← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

وفي أثناء حصار هذا الحصن استشهد محمود بن مسلمة، ألقيت عليه رضى من فوق جدار الحصن وهو يستظل بظله في يوم شديد الحرّ، وفي أثنائه أيضا توفي سلام بن مشكم زعيم اليهود وقائدهم، وخلفه في الزعامة والقيادة الحارث بن أبي زينب. احتشد اليهود بعد سقوط حصن ناعم بحصن الصعب بن معاذ الذي يليه؛ فاعتصموا به وقاتلوا المسلمين قتالا عنيفا، وحملوا عليهم حملة شديدة فتقهقر المسلمون حتى انتهوا إلى رسول الله وهو واقف قد نزل عن فرسه، وثبت الحباب بن المنذر ﵁، فحضهم رسول الله على الجهاد؛ فعادوا إلى الحصن وزحف بهم الحباب بن المنذر فتقهقر اليهود حتى دخلوا الحصن وأغلقوه عليهم، وشدد المسلمون الحملة حتى فتحوا الحصن بعد أن قتلوا عددا من اليهود وأسروا عددا. وقد وجد المسلمون في ذلك الحصن شيئا كثيرا من التمر والشعير والسمن والزيت والعسل والمتاع، وكانوا قد أصابتهم مجاعة شديدة حتى أكلوا لحوم الخيل، وخشي رسول الله على المسلمين أن تشغلهم الغنيمة عن القتال فأمر مناديا ينادى في الناس: "أن كلوا واعلفوا ولا تحملوا". وقد وجد المسلمون في سرداب تحت الأرض بذلك الحصن مجانيق ودبابات ودروعا وسيوفا وشيئا كثيرا من أدوات الحرب؛ دلّهم عليها أسير يهودي فأفادتهم في افتتاح بقية حصون خيبر. ثم تقهقر اليهود إلى حصن الزبير، وهو حصن منيع مبني على قمة عالية؛ فحاصره المسلمون ثلاثة أيام واليهود معتصمون به يدافعون من فوق أسواره؛ فاستعصى على المسلمين فتحه حتى علم رسول الله أن مَن بالحصن يستقون من جدول وراءه؛ فأمر بسد الجدول عنهم؛ فلما قطع عنهم الماء خرجوا من الحصن وقاتلوا المسلمين قتالا شديدا حتى قتل نفر منهم، وقتل من اليهود عشرة، ثم فتحه الله على المسلمين. وبسقوط هذا الحصن تم للمسلمين فتح منطقة النطاة.

стр. 7877

وفرّ اليهود إلى منطقة الشق؛ فاعتصموا بأول حصونها، وهو حصن أُبَيّ على جبل يسمى (شمران) ؛ فشدد المسلمون عليه الحصار، واشتبكوا مع اليهود اشتباكا عنيفا، ثم حملوا على الحصن حملة صادقة بقيادة أبي دجانة الأنصاري حتى فتحوه. وهرب من به من اليهود؛ فاقتحموا الجدر إلى حصن البريء وتحصنوا به، وزحف رسول الله إليهم بأصحابه، وكان المعتصمون في ذلك الحصن أمهر أهل الشق في رماية النبل والحجارة، وقد واصلوا الرمي حتى أصاب النبل ثياب رسول الله وعلق بها؛ فأمر ﷺ أن ينصب عليه المنجنيق؛ فوقع الرعب في قلوب أهله فتركوه وهربوا، وبذلك سقطت منطقة الشق، كما سقطت من قبل منطقة النطاة. تقهقر اليهود بعد ذلك إلى منطقة الكتبة، وتحصنوا فيها بحصن بني الحقيق، ويسمى حصن القموص، وهو من الحصون المنيعة، وكان به نساء بني الحقيق؛ فحاصره المسلمون عشرين ليلة، ثم فتحه الله على يد على بن أبي طالب كرم الله وجهه. وقد سبي من هذا الحصن عدد من النساء والذراري من بينهم السيدة صفية بنت حيي بي أخطب، وقد اصطفاها رسول الله ﷺ من بين السبايا؛ فأعتقها وتزوجها؛ فشرفها الله بهذا الزواج وكانت من أمهات المؤمنين. تم انتهى المسلمون إلى حصن الوطيح والسلالم، وهما آخر حصون خيبر؛ فحاصرهما رسول الله بضع عشرة ليلة فلما أحس من بهما من اليهود بعجزهم عن المقاومة وأيقنوا بالهلاك إن اقتحمها المسلمون عليهم؛ لما أحسوا بذلك سألوا رسول الله ﷺ أن يستسلموا على أن تحقن دماؤهم، ونزل كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق؛ فصالح رسول الله ﷺ على أن يحقن دماء من في حصونهم من المقاتلين ويترك لهم الذرية يخرجون بها من خيبر تاركين أرضهم ومالهم وخيلهم وسلاحهم لرسول الله؛ فقال لهم ﷺ : "وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتوني شيئا".

