Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.
стр. 7666
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ
فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ
وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ﴾
لفضيلة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري - عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد فهذه بعض آية من سورة البقرة وردت في سياق بيان بعض أحكام العمرة والحج رغبنا أن نستجلي بعض معانيها مع قراء مجلة الجامعة الإسلامية الكرام سائلين الله تعالى أن يرزقنا هدايتها، والعمل بما فيها إنه على كل شيء قدير..
الحج: إن هذا اللفظ القرآني له مدلولان: لغوي، وشرعي، فالمدلول اللغوي هو المشي على المحجة (جادة الطريق) لأي غرض كان يقصده الماشي على المحجة وأكثر ما يطلق هذا اللفظ "الحج" إذا تكرر المشي إلى الشيء المرة بعد المرة.
وأما المدلول الشرعي: فالحج هو قصد بيت الله الحرام بمكة المكرمة لزيارته وأداء مناسك حوله.
وآل: فيه للتعريف العهدي فالمراد من قوله تعالى الحج أشهر معلومات: أنه الحج الشرعي الذي فرضه الله تعالى على عباده المؤمنين: من استطاع منهم سبيلاً، والسبيل هي الزاد والراحلة مع أمن الطريق ووجود محرم بالنسبة إلى المؤمنة.
وأركانه التي لا يتم إلا بها أربعة: الإحرام - وكونه من الميقات الذي حدده الشارع واجب، والطواف - وهو طواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة ساعة من بعد ظهر يوم التاسع من شهر ذي الحجة إلى قبيل طلوع الفجر من ليلة العاشر منه.
وهو فرض مرة في العمر، وما زاد فهو نافلة مرغب فيها وتطوع محمود محبوب.
أشهر: الأشهر: جمع شهر وهو عدة أيام وليالي لا تزيد على الثلاثين يوماً ولا ننقص عن التسعة والعشرين.
стр. 7667
والمراد من الأشهر هنا: شهور الحج الثلاثة وهي: شوال، وذو القعدة وعشر ليال من أول شهر ذي الحجة. ومعنى كونها أشهر الحج: أن الإحرام بالحج لا يكون إلا فيها. فلو أحرم أحد بالحج قبلها أو بعدها كأن يحرم بالحج في شعبان أو رمضان، أو في المحرم أو صفر لما صح إحرامه ولتعين عليه أن يجعله عمرة. أما أشهر الحج فله أن يحرم في أي يوم منها ويستمر على إحرامه إن شاء إلى أن يحج، وله أن يفسخ حجه إلى عمرة.
معلومات: معروفات لدى سائر العدنانيين من أولاد إسماعيل بن إبراهيم ﵉، إذ جدهم إسماعيل بنى البيت مع والده إبراهيم وحجه معه، وتعلم أداء المناسك وعرف كيفيتها من والده إبراهيم الذي أوحى الله تعالى إليه بها وعلمه إياها، استجابة من تعالى له لما دعاه بقوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وكان هذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان قواعد البيت كما حكى القرآن ذلك عنهما في قوله من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
فمن فرض فيهن الحج: لما كان للحج أشهر معلومات لا يحرم به في غيرها فعلى من فرض على نفسه الحج فيها أي ألزم نفسه به وأوجبه عليه حيث أحرم به من الميقات قائلاً: "لبيك اللهم لبيك.. لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"..
فعلى كل من أحرم بالحج أن يتجنب الرفث والفسوق والجدال لأن التلبس بها أو بواحدة منها يفسد الحج أو يخل به فيحرم الحاج القبول والثواب.
стр. 7668
فلا رفث: الرفث: الجماع، ومقدماته من النظر بشهوة، واللمس باليد أو المباشرة بالجسد والكلمة المريبة الدالة على الجماع، الداعية إليه المفكرة فيه.
ونفيه في هذا اللفظ القرآني ﴿فَلا رَفَث﴾ . منعه منعاً كلياً بحيث لا يوجد شيء منه ألبتة حتى ينهى عنه من يفعله، وهذا التوجيه للآية خير من توجيه من قال إذن النفي هنا بمعنى النهى غير أنه أبلغ منه، فيكون اللفظ خبراً ومعناه الإنشاء.
ولا فسوق: الفسوق: مصدر فسق المرء يفسق فسقاً وفسوقاً إذا خرج عن طريق الحق والصواب. والمراد به هنا: الخروج عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ بترك ما أمرا به من مناسك الحج وغيرها من سائر فرائض الدين وواجباته، وبفعل ما نهيا عنه وحظرا فعله من محظورات الحج وغيرها من كل ما حرم الله ورسوله من المعتقدات والأقوال والأفعال.
فلا ينبغي أن يوجد شيء من الفسوق في الحج، لأنه يفسده ويذهب أجره ويحرم فاعله مغفرة ذنبه ورضا ربه.
ولا جدال: الجدال: مصدر جادل يجادل جدالاً ومجادلة إذا مارى في شيء، أو خاصم فيه غيره، ليقطعه عن حقه ويثنيه عن مراده.
الجدال هنا اللجج في الخصومة والمبالغة في المماراة مما يؤدي إلى قول باطل أو فعل حرام كسب أو شتم أو انتقاص، أو إهدار حق، أو إثبات باطل.
والجدال الذي يريد به صاحبه إبطال حق، أو إحقاق باطل هو حرام على كل حال وفي أي زمان أو مكان، والجدال الذي يريد به صاحبه العكس وهو إحقاق الحق، وإبطال الباطل هو واجب على كل حال غير أنه بالنسبة للمتلبس بعبادة الحج لا يجب عليه ولا يطالب به، لأن في العبادة المتلبس بها شغلاً يمنعه من القيام بواجب إحقاق الحج أو إبطال الباطل شأنه شأن من هو في الصلاة. ولما عرف بالمشاهدة أن الجدال في أي شيء يجر إلى الخروج عن الأدب ويؤدي إلى السباب والمشاتمة وهما محرمان لا سيما في الحج.
وما تفعلوا من خير يعلمه الله:
стр. 7669
إن معنى هذه الجملة الشرطية هو الترغيب في فعل الخير في الحج، أي خير كان يريد به فاعله وجه الله تعالى فإن الله تعالى يجزيه به ويثيبه عليه.
والجملة وإن لم تذكر الجزاء على فعل الخير واكتفت بذكر علم الله تعالى بالخير المفعول فإن لازم علم الله تعالى بالخير الذي يفعله الحاج وهو متلبس بالحج، لازمه الجزاء عليه والمثوبة به. ولعل السر في عدم ذكر الجزاء في هذا التركيب القرآني أن الله تعالى لا يثيب على مجرد فعل الخير، وإنما على خير علم الله من فاعله أنه أراد به وجه الله تعالى وحده، لأن الله تعلى لا يقبل من الأعمال الصالحة إلا ما كان لوجهه خالصاً. ومن هنا وضع علم الله تعالى جزاء لفعل الشرط، واكتفى به عن ذكر الجزاء بالثواب. فليتأمل هذا فإنه مهم.
وهذه الجملة: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾ تعتبر قسيمة الجملة القرآنية التي سبقتها وهي فلا رفث ولا فسوق الخ، إذ الأولى فيها تحريم كل ما يخل بعبادة الحج فيفسدها أو يبطل أجرها، وهذه فيها الترغيب في فعل الخيرات من إطعام الطعام وإفشاء السلام، وإغاثة ملهوف، وإرشاد ضال، أو تعليم جاهل.
وباجتناب كل ما يفسد الحج أو يخل به، وفعل الخيرات يتوفر به وصف البر للحج المذكور في قول النبي ﷺ "والحج المبرور ليس له جزاء إلى الجنة "
стр. 7670
وهذه هي هداية هذه الآية الكريمة: أن يحرم المؤمن بالحج في أشهره التي حددت للإحرام به فيها، فإذا أحرم تجنب لك ما يفسد عليه حجه أو يخل بكماله من سائر المعاصي كترك ركن من أركانه أو إسقاط واجب من واجباته، أو غيرها من فرائض الدين وواجباته أو فعل محظور من محظورات الحج أو غيرها من كل ما حرم الله ورسوله من المعتقدات والأقوال والأفعال. وأقبل مع ذلك على الصالحات يفعلها، والخيرات يسابق إليها ويسارع فيها مدة ما هو متلبس بعبادة الحج حتى يفرغ منها وقد أبرها الله تعلى له وأثابه عليها فغفر ذنوبه وهيأه لدخول جنته كما جاء ذلك على لسان رسول الله ﷺ : "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه "، "والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة "..
هذا ولنستشف مع القراء الكرام بعض أسرار هذه العبادة فنقول:
ما أشبه الحج بدعوة رسمية وجهها أحد الملوك إلى خدمه وعبيده بواسطة أحد خواصه والمقربين عنده، ليزوروا بيته، وليحظوا منه بالنوال والعطاء.. ونظراً لتفاوت استعداد المدعوين، واختلاف ديارهم قرباً وبعداً جعل مدة الزيارة هذه شهرين وعشر ليال، ليتسنى الحضور في هذه المدة لكل المدعوين مهما تناءت ديارهم وبعدت أقطارهم.
