← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

أخذ العباس أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ ولم تكن الرؤيا واضحة بحيث يعرفه المسلمون وهو يشق صفوف الجيش، ولكن صوت عمر ﵁ يرتفع وقد ميز أبا سفيان في تلك الكلمة فيقول: "أبو سفيان عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد"ويحاول عمر أن يسبق العباس الذي يمتطي بغلة الرسول ليسارع بطلب الإذن لضرب عنق أبي سفيان، ويدخل العباس في نقاش حاد مع عمر ﵁ إلا أن عمر يهدئ الموقف بالكشف عن مدى تجرده وحبه للعباس إذ يقول: "فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب" [١١] . ولم يكن أبو سفيان أقل وضوحاً وصراحة ممن حوله، فعندما طلب منه الرسول ﷺ أن يؤمن لم يتردد ولكنه أخبر بأن في نفسه شيئاً من أن محمداً رسول الله مع اعترافه بحلم الرسول وكرمه وصلته للرحم، ثم عُرضت على أبي سفيان كتائب جيش المسلمين قبيلة بعد قبيلة أخرى ورجالاً وراء رجال، وأبو سفيان مندهش متعجب مقتنع بأن قريشاً لا قبل لها بمثل هؤلاء الرجال المجاهدين الصابرين, وإذا به يسرع إلى مكة لينقذ قومه من الهلاك مخبراً بتأمين الرسول ﷺ لمن دخل داره أو المسجد أو دار أبي سفيان. ودخلت جيوش الإسلام مكة تحمل رايات العزة وألوية الإسلام والجيش مقسم في نظام بديع أظهر عظمة الرسول ﷺ العسكرية وكبار قادة المسلمين على رأس تلك الجماعات علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد والزبير ﵃ وموكب الرسول ﷺ المهيب يتقدمه أبو عبيدة الجراح ﵁.

стр. 7282

إنه موكب رهيب وساعات حاسمة، المسلمون يدخلون من أسفل مكة وأعلاها ومن ذي طوى، والأوامر لدى القادة بإزالة العوائق ومحاربة من يقاتلون، ولم يقتل من المسلمين إلا رجلين شذا عن جيش خالد، أما المشركون فقد قتل منهم ثلاثة عشر رجلاً [١٢] . ودخل الرسول ﷺ شاكراً خاضعاً لله رحيماً شفوقاً بقريش أعطى الأمان للجميع إلا رجالاً ارتبطت أسماؤهم بقضايا معينة ومواقف تستدعي المساءلة والجزاء من أمثال عبد العزى بن خطل الذي ارتد وقتل من بعثه الرسول ﷺ معه لجمع الصدقات، ثم لحق بالمشركين، وقد وجد متعلقاً بأستار الكعبة فقتل جزاء ارتداده وقتله لصاحبه وخيانته الأمانة، وكذلك قتل الحويرث بن نقيذ بيد علي بن أبي طالب لكثرة ما كان يؤذي الرسول ﷺ بمكة، كما قتل مقيس بن صبابة بيد غميمة بن عبد الله لقتله رجلاً من الأنصار قتل أخاه عن طريق الخطأ, وهناك من أمّنهم الرسول ﷺ كإحدى جاريتي ابن خطل الهاجيتين لرسول الله ﷺ وسارة مولاة بني المطلب ورجلين احتميا بأم هاني بنت أبي طالب قيل إنهما الحارث بن هشام وزهير بن أمية وكذلك عبد الله بن سعد بن أبي السرح وعكرمة بن أبي جعل وكلهم أسلموا وحسن إسلامهم وفيهم من تولى أمر المسلمين [١٣] . وتسلم القائد المنتصر مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة فدخل الكعبة وصلى داخلها ومعه عثمان وبلال وأسامة بن زيد ثم كرّم الرسول ﷺ عثمان إذ ترك له حجابة البيت، وتوارثه أبناؤه وارتفع صوت بلال بنداء الحق، وحطمت الأصنام في مكة وحول الكعبة والرسول ﷺ يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا" [١٤] .

стр. 7283

وكانت للرسول ﷺ مواقف لا تنسى, ومن ينسى موقفه من أهل مكة وهم ينتظرون مصيرهم ويتوقعون الانتقام ممن آذوه وأخرجوه واتهموه بكل أمر فظيع؟ كالسحر والكهانة والجنون والرسول ﷺ يقرأ ما في عيونهم ويعلم ما في نفوسهم وحياً فيسألهم: "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ "قالوا: "خيرا أخ كريم وابن أخ كريم", قال: "فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ اذهبوا فأنتم الطلقاء" [١٥] . وقد قال الرسول ﷺ عن مكة ما معناه: "لا تغزى بعد هذا اليوم أبداً إلى يوم القيامة"، وقد علق البيهقي على ذلك بأنها لا تغزى على كفر أهلها فكان كما قال، [١٦] ولا زال المسلمون يتعلمون من هذا الفتح العظيم دروساً من بينها: ١ – أن كلمة الله يجب أن تعلو على كلمة الكفر في أي زمان ومكان, وأن واجب المسلمين الدائم هو تحطيم الأصنام والطواغيت في كل صورها وأشكالها ومسمياتها. ٢ – أن الخطة التي وضعها الرسول ﷺ قد نفذت بدقة وتحققت الأهداف الكبرى مثل دخول الناس في الإسلام وعلى رأسها قريش. ٣ – أن الأمور الهامة في حياة المسلمين لا بد فيها من السرية في الهدف وفي التخطيط وفي التنفيذ. ٤- أن الحرب النفسية سلاح من أسلحة المحاربين تفيد المسلمين إذا أحسنوا تنظيمها وتوقيتها وتنفيذها. ٥ – أن الجندي المسلم مطيع منفذ للأوامر في التأهب للجهاد والتحرك للقتال دون مراجعة أو تردد. ٦ – أن روح التسامح والتعالي هي صفات جيش المسلمين فلا انتقام ولا حقد ولا مذابح ولا تمثيل. ٧ – أن ظهور المسلمين دائماً بمظهر الأقوياء الأشداء المستعدين للقتال أمر لا بد منه لإدخال الرعب في نفوس الأعداء وتنفيذ أمر الله في إعداد العدة لهم. وما أكثر الدروس والعبر في هذه الغزوة لمن يعتبرون ويتعظون ويعدون ويخططون.

стр. 7284

إن يوم الجمعة في العشرين من رمضان سنة ثمان من الهجرة يوم من أيام المسلمين التي لا تنسى والتي يجب أن تكون منقوشة بأحداثها وظروفها ونتائجها في ذاكرة الأجيال المسلمة التي يجب أن تدرس تاريخها فتعرف جوانب العظمة فيه وتحقق بذلك اتباع نبيها ﷺ وإخضاع العالم لأمر ربها. -------------------------------------------------------------------------------- [١] عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - بهجة المحافل ص٣٩٧ المجلد الأول. [٢] الواقدي المغازي ص٧٨١ ج ثاني. [٣] راجع القصة كاملة في سيرة ابن هشام ص ٣٨٩ المجلدات الثاني الطبعة الثانية ١٨٥٥م. [٤] بهجة المحافل ص٣٩٩. [٥] المغازي للواقدي ص٧٩١ ج ثاني. [٦] المصدر السابق ص٧٨٥ ج ثاني. [٧] المصدر السابق: ص٧٨٨ ج ثاني. [٨] الواقدي المغازي ص٧٩٦ ج ثاني. [٩] راجع القصة في المغازي ص٧٩٧ وما بعدهما، الخصائص الكبرى للسيوطي ص٨٧ ج ثاني, بهجة المحافل ٤٠١-٤٠٢، جوامع السير لابن حزم ٢٢٦. تعليق المجلة: وهذا جريا على مذهب ابن حزم في اعتباره الفطر في السفر عزيمة، وهو خلاف مذهب الجمهور حيث يرون أن الفطر في السفر رخصة ـ وقد تختلف باختلاف أحوال الصائمين وظروفهم. [١٠] المغازي للواقدي ص٨٠. [١١] جوامع السير لابن حزم ص٢٢٩. [١٢] جوامع السير لابن حزم ص٢٣١. [١٣] راجع سيرة ابن هشام ص٤١٠-٤١١. [١٤] راجع سيرة ابن هشام ص٤١٧-٤١٢ وجوامع السير ص٢٣٣. [١٥] سيرة ابن هشام ص٤١٢, المغازي ٨٣٥. [١٦] الخصائص الكبرى للسيوطي ص٨٣.

стр. 7285

تاريخ مشرق للعلوم الصيدلية في النهضة الإسلامية بقلم دكتور أبو الوفاء عبد الآخر صيدلي الجامعة الإسلامية الحمد لله، خلق الإنسان وعلمه البيان، ورزقه العقل والإلهام، ووهبه البحث والتجربة والبرهان.. والصلاة والسلام على سيد الأنام، وأفضل من دعا إلى العلم النافع، وإلى كل ما ينفع بني الإنسان.. وبعد.. فإن للأمة الإسلامية في ماضيها: نهضة وحضارة، ورفعة وصدارة، باركتها رسالة السماء، وأيدتها عقيدة سمحاء.. فبعد أن أكمل الله دينه للمسلمين، وبعد أن تأصلت العقيدة في قلوب الموحدين، وبعد أن دانت عمالقة الدول للأبطال المجاهدين.. سارت الأمة الإسلامية في طريق الأسباب - أسباب القوة - كما نظر علماؤها في ملكوت السموات والأرض، وبحثوا عن كل ما ينفع بني الإنسان، تعبداً وقربى إلى الله .. فأنعم الله عليهم بحضارة إسلامية، امتدت عبر القرون وأضاءت كل أرجاء المعمورة. ولقد كان (للعلوم الصيدلية) نصيب كبير في تلك الحضارة الإسلامية المباركة، وفي مقالنا هذا سوف نقدم موجزاً (لتاريخ العلوم الصيدلية في النهضة الإسلامية) عسى أن يكون لنا في ذلك عبرة وتذكرة، وحافز وهمة، فنقول وبالله التوفيق: إن (العلوم الصيدلية) تشتمل على مجموعة من العلوم، تشترك جميعاً في هدف واحد، ألا وهو "إيجاد الدواء المناسب لكل داء"ومن هذه العلوم: الكيمياء، والصيدلة، والنبات، والفيزياء.

