Полный текст (23 804 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
استمرت الجامعة في إرسال البعثات إلى بلاد الإسلامية النائية وبخاصة قارة إفريقية؛ وذلك للاطّلاع على أحوال المسلمين, والتعرف على أوضاعهم, وتكوين فكرة واضحة عن مشاكلهم, ولاختيار بعض الطلبة الذين يلتحقون بالجامعة من البلاد الإفريقية البعيدة عن الجامعة والتي لا يتوفر فيها التعليم الإسلامي. ولمساعدة الهيئات الإسلامية ماديا ومعنويا. وهذا بيان بالبعثات التي أوفدتها الجامعة حتى الآن.
أ - في عام ١٣٨٤هـ بعثة مكونة من ثلاث أشخاص برئاسة الأمين العام للجامعة.
ب - في عام ١٣٨٥هـ بعثة مكونة من ثلاثة مشائخ برئاسة فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي كبير المدرسين في الجامعة.
ت - في عام ١٣٨٦هـ بعثتان, إحداهما إلى غرب إفريقيا, والأخرى إلى شرقها ووسطها لاختيار الطلبة.
ث - في عام ١٣٨٧هـ بعثت الجامعة مدرّسين, أحدهما إلى معهد التضامن الإسلامي في مقديشو والأخر إلى أقطار شمالي إفريقية.
ج - هـ في عام ١٣٨٨هـ بعثة واحدة إلى جامعة أهل الحديث المركزية في بنارس بالهند.
ح - في مطلع عام ١٣٨٩هـ بعثة مكونة من أستاذين للتدريس في جامعة أهل الحديث بالهند لمدة سنة دراسية قابلة للتجديد.
وقد كانت البعثات السابقة تعود إلى الجامعة بتقارير ومعلومات مفصلة عن أحوال المسلمين هناك.
معهد التضامن الإسلامي في مقديشو:
حسب الإرشادات السامية التي تفضل بإصدارها جلالة الملك المعظم فيصل بن عبد العزيز - حفظه الله - فقد أسست المملكة العربية السعودية في مدينة مقديشو عاصمة الصومال معهدا إسلاميا ثانويا باسم: معهد التضامن الإسلامي. تشرف رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة عليه من الناحية الإدارية والمالية, وتشرف الجامعة الإسلامية عليه من ناحية المناهج وتعيين المدرسين. وقد انتدبت الجامعة أحد مدرسيها لإدارته كما تعين للتدريس فيه بعض خريجيها.
стр. 772
هذا ما أحببنا بسطه لحضراتكم في هذا التقرير تاركين إيضاح بعض الأشياء لأننا أوضحناها لكم في تقارير سابقة.
وإننا في الختام لنكرر شكرنا لحضراتكم ونسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويزيد جلالة الملك فيصل - حفظه الله - توفيقا إلى خدمة الإسلام والمسلمين, وأن يجمع كلمة المسلمين على طاعته, ويوفق قادتهم إلى ما يحبه ويرضاه إنه سميع قريب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رئيس مجلس الجامعة الإسلامية
· غادر المدينة كل من فضيلة الشيخ عمر محمد مساعد الأمين العام للجامعة وفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد المدرس بالجامعة متوجهين إلى كل من الأردن وسوريا ومصر وذلك للتعاقد مع مدرسين للعمل في كليات الجامعة.
· انتقلت أقسام الإدارة بالجامعة إلى المباني الجديدة التي تم استلامها مؤخرا من شركة بخيت للمقاولات. والجدير بالذكر أن هذه المباني أقيمت على أحدث طراز.
· تتلقى إدارة التعليم بالجامعة سيلا من طلبات الالتحاق وقد تجاوز عددها الألفين من أكثر من ستين دولة.
· قامت الجامعة بتزويد المكتبات التي أنشأتها وزارة الصحة في بعض مستشفيات المملكة بكمية من الكتب, وقد تلقت خطاب شكر على ذلك من الوزارة. كما قامت بتزويد المركز الصيفي بالمدينة التابع لوزارة المعارف بكميات أخرى.
من الأخبار العالمية:
عقد في مدينة (آخن) بألمانيا الغربية مؤتمر ضم ممثلين عن عدد من المنظمات الطلابية الإسلامية في (أندونيسيا والباكستان والكويت والسودان وأوربا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا) , وتمخض المؤتمر عن تكوين (الاتحاد العالمي الإسلامي للمنظمات الطلابية) .. وانتخب المؤتمرون أعضاء الأمانة العامة للإتحاد كما يلي:
- أحمد توتونجي أمينا عاما.
- نور خالص مجيد أمينا عاما مساعدا.
стр. 773
- مصطفى محمد أمينا للشؤون المالية.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ . (الفرقان/٤٦,٤٥) .
стр. 774
ندوة الطلبة
لمحات تاريخية من حياة ابن تيمية
بقلم:صالح بن سعيد بن هلابي
هذه لمحات خاطفة ونظرات عابرة عن حياة إمام جليل وعبقري حكيم أقام الدنيا وأقعدها في عهده بالعلم والفكر والجهاد طول حياته, وأحيا تراثا عظيما للأمة الإسلامية كاد أن يذهب وينطمس بين الفلسفة وحذلقة علم الكلام, وبين الشعوذة والفرق الباطنية القتالة.
في هذه اللمحات العابرة نحاول أن نضع أيدينا على مفتاح هذه الشخصية العظيمة وكنه حقيقتها وبعض خصائصها وجهادها العظيم المتواصل ضد أعداء الإسلام بكل أصنافهم وأشكالهم..
نشأته وطلبه للعلم:
стр. 775
ولد ابن تيمية بحران من أعمال أورفه في تركيا سنة ٦٦١ هـ وهاجر أبواه به وبإخوانه إلى دمشق تخلصا وفرارا من ظلم التتار, وقد لاقوا في هجرتهم متاعب ومصاعب كثيرة لولا عناية الله أن وصّلهم بالسلامة. وصل بن تيمية إلى دمشق وهو طفل صغير وكان والده من كبار علماء الحنابلة, فسارع إلى حفظ القرآن الكريم وطلب العلوم الشرعية على اختلاف أنواعها من كبار الشيوخ والمحدثين الذين أدهشهم بقوة ذهنه وفرط ذكائه, ولم يكد يبلغ من العمر بضعة عشر عاما حتى أتقن معظم فنون الشريعة, وحاز قصب السبق فيها, قرأ مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات عديدة, وسمع الكتب الستة الكبار, ومن مسموعاته: (معجم الطبراني الكبير) . وأفتى وله من العمر بضعة عشر عاما. ولم يكتف بالفنون الإسلامية بل تعدى إلى غيرها من الفنون التي كانت سائدة في ذلك العصر, فدرس الفلسفة وعلم الكلام وتعمق فيهما وردّ على أصحابها, والديانات المسيحية واليهودية وكتب فيها كتبا عظيمة, ومن أروع كتبه في المسيحية كتابه العظيم: (الجواب الصحيح على من بدل دين المسيح) في أربع مجلدات الذي نقض فيه عقائد المسيحية من أساسها, هذه العقلية الجبارة التي أوتيت هذا الذكاء الخارق كان ورائها سر عظيم وهي مراقبة الله في السر والعلانية, والوقوف عند حدوده مع الجد والنشاط والرغبة المخلصة في طلب العلم وإظهاره للأمة على حقيقته.
وهذا ما يعبر عنه ابن تيمية عن بنفسه بقوله: "إنه ليقف خاطري في المسألة أو الشيء أو الحالة التي تشكل عليّ فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر, وينحل إشكال ما أشكل, وقد أكون إذ ذاك في السوق أو المسجد أو المدرسة لا يمنعني ذلك من الذكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي".
وهكذا أمضى ابن تيمية حياته في طلبه للعلم حتى أصبح من كبار العلماء يشار إليه بالبنان.
ثناء العلماء عليه:
стр. 776
كان موضع الإعجاب والإجلال من المنصفين وبمن اجتمع بهم, ويشهد له كبار علماء عصره بالعلم والفضل والجهاد.
قال المحدث ابن دقيق العيد - حين رآه واجتمع به وقد كان حجة عصره في الحديث - قال: "رأيت رجلا جميع العلوم كلها بين عينيه يأخذ منها ما يريد ويدع مما يريد".
وقال الحافظ أبوالحجاج يوسف المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ: "ما رأيت مثله ولا رأى هو مثل نفسه, وما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ولا أتبع لهما منه".
