Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.
стр. 7631
أ - أول ما يواجه القارئ في ذلك البحث ما يحسه من تركيز الكاتب على تفنيد الزعم الذي يريد أن يلحق أبا الأنبياء إبراهيم ﵇ بالنسب اليهودي إذ راح يستنبط من نشأته في أطراف بادية البصرة، الدليل الحاسم على انقاء العبرية والبابلية عنه نهائياً.. فإذا ما ثبت له هذا الانتقاء لم يبق إلا الحكم بعروبته، وإذن فليس إبراهيم عبرياً ولا بابلياً ولكن عربي عرقاً ودماً ولساناً.. ونحن لا يعنينا هنا أن نجادل في هوية الأرض التي درج عليها خليل الله (ع) فما ذلك مما يتصل بغرضنا في هاذ التعقيب، وإنما نذكر الدكتور الفاضل بأن أفحم رد على مزاعم يهود، في شأن هوية إبراهيم، إنما هو في شهادة الذكر الحكيم، الذي يقول لأهل الكتاب جميعاً: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وكيف يكون عبرياً ولم تكن العبرية قد وجدت بعد، وأين هو من النصرانية وقد سبقها بألفي سنة؟.
أما العروبة من حيث هي هوية لجنس، فما كان لها من ذكر في أيام إبراهيم ولم يحدث لها تجمع قومي قط يستحق اسم الأمة إلا بعد توحيد الإسلام للجزيرة العربية.. فيبقى النسب اللساني وهو الحقيقة الحاسمة، لأن لغة سام بن نوح ﵇ ظلت في هذا الموطن قروناً محافظة على أصولها، فلم تحتك بها الألسنة إلا عقيب تباعد أصحابها وتفرقهم في أكناف الجزيرة.. كما تختلف لهجات العرب اليوم حتى لا يفهم جزائرى شامياً ولا يماني مغربياً إلا أن يرجعوا إلى لغتهم الأم.
فلغة إبراهيم ﵇ هي لغة سام، وهي لغة العرب التي بها نزل كتاب الله على قلب محمد صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك فما نسميه عربياً، لأن اللغة لم تكن قد اكتسبت هوية الجنس في أيامه، ولن نجد لأبي الأنبياء نسباً أكرم وأجل وأشرف من كونه حنيفاً مسلماً، كما سماه الله.
стр. 7632
على أن ثمة فجوة في تتبعه جرائر أولئك الشياطين ما كان ينبغي أن يغفلها كما فعل، وأريد بها تسلل أولئك المفسدين إلى الفكر العالمي عن طريق المؤسسات السرية التي خدعوا بها (العميان) من مختلف الشعوب، حتى جروهم مخدرين إلى الكدح لتنفيذ ما خططوا له من اغتصاب فلسطين، ومثل الدكتور الظاظا في تخصصه وبعد نظره لا يتوقع أن يجهل دور الماسونية وعصائب النور والروتاري وما إليهن من فخاخ اليهود في قيام إسرائيل.. ولا سيما بعد الخطاب الذي تلقاه أخيراً مجلس الأوقاف الإسلامية في القدس من كبير محافل الماسونية في الولايات المتحدة والذي يعرض على المجلس مئة مليون دولار، مقابل التخلي عن المسجد الأقصى، ليعيدوا كمانه هيكل سليمان. وقد فضح أمر هذا الخطاب في بعض الصحف فضيلة الشيخ عبد الحميد السائح أيام كان وزيراً للأوقاف والمقدسات الإسلامية في الأردن [١] .
ب- ويتوسع الكاتب في الاستدلال على ما ذهب إليه من عربية أبي الأنبياء ﵇ فيقول في المقطع نفسه: (والدليل على هذا أنه اختار موضعاً عربياً آخر لإقامة أول بيت وضع للناس، وكان اختياره هذا في قلب بلاد العرب وفي مكة المكرمة [٢] .
إن ههنا لدعوى خطيرة لا يملك الكاتب عليها من دليل سوى الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً.. فإبراهيم في هذا الادعاء صاحب الفكرة في إقامة البيت العتيق، وهو الذي اختار مكة لتكون محج الناس إليه!.. ولن يجد القارىء عذراً لمفكر مسلم يسمح لنفسه بارسال مثل هذه الأحكام وأمامه كتاب الله ينطق بالحق، فيقرأ فيه قوله ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ .
стр. 7633
أجل يا سيادة الدكتور إن الذي أمر إبراهيم بإقامة البيت وحدد له مكانه في قلب بلاد العرب، بل في سرة الدنيا كلها، كما ثبت بالكشف العلمي إنما هو الله الذي جعل من الحج إلى هذا البيت معجزة الأيد، يتلاقي حوله البشر من كل فج عميق، ليتذكروا في ظله أصلهم الذي حجبته العصبيات ويستعيدوا في رحابه وحدتهم التي مزقتها الشهوات، وما كان إبراهيم سوى منفذ لمخطط وضع للناس من فوق سبع سموات.
جـ ـ فإذا ما انتهى البحث إلى ذكر المسيح ﵇ فاجأنا الكاتب المفضال بادعاء آخر لا يقل غرابة عن سالفه.
يقول الدكتور تحت عنوان (موقف اليهود من المسيحية) بعد هذا تظهر أكبر هزة في تاريخ اليهودية مع ظهور السيد المسيح. والعمل الذي عمله المسيح، وجربه على نفسه كراهية اليهود جميعاً هو أنه أمر حوارييه أن يبشروا بشريعة الله بين الأمم الأخرى ... وكانت هذه أول مرة يكسر بها عيسى بن مريم الإتفاق الذي تم بين كهنتهم على احتكار الدين [٣] .
ويريد الدكتور باحتكار الدين قصر رسالة موسى على بني إسرائيل وحدهم وهو أمر يبرىء منه موسى لأنه يعتبر دعوته عالمية، بدليل (أنه قام في وجه فرعون، ودعاه إلى الإيمان بالله الواحد [٤] .
ومن أجل ذلك يرى الدكتور في عمل السيد المسيح خروجاً بالدعوة من نطاق بني إسرائيل الاحتكاري إلى المنطلق العالمي.
وأقل ما يقال في مثل هذه الآراء أنه لم يرجع فيها إلى وحي ولا علم، وكان أحرى بمثله أن يتذكر بالأقل أن الموضوع فوق مستوى التظني، لأنه من متعلقات الرسالات الإلهية، فلا علم لأحد بها إلا عن طريق الخبر المعصوم.
والمعلوم بالضرورة لدى أهل التحقيق أن كل رسول إنما كان يبعث في قومه مقصوراً عليهم، يستوى في ذلك موسى وعيسى وسائر إخوانهما النبيين لم يستثن من هذه القاعدة سوى خاتمهم محمد عليه وعليهم صلوات الله وسلامه أجمعين..
стр. 7634
فالله تبارك اسمه يقول: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ [٥] وهذا موسى ﵇ يقول لقومه ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ وعيسى ﵇ يقول ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ فلما بعث خاتم النبيين، ﷺ ، أعلمه ربه بعالمية رسالنه قائلاك ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاس﴾ وأمره أن يقول للبشرية كلها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ " ... وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة" وهو واحد من أحاديث كثيرة في هذا المعنى.
وهكذا ظلت البشرية موزعة على قيادات النبيين حتى جاء خاتمهم الأعظم ﷺ ، فوجب عليها أن تنضوي بأسرها تحت لوائه، فكان منها فسم سعد بالإيمان به فهم أمة الإجابة، وكان منهم مخلفون رفضوا نور الله الذي جاءهم به فضلوا فهم لا يهتدون سبيلا.
وليس معنى تخصيص الرسل بأقوامهم أن ثمة تعداداً في جوهر الدين، بحيث يكون لكل نبي دين مباين للآخر، كما يزعم أعداء الحق، فدين الله واحد هو الإسلام له سبحانه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلام﴾ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ والدين الخاتم ليس سوى جماع الدين الحق، الذي أرسل به تعالى رسله جميعاً ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ .
стр. 7635
وإنما اقتضت مشيئة الحكيم العليم ﷻ أن يراعي في رسالاته أحوال عباده، فكان كل نبي يبعث في قومه مصدقاً رسالة السابقين والمعاصرين واللاحقين من إخوانه، لا تختلف رسالة أحدهم عن رسالة الآخر إلا بما يخص به الله الأقوام من تشريعات تيسر لهم سبيل الخير، وتضعهم على المحجة التي تحميهم منن بغي بعضهم على بعض، وبذلك يقتربون تدريجياً من الصيرورة إلى التعارف الذي يضيق مسافة الخلف، حتى إذا أظل عهد الرسالة الخاتمة كانت البشرية قد أصبحت مؤهلة للتلاقي على الوحدة العالمية.
ولو رجع الدكتور الفاضل إلى أسفار أهل الكتاب عتيقها وجديدها- لرأى هذا الحقيقة ماثلة في العديد من النصوص، وليقرا هناك في إنعام تصريح السيد المسيح بأنه إنما بعث لخراف بني إسرائيل الضالة. فهو إذن إليها أرسل وإياها يدعو..