стр. 7878

وبتسليم حصني الوطيح والسلالم انتهت مقاومة أهل خيبر وسقطت خيبر كلها في أيدي المسلمين، وغنموا ما كان فيها من الأموال والأسلحة وآلات الحرب. عزّ على أهل خيبر أن يهاجروا من وطنهم؛ فرجوا رسول الله أن يسمح لهم بالبقاء في بلدهم، وأن يقوموا بزراعة الأرض على أن يكون لهم نصف ثمارها وللمسلمين نصفها، وقالوا له: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها؛ فصالحهم رسول الله على المناصفة. ولما بلغ أهل (فدك) خبر الصلح بين الرسول وبين أهل خيبر عدلوا عما كانوا يعتزمونه من حرب المسلمين، وأرسلوا إلى النبي ﷺ أن يصالحوه على ما صالح عليه أهل خيبر؛ فأجابهم إلى ذلك، وعقد الصلح بينهم وبين رسول الله من غير حرب؛ فكانت (فدك) خالصة لرسول الله؛ لأنها أخذت صلحا من غير حرب، أما خيبر فإنها كانت غنيمة للمسلمين؛ لأنهم فتحوها عنوة. ثم توجه النبي في أصحابه إلى وادي القرى؛ فحاصرها حتى استسلم أهلها وأذعنوا للصلح؛ فصالحهم ﷺ على مثل ما صالح عليه أهل خيبر، وبادر أهل (تيماء) فأعلنوا قبولهم لدفع الجزية من غير حرب ولا حصار. وبهذا تم إخضاع جميع اليهود في جزيرة العرب وانتهى سلطانهم، ولم تعد لهم أي قوة ولا نفوذ، وأصبح المسلمون آمنين من جهة الشمال إلى حدود الشام، كما غدوا – بعد صلح الحديبية - آمنين من ناحية الجنوب إلى حدود اليمن.

стр. 7879

على أن خضوع اليهود لم يتم مرة واحدة بعد هزيمتهم أمام المسلمين، بل كانت نفوسهم تنطوي على حقد شديد للنبي ﷺ وأصحابه، وإنما اضطرهم إلى الخضوع عجزهم عن المقاومة؛ فهذه زينب بنت الحارث - امرأة سلام بن مشكم - أهدت شاة مسممة إلى رسول الله ﷺ بعد توقيع الصلح بينه وبين أهل خيبر واطمئنانه إليهم؛ فلما جلس هو وأصحابه ليأكلوها أخذ قطعة من ذراعها ولاكها؛ فلم يسغها فلفظها وقال: "إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم"، وكان بشر بن البراء قد تناول منها قطعة فساغها وازدردها؛ فدعا رسول الله بزينب فجاءت واعترفت وقالت: "لقد بلغت من قومي ما لم يخف عليك؛ فقلت إن كان ملكا استرحت منه وإن كان نبيا فسيخبر، ومات بشر من أكلته هذه". وقد اختلف الرواة في شأن زينب؛ فقال أكثرهم: إن النبي ﷺ عفا عنها والتمس لها العذر على فعلتها؛ لتأثرها بما أصاب زوجها، وذكر بعضهم أنها قتلت في بشر الذي مات مسموما. ويغلب على الظن صحة الرواية الأولى؛ لأنها تتفق وما عرف عن النبي ﷺ من قبول العذر، خصوصا من الضعفاء والرأفة بهم، ومن حبه للعفو إيثارا للسكينة والسلام، وتحرجا من سفك الدماء، واختيار أكثر الرواة لها. وبمضي الزمن استسلم اليهود شيئا فشيئا، واعتادوا الخضوع والانقياد لحكم المسلمين الذين تركوهم على يهوديتهم وأباحوا لهم أداء شعائرهم، ولم يحاولوا أن يردوهم عن دينهم أو أن يتدخلوا في شؤونهم الخاصة، ولم يتعرضوا لحريتهم الشخصية، وحكموهم حكما عادلا نزيها.