стр. 7286

ولقد اهتم علماء الدولة الإسلامية، بهذا الجانب من العلوم، وقاموا بالأبحاث الرائدة، وقدموا الابتكارات الرائعة، وكلما ذكرت الحضارة الإسلامية في غابر الزمان، ذكر التقدم الصيدلي الذي تحقق على أيدي علماء الأمة الإسلامية، ولقد ظلت المعارف الصيدلية، والأعمال الصيدلية قروناً عديدة إلى ما قبل النهضة الإسلامية، أشبه بما نراه الآن من "أعمال العطارة، وخبرات العطارين"إلى أن ظهر العلماء في عصور النهضة الإسلامية، فقاموا بالدراسات المنهجية، وأجروا التجارب العلمية، واستعملوا الأجهزة العلمية، وتوصلوا إلى الاكتشافات القائمة على البحث والتجربة، وبهذا أصبحت (الصيدلة) علماً له كل مقومات العلم: الملاحظة، والبحث، والتجربة. النهضة الصيدلية وعلماء الصيدلة: وفيما يلي نعرض بعض مظاهر النهضة الصيدلية، ونذكر بعض مشاهد العلماء الذين شاركوا في هذا الجانب من النهضة الإسلامية: أولاً: لقد تقدم علم الكيمياء تقدماً عظيماً، وذلك نتيجة لمجهودات العالم الشهير (جابر بن حيان) الذي يعتبر من أعظم علماء العالم في جميع العصور، ولقد عرف العلماء قدره فسموا "علم الكيمياء" (علم جابر) . وكان (جابر بن حيان) أول من حضّر: حامض الكبريتيك، وحامض النيتريك، وكربونات الصودا، وكربونات البوتاسيوم، وماء الذهب. وأصبح لهذه الكيماويات أهمية عظمى في العصور الحديثة، بل تكاد تكون من أسس حضارة القرن التاسع عشر والعشرين في الكيمياء، والصيدلة، والزراعة، والصناعة. وهو أول عالم كيميائي استعمل الموازين الحساسة في التجارب الكيميائية. ولقد ابتدع طرقاً أفادت كثيراً في تحضير العقاقير وتنقيتها وذلك في عمليات (البلورة، والترشيح، والتقطير، والتصعيد) وغيرها من الأعمال الهامة الكيميائية والصيدلية.

стр. 7287

وكان (جابر بن حيان) حريصاً على إبراز أهمية التجارب، واتباع المنهج التجريبي، ومن أقواله المأثورة: "إن من واجب المشتغل في الكيمياء، العمل وإجراء التجارب، وإن المعرفة لا تحصل إلا بها"وبهذا يكون (جابر بن حيان) ومن بعده (مسلمة بن أحمد المجريطي) قد سبقا علماء الغرب بعدة قرون في إخضاع العلم للتجربة، ووضع أسس "المنهج العلمي"الذي يقوم على التجربة. وألف (جابر بن حيان) العديد من الكتب في الكيمياء والصيدلة منها كتاب (الموازين) وكتاب (سر الأسرار) وكتاب (الخواص) وكتاب (السموم ودفع مضارها) ولقد ترجمت معظم كتبه إلى اللغات الأوربية, وظلت مرجعاً في جامعات أوربا لعدة قرون. ثانياً: ولقد ارتقت العلوم الصيدلية والطبية والكيميائية بعد ذلك درجات أخرى على يدي العالم الشهير (أبو بكر الرازي) الذي برع في الطب والصيدلة والكيمياء، ومن مؤلفاته كتاب (المنصوري) الذي أهداه إلى المنصور أمير خراسان، والذي ترجمه إلى اللاتنية فيما بعد (جيرار الكريموني) وظلت تدرس الأجزاء الكيميائية والبية منه بجامعات أوربا, حتى القران السادس عشر. وكتاب (الحاوى) وهو موسوعة من عشرين جزءاً, يبحث في كل فروع الطب والكيمياء، وكان يدرس أيضاً في جامعات أوربا، بل إنه كان أحد الكتب التسعة التي كانت تدرس بكلية طب باريس سنة ١٣٩٤. وكان مؤلفه (الجدري والحصبة) دراسة علمية رائعة، وهي الدراسة الأولى التي استطاعت أن تفرق بين تشخيص هذين المرضين، وحتى تعرف قيمة الكتاب الطبية، فقد أعيد طبعه أربعين مرة باللغة الإنكليزية بين ١٤٩٤، سنة١٨٦٦, وهو من أوائل الكتب التي أخرجتها المطابع الأولى في العالم. وهو الذي اخترع خيوط الجراحة المصنوعة من جلد الحيوان. كما أنه قدم العديد المبتكر من الأدوية التي تعالج أمراض العيون، والصدر والأمعاء والمجاري البولية.

стр. 7288

ثالثاً: ولقد خضعت الأدوية والعلاجات لدراسات مستقضية على أيدي علماء الأمة الإسلامية في عصور النهضة الإسلامية، وكان من أبرز العاملين في هذا الميدان الشهير (ابن سيناء) الذي يعتبر من أعظم العلماء إلى عصرنا هذا، وكتابه (القانون) من أشهر المؤلفات الطبية التي سجلها التاريخ، وظلت هذه الموسوعة موجعاً للطب والصيدلة في كثير من بلاد العالم المتحضر، حتى أوائل القرن الثامن عشر، ولقد بدأت كتبه تترجم منذ أوئل القرن الثاني عشر، وذلك بعض دارساته أساساً لبرامج التعليم الطبي والصيدلي في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا حتى النصف الأول من القرن الثامن عشر. وقام (ابن البيطار) وهو أكبر علماء النبات من العرب, بدراسات موسعة على النباتات الطبية, وقام بإجراء التجارب عليها, وما كتبه (ديستوريدس) و (جالينوس) من الغرب و (الإدريسي والغافقي) من العرب. رابعا ً: ولقد مهد علماء الأمة الإسلامية في عصور النهضة الإسلامية للصناعات الصيدلية نتيجة ملا قاموا به من دراسات في (فن التجهيز الدوائي) . ولقد وصف (أبو مروان بن زهر) "قالبا" توضع فيه المساحيق، لتخرج أقراصاً سهلة التناول، كما قام بدراسات لحفظ العقاقير فكان من أوائل الباحثين في هذا الحقل..

стр. 7289

(وبعد) .. فهذا عرض موجز لجانب من جوانب النهضة الإسلامية التي عاشها المسلمون، لعدة قرون، وذلك عندما تأصلت العقيدة في نفوسهم, وهانت الحياة في عيونهم, ولانت الأسباب لعزائمهم.. فعلى أثر ظهور الإسلام في الجزيرة العربية، ظهرت أمة مسلمة، تولى أمرها: سيد الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين (محمد) صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله, وفي أقل من ٥٠ عاماً كانت الأمة الإسلامية من الهند وفارس شرقاً إلى المحيط الأطلسي وشمال إسبانيا غرباً, وأصبحت المدينة المنورة والكوفة ودمشق وبغداد والبصرة وسمرقند والقيروان والقاهرة وغرناطة وقرطبة وطيطلة مراكز الحضارة لهذه الأمة الإسلامية، وانضمت إلى هذه العواصم فيما بعد عواصم أخرى إسلامية: كالأستانة والقسطنطينية، ولقد بلغ المسلمون من المدنية والتقدم والحضارة درجة عظيمة لم يبلغها شعب من شعوب الأض في مثل هذه الفترة القصيرة. كما امتدت حضارتهم عدة قرون وأضاءت كل أرجاء المعمورة، وكانت النهضة العلمية التي بلغتها الأمة الإسلامية الأساس الذي قامت عليه النهضة الحديثة، ولو أنصف المؤرخون لقالوا: بأن النهضة الحديثة بدأت منذ النهضة الإسلامية واستمرت في تطور متصل بحيث يجب اعتبار النهضة الإسلامية والنهضة الأوربية جزءين متصلين للنهضة الحديثة المستمرة حتى يومنا هذا. ولهذا فإن (قضية تصحيح تاريخ العلوم) ما زالت مطروحة على الفكر الإنساني بعامة، والفكر الإسلامي بخاصة, ومن الواجب على رجال التاريخ الدفاع عن هذه القضية بما يتيح للحقائق التاريخية أن تظهر وتسود, وبما يتيح لتاريخ الحضارة الإسلامية أن يأخذ مكانته اللائقة بين تاريخ الحضارات..

стр. 7290

(وختاماً) آمل أن يكون في الحديث عن الحضارة الإسلامية ما يحفز الهمم، ويشد العزائم, ويقضي على حالة اليأس والاستسلام ويدفع المسلمين جميعاً إلى العمل الجاد, الخالص لوجه الله الكريم, حتى تأخذ الأمة الإسلامية دورها في ركب الحضارة وحتى تصبح: أمة قائدة لا مقودة، ومبتكرة لا مقلدة.. والله ولي التوفيق..