стр. 7671
وأخذ المدعون يتوافدون ومن كل حدب وصوب ينسلون حتى تكامل الوفد ووجب الرفد فحدد لهم موعداً وخصص لهم مشهداً هو يوم عرفه ليتجلى لهم فيه ويمنحهم بحسب إخلاصهم في خدمته جوائز إحسانه، وعطايا أفضاله، فحسن أن يخرجوا يوم التروية في ملابسهم الرسمية التي دخلوا بها حرم مولاهم، وحمى من دعاهم فينزلوا بمنى استعداداً حتى إذا طلعت شمس يوم الموعد المحدد كانوا على أتم استعداد لحضور ذلك المشهد، فينزلوا بنمرة أول النهار وما إن تزول الشمس وتدنو ساعة الحضور، وقد طعموا وشربوا وتطهروا، ونزلوا المصلى فصلوا فرضهم معاً جمعاً وقصراً، كل ذلك تفرغاً منهم للمناجاة واستعداداً للملاقاة، واندفعوا متدفقين على ذلك الميدان الرحب الفسيح "الموقف بعرفة "ووقفوا – وكلمهم رجاء – باكين خاشعين سائلين متضرعين، ولم يزالوا كذلك حتى يتجلى لهم مولاهم ويعطيهم سؤالهم ومناهم فيكرم المحسنين منهم ويعفو عن المسيئين، وقد باهى بهم ملائكة السماء، وأشهدهم على ما منحهم وأعطى.
ولما تتقض تلك الساعات التي تزن الدهور بغروب شمس ذلك اليوم الذي يفضل العصور يأذن لهم مولاهم بالإنصراف وقد أرشدهم إلى محل النزول (مزدلفة) ليبيتوا ليلتهم في بهجة وسرور حتى إذا أصبحوا وقفوا بالمشعر الحرام ذاكرين لمولاهم رفده وإحسانه شاكرين له أفضاله وإنعامه.
﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ .. وبعد أن يسفروا يخفون عائدين إلى بيت مولاهم ومكان تجمعهم ولقياهم، وفي طريقهم يشفون صدورهم ويذهبون غيظ قلوبهم من عدوهم فيرمونه بمنى بسبع حصيات.
стр. 7672
وهناك بمنى وقبل زيارة بيت مولاهم يلقون تفثهم، ثم يقبلون على البيت زائرين ولإنعام مولاهم شاكرين، فيطوفون ببيته ويسبحون بحمده، وبذلك يكونون قد أشهدوا على أنهم حضروا الحفل المشهود ونالوا الرفد الموعود. وهاهم أولاء قد عادوا ليسجلوا أسماءهم في سجل الحضور وليعلنوا أنهم من أكرم الزوار.
ومن المعلوم أنه ما تم لهم حضور المشهد المفضل الذي شهدوا ولا تمكنوا من إجابة الدعوة التي أجابوا إلا بعد جهد جهيد وعناء شديد لبعد ديارهم، ولخروجهم عما اعتادوا من ملبس ومسكن ومأكل ومشرب فما أحوجهم والحال هذه إلى أيام راحة واستجمام في مكان هادئ ومنزل طيب مريح فسيح حتى إذا استراحوا واستردوا من قواهم ما فقدوا ودعوا بيت مولاهم وانصرفوا
وما أكرم مولاهم وما أعظم حفاوته بهم إذ أعد لهم فجاج منى الفسيحة ورحابها الطيبة المريحة وعزمهم لإقامة ثلاثة أيام ومن تعجل في يومين فلا إثم عليه فيقضونها في متع كثيرة بين ترويح للروح وغذاء للبدن فيهللون ويكبرون ويأكلون ويشربون حتى إذا قضوا أيامهم وأراحوا أرواحهم وأبدانهم عادوا إلى البيت فودعوا وانصرفوا والكل يضرب في طريق بلاده عائداً إلى وطنه وموضع ميلاده.
فيا رب ردهم سالمين
وسلام عليهم في العالمين
стр. 7673
من كتاب دور المساجد التاريخي في التثقيف العلمي
تأليف محمد الشاذلي الخولي
صورة طبق الأصل عن كتاب جورج الثاني ملك انكلترا والفال- فرنسا والسويد والنرويج إلى خليفة المسلمين في مملكة الأندلس هشام الثالث..
صاحب العظمة هشام الثالث الجليل المقام..
بعد التعظيم والتوقير فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر نور العلم في بلادنا التي يجتاحها الجهل من أركانها الأربعة. وقد وضعنا ابنة شقيقتنا لأميرة "دوبانت"على رأس بعثة من بنات أشراف الإنكليز لتتشرف بلثم أهداب العرش والتماس العطف ولتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم وحماية الحاشية الكريمة وحدب من لدن اللواتي سيتوفرن على تعليمهن وقد أرفقت الأميرة الصغيرة بهدية متواضعة لمقامكم الجليل.. أرجون التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص..
من خادمكم جورج
من كتاب (دور المساجد التاريخي في التثقيف العلمي) تأليف محمد الشاذلي الخولي.
إذا جمعتنا يا أخي المجامع
أولئك أبائي فجئني بمثلهم
المجلة:
стр. 7674
الفتاوى
السؤال الأول: ما هو الأفضل أن يكون بين العمرة والعمرة للرجال والنساء؟
والجواب: لا نعلم في ذلك حدا محدودا بل تشرع في كل وقت لقول النبي ﷺ :"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة "متفق على صحته فكلما تيسر للرجل والمرأة أداء العمرة فذلك خير وعلم صالح وثبت عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ أنه قال:العمرة في كل شهر. وهذا كله في حق من يقدم إلى مكة من خارجها أما من كان في مكة فالأفضل له الاشتغال بالطواف والصلاة وسائر القربات وعدم الخروج على خارج الحرم لأداء العمرة في الأوقات الفاضلة كرمضان لقول النبي ﷺ :"عمرة رمضان تعدل حجة "ولكن يجب أن يراعى في حق النساء عنايتهن بالحجاب والبعد عن أسباب الفتنة وطوافهن من وراء الناس وعدم مزاحمة الرجال على الحجر الأسود فإن كن لا يتقيدون بهذا الأمور الشرعية فينبغي عدم ذهابهن إلى العمرة لأنه يترتب على اعتمارهن مفاسد تضرهن وتضر المجتمع وتربو على مصلحة أدائهن العمرة إذا كن قد أدين عمرة الإسلام والله أعلم..
الثاني: دخول المرأة مكة للطواف في ليالي الجمع وغيرها مع ما تعلمون من الازدحام؟
والجواب:
تقدم في جواب السؤال الأول ما يدل على أن عدم دخول النساء إلى مكة من أجل الطواف أفضل من دخولهن لأنهن في الأغلب لا يحصل منهن التحجب المشروع ولا يحصل منهن التحرز من مزاحمة الرجال عند الحجر وغيره وبذلك يعلم أن عدم دخولهن أولى وأفضل من دخولهن لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح لا سيما والمصلحة في دخولهن تخصهن والمضرة الحاصلة بذلك تضرهن وغيرهن كما هو ظاهر من حال النساء اليوم إلا من رحم الله.
стр. 7675
السؤال الثالث: تكرار الحج مع ما يحصل فيه من الزحام واختلاط الرجال بالنساء فهل الأفضل للمرأة ترك الحج إذا كانت قد قضت فرضها وربما تكون قد حجت مرتين أو أكثر؟
الجواب: لا شك أن تكرار الحج فيه فضل عظيم للرجال والنساء ولكن بالنظر إلى الزحام الكثير في هذه السنين الأخيرة بسبب تيسر المواصلات واتساع الدنيا على الناس واختلاط الرجال بالنساء في الطواف وأماكن العبادة وعدم تحرز الكثير منهن عن أسباب الفتنة، نرى أن عدم تكرارهن الحج أفضل لهن وأسلم لدينهن وأبعد عن المضرة على المجتمع الذي قد يفتن ببعضهن، وقد سبق في جواب السؤال الأول والثاني ما يؤيد ما ذكرنا وهكذا الرجال إذا أمكن ترك الاستكثار من الحج لقصد التوسعة على الحجاج وتخفيف الزحام عنهم. فنرجو أن يكون أجره في الترك أعظم من أجره في الحج إذا كان تركه له بسبب هذا القصد الطيب ولا سيما إذا كان حجه يترتب عليه حج إتباع له قد يحصل بحجهم ضرر كثير على بعض الحجاج لجهلهم أو عدم رفقهم وقت الطواف والرمي وغيرهما من العبادات التي يكون فيها ازدحام والشريعة الإسلامية الكاملة مبنية على أصلين عظيمين أحدهما العناية بتحصيل المصالح الإسلامية وتكميلها ورعايتها حسب الأمكان.
والثاني: العناية بدرء المفاسد كلها أو تقليلها وأعمال المصلحين والدعاة إلى الحق وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام تدور بين هذين الأصلين وعلى حسب علم العبد بشريعة الله سبحانه وإسرارها ومقاصدها وتحريه لما يرضى الله ويقرب لديه واجتهاده في ذلك يكون توفيق الله له سبحانه وتسديده إياه في أقواله وأعماله. وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم وسائر المسلمين لكل ما في رضاه وصلاح أمر الدين والدنيا أنه سميع قريب.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء الدعوة والإرشاد
стр. 7676
مختارات من الصحف
- يستفاد مما نشر في جريدة العرب القطرية الصادرة بتاريخ ٣٠ يوليو ١٩٧٨، أن هناك اتجاها لتنفيذ مشروع المدارس المختلطة، حيث يجلس الطالب إلى جانب الطالبة في مدرسة واحدة، وذلك في العام الدارسى الجديد.
ومما تجدر الإشارة إليه أن المجلس التأسيسى لرابطة العالم الإسلامي أصدر قراراً موجها لجميع ملوك ورؤساء الدول الإسلامية يمنع الاختلاط بين الذكور والإناث في جميع المراحل التعليمية.. و المجتمع- تأمل أن تستجيب حكومة قطر الشقيق إلى هذا النداء وتعمل على إلغاء المشروع الاختلاطى، الذي تروج له الصحف العميلة.