وقال الحافظ كمال الدين الزملكاني - قاضي قضاة الشافعية المتوفى بالقاهرة سنة ٧٢٧هـ-: "كان ابن تيمية إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لايعرف غير ذلك الفن وحكم أن أحدا لا يعرف مثله, وكان من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا من مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك, ولا يعرف أنه ناظر أحدا فانقطع معه, ولا تكلم في علم من العلوم سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه, وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين, وقد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد"إلى أن قال فيه:
وصفاته جلت عن الحصر
ماذا يقول الواصفون له
هو بيننا أعجوبة الدهر
هو حجة الله قاهرة
أنوارها أَرْبَتْ على الفجر [١]
هو آية في الخلق ظاهرة
وقال فيه شيخ النحاة أبوحيان حين اجتمع به:
داع إلى الله فرد ماله وزر
لما أتانا تقي الدين لاح لنا
خير البرية نور دونه القمر
على محياه من سيما الآل صحبوا
بحر تقاذف من أمواجه الدرر
حبر تسربل منه دهرنا جسرا
مقام سيد تيم إذ عصت مضر
قام ابن تيمية في نصر شرعتنا
وأخمد الشر إذ طارت له شرر
وأظهر إذ أثاره درست
أنت الإمام الذي قد كان ينتظر
стр. 777
كم ذا تحدث عن حبر يجيء فها
وقد أثنى عليه معظم أهل عصره أعظم الثناء والذين ظهر لهم الحق على يديه وحسبنا ما ذكرنا, ولولا ضيق المجال لطال بنا الكلام, ومن أراد التوسع والوقوف على ترجمة هذا الإمام الجليل المجدد العظيم فعليه أن يقف على بعض من ترجم له من معاصريه مثل ابن الوردي في تاريخه, وابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية) , وابن الألوسي في (جلاء العينين) , وابن رجب في (طبقاته) , ومحمد بن شاكر الكتبي في (فوات الوافيات) , وابن العماد الحنبلي في (شذرات الذهب) , والحافظ الذهبي في كتبه العديدة التي أفاض فيها عن حياته وجهاده والذي وصف مصنفاته بأنها بلغت إلى خمسمائة مجلد.
دراسات عن ابن تيمية:
وفي القرن الأخير ظهرت دراسات مستقلة وكتب مستفيضة عن هذا الإمام الجليل, بعضها تتناول نواحي معينة من حياته, وبعضها تلم جميع حياته وسيرته وآرائه الفقهية وفتاويه, وممن كتب على سبيل المثال لا الحصر:
- العلامة الشيخ رشيد رضا.
- الشيخ طاهر الجزائري.
- الشيخ منير الدمشقي.
- الشيخ حامد الفقي.
- الشيخ محب الدين الخطيب.
- الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة.
- الشيخ محمد نصيف.
- الشيخ عبد الصمد شرف الدين.
- الشيخ سليمان الصنيع.
- الشيخ محمد أبوزهرة.
- الشيخ عبد العزيز الراعي.
- الشيخ محمد خليل هراس.
- الشيخ محمد بهجة البيطار.
- الشيخ عبد المالك بن إبراهيم.
- الأستاذ الدكتور علي سامي النشار.
- الدكتور محمد يوسف موسى.
- الأستاذ محمود مهدي الإستانبول.
стр. 778
وحتى المستشرفين قد اعتنوا به عناية كبيرة وفي مقدمتهم المستشرق الفرنسي (هنري لاوست) الذي خصه بعناية كبيرة, والذي جعل آرائه السياسية والاجتماعية موضوعاً لإحدى الرسالتين اللتين حصل بهما على الدكتوراه من باريس, كما ترجم بعض مؤلفاته إلى اللغة الفرنسية مع دراسة وتقديم لها, كما تحصل على الدكتوراه من جامعة كمبردج بإنجلترا الدكتور محمد رشاد سالم برسالته التي كان بعنوان (موافقة العقل للنقل عند ابن تيمية) , وقد سافر الدكتور رشاد سالم إلى هولندا وفرنسا وألمانيا وإنجلترا والهند واطلع على ما أمكنه الإطلاع عليه من مخطوطات ابن تيمية هناك, وصوّر كثيرا من هذه المخطوطات, ولقي عناءا كبيرا في رحلاته وبحوثه هذه, كما مكث مدة طويلة في دمشق نقل كثيرا من مخطوطات ابن تيمية, وهو عازم على نشر تراث ابن تيمية إن مد الله في أجله وأعانه على مهمته أن يقف جزءا كبيرا من جهده على نشر هذه المؤلفات بعد تحقيقيها وإخراجها في أحسن صورة, وتكون مقسّمة على ثلاثة أقسام - حسب تقسيمه -:
o القسم الأول: مؤلفات ابن تيمية وهو المخصص لنشر كل ما ألفه, وهو ينقسم إلى فرعين:
- الأول: لنشر الكتب الكبيرة.
- والثاني: لنشر الرسائل والقواعد المختلفة.
o القسم الثاني: تراجم ابن تيمية ويحاول في هذا القسم نشر كل ما كتب عن سيرة شيخ الإسلام.
o القسم الثالث: دراسات عن ابن تيمية وفي هذا القسم يتناول آراه المختلفة بالدراسة والتحليل ويهتم بوجه خاص بما يتعلق بالعقيدة والرد على المتكلمين والفلاسفة والفرق المختلفة والصوفية على اختلافها [٢] .
стр. 779
فتسأله تعالى أن يعين الدكتور على هذا المشروع العظيم, ويبارك في جهوده حتى يخرجه في أحسن صورة, ولا يفوتني هنا أن الحكومة السعودية - وفقها الله - طبعت مؤخرا (فتاوى ابن تيمية) في ثلاثين مجلدا بمطابع الرياض وهذا مشروع عظيم لا يستهان به.
صفات المؤمن
هيهات هيهات أهلك الناس الأماني, قول بلا عمل, ومعرفة بغير صبر, وإيمان بلا يقين, مالي أرى رجالا ولا أرى عقولا, وأسمع حسيسا ولا أرى أنيسا, دخل القوم والله ثم خرجوا, وعرفوا ثم أنكروا, إنما دين أحدكم لعقه على لسانه, إذا سئل: أمؤمن أنت؟ قال: نعم, كذب ومالك يوم الدين, إنّ من أخلاق المؤمن قوة في الدين, وحزما في لين, وإيمانا في يقين, وعلما في حلم, وحلما بعلم, وكيسا في رفق, وتجملا في فاقة, وقصدا في غنى, وشفقة في نفقة, ورحمة لمجهود, وعطاء في الحقوق, وإنصافا في استقامة, قانع بالرزق, حامد على الرخاء, صابر على البلاء.
الحسن البصري
--------------------------------------------------------------------------------
العقود الدرية من مناقب بن تيمية للحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المتوفى سنة ٧٤٤هـ.
[١]
انظر مقدمة كتاب (منهاج السنة) لابن تيمية تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم ص١٠.
[٢]
стр. 780
نظرات تحليلية في القصة القرآنية
عرض وتحليل بقلم: الشيخ محمود فكري المدرس بالجامعة
(قصص وعبر) آخر كتاب صدر للأديب الإسلامي والقصّاص الكبير الأستاذ محمد المجذوب, وهو حلقة في سلسلة مباركة يعزم الأستاذ على إصدارها من مجموعة مؤلفات في موضوعات شتى, وقد كان وقوفي على هذا الكتاب مناسبة طيبة للتحدث عن الأستاذ الفاضل وأدبه, وقصصه, وعن كتابه الأخير بالذات, ولعلّ معرفتي الوثيقة والقديمة بالأستاذ الكريم تجعلني أقدر على الكتابة من غيري في هذا الموضوع.
الأستاذ المجذوب من أبرز أدباء سورية, وممن لهم الشهرة الذائعة في الأوساط الأدبية, في العالم العربي, وله العشرات المؤلفات في مختلف الموضوعات, كلٌّ منها له مكانته في مكتبة القارئ العربي. ومؤلّفات الأستاذ تعالج مختلف القضايا الأدبية, والفكرية, والاجتماعية في محيط الأمة الإسلامية, وكل ذلك بأسلوب أدبي رائع, وبيان بارع, وفكرة نيرة, وبصيرة نافذة.
