأصدر تعليمات مشددة بعدم الهجوم أو بدء المعركة حتى تصدر أوامر القيادة بتنظيم المبارزة واختيار المبارزين وغير ذلك. ٢ – رفع معنويات الجنود بتبشيرهم بالجنة، وذكر ما أعد الله فيها للشهداء مما جعل الجنود يستبسلون ولا يهفون كما في قصة عمر بن الحمام حين ألقى التمرات التي كان يأكلها وقال: "بخ بخ أفما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟!! " [٢٢] . ٣ – دخول المعركة برغبة من الجنود جعل كل جندي يشعر بأن المعركة معركته وأنه مسئول عن نتيجتها مما جعلهم يضحون بكل غال ونفيس. ٤ – الاعتداد بأخوة الإسلام قبل أخوة النسب والرحم واعتبارها هي الأخوة الحقيقية كما حدث من مصعب بن عمير مع أخيه أبي عزيز حين رآه أسيراً فقال لمن أسره: "شد يديك به فإن أمه ذات مال لعلها تفديه منك" [٢٣] . ٥ – الشورى وعدم الاستبداد بالرأي فقد كان ذلك المبدأ هو القاعدة السائدة في المعركة من بدايتها إلى نهايتها فقد استشار الرسول المسلمين في دخول المعركة, ونزل على مشورة الحباب في تغيير مكان الجيش، وأخذ رأيهم في الأسرى. ٦ – الاهتمام بتثقيف المسلمين وتعليمهم، حيث جعل الرسول فداء الأسرى الذين يقرأون أن يعلم كل واحد منهم عشرة من صبيان المسلمين الكتابة والقراءة [٢٤] . آثار المعركة: تركت معركة بدر آثاراً عميقة في كل من مكة والمدينة، أما في المدينة فقد استقرت على أثرها أوضاع الدولة الإسلامية، فأصبحت مرهوبة الجانب، يخشاها العدو، ويرهبها المحايد، وأصبح مركز المدينة مرموقا كعاصمة لدولة أخذت وضعها اللائق بها واعتز المسلمون بهذا النصر فواجهوا أعداءهم في قوة وحزم. كما كان لها في نفوس الأعداء المتربصين بها من الداخل - اليهود والمنافقين - أثران متلازمان هما: الفزع والكيد.

стр. 7271

لقد أحس الأعداء بأن الدين الجديد أصبحت له دولة تحميه، وأن الرجل الذي هرب من بلده ولجأ إلى بلدهم صار ذا نفوذ وسلطان، فانزعجت نفوسهم، وانخلعت قلوبهم, وبدأوا يفكرون كيف يتخلصون من هذا المأزق الذي أحاط بهم؟ عندئذ أخذوا يتآمرون ويدبرون المكايد للقضاء على تلك الدولة، فاتصلوا بالمشركين في مكة يحرضونهم على قتال المسلمين ويعدونهم بالوقوف معهم، كما اتصلوا باليهود في البلاد الأخرى مستعينين بهم في تنفيذ خططهم لاغتيال محمد ﷺ . أما المسلمون فكانوا بعد الانتصار الذي أحرزوه أقوى معنوية, وأحسن حالاً مما كانوا عليه من قبل، فقابلوا التآمر بتآمر أكثر إحكاماً, وواجهوا الكيد بكيد أشد إيلاما، فقتلوا كعب بن الأشرف زعيم المتآمرين، وأجلوا بني قينقاع عن المدينة، وهكذا أثبت المسلمون قدرتهم على أعدائهم، وأحبطوا المؤامرات التي تدبر لهم، وأبعدوا عن المدينة الخطر الذي طالما تهددهم، وأصبحوا أكثر استعداداً لصد الهجمات المتوقعة من جانب أهل مكة. وأما في مكة فكان أثر المعركة عنيفاً على نفوس الناس، حيث لم يكن أحد يتوقع هذه النتيجة المؤسفة، ولكن هذا الأثر اتجه اتجاهاً واحداً، وبرز في تفكيرهم شبحاً للثأر الذي لا يمكن تركه مهما كلفهم من جهد أو مال، فاتفقوا على أن يجعلوا القافلة التي نجا بها أبو سفيان، والتي كانت سبباً في معركة بدر وقفاً على تمويل جيش يحاربون به المسلمين لعلهم يدركون به ثأرهم، وكانت القافلة تضم ألف بعير ومن الأموال خمسين ألف دينار [٢٥] وضعت جميعها في خدمة الجيش الذي عقدوا عليه آمالهم. محمد السيد الوكيل مدرس التاريخ الإسلامي في كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية -------------------------------------------------------------------------------- [١] ابن هشام ٢/١٨٠. [٢] زاد المعاد ٢/٢١٧.