على أن هذا لا ينافي أن يقوم النبي بتبليغ بعض الأقوام من غير أمته إذا رأي فيهم بعداً عن مهيع أنبيائهم السابقين، وبخاصة في ما يتصل بأصول الدين التي بعث الله بها أنبياءه جميعاً. لأن إهمال مثل هؤلاء مؤد إلى شيوع مفاسدهم في المجاورين لهم.. ومن هذا القبيل قصة الرسل المذكورة في سورة ياسين على مذهب من المفسرين بأنهم موفدون من قبل المسيح بن مريم ﵇.
وأما الاستدلال بدعوة موسى ﵇ فرعون على عالمية رسالته فليس بشيء، لأن موسى مواطن في بلد فرعون، فكل سكان ذلك البلد قومه، وقد رأينا يوسف ﵇ من قبله يعرض الإسلام على نزلاء سجنه لأنه موجود بين ظهرانيهم، فلا عذر له في السكوت على هدايتهم.
стр. 7636
ويبقى هنا ما ذهب إليه الكاتب الفاضل من القول بأن كراهية اليهود للسيد المسيح إنما تفجرت من تجاوزه بالدعوة حدود قومه إلى الأمم الأخرى.. والحق أن كراهيتهم للمسيح ليست بدعاً في تاريخ قوم آذوا موسى، واتخذوا العجل إلهاً، ونبيهم بين أظهرهم وبلغوا من الطغيان إلى حد استباحة دماء الأنبياء، وكادوا يفعلون ذلك بخاتمهم يوم بني النضير، لو لم يحفظه الله من غدرهم، حتى كان فتح خيبر، فدست ابنة الحارث- زوجة سلام بن مشكم- له السم في ذراع الشاة، فلم يزل يحمل أثره حتى أتم الله به الرسالة للثقلين، فأذن آنذاك لسم اليهودي بأن يعمل عمله في أبهره الشريف، بأبي هو وأمي، وبذلك كتب الله له الشهادة فكان كإخوانه من النبيين الذين قتلهم غدر اليهود.
د- وأخيراً لقد وقف الكاتب الفاضل القسم الكبير من مقاله على إبراز آثار الثقافة الإسلامية والعربية في الفكر اليهودى وما إليه من الفنون، ولما أراد الحديث عن الشعر بدأ بمزامير نبي الله داود ﵇ فقال: "حتى الشعر فإنهم يقولون: برع اليهود في الشعر قديما براعة لم يكن يدانيهم أحد فيها. واشتهرت من ذلك (مزامير داود) التي كانت مجموعة من التسابيح لله سبحانه، وكانت شعراً.
стр. 7637
هكذا يعرض الدكتور فكرته دون تحفظ ولا فصل، حتى ليحس القارىء أنه يصدر حكماً على هذه المزامير بأنها عمل داود.. ونحن لا نجادله في صياغة المزامير سواء كانت شعراً أو نثراً.. وإن كنا نرجح لها صفة النثر، لعموم قوله تعالى في القرآن العظيم في حق نبيه محمد ﷺ : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي﴾ فكما أن الشعر لا ينبغي لمحمد ﷺ ، فهو بالعلة نفسها لا ينبغي لأي نبي غيره. وما في ذلك مهانة للشعر، بل لأن الشعر مجالات للتعبير لا تهتم بالموضوعية الثابتة بقدر ما تهتم بالتصوير الوجداني المتموج، وبذلك يقع من الشاعر مالا يقع من النبي والعالم من تبدل المواقف تبعاً لتبدل الأحوال النفسية.
أجل نحن لا نجادل الكاتب في نوعية الصياغة لأسلوب المزامير، وإنما ننافشه في ما يفهم من كلامه أنها من عمل داود، لا من وحى الله إلى داود، وهذا ما يتنافي كلياً مع الحقيقة التي تطالعنا في قول ربنا ﵎: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ نقول هذا بغض النظر عن كتاب المزامير المنسوب إلى داود في مجموعة العهد القديم، إذ هون كغيره من وثائق أهل الكتاب خاضع للنقد ورد كل مالا يقوم على صحته الدليل.
والله حسبنا ونعم الوكيل.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر مجلة (الوعي الإسلامي) عدد رجب ١٣٨٥ هـ.
[٢] ص ١٤٠ عمود ٣.
[٣] ،
[٤] ص ١٤١.
[٥] سورة الأعراف.
стр. 7638
تعقيب على تعقيب
للشيخ محمدالمجذوب
سيدي الأستاذ الكبير..
السلام عليكم ورحمة الله وبعد: قرأت في العدد الثالث السنة العاشرة من مجلة "الجامعة الإسلامية"تأملاتكم المضيئة في كتابي "الله أو الدمار"وقد سعدت أيما سعادة بالتفاتكم إلى جهدي الضعيف، وتحفيكم به، وتأنيكم في دراسته ونقده. والله أسأل أن ينفع بكم ويحسن إليكم قدر إفادتي من تصويباتكم التي تلقيتها بأدب الطالب المجتهد أمام أستاذه القدير.
غير أني أرجو أن يتسع صدركم لنقطة، وأخرى، بدا لي أن أدفع إليكم برأيي فيهما رغبة في الاستفادة إن شاء الله:
أما الأولى: فمسألة الحديث "اختلاف أمتي رحمة": فقد جعلت ولدي - منذ ألقى الله سبحانه نور الإيمان في صدري - تبصير أجيالنا الناشئة بأن خلاص هذه الأمة منوط بالرجوع إلى أصلها.. وإن في مقدمة تلك الأصول الدعوة إلى العلم. إذ هو طلبة المؤمن أخذه حيث وجده لأنه نتاج تراكمات حضارية تاريخية مستمرة لا تختص به أمة بعينها. وغاية ما يجب أن نسعى فيه الجمع بين نور الإيمان وهدي العقل.. بين الأصالة والمعاصرة، على نسق متناغم مطرد في إطار الفكر الديني الإسلامي. والأستاذ الجليل أكثر مني علما وأوسع اطلاعا في أن مصيبة هذه الأمة أتتها من انغلاق باب الاجتهاد في المتغيرات والفروع مع التمسك بالثوابت والأصول، مدة تزيد على ستة قرون، انطوى فيها ألق الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه وانصرافهم إلى اجترار اجتهادات السلف، وما طرأ على اجتهاداتهم من دخل وتزييف دون إعمال العقل فيما انتهى إلينا بروح العصر.. وبذل الوسع - كما قلتم فضيلتكم - في إصابة الحق حسب توجيهات الكتاب المجيد، ولا بأس بعد ذلك في تباين الفهوم. ففي هذا متسع للمواهب غير محدود..
стр. 7639
أما الثانية فهي: "قضية الجن".. وهي قضية غيبية علمها عند ربي، نؤمن بها ولا نفهمها لأنها ككل القضايا الغيبية الأخرى تفوق ذرع عقولنا وتعدو قدرات حواسنا وقد أمرنا ربنا أن لا نخوض فيما لا علم لنا به، ولعل فتح باب النقاش في كيفية "الاتيان والتلقي، وتبلغ الدعوة أو تبليغها"في هذه الظروف التي تخوض فيها أمتنا الإسلامية معركة بقائها أو فنائها، هو ترف "بيزنطي"لا يجوز أن نخوض فيه أو أن يشغلنا عن معالجة مشاكل الإنس قبل الجن! كيلا يصبح مثل هذا النقاش الذي لا يجدي من دون الله ونبيه ودينه شيئا قليلا أو كثيراً.. والإلحاح فيه، ونحن نواجه الغزو الكافر من كل حدب وصوب تعرضاً لمظان السوء، ومدخلا للشك والتشكيك.
بقيت كلمة صغيرة حول تعبير "صليب يسوع":
فيسوع يا سيدي هو عيسى بن مريم ﵇ وصليب يسوع تعبير رمزي عن أشد أنواع المكابدة، والمعاناة في سبيل الدعوة إلى الحق..
أصلح الله لكم، وأصلح بكم، وجعلكم للحق هاديا وللخير داعيا.
المخلص-- سعد جمعه
تقدير وتذكير:
من حق الكاتب الفاضل أن نشكره على هذا التعقيب الهادئ. وما نرى داعياً لمزيد على ما قدمناه في تعقيبنا على كتابه النفيس، إلا كلمة صغيرة هي أننا لم نثر موضوع الجن ابتداء، بل رأينا الحديث يثار حوله بطريقة لا تتفق مع الثابت من حقائق الوحي، فكان من موجبات الأمانة أن نقول فيه مالا عذر في كتمانه.