стр. 781
والأستاذ شاعر مطبوع وهو في مصاف شعراء الطبقة الأولى في العالم العربي اليوم, فهو على هذا فارس حلبتي النثر والنظم, وللأستاذ ديوان مطبوع وأخرى في طريقها إلى الطبع, والخيط الذي يجمع بين سائر ما كتبه الأستاذ وما قاله من شعر ونثر هو نبل المقصد, وسمو الفكرة, وجمال الغاية إلى سحر اللفظ, وروعة البيان, وجودة الأسلوب. فمؤلفات الأستاذ على اختلاف مناحيها من قبيل الأدب الموجه الذي تفرض فيه الغاية نفسها على القارئ فرضا, وتبدو حية بارزة خلف كل عبارة من عبارات الأستاذ, ولا يرد على الأستاذ وطريقته في الكتابة ما يقوله أهل الأدب من أن التقيد في الأدب من عيوب هذا الفن, وأن الأديب لا يعطيك ما عنده من روائع إلا إذا أطلقت له العنان وتركته على سجيته, وأزحت الحدود والقيود من أمامه. وهذا الكلام صحيح من جهة وفاسد من جهة أخرى, أو صحيح من فئة وفاسد من فئة أخرى, صحيح أنّ الفكرة إذا فرضت على الأديب فرضا وألزم الكتابة فيها تكون قيداً له, وعيبا في إنتاجه, ولكن الأديب إذا كان مستهاما بفكرته التي يكتب لها, مؤمنا بها, بل لا يملك إلا أن يكتب عنها, فحينئذ لا تكون الفكرة والغاية عيبا في الأديب, وقيدا في طاقته, بل يكون الخروج عن هذه الفكرة الأثيرة لدي الكاتب عيبا فيه وفي إنتاجه؛ لأنه حينئذ يكلّف الكتابة فيما لا يريد. وعلى هذا فالأستاذ المجذوب حينما يلتزم الفكرة الإسلامية في كتاباته كلها, ويعالج جميع القضايا التي يتطرق لها من وجهة النظر الإسلامية, وحينما يصرُّ على الكتابة في الموضوعات الأخلاقية النافعة, فإنّ هذا الالتزام ليس عيبا في الأستاذ وإنتاجه الأدبي, بل هو ميزته على سائر الأدباء من كتاب عصره, لأن الفكرة التي يلتزم بها الأستاذ في كتاباته لم تفرض عليه فرضا من سلطة عليا تريد له أن يحب هذه الفكرة ويدندن حولها في الوقت الذي لا يحبها هو أو لا يؤمن بها. بل إن الفكرة الإسلامية التي يتقيد بها الأستاذ في
стр. 782
كتاباته - بمعنى أن لا تخرج كتاباته عن الخلق الإسلامي, والأدب الإسلامي والقيم الإسلامية - هي (ليلاه) التي هام بها, وخالط حبها بشاشة قلبه, وسرى روحها في روحه, وآمن بها عقله, وقلبه, ولبّه, ولو حاول الانفكاك عنها لما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ لأنه لا يرى معنى للحياة بدونها, وإذا كان الأمر كل شيء في حياة الإنسان فمن العبث الاشتغال بغيره. ولعل أعداء الأدب الموجه صنف من أولئك التافهين الذين يريدون للأدب أن يبقى في وهدته التي تردى فيها على أيديهم, ألا وهي وهدة الجنس وحفرة الشهوة والرذيلة, فكل أدب لا يدغدغ غرائز الساقطين من الناس ويداعب شهواتهم الدنيئة, ويستثير فيهم الغرائز الحيوانية, والمعاني البهيمة الهابطة, يجعلونه أدبا موجها مقيدا قاصرا. فعلى الأدب عند هؤلاء أن يلزم الفراش فراش الرذيلة حتى يكون أدبا حرا طليقا مبدعا, ولكن إن حاول السمو حول فكرة علوية تفتح أمام الإنسان آفاق الحياة الصحيحة, وتربأ بإنسانيته عن هذا السقوط والتردي المشين, فهو يتهم بالقصور والتقيد وتتلمس له العيوب.
стр. 783
وبعد هذا نقول: فإن أدب الشيخ المجذوب موجه ومقيد, وجماله في توجهه وتقيّده, موجه نحو الإسلام وبالإسلام, ومقيد بنظرته للحياة والكون والإنسان. ولأن يعيش الإنسان لخصائص الخير التي فيه, ولأن يستجيب للمعاني العلوية التي في فطرته, ولأن يلبي أشواق النفحة الربانية في روحه خيرٌ من أن يسقط في حفرة الطين, وأن ينقلب في الحمأ المسنون. وقد يكون من الغريب ومما يتنافى مع اتجاه أدباء هذا العصر - وخاصة كتاب القصة فيه - أن يتجه الأستاذ المجذوب إلى القصة الإسلامية التي يعتبر رائدها بلا منازع.., من الغريب في منطق أدباء اليوم أن يتجه الأستاذ إلى القصة الهادفة التي لا ينكر دورها بين وسائل التربية والتوجيه, في الوقت الذي يعكف فيه كتاب القصة على وثن الجنس, ويقصرون كل جهودهم لإثارة الغرائز الأرضية الدنيئة المستكنة في الجيل الساقط الذي يخاطبونه, ويستدرون بمثل ذلك الأدب الرخيص السحت الذي يقتاتون به, ولكن الأستاذ المجذوب نكب عن هذه الطريقة الشائنة واختط لنفسه طريقا رشدا آثر فيه الفضيلة على الرذيلة, وقدم فيه المال الحلال على المال الحرام, وفضّل أن يسلك طريق الحق, ولا يصده عنه قلة السالكين, وازور عن طريق الباطل دون أن تغريه كثرة الهالكين, وخاطب في الإنسان عنصر الخير والسمو في فطرته التي عملت قوى الشر مجتمعة على تلويثها, وإطفاء نورها وطمس معالم الحق فيها.
стр. 784
فأدب الأستاذ بجملته - وقصصه بالأخص- نوع من الأدب البنّاء والهادف, الذي يؤدي دوره في إنارة سبيل القارئ العربي في معترك الحياة في هذه الحقبة العصيبة من حياته. وقصص الأستاذ المجذوب كسائر أدبه تجمع عناصر الجمال التي نراها تنحصر في المعنى الجميل, والمبنى الجميل. ولعل آخر كتب الأستاذ وهو (قصص وعبر) بجمع بين هذين العنصرين على الوجه الأكمل بالنسبة إلى قصصه, وذلك لأن موضوع الكتاب هو القصص القرآني الذي يعتبر بدون ريب ذروة ما دون باللغة العربية من قصص, وهذا يضمن للكتاب جمال المعنى في أروع صوره, وأما أسلوب الكتاب فهو خلاصة وحصيلة نصف قرن تقريبا من الثروة الأدبية التي جمعها الأستاذ, وهذا يضمن له جمال المبنى.
وقد تناول الأستاذ في كتابه هذا جملة كبيرة من قصص القرآن الكريم, وعالجها على الشكل التالي:
أولا: عرض القصة القرآنية عرضا إجماليا يبرز أهم معالمها دون الخوض في التفاصيل والجزئيات.
ثانيا: استنباط العبر والعظات ومحاولة استخراج المغزى والمرمى والغاية التي سيقت لأجلها القصة.
ثالثا: تحليل لأسلوب النص القرآني, ونظرات في العبارات التي حملت تلك المعاني الكريمة.
وقد استفاد الأستاذ الكريم من القرآن العظيم كثيرا في لفظه ومعناه, وهو الذي لازم القرآن وعاش بأجوائه طيلة حياته. وأعانته ملازمة القرآن هذه على أن يغوص في أعماق القصة القرآنية ليستخرج درّاتها الغالية, وجواهرها الثمينة, وحكمها البالغة, كما أن ترطب لسانه المستمر بالقرآن صقل ذلك اللسان, وصبغه بصبغة القرآن, فجرى عليه البيان ينساب غضا طريا, وكذلك تدبر قلبه المستمر له جعل الحكمة تتفجر في جوانبه, والعبرة تسبق إلى فكره, والنور يشرق في بصيرته.