стр. 7272

[٣] ابن هشام ٢/١٨٠. [٤] البقرة: ٢١٧. [٥] ابن هشام ٢/٢٥٠. [٦] ابن هشام ٢/١٨٨. [٧] زاد المعاد ٢/٢١٨. [٨] نفسه [٩] نفسه ٢١٩. [١٠] ابن هشام ٢/١٩١. [١١] ابن هشام ٢/١٩١. [١٢] نفسه ١٨٣. [١٣] مختصر السيرة ص٢٠٣. [١٤] ابن هشام ٢/١٩٥. [١٥] مختصر السيرة ص٢٣٠، ابن هشام ٢/١٨٩. [١٦] الأنفال ٤٧. [١٧] ابن هشام ٢/١٩٦. [١٨] زاد المعاد: ٢/٢١٩. [١٩] ابن هشام ٢/٢٠٨. [٢٠] نفسه. [٢١] ابن هشام ٢/٢٥١-٢٥٩. [٢٢] ابن هشام: ٢/١٩٦. [٢٣] نفسه ٢٠٩. [٢٤] روض الأنف ٥/٢٤٥ تحقيق عبد الرحمن الوكيل. [٢٥] المواهب المدنية ١/٩٢.

стр. 7273

فتح الفتوح لفضيلة الدكتور عباس محجوب ارتبط شهر رمضان المبارك في حياة الرسول ﷺ والمسلمين بأحداث عظيمة على قمتها موقعة بدر الكبرى التي كانت نقطة انطلاق عظيمة في انتصارات المسلمين على مر التاريخ وتوالت بعدها انتصارات المسلمين المرتبطة بهذا الشهر الكريم فتح مكة والعودة من تبوك وإسلام ثقيف بعد عودته من تبوك في السنة التاسعة. ولم تكن انتصارات المسلمين في هذا الشهر المبارك في حياة الرسول ﷺ فحسب بل تتابعت هذه الانتصارات فكان فتح الأندلس في رمضان عام ٩٨هـ. وانتصارات صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين كما كان انتصارهم الأكبر على التتار في رمضان سنة ٦٥٨هـ في معركة عين جالوت وما أكثر انتصارات المسلمين في شهر رمضان لو تتبعنا تاريخهم ولكننا نأخذ واحدة من هذه المعارك التي لا زالت محل عناية المسلمين ودراستهم وتدبرهم لما سبقها من أحداث وما ترتب عليها من نتائج وتلك المعركة هي فتح الفتوح ـ فتح مكة في شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة. ولا يشك أحد في أنّ انتصارات المسلمين في معاركهم السابقة لفتح مكة في بدر وأحد وغيرهما من الغزوات والسرايا وانتصارهم الدبلوماسي الأكبر في صلح الحديبية - تلك الانتصارات لم تكن إلا تمهيداً للنصر الكبير تدبيراً إلهياً قاد المسلمين إلى هذا النصر الذي لم يخطر في مخيلة الكثيرين بالسرعة الزمنية التي تمت فيها، فمَنْ من المهاجرين كان يحلم بالعودة إلى مكة فاتحاً منتصراً بعد سنوات قلائل؟ إن مثل هذه الانتصارات تحتاج إلى فترة زمنية طويلة وإعداد وتخطيط مستمر ولكنه في تقدير الله أمر لا يحتاج لغير التسليم بأن تقديره فوق حساب البشر وتقديرهم. سبب التسمية:

стр. 7274

سمي فتح مكة، بفتح الفتوح "لأن العرب كانت تنتظر بإسلامها إسلام قريش ويقولون هم أهل الحرم وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فإن غلبوا فلا طاقة لأحد به ﷺ فلما فتح الله مكة دخلوا في دين الله أفواجا قبائل من جملتها بعد أن كانوا يدخلون أفرادا ولم يقم للشرك قائمة بعده" [١] . سبب الغزوة: تذكر كتب السيرة والتاريخ أن العداوة كانت مستمرة بين قبيلتي خزاعة وبني بكر كأغلب العلاقات القبلية في الجاهلية وبدايات الإسلام الأولى، وعندما عقد الصلح بين المسلمين وقريش في الحديبية دخلت خزاعة في عهد الرسول ﷺ بينما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ولصلة خزاعة بالرسول ﷺ جذور تاريخية إذ أن خزاعة كانت في عهد مع عبد المطلب جدّ الرسول ﷺ مما جعلها تأتي بعد صلح الحديبية إلى الرسول ﷺ وهي تحمل نص العهد الذي كان بينهما وبين عبد المطلب ( [٢] ) وقد أراد الله لذلك الصلح أن يبلغ أجله فنشب النزاع بين خزاعة وبكر وأعانت قريش بني بكر على خزاعة بالسلاح والرجال خفية فقاتلوا معهم وأصابوا منهم فانتقض بذلك العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، وجاءت رسل خزاعة إلى الرسول ﷺ وعلى رأسها عمرو بن سالم الخزاعي الكعبي الذي وقف على الرسول ﷺ وهو بالمسجد وأنشده: يا رب إني ناشدا محمداً حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدً وكنا والداً ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا أعتدا وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا إن سيم خسفاً وجهه تربّدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعوا أحد وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعاً وسجدا [٣]

стр. 7275

فأجابه الرسول ﷺ : "نصرت يا عمرو بن سالم", ثم عرضت سحابة في السماء فقال ﵊: "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب"، [٤] وأخبر ﵊ بوحي من الله بما يدور في خاطر قريش وما يتوقع منهم فقال: "لكأنكم بأبي سفيان قد جاء يقول: جدد العهد وزد في الهدنة" [٥] . وكيف لا يعرف الرسول ﷺ نفسية قريش وما يشغل بالها آنذاك وقد أعطاه الله عقلاً نيراً وفكراً ثاقباً وبصيرة لا تخطئ لأنه يسنده الوحي دائماً، فهذه قريش منزعجة من الحادث, مترقبة لرد الفعل, خائفة من العاقبة, وأكثرهم انزعاجاً قائدهم أبو سفيان الذي أخبر قريشاً عن رؤية رأتها زوجته هند كرهها وخاف منها, إذ رأت دماً أقبل من الحجون يسيل حتى وقف عند جبل بمكة مما جعل أبا سفيان يستنكر اشتراك قريش في القتال ونقضها للعهد ويقول: "والله ليغزونا محمد إن صدقني ظني وهو صادقني، ومالى بد أن آتي محمدا فأكلمه أن يزيد في الهدنة ويجدد العهد قبل أن يبلغه هذا الأمر". فقالت قريش: "قد والله أصبت الرأي" [٦] . وهكذا جرت الأحداث بمشيئة الله تعالى الذي هيأ للمسلمين أمراً لم يفكروا فيه وظفراً لم يحلموا به, وقد علل الرسول ﵊ لتلك المشيئة بقوله لعائشة أم المؤمنين ﵂ وهي تستبعد من قريش أن تنقض العهد وما لها مقدرة على حرب رسول الله ﷺ : "ينقضون العهد لأمر يريده الله تعالى بهم"، وتسأل عائشة: "خير أو شر يا رسول الله؟ قال: "خير". [٧] وكيف لا يكون خيراً وهو سيحمل رسالة الإسلام إلى أهل مكة ومن حولها, يستظلون بظلها, وينعمون بفيئها, ويسعدون في الدنيا والآخرة بنشرها وحمايتها.