стр. 7640
أما (صليب يسوع) فهو واحد من مصطلحات دخيلة لا ينبغي أن نسمح لها بالتسلل إلى الأدب الإسلامي.. وما أكثر هذه الدخائل التي تهاجم اليوم أقلام المؤمنين وألسنتهم تحت مظلة (التقدم) و (التجديد) ! وأقرب الأمثلة على ذلك نسبة (الفعل) إلى الطبيعة، حتى لنرى من يقول (الطبيعة عملت) و (الطبيعة زودت) و (الطبيعة وجهت) ولا نغالي إذا قلنا إن هذا الشذوذ قد تسرب حتى إلى أقلام بعض الطيبين، دون أن يفطنوا إلى أنهم بذلك يؤلهون الطبيعة من حيث لا يعلمون.
ومثل الأستاذ سعد جمعه من أحق المفكرين بسد الباب في وجه هذه الذرائع المريبة والله الموفق..
محمد المجذوب
стр. 7641
سؤال وجواب
لفضيلة الشيخ عبد العزيز الربيعان
سأل سائل:
"في بلدنا خطيب يخطب في العيدين والجمعة ويأتي بهذا الألفاظ: غوثنا، وغياثنا، ومغيثنا، عوننا، ومعيننا، ومأوانا، ومنجانا، نوره من نور الله، عالم ما كان وما يكون.. يعني بذلك رسول الله ﷺ .. هل ذلك جائز؟ .. بينوا تؤجروا".
الجواب:
هذا الكلام شرك بالله تعالى حيث إن هذا الخطيب أنزل الرسول ﵊ منزلة لا تليق إلا بالله فوصفه بالصفات التي لا يوصف بها سواه ، أما النبي ﵊ فهو مخلوق لا يتميز عن غيره من الخلق إلا بما ميزه الله به من كونه رسوله إلى جميع أهل الأرض يبلغهم عن ربه ويدعوهم إليه ويرشدهم إلى سبيله وأسباب مرضاته وقد منَّ الله عليه فشرفه على جميع الخلق بما فيهم رسل الله الذين هم أفضل خلقه، وهو ﷺ لا يملك غوث أحد ولا نفعه ولا دفع الضرر عنه حتى ولا عن نفسه، وهو أيضا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله ولم يعلمه الله كل شيء كان وكل شيء سيكون وإنما اختص هو بعلم ما كان وعلم ما سيكون، ومن نسب ذلك إلى أحد من الخلق فهو جاهل بالله وجاهل بدين الإسلام الذي أصله وأساسه توحيد الله بربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، وجاهل أيضا بسيرة الرسول ﷺ وهديه الذي ما كان يكره شيئا من المعاصي كبيرها وصغيرها مثل كراهيته للشرك ولو كان شركا صغيرا لا يخرج الإنسان من الملة الإسلامية قال تعالى مخاطبا نبيه محمدا ﵊: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ أي ولا نفعا - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ
стр. 7642
وَاحِدٌ﴾ الآية.. وهذا الخطيب فوق كونه يصف الرسول ﵊ بصفات لا يجوز أن يوصف بها غير الله هو أيضا يدعو الرسول ويستغيث به ويسأله ويستعين به وكل واحدة من هذه المسائل شرك أكبر بدليل أن الله يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهذا عام في جميع من دعا أحدا دون الله، وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يعنى نعبدك وحدك ونستعين بك وحدك فخص الاستعانة بالذكر مع أنها داخلة في العبادة، ولما بلغ الرسول ﵇ أن أحد الصحابة قال: قوموا بنا نستغيث برسول الله: "من هذا المنافق"- يعنى عبد الله بن أبي بن سلول - قال ﵊: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله", مع أن الصحابي يقصد الاستغاثة بالرسول لأمر يملكه الرسول ويستطيع القيام به وهو أيضا حينذاك حي، فما بالك إذا كان هذا الخطيب أو غيره يستغيث بالرسول ﵇ لأمر لا يملكه إلا الله بل يستغيث بمخلوق ميت، وأما قوله: نوره من نور الله فهذا من كلام الخرافيين المبتدعة الذين يقولون على الله بلا علم ويحسبون أن إطراء الرسول ﵇ ووصفه بالأوصاف التي لا مستند لها من كتاب الله ولا من سنة رسول الله هو سبيل النجاة هو دليل حبه ﵇ ولو فقهوا في دين الله ووفقوا لمعرفة الحق لعلموا أن دليل حب الرسول متابعته والسير على سنته والتزام منهجه بالقول والعمل والاعتقاد والسلوك ولعلموا أنه قال ﵇: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، وقال: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"، فهل قال القرآن أن محمدا من نور الله؟.. أو قال ذلك الرسول نفسه؟.. الجواب لا،
стр. 7643
إذاً من أين لهؤلاء مثل هذا الكلام؟.. إنه من عند أنفسهم وما ورثوه عمن صار سببا في ضلالهم.
يالها من عقول أفسدتها الخرافة وضللها التقليد الأعمى ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ .
وإن تعلق هذا الجاهل وأمثاله بما ورد في مصنف عبد الرازق من الحديث الذي مفاده أن أول المخلوقات نور محمد ﷺ وأن المخلوقات الأخرى خلقت من ذلك النور ... الخ، فهو حديث موضوع مكذوب وقد تكلم عليه العلماء قديماً وحديثاً وبينوا أنه حديث باطل لا أصل له عن رسول الله ﷺ ، وآخر من علمته تكلم عن هذا الحديث وبين بطلانه الشيخ أحمد عبد القادر الشنقيطي المدني، فقد ألف رسالة حول هذا الحديث وبيان بطلانه سماها (تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور المنسوب لمصنف عبد الرزاق) .
وقدم لهذه الرسالة وأثنى عليها فضيلة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (سابقاً) ورئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد (حالياً) .
اللهم وفق المسلمين لاتباع هدي نبيك والسير على نهجه وهداه..
стр. 7644
الأنفلونزا والكوليرا
بقلم الدكتور حسين كامل طه
أخصائي الصدر بمستشفى الجامعة
هذه كلمة ونصيحة أقدمها بالنيابة عن نفسي وزملائي بالإدارة الطبية للجامعة إلى أبنائها الطلبة وأساتذتهم الأجلاء وزملائنا العاملين بالجامعة بغية النصيحة المفيدة خصوصا أن هناك أمراضا سارية في هذه الأيام وخلال الأيام القادمة، ولنبدأ أولا بمرض الأنفلونزا.
ينتشر هذا المرض بسرعة كبيرة وتبدأ أعراضه بفتور شديد مع آلام بالعضلات والمفاصل وترتفع درجة الحرارة، وقد يصاحبها احتقان شديد بالحلق.
ويجب على المصاب أن يستريح تماما بالفراش وأنصح أبناءها الطلبة أن يتوجهوا للعلاج بمستشفى الجامعة، ويراعى عدم ازدحام غرفة الطالب المريض منعاً لانتشار العدوى وأن يكثر المريض من شرب السوائل.
المرض الثاني هو مرض الكوليرا وهو مرض من الأمراض المعدية السريعة الانتشار ويتميز بإسهال وقيء شديدين مما يؤدى إلى فقدان كمية كبيرة من السوائل بالجسم وهذا يؤدى إلى هبوط حاد بالدورة الدموية للجسم وإذا لم يسعف المصاب على الفور فقد يؤدى به إلى الوفاة وفي هذه الحالة الوقاية خير من العلاج والإدارة الطبية بالجامعة تقوم بحملة تطعيم واسعة مرتين سنويا، والتطعيم يعطى مناعة المدة تتراوح بين ثلاثة وستة شهور. وحتى إذا أصيب الشخص تكون الأعراض مخففة ولكن لا تنس مع ذلك مراعاة الشروط الصحية وأهمها:
النظافة التامة- مراعاة غسل الأكل الطازج مثل الخضروات والفاكهة جيداً- عزل الحالات المصابة وعدم الاختلاط- وتطعيم الحالات المعرضة لخطر الإصابة- مراعاة عدم تناول أي طعام من الباعة المتجولين لأن أغلبهم لا يخضع للاشتراطات الصحية.
كلمة أخيرة أوجهها لأبنائنا الطلبة راجيا لهم التوفيق والسداد بإذن الله:
تذكر أيها الطالب أن لبدنك عليك حقا. وأن العقل السليم في الجسم السليم، وإليك بضع الإرشادات الصحية:
стр. 7645
١- الوقاية خير لك من العلاج وعليك أن تبادر إلى مستشفى الجامعة فور حدوث أي أعراض فهو في خدمتك ليلا ونهاراً.
- عليك أن تتجنب مخالطة المرضى.
٢- بادر بالتطعيم ضد الأمراض المعدية في مستشفى الجامعة.
٣- عليك مراعاة النظافة التامة وعدم تناول أي طعام من الباعة الجائلين.
٤- عدم الإسراف في تناول أي أدوية إلا بإشراف الطبيب. وقد لاحظنا أن عددا كثيرا من أبنائنا الطلبة يسرفون في أخذ المقويات والفيتامينات، ولكن أعلم أن الجسم لا يحتاج من هذه المواد إلا كميات بسيطة والزيادة عن حاجة الجسم تخرج مع الإفرازات، كما أن هناك أنواعا معينة من الفيتامينات تؤدى إلى أضرار شديدة إذا زادت كميتها.