стр. 7291

الإمام عبد الرحمن بن الجوزي مثال الطالب المكافح والداعية الناجح لفضيلة الدكتور جمعة علي الخولي كلية الدعوة وأصول الدين من رجالات الدعوة في القرن السادس الهجري عالم العراق الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن الجوزي، ولد سنة ٥١٠هـ وتوفي سنة ٥٩٧هـ. أمضى عبد الرحمن هذا طفولته يتيماً حيث توفي أبوه وله من العمر ثلاث سنين، وبعد وفاة أبيه أهملته أمه وانصرفت عنه، وتركته لعمته التي منتحته كل عطفها ورعايتها وكانت خير عوض عن فقده لرعاية أبيه أو عطف أمه عليه، بل لقد كان لحدب هذه العمة على ابن أخيها دخلٌ كبير فيما صار إليه ابن الجوزي فيما بعد عالماً مرموقاً وإماماً مشهوراً، فهي التي سهرت على خدمته وتعليمه. ومن يدري، فلعله لو قدر وعاش أبوه لتغيرت حياته تبعاً لظروف عمل الأسرة فلقد كان أبوه وأهله تجاراً بالنحاس لم يشتغل أحد منهم بالعلم وغيره [١] . ولقد صرح ابن الجوزي في مواضع من كتابه (صيد الخاطر) بأن أباه توفي وهو صغير وكان نوسراً وخلف له من الأموال الشيء الكثير، ولهذا نرى أنه يكثر الكلام على نفسه في أكثر من كتاب فيبين أنه نشأ في النعيم، وربي على الدلال، ولأنه قد حبب إليه العلم من زمن الطفولة، ولم يرغب في فن واحد بل رغب في كل فن من فنونه [٢] . إلا أن هذه الظروف من تيسُّر المورد والبسطة في الرزق وسعة الحياة لم تدم طويلاً، فرغم أن أباه قد أورثه مالاً كثيراً كان يتيح له أن يعيش هذه العيشة الناعمة لو أن الذين تولوا تربيته ورعايته في طفولته قاموا بما يحقق العدل ويحفظ له ماله حتى يبلغ رشده. إلا أن أمه - كما ذكرنا - أهملته وتركته لعمته، وبدد الورثة ماله ولم يعطوه إلا عشرين ديناراً ودارين، وقالوا له هذا نصيبك من إرث أبيك، فاشترى بذلك كتباً [٣] .

стр. 7292

ثم إن همته في طلب العلم جعلته يصرف وقته وهمه في تحصيله، مستسهلاً الصعاب متحملاً للشدائد, قانعاً باليسير، حتى إنه يحدثنا عن نفسه بأنه لا يجد ما يقتات به إلا كسرات الخبز الجاف، ولا يجد ما يأتدم به إلا الماء البارد، ولكنه مع هذه الحياة الخشنة لم يتطلع إلى ما في أيدي الناس ولم يذل نفسه لأحد قال: "ولقد كنت أصبح وليس لي ما آكل, وأمسي وليس لي ما آكل، ما أذلني الله لمخلوق قط، ولكنه ساق رزقي لصيانة عرضي ولم يعوزني شيئاً من الدنيا بل ساق إليّ مقدار الكفاية وأزيد" [٤] . وأورث العلم في قلبه لذة فاقت كل لذة، وأنسته كل غصة قال: "ولقد كنت في مرحلة طلبي للعلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمن الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب العلم وأقعد على نهر عيسى - نهر بغداد - فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها شربة وعين همتي لا ترى لذة إلا لذة تحصيل العلم" [٥] . وقال أيضاً يخاطب ولده: "وما زال أبوك في طلب العلم، ولا خرج يطوف في البلدان كغيره من الوعاظ، ولا بعث رقعة إلى أحد يطلب منه شيئاً وأموره تجري على السداد [٦] ، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً, وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ " [٧] . وهكذا فليتأس الدعاة وطلاب العلم.. على الواحد منهم أن يمتلك نفسه ويعف، وينطلق من قيود الرغبة والرهبة, ويرتضي لونا من الحياة بعيداً عن ذل الطمع، وشهوة التنعم, وحب الدنيا, ولله در القائل: أمتُّ مطامعي فأرحت نفسي فإن النفس ما طمعت تهون ومن قول علي بن عبد العزيز القاضي رحمه الله تعالى: ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي لأخدم من لاقيت لكن لأخدما أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعُظما

стр. 7293

ولكن أهانون فهان ودنسوا مُحَيَّاه بالأطماع حتى تجهما كما قيل لأعربي بالبصرة من سيدكم؟ قال: الحسن, يقصد الحسن البصري ﵀.. قال: بم سادكم؟ قال: احتاج الناس إلى علمه واستغنى هو عن دينارهم. منزلة ابن الجوزي في الوعظ: اشتغل ابن الجوزي بالوعظ قرابة قرن من الزمان، وقد بلغ فيه شأواً بعيداً حتى اشتهر بذلك وعرف به.. قال ابن كثير: "تفرد بفن الوعظ الذي لم يُسبق إليه ولا يلحقُ شأوه فيه، وفي طريقته وشكله، وفي فصاحته وبلاغته وعذوبته وحلاوة ترصيعه، ونفوذ وعظه، وغوصه في المعاني البديعة، وتقريبه الأشياء الغريبة بما يشاهد من الأمور الحسية بعبارة وجيزة سريعة الفهم والإدراك بحيث يجمع المعاني الكثيرة في الكلمة اليسيرة. [٨] وكان يسمع وعظه مرة الخليفة المستضيء العباس فالتفت إلى ناحيته وهو في درسه وقال: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفتُ منك، وإن سكت خفتُ عليك، وإن قول القائل لك: اتق الله خير له من قوله لكم: أنتم أهل بيت مغفور لكم.. ثم زاد قائلاُ: "لقد كان عمر بن الخطاب يقول: "إذا بلغني من عامل ظلم فلم أغيره فأنا الظالم، كما كان ﵁ يضرب بطنه عام الرمادة ويقول: "قرقري أولا تقرقري فو الله لا ذاق عمرُ سمناً ولا سمينا حتى يطعم سائر الناس". فبكى المستضيء وتصدق بمال كثير، وأطلق المحبوسين، وكسا خلقاً من الفقراء.. [٩] ومن مناجاة ابن الجوزي: "إلهي لا تعذب لسانا يخبر عنك، ولا عينا تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا قدماً تمشي إلى خدمتك، ولا يداً تكتب حديث رسولك, فبعزتك لا تدخلني النار فقد علم أهلها أني كنت أذب عن دينك"..

стр. 7294

ومن أجوبته الموفقة ما ذكره ابن خلّكان من أنه وقع نزاع ببغداد بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعلي ﵄، ورضي الكل بما يجيب به الشيخ ابن الجوزي، وتوجهوا إليه بالسؤال وهو في مجلس وعظه، فقال: "أفضلهما من كانت ابنته تحته"، ثم نزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك.. فقالت السنية: هو أبو بكر؛ لأن ابنته عائشة ﵂ تحت رسول الله ﷺ ، وقالت الشيعة: هو علي بن أبي طالب ﵁ لأن فاطمة بنت رسول الله ﷺ تحته", قال ابن خلكان: "وهذه من لطائف الأجوبة، ولو حصل بعد الفكر التام وإمعان النظر كان في غاية الحسن فضلاً عن البديهة". [١٠] ابن الجوزي وابن قم الجوزية: ذكر الذين أرّخوا لابن الجوزي أنه كان له من الأولاد الذكر ثلاثة, أكبرهم عبد العزيز، وقد مات شاباً في حياة والده سنة ٥٥٤، والثاني أبو القاسم علي الذي ألف له رسالة (لفتة الكبد في نصيحة الولد) وكان يأمل أن ينبغ في العلم وينهج سيرة أبيه، لكن ما أراد الله له ذلك، بل قد ذكر بعض المؤرخين أن هذا الولد كان عاقاً له، وكان يتسلط على كتبه فيبيعها بأبخس الأثمان.. والثالث هو أصغرهم محي الدين يوسف، ذكروا أنه كان أنجب أولاده، اشتغل بالدعوة والوعظ على طريقة أبيه، وباشر الحسبة في بغداد، ثم صار رسول الخلفاء إلى الملوك بأطراف البلاد، وفي آخر حياته أسندت إليه أستاذية دار الخليفة المستعصم العباسي، وقتل معه سنة ٦٥٦ أيام الغزو التتري على المسلمين واستيلاء هولاكو على بغداد.

стр. 7295

ومحي الدين يوسف هذا هو الذي بنى المدرسة الجوزية بدمشق.. وإلى هذه المدرسة ينسب والد الإمام ابن القيم لأنه كان قيماً عليها، وبعض الناس يخلطون بينه وبين ابن الجوزي حتى أنه طبع كتاب أخبار النساء لابن الجوزي ونُسب إلى ابن قيم الجوزية وذلك من غفلة النساخ ودور النشر.. مع أن بين وفاة ابن الجوزي ووفاة ابن قيم الجوزية ستين سنة والأول بغدادي والثاني دمشقي. [١١] دروس من حياة ابن الجوزي لطلاب العلم ودعاة الإسلام: إن حياة ابن الجوزي لتعد قدوة لطالب العلم، ونموذجاً للعالم المسلم والواعظ المرشد ونوضح ذلك في الآتي: ١ – الصبر على متاعب التحصيل وحياة الشظف، والاشتغال بلذة العلم وحلاوة المعرفة فإن في ذلك سلوى عن كل مفقود، وقد رأيت ابن الجوزي كان لا يجد ما يأتدم به فيأخذ الرغيف اليابس ولا يأكله إلا عند الماء ليستعين به على بلع الطعام، ومع ذلك حول كل همته إلى طلب العلم. ٢ - إدمان القراءة وكثرة المطالعة.. ولقد حاول ابن الجوزي جاهداً وصادقاً أن يقرأ كل ما تقع عليه عينه، وهكذا الطالب المجد، والداعية الحصيف، إنه مدمن قراءة، وصديق للكتاب به يأتنس، وله يلازم الصحبة، ولسان حاله يقول: أنا من بدل بالكتب الصحابا لم أجد لي وافياً إلا الكتابا يقول ابن الجوزي: "سبيل طالب الكمال في طلب العلم الاطلاع على الكتب، وأن يكثر من المطالعة، وعلى الفقيه أن يطالع من كل فن طرفاً من تاريخ وحديث ولغة وغير ذلك، فإن الفقيه يحتاج إلى جميع العلوم فيأخذ من كل شيء منها مهماً.." [١٢] . ثم يقول مخبراً عن نفسه وحاله: "ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتاباً لم أره فكأني وقعت على كنز، ولو قلت: إنني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعد في الطلب"، أي في مرحلة طلبه العلم.