وليتعظ الإخوة بما سببه هذا النظام الدراسى من مآسى ومفاسد، فالتجربة الغربية ماثلة أمامكم، وتجربة جامعة الكويت.. لا بد وأن تردع كل من تهمه مصلحة الأمة وأخلاق جيل المستقبل. (المجتمع الكويتية) ..
- فرغت لجنة تعديل القوانين السودانية. من وضع قانون خاص بحظر الخمر.. القانون يحظر استيرادها وتصنيعها ويحدد عقوبة شاربها وبائعها.. ويضع تدرجا زمنيا لتطبيق العقوبات.. وقدمت اللجنة توصيات بشأن الفئات التي لا ينطبق عليها القانون من اللادينيين.. والمجوس.. وكذلك بالنسبة للمصانع القائمة وتحويلها إلى مصنوعات أخرى مفيدة.. هذا القانون سيقدم لمجلس الشعب في أكتوبر القادم.
стр. 7677
- اشتبكت كتيبة من المجاهدين مع القوت المسلحة الحكومية في قرية تكلام المدمرة بمحافظة كنرها. فقتل وجرح حدد كبير نحو ألف ومائتين من الجنود الحكميين بسبب إطلاق النيران عليهم من قبل المجاهدين وإنفجار شحنات كبيره من المتفجرات التي كانت تحملها سيارات النقل الحكومية لتدمير فرى المجاهدين. وقد ترك الجنود مواقعهم نتيجة لضغط المجاهدين عليهم وآثرو الفر على الكر وتركوا وراءهم كميات من الأسلحة استولى عليها المجاهدون. فأرسلت الحكومة الظالمة سربا من الطائرات لضرب مواقع المجاهدين. ولكن العملية فشلت حيث إن خمسة من الطيارين التجأوا بطائراتهم إلى باكستان ورجعت الطائرات الأخرى بلا جدوى.
واستقطت طائرة هليكوبتر برشاشة أحد المجاهدين.
هذا- وقد اغتيل أربعة عشر شخصا من الخبراء الروس من قبل أشخاص مجهولين في مدينة كابل ونكرهار وبكتيا.
وطلبت عصابة تركى من الاتحاد السوفيتي أن تبعث إلى أفغانستان ألفين وستمائة من الفتيات العاهرات لنشر الرذيلة بين الشباب الأفغان.
- فشلت محاولة انقلابية قامت بها كتيبة من القوات المدرعة في ٢٦ من شهر شعبان بكابل للإطاحة بعصابة تركى. (الرائد الهندية) .
- أجرت مجلة "الميديل ايست"مقابلة مع طه الجزراوى عضو مجلس قيادة الثورة العراقي وذلك عندما رأس الوفد العراقي إلى مؤتمر دول الرفض الذي عقد في طرابلس في ديسمبر الماضى ويعتبر طه الجزراوى واحدا من ذوي النفوذ في القيادتين القطرية والقومية لحزب البعث العراقي ويشغل اليوم منصب وزير الإسكان في الحكومة الحالية.
- ما هو موقف حزب البعث من المنطق ذي الروح الإسلامية الذي تعرضه بعض الدول العربية المحافظة في نظرها للمشكلات العربية اليوم؟ أما زال الحزب محافظا على نظرته العلمانية تجاهها؟! الجواب
стр. 7678
- نحن نختلف مع الذين يظنون أن في الإسلام الخلاص من المآزق التي تقع فيها الأمة العربية اليوم.. أما أولئك الذين يعملون على تنشيط الحركات الإسلامية والشريعة القرآنية فهم يحملون نظرة لا تتوافق معنا..ونحن لا نعتقد بهذه الأشياء ونحن بالتأكيد حزب علماني وإن كان هذا لا يعني بالضرورة أننا ضد الدين!! فنحن نحترم الأديان كلها!! ونحترم حريتها أيضا!! إلا أننا وفي هذه المرحلة التاريخية التي نعيشها فتحن نعتقد أنه يجب علينا إيجاد طرق علمية وعملية للتطبيق أكثر من الأديان.
(جريدة النور المغربية)
المجلة:
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ ..
стр. 7679
لائحة الامتحانا في كليات الجامعة الاسلامية
أقر المجلس الأعلى للجامعة لائحة الامتحانات في كليات الجامعة وتم تطبيقها ابتداء من العام الدراسى ٩٨-١٣٩٩هـ وبموجب هذه اللائحة تجرى الامتحانات بنظام الدورين:
١- الدور الأول ويكون على مرحلتين إحداهما في نهاية الفصل الدراسى الأول والثانية في نهاية الفصل الدراسى الثاني وفي كل مرحلة منهما يكحون الامتحان في نصف المنهج المقرر لكل مادة ويكون للامتحان في الفصل الأول أربعون درجة في الفصل الثاني ستون درجة منها عشر درجات تخصص الفصل الدراسى الأول.
٢- الدول الثاني، ويكون الامتحان في المنهج المقرر كاملا لكل مادة وجاء في المادة الثالثة عشرة منها ما يلي:
يحسب التقدير العام لنجاح الطالب في كل امتحان وفقا لمجموع الدرجات التي يحصل عليها الطالب منسوبا إلى المجموع الكلي للنهاية الكبرى لجميع المواد ويحسب التقدير العام لنيل الشهادة العالية على أساس مجموع الدرجات التي يحصل عليها الطالب في جميع السنوات الأربع منسوبا إلى المجموع الكلي للنهاية الكبرى لجميع المواد في السنوات الأربع وفي كل تقدير بجبر الكسر في مجموع الدرجات لصالح الطالب إذا كان نصفا فأكثر ويحذف إذا كان أقل من الصف.
مطبعة الجامعة
أعلنت الجامعة في مناقصة عن تأمين مطابع للجامعة وتمت ترسيتها على عدد من الشركات وسيتم تركيبها وتشغيلها بمشيئة الله خلال العام الدراسى ٩٨-١٣٩٩هـ.
الاعداد للممؤتمر العالمي الإسلامي لمكافحة المسكرات والمخدرات
شكلت في الجامعة لجنة برئاسة الدكتور محمد بن حمود الوائلي عميد كلية الشريعة بالجامعة للإعداد لعقد المؤتمر الإسلامي العالمى لمكافحة المسكرات والمخدرات الذي ستعقده الجامعة بمشيئة الله تعالى خلال العام المالي القادم ١٣٩٩-١٤٠٠هـ.
стр. 7680
تفسير آية من كتاب الله
لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي المدرس بالمعهد الثانوي
بسم الله الرحمن الرحيم، ونصلي ونسلم على من نزل على قلبه الكتاب المبين، ثم بعد،.. لما كان كتاب الله لا تنتهي عجائبه في الدنيا والآخرة، ومن أعاجيب كتاب الله هذه الآية التي نريد- إن شاء الله – أن نمر بها بقدر ما يفتح الله علينا به، وليس الأمر أمر آية تفسر، أو كلمات تقال وتسمع، لأن الكلام ما أكثره حتى ولو كانت كلام خير ولكن المطلوب كله أن نسمع ونعقل ونعمل وإلا فكل كلام يكون على غير ما ذكرنا مجرد كلام وحديث طلى حلو المسمع..