وفقنا الله جميعا- والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
دكتور- حسين كامل طه
أخصائي الصدر بمستشفى الجامعة
стр. 7646
المؤتمر العالمي بلندن
عن حياة المسيح ﵇
ترتيب: عبد الرشيد أرشد ترجمة: محمد لقمان السلفي
يبدو أن القاديانيين قرروا أن ينقلوا مركز نشاطهم إلى لندن بعد أن غلبوا على أمرهم في باكستان. ففي يونيو ١٩٧٨م ذهب المرزا ناصر أحمد خليفة المتنبئ القادياني إلى لندن مع حوالي مائتين من أتباعه وعقد فيها مؤتمرا عن وفاة المسيح. وقد بلغنا أنهم أعادوا فيه أقاويلهم الزائفة البالية عن وفاة المسيح وكونه مدفوناً في كشمير والتي ردت على وجوهم من قبل علماء المسلمين قديماً. وقد دونت تلك الردود في الكتب التي نقل بعضها إلى الإنجليزية وطبع ووزع قديماً بين المسلمين. فالقاديانيون ليس لديهم الآن إلا ترديد ما قاله آباؤهم الأولون. وقد ردت عليهم كل تلك الأقاويل مراراً وتكراراً.
ولكن الجديد في الأمر أن الذين خاطبوهم من المسلمين في ذلك المؤتمر كانوا جيلا جديدا لا يعرف عن هذا الزيغ إلا القليل ولا يدري عن تلك الردود التي قام بها علماء الإسلام على مزاعم المرزا غلام المتنبئ مستنيرين بكتاب الله وأحاديث رسوله وأقوال السلف الصالح. فظن القاديانيون أن الوقت موات للغارة الجديدة على رسالة الله الأخيرة. لذلك وجب على المسلمين أن ينهضوا مرة أخرى لمقاومة الفتنة ورد كيد الكافرين في ضوء الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الكرام.
стр. 7647
ولما بلغ الشيخ منظور أحمد شينيوتي الباكستاني أخبار المؤتمر المشئوم ونشر الدعايات الواسعة عنه في بريطانيا وغيرها من البلدان، اضطرب له اضطرابا شديداً وقرر متوكلا على الله أن يقيم مؤتمرا مماثلا في لندن وأن يدعو إليه علماء الإسلام للرد على مزاعم القاديانيين. فسافر فضيلته مع وفد من العلماء إلى لندن في اليوم السادس من شهر يونيو واستقبل في مطار لندن من قبل لفيف من العلماء والعاملين في تلك البلاد. وبعد استراحة قليلة واصل السفر إلى مدينة مانشستر للاشتراك في اجتماع الأكاديمية الإسلامية فيها الذي كان مقرراً عقده في يومي الثامن والتاسع من شهر يوليو. وفيه قدم فضيلته الاقتراح عن عقد مؤتمر عن حياة المسيح الذي وافق عليه المشتركون بالإجماع وكونت لجنة في الحال لإعداد اللازم لهذا الغرض، وقد رأي فضيلته الشيخ منظور أحمد بعد هذا القرار أن يتصل بمسلمي انجلترا لمعرفة مرئياتهم في هذا الأمر فقام بأسفار طارئة إلى عدد من مدن انجلترا الهامة واتصل بالمسلمين المقيمين فيها وشرح لهم أهداف المؤتمر وأهميته كما اتصلا بفضيلة الشيخ إنعام الحسن وفضيلة الشيخ مسيح الله اللذين أيدا فكرته ودعوا له بالتوفيق وللمؤتمر بالنجاح. وبعد هذه الإجراءات الأولية أعلن فضيلته عن انعقاد المؤتمر في المسجد الجامع المركزي الكائن في حديقة ريجنت بلندن في يومي التاسع والعشرين والثلاثين من شهر يوليو. وقد صدر هذا الإعلان في جريدتي جنك وملت الصادرتين بالأردية كما وضعت لافتات بارزة كثيرة في المساجد والجامعات والمصانع التي يعمل فيها المسلمون. ووزعت كذلك بطاقات دعوة بالأردية والإنجليزية على ما يقارب ألف شخص من المسلمين البارزين. وقد أثمرت هذه الجهود المكثفة لإنجاح المؤتمر أن حضر عدد كبير جداً من المستمعين من سائر مدن انجلترا.
стр. 7648
وقد أبدت رابطة العالم الإسلامي اهتمامها بالمؤتمر فتلقى فضيلة الشيخ منظور أحمد برقية من معالي أمينها العام الشيخ محمد علي الحركان تمنى فيها النجاح للمؤتمر، كما عين معاليه ممثل الرابطة في باريس للاشتراك في المؤتمر, وقد اشترك في المؤتمر فضيلة الشيخ مسيح الله الأمين العام لدار العلوم في جلال آباد بالهند وهو خليفة الشيخ أشرف على شهانوي العالم الهندى المعروف ﵀. ومن الذين أبدوا اهتمامهم الخاص بالمؤتمر سماحة الشيخ عبد الله علي المحمود رئيس شئون الدعوة الإسلامية في الإمارات العربية المتحدة فقد عين سماحته فضيلة الشيخ عبد الله عبد العزيز المصلح عميد كلية الشريعة بأبها بالمملكة العربية السعودية ليمثل سماحته في المؤتمر. وقد دعا لنجاحه فضيلة الشيخ إنعام الحسن ووعد بأنه سوف يدعو لنجاحه في الاجتماع الذي يعقد في باريس أيام انعقاد المؤتمر.
стр. 7649
وكما علمتم أن الداعي إلى المؤتمر هو فضيلة الشيخ منظور أحمد شينيوتي رئيس الجامعة العربية في شينيوت والأمين العام لإدارة الدعوة المركزية فيها. وتولى الإشراف على شئون المؤتمر الأكاديمية الإسلامية في مانشستر، وترأس جلساته الأستاذ الكبير دكتور زكى البدوي مدير مركز الثقافة الإسلامية في لندن والشيخ عبد الرحمن خليفة والشيخ عبد الرحمن كيملبوري ﵀. كما أن الشيخ محمد موسى أمين جمعية العلماء في بريطانيا والشيخ القاري بشير أحمد الخطيب بمسجد شاه بهان بمدينة ووكنج توليا شئون أمانة المؤتمر وعاونهما الشيخ عبد الرشيد أرشد مدير مجلة "الرشيد"في باكستان ومن الذين خطبوا في المؤتمر: الشيخ تقي عثماني عضو المجلس الاستشاري الإسلامي في باكستان والشيخ عبد الله عبد العزيز المصلح والدكتور خالد محمود والشيخ المناظر منظور أحمد شينيوتي وبروفيسور إبراهيم تركي والدكتور سعيد الروشن والشيخ منير هاشم والشيخ أبو المحمود نشتر والمفتي عبد الباقي والشيخ محمد بشير والشيخ إمداد حسين. وقد صرح فضيلة الشيخ عبد الله المصلح في خطابة بأهمية المؤتمر وضرورته القصوى وطلب من مسلمي انجلترا أن ينشروا تفاصيله داخل انجلترا وخارجها.
وقد شوهد المدعو طفيل إمام الجماعة اللاهورية وكذلك مندوب القاديانيين يسجلان وقائع المؤتمر. وقد تحدث العلامة خالد محمود لمدة ساعتين وألقى الضوء الكافي على مشكلة القاديانية وفند مزاعمها الباطلة، ثم قام في الأخير فضيلة الشيخ منظور أحمد شينيوتي ودعا مرة أخرى الخليفة القادياني إلى المباهلة وقال: ولكنه لن يجرؤ لها أبداً. ثم استمر في حديثه فقال: إن صنيع الإنجليز عائد إلى أهله. فقد تأكد لدى القاديانيين أنهم لا يستطيعون إقامة مثل مؤتمرهم المشئوم في أي بلد إسلامي، لذلك اضطروا أن يعقدونه في انجلترا.
стр. 7650
وفي نهاية المؤتمر أعلن أن مؤتمرا مماثلا سوف يعقد في مسجد شاه بهان بمدينة ووكنج في يومي الخامس والسادس من شهر أغسطس، والمسجد الذي كان لمدة ستين سنة تحت سيطرة القاديانيين. وقد انتهى بالدعاء والشكر لله على إنجاح المؤتمر ثم للعلماء والحضور الذين جاءوا من ديار بعيدة وتحملوا المشاق والمصاريف المالية الضخمة جهاداً في سبيل الله ومشاركة في القضاء على هذه الفتنة.
ترتيب: عبد الرشيد أرشد
ترجمة: محمد لقمان السلفي
стр. 7651
كلا.. ليسوا مسلمين..
في النشرة الأخبارية الأولى المذاعة من محطة لندن صباح الأربعاء ٢-١١-٩٨ أعلنت (أن الفرقة الأحمدية الإسلامية) قد قررت إنشاء ستة مساجد في بريطانيا.