стр. 7880

وقد خمّس الرسول ﷺ غنائم خيبر؛ فقسم أربعة أخماسها بين المجاهدين، وأعطى جميع من حضر الحديبية سواء حضر خيبر أم لم يحضرها، وأعطى من خمسه ما أراه الله؛ فأعطى أهله رجالا ونساء من بني عبد المطلب، وأعطى اليتيم والفقير والمسكين وابن السبيل، وقد أعطى من شهد خيبر من النساء والعبيد شيئا من الغنيمة ولم يسهم لهم. هذا عرض موجز لموقف اليهود من النبي صلى الله علب وسلم ودعوته والمسلمين، يتبين منه أن اليهود كانوا دائما هم البادئين بالشر؛ فقد كانوا يصدون عن سبيل الله ويتربصون بالمسلمين الدوائر، ويحرضون المشركين عليهم ويحالفونهم ضدهم، ولم يحافظوا على عهدهم مع الرسول ولم يرعوا ما بينهم وبين المسلمين من حقوق الجوار. فلم يكن رسول الله إذن متعديا عليهم، بل كان يدافع عن نفسه وأتباع دعوته أذى قوم أكل الحسد قلوبهم وأعمى الحقد أبصارهم؛ فدأبوا على الكيد للإسلام والمسلمين، ولم يكن النبي ﵊ طامعا في أموالهم كما يزعم كثير من المستشرقين، أمثال مرجليوث وغيره، الذين يزعمون أن المسلمين إنما غزوا خيبر طمعا في الحصول على ما فيها من الغنائم، وأن الحجة التي تذرعوا بها هي أن أهلها ليسوا على الإسلام.

стр. 7881

إن الذي دفع مرجليوث ومن هو على شاكلته من المستشرقين إلى هذه المغالطة المفضوحة إنما هو التعصب الأعمى والحقد المجنون على الإسلام وبني الإسلام، وإنا لنعجب لهذا الأسلوب الذي اتبعه مرجليوث ومن لفّ لفه من المستشرقين في فهم الأحداث التاريخية؛ فإذا روى المؤرخون أن علي بن أبي طالب قبض على أحد يهود (فدك) ؛ فاعترف له بأنه مبعوث من قبل أهلها إلى خبير يعرض على أهلها معونة فدك على مهاجمة المدينة على أن يجعلوا لهم جزءا من ثمار خيبر؛ إذا قيل لهم ذلك شكوا واتهموا المؤرخين بتزييف الحقائق؛ لأن ذلك سيبطل دعواهم ويدحض حجتهم في اتهام النبي ﵊ وأصحابه بالإغارة على اليهود لسلب أموالهم. وإذا ذكر المؤرخون الأسباب الحقيقية لكل عزوة غزاها المسلمون، والدوافع الواقعية لكل عقاب أنزله الرسول ﵊ بأعداء دعوته، ورووا وقائع ثابتة تدل على وفائه بعهوده وحرصه على المسالمة وكراهية لسفك الدماء ومحافظته على حقوق الحوار؛ وإذا سمعوا ذلك كله وضعوا أصابعهم في آذانهم وأصروا على اتهامهم للرسول ﷺ بأنه قد غير سياسته: سياسة المسالمة لليهود التي أعلنها في أيامه الأولى عقب هجرته إلى المدينة. ويكفي للرد على ما زعمه مرجليوث وغيره من متعصبي المستشرقين من أن المسلمين لم يهاجموا خيبر إلا طمعا في الاستيلاء على أموالها؛ يكفي للرد على هذا الزعم ما أجمع عليه المؤرخون من أن النبي ﷺ كان راغبا عن حطام الدنيا مكتفيا منها بما يقيم الأود ويحفظ النفس، وأن أصحابه كانوا يسيرون على نهجه ويتبعون خطاه، ولعل في فرار المهاجرين بدينهم من مكة وتخليهم على أموالهم وإيواء الأنصار لهم وإعالتهم إياهم وتحملهم جميعا آلام الفقر والجوع وصبرهم على الحرمان؛ لعل في ذلك كله ما يثبت عزوفهم عن الدنيا وإعراضهم عن زخرفها ويدحض تلك التهمة التي رمى مرجليوث غيره من المسلمين بها.

стр. 7882

ومن الحجج الدامغة لافتراء هؤلاء المتعصبين ما رواه المؤرخون من أن النبي ﵊ كان قد استنفر من حوله من الأعراب ممن شهد الحديبية للغزو؛ فجاءه جماعة من الذين تخلفوا عن الحديبية ليخرجوا معه إلى خيبر طمعا في الغنيمة؛ فقال لهم: "لا تخرجوا معي إلا راغبين في الجهاد، أما الغنيمة فلا". ثم إنّ رِضى النبي ﷺ ببقاء اليهود في خيبر - بعد أن ألقوا سلاحهم وأمن المسلمون جانبهم وترك أرضها تحت أيديهم يمنحونها وينمون نخيلها وأشجارها، على أن لهم نصف المحصول - يثبت بما لا يحتمل الشك أن الدافع للغزو لم يكن الرغبة في الحصول على الأموال، كما يزعم مرجليوث ومن نحا نحوه؛ لأن الرغبة في الحصول على الأموال كانت تقتضي الاستئثار بها كلها من دون اليهود. إن فيما ترك لليهود من نصف محصول أرض خيبر ما يكفيهم ويسد حاجتهم، أما أن يترك المحصول كله لهم - يلوّحون به لقبائل العرب تارة وليهود تيماء وفدك ووادي القرى تارة أخرى؛ ليستعدوهم به على المسلمين ويغروهم به لغزو المدينة وتهديد أمنها - فلا.. ثم إن المسلمين قد ملكوا هذه الأرض بحق الفتح؛ فليس كثيرا عليهم نصف محصولها الذي كان يبذل لإغراء الأعداء بحربهم، ولو كانت الرغبة في الحصول على المال هي التي دفعت المسلمين إلى غزو خيبر - كما يزعم المتعصبون - لاستولوا على الأرض واستأثروا بكل خيراتها من دون اليهود. وفي الحوادث التالية ما يشهد بعدالة النبي ﷺ وعفته عن أموال اليهود:

стр. 7883

- فقد شكا أهل خيبر إلى رسول الله ﷺ أن المسلمين يقعون في حرثهم وبقلهم [٤] بعد الصلح؛ فأمر رسول الله ﵊ بجمعهم، ثم قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن يهود شكوا أنكم وقعتم في حظائرهم، وقد أمناهم على دمائهم وعلى أموالهم التي في أيديهم من أراضيهم وعاملناهم [٥] ، وإنه لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها"؛ فكان المسلمون لا يأخذون من بقلها شيئا إلا بثمنه. - وروى ابن إسحاق أن النبي ﷺ كان يبعث إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا [٦] بين المسلمين ويهود؛ فيحرص عليهم؛ فإذا قالوا: تعديت علينا، قال: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلنا؛ فتقول يهود: بهذا ما قامت السموات والأرض. - وروى البخاري بسنده.. إلى أبي سعيد الخدرى وأبي هريرة أن رسول الله استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب [٧] ، فقال رسول الله ﷺ : "أكل تمر خيبر هكذا؟ "، قال: "لا والله يا رسول الله! إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، أو الصاعين بالثلاثة"، فقال: "لا تفعل! بِع الجميع بالدراهم، ثم ابتع [٨] بالدراهم جنيبا". أفبعد كل هذا يموه المتعصبون من المستشرقين على الناس، ويتهمون رسول الله ﷺ والمسلمين بأن الذي دفعهم إلى غزو خيبر إنما هو لرغبة من الحصول على المال؛ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِباً﴾ !.

стр. 7884

ومهما يكن من الأمر فقد كان من نتائج فتح خيبر القضاء على قوة يهود الحجاز الدينية والسياسية والإقتصادية، وأخذت شمسهم تميل إلى الغرب شيئا فشيئا؛ فقد ظل اليهود يعملون في الأرض على عهد رسول الله صلى الله عامه وسلم، فلما انتقل إلى الرفيق الأعلى أقرهم أبو بكر رضى الله عنه على ما أقرهم عليه رسول الله، وكذا فعل أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه مدة من خلافته، ثم نقل إليه الثقاة أن النبي ﷺ قال في مرضه الذي توفي فيه: "لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان". فبعث عمر إلى اليهود يقول: "إن الله قد أذن في إجلائكم؛ فقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجتمعن في جزيرة العرب دينان"؛ فمن كان عنده عهد من رسول الله صلى الله عامه وسلم من اليهود فليأتين أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله من اليهود فليتجهز للجلاء. وقد أجلى عمر ﵁ من ليس عنده عهد من الرسول ﵊ من يهود خيبر وفدك، ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى؛ لأنهما من أرض الشام، وكان أمير المؤمنين يرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز وما وراء ذلك الشام. وقد ظل اليهود يكوّنون أغلب السكان في وادي القرى إلى القرن الحادي عشر الميلادي، وشوهدت طوائف منهم في نواحي تيماء في القرن الثالث عشر، ثم أخذ اليهود في كلتا البلدين يقلون تدريجيا، ثم اندمجت البقية الباقية منهم في محيط العرب ولم يبق لهم كيان خاص بهم هناك. نسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الخير، ويوفقهم إلى تطهير الوطن الإسلامي من رجس الصهيونية وحمايته من كيدها.. إنه سميع مجيب.. والحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين.. --------------------------------------------------------------------------------

стр. 7885

[١] فالحنوا لنا لحنا: اذكروه بطريق الكناية. [٢] كالبوكم: اشتدوا عليكم. [٣] النهزة: اختلاس الشيء وانتهازه. [٤] يقعون في حرثهم وبقلهم: ينزلون حقولهم دون إذنهم. [٥] عاملناهم: عاهدناهم على أن تكون الأرض تحت أيديهم يعملون فيها، ولنا نصف ثمارها وغلاتها. [٦] الخارص: الذي يخرص ما على النخل والكرم، وهو من (الخرص) أي الظن؛ لأنه تقدير للتمر والعنب بظنه. [٧] الجنيب. أجود التمر. [٨] ابتع: اشز.