стр. 7681
تم تعليق بعد ذلك بالرضا أو بعدمه على ما قيل وسمع، ولا يستقر شيء في القلب، ولا تتحول الأحاديث إلى العمل تطبيقاً لما سمع، ألا فلنرح أنفسنا من الآن ولنسكت، وكل يعمل على شاكلته، ثم بعد ذلك ربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً، إلا أن الجامعة الإسلامية التي ما قام بناؤها الشامخ الآن إلا على أساس التعريف بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، داخل الدولة وخارجها وما أظنني أبداً أتملق أو أرائي أحداً معاذ الله، فما بقي لي شيء بعد سني هذا أرائي من أجله، وإنما الذي بقي لي في هذه الدنيا هو أن أقول كلمة الحق لأهلها، وكلمة الباطل لأهلها أيضاً ما استطعت إذاً فالجامعة تقوم في كل مجال ترى فيه مناسبة بتبليغ كلام الله إلى الناس حيثما عن لها ذلك وأمكن، وكان موسم الحج في مخيمها على هذه الصورة التي ترونها، كتاب الله يتلى ويفسر ويبين، وأحاديث رسول الله ﷺ تروى وتشرح وتوضح، ما يتصل منها بالحج أو بغيره فدين الله شامل لكل شيء، والحج جمع جامع يمكن أن يقال فيه أياً مما قال الله وما قال رسوله، فلا تجلسوا هنا على أساس أن تعرفوا فقط ما هو الطواف، وما هو السعي وما هو الوقوف وما هو الرمي، لا إن هذا الموسم يمكن أن يكون موسم الإسلام كله، ويجب أن يحاط يقدر الإمكان بما في دين الله قولاً وتوضيحاً في أشهر الحج المعدودات، وعلى هذا فقد أردت أن أزيد على ما تعوده الناس في موسم الحج، مما كادوا أن يملوه من الإقتصار على الحديث عن الحج وما يتصل به وكأنه لا يعيش الإنسان في الحج إلا مع هذه الكلمات أو التحركات، ولهذا اخترت أية من كتاب الله، لأفسرها بما يفتح الله به علي، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب ونقرأ الآية المعنية أولاً ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ
стр. 7682
وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الآية ١٧٧ من سورة البقرة. هذه الآية التي اخترتها لأجعلها موضوعي في هذه المجلة، ولا أدعي أبداً بأنني قد أحطت علماً بكل ما في هذه الآية، ولو ادعيت ذلك أكون قد قلت شططاً، وطلبت أمراً ليس سهلاً بلوغه، ولنبدأ بغير مقدمات طويلة، سائلاً الله أن يفتح الآن القلوب قبل أن يطلق اللسان بالقول، وأن يجعلنا نأخذ بعد ذلك معناً ما سمعناه، عسى الله برحمته أن يجعل هذا الموسم موسم خير وبركة لكل حجاج بيته، وليس كما قال صلوات الله عليه:"يأتي زمان على الناس من أمتي، يحج أغنياؤهم للنزهة، وأوسطهم للتجارة، وقراؤهم للرياء، وفقراؤهم للمسألة " نعوذ بالله من أن نكون الآن كذلك، ونعوذ بالله من أن نعيش إلى هذا الزمان، إنما نسأل الله أن نكون الآن في حج خالص لوجهه، ولنبدأ في تفسير الآية. ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ ، صحيح أن هذه الآية نزلت لأكثر من سبب، فقد أفهمنا علماء أسباب النزول أنه قد يكون لنزول الآية سبب واحد، وقد تكون لأسباب عدة، ولكن لا أريد أن آخذكم معي في خلافات العلماء، وإنما القصد هو أن نأخذ شيئاً ممسوكاً ميسراً يمكن الاستفادة منه، ولا بد من مقدمة بسيطة جداً ثم بعد ذلك ندخل في تفاصيل الآية، لما أمر الله رسوله ﷺ أن يحول القبلة إلى البيت الحرام، خاض اليهود والنصارى، وقالوا ما قالوا، فاليهود أرادوا أن يجعلوا القبلة جهة المغرب، أي جهة بيت المقدس، ودعوني الآن مع الآية، وكثيراً ما تشد الحوادث المؤلمة الإنسان بعيداً عن قصده،
стр. 7683
وقد يلام عندئذ أو لا يلام، فدعونا الآن من مأساة بيت المقدس، ولنكن عند كلامنا المحدد بالآية، والنصارى طلبوا أن يجعلوا القبلة جهة المشرق، والمسلمون فرحوا بالتحول الجديد، فأصبح الأمر له ثلاث دعائم، لنأخذ من هذه الدعائم الثلاث كلمة ﴿الْبِرَّ﴾ في النهاية بعد ذلك، اليهود يريدون المغرب والنصارى يريدون المشرق، والمسلمون سروا بالبيت الحرام، وكل اعتقد صحة وجهته، ولابد أن يكون الحق في جانب واحد من الثلاثة، ولن يكون الحق إلا ما أنزله الحق عندما حدد الوجهة، ومع ذلك خشي أن يكون الأمر مجرد اتجاه إلى مكان، وليس اتجاهاً إلى من شمل سلطانه الزمان والمكان، فقال سبحانه ليدخل الفرق الثلاثة في الآية موجهاً القول إليهم جميعاً حتى إلى أصحاب الوجهة الحقة، وجهة البيت الحرام، فقد يتجهون هم أيضاً بأجسادهم إلى بناء الكعبة ينحنون ركوعاً ويخرون سجوداً، ولكن الوجهة ليست إلى الله في علاه، والعقيدة غير مصفاة، ويصبحون بذلك يؤدون الصلاة عادة وليست عبادة، وهنا لا يصبح الفرق كبيراً بينهم وبين من اتجهوا إلى المشرق أو المغرب، فلا بد من الجهة والوجهة وهنا يكون البر وليس دون ذلك، يوجد البر، فقال عز من قائل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ فبدأت الآية بنفي جهتي النصارى واليهود شكلاً وموضوعاً فبقيت جهة من الثلاث لم تنف إشارة إلى أنها الحقة، ولكن لينقى حقها من كل كدر، ألزمت الآية أصحبها بسمات معينة كعقد لؤلؤى رائع إلى آخر كلماتها، والبر في تفسيره العام هو كل طيب يعتقد به أو يقال به أو يعمل به، وأول طيب يعتقد به هو بداية ما ذكرته الآية من أمر أهل البر، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ والإيمان بالله أمر طيب خفي يظهره قول طيب جلي ذكرته أكثر من آية ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ ، الآية ٢٤ من سورة إبراهيم والكلمة
стр. 7684
الطيبة هي كلمة التوحيد يترجم بها الإيمان، وقوله سبحانه ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ الآية ٢٦ من سورة الفتح، وكلمة (التقوى) هنا أيضاً هي كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، والإيمان كله هنا، ومن هذا الكل يتفرع الجزء الذي ذكرته الآية في بقيتها، إذاً فكلمة الإيمان وهي الشهادة بالوحدانية، هي تلك التي أقام الله عليها دنياه وأخراه، وبغيرها خربت دنيا الناس وأخراهم إذاً فلابد أن تفهم ليعمر بها المؤمن ما هو فيه وما هو آتيه، ولا يكفي فيها أبداً ترديد الببغاء، كما لا يكفي فيها مجرد التعبير المحفوظ من أن معنى لا إله إلا الله لا معبود بحق سواه، وإنما يجب أن نعود بعيداً لنعرف أولاً كلمة التوحيد حتى نصل بها إلى ما حفظنا من تعاريف، فنقول إن الله لما خلق البشر لم يبدأ بترهيبهم وإنما بدأ بترغيبهم، لما عرض عليهم في صورة البشريّ الأول، فأول ما عرض عليه جنته ولم يره ناره، فوقعت المعصية فيها وتركت الجنة إلى شقاء الأرض، وأول ما حدث عليها من إنسان اختار ما يدخل النار ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الآية ٣٣ من سورة المائدة، ولما تكونت أول مجموعة بشرية استحقت أن يرسل فيها أول رسول، ما بدأوا دنياهم إلا بيغوث ويعوق ونسراً، ومن هنا عرفنا لماذا بدأت كلمة التوحيد بالكفر قبل الإيمان (لا إله) من هذا كله، لا شيطان تعبد بطاعته عندما ينزغ، ولا للهوى تتبع حتى تقبل، ولا ليغوث تدين بالضلال المبين، أنطق أولاً بالكفر بما عدا الله، فلا إله من هذا كله، إلا الله خالق هذا كله، فأنت نظفت القلب أولاً مما عدا الله، ثم ملأته بالإيمان بالله، فلم يعد فيه فراغ لسواه، فيصبح بعد ذلك لا معبود بحق سواه، وتكون قد أدركت بوضوح معنى (لا إله إلا الله) ، فهو وحده الذي
стр. 7685
يجب أن يعبد من كل خلقه، ﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ، ولم يقل: واليوم الثاني، لأن الآخر هو الذي لا ينتهي حقيقة أو ذكراً فلا شيء يخلفه، أما الثاني قد يكون بعده ثالث وهكذا، فالآخرة حياة بعد موت ليس فيها موت ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ الآية ٥٦ من سورة الدخان والإيمان يقتضي التصديق بالخروج من الحدث إلى حياة لا تنتهي، ﴿وَالْمَلائِكَةِ﴾ وهم سكان السماء المكرمون، ومنهم كثير ينزل إلى الأرض لأعمال هم بها مكلفون ﴿وَالْكِتَابِ﴾ يشمل هنا كل كتاب أوحى به وليس القرآن فقط ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ سواء من نزل عليه كتاب وكلف بشريعة، أو من وقف أمره عند النبوءة، وعند هذا القدر من الآية نقول، إن البر بدأ بالإيمان بالله وهو سبحانه الغيب الأعظم، ادخر رؤيته البصرية في الآخرة لمن آمن به في الدنيا غيباً مكتفياً بعجائب صنعه ومعجزات رسله، فآمن تبعاً لذلك بكل غيب أخبر عنه، فالملائكة غيب لم يرهم الناس إلا النذر الموحى إليه، والكتب غيب لم يدرك حقيقة نزلها إلا من نزلت عليهم، والصلة بين النبيين وربهم غيب لا تلمس ولا تتصور، فالإيمان بهذا الغيب هو ملء القلب بضياء المعرفة، فتبدأ الآية عندئذ بوضع الصفات التالية من صورة البر على تلك الركائز الراسخة، والراسية رسو الجبال أو أشد في قلب الذي عرف، ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ، فالإنسان لا شيء أعز عليه بعد روحه من المال، بل كثيراً ما كنت أسمع من يقول: المال عديل الروح، والمال هنا يشمل كل ما يميل إليه الإنسان، من ذهب وفضة وأنعام وحرث، وللمفسرين عندئذ رأيان، لأن إيتاء المال ذكر هنا، وإيتاء الزكاة سيذكر بعد في نفس الآية، فقيل عن إيتاء المال هنا هو نفس إيتاء الزكاة وإنما الذكر الأول للإيتاء هو أوجه الصرف ولمن تعطى، وقيل إن القصد هو الحق الذي في المال سوى الزكاة المفروضة، بل ورأي ثالث استنبط من "الصدقة على القريب صدقة وصلة"، ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾
стр. 7686
وتبع ذلك في الترتيب ﴿وَالْيَتَامَى﴾ فاليتم قطع أليم لحنو عظيم بالقلب واليد كان يمد لليتيم قبل أن يأتم بموت أبيه، ومد المال إليه بعد ذلك امتداد لجزء عظيم كان قد انقطع عنه باليتم لما مات العائل ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ ، وكلمة المسكين تعبير عن الذي أسكنته وأذلته الحاجة، فانزوى وانطوى على همه، فيحوله الإيتاء من أهل السخاء إلى إنسان متحرك متصل بالمجتمع، يعمل معه أخذاً وعطاء بالمال الذي أوتيه ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ، سالك الطريق إلى غاية لم يبلغها لنفاد ما يبلغه، فيعينه ما أعطيه على إدراك مقصده والاجتماع بمطلوبه ليفرح ويسر بعد غربة، وانقطاع ووحشة، ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ ، ولو كانوا على جياد مسومة وتعلوهم ثياب مطرزة، ما داموا مجهولين وليسوا معروفين بالاحتراف للسؤال، فقد تكون طارئة كبرى ونازلة عظمى حلت بهم فأتربت أيديهم، وبقي عليهم أثر نعمة ذهبت، فلا يجوز تعنيف السائل على مظهر يبدو منه عدم حاجته إلى السؤال ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً﴾ آية ٢٦٣ من سورة البقرة، ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ آية ١٠ من سورة الضحى، وما أبعد الفرق بين اليد التي أعطت واليد التي أخذت "اليد العليا خير من اليد السفلى "والخيرية هنا على لسان الصدوق ﷺ تشمل الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يد اكتفت واغتنت وعزت، فامتدت لتعطى وليس لتأخذ، ويد افتقرت واحتاجت فأمدها الفقر لتأخذ لا لتعطى، وفي الآخرة أجرت اليد التي أعطت لأنها شكرت، والثانية لا أجر لها على ما أخذت، بل قد تعاقب إذا كانت امتدت متسمرئة سهولة السؤال عن السعي الحافظ لماء الوجه، أما المؤتي فهو بنيته يثاب على كل حال ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ . وهنا تقدير تفسيري بين "في"و "الرقاب"، أي (وفي فك أو إعتاق الرقاب) المسلوبة الحرية، من عبيد وإماء وأسارى، كأن يعتق ما يملكه من عبد أو أمة تاركاً ثمنهما صدقة لله، أو يشتري الرقاب
стр. 7687
ويعتقها كما فعل أبو بكر ﵁، أو يفتدي الأسير ليطلق من إساره, ولكن لنا وقفة عند كلمة الرقاب، فقد جهل علينا الجاهلون لما قالوا: إن الإسلام يدعو أن يملك الإنسان أخاه الإنسان كما يملك شاة أو بعيراً، وما من وصف يليق بهم إلا أنهم أعداء جاهلون كما قلت، وها هي كلمات الآية تخزيهم وتغشي أعينهم، فهي هنا لا تأمر بفك الرقاب فقط وإنما تفهم المؤمن بالله أنه لا يتم له الإيمان ويحوز صفات البر إلا إذا كان من المخلصين للعبيد من عبوديتهم، حسية أو معنوية، ولقد أعلنها الإسلام حرباً غليظة لما جاء ووجد مصيبة الرق وتجارته تملأ فجاج الأرض كما يتاجر في الخراف والحمير، بل وجعل من ألزم الكفارات إذا وقعت المعصية من المؤمن أن يعتق رقبة إذا أحب أن يسارع إلى المغفرة ومحو الذنب، فالمظاهر من زوجته يلزم بعتق رقبة ولا يقبل منه ما دون ذلك إلا إذا كان لا يملك رقاباً، ونفس الأمر للمفطر في رمضان، وللواقع في يمينه، وهكذا، بل من غير هذا وذاك جعل الله تعالى من أعظم القربات إليه عتق الرقاب، إن المتخرصين علينا قد علموا ذلك وعموا عنه، فهي العداوة للإسلام ولا شيء غير ذلك، لقد قضينا على الرق كما أمر ديننا، وهم لا زالوا يتاجرون في الرق ويستعبدون ويستعمرون.
стр. 7688
لكن إتيان المال للمجموعة الآنفة من قوله تعالى ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ إلى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وضع لها المفسرون شرط الحاجة من هؤلاء جميعاً إلى المال. أما من ملك المال وبخل به على نفسه فلا يعطى من مال غيره مهما كانت الصلة، ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾ ، إنه وإن كانت الصلاة هي قمة العبادات المؤداة بدنياً بعد رسوخ الإيمان قلبياً، فإن ترتيبها اللفظي في الآية لا ينقصها عن ترتيبها المعنوي الثابت لها على كل العبادات، لأن الآية ذكرت الأمور التي يتكون منها البر على صورة أقسام ثلاثة، كل قسم يضم مجموعة متحدة الغاية، فالمجموعة الأولى غايتها رسوخ اليقين في صدر المؤمن إلى قوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ ، ومجموعة القسم الثاني تنظيم المجتمع الإسلامي وإحكام صلته ببعضه ليتآخى فيستقر ويأمن وذلك من قوله سبحانه: ﴿وآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ إلى.. وَفِي الرِّقَابِ﴾ ، والقسم الثالث في آخر الآية غايته صقل النفس والتسامى بها لتتم لها السعادة بالعبادة الموجودة في هذه المجموعة، وبدأ سبحانه هذه المجموعة بإقامة الصلاة، ونلاحظ هنا أنه سبحانه لم يقل هنا، وصلى، أو: أدى الصلاة، لأن الذي يحرك جسده بالصورة المعروفة للصلاة، يكون قد صلى أو أدى الصلاة، ولو لم يتم ركوعها ولا سجودها، ولو جمعها جميعها آخر النهار وفعلها جملة واحدة يكون قد صلى أو أدى الصلاة، ولو صلاها في بيته وليس مع الجماعة يكون قد صلى أو أدى الصلاة، وهكذا، ولكنه في كل هذه الحالات لا يكون قد أقام الصلاة، وإقامتها شرط في قبولها، ولهذا كانت الآيات التي تحدثت عن الصلاة في القرآن من النذر ألا تذكر معها كلمة (إقامة) أو ما يشتق منها، فتجدها بالماضي (وأقام الصلاة) وبالمضارع (ويقيم الصلاة) وبالأمر (وأقم الصلاة) واسم الفاعل (والمقيمين الصلاة) ، وقد لخص تفسير الإقامة في أربع؛ أن تؤدى في أول وقتها وأن تكون مع الجماعة في المسجد، وأن تكون تامة كاملة الأركان
стр. 7689
قراءة وركوعاً وسجوداً وخشوعاً، وألا تصاحبها المعاصي التي تضيع ثوابها ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ هذه الأربعة هي ما تقام بها الصلاة كما أمر الله تعالى، وبغيرها تكون صلاة ولا تكون إقامة صلاة، يراه الناس يصلي وقد لا يراه الله كذلك ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ ، سبق في المجموعة الثانية قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ ، فإيتاء المال إطلاق، وإيتاء الزكاة تقييد، وأخذ ذلك من إجبار الدابة على قيدها في مكان أمانها، وعندما يؤدى القصد من القيد حيث لا خوف على الدابة فتطلق لتزداد حركتها داخل الحظيرة وخارجها، فالزكاة قيد يلزم به المؤمن أولا حسب القدر المقرر بالشرع، فإن آتى المال على حبه بعد ذلك – كما ذكرت الآية آنفاً قبل ذلك – فهو من سمات البر ومتمماته، ولقد سبق إيتاء التطوع قبل إيتاء الفرض ليعلم والله أعلم أن الزيادة في الخير وإن لم تفرض لها عند الله قدرها العظيم، فيعطيها المؤمنون السابقون في الخيرات أهمية الفرض طمعاً فيما عند الله تعالى من جزيل الأجر وعظيم المثوبة، فمجتمع يكون على هذه الصورة وقد اتبع توجيهات السماء وسارع إلى العمل بها لا يمكن إلا أن يكون مجتمعاً سعيداً رغيداً، وهل يمكن أن يكون لكيد الملحدين وسموم الشيوعيين مغمز يشيعون أو مدخل يلجون، لكن لما منع مجتمعنا اليوم زكاة الله منعوا تبعاً لذلك من باب أولى إيتاء المال فيما سوى الزكاة، حيث أحضرت الأنفس الشح مع زيادة المال لدى الأغنياء في هذا الزمان، لقد أصبح المجتمع الإسلامي اليوم فريقين، فريق بات فيه الثراء دولة بين الأغنياء وفريق بات الثرى مأواه يتقلب عليه جوعاً ومناماً، لأن الفريق الأول قطع مدد الله المفروض عن الفريق الثاني، فانقطعت الصلة ونبت البغض وأصبح نداء المعدة لدى الجائعين الضائعين هو النداء الملبى دون النظر إلى مصدره ولو كان نداء إلحاد أو ارتداد، والمسلمون هم السبب ثم يتباكون إذا استشرى الداء، فلا
стр. 7690
فرض أدوه ولا مستحب فعلوه فجنوا شر مخالفة الكتاب ومجافاة السنة بما نحن غارقون فيه اليوم وبما هو معروف للكل وإلى الله المشتكى. ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ ومشكلة الوفاء بالعهود والوعود في مجتمع مسلمي اليوم أمر آخر نتج عن تركه وعدم الوفاء بما يقال أو يتعهد به على مستوى الفرد والمجموع والحكام، أننا أصبحنا نعيش في بحر متلاطم قوامه عدم الصدق وفقدان الثقة وسوء الظن وعدم اطمئنان النفس إلى غيرها، حتى الوعود والعهود المكتوبة يتلاعب بها ويتحايل على نقضها، ويدخل في ذلك مواثيق المنظمات ومعاهدات الحكومات، ذلك لأن الأصل الملزم للوفاء بالعهد لم يعد موجوداً في الصدور، وهو خشية الله وخوف عقابه إذا وقع خلف الوعد أو خيانة العهد، وإنما ديدن اليوم أن يظل الوفاء ما ظل النفع الذاتي أو الخوف من ضرر يتوقع ويصبح العهد هباء إذا لم يخش من نقضه ضرر لدنياه، ولا على باله شيء من سوء عاقبة حتى يحيق المكر السيئ بأهله، وعندها فقط يتذكر العهد بعد فوات الوقت ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ ، قالوا عن البأساء أصلاً إنه الفقر الشديد، على أنه المذل للنفس الإنسانية والمهين للكرامة البشرية بأكثر مما عداه مما يصاب به الإنسان، ولكن يدخل في البأساء أيضاً كل ما تبتئس به النفس وتكتئب فيما بعد الفقر الذي هو أشد ما يحزن ويبئس، فلا تجوز لمن يبتئس أن ييأس، فالحياة قلب وأيامها دول، وعليه أن يعتقد والصبر الجميل ستر مسدول عليه بأن الله سيجعل بعد عسر يسراً، وأن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً، ولن يغلب عسر يسرين، لكن أقول والأسف شديد إن ضيق الصدر وضياع الصبر في مجتمعنا الحالي أصبح هو المهيمن على تصرفاتنا، وكأننا نريد أن نخضع الدنيا لهوانا وميلنا، ونسينا أن ما عسى أن نكرهه قد يكون خيراً لنا وأن العكس أيضاً قد يكون ولماذا نذهب بعيداً في التدليل بعدم الصبر، ونحن الآن في منى نعيش التجربة كاملة، أرأيتم ما يفعل