стр. 7276

وما لبث أن جاء أبو سفيان كما أخبره المصطفى ﷺ يطلب شد العهد وزيادة المدة فيجيبه الرسول ﷺ بأنه على العهد والمدة, لا يغير ولا يبدل, غير أن الأمر لم يفت على ذكاء أبي سفيان وحنكته وتجاربه وخبرته فلم يطمئن قلبه ولم تهدأ نفسه فبحث عن وسيلة أخرى ينقذ بها قومه, فطلب من يتشفع به إلى رسول الله فبدأ بأبي بكر الصديق ﵁ فاعتذر له برفق, وذهب إلى عمر بن الخطاب ﵁ فأغلظ له القول ورده بعنف، واتجه إلى علي ﵁ ومعه فاطمة ﵂ وابنهما الحسن ﵁ يلعب بين يديهما، فاعتذر له علي, وبلغ اليأس بأبي سفيان والحيرة في الأمر أن يطلب من فاطمة شفاعة الحسن لجده فتعتذر بصغر ابنها عن الأمر ثم ينصحه على نصيحة قبلها وعمل بها وليس له غيرها، فأعلن أبو سفيان في المسجد بين الناس أنه أجاره, ولكن هل يغني ذلك عنه شيئاً؟ ورجع أبو سفيان إلى قومه مهيض الجناح كسير القلب مشتت الفكر ليجد من قومه غلظة واستنكارا لإخفاقه وفشله في زيادة المدة وتمكين العهد. استعداد المسلمين للحرب:

стр. 7277

عزم رسول الله ﷺ على قتال قريش والظروف كلها لذلك والنصر مضمون بإذن الله لا سبيل لقريش في جمع العرب على رسول الله ﷺ وقد بادرت بنقض العهد وتخطي المواثيق, فطلب الرسول الله ﷺ من عائشة أن تجهز له وتكتم أمره وقال ما معناه: "اللهم خذ على قريش الأخبار والعيون حتى نأتيهم بغتة"، وحفظت عائشة كعهدها سر الرسول ﷺ حتى عن أبيها الصديق الذي ذهب إلى رسول الله وسأله فأعلمه طالباً منه كتمان الأمر، وأخذ المسلمون يفكرون إلى أي يود الرسول أن يتوجه, وزيادة في الحذر والسرية يبعث الرسول ﷺ سرية بقيادة أبي قتادة بن ربعي إلى بطن اضم في الطريق بين مكة واليمامة ( [٨] ) فيحتار الناس في اتجاه الرسول ومقصده, ثم أرسل الرسول رسله إلى أهل البادية يطلب منهم أن يحضروا رمضان بالمدينة، وانتشرت رسله تحمل الدعوة إلى قبائل أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع وبني سليم وضمرة وبني كعب، وفي أثناء ذلك كله حدث ما أشار إلى مقصد رسول الله, فمثلاً في قصة حاطب بن أبي بلتعة تلك القصة التي تمخضت عنها تشريعات وتعاليم وإبراز لمكانة أهل بدر فما هي تلك القصة؟ رسالة حاطب:

стр. 7278

قصة حاطب بن أبي بلتعة هي قصة النفس الإنسانية عندما تركن إلى بشريتها ويصيبها الوهن والضعف وهي خاضعة للتفكير في الأمر من زاوية ضيقة شخصية، فقد كتب إلى قريش يخبرهم بعزم الرسول على غزوهم، وكانت الرسالة موجهة إلى صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو - الذي وقع اتفاقية الهدنة مع الرسول وكتب بنودها نيابة عن قريش - وعكرمة بن أبي جهل، وجاء في رسالة حاطب "أن رسول الله قد أذن في الناس بالغزو ولا أراه يريد غيركم وقد أحببت أن تكون لي عندكم يد بكتابي إليكم". وسلم الكتاب لامرأة من مزينة جعلته في شعرها وقد ضفرت شعرها عليه, وقد جعل لها أجراً على ذلك, إلا أن الله أخبر نبيه بما فعل حاطب استجابة لدعوته بأن يخفى الله أمرهم على قريش، فأرسل الرسول ﷺ علياً والزبير وطلب منهما أن يدركا المرأة، فأدركاها وأنزلاها وفتشا رحلها فلم يجدا شيئاً فقال لها: "إنا نحلف بالله ما كذب رسول الله ولا كذبنا ولتخرجن هذا الكتاب أو لنكشفنك" ولما علمت المرأة بجدهما وعزمهما على فعل ما قالا، حلّت ضفائرها وأخرجت الكتاب فجاءا به إلى رسول الله، فاستجوب حاطباً على فعله فأكد حاطب إيمانه بالله ورسوله وأنه لم يتغير أو يتبدل، لكنه أراد أن تكون له دالة على قريش لوجود أهله وولده بينهم، وثار عمر ﵁ على حاطب وطلب من الرسول ﷺ أن يضرب عنقه لأنه منافق في نظره، ولكن رسول الله يجيب: "وما يدريك يا عمر؟ لعل الله اطلع يوم بدر على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وتذكر بعض الروايات بأن الله أنزل بعد هذه الحادثة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [٩] .

стр. 7279

وفي هذه القصة نرى الرسول ﷺ يرد للصحابي اعتباره أمام المسلمين وقد عظم الأمر عندهم، وذلك لتأكد الرسول ﷺ من صدق كلام حاطب، وتأكده من حسن إيمانه، وأن الأمر لا يعدو أن تكون حالة نفسية استسلم فيها الصحابي لحاجته. والرسالة نفسها في صيغتها تنبئ عن ذلك فقد قال لقريش: "إن رسول الله قد أذن في الناس"ولم يقل: إن محمداً كما يقول المنافقون. والقصة لا تخلو من دروس للمسلمين في أهمية كتمان السر وإحاطة تحركات المسلمين بالسرية والتزام الجندي المسلم بتنفيذ الأمر من تجرد الإيمان, ثم فيها إشعار بعظم مكانة أهل بدر وما أعد الله لهم من نعيم مقيم. خروجه ﷺ : عسكر الرسول ﷺ في بئر أبي عنية ووزع المهام وقسم الرايات على الجيش الذي وصل إلى عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار والقبائل الأخرى وخرج بهم يوم الأربعاء العاشر من رمضان وهم صائمون في لفحة الحر وبعد الطريق. وقد نادى فيهم مناد الرسول ﷺ يخيرهم بين الفطر والصوم، ولكن من الذي يهنأ بالفطر والرسول القائد ﷺ صائم يضرب أروع الأمثال في الجلد والصبر والتخطيط والتدبير, وأصحابه يرونه يصب الماء على رأسه ووجهه من شدة العطش, ومع ذلك يأخذ الرسول عندما يصل إلى الكدية إناء مملوءاً بالماء في وقت العصر ويشرب منه وهو على راحلته ليراه الجميع وهو يقول فيما يرويه أبو سعيد الخدري: "إنكم مصبحون عدوكم والفطر أقوى لكم" ومع ذلك يخبر أن قوماً تمادوا في الصيام فيقول: "أولئك العصاة". ومع ذلك لم يكن المسلمون على يقين من وجهة رسول الله ﷺ هل يقصد قريشاً أم هوزان أم ثقيفاً مما جعل كعب بن مالك يذهب إليه ويبرك على ركبتيه بين يدي المصطفى ﷺ وينشده: قضينا من نهامة كل ربب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا

стр. 7280

نسائلها ولو نطقت لقالت قواطعهن دوساً أو ثقيفا فلست لحاضر أن لم تروها بساحةِ داركم منها ألوفا فتنتزع الخيام ببطن وجّ وننزل دورهم منها خلوفا فما زاد الرسول ﷺ على أن يبتسم له, فقال له الناس: "والله ما بيّن لك رسول الله ﷺ شيئاً، ما ندري بمن يبدء، بقريش أو ثقيف أو هوزان " [١٠] . أما قريش فكانت وجلة خائفة مترقبة غير مطمئنة ودفعها الخوف ومحاولة معرفة الأخبار إلى أن يخرج أبي سفيان وآخرون علهم يعرفون شيئاً. وقد خاف العباس بن عبد المطلب على قريش الفجاءة قبل أن يأمنوا لأنفسهم، فخرج في بغلة الرسول ﵊ يبحث عن شخص يذهب إلى أهل مكة فيخبرهم وينذرهم، ولكنه سرعان ما سمع صوت أبي سفيان وهو يحاور صاحبه بديل بن ورقاء بعد أن رأى نيران جيش المسلمين التي اكتشفها أبو سفيان بذكائه وخبرته إذ كان صاحبه يظنها نيران قبيلة خزاعة جاءت للأخذ بثأرها فيجيبه أبو سفيان: "إن خزاعة أقل وأذل من أن تكون لها تلك النيران"، وإذا بأبي سفيان يفاجأ بعم رسول الله ﷺ يناديه يحاوره ويطلب منه الذهاب للقاء رسول الله ﷺ قبل أن يقتله. وهنا تأتي المقارنة بين موقف وموقف، وأخبار وأخبار, أبو سفيان يحذر قريشاً فيحمد ذلك منه، وحاطب يحذر قريشا فيستجوب عن ذلك؟ هل هناك تشابه بين الموقفين؟ كلا فالفارق بينهما كبير، فارق في الزمان حيث كانت الأولى في مرحلة الإعداد والثانية في نهاية الخطة، وفارق في المكان حيث كانت الأولى من المدينة والثانية على مشارف مكة، وفارق في السرية والعلنية حيث أذن الرسول ﷺ بالثاني إذ أعطى بغلته لعمه ولم يأذن في الأولى.

стр. 7281

أخذ العباس أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ ولم تكن الرؤيا واضحة بحيث يعرفه المسلمون وهو يشق صفوف الجيش، ولكن صوت عمر ﵁ يرتفع وقد ميز أبا سفيان في تلك الكلمة فيقول: "أبو سفيان عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد"ويحاول عمر أن يسبق العباس الذي يمتطي بغلة الرسول ليسارع بطلب الإذن لضرب عنق أبي سفيان، ويدخل العباس في نقاش حاد مع عمر ﵁ إلا أن عمر يهدئ الموقف بالكشف عن مدى تجرده وحبه للعباس إذ يقول: "فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب" [١١] . ولم يكن أبو سفيان أقل وضوحاً وصراحة ممن حوله، فعندما طلب منه الرسول ﷺ أن يؤمن لم يتردد ولكنه أخبر بأن في نفسه شيئاً من أن محمداً رسول الله مع اعترافه بحلم الرسول وكرمه وصلته للرحم، ثم عُرضت على أبي سفيان كتائب جيش المسلمين قبيلة بعد قبيلة أخرى ورجالاً وراء رجال، وأبو سفيان مندهش متعجب مقتنع بأن قريشاً لا قبل لها بمثل هؤلاء الرجال المجاهدين الصابرين, وإذا به يسرع إلى مكة لينقذ قومه من الهلاك مخبراً بتأمين الرسول ﷺ لمن دخل داره أو المسجد أو دار أبي سفيان. ودخلت جيوش الإسلام مكة تحمل رايات العزة وألوية الإسلام والجيش مقسم في نظام بديع أظهر عظمة الرسول ﷺ العسكرية وكبار قادة المسلمين على رأس تلك الجماعات علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد والزبير ﵃ وموكب الرسول ﷺ المهيب يتقدمه أبو عبيدة الجراح ﵁.