تعليق المجلة:
الخبر عن إنشاء مساجد في الجزر البريطانية من حقه أن يبعث السرور في قلب السامع السلم، لأن ذلك محقق ولو للقليل من حاجة الجاليات الإسلامية هناك. ولكن الذي يثير الخواطر في هذا الخبر وهو وصف المذيعة للفرقة الأحمدية هذه بأنها إسلامية.. وهي واحدة من دسائس الإذاعة البريطانية على الإسلام، ذلك لأنها في مقدمة من يعلم مقررات علماء العالم الإسلامي من هذه الفرقة (القاديانية الأحمدية) بأنها خارجة عن الإسلام، وأنها إحدى وسائل الصهيونية والاستعمار لتشوية وجهه، وتغيير وجهته.
على أننا لا نلوم الإذاعة البريطانية على نصرة هذه الفرقة الضالة، فهي ربيبة الاستعمار البريطاني منذ ولادتها، وجدير به أن يحتضنها اليوم في شيخوختها.
ولكن.. على الإذاعة البريطانية أن تعلم يقينا أن مثل هذا التضليل لن يجد سبيله بعد اليوم إلى خداع المسلمين، ولن يطيل أجل عملائها الدجالين.
стр. 7652
أول مؤتمر يبحث عن قضايا المدارس الإسلامية في الهند حوالي ١٩٥٢ من المندوبين والعلماء اشتركوا في المؤتمر
انعقد مؤتمر المدارس الإسلامية في ٣١ من مارس و ٢،١ من إبريل ١٩٧٨م في الجامعة الرحمانية بمونجير الهند - من أكبر المدارس الإسلامية في الهند وانتهى بإحراز نجاح عظيم بعدما استعرض قضايا المدارس الإسلامية العربية في جلساته العديدة، واشترك فيه حوالي ١٩٥٢ من علماء المدارس والمسئولين عنها والشخصيات البارزة في الهند، وقد كان الاجتماع منقطع النظير في تاريخ الهند الإسلامي والعلمي، حيث إنه جمع كبار علماء المسلين ورؤساء الجامعات الكبرى والمؤسسات التعلمية الشهيرة والممثلين من كافة الطبقات والمنظمات الإسلامية في الهند، كوفد من الجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند تحت رئاسة فضيلة الشيخ محمد طيب الموقر ووفد من ندوة العلماء تحت إشراف فضيلة الداعي الكبير الشيخ أبي الحسن علي الندوي ووفد من الجامعة الإسلامية بعلى كره، كما اشترك فيه فضيلة الأستاذ حامد حسين سكرتير الجماعة الإسلامية في الهند وغيرها من الوفود من مختلف أنحاء البلاد.
стр. 7653
فعقدت الجلسة الأولى الافتتاحية في ٣١ مارس بتلاوة آي من الذكر الحكيم، ثم قدم فضيلة الشيخ مجاهد الإسلام قاضي الشرع ورئيس اللجنة الترحيبية كلمة الترحيب رحب فيها بالمندوبين الوافدين من مناطق الهند المختلفة وأوضح فيها أهداف المؤتمر، ثم تلا الأستاذ محمد ولي الرحماني سكرتير اللجنة الاستقبالية خطبة الافتتاح نيابة عن فضيلة أمير الشريعة الشيخ منة الله الرحماني المحترم الأمين العام لهيئة الأحوال الشخصية الإسلامية لعموم الهند، والخطبة كانت قيمة ذات أهمية بالغة حيث كانت تشتمل على أهمية العلوم الإسلامية والثقافة الدينية ومسئوليات علماء المسلمين ودور المدارس الدينية في مجالات الدعوة والتربية كما ألقى فيها ضوء كامل على القضايا المعقدة والمشاكل والأزمات التي تواجهها المدارس في هذا الأوان وعلى مستقبل العلوم الدينية وطرق الحفاظ عليها.
وعقدت ست جلسات خطب فيها كبار العلماء ورجال العلم والدين من المدارس والجامعات الإسلامية المختلفة ومن جماعة المسلمين الممتازة وعبروا عن أفكارهم حول القضايا المعروضة للبحث، واشترك في هذا البحث فضيلة الشيخ الفاضل محمد طيب المحترم رئيس دار العلوم ديوبند وفضيلة الداعي الشيخ أبو الحسن على الندوي المحترم والأستاذ زين العابدين سجاد رئيس القسم الديني بالجامعة الملية الإسلامية بدلهي (سابقا) والأستاذ الدكتور فضل الرحمن من جامعة كره والأستاذ حامد حسين الموقر سكرتير الجماعة الإسلامية في الهند والشيخ محمد زمان الحسيني والدكتور عطا كريم برق رئيس القسم العربي بجامعة كلكتا والشيخ الفاضل نظام الدين سكرتير الإمارة الشريعة والشيخ محمد هاشم الموقر والشيخ رحيم الدين من دار العلوم حيدر أباد والعلماء الآخرون.
стр. 7654
واستمرت الجلسات في اليوم الثاني والثالث، وألفت لجان مختلفة من العلماء والممثلين والمندوبين خلال المؤتمر، وناقشت كل لجنة منها حول موضوعها وأخذت مبادئ أساسية ورتبتها ثم استعرضها المجلس العام وناقش حولها حتى اتخذها بصور أربع قرارات وافق عليها المؤتمر.
القرارات
اتخذ المؤتمر قرارات وتوصيات هامة من أهمها إيجاد روح الوحدة والتعاون والتضامن وتوطيد العلاقات بين المدارس ورجالاتها، ولتحقيق هذا وافق المؤتمرون على إقامة "منظمة المدارس الإسلامية"فتم تشكيل هذه المنظمة وتكون المنظمة حرة مستقلة عن الحكومة، وهذه تنظم الامتحانات في جميع المدارس وترتب منهجا دراسيا وتحل قضايا المدارس ويكون محيطها المدارس في مناطق بيهار وأريسا وبنغال.
واتخذ القرار الثاني عن مناهج الدراسة بعد إعادة النظر في مقرراتها السابقة وجاء في هذا القرار أنه لابد من الاعتناء الكامل والاهتمام الزائد بالتفسير، والحديث وأصولهما والفقه وأصوله والعقائد والتاريخ الإسلامي وما إلى ذلك. وأنه لا بد من تغيير في المناهج المتداولة وأن يكون المنهج يشتمل على كتب تحدث في الطلبة ملكة وبصيرة في الفن سواء كانت كتب المتقدمين أو الكُتَّاب والمؤلفين العصريين, وكذلك من اللازم أن تدخل في المناهج التعليمية بعض العلوم العصرية المفيدة ليكون المتخرجون من تلك المدارس على خبرة تامة بقضايا العصر الحديث.
اتخذ القرار الثالث عن تنشيط دور المدارس وعلمائها في حقل الدعوة الإسلامية ومجالات الحياة المختلفة وإيقاظ شعور الدعوة والتوجيه في الطلبة مع التعليم والتربية حيث إن المدارس قلاع منيعة للإسلام ولها مكانة مرموقة في أوساط المسلمين فلا بد من أن تكون بين علمائها وموظفيها وبين عامة المسلمين علاقة وثيقة وأن يسعوا لإيقاظ الوعي الإسلامي وتعميم الفكرة الإسلامية فيهم فقرر أن يقضي كل من الأساتذة والطلبة شهرا في السنة للدعوة الإسلامية.
стр. 7655
واتخذ القرار الرابع عن تربية الأساتذة وأكد فيه على ضرورة إقامة مخيمات تربوية لذلك، فجاء في هذا القرار أن يقام مقررات، مقرر لثلاثة شهور ومقرر لعامين ويعد لذلك منهج تربوي وجيز ليقوم الأساتذة بواجبهم نحو الدارسة والتعليم على أحسن وجه.
وتختار "منظمة المدارس الإسلامية" خطوة واضحة وتتخذ برنامجا كاملا للنجاح ولتنفيذ هذه القرارات.
المرسل: نور الحق الرحماني
أستاذ الجامعة الرحمانية - وسكرتير النشر والإعلام للمؤتمر
стр. 7656
من أعماق الكتب من كتاب زاد المعاد
للإمام ابن القيم
(فصل)
وقد سلك المانعون من الفسخ طريقتين أخريين نذكرهما ونبين فسادهما:
الطريقة الأولى: قالوا إذا اختلف الصحابة ومن بعدهم في جواز الفسخ فالاحتياط يقتضى المنع منه صيانة للعبادة عما لا يجوز فيها عند كثير من أهل العلم بل أكثرهم.
والطريقة الثانية أن النبي ﷺ أمرهم بالفسخ ليبين لهم جواز العمرة في أشهر الحج لأن الجاهلية كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج وكانوا يقولون: "إذا أدبر الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر"؛ فأمرهم النبي ﷺ بالفسخ ليبين لهم جواز العمرة في أشهر الحج.