стр. 7691
الناس عند الجمرات أثناء الرجم، هذا يدفع هذا، وهذا يسيء إلى هذا بلسانه أو بيده، واستعملت القوة البدنية وسط هذا الزحام لزيادة آلام الناس وعنائهم، وأكثر ما وقع بهم الحيف أهل الضعف من النساء والعجزة والمرضى وكبار السن، هل هذا هو الصبر في أعظم المواقف الذي يمتحن فيه أهل الإيمان ويظهر منهم حقيقة الصبر ليعظم لهم الأجر؟ وإذا تعرضنا لما يحدث عند الطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة لقلنا كثيراً مما ترونه جميعاً معي، بل إن عدم الصبر مع فريضة الصبر هذه وهي فريضة الحج يظهر جلياً على كثير من الحجاج وهم جلوس داخل خيامهم، فتراه ناقماً لأنه ما تصور وهو في بلده مرفه مدلل أنه سينام في ظل قطعة قماش وأن الرمل هو الفراش، وأنه لو استطاع أن يرسل في استدعاء قصره المشيد بفراشه الطري الرخي لفعل، وما خطر في باله أن الحج يقوم على مشقة يصبر عليها الرجال المبتغون المثوبة من الكبير المتعال، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ والأغلب في تعريفه أنه المرض، فأكثر ما يتضرر به الإنسان الأوجاع وفقدان صحة البدن، ولكن ذلك أيضاً لا يمنع كما قلنا من التضرر بغير المرض من ابتلاءات الله كما يشاء والتي لا ترياق لها إلا الصبر المحتسب، ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ . وقت القتال حينما ينادى بخيل الله لتركب، وهو رمز عسكري في الماضي، وما يشبهه اليوم ومستقبلاً مما يستنفر به الرجال لإذلال حزب الشيطان. ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية ١٤ من سورة التوبة. والقرآن زاخر بآيات البطولة والرجولة وعزة والركض إلى حيث النداء وكرامة الشهداء، سيرة في الدنيا عطرة وفي الآخرة عظمة، هكذا كنا يوماً فخرت أعناق الطواغيت تحت نعالنا، ودانت الجبال الشم لعزائمنا، ونظرة الرضا من الله في الآخرة لجنده هؤلاء شيء مستحيل وصفه، فماذا دهانا اليوم وا أسفاه، فقنا النمل عدداً وتمزقت أوصالنا بدداً، وطمع فينا وفي قدسنا
стр. 7692
عدو ضربت عليه الذلة، وما سمعنا في دنيانا بقدر ما بلغنا عن خبرها منذ وجدت أن لأهل التيه مكان دائم، وأن لهم دولة وأرضاً، إلا لما أبطلنا آيات الجهاد وأوقفنا أسوة الرسول الذي سير ستين سرية وقاد بنفسه سبعة وعشرين جيشاً وقاتل بنفسه في تسع منها، نعم قامت لليهود أعداء ربهم وقتلة أنبيائه ومبغضوا أوليائه دولة، ودولة اقتطعت من أكبادنا، حدث ذلك لما نسينا الله فنسينا بتسليط أحقر خلقه وتمكينهم منا ليذيقنا وبال أمرنا، فهل من صلح مع الله وقد رأينا نذره وما أمسينا فيه، عسى أن يصلح أمرنا ويعيد إلينا عز أيامنا؟.. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ ، والصدق هنا وعلى عمومه يشمل ثلاثة جوانب، صدق الاعتقاد وصدق القول، وصدق العمل، ونحن المخلوقين لا ندرك من غيرنا صحة الاعتقاد، فالقلوب يعلم ما بها العليم بذاتها، أو قد نتصور صدق المعتقد بقسم منه قد يصدق فيه وقد يكذب، ولكن الصدق في الآية هنا وصف من الله للذين عملوا بجوانب الخير المذكورة فلابد أنهم صادقون لما وصفهم الله بالصدق العليم بصدورهم، وصدق القول أظهر لنا من صدق الاعتقاد، حيث نستطيع مطابقة الخبر القولي للواقع العملي، ولكن ذلك يمكن أن يخالف، فقد يكون حريصاً على صدق قوله أمام الناس، وقد يكون عكس ذلك إذا غاب عنه الناس، لكن صاحب الصفات التي في الآية لما وصف بالصدق من ربه فيصبح بالتأكيد صادقاً أمام الناس أو في غيبتهم، والصادق في العمل أمامنا قد يكون قصده مراءاتنا أيضاً لنثني عليه حيث لا يرى إلا في مواضع الخير وأماكن التقوى، ولكن لا ندرى هل كان ذلك أمام الله أم لا؟ لكن في هذه الآية العظيمة، لما أصبح من أهلها ووصفه منزلها بالصدق، فهو إذاً باليقين صادق العمل، ومن هنا لما جمع جوانب الصدق الثلاثة يكون جمع الأسس الثلاثة جميعها التي في الآية (١) ، الاعتقاد القائم على الإيمان بالغيب فلا يشرك ولا يشك ولا يسأل (٢) ، أخوة المجتمع الإسلامي القائمة على الترابط والتعاون
стр. 7693
على البر (٣) ، تزكية النفس والتسامى بها ابتداء بالصلاة فما دونها من بقية العبادات وهنا نفى عن نفسه صورة البر الزائفة بوجهة المادة على المشرق أو المغرب دون جهة الروح المفصلة في الآية المجيدة، وأحلى وأجمل ما حمله معه المتصف بهذه الآية هو ختامها لما أسبغ عليه نعمة التقوى ظاهرة وباطنة، فأصبح سلوكه سلوك الربانيين وهذا أعلى منازل العباد عند الله بعد الملائكة والأنبياء.
هذا إيجاز موجز في معنى آية واحدة من كتاب الله، وقد تعرض للحديث عنها كثير من العلماء في كتيبات وكتب منفصلة حتى وصل بعضهم في الكلام عنها إلى كتاب مستقل بلغت صفحاته خمسمائة صفحة، فما بال القرآن كله إذاً؟.. سبحان من جعله كما قال عنه مخاطباً نبيه الذي أنزل عليه وجعله به خير عباده ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ .. "سورة النحل آية ٨٩"والمقصود بقوله تعالى ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ كل شيء شمل الدنيا التي ستنتهي والآخرة التي لا تنتهي، هكذا فهمه الكرام الأعلام السابقون من أهل هذا القرآن، واليوم ما أمره عند من ينتسبون أو يدعون الانتساب إليه، إنني أستطيع القول بلا أقل تحرج، إن قوله تعالى على لسان رسوله في بداية ما نزل القرآن: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ "سورة الفرقان: آية ٣٠ ".. يمكن أن تقال هذه الآية حرفاً ومعنى، وإلا فمن يجيبني عن هذه الأسئلة؟ كم حاكم مسلم الآن ينفذ حكومة القرآن؟ كم فرد من المسلمين اليوم يحفظونه والنذر الذي حفظه كم منهم فهمه، والأكثر ندرة من الذي فهمه هل على نفسه طبقه ونفذه؟.. إن الذي بقي من القرآن الآن مقرئو المآتم والإذاعات والحفلات يتاجرون به ويشترون بآياته ثمناً قليلاً، وقراءتهم إلى الغناء والتلحين أقرب، ليشدوا أسماع الجهلاء بحسن النعم وليس بحسن المعنى، والذي بقي من القرآن الآن آلاف من النسخ المطبوعة المكدسة في المساجد وفي
стр. 7694
المكاتب للغبار والفئران والأرضة، والذي بقي من القرآن الآن قراءته على القبور واستعماله للاستجداء والسؤال، والذي بقي من القرآن الآن جعله للشعوذة والأحجبة خوفاً من المرض والحسد ومس الجن في اعتقاد البلهاء المستدرجين والذي بقي من القرآن الآن كتابة بعض آياته على حلى النساء وخواتم الأصابع للرجال والنساء وفي غمرة الجنابة والحيض والجماع ودخول المراحيض وإزالة البراز والبول بالأيادي المكتوب عليها اسم الله وآياته، كل هذا وأكثر منه يحدث من الذين يقولون إنهم أمة القرآن المؤمنون بمنزله سبحانه ومبلغه ﷺ ، يحدث منهم هذا بهذه الصورة المجرمة الوقحة ولا يستحون معها أن يقولوا إننا مسلمون ونؤمن بكتاب الإسلام، ولم لا يكون من أمتنا ذلك ولم تبال حكوماتهم في برامج تعليمها على اختلاف مراحله بكتاب الله، لا تحفيظاً ولا تفهيماً ولا علومه المتخرجة منه إلى بعض جامعات وسط هذا الخضم المتلاطم من الجهل والنعيق بما لا يسمع إلا بالانحراف والإرجاف فهل من غيورين محزونين على ما أمسى فيه كتاب الله من ترك وتجاهل وإهمال فيتعاونوا على إعادة عصر القرآن الذي كان يهيمن فيه على كل تصرفات المجتمع بأسره صغاراً وكباراً، فقد حدث أن كان الأصمعي ﵀ يمر في طريق فوجد كما قال:"صبية خماسية أو سداسية العمر تجلس أمام بيت أهلها وهي تردد: (أستغفر الله لذنبي كله، انقضى الليل ولم أصله) ، فقال لها الأصمعي: أصغيرة لم يجر عليك قلم بعد في السماء، وتستغفرين الله بهذه الفصاحة؟ فقالت الصبية: وأين هذه الفصاحة من آية قصيرة في كتاب الله لم تزد عن السطرين، اشتملت على خبرين (تقصد الأخبار البلاغية) وأمرين، ونهيين، وبشارتين. فازداد الأصمعي غرابة وعجباً من حديث الصبية، وسألها عن هذه الآية وما تحويه من الأمور الأربعة التي ذكرتها، فقالت: الآية هي قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ
стр. 7695
فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ (سورة القصص رقم ٧) . والخبر الأول فيها يفيد الوحي ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ والخبر الثاني يفيد الخوف ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ والأمر الأول ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ والأمر الثاني ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ والنهي الأول ﴿وَلا تَخَافِي﴾ والنهي الثاني ﴿وَلا تَحْزَنِي﴾ والبشارة الأولى ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ والبشارة الثانية ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ . فسر الأصمعي من قول الصبية أيما سرور وقال: تعلم الأصمعي الذي يدعي أنه يعلم الناس من صبية في عمر أحفاده ".