стр. 7282

إنه موكب رهيب وساعات حاسمة، المسلمون يدخلون من أسفل مكة وأعلاها ومن ذي طوى، والأوامر لدى القادة بإزالة العوائق ومحاربة من يقاتلون، ولم يقتل من المسلمين إلا رجلين شذا عن جيش خالد، أما المشركون فقد قتل منهم ثلاثة عشر رجلاً [١٢] . ودخل الرسول ﷺ شاكراً خاضعاً لله رحيماً شفوقاً بقريش أعطى الأمان للجميع إلا رجالاً ارتبطت أسماؤهم بقضايا معينة ومواقف تستدعي المساءلة والجزاء من أمثال عبد العزى بن خطل الذي ارتد وقتل من بعثه الرسول ﷺ معه لجمع الصدقات، ثم لحق بالمشركين، وقد وجد متعلقاً بأستار الكعبة فقتل جزاء ارتداده وقتله لصاحبه وخيانته الأمانة، وكذلك قتل الحويرث بن نقيذ بيد علي بن أبي طالب لكثرة ما كان يؤذي الرسول ﷺ بمكة، كما قتل مقيس بن صبابة بيد غميمة بن عبد الله لقتله رجلاً من الأنصار قتل أخاه عن طريق الخطأ, وهناك من أمّنهم الرسول ﷺ كإحدى جاريتي ابن خطل الهاجيتين لرسول الله ﷺ وسارة مولاة بني المطلب ورجلين احتميا بأم هاني بنت أبي طالب قيل إنهما الحارث بن هشام وزهير بن أمية وكذلك عبد الله بن سعد بن أبي السرح وعكرمة بن أبي جعل وكلهم أسلموا وحسن إسلامهم وفيهم من تولى أمر المسلمين [١٣] . وتسلم القائد المنتصر مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة فدخل الكعبة وصلى داخلها ومعه عثمان وبلال وأسامة بن زيد ثم كرّم الرسول ﷺ عثمان إذ ترك له حجابة البيت، وتوارثه أبناؤه وارتفع صوت بلال بنداء الحق، وحطمت الأصنام في مكة وحول الكعبة والرسول ﷺ يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا" [١٤] .

стр. 7283

وكانت للرسول ﷺ مواقف لا تنسى, ومن ينسى موقفه من أهل مكة وهم ينتظرون مصيرهم ويتوقعون الانتقام ممن آذوه وأخرجوه واتهموه بكل أمر فظيع؟ كالسحر والكهانة والجنون والرسول ﷺ يقرأ ما في عيونهم ويعلم ما في نفوسهم وحياً فيسألهم: "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ "قالوا: "خيرا أخ كريم وابن أخ كريم", قال: "فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ اذهبوا فأنتم الطلقاء" [١٥] . وقد قال الرسول ﷺ عن مكة ما معناه: "لا تغزى بعد هذا اليوم أبداً إلى يوم القيامة"، وقد علق البيهقي على ذلك بأنها لا تغزى على كفر أهلها فكان كما قال، [١٦] ولا زال المسلمون يتعلمون من هذا الفتح العظيم دروساً من بينها: ١ – أن كلمة الله يجب أن تعلو على كلمة الكفر في أي زمان ومكان, وأن واجب المسلمين الدائم هو تحطيم الأصنام والطواغيت في كل صورها وأشكالها ومسمياتها. ٢ – أن الخطة التي وضعها الرسول ﷺ قد نفذت بدقة وتحققت الأهداف الكبرى مثل دخول الناس في الإسلام وعلى رأسها قريش. ٣ – أن الأمور الهامة في حياة المسلمين لا بد فيها من السرية في الهدف وفي التخطيط وفي التنفيذ. ٤- أن الحرب النفسية سلاح من أسلحة المحاربين تفيد المسلمين إذا أحسنوا تنظيمها وتوقيتها وتنفيذها. ٥ – أن الجندي المسلم مطيع منفذ للأوامر في التأهب للجهاد والتحرك للقتال دون مراجعة أو تردد. ٦ – أن روح التسامح والتعالي هي صفات جيش المسلمين فلا انتقام ولا حقد ولا مذابح ولا تمثيل. ٧ – أن ظهور المسلمين دائماً بمظهر الأقوياء الأشداء المستعدين للقتال أمر لا بد منه لإدخال الرعب في نفوس الأعداء وتنفيذ أمر الله في إعداد العدة لهم. وما أكثر الدروس والعبر في هذه الغزوة لمن يعتبرون ويتعظون ويعدون ويخططون.