стр. 785
ولقد صاحب التوفيق صاحب الكتاب في خطواته الثلاث في عرض القصة, واستنباط عبرها, وتحليل أسلوبها, وعيب هذا الكتاب هو أن الأستاذ كان مقيدا بوقت معين محدد يناقش خلاله القصة, وذلك في حلقات إذاعية, الأمر الذي كان كثيراً ما يجعل الأستاذ يكبح جماح القلم حتى لا يسترسل, وقد اعتذر الأستاذ عن هذا بأن قال: "إن الكتاب هو نموذج لعمل أكبر منه سيتناول القصة القرآنية بالتفصيل الأوفى في الخطوات الثلاث التي ذكرناها ... "
وبعد فإن لدي نماذج كثيرة من الكتاب تبيّن صورا من الجمال الذي يعلو صفحاته, ويبدو من خلال عباراته وعبره, ولكنّي لم أرد أن أقتطع تلك النماذج من موضعها التي سكبت فيها, داعيا القارئ إلى الوقوف عليها في أماكنها الكثيرة من الكتاب, ولأني أُومِنُ بأن الزهر في الروض أجمل منه في الآنية.
الرفق بالحيوان
"بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش, فوجد بئرا فنزل فيها فشرب, ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش, فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي, فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب, فشكر الله له فغفر له.
قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا؟
فقال:"نعم, في كل كبد رطبة أجر".
(البخاري)
стр. 786
هذه إسلاميتنا
بقلم الشيخ: أبو بكر جابر الجزائري المدرس بالجامعة
العمل الصالح:
حقا إن العمل الصالح هو أحد مبادئ إسلاميتنا المحببة إلى نفوسنا. والمراد بالعمل الصالح: ما كان محققا لسعادة المسلم الدنيوية والآخروية على السواء, أو عاملا على تحقيقها معا, ولا يكون العمل الصالح كذلك إلا إذا وصف بالصلاح, ووسم به من قبل الشارع الحكيم, فلا يوصف عمل بالصلاح ولا يوسم به ما لم يكن قد أمر الله تعالى به, أوأمر به رسوله ﷺ , أو أرشد إليه, أو أذن فيه. ومن هنا كنا نحن أبناء الإسلام نعمل ولا نكل, ونواصل العمل في غير سآمة ولا كلل؛ لأن العمل من مبادئ إسلاميتنا, وسبب رئيسي من أسباب سعادتنا. ومن الأعمال الصالحة التي تعتبر دعائم إسلاميتنا, ومن أقوى عوامل الفوز والنجاح فيها ما يلي: العلم، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، حسن الخلق، الجهاد.
١ – العلم:
أول عمل يقوم به المسلم في حياته طلب العلم والمعرفة؛ لأن ذاك واجب كل فرد من أفراد الأمة المسلمة ذكرا كان أو أنثى [١] .
وتنقسم المعرفة في إسلاميتنا إلى قسمين:
أ - ما يجب على كل فرد بعينه الحصول عليه, وذلك معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى, ومعرفة رسله, وخاصة نبي الإسلام محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, وما يجب لله , ورسوله محمد ﷺ من طاعة وتعظيم, وكيفية عبادة الله تعالى فيما تعبّد المؤمنين به؛ من اعتقاد ونية وقول وعمل, مما شأنه تهذيب النفوس وتزكيتها, وتقويم الأخلاق وإصلاحها.
стр. 787
ب - ما يجب على مجموع الأمة المسلمة دون جميعها, وذلك كمعرفة العلوم المادية من طب وصناعة, وكل ما من شأنه أن يحفظ كيان الأمة, ويحقق لها عزتها وقوتها, حتى تؤدي رسالتها في الحياة كاملة, رسالة العدل في الأرض, وتحقيق الخير, حيث رشحها الله تعالى لذلك في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ , وفي قوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ , والاجتباء: الاختيار لنشر كلمة الحق: (لا إله إلا الله) , والعدل والمساواة بين بني الإنسان ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ , "لا فضل لعربي على عجمي, ولا أبيض ولا أسود إلا التقوى".
ومن هنا كانت إسلاميتنا التي نعيش لها, وندعو إليها, ونوالي لها, ونعادي من أجلها, كانت تفرض في مبدأ العمل: طلب العلم, قال الله تعالى - شارعها وواضع مبادئها وتعاليمها -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ . وقال: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ , وقال ﷺ حامل راية إسلاميتنا -: "طلب العلم فريضة على كل مسلم".
٢ – الصلاة:
стр. 788
إن إقامة الصلاة في مجتمعنا الإسلامي الطاهر الحر لهو أكبر مظهر من مظاهر القوة والنظام والوحدة واحترام الواجب, فإنه بمجرد أن يعلن عن دخول وقت الصلاة: حي على الصلاة, حي على الفلاح, الله أكبر, الله أكبر, لا إله إلا الله, تتوقف الحركة, ويسكن العمل, ويهرع أفراد الشعب إلى المساجد القائمة هنا وهناك, في كل شارع من شوارع المدينة, وساحة من ساحاتها, يهرع الكل لأداء أكبر طاعة لله المعبود الحق, تكسبهم شحنة جديدة من الإيمان, يقوون بها على العمل المثمر النافع, ويترفعون بها عن الدنايا والرذائل, وعن كل سلوك شائن يحفظ المجتمع الإسلامي بطابعه الخاص من الطهر والصفاء والقوة والنشاط والوحدة والنظام. ومن هنا كانت إسلاميتنا تعتبر الفرد الذي يترك الصلاة عضوا فاسدا في المجتمع الإسلامي, يعالج فورا فيبرأ وإلا يبتر؛ خشية سرايا الفساد لبقية الأعضاء الصالحة, وذلك حفاظا على طهارة المجتمع وقوته ونظامه..
٣- الزكاة:
مبدأ الزكاة في إسلاميتنا قائم على تحقيق هدفين عظيمين:
أولهما: تطهير نفس المؤمن من رذيلة الشح والبخل وداء الشره والحرص والطمع وعبادة المادة ,وهي أدواء خطيرة متى تأصّلت في الفرد سلبته كل معاني الإنسانية الكريمة, وصيرته حيواناً تافها, لا يرجى منه خير لنفسه, ولا لأفراد مجتمعه.
стр. 789
ثانيهما: مقاومة التضخم المالي لدى الأفراد, وتوزيع الخير بين أفراد المجتمع الإسلامي, وإشاعة الرحمة فيه حتى لا يشعر فرد منه بالحرمان, أو أن يد الجوع تقوى على أن تغتاله في يوم من الأيام, كما أن الزكاة تكون سهما كبيرا في خزانة الدولة, إذ نسبة اثنين ونصف في المائة من كل الأموال المتداولة بين الناس, والمختزنة في المصارف, والصناديق الخاصة تعود سنويا إلى خزانة الدولة, نسبة لا يستهان بها في تدعيم مالية الدولة, وتقوية مركزها المالي, ومن هنا كانت إسلاميتنا تفرض الزكاة فرضا في أموال الأفراد, وتطالب بها, وتأخذها بالرضا أو الكره, وتنظم جبايتها, وتحسن صرفها في أوجهها المخصصة لها, تحقيقا لهدف سعادة المسلم في حياته الدنيا والآخرة!.
٤- الصوم:
стр. 790
يعتبر الصوم في إسلاميتنا أكبر عامل في تقوية أفراد مجتمعنا الإسلامي, وتهذيب شعورهم, وترقية أرواحهم, وإرهاف إحساساتهم, وتنمية عواطف الخير فيهم, وإعداد كل فرد منهم لأن يكون قويا في إرادته, وعزمه, وتصميمه, لا تشوبه المغريات, ولا تستميله الشهوات, صبورا عند الشدائد, لا تضعفه الأهوال, ولا تثنيه عن عزمه الويلات والمخاوف. كما أنّ مبدأ الصوم في إسلاميتنا يساعد على رفع مستوى الصحة العام في الأمة, أو صوم شهر في السنة تقاوم به سائر الفضلات والرواسب في البطن, والتي تنتج عادة عن استمرار عملية الأكل والهضم. كما أن الصوم مقاوم لتضخم السمن وامتلاء البطن بالشحم؛ الذي من شأنه أن يقلل من نشاط الفرد, ويضعف من سرعة حركته عند مزاولة أعماله, والقيام بواجباته في الحياة, مثل ما أن الصوم من الناحية الاجتماعية من أهم عوامل تعويد الأمة الاتحاد والنظام وتحقيق مبدأ المساواة, يتجلى ذلك في إمساك الأمة في لحظة واحدة من أول النهار, وإفطارها في لحظة واحدة من آخر النهار, لا فرق بين غنيها وفقيرها, ولا بين شريفها ووضيعها, أو قويها وضعيفها؛ إذ الكل أمام هذا الواجب متساوون, لا ميزة لأحد منهم على الآخر.