стр. 7886

شخصية الفقيه الداعية عبد الله بن ياسين واضع الأسس الأولى لدولة المرابطين في المغرب والأندلس لفضيلة الشيخ إبراهيم الجمل المدرس في المعهد الثانوي من هو عبد الله؟.. ولد عبد الله بن ياسين في أوائل القرن الخامس الهجري في المغرب، من أب بربري ملثم صنهاجي يدعى (مكوك بن مسير بن علي) .. وينسب إلى قبيلة جزولة، وهى إحدى القبائل الكثيرة العدد، ومن هذه القبائل جدالة ومسوقة ولمتونة التي قامت بدور كبير في عهد المرابطين في المغرب والأندلس. وكانت جزولة هذه تحتل المنطقة الممتدة من جبال درن حتى وادي نول القريبة من المحيط الأطلسي. وقيل: ولد عبد الله في احواز مدينة (اوغشت) في قرية تقع في طرف الصحراء في ديار قبيلة جدالة. حياته التعليمية: قضى طفولته في مسقط رأسه، وبعد ذلك تردّد على مدن العلم في المغرب، ثم رحل إلى الأندلس، وتلقى العلم بها، وكان في ذلك الوقت يحكم الأندلس حكام الطوائف، وكانت البلاد الأندلسية ممزقة مشتتة يطمع فيها الصليبيون الغربيون من أسبانيا وفرنسا. سكتت المراجع عن أن تذكر شيئا عن تعليم عبد الله، وعن الفقهاء والعلماء الذين تلقى العلم عليهم وأثروا فيه، وأيضا لم يذكروا الشيوخ الذين لازمنهم وتأثر بهم. ولقد عرفناه مفسرا للقرآن وراوياً للحديث وعن طريق التحدث والرواية تتلمذ عليه كثير من أصحابه، ثم إنه درس الفقه وأصوله وفروعه لدرجة أنه كان يفتي ويتصرف في النصوص بما يتفق وأصول هذا الدين القويم، ولا يعقل أن يكون هذا العلم الغزير قد تعلمه في يوم وليلة أو بدون معلم، بل لا نكون مبالغين إذ قلنا إنه فاق علماء عصره.

стр. 7887

ويظهر هذا التفوق في أنه نقل ما يمكن نقله، وكل ما عرفه إلى الدور العملي؛ مخالفا بهذا ما كان عليه الفقهاء والعلماء في عصره ومن قبل عصره، حتى استحق أن يلقب بالداعية، بل كان الداعية الأول في المغرب. صادف - كما قلنا - زمن خروج عبد الله إلى بلاد الأندلس أن كانت واقعة في محنة حكام الطوائف الذين قسموا البلاد فيما بينهم، وكان ذلك بعد بداية القرن الخامس الهجري، الذي يتفق وعمر عبد الله. ولقد رأى ما آل إليه الحكم في هذه البلاد، وطغيان هؤلاء الذين اغتصبوا الحكم، وما فعله بعضهم ببعض، وكيف التحق بالحكام الشعراء والفقهاء والعلماء من هزيلي العقيدة؛ فأباحوا لهم المنكر وحللوا لهم الحرم. وكان في المغرب والأندلس فئة قليلة ابتعدت عن طريق الحكام الطائفيين في، وتمسكوا بأهداب الدين القويم، ولم تغرهم المناصب، ولم تسول لهم نفوسهم أن يقتربوا من هؤلاء الحكام تحت تأثير تأويل من التأويلات المريضة التي يظنون أنهم بها يحسنون صنعا، وهم في الحقيقة قد ضلّ سعيهم؛ لم تكن تلك الصفوة التي اختارها الله لتحافظ على الحق إلا سوطا يلهب أحيانا ظهور الحكام الخارجين على تعاليم الإسلام، كانت مخلصة محافظة على نشر مبادئها، لا تعرف المراءاة والمداهنة، وكثيرا ما كانوا يتحسرون على ما آل إليه أمرهم من الفرقة والانقسام وارتماء حكامهم في أحضان غير المسلمين. رضي هؤلاء الكرام بشظف العيش وخشونة الحياة؛ يقيمون في المساجد، يفسرون القرآن ويروون، الحديث ويدعون الناس إلى التمسك بنهج السلف الصالح، وكثيرا ما كانوا يعرّضون بالحكام ويصورون للناس أعمالهم بصورة لا يجدون لهم منها مخرجا إلا الاستسلام للأعداء الملة؛ لذلك فقد حاربهم أداة الحكم الفاسد، ولكنهم لم يرهبوهم فكانوا يخاطبون الناس ويجهرون بالقول ويحرضون المسلمين على الخروج على الطغاة؛ لذلك فهم على استعداد إما للتقل أو للاستسلام أو التمثيل بهم.