وهاتان الطريقتان باطلتان:
أما الأولى: فإن الاحتياط إنما يشرع إذا لم تتبين السنة فإذا تبينت فالاحتياط هو اتباعها وترك ما خالفها فإن كان تركها لأجل الاختلاف احتياطا فترك ما خلافها واتباعها أحوط وأحوط فالاحتياط نوعان: احتياط للخروج من خلاف العلماء، واحتياط للخروج من خلاف السنة، ولا يكفي رجحان أحدهما على الآخر وأيضا فإن الاحتياط ممتنع هنا فإن الناس في الفسخ ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه محرم.
الثاني: أنه واجب وهو قول جماعة من السلف والخلف.
الثالث: أنه مستحب؛ فليس الاحتياط بالخروج من خلاف من حرمه أولى بالاحتياط بالخروج من خلاف من أوجبه وإذا تعذر الاحتياط بالخروج من الخلاف تعين الاحتياط بالخروج من خلاف السنة.
(فصل)
وأما الطريقة الثانية: فأظهر بطلانا من وجوه عديدة.
أحدها: أن النبي ﷺ اعتمر قبل ذلك عمره الثلاث في أشهر الحج في ذي القعدة كما تقدم ذلك وهو أوسط أشهر الحج فكيف يظن أن الصحابة لم يعلموا جواز الاعتمار في أشهر الحج إلا بعد أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة وقد تقدم فعله لذلك ثلاث مرات.
стр. 7657
الثاني: أنه قد ثبت في الصحيحين أنه قال لهم عند الميقات: "من شاء أن يهل بعمرة فليفعل ومن شاء أن يهل بحجة فليفعل ومن شاء أن يهل بحج وعمرة فليفعل" فبين لهم جواز الاعتمار في أشهر الحج عند الميقات وعامة المسلمين معه فكيف لم يعلموا جوازها إلا بالفسخ ولعمر الله إن لم يكونوا يعلمون جوازها بذلك فهم أجدر أن لا يعلموا جوازها بالفسخ.
الثالث: أنه أمر من لم يسق الهدي أن يتحلل وأمر من ساق الهدي أن يتم على إحرامه حتى يبلغ الهدى محله ففرق بين محرم ومحرم وهذا يدل على أن سوق الهدى هو المانع من التحلل لا مجرد الإحرام الأول والعلة التي ذكروها لا تختص بمحرم دون محرم فالنبي ﷺ جعل التأثير في الحل وعدمه للهدي وجوداً وعدما لا لغيره.
стр. 7658
الرابع: أن يقال إذا كان النبي ﷺ قصد مخالفة المشركين كان هذا دليلا على أن الفسخ أفضل لهذه العلة لأنه إذا كان إنما أمرهم بذلك لمخالفة المشركين كان هذا دليلا على أن الفسخ يكون مشروعا إلى يوم القيامة إما وجوبا وإما استحبابا فإن ما فعله النبي صلى الله عليه وسم وشرعه لأمته في المناسك مخالفة لهدي المشركين هو مشروع إلى يوم القيامة إما وجوبا أو استحبابا فإن المشركين كانوا يفيضون من عرفة قبل غروب الشمس وكانوا لا يفيضون من مزدلفة حتى تطلع الشمس وكانوا يقولون: "أشرق ثبير كيما نغير"فخالفهم النبي ﷺ وقال خالف هدينا هدي المشركين فلم نفض من عرفة حتى غربت الشمس وهذه المخالفة إما ركن كقول مالك وإما واجب يجبره دم كقول أحمد وأبي حنيفة والشافعي ﵏ في أحد القولين وإما سنة كالقول الآخر له والإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس سنة باتفاق المسلمين وكذلك فقريش كانت لا تقف بعرفة بل تفيض من جمع فخالفهم النبي ﷺ ووقف بعرفات وأفاض منها في ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ وهذه المخالفة من أركان الحج باتفاق المسلمين فالأمور التي خالف فيها المشركين هي الواجب أو المستحب ليس فيها مكروه فكيف يكون فيها محرم وكيف يقال إن النبي ﷺ أمر أصحابه بنسك يخالف نسك المشركين مع كون الذي نهاهم عنه أفضل من الذي أمرهم به أو يقال من حج كما حج المشركون فلم يتمتع فحجه أفضل من حج السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بأمر رسول الله ﷺ .
стр. 7659
الخامس: أنه قد ثبت في الصحيحين عنه أنه قال: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"وقيل له: "عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد". فقال: "لا بل لأبد الأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة". وكان سؤالهم عن عمرة الفسخ كما جاء صريحا في حديث جابر الطويل قال: "حتى إذا كان آخر طواف على المروة"قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة"فقام سراقة بن مالك فقال: "يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ ". فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: "دخلت العمرة في الحج - مرتين - لا بل لأبد الأبد"وفي لفظ: "قدم رسول الله ﷺ صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا أن نحل فقلنا: "لَمَّا لَمْ يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني"فذكر الحديث وفيه: فقال سراقة بن مالك: "لعامنا هذا أم للأبد"وفي صحيح البخاري عنه أن سراقة قال للنبي ﷺ : "ألكم خاصة هذه يا رسول الله؟ ". قال: "بل للأمة" فبين رسول الله ﷺ أن تلك العمرة التي فسخ من فسخ منهم حجه إليها للأبد وأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة وهذا يبين أن عمرة التمتع بعض الحج وقد اعترض بعض الناس على الاستدلال بقوله: "بل لأبد الأبد" باعتراضين. أحدهما: أن المراد أن سقوط الفرض بها لا يختص بذلك العام بل يسقطه إلى الأبد وهذا الاعتراض باطل فإنه لو أراد ذلك لم يقل للأبد فإن الأبد لا يكون في حق طائفة معينة بل إنما يكون لجميع المسلمين ولأنه قال: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"ولأنهم لو أرادوا بذلك السؤال عن تكرار الوجوب لما اقتصروا على العمرة بل كان السؤال عن الحج ولأنهم قالوا له: "عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد"ولو أرادوا تكرار وجوبها كل عام لقالوا له ما قالوا له في الحج: "أكل عام يا رسول
стр. 7660
الله"ولأجابهم بما أجابهم به في الحج بقوله: "ذروني ما تركتكم لو قلت نعم لوجب" ولأنهم قالوا له: "هذه لكم خاصة"فقال: "بل لأبد الأبد". هذا السؤال والجواب صريحان في عدم الاختصاص. الثاني: قوله: إن ذلك إنما يريد به جواز الاعتمار في أشهر الحج وهذا الاعتراض أبطل من الذي قبله فإن السائل إنما سأل النبي ﷺ فيه عن المتعة التي هي فسخ الحج لا عن جواز العمرة في أشهر الحج لأنه إنما سأله عقب أمره من لا هدي معه بفسخ الحج فقال له حينئذ: "هذا لعامنا أم للأبد"فأجابه ﷺ عن نفس ما سأله عنه لا عما لم يسأله عنه وفي قوله: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" عقب أمره من لا هدي معه بالإحلال بيان جلي أن ذلك مستمر إلى يوم القيامة فبطل دعوى الخصوص وبالله التوفيق.
السادس: أن هذه العلة التي ذكرتموها ليست في الحديث ولا فيه إشارة إليها فإن كانت باطلة بطل اعتراضكم بها وإن كانت صحيحة فإنها لا تلزم الاختصاص بالصحابة بوجه من الوجوه بل إن صحت اقتضت دوام معلومها واستمراره كما أن الرمل شرع ليرى المشركين قوته وقوة أصحابه واستمرت مشروعيته إلى يوم القيامة فبطل الاحتجاج بتلك العلة على الاختصاص بهم على كل تقدير.
السابع: أن الصحابة ﵃ إذا لم يكتفوا بالعلم بجواز العمرة في أشهر الحج على فعلهم لها معه ثلاثة أعوام ولا بإذنه لهم عند الميقات حتى يأمر بفسخ الحج إلى العمرة فمن بعدهم أحرى أن لا يكتفي بذلك حتى يفسخ الحج إلى العمرة إتباعا لأمر النبي ﷺ وإقتداء بالصحابة إلا أن يقول قائل إنا نحن نكتفي من ذلك بدون ما اكتفى به الصحابة ولا نحتاج في الجواز إلى ما احتاجوا هم إليه وهذا جهل نعوذ بالله منه.
стр. 7661
الثامن: أنه لا يظن برسول الله ﷺ أن يأمر أصحابه بالفسخ الذي هو حرام ليعلمهم بذلك مباحا يمكن تعليمه بغير ارتكاب هذا المحظور وبأسهل منه بيانا وأوضح دلالة وأقل كلفة فإن قيل لم يكن الفسخ حين أمرهم به حراما قيل فهو إذاً إما واجب أو مستحب وقد قال بكل واحد منهما طائفة فمن الذي حرمه بعد إيجابه أو استحبابه وأي نص أو إجماع رفع هذا الوجوب أو الاستحباب فهذه مطالبة لا محيص عنها.