٥- الحج:
إنّ ما يحققه الحج إلى بيت الله الحرام من مكاسب كبيرة, ومنافع عديدة للأمة المسلمة لا يمكن حصره, وإنما يمكن الإشارة إلى بعض مكاسبه ومنافعه فيما يلي:
١- مغفرة ذنب المؤمن وتكفير ما ألم به من سيئات, تحت تأثير ضعفه وعجزه الأصيل, وإخفائه أحيانا في مقاومة قوى الشر المختلفة, والمحدقة به من كل جانب, وفي كل زمان ومكان, قال نبي الله ﷺ : "من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
стр. 791
٢- إجتماع العديد من المسلمين في مكة المكرمة على اختلاف أجناسهم, وتباعد ديارهم, وتعرف بعضهم أحوال بعض, وتبادل الآراء في الإصلاح, والعمل المثمر المفيد للمسلمين, والمحقق لهم الخير والسعادة, إذ الحج يمثل أكبر مؤتمر سنوي يعقد في العالم على أكمل حال وأحسن وجه.
٣- رياضة نفس الفرد المسلم على البذل والعمل والاغتراب والتضحية, بما يكسب المسلم طاقة كبيرة من الإيمان والنشاط العضلي والعقلي. ومحاسن الأخلاق لا يحصل عليها بغير أداء عبادة الحج المقدسة بحال من الأحوال.
٦- حسن الخلق:
إذا كانت المذاهب المادية اليوم من إشتراكية ورأسمالية وغيرهما تقوم على أساس غير أخلاقي, فتبيح الظلم والغش والكذب والنفاق والتضليل والخداع والباطل والمغالطة والتمويه في سبيل الوصول إلى أهدافها المادية الخسيسة, فإن إسلاميتنا قائمة على دعائم الأخلاق الفاضلة, ومرتكزة على أصول القيم الروحية الكريمة, من صدق ووفاء وعفة وحياء وعدل وخير ورحمة وتبشير, وتحرم على معتنقي مبادئها الظلمَ والجور والاعتداء والغش والخداع والكذب والنفاق والفحش والبذاء وكل أنواع الشر والفساد, وفي أي صورة من الصور, أوشكل من الأشكال, ولم تكتف بمجرد الحظر والتحريم, بل تدعوا أبناءها إلى محاربة الجريمة ومطاردتها حيث ما كانت, حتى يخلص المجتمع الإسلامي لأبنائه طاهراً طهارة الأرواح المؤمنة, ونقيا نقاء السماء قال تعالى- في كتاب إسلاميتنا-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
стр. 792
ولذا نحن إذ ندعو الشرق والغرب معا إلى إسلاميتنا فإننا ندعوهم إلى الخروج من حياة المادة المدمرة إلى حياة السمو الروحي والكمال النفسي, ندعوهم إلى الخروج من الصراع لأجل الباطل والشر للصراع من أجل الخير والحق, بالرغم من إعراض العالم اليوم عن إسلاميتنا المخالفة لما ألفه من حب الاستعلاء والظلم والطغيان, ولما اعتاده من عيشة الشر والفساد, فإننا لا نزال ندعو إلى إسلاميتنا, ونجاهد من أجلها, حتى يقيض الله تعالى لها من يحتضنها, وينقذ بها البشرية من وهدة الشر والفساد التي تردت فيها, وحتى يتخلص العالم الإنساني من حيرته التي عاشها لعدة قرون وما وجد لها من مخرج إلى اليوم.
٧ - الجهاد:
تعد إسلاميتنا الجهاد بأنواعه الأربعة من أفضل الأعمال الصالحة, وتعتبره فريضة كل مسلم في الحياة؛ لأنه قوامها وذروة سنامها وحارس مبادئها وحافظ مكاسبها, فلذا هي تلزم أبناءها ومعتنقي مبادئها القيام بما يلي:
١- توطين النفس على الجهاد إذ تقول تعاليمنا: "من مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق".
٢- إعداد العدة له لقول الله تعالى – واضعها -: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ . ويستلزم هذا الأمور التالية:
· أ _ تدريب كل شاب مسلم بلغ الثامنة عشرة من عمره على فنون الحرب المختلفة ووسائل الدفاع الضرورية بصورة إجبارية أداء لفريضة الجهاد.
· ب _ إمتلاك الأسلحة المختلفة, وكل ما يجد في العلم من أسلحة وبناء المصانع والمعامل المنتجة في داخل البلاد.
· ج _ تقوية الجيوش المرابطة والغازية وتدعيمها بكل وسائل التدعيم والتقوية بما يضمن لها الانتصار قي كل معركة تخوضها ضد الباطل والشر, وبما يمكنها من دفع كل معتد ظالم.
стр. 793
· د _ إبعاد الجيش عن أسباب الفشل والضعف ومن أخطرها معاصي الله تعالى بالفسق عن أمره والخروج عن طاعته.
· ي _ إصلاح نفس الجندي وتزكية روحه بوسائل الإصلاح والتهذيب المختلفة حتى يحتفظ في كل وقت باستعداده للفداء والتضحية والاستشهاد في سبيل الله تعالى.
هذا في الجهاد الخاص وهو جهاد المحاربين لدعوة الله تعالى والصادين الناس عنها, وأما في الجهاد العام فإن إسلاميتنا تلزم كل مسلم أن يجاهد نفسه في ذات الله تعالى بأن يحملها على أن تتعلم أمور الدين وتعمل بها وتعلمها ويصرفها عن هواها ويقاوم رعوناتها,
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ , ويجاهد الشيطان يدفع ما يأتي به من الشبهات, وترك ما يزينه من الشهوات ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ , ويجاهد الفاسق بتغيير ما يأتون من المنكر ويحملهم على ما يتركون من معروف "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان".
وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
انطلاق لا دفاع
الذي يدرك طبيعة هذا الدين، يدرك معها حتمية الانطلاق الحركي للإسلام في صورة الجهاد بالسيف إلى جانب الجهاد بالبيان, ويدرك أن ذلك لم يكن حركة دفاعية بالمعنى الضيِّق الذي يفهم اليوم من اصطلاح (الحرب الدفاعية) كما يريد المهزومون أمام ضغط الواقع الحاضر, أما هجوم المستشرقين الماكر أن يصوِّروا حركة الجهاد في الإسلام إنما كان حركة اندفاع وانطلاق لتحرير الإنسان في الأرض بوسائل مكافئة لكل جوانب الواقع البشري, وفي مراحل محددة, لكل مرحلة منها وسائلها المتجددة.
(سيد قطب)
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 794
[١] من أراد الوقوف على تفاصيل تعليم المرأة المسلمة فليراجع رسالة (حقوق المرأة) لكاتب المقال.