стр. 7888

هذا ما كان عليه حال الأندلس إبان طلب عبد بن ياسين للعلم، وربما صرفه عنا لاشتراك مع شيوخه في الدور السياسي في الأندلس شعوره بأن هناك مكانا آخر أولى به وهو المغرب؛ فخير مكان ينشر فيه مبادئه وعلمه إنما هو بين قومه وأهله. ومرت الأيام.. سبع سنوات..؛ نهل فيها عبد الله ما شاء له، وعرف الكثير مما عليه حال المسلمين، ووعى كل ذلك بفهم الدارس لكل ما وقع تحت سمعه وبصره. حياته العملية: قرر عبد الله الرجوع إلى وطنه، وأراد أن يكمل المسيرة، ويرى بنفسه ما آلت إليه البلاد، ويطلع على أحوال أخطر جماعة على الإسلام، وفشل كل محاولات الولاة بالمغرب في القضاء عليها، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، واستشرى أمرها، وأصبح في استطاعتها الهجوم على من حولها، وتغيير وجه الشريعة الإسلامية بإدخالهم عليها من الكذب والبهتان ما يمكن أن يشوه حقيقتها هؤلاء هم (البرغوطيون) . وسوف نتعرض لهم بشئ من التفصيل بعد. لقد مر على تلك الأقوام، ورأى ما آل إليهم من الأمر، وتمنى لو أوتي من القوة ليقضى على هؤلاء القوم، ويطهر أرض المغرب من عبثهم ومكرهم وخطتهم التي يسيئون إلى الإسلام بالتغيير والتبديل، وكان معهم على موعد؛ فقد حقق الله وعده؛ فسيرجع إليهم بجيش كبير من المرابطين. لم تطل إقامته عند أهله وقبيلته بجزولة، ويعتقد أنه لم يجلس معهم طويلا؛ فربما لم يجد في شبابهم من يستطيع أن يكون عوناً له على أداء رسالته؛ ففضل أن يكمل تعليمه بتهذيب النفس وتأديبها بالانقطاع للعبادة في رباط من الربط القديمة؛ ليزداد خبرة وعلما، وليتعرف أكثر على أحوال القوم، وإن في اختلاطه بمن هو أكبر منه سنا وعلما يكون مدعاة للاستفادة التي قد تنفع في المستقبل الذي خطط له.

стр. 7889

لقد اختار رباط نفيس؛ فإن شهرته عمت الصحراء، وإن شيخه التقي الورع (وجاج بن زلو) قد فاق علمه وأخلاقه ومكانته الآفاق، وإن وجوده فيه ضرب من تخطيط القدر الذي قد يمر البعض مر العابر إلا أن الذين لهم أثر في تغيير مجرى الحوادث يكون اهتمام القدر بهم أكثر، ولا شك أن القدر له مع عبد الله موعد في رباط نفيس. اختيار عبد الله للدعوة: أحدث عبد الله تغيير كبيرا في الرباط؛ فهو الخطيب صاحب الصوت الذي يجوب الآفاق، وهو المفسر المحدث والفقيه، وهو الذي يجذب الجميع بحديثه وحواره وآرائه ومناقشاته؛ لذلك حينما ذهب الزعيم يحي بن إبراهيم أمير قبيلة جدالة إلى القيروان يطلب من العارف بالله الفقيه والسياسي البارع أبي عمران الفاسي من يعاونه على تعليم قومه أصول الإسلام الصحيحة في قوله: إننا في الصحراء منقطعون لا يصل إلينا إلا بعض التجار الجهال حرفتهم البيع والشراء، وفينا أقوام يحرصون على تعليم القرآن وطلب العلم ويرغبون في الفقه والدين لو وجدوا إلى ذلك سبيلا. أرسله أبو عمران إلى تلميذه المقرب إليه الفقيه (وجاج بن زللو) شيخ رباط نفيس ومعه رسالة يقول فيها ﵀: ابعث إلى بلده من تثق بدينه ورعه وكثرة علمه وسياسته؛ ليعمهم القرآن وشرائع الإسلام، ويفقههم في الدين، ولك وله في ذلك الثواب والأجر العظيم، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. دخل يحي على فقيه السوس وسلّمه رسالة أستاذه أبي عمران، وما أن انتهى من قراءتها حتى انفرجت أساريره، وظهر السرور والبشر على وجهه؛ فقد عادت به إلى ذكريات شيخه ومجالس علمه، وحملاته على الحكام الذين أساءوا إلى الشريعة، وتنقلاته مطرودا من بلد إلى بلد.