стр. 7296

٣ - وكان من نشاطه العلمي أن يسعى إلى العلم حيث وجد لا يضن بمجهود مهما عظم يقول: "لم أترك أحدا ً ممن يروي ويعظ، ولا غريباً يقدم إلا وأحضره، وأتخير الفضائل، ولقد كنت أدور على المشايخ للسماع فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق". [١٣] ٤ - ومما ينبغي أن يلتفت إليه، أن ابن الجوزي كثيراً ما كان يهتم بالربط بين العلم والعمل ربطاً وثيقاً، ومن نصيحته لابنه "إياك أن تقف صورة مع العلم دون العمل به، فإن أقواماً أعرضوا عن العلم بالعمل فمنعوا البركة والنفع به، وعلى قدر انتفاعك بالعلم ينتفع السامعون، ومتى لم يعمل الواعظ بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل الماء عن الحجر) . [١٤] ٥ - وكانت الأمانة العلمية جزءاً من منهجه يقول: "وإذا سئلت عما لا تعلم فقل الله أعلم"وكان يعيب على العلماء الذين يفتون بلا علم حفظاً للمظاهر، ومن كلامه "إن كثيراً من العلماء يأنفون من قول (لا أدري) فيحفظون بالفتوى جاههم عند الناس لئلا يقال جهلوا الجواب, وإن كانوا على غير يقين مما قالوا.. وهذا نهاية الخذلان، وقد روي عن مالك بن أنس ﵀ أن رجلاً سأله عن مسألة فقال: "لا أدري"، فقال: "سافرت البلدان إليك! "فقال: "ارجع إلى بلدك وقل سألت مالكاً فقال: لا أدري". فانظر إلى دين هذا الرجل وعقله، كيف استراح من التكلف، ومن إثم القول بغير علم". ٦ - وكان يكره الجدال في المسائل التي تثير الفرقة بين المسلمين وتبلبل أفكارهم، يقول في منهاج القاصدين تحت منكرات المساجد: "ومن ذلك ما يجري من الوعاظ في المساجد من الأشياء المنهي عنها كالخوض في الكلام الموجب للفتن والاختلاف". ٧ – وكان يتطلب الدليل على كل ما يلقى إليه، أو يسمع به، أو يطالعه، ولا يخضع لتزييفات ولا ينخدع ببريق الأسماء، وإنما كان يقول كما قال الإمام علي ﵁ "إن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف أهله".

стр. 7297

وبعد.. فبهذا النشاط، وبهذه الرغبة في تحصيل العلم والاستهانة في سبيله بكل مجهود، وبهذا الإدراك الواعي لمسئولية الداعي، كوّن ابن الجوزي شخصيته العلمية وصار فيما بعد عالم العراق، وواعظ الآفاق، حتى رووا أنه كان يحضر مجلس وعظه أكثر من مائة ألف [١٥] , ولست أري كيف كانوا يسمعون صوته، ويفهمون منه، ولم تكن مكبرات صوت ظهرت يومئذٍ، وحق للذهبي أن يقول: "لا ريب إن كان هذا وقع فإن أكثرهم لا يسمعون مقالته". ولقد أثرى ﵀ المكتبة الإسلامية، بمؤلفاته الكثيرة المتنوعة، في التفسير والحديث والوعظ والأدب والتاريخ واللغة.. وغير ذلك ... ومما نوصي بقراءته من مؤلفاته في المجال الوعظ والدعوة إلى الله ما يلي: ١ - كتاب صيد الخاطر بتحقيق الشيخ محمد الغزالي، أو بتحقيق الأستاذ علي الطنطاوي. ٢ - كتاب بستان الواعظين ورياض السامعين. ٣ - كتاب الطب الروحاني. ٤ - كتاب ذم الهوى, بتحقيق د. مصطفى عبد الواحد, ومراجعة الشيخ محمد الغزالي. ٥ - كتاب منهاج القاصدين, وقد اختصره المقدسي في كتاب (مختصر منهاج القاصدين) .. هذا.. ولقد أسلم علي يدي هذا العالم الجليل وتاب عدد كثير.. يقول في آخر كتاب (القصاص والمذكرين) : "ما زلت أعظ الناس وأحرضهم على التوبة والتقوى, فقد تاب على يدي إلى أن جمعت هذا الكتاب أكثر من مائة ألف رجل، وقد قطعت من شعور الصبيان اللاهين أكثر من عشرة آلاف طائلة, وأسلم على يدي أكثر من مائة ألف". [١٦] فلله دره من رجل.. فقد عاد بخير كثير على الإسلام والمسلمين.. ليت الدعاة يتأسون، والله المستعان.. -------------------------------------------------------------------------------- [١] لفتة الكبد في نصيحة الولد لابن الجوزي، والبداية والنهاية لابن كثير أحداث ٥٩٧.

стр. 7298

[٢] انظر: (صيد الخاطر) , الفصل: ٢١, ومقدمة التحقيق لعلي الطنطاوي /٢٤. [٣] صيد الخاطر لابن الجوزي. [٤] صيد الخاطر لابن الجوزي. [٥] صيد الخاطر لابن الجوزي. [٦] لفتة الكبد في نصيحة الولد لابن الجوزي. [٧] سورة الطلاق: ٢،٣.. [٨] البداية والنهاية حوادث سنة ٥٨٧. [٩] المرجع السابق. [١٠] وفيات الأعيان ٢/٣٢٢. [١١] انظر مقدمة صيد الخاطر لعلي الطنطاوي /٣٧. [١٢] هذه النصوص من كتاب صيد الخاطر لابن الجوزي. [١٣] هذه النصوص من كتاب صيد الخاطر لابن الجوزي. [١٤] هذه النصوص من كتاب صيد الخاطر لابن الجوزي. [١٥] بل لقد قال ابن الجوزي نفسه في وصف أحد مجالسه الوعظية: "لو قيل: إن الذين خرجوا يطلبون المجلس وسعوا في الصحراء بين باب البصرة والحربية مع المجتمعين في المجلس كانوا ثلاثمائة ألف ما أبعد القائل"، وكل هذا من باب التقدير لا التحقيق. [١٦] كما صرح بذلك في مواضع من صيد الخاطر، وفي رسالته المسماة (لفتة الكبد) .

стр. 7299

ترجمة الشيخ عبد الرحمن الإفريقي لفضيلة الشيخ عمر بن محمد فلاته الأمين العام للجامعة الإسلامية الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف خلقه وأفضل أنبيائه ورسله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.. أما بعد.. فإن حديثي معكم في هذه الليلة [١] يتعلق بترجمة شخصية كريمة، اتصفت بالعلم والحلم، والفضل والنُّبل، وامتازت بخصال فريدة هيأها الله تعالى لها، وحديثي عنها يعتبر غيضاً من فيض. ولا أكتمكم أن عنوان هذا الموضوع لم أخترعه بادئ ذي بدء، إنما اختير لي من قبل الجهة المسؤولة عن المحاضرات، ونعم الاختيار كان، وأتوقع أنكم لن تسمعوا غريباً، ولن تقفوا على ابتكار أو اختراع وتجديد، وإنما أرجو أو يوفقني الله تعالى على أن أقوم بالتعبير عما تكنّه النفس من حب ووفاء، واعتراف بالجميل لأصحابه.. وأنعم بالحب الذي يكون لله وفي الله ... فلقد صح في الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وذكر منهم "رجلين تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه". وأرجو أن أوفق لإجلاء صورة الشخصية على حقيقتها, وفي نظري أنها من الأمثلة التي تحتذى. وإنه لمن فضل الله على عباده أن قرْننا هذا حظي بطبقات غير قليلة من العلماء ذوي علم وبصيرة، وصدق وتقوى، نشروا العلم والدين والهدى والرشاد. ولم يخل قطر من الأقطار الإسلامية من عالم أو فقيه أو محدث أو داعية, يتلو الخالف منهم السالف, محافظين على سلامة شرع الله من عبث العابثين، وكيد الكائدين.

стр. 7300

وليس بدعاً أن أقوم بترجمة لعالم حري أن تظهر آثاره، وتنشر أخباره, وقد شحنت المكتبات الإسلامية بتراجم وسير الأعلام من الرجال من عصر الصحابة رضوان الله عليهم، بل إن الحفاظ من النسابين في الجاهلية قد حفظوا الأنساب، وسير أبطالهم، وأفذاذهم, وأخيار أيامهم، وأذاعوا ذلك وأشاعوه في محافلهم ومنابر أسواقهم، فنقل ذلك عنهم الرواة، ودوّن ذلك الكتاب والأدباء والإخباريون. ولم تكن الكتابة عن أي شخص وافية كاملة إلا بتعدد الكتاب واستخلاص الحقائق من مجموع ما كتب عنه. وها أنا الآن أسهم بقلمي للقيام بترجمة عالم جليل، وقرنٍ نبيل، شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن يوسف الأفريقي الففوي مولداً، والمدني مهاجراً، والمحدث مسلكاً والفلاني نسباً. أقول إن الترجمة سنة العلماء، ومنهج أهل الحديث النبلاء بل إن السند والإسناد من ميزة هذه الأمة المحمدية، وهذه المكتبة الإسلامية حافلة بكتب تراجم الصحابة وغيرهم كطبقات ابن سعد والاستيعاب، وأسد الغابة والإصابة، وتاريخ البخاري الكبير والصغير، وكتب ابن حبان وابن عدي والدارقطني والدواليبي والتهذيب وتهذيبه والتقريب والخلاصة، والإكمال والتكملة، وغيرها من كتب التراجم للأدباء والشعراء والقراء والفقهاء.