стр. 795
الإسلام دين الفطرة.. صالح لكل زمان ومكان
للشيخ محمد مريسي محمد المدرس بالجامع ة
أيها الأخ المسلم: تعالى بنا نستعرض تشريعات الإسلام في كل نواحيه, من عقيدة وعبادة, ومعاملة, وأخلاق, واجتماع, لنرى أنها سايرت الفطر السليمة النظيفة, التي لم تتدنس بتقاليد أفقدتها الإحساس الواعي الفاهم, الذي يستطيع أن يدرك الغث من السمين, والجيد من الزيف, فاختلط عليها الأمر, وانقلبت عليها الأوضاع, فظنت الحسن قبيحا, والقبيح حسنا, وسارت في متاهات الشهوات والأهواء, حتى أصبحت كما قال الشاعر الحكيم:
حتى يرى بالحسن ما ليس بالحسن
يقضي على المرء في أيام محنته
стр. 796
نعم, تعال بنا نستعرض مسائل الإسلام, ولتكن أول المسائل: العقيدة؛ دعاك الإسلام إلى عبادة الله وحده, ونهاك عن عبادة غيره أيا كان هذا الغير, وبيّن لك أنّ الله خص بالعبادة دون سواه؛ لأنه مالك الأمر كله, ليس لأحد معه من عمل, فهو الخالق, الرازق, المعطي, المانع, المحيي, المميت, يعز من يشاء, ويذل من يشاء, بيده وحده الخير ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ , ثم برهن في الآية نفسها على قدرته على ذلك فقال: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . وإذن فمن العبث أن يستمد الإنسان العون من غير ربه, وأن يطلب تحقيق آماله من غير خالقه, فهو المسؤول وحده, ولا يملك أحد لأحد شيئا, مهما أوتي من جاه, أو سلطان, فالجاه والسلطان مستمدان من الله سبحانه, ولو شاء أن يسلبهما لسلبهما. ودروس الأيام عبرة وذكرى, والذكرى تنفع المؤمنين, ألم ترى إلى قول رسول الله ﷺ : "إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, رفعت الأقلام وجفت الصحف". وقد أمر الله رسوله ﷺ في القرآن إذ يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . من هذا كله نستطيع أن ندرك فساد فطر هؤلاء الذين وكلوا أمورهم إلى غير الله, وظنوا أنهم واصلون إلى
стр. 797
أغراضهم ماداموا في أحضان من اتخذوهم درعا واقية من دون الله, ولهذا عاشوا أذلاء, وسيموتون كذلك, وها هو ذا الحديث القائل: "من استعز بالله عزّ, ومن استعز بغير الله ذلّ", وها هو القرآن يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾
المسألة الثانية: العبادة والمعاملة: وهي في تنوّعها عامل هام من عوامل تكوين الشخصية الإسلامية الحقة, التي تعرف لله حقه, وللناس حقوقهم, فتكون أسلوباً من الهداية, وعنواناً على الخير الجامع الشامل, قل بربك: ما هذا الإنسان الذي يقف بين يدي ربه, وفي محرابه, يركع له ويسجد له, ويؤدي عبادة الصلاة في خشوع, إن دل على شيء فإنما يدل على عبودية خالصة لله, هي التطبيق العملي الذي يتجاوب مع العقيدة, عقيدة الإخلاص لله والاستعانة به, إنه المسلم الذي يعد عنوانا واضحا على الإسلام الحق, والإيمان الحق ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ , وجميل من القرآن أن يعقب هذا بطلب الهداية إلى طريق الله المستقيم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾
стр. 798
أيها الأخ المسلم: ما أروع أن ترى المسلمين صفوفا متراصة, منتظمة متحدة في حركتها وسكونها, في ركوعها وسجودها, تأتم بإمام واحد, يسبق إلى فعل الأركان, فيتبعه جميع المؤتمين به, وهكذا تراهم يركعون بركوعه, ويسجدون بسجوده, ويستمعون لقراءته, ويؤمنون على دعائه, ولا ينتهون من صلاتهم إلا بانتهائه, وما هذا كله إلا الوحدة والنظام, واتباع الأمر, وحسن الإقتداء في رغبة وحب, لا في إكراه وبغض. ولو استعرضت جميع الشرائع الوضعية الموجودة, مهما كان نظامها, ومهما كان وضعها, لا تراها تخلق في الجماعة هذا النظام المحكم, ولا هذه الطاعة التي تنبع من القلب, فكانت كما قدمنا حبا ورغبة, لا كراهية وبغضا. وهكذا لو استعرضت جميع العبادات من صيام وزكاة وحج, وما إلى ذلك من تبيان الحلال والحرام في كل شيء, لبان لك أن تشريع الله ما بني إلا على أساس المصلحة, التي تحقق السعادة الجامعة الشاملة للفرد والمجموع. هذا التشريع السماوي ذو الحكمة العالية السامية صالح لكل جماعة, في كل مكان, وفي كل زمان, ومهما تغيرت الأيام, واختلفت السنون, بأحداثها ومسائلها, فإن هذا التشريع لا يتغير بتغيرها, ولا يتبدل بتبدلها, بل هو صالح لها على جميع أوضاعها, ضامن لكل أهل زمان السعادة إذا ما عملوا بأحكامه, واستمسكوا بآدابه, وهاهم أولاء المسلمون الأولون, استطاعوا بإيمانهم واستمساكهم بدينهم أن يملكوا العالم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ,استطاعوا أن يهزوا عروش الأكاسرة والقياصرة, ويجلسوا على عرش الدنيا ملوكا حكاما, وأئمة أعلاما, وقد حقق الله لهم وعده في قرآنه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ
стр. 799
بِي شَيْئاً﴾ .
أيها الأخ المسلم: إذا قلت لك: إن تشريع السماء صالح لكل زمان ومكان, أستطيع أن أقول لك: إن تشريع الأرض غير صالح لهما, ولذلك نراه دائما في تغيير أو تبديل, وما يشرع اليوم ينقض غدا, وما يصلح لهذه الجماعة لا يصلح للجماعة الأخرى, ولذلك نرى لكل طائفة من طوائف العالم تشريعها ودستورها الملائم لحال أهلها؛ لأن الشرائع تتطور بتطور الأمم, وتتغير بتغير أحوالها, فتوضع الشرائع الوضعية موافقة لحال العصر, الذي وضعت فيه, والبيئة التي سنت من أجلها, وكثير ما يظهر نقص التشريع, وتتكشف نواحي الضعف فيه, فيستنون شرائع أخرى, وهكذا دواليك, لا استقرار لتشريع وضعي مهما كان واضعوه؛ لأن العقل البشري مهما أوتي من قدرة على الفهم وتقدير الأوضاع, لا يسلم من الأخطاء, ولهذا لم يترك الله الناس لعقولهم, بل أرسل إليهم رسلا مبشرين ومنذرين, يرشدونهم إلى الحق, ويوجهونهم إلى صراط الله المستقيم, الذي قال فيه –سبحانه-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
نعم, تشريع الله لا يتغير أبدا ولا يتبدل؛ لأن واضعه حكيم عليم بأحوال الأمم وأوضاعها, فوضع لها التشريع الذي يحمل في طياته سعادة البشرية جمعاء, مهما كانت أحوالها, ولهذا اعترف كثير من مستشرقي الغرب بدين الإسلام كسبيل إلى الإصلاح العام الشامل للفرد والمجموع, ودستورٌ ينقذ البشرية من دوافع الشر وعوامل الفساد, وها هو ذا رجل إنجليزي مستشرق يقول في إحدى المجلات الإنجليزية: "لو بعث محمد بن عبد الله يحمل كتابه في يديه لأمكن أن ينقذ سفينة العالم من الغرق", وسئل الكاتب الإنجليزي المعروف بأدبه وفلسفته (برنارد شو) : ما رأيك في الإسلام؟ قال: "الإسلام حسن, ولكن أين المسلمون!) .
للحديث بقية.
الجماهير:
стр. 800
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ . وقال الشاعر:
بألف رأس حمار عقل إنسان؟
اتبع حكيما ودع جمهورهم أترى
стр. 801
الإسلام والحياة
بقلم: أحمد عبد الرحيم السايح من علماء الأزهر
١ - القرآن الكريم.. والحياة
القرآن الكريم: كتاب الله الخالد الذي أُحكمت آياته ثم فُصِّلت من لدن حكيم خبير, نزل به الروح الأمين, على رسول الإنسانية محمد ﵊, منجما حسب الوقائع والمناسبات, من ليلة السابع عشر من رمضان, للسنة الحادية والأربعين من ميلاد الرسول, حيث أوحى إليه في غار حراء, الذي كان يتحنّث فيه, أول آية وهي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ, اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
وكان في هذا الابتداء إشعار بالدعوة الإسلامية إلى العلم, والتنويه بشأنه, وأنّ شعار هذا الدين العلم الذي يرفع الله به الأمم, ويعز به الجماعات.
واستمر نزول القرآن حتى التاسع من ذي الحجة, للسنة العاشرة من الهجرة, والثالثة والستين من ميلاد الرسول, حيث أوحى إليه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ .
وبتمام نزول القرآن الكريم كملت شريعة الإسلام, وأتم الله على أمته نعمته, والقرآن بهذا التمام والكمال صار دستور المسلمين في حياتهم الاجتماعية, والسياسية, والاقتصادية والروحية, ومرجع العقائد, والعبادات, والمعاملات.
أحكمه رب العزة, فأتقن إحكامه, وفصله فأحسن تفصيله, فبه من الآداب الفاضلة والأخلاق الحميدة, والتوجيهات السديدة, والقيم السامية, ما هو كفيل برقي الأمم العاملة به, المتمسكة بتعاليمه.
стр. 802
وهو روح الإسلام الذي يشع فيه الكينونة والوجود, وقلبه الذي ينبض بالحيات والحركة, والدفع والتدفق, وعقله الذي تلألأت به شهب المنى, ودرت أثداء الأمل.
وهو الجامعة الإسلامية العالمية, التي ترسمت معالم الإخاء, وشعت بقواعد المساواة, وخفقت بأعلام الحق, وعلائم الكمال.