стр. 7890

جمع أتباعه ومرديه، وقرأ عليهم الرسالة، ثم راح يتشاور لاختيار من يثق به لتحقيق رغبة إمامه؛ فاتجهت الأنظار إلى عبد الله؛ لما عرف عنه من محافظته على المبادئ السلفية، وأخذ من الرسول الأعظم والصحابة والتابعين بلا تأويل ولا ابتداع، ومواظبته على الصلاة وفي جماعة، ومن قوته في الخطابة وقدرته على المناقشة وشدته فلا تأخذه في الحق لومة لائم. واستسلم عبد الله لتفكير عميق؛ فإما أن يحقق مما يصبو إليه وما عاش من أجله؛ أمة متحدة متماسكة تستمد تشريعها من كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه الصحابة والتابعين، وإلا فبطن الأرض خير من ظهرها. وأمسك يحي بن إبراهيم بزمام جمله حتى غابا عن القوم. في الطريق إلى جدالة: كان الركب يتوقف في الطريق للصلاة، وعبد الله يؤمن إيمانا جازما أن أوّل الطريق للمسلم هو المحافظة على الصلاة، وفي أول وقتها لا يشغله شاغل أو تأويل حتى يؤخرها؛ فكان إذا دخل الوقت وقف ركبه ليؤذن بنفسه ويدعو الناس فيجتمعون، فإذا ما أقيمت الصلاة راح ينظم الصفوف للجماعة، فإذا ما انتهت الصلاة قام ليعظ الناس ويذكرهم بما يجب عليهم نحو خالقهم، وليعلمهم أصول الدين بلغة عربية سهلة وبربرية واضحة يفهمها الجميع؛ فيدعو الناس إلى الجهاد وإعلاء كلمة الله. كان الزعيم يحي بن إبراهيم الجدالي يقدم الداعية إلى الحاضرين قائلا: هذا عبد الله بن ياسين محي سنة الرسول ﵊، جاء ليعلمنا أمور ديننا ويدعونا إلى ما كان عليه الرسول ﷺ .

стр. 7891

كان يفعل ذلك في كل وقت وفي كل مكَان يمر به؛ فلا عجب أن أثار في الناس الحب الشديد لهذا الدين القويم، لقد فرحوا فرحاً شديدا باللحظات التي قضوها معه، وفهموا جيدا ما يدعو إليه، فلا غرابة أن نرى شيخا بربريا يسرع ليقترب من راحلة عبد الله وأن يمسك بزمام دابته قائلا بصوت مرتفع: أرأيتم هذا الجمل، لابد أن يكون له في هذه الصحراء شأن عظيم. لقد أطلق يحي بن إبراهيم على عبد الله إمام الحق لما لمس فيه من سعي وراء الحقيقة وعمل على إحياء الشريعة وإحياء سنة رسول الله ﷺ . عبد الله والجدالين: وصل عبد الله دور قبيلة جدالة، وبدأ يدرس حالة القوم، إنهم ما يزالون يتزوجون بأكثر من أربع، وما تزال المكوس تفرض، والناس نوعان أسياد وعبيد، والخمور تشرب وكأن القوم لم يسمعوا أنها محرمة، وآلات الطرب تباع ويقبل عليها القوم وليس لهم من الإسلام إلا اسمه. وكان الداعية عبد الله فرحا بلقاء القوم، فأعد لهم مصلاهم، واهتم بالجماعة والمحافظة على وقت الصلاة، وواظب على وعظ الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن ذلك لم يغير من عاداتهم؛ فبدأ يحزنه حال القوم فأضرب عن طعامهم، وكان جماعة منهم قد استجابوا للداعية وتسابقوا في حبه وطاعته في كل ما يأمر به. جمع اتباعه وطلب من بائعي الخمر أن يريقوا خمورهم، ومن بائعي آلات اللهو والطرب أن يكسروا آلاتهم، وأمهلهم وقتا؛ فلما لم يقوموا بأنفسهم قام هو ومن معه بإراقة الخمور وتكسير آلات الطرب، ولم يكتف بذلك بل قام خطيبا يبين للناس ضرر الخمر وموقف الدين منها، والأضرار التي تصيب الناس من اللهو والغناء، ثم دعا الناس إلى الجهاد وما أعده الله للمجاهدين. وصل الخبر إلى رؤساء القوم؛ فتعجبوا من أفعاله التي لم يسبق إليها فقيه قبله، ونادوه ليسألوه: كيف يقبل على هذا الأمر من غير أن يستشيرهم أو يأخذ رأيهم؟ ثم كيف يفسد أمتعة الناس ويحرمهم من أرزاقهم؟