هذا أمر وقع في حقبة من أحقاب عصر من عصور أضاءت بنور القرآن شملت الصغير والكبير، واليوم لا يعرف شيئاً عن القرآن صغير ولا كبير إلا من كان في هذا الزمان كالنواة مع القطمير، فأصابتنا المذلة لما هجرنا كتاب العزة إلى خصوم هذا الكتاب ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ سورة النساء آية ١٤٠ فهل من عودة إلى القرآن لنعود غالبين بعد أن أصبحنا مغلوبين نعم باعتقاد أكيد ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ سورة قد سمع آية ٢٢.
وعلى الله فليتوكل المؤمنون.
عبد الفتاح عشماوي
المعهد الثانوي
стр. 7696
المفهوم الصحيح للتوسل على ضوء السنة
لفضيلة الأستاذ حماد بن محمد الأنصاري الأستاذ بالجامعة الإسلامية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد.. فقد اطلعت على رسالة صغيرة كتبها شخص باسم عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري الحسني وسماها (اتحاد الأذكياء في التوسل بالأنبياء وغيرهم من الصالحين والأولياء) يدعو فيها إلى التوسل بذوات الصالحين مستدلاً على دعواه فيها بخمسة أحاديث مرفوعة وبخمسة آثار موقوفة، وعقب على كل واحد منها بأنه صحيح، وأنها دالة كلها على مرامه..
هذا وقد ألفت رسائل كثيرة في الرد على مثل هذه الرسالة، منها قاعدة التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وصيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ زيني دحلان للشيخ السهسواني، وغاية الأماني في الرد على النبهاني للألوسي، ومنهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس للشيخ عبد اللطيف، وتأسيس التقديس في الرد على ابن جرجيس لبابطين النجدي، ومصباح الظلام في الرد على ابن منصور للشيخ عبد اللطيف وغير ذلك كثير.
стр. 7697
فمشاركة لهؤلاء الأعلام في الذب عن السنة المطهرة وحفاظاً على العقيدة السلفية من أن يعبث بها كل لاعب رأيت من الواجب على بيان الحق نحو الأخبار والآثار التي لبس بها الغمارى على العامة فوضعت قلمي على هذه الأوراق مستعيناً بالله وحده، فإذا تلك الأخبار والآثار على قسمين، قسم دال مرامه ولكنه ضعيف جداً أو موضوع، وقسم خارج عن الموضوع على فرض صحته، وقد قدمت الكلام على الأحاديث المرفوعة التي ساقها في رسالته الصغيرة التي تقدمت الإشارة إليها. وكذلك ما ساق في أصل رسالته هذه ثم قفيته بالكلام على ما أورده من الآثار الموقوفة، وسميت هذه الرسالة (بتحفة القاري في الرد على الغمارى) فإليك أيها القارئ أدلة الغمارى التي لا تنطلي إلا على الأغمار لأنك إذا نظرت إليها تجد أن أسانيدها كلها لا تخلو من كذاب أو متهم بالكذب متروك الحديث أو مجهوله تنقطع أعناق الإبل دون أن يعرف. إضافة إلى أنه أورد فيها حديث عمر في الصحيحين وحديث الأعمى في السنن مع أنهما خارجان عن الموضوع، كما ستقرؤه إن شاء الله في محله.
стр. 7698
١- الحديث الأول من أحاديث الغمارى قال: "أخرج الطبراني في معجمه الكبير والأوسط عن أنس بن مالك ﵁ قال:"لما ماتت فاطمة بنت أسد أم علي ﵄ دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس عند رأسها فقال: "رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي تجوعين وتشبعينني وتعرين وتكسينني وتمنعين نفسك طيباً وتطعمينني تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة"، ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله ﷺ ثم خلع رسول الله ﷺ قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه ثم دعا رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون فحفروا قبرها فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ بيده وأخرج ترابه بيده فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ فاضطجع فيه وقال:" الله الذي يحيى ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين"، وكبر عليها أربعاً وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر ﵄ ". قال: قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح غير روح بن صلاح، وقد وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف. قال فالحديث صحيح وله طرق، منها عن ابن عباس عند أبي نعيم في المعرفة والديلمي في مسند الفردوس بإسناد حسن كما قال الحافظ السيوطي"، انتهى كلام الغمارى. قلت: قال الحافظ ابن حجر في اللسان: "إن روح بن صلاح ذكره يونس في تاريخ الغرباء وقال: هو من أهل الموصل قدم مصر وحدث بها. رويت عنه مناكير ". قال الدارقطني:"ضعيف في الحديث ". وقال ابن ماكولا:"ضعفوه، سكن مصر ". وقال ابن عدى بعد أن أخرج له حديثين:"وله أحاديث كثيرة في بعضها نكرة "، وقال الذهبي في الديوان:"روح بن صلاح عن ابن لهيعة قال ابن عدى: ضعيف ". وقال السهسواني في الصيانة:"روح ضعيف
стр. 7699
ضعفه ابن عدى، وهو داخل في القسم المعتدل من أقسام من تكلم في الرجال، كما في فتح المغيث للسخاوى، ولا اعتداد بذكر ابن حبان له في الثقات فإن قاعدته معروفة من الإحتجاج بمن لا يعرف كما في الميزان، وكذلك لا اعتداد بتوثيق الحاكم وتصحيحه فإنه داخل في القسم المتسمح "، قال السخاوى: وقسم متسمح كالترمذي والحاكم ". وقال السيوطى في التدريب:"وهو متساهل فما صححه ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحاً ولا تضعيفاً، حكمنا بأنه حسن إلا أن تظهر فيه علية توجب ضعفه ".
وقال البدر بن جماعة:"والصواب أنه يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الضعف أو الصحة "، ووافقه العراقي وقال:"أن حكمه عليه بالحسن فقط تحكم ". فقول الحاكم وابن حبان عند التعارض لا يقام له وزن حتى ولو كان الجرح مبهماً لم يذكر له سبب، فكيف مع بيانه، كما هو الحال في ابن صلاح هذا، فأنت ترى أئمة الجرح قد اتفقت عباراتهم على تضعيفه، وبينوا أن السبب رواية المناكير، فمثله إذا انفرد بالحديث يكون منكراً لا يحتج به، فلا يغتر بعد هذا بتوثيق من سبق ذكره إلا جاهل أو مغرض.
فحديث أنس هذا الذي تبين أنه ضعيف أوهم الغمارى أنه صحيح بتمسكه بتوثيق ابن حبان والحاكم لروح بن صلاح، وقد بينا ضعفه وعدم اعتداد العلماء بتوثيق المذكورين فتذكر. ولم يكتف بهذا التلبيس بل قال عقبه:
ولهذا الحديث طرق منها عن ابن عباس عند أبي نعيم في المعرفة والديلمى في الفردوس بإسناد حسن كما قاله الحافظ السيوطى.
فهذا كذب منه على ابن عباس ﵄ وربما على السيوطى أيضاً فليس في حديث ابن عباس موضع الشاهد من حديث أنس وهو قوله (بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي فإنك أرحم الراحمين) .
стр. 7700
قال ابن الأثير في أسد الغابة ما نصه:"أخبرنا أبو الفرج بن أبي الرجاء إجازة بإسناده عن أبي بكر بن أبي عاصم حدثنا عبد الله بن شبيب بن خالد القيس حدثنا يحيى بن إبراهيم بن هاني أخبرنا حسين بن زيد بن على عن عبد الله بن محمد بن عمر بن على عن أبيه أن رسول الله ﷺ كفن فاطمة بنت أسد في قميصه واضطجع في قبرها وجزاها خيراً ".