والمعنى الذي يفهم من لفظ (القرآن) كبير جدا, لا يدانيه معنى في القوة والتأثير, وإنّ المؤمن الذي يتلوه لتنثال على خاطره منه دلالات وطيوف, تملا النفس خشوعا وروعة وجلالا.
وفي كلمة القرآن معنى الجامعة, التي احتوت على جميع العناصر الصلاحية, لكل الأزمنة, والأمكنة, والبيئات, والمجتمعات والعصور.
والقرآن الكريم: وعي, ووحي, وإشعاع, وكتاب تربية, وبرهان قاطع, وآية ساطعة, وتشريع روحي, وقانون واف, وسياسة أخاذة, ونظام دولي, وإصلاح اجتماعي, ومجمع علمي, ودائرة معارف يرجع إليها أهل الفكر, ويعتمد عليها أرباب النظر.
والقرآن فوق هذا وذاك: القاعدة الروحية التي تنطلق منها الإمدادات الإلهية, والفيوضات السماوية. وإذا كان الإنسان ذلك الكائن الحي لا وجود له ولا حياة بغير الروح والقلب والعقل, فإن المسلمين لا كيان لهم ولا حياة بغير القرآن, فهو لهم الروح والعقل والقلب, وهولهم: الضياء والشفاء والغذاء والجرس الذي لا ينتهي له مدى, ولا ينضب له معين. تنشده الأمة فتجد فيه مبتغاها من التشريعات الفردية, والعلائق الأسرية, والمعاملات الاقتصادية, والاجتماعية, والحربية, والقوانين المدنية, والأنظمة الدولية, وبعبارة أدق وأوجز: تجد فيه الأمة كل ما تحتاج إليه في حياتها العامة والخاصة, والدين والدنيا.
نادى الناس بنداءات إلهية, أججت العواطف, وحركت العقول من ركدتها, وبعثت في النفوس ثورة رائعة, كان لها المدى البعيد في تحويل مجرى الإنسانية.
стр. 803
ولقد وعى التاريخ عن الثورية في القرآن ما لم يعه لأي حدث آخر في هذا الكون, سواء في معارك التهذيب النفسي, حينما وجد الناس يسودهم الهوى, ويسوسهم الجهل, فأصبحوا بهديه مثالا يحتذى.
أو في معارك السلام يوم تدفقت سيول العرب من منابعها, وخاض جنود الحق بفتحاتهم أرجاء الدنيا. وما أصدق رسول الله إذ يقول في حديث يرويه الترمذي: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم, وخبر ما بعدكم, هو الفصل ليس بالهزل, من تركه من جبار قصمه الله, ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله, وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم, هو الذي لا تزيغ به الأهواء, ولا تلتبس به الألسنة, ولا يشبع منه العلماء, ولا يخلق على كثرة الرد, ولا تنقضي عجائبه, هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد, من قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل, ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم".
وما أبلغ ما قاله الدكتور موريس الفرنسي في وصف القرآن "إنه بمثابة ندوة علمية للعلماء, ومعجم اللغة للغويين, ومعلم النحو لمن أراد تقويم لسانه, وكتاب عروض لمحب الشعر, وتهذيب العواطف, ودائرة معارف للشرائع والقوانين" [١] .
стр. 804
ولقد اشتمل القرآن الكريم على ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية, منها حوالي سبعمائة وخمسون آية كونية وعلمية, احتوت أصول وحقائق تتصل بعلوم الفلك والطبيعة, وما وراء الطبيعة, والأحياء, والنبات, والحيوان, وطبقات الأرض, والأجنة, والوراثة, والصحة, والصحة النفسية, والوقائية, والتعدين, والصناعة, والتجارة, والمال, والاقتصاد,.. الخ. واحتوت باقي الآيات على الأصول والأحكام في المعاملات, وعلاقات الأمم والشعوب في السلم والحرب, وفي سياسة الحكم, وإقامة العدل, والعدالة الاجتماعية, والتضامن الاجتماعي, وكل ما يتصل ببناء المجتمع. وفي رسم شخصية المسلم الكامل؛ خلقا, وأدبا, وعلما, وفيما يجب أن يحتذيه من المثل العليا, وما يتحلى به من مكارم الأخلاق.
وهذا كله بخلاف العبادات, والعقائد, والتكاليف, وبخلاف القصص, وما احتواه من مواعظ, وأمثال, وغير ذلك من شتى أمور الدين والدنيا, مما كان محلا للدراسة, والاستنتاج, والتخريج, والتأصيل, والبحث, والتنقيب. وكان أساساً لعلوم الفقه, والتفسير, والحديث, والأصول, والأخلاق, والاجتماع, والبلاغة, والأدب, وغيرها, سواء كانت عقلية أم نقلية.
стр. 805
وكانت معانيه دائما كالماء الصافي الزلال في بلور الإناء, ومهما تشكل الماء بلون الإناء بحسب الزمان والمكان فهو نفس الماء الذي لا يتغير لونه, ولا ينضب معينه, ولا يتسنه طعمه, ويظل هو نفس القرآن الذي لا تبلى مع الزمان جدته, ولا تنقضي عجائبه, كما قال الرسول ﷺ , ذلك أنه من العمق والاتساع, ومن العموم والشمول, بما يقبل تفهم البشر له, أيا كان مبلغهم من العلم, وبما يفي بحاجاتهم في كل عصر, ويتجاوب في يسر مع أهل البداوة؛ لأنه لا يلتوي على الأفهام, ويبهر في عمق أهل المدنية, الذين صعدوا في سلم الرقى, وبرعوا في فنون العلم والمعرفة؛ لأنه يزخر كما يزخر البحر, في قاعه الدرر واللآلئ, لمن استطاع الغوص إليها في الأعماق [٢] .
ويضيق المقام عن الإفاضة في هذه المجالات الواسعة العميقة, فلا مندوحة من الاجتزاء والاكتفاء, وإيراد بعض الأصول والحقائق وإلى اللقاء.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر كتاب التربية في كتاب الله ص ٦ للشيخ محمود خالد مطبعة الاعتصام القاهرة ١٣٨٨هـ.
[٢] راجع المحاضرات العامة للأزهر ص ٢٠سنة ١٣٧٨هـ مطبعة الأزهر.
стр. 806
الأعداء الثلاثة
للشيخ حسين محمد مخلوف
محاضرة ألقاها على طلبة الجامعة الإسلامية بالمدينة فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف، مفتي الديار المصرية سابقاً، وعضو جماعة كبار العلماء، وعضو رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وأحد أعضاء المجلس الاستشاري للجامعة.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه المجاهدين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فقد أتاح الله تعالى لي في هذه المرة زيارة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي أنشئت في عام ١٣٨١هـ، كما زرتها في أعوام سابقة، فرأيتها نامية ذاخرة بطلاب العلم والدين من نيف وستين جنسية من مختلف الأقطار الإسلامية، وفدوا إليها بعزائم قوية، ورغبات صادقة وقلوب مؤمنة مخلصة للتغذي بعلومها, والنهل من معينها, على يد أساتذة فضلاء، فألفوا من المملكة وعلمائها، ومديري الجامعة صدوراً رحبة وعناية فائقة، ومساكن جميلة، ومرافق كاملة، وفوق ذلك وجدوا مدداً سخياً، كريماً وافياً, وجواً صالحاً، وبيئة سليمة، وحياة شريفة، يظلها الإسلام الحنيف، والأدب الرفيع, ويسبغ عليها التقى والصلاح، ذلك الجوار الكريم للرسول العظيم ﷺ .
ولهذه الجامعة الإسلامية ميزة كبرى على نظائرها في بعض الأقطار الإسلامية لا تزاحمها فيها, وهي مزيد العناية بالعلوم الإسلامية وتعليمها، وبالأخلاق والآداب، وحسن السيرة, ووسائل الدعوة إلى الإسلام، والسخاء في الإنفاق على طلابها، وتوفير أسباب إقامتهم في رحابها، وشدة الحرص على تحقيق أهدافها وغاياتها.
كيف وهي متوجة بهذه النسبة الكريمة، مشرفة بهذا الشرف الرفيع الذي لا يدانيه شرف، وحسبها أنها في دار الهجرة، وفي رحاب أفضل الرسل، وأكرم الخلق على الله سيدنا محمد ﵌.