التاسع: أنه ﷺ قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" أفترى تجدد له ﷺ عند ذلك العلم بجواز العمرة في أشهر الحج حتى يأسف على فواتها، هذا من أعظم المحال.
العاشر: أنه أمر بالفسخ إلى العمرة من كان أفرد ومن قرن ولم يسق الهدي ومعلوم أن القارن قد اعتمر في أشهر الحج مع حجته فكيف أمره بفسخ قرانه إلى عمرة ليبين جواز العمرة في أشهر الحج وقد أتي بها وضم إليها الحج.
стр. 7662
الحادي عشر: أن فسخ الحج إلى العمرة موافق لقياس الأصول لا مخالف لها ولو لم يرد به النص لكان القياس يقتضي جوازه، فجاء النص به على وفق القياس - قاله شيخ الإسلام - ويقرره بأن المحرم إذا التزم أكثر مما كان لزمه جاز باتفاق الأئمة؛ فلو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج جاز بلا نزاع، وإذا أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يجز عند الجمهور؛ وهو مذهب مالك وأحمد والشافعي ﵏ في ظاهر مذهبه وأبو حنيفة يجوِّز ذلك بناء على أصله في أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين. قال: وهذا قياس الراوية المحكية عن أحمد في القارن أنه يطوف طوافين ويسعى سعيين. وإذا كان كذلك فالمحرم بالحج لم يلتزم إلا بالحج فإذا صار متمتعا صار ملتزما لعمرة وحج فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه فجاز ذلك. ولما كان أفضل كان مستحبا. وإنما أشكل هذا على من ظن أنه فسخ حجا إلى عمرة وليس كذلك؛ فإنه لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة لم يجز بلا نزاع، وإنما الفسخ جائز لمن كان من نيته أن يحج بعد العمرة. والمتمتع من حين يحرم بالعمرة فهو داخل في الحج كما قال النبي ﷺ : "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة". ولهذا يجوز له أن يصوم الأيام الثلاثة من حين أن يحرم بالعمرة، فدل على أنه في تلك الحال في الحج، وأما إحرامه بالحج بعد ذلك فكما يبدأ الجنب بالوضوء ثم يغتسل بعده وكذلك كان النبي ﷺ يفعل إذا اغتسل من الجنابة، وقال للنسوة في غسل ابنته: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها". فغسل مواضع الوضوء بعض الغسل فإن قيل هذا باطل لثلاثة أوجه؛
أحدها أنه إذا فسخ استفاد بالفسخ حلا كان ممنوعا منه بإحرامه الأول: فهو دون ما التزمه.
الثاني: أن النسك الذي كان قد التزمه أولا أكمل من النسك الذي فسخ إليه ولهذا لا يحتاج الأول إلى جبران والذي يفسخ إليه يحتاج إلى هدي جبرانا له ونسك لا جبران فيه أفضل من نسك مجبور.
стр. 7663
الثالث: أنه إذا لم يجز إدخال العمرة إلى الحج فلا يجوز أبداله بها وفسخه إليها بطريق الأولى والأحرى.
فالجواب عن هذه الوجوه من طريقين بمجمل ومفصل:
أما المجمل فهو أن هذه الوجوه اعتراضات على مجرد السنة والجواب عنها بالتزام تقديم الوحي على الآراء وأن كل رأي يخالف السنة فهو باطل قطعا وبيان بطلانه لمخالفة السنة الصحية الصريحة له والآراء تبع للسنة وليست السنة تبعا للآراء.
وأما المفصل وهو الذي نحن بصدده فإن التزمنا أن الفسخ على وفق القياس فلابد من الوفاء بهذا الالتزام وعلى هذا فالوجه الأول جوابه: بأن التمتع وإن تخلله الإحلال فهو أفضل من الإفراد الذي لا حل فيه لأمر النبي ﷺ من لا هدي معه بالإحرام به ولأمره أصحابه بفسخ الحج إليه ولتمنيه أنه كان أحرم به ولأنه النسك المنصوص عليه في كتاب الله ولأن الأمة أجمعت على جوازه بل على استحبابه واختلفوا في غيره على قولين فإن النبي ﷺ غضب حين أمرهم بالفسخ إليه بعد الإحرام بالحج فتوقفوا ولأنه من المحال قطعا أن يكون حج قط أفضل من حجة خير القرون وأفضل العالمين مع نبيهم ﷺ وقد أمرهم كلهم بأن يجعلوها متعة إلا من ساق الهدي فمن المحال أن يكون غير هذا الحج أفضل منه إلا حج من قرن وساق الهدي كما اختاره الله سبحنه لنبيه فهذا هو الذي اختاره الله لنبيه واختار لأصحابه التمتع فأي حج أفضل من هذين ولأنه من المحال أن ينقلهم من النسك الفاضل إلى المفضول المرجوح ولوجوه أخر كثيرة ليس هذا موضعها فرجحان هذا النسك أفضل من البقاء على الإحرام الذين يفوته بالفسخ وقد تبين بهذا بطلان الوجه الثاني.
وأما قولكم: إنه نسك مجبور بالهدي فكلام باطل من وجوه.
стр. 7664
أحدها: أن الهدي في التمتع عبادة مقصودة وهو من تمام النسك وهو دم شكران لا دم جبران وهو بمنزلة الأضحية للمقيم وهو من تمام عبادة هذا اليوم فالنسك المشتمل على الدم بمنزلة العيد المشتمل على الأضحية فإنه ما تقرب إلى الله في ذلك اليوم بمثل إراقة دم سائل وقد روى الترمذي وغيره من حديث أبي بكر الصديق أن النبي ﷺ سئل أي الأعمال أفضل فقال: "العج والثج" والعج رفع الصوت بالتلبية والثج إراقة دم الهدي فإن قيل يمكن المفرد أن يحصل هذه الفضيلة. قيل مشروعيتها إنما جاءت في حق القارن والمتمتع وعلى تقدير استحبابها في حقه فأين ثوابها من ثواب هدي المتمتع والقارن.
والوجه الثاني: أنه لو كان دم جيران لما جاز الأكل منه وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أكل من هديه فإنه أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكل من لحمها وشرب من مرقها وإن كان الواجب عليه سُبْعُ بدنة فإنه أكل من كل بدنة من المائة والواجب فيها مشاع لم يتعين بقسمة وأيضا إنه قد ثبت في الصحيحين أنه أطعم نساءه من الهدي الذي ذبحه عنهن وكن متمتعات احتج به الإمام أحمد فثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنه أهدى عن نسائه ثم أرسل إليهن من الهدي الذي ذبحه عنهن. وأيضا فإن الله قال فيما ذبح بمنى من الهدي: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ وهذا يتناول هدي التمتع والقران قطعا إن لم يختص به فإن المشروع هناك ذبح هدي المتعة والقران ومن هنا - والله أعلم - أمر النبي ﷺ من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر امتثالا لأمر ربه بالأكل ليعم به جميع هدية.
стр. 7665
الوجه الثالث: أن سبب الجيران محظور في الأصل فلا يجوز الأقدام عليه إلا لعذر فإنه إما ترك واجب أو فعل محظور والتمتع مأمور به إما أمر إيجاب عند طائفة كابن عباس وغيره أو أمر استحباب عند الأكثرين فلو كان دمه دم جبران لم يجز الإقدام على سببه بغير عذر فبطل قولهم إنه دم جبران وعلم أنه دم نسك وهذا وسَّع الله به على عباده وأباح لهم بسببه التحلل في أثناء الإحرام لما في استمرار الإحرام عليهم من المشقة فهو بمنزلة القصر والفطر في السفر وبمنزلة المسح على الخفين وكان من هدي النبي ﷺ وهدي أصحابه فعل هذا وهذا والله تعالى يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته. فمحبته لأخذ العبد بما يسره عليه وسهله له مثل كراهته منه لارتكاب ما حرمه عليه ومنعه منه والهدي وإن كان بدلا عن ترفهه بسقوط أحد السفرين فهو أفضل لمن قدم في أشهر الحج من أن يأتي بحج مفرد ويعتمر عقيبه والبدل قد يكون واجبا كالجمعة عند من جعلها بدلا وكالتيمم لعاجز عن استعمال الماء فإنه واجب عليه وهو بدل فإذا كان البدل قد يكون واجبا فكونه مستحبا أولى بالجواز وتخلل الإحلال لا يمنع أن يكون الجميع عبادة واحدة كطواف الإفاضة فإنه ركن بالاتفاق ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول وكذلك رمي الجمار أيام منى وهو يفعل بعد الحل التام وصوم رمضان يتخلله الفطر في لياليه ولا يمنع ذلك أن يكون عبادة واحدة ولهذا قال مالك وغيره: إنه يجزئ بنية واحدة للشهر كله لأنه عبادة واحدة والله أعلم.
"من زاد المعاد للإمام ابن القيم"
стр. 7666
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ
فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ
وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ﴾
لفضيلة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري - عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد فهذه بعض آية من سورة البقرة وردت في سياق بيان بعض أحكام العمرة والحج رغبنا أن نستجلي بعض معانيها مع قراء مجلة الجامعة الإسلامية الكرام سائلين الله تعالى أن يرزقنا هدايتها، والعمل بما فيها إنه على كل شيء قدير..