وروى عن ابن عباس نحو هذا وزاد:"فقالوا: ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بهذه؟ قال: إنه لم يكن بعد أبي طالب أبر بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت في قبرها ليهون عليها عذاب القبر " [١] .
وقال ابن عبد البر:"روى سعدان بن الوليد السابرى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم على بن أبي طالب ألبسها رسول الله ﷺ قميصه واضطجع معها في قبرها، فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه؟ فقال: "إنه لم يكن بعد أبي طالب أبر بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة واضطجعت معها ليهون عليها " [٢] .
ورواه الطبراني في الأوسط أيضاً بدون هذا الشاهد مثل رواية ابن عبد البر، وقال الهيثمى:"وفيه سعدان بن الوليد ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات " [٣] . ولفظه في المجمع عن ابن عباس قال:"لما ماتت فاطمة أم على بن أبي طالب خلع النبي ﷺ قميصه وألبسها إياه واضطجع في قبرها، فلما سوى عليها التراب قالوا: يا رسول الله رأيناك صنعت شيئاً لم تصنعه بأحد؟ فقال:"إني ألبستها قميصي لتكسى من ثياب الجنة واضطجعت معها في قبرها ليخفف عنها من ضغطة القبر، إنما كانت أحسن خلق الله إلي صنيعاً بعد أبى طالب ". وليس في هذه الروايات عن ابن عباس ذكر للشاهد الذي تقدم في حديث أنس ﵁ ".
٢- وعند الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة "أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض وبكل حق هو لك وبحق السائلين عليك ".
стр. 7701
قلت: قال الهيثمى في المجمع:"وفيه فضالة بن جبير وهو ضعيف مجمع على ضعفه ". وقال الذهبي في الميزان:"قال ابن عدى عامة أحاديثه غير محفوظة ". وقال ابن حبان:"لا يحل الاحتجاج به بحال، يروي أحاديث لا أصل لها "هكذا في الفوائد المجموعة للشوكاني ﵀.
٣- وعن ابن عباس قال:"سألت النبي ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه قال: "سأل بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت على فتاب عليه.." انتهى. قلت: قال الدارقطني:"تفرد به عمرو بن ثابت أبو المقدام بن هرمز الكوفي يكنى أبا ثابت وقد قال يحيى: أنه لا ثقة ولا مأمون ". وقال ابن حبان:"يروي الموضوعات". وقال الذهبي في الميزان:"قال النسائي: متروك الحديث "، وقال أبو داود:" رافضي".
وقال عبد الله بن المبارك:"لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف "وفي سؤالات الآجري أبا داود عنه أنه قال:"رافضي خبيث وهو المشئوم ليس يشبه حديثه أحاديث الشيعة "، ذكره ابن عراق في الوضاعين وقال:"عمرو بن ثابت أبي المقدام "قال ابن حبان:"روى الموضوعات عن الثقات "وذكره الفتني أيضاً في قانون الضعفاء وقال:"متروك ".
قال يحيى:"عمرو بن ثابت لا ثقة ولا ثابت، إن الله تعالى قد بين الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، فدعا بها هو وحواء بقوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . وهذا أقوى رد للمتن الذي رواه هذا الوضاع المجوسي الأصل من غلاة الروافض ".
٤- حديث الأعمى عند الترمذي والنسائي في عمل اليوم والليلة وابن ماجه، وهذا الحديث على القول بصحته فليس فيه متمسك على دعواه لأن الأعمى إنما توسل بدعائه ﷺ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره في قاعدة التوسل والوسيلة.
стр. 7702
ذكر أن العز بن عبد السلام أوقف القول بجواز التوسل به ﷺ على صحة هذا الحديث، ولكنه لا يدل على التوسل بذاته الشريفة ﷺ بل إنما يدل على التوسل بدعائه ﷺ للأعمى لقوله ﷺ للأعمى:"إن شئت دعوت وإن شئت صبرت" ولقول الأعمى في آخر دعائه "اللهم فشفعه في".
وسيأتي بسط الكلام على هذا الحديث عن قريب إن شاء الله عند الكلام على حديث الطبراني في توسل عثمان بن حنيف.
٥- الحديث الخامس أخرج الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ في كتابه ثواب الأعمال من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه "أن أبا بكر ﵁ أتى النبي ﷺ فقال: إني أتعلم القرآن ويتفلت مني، فعلمه النبي ﷺ أن يقول:"اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيك وعيسى كلمتك وروحك وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد ﷺ وعليهم أجمعين " (الحديث) لم يزد الغمارى على قوله في هذا الحديث (وهو ضعيف لضعف عبد الملك، ولأن فيه انقطاعاً بين أبيه وبين أبي بكر كما قال الحافظ العراقي في المغنى) .
قلت: قصر في البحث أو أراد التلبيس كما هو عادته لأن عبد الملك بن هارون بن عنترة قال السعدي:"دجال كذاب "، وقال يحيى بن معين أيضاً:" كذاب ". وقال أبو حاتم:"متروك ذاهب الحديث "، وقال ابن حبان:"يضع الحديث وهو الذي يقال به عبد الملك بن أبي عمرو ". وقال الذهبي:"واتهم بوضع الحديث "، وكذلك ابن عراق ذكر في الكذابين ما قال السعدي وابن حبان فيه. وقال الفتني في قانون الضعفاء:"عبد الملك بن هارون الشيباني كذاب دجال يضع ".
وقال الحافظ في اللسان:"قال صالح بن محمد عامة حديثه عن أبيه كذب، وأبوه هارون ثقة ". وقال الحاكم في المدخل:"روى عن أبيه أحاديث موضوعة ".
стр. 7703
وقال أبو نعيم:"يروى عن أبيه مناكير وأبوه هارون بن عنترة الشيباني الكوفي فقد قال الحافظ في التقريب: لا بأس به، الدارقطني يحتج به وأبوه يعتبر به وأما ابنه عبد الملك فمتروك يكذب "- الميزان.
٦- قال الطبراني في الصغير ثنا محمد بن داود بن أسلم السدفي المصري ثنا أحمد بن سعيد المدني الفهري ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أذنب آدم ﵇ الذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى العرش فقال:"أسألك بحق محمد إلا غفرت لي " الحديث ورواه الحاكم في المستدرك أيضاً قال ثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل ثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري ثنا إسماعيل بن مسلمة أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر به ففي هذا الحديث آفات كثيرة سكت عنها الغمارى لأنها لا تتلاءم مع غرضه من التلبيس. منها إن الذهبي قال في الميزان:"عبد الله بن مسلم أبو الحارث الفهري روى عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبراً باطلاً فيه: (يا آدم لولا محمد ما خلقتك) . قال في تلخيص المستدرك: بل هو موضوع وعبد الرحمن واه ".
стр. 7704
وقال أيضاً:"رواه عبد الله بن مسلم الفهري ولا أدري من ذا عن إسماعيل بن مسلمة "قال الحافظ في اللسان:"لا استبعد أن يكون هو عبد الله بن مسلم بن رشيد وقد ذكره ابن حبان من المتهمين بوضع الحديث، لا يحل كتب حديثه، وهو شيخ لا يعرفه أصحابنا وإنما ذكرته لئلا يحتج به أحد من أصحاب الرأي لأنهم كتبوا عنه فيتوهم من لم يتبحر في العلم أنه ثقة وهو الذي روى عن أبي هدبة نسخة كأنها معمولة، ضبط الخطيب أباه بالتشديد وجده بالتصغير ". قلت: وإسماعيل بن مسلمة هذا صدوق يخطئ، وفيه أيضاً مجاهيل كما قال الهيثمى في المجمع رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه من لم أعرفهم [٤] .
وقال الطبراني:"لا يروى عن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن صعيد المدني الفهري عن عبد الله به إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده [٥] . عبد الرحمن بن زيد، قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حدثك أبوك عن أبيه أن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت خلف المقام ركعتين؟ قال: نعم. قال محمد بن عبد الله: سمعت الشافعي يقول: ذكر لمالك حديث فقال: من حدثك به؟ فذكر به إسناداً منقطعاً فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح ﵇ "انتهى.
وقال في الصارم قال الحاكم أبو عبد الله:"روى عبد الرحمن عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ".
وأما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فضعيف غير محتج به عند أهل الحديث. قال الفلاس:"لم أسمع عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه ". وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل:"ضعيف ".
стр. 7705
وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين:"ليس حديثه بشيء ". وقال البخاري وأبو حاتم الرازي:"ضعفه علي بن المديني جداً ". وقال أبو داود وأبو زرعة والنسائي والدارقطني:"ضعيف ". وقال ابن حبان:" كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوفات فاستحق الترك ". وقال الحاكم أبو عبد الله:"روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ". وقال ابن خزيمة:"عبد الرحمن بن زيد ليس ممن يحتج أهل الحديث بحديثه ". وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني:"حدث عن أبيه، لا شيء ".
وما ذكرناه في هذا المكان من كلام أئمة هذا الشأن في بيان حال عبد الرحمن وحال الفهري فيه كفاية لمن له أدنى معرفة بهذا الشأن فكيف يسوغ لأحد الإحتجاج بحديث في إسناده مثل هذين الضعيفين المشهورين بالضعف ومخالفة الثقات اللذين لو كان أحدهما وحده في طريق الحديث لكان محكوماً عليه بالضعف وعدم الصحة فكيف إذا كانا مجتمعين في الإسناد.
следующие страницы →