стр. 807
ومما بهرني في هذه الزيارة منشئات جديدة على أحسن طراز وأجمل رواء، وأضخم بناء منها مساكن للطلاب، وقاعات للدراسة في الكليتين، كلية الشريعة وكلية الدعوة وأصول الدين، وصالة فخمة للمحاضرات يندر مثلها في جامعات أخرى، وغير ذلك مما عنيت به المملكة في هذه الجامعة المثالية، وأنفقت فيه الأموال الوفيرة بسخاء، وعما قريب بمشيئة الله تعالى يفتتح البناء الجديد في ثوبه القشيب وجلاله الرائع، فرجوت من الله تعالى تحقيق الأمل، وإتمام العمل على أحسن حال وأكمله، والمثوبة للقائمين به بإخلاص نية، وحسن قصد لوجه الله تعالى، وخدمة الإسلام.
وفي الجامعة عدا هاتين الكليتين قسم إعدادي يؤهل الطلاب للانتظام في السلك الجامعي، وشعبة تعليمية تعلم اللغة العربية لمن لا يحسنها من الوافدين للجامعة من الأقطار الأخرى، ولكل من الكليتين منهج دراسي خاص لما يدرس من العلوم والمواد واف بالغرض المنشود.
وقد تخرج إلى الآن من الكليتين مائة وثمانية وعشرون جامعياً في أربع سنوات منذ افتتاحها، ينتمون إلى اثنين وعشرين جنسية.
وعاد أكثرهم إلى البلاد التي وفدوا منها يحملون رسالة الإسلام، وعلوم الإسلام أصولاً وفروعاً، ويدعون إلى التوحيد الصافي من الشوائب، الخالص من البدع والأهواء، في صدق وإخلاص وعزم وقوى، ونقاء من الشبه وتزييف للباطل، والتحريف الذي روجه أعداء الإسلام من الفرق الضالة المعروفة.
ولا شك أن في ذلك نوع من الجهاد في سبيل الله، له أثره المحمود في إصلاح القلوب، وتطهير العقول وصلاح الأعمال، ونشر العلم والعرفان، ونقاء المجتمع الإسلامي من الأدران.
стр. 808
وهناك مرض خطير أصاب المسلمين فأوهن قواهم، وأذهب ريحهم، وأغرى بهم أعداءهم، وجرّ إليهم الويلات، ذلك هو مرض التفرق والاختلاف بين جماعات المسلمين والتنابذ والتعادي، وهو مرض وبيل، وداء خطير يجب أن ينال من عناية الدعاة إلى الله والعلماء التقاة ما يزول به الداء ويشفى هذا السقام.
فقد أوجب الله عليهم في هذا الموقف أن يبصروا المسلمين بمغبة التنازع والتفرق، وأنه محرم عليهم، وأنه يجب عليهم الآن بعد نزول البلاء وتحقق النذر أن تتصافى قلوبهم وتطهر من الضغائن والأحقاد صدورهم، وتقلع عن الهواجس والأهواء جماعاتهم وتتراحم وتتواد، وتتعاطف، وتلتقي على كلمة سواء في جهاد الأعداء واستعادة العزة والكرامة، ودفع الأسواء.
والله تعالى يقول:﴾ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم﴾ , ويقول:﴾ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ﴿، والرسول ﷺ يقول: "والمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً", ويقول: "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى", إلى كثير من الآيات والأحاديث في هذا المقام الناهية عن التفرق، الحاثة على الاجتماع والوئام والتعاون والتناصر.
فمن أهم الواجبات على الدعاة إلى الله, وعلى سائر العلماء أن ينصحوا ويفصحوا ويبصروا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وعلى من يعصي تدور الدوائر.
ولقد حلت بالمسلمين الكارثة الماثلة الآن بسبب هذا التفرق الممقوت والإعراض عن الاعتصام بحبل الله المتين، وهو كلام رب العالمين وعن أحاديث سيد المرسلين، فعلينا أن ندعو إلى الرجوع إليهما والائتمام بهما في كل شؤوننا ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ .
стр. 809
وهذا كتاب ربنا وشريعة نبينا نور وهدى وبصائر لمن استمع إليهما، وفيهما كل الخير والفلاح في كل زمان وأمة ومكان، فلنأخذ بهما، ولننبذ كل ما يخالفهما، والله تعالى كفيل بنصرنا على أعدائنا﴾ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿,﴾ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .
ذلك هو العدو الداخلي، وهذا طريق الخلاص منه، والانتصار عليه، فهل نحن سالكون هذا الطريق المشروع الآمن؟ نرجو من الله التوفيق له.
أما العدو الخارجي، فاعلموا أيها الإخوان أن أعداء الإسلام كثيرون، قد أجمعوا مع تفرقهم في النحل والمذاهب والآراء على الكيد للإسلام، وكتابه ورسوله، ودعوته، وبلاده، وحاضره، ومستقبله بمختلف الوسائل بحنق وغيظ وتدبير وخطط مرسومة.
فهناك الصهاينة الباغون يدبرون للإسلام منذ قرون أسوأ التدبير وأخفاه سعياً وراء تفتيت الجماعة الإسلامية, وإشعال نار الفتن بين المسلمين، والفرقة والاختلاف في كل مهامهم، بأساليب شتى لا يتسع هذا المقام لشرح تفصيلها.
وإنما أذكر وسيلة واحدة خفيت حقيقتها على كثير هي (الإخاء الماسوني) فقد أنشئوا نظام الماسونية، وأقاموا له فروعاً في أكثر الدول، وشكلوا جمعياته فيها، ووضعوا له نظماً، واصطلاحات ورسوماً، يتعارف بها الأعضاء المنتسبون له من كل دولة، وأهم مبادئه الإخاء بين جميع الأعضاء مهما اختلفت دياناتهم وجنسياتهم وبلادهم، فيصبح الماسوني أخاً للماسوني، يضحي في سبيله بكل غال، ويعاونه بكل وسيلة، ويحقق أغراضه مهما تعارضت مع دينه أو وطنه أو أخلاقه، فاليهودي يتآخى مع المسلم، والمسلم يتآخى مع المسيحي، والمسيحي يتآخى مع الملحد، وكلهم إخوة متناصرون، يُضحُّون في سبيل هذه الأخوة بكل شيء، وبذلك تحل الرابطة بين المسلم وأخيه المسلم إذا تعرضت مع الأخوة الماسونية، ويحل محل رابطة الإسلام وأخوته التي شرعها الله تعالى رابطة الماسونية الأثيمة.
стр. 810
وقد اغتر بهذه الدسسية بعض القدامى، فانخرطوا في سلك الماسونية ومجامعها الدولية بسلامة نية, وحسبوها أخوة بريئة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وتورَّطوا فيها كثيراً، والحمد لله قد خفّت وطأتها نوعاً حيث ظهرت العداوة أخيراً في وضح النهار، وقد كانت في أول الأمر خفية متوارية أبان الضعف والتدبير.
هذه إحدى مكائد الصهيونية العقائدية والاجتماعية.
واليهود كما تعلمون قوم بهتٌ يأكلون السحت، ولا يعيشون إلا بالحرام، ولا يبالون في سبيل المال بشيء من الدين أو الأخلاق أو حرمة الأعراض، فهم عبّاد المال أينما وجد، وبأي طريقة اكتسب، وهم يساكنون المسلمين في بلادهم منذ القدم قبل أن يحتلون فلسطين ويكوِّنوا لهم دولة, فنشروا الربا بين المسلمين، وأغروهم بمكاسبه الهائلة، فتبعهم من ضعُفَ إيمانُه وخلقُه من المسلمين. واليهود في كل العالم ملوك المال، القابضون بأيديهم على زمام الاقتصاد، حتى في أميركا فبه يتحكمون, ويملون سياستهم على كثير من الدول والبلاد والأشخاص ما في ذلك شك، ذلك بعض خطر اليهود، والاحتياط منه ودرؤه عن المسلمين أن يأخذوا بكتاب الله في تحريم الربا بجميع صوره وأشكاله، وفي آداء حق المال لمن يستحقه كما أمر الله تعالى.
وبذلك تنقطع مادة من أعظم مواد الشر والفتنة التي يقيمها اليهود وأقاموها من قديم في بلاد الإسلام.
وهذا كتاب ربنا بين أيدينا في هذا المجال صريح فيه وعلاج شاف لمن يبغيه.
أما المسيحيون وهم العدو الثاني فقد مثلوا دورهم في الكيد للإسلام، وإيذاء المسلمين بصور شتى, منها فتنة التبشير في البلاد الإسلامية (كما يسمونه) لإدخال المسيحية فيها وإبعاد الراغبين في الإسلام عن الإسلام.
следующие страницы →