стр. 7301

ونظراً إلى أن أحق الناس بالكتابة عن العالم المذكور هم أبناؤه وتلاميذه فإني أرى لزاماً القيام ببعض ذلك، وقد أكرمني الله تعالى بصحبته وطول ملازمته، وكثرة مرافقته، وسمعت منه في المسجد النبوي ودار الحديث بالمدينة المنورة وفي الحضر والسفر والاستقرار وأعدكم أني لا أنطلق مع العاطفة إلى حد المبالغة بناءً على أنه شيخي ووالدي الروحي وذلك لأني مستحضر قول رسول الله ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم, إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله"، وقوله لعبد الله الشخير ﵁ وقد قالوا لرسول الله ﷺ : "أنت سيدنا"– فقال: "السيد لله ﵎"، قلنا: "وأفضلنا", فقال: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستحوذنكم الشيطان". رواه أبو داود بسند جيد. وفي حديث أنس ﵁: "أن أناساً قالوا لرسول الله: "يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا"فقال: "يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ". رواه النسائي بسند جيد، وقوله: "إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا على وجوههم التراب". ميلاده ونشأته:

стр. 7302

ولد ﵀ عام ١٣٢٦هـ في بلاد مالي من قارة إفريقيا الغربية، بقرية تسمى (فَفَا) من أبوين كريمين أنجبا من الأولاد الكثير من الذكور والإناث لم يعش منهم غير المترجم له وأخوه الأكبر، وكان أبوه من بيت الإمارة والحكم الذي لم يزل حتى اليوم يتداوله آله. ونشأ في تلك الربوع مع أترابه يستنشق هواء الصحراء، ويمتع ناظريه بالفضاء الواسع الذي لا يردهما إلا النهر الذي جعل القرية جزيرة. وكانت هذه الفترة فترة بؤس وبلاء على أهل تلك الديار؛ لأن المستعمر الفرنسي قد قبض بكلتا يديه على هذه البلاد، وانقض عليها انقضاض الأسد على الفريسة, بعد أن جرت بينه وبين الأهالي العزل من السلاح حروب انتهت باستعماره البلاد والعباد، وفرض سلطته عليهم قهراً شأن غيرها من البلاد التي اقتسمها الأوربيون من الانجليز والبلجيكيين والبرتغاليين والألمان. وذلك لأنهم علموا ما امتازت به أفريقيا الخضراء من جودة التربة وكثرة المياه، وجمال الطبيعة، ووفرة الأقوات والأرزاق والمعادن، وقام البعض منهم بالقرصنة، وبعض الأعمال التي لا يقرها شرع، ولا خلق ولا وازع إنساني، ولقد قال عنها بعض الرحالة المحدثين: "إنها القارة الافريقية الخضراء زينة القارات ومستودع الكنوز والثروات، ومنبع للرجولات والبطولات".

стр. 7303

دخلها الإسلام أول ما دخلها قبل أن يعرف العالم الغربي والشرقي، وقام الإسلام فيها بدوره الحضاري في أقطارها الشرقية والوسطى والغربية والشمالية، وإن الديانة الكبرى اليوم السائدة فيها هي الإسلام ومع ذلك فإن أفريقيا المسلمة لا تزال مجهولة لدى العالم الغربي والإسلامي، ومجهول ما فيها من كنوز وخيرات وثروات يانعات, أقول إنه مع الأسف، لم يعرفوا أن هناك أمة يتوجهون إلى كعبة الله، ويتبعون رسول الله، ويتألمون لآلام الأمة التي بعث فيها رسول الله مع أن أول اتصال بأفريقيا الشرقية كان على عهد المصطفى ﷺ حينما أمر أصحابه الكرام بالهجرة إلى الحبشة، وقال لهم حينما اشتد عليهم الأذى من مشركي مكة: "اخرجوا إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم مخرجاً مما أنتم فيه"، واستطاع الصحابة رضوان الله عليهم أن يزرعوا بذور الإيمان هناك، وينشروا دين الإسلام حتى أسلم النجاشي نفسه ملك الحبشة آنذاك. ولما جاء نعيه أمر النبي ﷺ أصحابه أن يخرجوا إلى المصلى فصف أربعة صفوف، وصلى عليه وهو غائب. وعلى ذلك فإن البلاد الأفريقية قد دخلها الإسلام والمسلمون من صحابة رسول الله قبل أن يدخل أية بلد بعد مكة, أما شمال أفريقيا وغربيها فقد بدأ الفتح فيها على عهد عثمان بن عفان الخليفة الراشد ﵁، فقد أخرج سنة ٢٧هـ عشرين ألفاً من الصحابة والتابعين يقودهم عبد الله بن أبي السرح وقطعوا مفاوز برقة وطرابلس ثم دخلوا افريقيا، ومنّ الله على المسلمين بالفتح، وكان الأعداء قد خرجوا عليهم بمائة ألف مقاتل، واستشهد لله رجال من المسلمين، وتم النصر, وفتحت تونس وكانت تسمى أفريقيا، وعاد عبد الله بن أبي السرح إلى مصر بعد أن أقام بأفريقيا سنة وشهرين, وقد عرفت هذه الغزوة بغزوة العبادلة لأنه قد شارك فيها سبعة من الصحابة كلهم يدعى عبد الله وهم:

стр. 7304

(١) عبد الله بن عمر. (٢) عبد الله بن الزبير. (٣) عبد الله بن عباس. (٤) عبد الله بن جعفر. (٥) عبد الله بن عمرو بن العاص. (٦) عبد الله بن مسعود. (٧) عبد الله بن أبي السرح. وفي عهد معاوية بن أبي سفيان بعث جيشاً كبيراً بقيادة معاوية بن خديج الكندي عام ٤٥ فغزا أفريقيا ثلاث غزوات, وعين يزيد بن معاوية وقيل أبوه معاوية عقبة بن نافع الفهري الذي تم له التوغل في غرب أفريقيا وقال البربر، وبلغ إلى المحيط: وناجى ربه عند المحيط بعد أن أدخل قوائم فرسه في البحر قائلاً: "اللهم لو كنت أعلم أن أحداً وراء هذا المحيط من الخلق لمضيت مجاهداً في سبيلك"ثم عاد - ويومها لم تكن أمريكا مذكورة ولا أخبارها معلومة -. ولقد عدّد السيوطي ﵀ في كتابه (درُّ السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة) ، وفي كتابه (حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة) - عدد أسماء جملة من الصحابة، الذين وطئت أقدامهم بلاد مصر وهي من القارة الإفريقية، وطؤوها داعين الخلق إلى عبادة الخالق، وترك عبادة المخلوق، ولم يدخلوها دخول المستعمرين الذين أكلوا الحرث والنسل، والذين أفسدوا العقائد والفطر، وأشاعوا فيها الكنائس والبيع لاتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله.

стр. 7305

ولقد ذكر التاريخ أن عقبة بن نافع الذي سبقت الإشارة إلى ذكره أو عقبة بن ياسر أو عقبة بن عامر قتله كَسيلة بن كزم البربري وهو عائد إلى القيروان من غزوة غزاها لنشر دين الله سنة ٦٣هـ، وخلف فيها أولاداً ينتمي إليهم الفلاتنون, كما ذكر ذلك صاحب كتاب (تعريف العشائر والخلان بشعوب وقبائل الفُلاّن) والله أعلم بحقيقة الحال. قال ﵀: "وفي كتاب الاستيعاب في أسماء الأصحاب لابن عبد البر المغربي المالكي (عقبة بن نافع بن عبد قيس الفهري) وفدَ على عهد النبي، وكان ابن أخت عمرو بن العاص فولاّه افريقية، وافتتح غدامس وكُوراً من السودان وودّان وبلاد البربر، وغزا السويس القصوى، وكان مستجاب الدعوة، قتله كسيلة بن كزم سنة ٦٣هـ" اهـ. من كل هذا يعلم أيضاً أن صلة تلك البلاد بالبلاد العربية وأهلها ألصق، ونسب بعض جذاميرها بهم أقرب، كيف لا وقد ربط الله بينهم الإسلام، وجعل وشيجته أقوى الوشائج، وصلته أعظم الصلات. وما أحسن قول العلامة الأستاذ أبي الحسن الندوى قال: "وقد عقد الله بين العرب والإسلام، ثم بين الحجاز والأمة الإسلامية، ثم بين الحرمين الشريفين وقلوب المسلمين للأبد، وربط مصير أحدهما بالآخر". لذا فإن الشعوب المسلمة في أفريقيا عندما حل ببلادها المستعمر اعتبروا تلك الفترة فترة بلاء، وأيام نحس ـ وساعات بؤس، وآثروا الموت على الحياة.