стр. 7284

إن يوم الجمعة في العشرين من رمضان سنة ثمان من الهجرة يوم من أيام المسلمين التي لا تنسى والتي يجب أن تكون منقوشة بأحداثها وظروفها ونتائجها في ذاكرة الأجيال المسلمة التي يجب أن تدرس تاريخها فتعرف جوانب العظمة فيه وتحقق بذلك اتباع نبيها ﷺ وإخضاع العالم لأمر ربها. -------------------------------------------------------------------------------- [١] عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - بهجة المحافل ص٣٩٧ المجلد الأول. [٢] الواقدي المغازي ص٧٨١ ج ثاني. [٣] راجع القصة كاملة في سيرة ابن هشام ص ٣٨٩ المجلدات الثاني الطبعة الثانية ١٨٥٥م. [٤] بهجة المحافل ص٣٩٩. [٥] المغازي للواقدي ص٧٩١ ج ثاني. [٦] المصدر السابق ص٧٨٥ ج ثاني. [٧] المصدر السابق: ص٧٨٨ ج ثاني. [٨] الواقدي المغازي ص٧٩٦ ج ثاني. [٩] راجع القصة في المغازي ص٧٩٧ وما بعدهما، الخصائص الكبرى للسيوطي ص٨٧ ج ثاني, بهجة المحافل ٤٠١-٤٠٢، جوامع السير لابن حزم ٢٢٦. تعليق المجلة: وهذا جريا على مذهب ابن حزم في اعتباره الفطر في السفر عزيمة، وهو خلاف مذهب الجمهور حيث يرون أن الفطر في السفر رخصة ـ وقد تختلف باختلاف أحوال الصائمين وظروفهم. [١٠] المغازي للواقدي ص٨٠. [١١] جوامع السير لابن حزم ص٢٢٩. [١٢] جوامع السير لابن حزم ص٢٣١. [١٣] راجع سيرة ابن هشام ص٤١٠-٤١١. [١٤] راجع سيرة ابن هشام ص٤١٧-٤١٢ وجوامع السير ص٢٣٣. [١٥] سيرة ابن هشام ص٤١٢, المغازي ٨٣٥. [١٦] الخصائص الكبرى للسيوطي ص٨٣.

стр. 7285

تاريخ مشرق للعلوم الصيدلية في النهضة الإسلامية بقلم دكتور أبو الوفاء عبد الآخر صيدلي الجامعة الإسلامية الحمد لله، خلق الإنسان وعلمه البيان، ورزقه العقل والإلهام، ووهبه البحث والتجربة والبرهان.. والصلاة والسلام على سيد الأنام، وأفضل من دعا إلى العلم النافع، وإلى كل ما ينفع بني الإنسان.. وبعد.. فإن للأمة الإسلامية في ماضيها: نهضة وحضارة، ورفعة وصدارة، باركتها رسالة السماء، وأيدتها عقيدة سمحاء.. فبعد أن أكمل الله دينه للمسلمين، وبعد أن تأصلت العقيدة في قلوب الموحدين، وبعد أن دانت عمالقة الدول للأبطال المجاهدين.. سارت الأمة الإسلامية في طريق الأسباب - أسباب القوة - كما نظر علماؤها في ملكوت السموات والأرض، وبحثوا عن كل ما ينفع بني الإنسان، تعبداً وقربى إلى الله .. فأنعم الله عليهم بحضارة إسلامية، امتدت عبر القرون وأضاءت كل أرجاء المعمورة. ولقد كان (للعلوم الصيدلية) نصيب كبير في تلك الحضارة الإسلامية المباركة، وفي مقالنا هذا سوف نقدم موجزاً (لتاريخ العلوم الصيدلية في النهضة الإسلامية) عسى أن يكون لنا في ذلك عبرة وتذكرة، وحافز وهمة، فنقول وبالله التوفيق: إن (العلوم الصيدلية) تشتمل على مجموعة من العلوم، تشترك جميعاً في هدف واحد، ألا وهو "إيجاد الدواء المناسب لكل داء"ومن هذه العلوم: الكيمياء، والصيدلة، والنبات، والفيزياء.
следующие страницы →