الحج: إن هذا اللفظ القرآني له مدلولان: لغوي، وشرعي، فالمدلول اللغوي هو المشي على المحجة (جادة الطريق) لأي غرض كان يقصده الماشي على المحجة وأكثر ما يطلق هذا اللفظ "الحج" إذا تكرر المشي إلى الشيء المرة بعد المرة.
وأما المدلول الشرعي: فالحج هو قصد بيت الله الحرام بمكة المكرمة لزيارته وأداء مناسك حوله.
وآل: فيه للتعريف العهدي فالمراد من قوله تعالى الحج أشهر معلومات: أنه الحج الشرعي الذي فرضه الله تعالى على عباده المؤمنين: من استطاع منهم سبيلاً، والسبيل هي الزاد والراحلة مع أمن الطريق ووجود محرم بالنسبة إلى المؤمنة.
وأركانه التي لا يتم إلا بها أربعة: الإحرام - وكونه من الميقات الذي حدده الشارع واجب، والطواف - وهو طواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة ساعة من بعد ظهر يوم التاسع من شهر ذي الحجة إلى قبيل طلوع الفجر من ليلة العاشر منه.
وهو فرض مرة في العمر، وما زاد فهو نافلة مرغب فيها وتطوع محمود محبوب.
أشهر: الأشهر: جمع شهر وهو عدة أيام وليالي لا تزيد على الثلاثين يوماً ولا ننقص عن التسعة والعشرين.
стр. 7667
والمراد من الأشهر هنا: شهور الحج الثلاثة وهي: شوال، وذو القعدة وعشر ليال من أول شهر ذي الحجة. ومعنى كونها أشهر الحج: أن الإحرام بالحج لا يكون إلا فيها. فلو أحرم أحد بالحج قبلها أو بعدها كأن يحرم بالحج في شعبان أو رمضان، أو في المحرم أو صفر لما صح إحرامه ولتعين عليه أن يجعله عمرة. أما أشهر الحج فله أن يحرم في أي يوم منها ويستمر على إحرامه إن شاء إلى أن يحج، وله أن يفسخ حجه إلى عمرة.
معلومات: معروفات لدى سائر العدنانيين من أولاد إسماعيل بن إبراهيم ﵉، إذ جدهم إسماعيل بنى البيت مع والده إبراهيم وحجه معه، وتعلم أداء المناسك وعرف كيفيتها من والده إبراهيم الذي أوحى الله تعالى إليه بها وعلمه إياها، استجابة من تعالى له لما دعاه بقوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وكان هذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان قواعد البيت كما حكى القرآن ذلك عنهما في قوله من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
فمن فرض فيهن الحج: لما كان للحج أشهر معلومات لا يحرم به في غيرها فعلى من فرض على نفسه الحج فيها أي ألزم نفسه به وأوجبه عليه حيث أحرم به من الميقات قائلاً: "لبيك اللهم لبيك.. لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"..
فعلى كل من أحرم بالحج أن يتجنب الرفث والفسوق والجدال لأن التلبس بها أو بواحدة منها يفسد الحج أو يخل به فيحرم الحاج القبول والثواب.
стр. 7668
فلا رفث: الرفث: الجماع، ومقدماته من النظر بشهوة، واللمس باليد أو المباشرة بالجسد والكلمة المريبة الدالة على الجماع، الداعية إليه المفكرة فيه.
ونفيه في هذا اللفظ القرآني ﴿فَلا رَفَث﴾ . منعه منعاً كلياً بحيث لا يوجد شيء منه ألبتة حتى ينهى عنه من يفعله، وهذا التوجيه للآية خير من توجيه من قال إذن النفي هنا بمعنى النهى غير أنه أبلغ منه، فيكون اللفظ خبراً ومعناه الإنشاء.
ولا فسوق: الفسوق: مصدر فسق المرء يفسق فسقاً وفسوقاً إذا خرج عن طريق الحق والصواب. والمراد به هنا: الخروج عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ بترك ما أمرا به من مناسك الحج وغيرها من سائر فرائض الدين وواجباته، وبفعل ما نهيا عنه وحظرا فعله من محظورات الحج وغيرها من كل ما حرم الله ورسوله من المعتقدات والأقوال والأفعال.
فلا ينبغي أن يوجد شيء من الفسوق في الحج، لأنه يفسده ويذهب أجره ويحرم فاعله مغفرة ذنبه ورضا ربه.
ولا جدال: الجدال: مصدر جادل يجادل جدالاً ومجادلة إذا مارى في شيء، أو خاصم فيه غيره، ليقطعه عن حقه ويثنيه عن مراده.
الجدال هنا اللجج في الخصومة والمبالغة في المماراة مما يؤدي إلى قول باطل أو فعل حرام كسب أو شتم أو انتقاص، أو إهدار حق، أو إثبات باطل.
والجدال الذي يريد به صاحبه إبطال حق، أو إحقاق باطل هو حرام على كل حال وفي أي زمان أو مكان، والجدال الذي يريد به صاحبه العكس وهو إحقاق الحق، وإبطال الباطل هو واجب على كل حال غير أنه بالنسبة للمتلبس بعبادة الحج لا يجب عليه ولا يطالب به، لأن في العبادة المتلبس بها شغلاً يمنعه من القيام بواجب إحقاق الحج أو إبطال الباطل شأنه شأن من هو في الصلاة. ولما عرف بالمشاهدة أن الجدال في أي شيء يجر إلى الخروج عن الأدب ويؤدي إلى السباب والمشاتمة وهما محرمان لا سيما في الحج.
وما تفعلوا من خير يعلمه الله:
стр. 7669
إن معنى هذه الجملة الشرطية هو الترغيب في فعل الخير في الحج، أي خير كان يريد به فاعله وجه الله تعالى فإن الله تعالى يجزيه به ويثيبه عليه.
والجملة وإن لم تذكر الجزاء على فعل الخير واكتفت بذكر علم الله تعالى بالخير المفعول فإن لازم علم الله تعالى بالخير الذي يفعله الحاج وهو متلبس بالحج، لازمه الجزاء عليه والمثوبة به. ولعل السر في عدم ذكر الجزاء في هذا التركيب القرآني أن الله تعالى لا يثيب على مجرد فعل الخير، وإنما على خير علم الله من فاعله أنه أراد به وجه الله تعالى وحده، لأن الله تعلى لا يقبل من الأعمال الصالحة إلا ما كان لوجهه خالصاً. ومن هنا وضع علم الله تعالى جزاء لفعل الشرط، واكتفى به عن ذكر الجزاء بالثواب. فليتأمل هذا فإنه مهم.
وهذه الجملة: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾ تعتبر قسيمة الجملة القرآنية التي سبقتها وهي فلا رفث ولا فسوق الخ، إذ الأولى فيها تحريم كل ما يخل بعبادة الحج فيفسدها أو يبطل أجرها، وهذه فيها الترغيب في فعل الخيرات من إطعام الطعام وإفشاء السلام، وإغاثة ملهوف، وإرشاد ضال، أو تعليم جاهل.
وباجتناب كل ما يفسد الحج أو يخل به، وفعل الخيرات يتوفر به وصف البر للحج المذكور في قول النبي ﷺ "والحج المبرور ليس له جزاء إلى الجنة "
стр. 7670
وهذه هي هداية هذه الآية الكريمة: أن يحرم المؤمن بالحج في أشهره التي حددت للإحرام به فيها، فإذا أحرم تجنب لك ما يفسد عليه حجه أو يخل بكماله من سائر المعاصي كترك ركن من أركانه أو إسقاط واجب من واجباته، أو غيرها من فرائض الدين وواجباته أو فعل محظور من محظورات الحج أو غيرها من كل ما حرم الله ورسوله من المعتقدات والأقوال والأفعال. وأقبل مع ذلك على الصالحات يفعلها، والخيرات يسابق إليها ويسارع فيها مدة ما هو متلبس بعبادة الحج حتى يفرغ منها وقد أبرها الله تعلى له وأثابه عليها فغفر ذنوبه وهيأه لدخول جنته كما جاء ذلك على لسان رسول الله ﷺ : "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه "، "والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة "..
هذا ولنستشف مع القراء الكرام بعض أسرار هذه العبادة فنقول:
ما أشبه الحج بدعوة رسمية وجهها أحد الملوك إلى خدمه وعبيده بواسطة أحد خواصه والمقربين عنده، ليزوروا بيته، وليحظوا منه بالنوال والعطاء.. ونظراً لتفاوت استعداد المدعوين، واختلاف ديارهم قرباً وبعداً جعل مدة الزيارة هذه شهرين وعشر ليال، ليتسنى الحضور في هذه المدة لكل المدعوين مهما تناءت ديارهم وبعدت أقطارهم.
следующие страницы →