стр. 7306

وفي هذا الوقت ولد الشيخ عبد الرحمن الافريقي المترجم له، وشب عن الطوق، ولما بلغ سن التمييز بعثه والده إلى فقيه القرية الذي يسمى ألفا ليلقنه بعض سور القرآن الكريم ويعلمه بعض الأحكام المبسطة من الكتب الفقهية المتداولة, وظهرت عليه ملامح النجابة، ولم يمض كبير وقت حتى اختاره حكام البلاد المستعمرون للتعليم في مدارسهم التي افتتحوها في تلك البلاد، وأخذ قهراً عن والديه ضمن عدد من أبناء الأعيان، فازداد البلاء , وتفاقم الخطب على والديه وآله لاعتقادهم أنه لا يرجى الخير من شخص تربى على أيدي أعداء الله, وتثقف بثقافتهم ولكن الله غالب على أمره ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وشاء الله أن يشتغل الفتى بدروسه، ويهضم معلوماته، ويكون النجم اللامع بين أقرنه، وينال الشهادات الدراسية التي تدل على تفوقه وجدارته مما جعله يختار للعمل مدرساً ثم موظفاً مسؤولاً في الأنواء الجوية. ولما دنت ساعة الظفر، وحانت ساعة السعادة والكرامة جرى بينه وبين مدير إدارته حديث في شأن الإسلام وواقع المسلمين، ونثر الخصم ما في جعبته من السموم، ورمى الإسلام الجمود والتخلف, وذكر له أن الإسلام دين لا يصلح للعالم, وتعاليمه لا تهذب النفوس وإنما هو منهج يكتبل الحريات، ويدعو إلى الوهم والخيالات، واستدل بواقع المسلمين وما هم عليه من التخلف والذل، وركونهم إلى الطلاسم والسحر والحجب واعتمادهم على الجن والكهان, والكواكب والحروز والأصنام، مما أدى الأوربيين إلى احتلال البلاد لإسعادهم، وانتشالهم من وهدة التخلف التي هم عليها، وقام يدلل على ذلك بالكثير والكثير من الأدلة التي نمقها المبشرون، وكادوا بها الإسلام والمسلمين، فلم يستطع الفتى حينها من أن يقنع الخصم، ولا أن يدافع عن دينه وعقيدته، لا سيما وأنه خال الوفاض بعيد عن العلم والعلماء والفقه والفقهاء, ولو كان مع أهل العلم والفقهاء فإن العلم في تلك البلاد وما شابهها لا يعدو

стр. 7307

حفظ القرآن. والمرور على بعض الرسائل في فقه الإمام مالك ﵀, ومنظومات شعرية في المديح النبوي باللغة المحلية والعربية, وعزم على أن يتصل بعلماء قريته ليقف على الحجج التي يرد بها على المجادل الخانق المعلم فلم ينل بغيته، ولم يحصل على طلبته، فامتلأت نفسه حسرة وندامة, وقرر السفر إلى الحرمين الشريفين, وهو يرى في كل عام المسافرين والآتين من مكة بدعوى أداء الحج، وقرر البقاء فيهما برهة من الزمن ليتفقه في دينه، ويتسلح بسلاح يقارع به الخصم، وينازل به العدو الذي طعن في عقيدة الإسلام وفي صدق رسالة نبينا محمد ﵊. وأرى أن أقف ههنا وقفة قصيرة لأذكر السامع الكريم بأن أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم منذ مئات السنين فكروا وقدروا، ودبروا الكثير من المؤامرات ضد الإسلام والمسلمين، ولمكافحة دعوته، وكسر شوكته؛ لأنهم علموا أنه لم تنكس له راية، ولم ينهزم في معركة - لما كان المسلمون على بصيرة من دينهم وعلى صلة بربهم - فأجمعوا كيدهم، وانطلقوا يضعون المخططات لمحاربة الإسلام، وإبعاد المسلمين عن حقيقة ما جاء به. ومن تلك الخطط: ١- فتح المدارس الاستشراقية في بلاد المسلمين. ٢- إرسال القسيس والرهبان ليشرفوا عليها. ٣- غسل اذهان أبناء المسلمين وتشكيكهم في دينهم. ٤- الهيمنة على برامج التعليم في البلاد الإسلامية. ٥- إحياء الحضارات القديمة القومية لإبعاد المسلم عن حضارته الإسلامية. ٦- تشويه التاريخ الإسلامي والتشكيك في حوادثه والطعن فيها. ٧- العمل على إخراج المرأة المسلمة من بيتها بدعوى الحرية والتقدمية، وأنها شقيقة الرجل. ٨- إشغال الرجال بها، وإخراجهم من مثلهم وآدابهم وأعرافهم وأخلاقهم بواسطتها. ٩- تشجيع الطرق المنحرفة وإلباس مقدميها هالة من التقديس والتقدير وإعطائهم الصدارة والرفع من شأنهم.

стр. 7308

١٠- الإكثار من المؤتمرات المسيحية لمكافحة الإسلام. ١١- الإكثار من المناسبات المختلفة في بلاد المسلمين باسم الذكرى والعبرة لإيقاعهم في المشابهات المذمومة، والابتداع في شرع الله. ١٢- محاربة القرآن العظيم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بطبعه محرفاً، وترجمة معانية ترجمة باطلة لإثارة الجدل ونقده. ١٣- شن الافتراءات الباطلة على الإسلام لتشويه حقائقه تحت ستار العلم والبحث التكنولوجي المجرد. وغير ذلك كثير وكثير. وفي أفريقيا بالذات الإكثار من الإرساليات التبشيرية، وإشاعة الكنائس الكبيرة فيها، وإعطاء من اختاروه من الأفارقة الرتب المسيحية لإغراء الرعاع والحطمة في التوغل فيها, وإدخال اللهو وبعض الشهوات في الكنيسة، وتخفيف بعض التعاليم المسيحية إلى درجة الإباحة بدعوى التسامح وإظهار أن الإسلام هو دين القسوة والتعنت والشدة، وبث المحطات الإذاعية القوية للتبشير بالمسيحية، وتشويه سمعة البلاد بأنها بلاد الوحوش والعراة والأدغال، وأكلة لحوم البشر ليتفردوا بخيراتها. هذا وقد دخلوا في ربوع أفريقيا منذ خمسمائة عام - والعالم العربي المسلم غالبه يجهل إخوانه المسلمين في تلك البلاد، ويدع السرطان الخبيث يفتِكُ في عقائد أمة لو وجدوا مجدداً داعياً ناصحاً، وواعظاً مخلصاً لالتفوا حوله وسلموا الزمام له، واستجابوا لدعوته - وما أمر دعوة التضامن الإسلامي التي قام بها جلالة الملك فيصل ﵀، والتفاف زعماء أفريقيا مسلمهم وكافرهم حينما علموا إخلاصه وصدقه - ما أمرها عنا ببعيد. إذاً فلا عجب من أن يسمع الشيخ الأفريقي رحمة الله عليه من ذلك الفرنسي ما لا يريد أن يسمعه عن الإسلام، وأن يعقد العزم على الرحيل إلى منازل الوحي، ومهبط الرسالة ليتلقى من علماء المسلمين فيها بعد أداء الحج - ما يدحض به الباطل، ويتزود من الدلائل والبيانات ما فيه شفاء ورحمة للمؤمنين.

стр. 7309

إنها لهمة عالية ونية صادقة، وغيرة لله خالصة انبعثت من شاب مسلم لم يبلغ يومها العشرين عاماً، يصبر على مفارقة الآباء والأقرباء، والأنداد والأحباء, والوطن والمنصب، والحال أنه أصبح شخصاً مرموقاً يشار إليه بالبنان، قد ينال في المجتمع مرتبة يغبطه عليها أترابه من أبناء الزمان، ولكن الأمر كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ..﴾ الآية, (الزمر: ٣٧) . وصول الشيخ إلى الحرمين الشريفين ولقد نفّذ خطته فعلاً، ووصل إلى مكة عام ١٣٤٥ هـ وأدى فريضة حجه، وعندما وصل إلى مدينة رسول الله ﷺ اتصل بعالم جليل من أبناء جنسه وعشيرته يدعى الشيخ سعيد بن صديق, وكان يشتغل بالتدريس في المسجد النبوي، واشتهر بالعلم والإخلاص والصدق والتواضع، والكرم واللطف والنبل - ووصفه الأستاذ محمد بن سعيد دفتدار عندما ترجم له بقوله: "ولد عام ١٣١٠هـ وتوفي عام ١٣٥٣هـ، وتخرج في العلم علي يدي الشيخ ألفا هاشم، وتربى في كفالته ولد في بلاد فلانة في بلدة قابيور فجدّ في طلب العلم من الشيخ ألفا حتى نال حظاً وافراً من العلم..", إلى أن قال: "وفي الحرب العالمية الأولى ظل بالمدينة المنورة صابراً على لأوائها، ولما توفي الشيخ ألفا هاشم عام ١٣٤٩هـ أخذ الشيخ سعيد مكانه وتصدى للتدريس في الفقه والحديث النبوي والتوحيد السلفي. وفي العهد السعودي اتصل بالشيخ عبد الله بن بلهيد فلما تحقق من فضله وعلمه عين مدرساً في المسجد النبوي، وعضوا في هيئة الأمر بالمعروف، وانتفع بعلمه كثير منهم الشيخ علي بن عمر والشيخ محمد قوني، وتوفي يوم الجمعة في رجب عام ١٣٥٣هـ".

стр. 7310

هذا هو الرجل الأول الذي اتصل به المترجم له في المدينة المنورة، وبالحقيقة فقد انتفع منه علماً، وخلقاً ونبلاً, وكان اتصاله به بمثابة تحول من حال إلى حال، وحياة إلى حياة، وبدأ يتعلم اللغة العربية من ألفها وساعده على سرعة التحصيل إخلاصه أولا بعد توفيق الله, وجده واجتهاده وثقافته الفرنسية التي هونت عليه الكثير من الأمور. ولقد مكث الشيخ الأفريقي مع شيخه سعيد المذكور مدة قرأ فيها القرآن وشيئاً من كتب الفقه المالكي كمتن العشماوي، والأخضري، وابن عاشر والأزهرية وشيئاً من شروحها، ومتن الرسالة وبعض شروحها، ودرس عليه العقيدة السلفية وشيئاً من كتب الحديث كالأربعين النووية، والمختارة من الأحاديث للهاشمي، وجزء يسير من بلوغ المرام.

стр. 7311

بعد ذلك حن إلى وطنه، وظن أنه قد حاز من العلم ما يهيئ له مقارعة الأعداء بالحجة والبيان، واستأذن شيخه في العودة إلى البلاد بعد أدائه الحجة الثانية وهو لا يدري ما سبق في قدر الله من الخير - ولما فرغ من أداء المناسك اجتمع بشيخ جليل من بني قومه يقيم بجدة وجرى نقاش علمي في مسألة فقهية فأدلى دلوه، وتقدم في الحديث على جلسائه، وسرد النصوص التي يحفظها من الكتب التي قرأها فقال له الشيخ: يا بني - وبكل بساطة وهدوء – "إن هذه المسألة ورد فيها حديث عن رسول الله ﷺ يخالف النصوص التي ذكرت، ويدل على غير ما قرأت"، وقرأ عليه حديثاً ملك مجامع قلبه، وألجم لسانه، وفند حجته، وامتلأ مهابة, وقال: إذاً, علام خالفت المتون هذا الحديث؟! فقال الشيخ: "يا بني, إن جميع المتون وكل الكتب تابعة لأقوال رسول الله ﷺ ، أما سمعت ما قال الإمام مالك، وهو يرد فتوى سمعها عن أمير المؤمنين عمر: "كل كلام فيه مقبول ومردود سوى كلام صاحب هذا القبر وأشار إلى حجرة النبي ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ . (النساء: ٥٩) ". ومن يومها قرر عدم السفر وكان يقول: "فأجمعت أمري على العودة إلى المدينة المنورة لأتقوى في دراسة حديث رسول الله ﷺ ، ونظرت إلى زملائي المسافرين نظرة مودع مفارق فراق غير وامق، وقلت في نفسي: إذا كان ما تحصلت عليه لا يقنع مسلماً ليعود عما هو عليه، فلأن أعجز عن إقناع الملحد المعاند من باب أولى, وقلت لهم: بلغوا آلي أنني لن أعود إلى البلاد حتى يأذن الله، وغربة عن الأوطان في سبيل العلم والمعرفة خير من إقامة سعيدة بالأوطان على جهل وتبعية".

стр. 7312

وأنا أدعك لتتصور لأواء الغربة، والحنين إلى الأوطان والصحبة, وأدعوك إلى أن تقرأ كتاب الحنين إلى الأوطان عل ذلك يدعو الطلاب للجد والاجتهاد والحرص على الفوز والنجاح في الدور الأول - إن شاء الله - ليتمكنوا من السفر في العطلة الصيفية، ويبلوا الصدأ، ويقضوا النهمة، ويعودوا بعد ذلك إلى الجامعة وهم أسعد حالاً، وأهدأ بالاً، وأزكى قلباً. والله المستعان. وأسمعك ما قاله بلال بن رباح ﵁ عندما هاجر, وأصابته الحمى واشتد عليه الأمر، كان يرفع عقيرته ويقول كما روت عائشة: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادٍ وحولي إذخر وجليل وهل أردنّ يوماً مياه مجنةٍ وهل يبدونّ لي شامة وطفيل قالت: أما أبو بكر ﵁ فكان إذا اشتدت به الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله أقول: إن الشيخ الأفريقي ﵀ فإنه قد عاد إلى المدينة فعلاً، وعاد إلى شيخه الشيخ سعيد، ولما رآه سر بعودته، وأنزله منزلة كريمة، وخصّص له أوقاتاً يتلقى فيها العلم في البيت والمسجد، وصار يصحبه معه في مجالس لعلماء، ليلقح ذهنه، وتوجه فكره، واتخذه التلميذ الخاص، ولو جاز التبني لتبناه، لا سيما أن الشيخ سعيد لم يرزق أولاداً. وعندما افتتحت مدرسة دار الحديث بالمدينة عام ١٣٥٠هـ وعين الشيخ مدرساً فيها, دعاه إلى الالتحاق بها، وكانت يومها مدرسة معنية بتدريس الحديث النبوي، وعلومه على أوسع نطاق، ويدرس فيها كبار العلماء، ومنهم الشيخ سعيد فوجد فيها بغيته، وكان مؤسسها العلامة الشيخ أحمد بن محمد الدهلوي ﵀ معنياً بالحديث، ومحدثاً مشهوراً أراد من تأسيس هذه الدار إنشاء جيل في حرم رسول الله ﷺ بصير بالحديث دراية ورواية, شأن مدارس الحديث في الهند إذ ذاك.

стр. 7313

فالتحق الشيخ الأفريقي بها، ودرس فيها الصحاح والسنن، ومصطلح الحديث والفقه وأصولهما، وعلوم الآلة، ورأى مؤسس الدار منه الحرص الشديد على طلب العلم، وانقطاعه له، وإخلاصه فيه فازدادت محبته له، وجعل مكتبة الدار مذللة هـ، وصار يشرف عليها ويرشده إلى المراجع وينمي فيه ملكة البحث والمطالعة. وقد استفاد من دار الحديث فائدة عظيمة، وتعمق في الحديث وعلومه ساعده على ذلك وجود العلماء الأجلاء الذين يعلمون في دار الحديث - عد توفيق الله سأتحدث عن بعضهم عند الكلام على الشيوخ الذين تلقى عنهم العلم إن شاء الله - وكان تعلقه بالحديث تعلقاً عظيماً ملأ عليه شغاف قلبه، واستولى على لبه بحيث أصبح مشهوراً بين أقرانه وعند شيوخه برجل الحديث والمحدث. وأذكر أنني كثيراً ما سمعته يتمثل بأبيات العلامة الذهبي ﵀ عليه: أهل الحديث عصابة الحق فازوا بدعوة سيد الخلق فوجدوهم لألاء ناضرة لألاءها كفالق البرق إشارة إلى الحديث الصحيح "نضر اللهُ امرأً سمع مقالتي فوعاها.." الحديث. وكثيراً ما كان يردد أبياتا من منظومة الشيخ محمد سفر المدني صاحب رسالة الهدى: وقول أعلام الهدى لا تعملوا بقولنا في خلف نص يقبل فيه دليل الأخذ بالحديث وذاك في القديم والحديث قال أبو حنيفة الإمام لا ينبغي لمن له إسلام أخذ بأقوالي حتى تعرضا على الكتاب والحديث المرتضى ومالك إمام دار الهجرة قال وقد أشار نحو الحجرة كل كلام منه ذو قبول ومنه مردود سوى الرسول والشافعي قال إن رأيتم قولي مخالفاً لم رويتم من الحديث فاضربوا الجدار بقولي المخالف الأخبارا وأحمدٌ قال لهم لا تكتبوا ما قلته بل أصل ذلك اطلبوا دينك لا تقلد الرجالا حتى ترى أولاهما مقالا

стр. 7314

فاسمع مقالات الهداة الأربعة واعمل بها فإن فيها منفعة لقمعها لكل ذي تعصب والمنصفون يكتفون بالنبي ولقد حفظت منه حديث ابن عباس الذي رواه الترمذي والطبراني بسند حسن من كثرة ذكره له - عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: "خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "اللهم ارحم خلفائي"، قال فقلنا يا رسول الله ومن هم خلفاؤك؟ قال: "الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي وسنتي، ويعلمونها الناس". أقول: إنه مع حبه الجم للعمل بأحاديث رسول الله ﷺ كان عادلاً منصفاً لا يرضى لأحد من طلابه أو جلسائه أن يتنقض أحداً من العلماء والفقهاء ولا أن يتطاول على أحد ممن اشتهر بعلم الفقه وتدريسه أياً كان وشهدته مرة ينصح طالباً قال: ومن يكون هذا الرجل، وما هي منزلته يعني أحد علماء الفقه فقال له الشيخ مغضباً في الحال: "هو ممن أمرك الله بالدعاء والاستغفار له في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحشر: ١٠) , والله يقول: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١) . وذكر له قصة الإمام علي ﵁ وقد سأله رجل مسألة فقال فيها, فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن الأمر كذا وكذا, فقال علي ﵁: "أصبت وأخطأت وفوق كل ذي علم عليم". وذكر له أيضاً أن ابن عباس وزيداً ﵄ اختلفا في الحائض تنفر، فقال زيد: لا تنفر حتى يكون آخر عهدها الطواف بالبيت، وقال ابن عباس لزيد: سل نسّابتك أم سليمان وصويحباتها, فذهب زيد فسألهن ثم جاء وهو يضحك، فقال: القول ما قلت.

стр. 7315

ولا أحصي عدد ما سمعته رحمة الله علينا وعليه يدعو إلى الاعتدال والإنصاف وينشد أبياتا منسوبة لأبي عمر بن عبد البر قالها حينما سمع قائلاً يقول: "لو أتتني مائة من الأحاديث رواها الثقة, وجاءني قول عن الإمام قدمته", فقال ابن عبد البر: يعقب هذا القول: من استخف عاندا بنص ما عن النبي جا كفرته العلما لذا فإنه يتعين على العاقل البصير أن يعلم الفرق بين الاتباع والتقليد الأعمى، وأن يعود إلى أهل البصيرة في هذا الشأن، ليقف على حقيقة الأمر، ويعلم جليته، وبذلك يبعد بتوفيق الله من الوقوع في مثل ما وقع فيه من رد عليه الحافظ ابن عبد البر ﵀ بالأبيات الدالة على عظيم عنايته، ومدى حرصه على التمسك بسنة رسول الله ﷺ . وإنه بحمد الله قد ألف العلماء كتاباً في هذا الشأن يسترشد بها البصير ويستنير منها الراغب الخبير، ونحن في وقت عجت في المكتبات بالكتب المطبوعة والمخطوطة، وانتشر العلم، وعمت الثقافة بحيث أصبح العذر عديم الجدوى، والاحتجاج بالجهل قليل المفعول. ومن هذه الكتب جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، وإيقاظ الهمم للفلاني, والاعتصام للشاطبي، والقول المفيد للشوكاني، وإرشاد الناقد للصنعاني، ورفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية الحراني، وغيرها كثير وكثير. ويعجبني في هذا الباب ما قاله منصور الفقيه المغربي ﵀: خالفوني وأنكروا ما أقول قلتُ: لا تعجلوا فإني سؤول ما تقولون في الكتاب فقولوا هو نور على الصواب دليل وكذا سنة الرسول وقد أفلح من قال ما يقول الرسول واتفاق الجميع أصل وما تنكر هذا وذا وذاك العقول وكذا الحكم بالقياس فقلنا من جميل الرجال يأتي الجميل فتعالوا نرد من كل قول

стр. 7316

ما نفى الأصلُ أو نفته الأصول فأجابوا , وناظروا وإذا العلم لديهم هو اليسير القليل هذا ولم يقصر الشيخ الأفريقي استفادته وتلقيه من دار الحديث فقط بل كان يتردد على الحلقات العلمية في المسجد النبوي، والمسجد النبوي جامعة من الجامعات وموضع إعداد القياديين من رجال العلم والفكر، وأرباب الشهامة والكرامات من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وكان يومها يعج بالطلاب الذين ينهلون من المورد الصافي، ويتزودون من ميراث النبوة ما يحيي قلوبهم ويهذب أخلاقهم، وتقر به عيونهم ونفوسهم. وقد ظل المسجد إلى عهد قريب هو المدرسة لكل العلوم، وكانت أسطواناته وسواريه مسنداً لظهور العلماء والفقهاء، والمحدثين والمفسرين يتحلق حولهم الطلاب، وينهلون من علمهم وفقههم العديد من الطبقات وعلى مختلف الأعمار والفئات. يتجول المرء في المسجد ليستمع إلى تلك الدروس ومتى أصغى إلى شيخ وأعجب من أسلوبه، وتمكن من الفهم منه جلس مع الملتفين حول الشيخ وأخذ ما شاء الله له من الفوائد وانصرف. وللصبية الصغار حلقات وكتاتيب عند مدخل المسجد النبوي أذكر منها كتاب الشيخ التابعي والشيخ الرحالي، والشيخ مولود، والعريف بن سالم والعريف مصطفى والعريف جعفر فقيه, وغيرهم. وكل كتاب منها يعتبر مدرسة تتكون من عدة مراحل دارسية لدراسة القرآن الكريم، وبعض المبادئ الدينية، والأذكار النبوية التي ينبغي أن يلم بها المسلم. أما تدريس الصغار للعلوم الشرعية فإن على الآباء أن يختاروا لأبنائهم الفقيه الذي يختارونه لذلك سواء كان التعليم في البيت أو المسجد ما داموا صغاراً، فإذا بلغ السن التي تؤهله لحمل الكتاب، ومزاحمة الرجال انتقل الأبناء إلى حلقات المسجد، وبذلك تكون رابطة الفرد بالمسجد وعلاقته به من الصبا إلى ما شاء الله.

стр. 7317

وقد ورد في الحديث ما يدل على أن التعلم والتعليم في المساجد من أفضل القربات، من ذلك ما روى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيراً أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله، ومن دخل لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له". وأنت خبير بقصة الثلاثة الذين دخلوا المسجد ورسول الله ﷺ جالس فيه مع أصحابه فأقبل أحدهم، واستحى الثاني, وأعرض الثالث، فأعرض الله عنه, وقصة دخوله ﷺ المسجد مرة وإذا بحلقة علم وحلقة ذكر فجلس مع أهل العلم، وقال: "إنما بعثت معلماً", ناهيك عن خطب النبي ﷺ فيه للجُمع وبعض المناسبات. ويذكر العلماء أن تميماً الداري استأذن عمر ﵄ أن يقص في المسجد فأذن له عمر، واستمع ابن عمر وابن عباس إلى عبيد بن عمير في المسجد، وكان معاذ يستند إلى سارية في مسجد دمشق، وتلتف الناس حوله ليقص عليهم. أما الاشتغال بالتذكير والفتوى في المساجد والدور بالمناسبات فقد حصل من العديد من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم من التابعين وتابعيهم تولى بيان ذلك العلماء الذين عنوا بأخبار القصاص والوعاظ والمذكرين. أقول: لذا فإن الشيخ الأفريقي رحمة الله علينا وعليه قد وجد ميراث النبوة وافراً بالمسجد النبوي، ووجد أساطين العلماء، وكبار المربين منتشرين فيه, ووجد العلم ثرا في الروضة اليانعة به. وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"قالوا: "يا رسول الله وما رياض الجنة؟ "قال: "حلق العلم". فخاض الشيخ الأفريقي فيه ورتع، وأخذ من الثمار ما قدر له وكان للإخلاص والتقوى مفعولهما بعد توفيق الله وهو يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ (البقرة: ٢٨٢) . شيوخه وتلاميذه:

стр. 7318

لقد لازم الشيخ ﵀ علماء أفذاذاً في المسجد النبوي وبدار الحديث، أخص منهم بالذكر شيخه الأول سعيد بن صديق، والشيخ ألفا هاشم، والعلامة المصلح السلفي واللغوي محمد الطيب بن إسحاق الأنصاري، شيخ شيوخ المدينة وعلمائها وأدبائها في أوساط هذا القرن والمتوفى عام ١٣٦٣ هـ. قرأ عليه في المسجد النبوي التفسير والحديث، وعلوم الآلة, وكان الشيخ الأنصاري حفياً به ومقرباً له, معجباً من حرصه وإخلاصه وتحرر عقله في المناقشة والاستدلال، وخاصة في الحديث. ولازم كلاًَ من الشيخ يونس بن نوح الأفريقي، والعلامة الجليل السلفي الورع الزاهد الشيخ صالح الزغيبي الذي كان إماماً للمسجد النبوي قرابة ربع قرن لم يتخلف طيلة هذه المدة عن الإمامة إلا مرتين أو ثلاث. وتلقى على كل من الشيخ محمد سلطان المعصومي الأفغاني، والشيخ محمد سلطان المعصومي الأفغاني, وكان نادرة في معرفة الحديث وعلومه، وقرأ على زميله الشيخ محمد بن علي الحركان النحو والصرف، وعلى الشيخ محمد بن علي شويل الحديث وعلومه, وتردد على حلقات الشيخ إبراهيم بري، والشيخ محمد حميدة، والشيخ أحمد البساطي، والشيخ صالح الفيصل التونسي، والعلامة المحدث الشيخ محمد علي اللكنوى. هذه بعض الدوحات التي استظل تحت ظلها، وجنى من ثمارها، وكرع من سلسبيل أنهارها، أما تلاميذه فكثيرون في الشرق والغرب وهنا وهناك, وفي العديد من القارات، فلقد نفع الله به نفعاً كبيراً في تدريسه بالمسجد النبوي، وفي مدرسة دار الحديث المدنية، وفي ينبع النخل حينما اختاره جلالة الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ ليقوم بها داعية متجولاً في جميع قراها عام ١٣٦٤هـ.

стр. 7319

وفي الرياض عندما كان مدرساً بالمعهد العلمي، وفي مسجد سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، وفي كلية الشريعة بالرياض، وفي منزله الذي كان مجمعاً للضيوف الذين لا يأخذ على قراهم أجراً، وإنما كانوا يقصدونه لأنه يجيد بعض لغاتهم الأفريقية, ويجيد اللغة الفرنسية. ولأمر ما دعا النبي ﷺ زيداً أن يتعلم العبرية, وكان يقصده بالذات المثقفون لما يجدون فيه من قبول للمناقشة والبحث، والفهم والوعي، والعلم والحلم، والصبر على الإيرادات التي يوردونها عليه ولا يجدون منه ضجراً ولا مللاً أو سباباً أو شتماً, وإنما كان يأخذهم كما يأخذ المنقذ الغريق الذي إن لم يحتل عليه أهلك منجده. وهنا ينبغي للداعية أن يعلم أن أسلوب الفظاظة والغلظة والجفاء والشدة لا يسعد على خدمة الدعوة، وإنما يؤدي إلى العكس, لذا قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:١٥٩) ، وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف:١٩٩) ولا أريد هنا أن أعدد أسماء طلابه المبرزين, أو أشيد بأعمالهم وآثارهم وأذكر مناصبهم ومكانتهم الاجتماعية فإن ذكر ذلك لا يغني فتيلاً ولا ينفع نقيراً، ولا يزيد من قدر الشيخ ﵀ شيئاً. ولكني أسأل الله جل وعلا أن يبارك فيهم وفي علومهم، ويزيد من صلاحهم وتوفيقهم، وينفع الإسلام والمسلمين. صفاته وأخلاقه:

стр. 7320

ولقد وعدت في مطلع حديثي أنني لا أبالغ في المدح والوصف والثناء كما يفعل عادة عندما يصف التلميذ شيخه, ولذا فإنني ههنا أذكر إلمامة صغيرة عن الجوانب التي أختار الكتابة عنها, وأعتقد أنني لست بالمبالغ أو المتزيد إذا سلكت الشيخ في عداد المصلحين في هذا القرن، فقد كان معلماً بارعاً، ومصلحاً وهب نفسه وفكره، وأذوى ناضر شبابه، وسلخ عمره في مجال الخير, وكان رحمة الله علينا وعليه قد أعطي بسطة في الجسم كما أعطيها في العلم، أسمر ممتلئ الوجه متلألأة, لا ترى العبوس في وجهه, لين العريكة, يحرص في جميع شؤونه أن يسير سير المصطفى ﷺ . وكان في منتهى الذكاء واللباقة, شجاعاً في الحق صبوراً على الأذى في سبيل الله، حكيماً في أحاديثه أديباً في مجلسه، لطيفاً في أسلوبه، سهلاً في تعليمه ومعاملته، مشجعاً للمجدين من طلابه في ألفاظ يرسلها كأنها سهام تنفذ إلى القلوب، يؤدب في شفقة وبشاشة وإيناس، ضليعاً في علم الحديث ومصطلحه, داعية لطلابه إلى اعتناق منهج الانطلاق الفكري في البحوث المقيدة بميزان الشريعة. رجاعاً إلى الحق، مثيراً طلابه على ملازمة الطاعة والعبادة، عزيزاً في نفسه، ويغرس بذور العزة والكرامة في نفوسهم. وأذكر أنه كان يسألهم تارة بمناسبة أيام الخميس والاثنين عمن صامهما تطوعاً، وعمن قام شيئاً من الليل غير الفريضة, فإذا أجابوا بالنفي ندب حال طلاب العلم في هذا الزمان. أما جوده وكرمه وطيبته وحسن طويته، وحبه إسداء الخير للمحتاج فحدث عن ذلك ولا حرج. وقبل أن أنهي الكلام على ما يتعلق بصفاته وأخلاقه أقرأ على مسامعكم هذه النماذج باختصار:
следующие страницы →