стр. 7892

لقد كانت إجابات عبد الله موسومة بالحجة والدليل، مبينا لهم أن الذين يحللون ما حرمه الله ما هم إلا قوم فسقة فجرة خارجين على الدين.. قالوا له: "أترمينا بالكفر؟.."فقال لهم: "أما أنتم فلكم حساب ستعرفونه قريبا إن شاء الله؛ فإني أرى أنكم ما تزالون تجمعون بين أكثر من أربع من النساء، وهذا كفر بالشريعة والتشريع الإلهي وهو زنى عاقبته الرجم، والتفرقة بين الناس فسق، وخروج على تعاليم الإسلام، ثم إن الأدهى والأمرّ أكلكم أموال الناس بالباطل، وجباية الأموال بدون وجه حق، ما هو إلا زور وبهتان". وترك القوم وهم يتوعدونه، إلا أنهم عزموا على مراجعة يحي بن إبراهيم الذي أتى به إلى ديارهم، ولما كلموه في ذلك انبرى يحي يدافع عن عبد الله، ويطلب من القوم أن يستجيبوا له، وأن ينفذوا طلبه، لكنهم قالوا له: لقد قلنا لك، وسنفعل به ما نشاء، فهو ليس رجلا هينا أو ضعيفا، وأنهم لا يستطيعون إغراءه؛ فهو من صنف لم يروا مثله من قبل. أغروا به سفهاءهم، ولكنه واتباعه ثاروا عليهم وأشبعوهم ضربا حتى الموت، فجروا إلى كبرائهم الذين هدءوا من روعهم، واجتمع كبار القوم بأنفسهم ليعلنوا العداوة والنزال. كان من أشدهم عداوة للداعية شخص يدّعي التفقه يقال له الجوهر ابن سحيم؛ فجادل عبد الله، ونقض عليه بعضا من آرائه، واتهمه بالتناقض فيما يدعو إليه، ولم يترك الداعية ليرد عليه، فقد قام اثنان منهم يقال لأحدهما أيار وللآخر انتيكو، وقررا عزله عن الرأي والمشورة ووافقهم القوم، وهددوه بالموت إن لم يترك البلاد، وجروا إلى داره؛ فانتهبوها وأخذوا ما فيها وهدموها، وقرروا قتله فخرج منها خائفا يترقب [١] . رباط السنغال:

стр. 7893

فكّر عبد الله في الذهاب إلى السودان [٢] لينشر الإسلام بين قوم على الفطرة، وما يزالون يعبدون الأوثان، وقد تكون استجابتهم للإسلام أقوى من أولئك الذين تلوثت عقائدهم بالسيئ من العادات والتقاليد، وجمع من معه واستعدوا للرحيل، إلا أن يحي بن إبراهيم جاءه ليعتذر عما حصل من قومه، ثم سأله إلى أين تذهب؟ قال عبد الله إني ذاهب إلى السودان. قال له يحي: "إني لا أتركك تنصرف، وإنما أتيت بك لأنتفع بعلمك في خاصة نفسي وديني، وما عليّ من ضل من قومي [٣] ، وسكت عبد الله على غير عادة؛ فلم يكن من طبعه السكوت عن جوابه، فأتم يحي كلامه قائلا: ولكن هل لك في رأي أشير به عليك إن كنت تريد الآخرة؟ قال: وما هو؟ قال: إن هاهنا جزيرة في البحر ندخل إليها فنعيش فيها". فقال له عبد الله: "إذاً نبني رباطا؛ فهلم بنا ندخلها باسم الله تعالى، وبنى عبد الله بن ياسين رباطه الذي سمي برباط السنغال". في هذا الرباط أنشأ أول جماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أفريقية، وبدأ يختار لدخول الرباط؛ فلا يترك الباب مفتوحاً ليدخل من يريد، بل كان يتردد طويلا ويمتحن المريد ليعرف الهدف الذي من أجله يريد الانضمام ومدى إخلاصه للدعوة؛ فإذا وجد منه استماتة في الانضمام ألزمه بأن يطهر نفسه من الرجس والدنس عما اقترفه من ذنوب وآثام، ثم يطلب منه أن يتوب من ذنوبه قائلا: قد أذنبت ذنوباً كثيرة في شبابك؛ فيجب أن يقام عليك حددوها؛ فإذا أقر بذنب أقام عليه الحد، فإن كان غير محصن وزنى جلد مائة جلدة، أو أقر بشرب الخمر وقع عليه حدها، وكان أحيانا يطلب من الواحد منهم أن يسلم إسلاما جديدا.

стр. 7894

كان الداعية عبد الله في رباطه الجديد يتولى تعليم أتباعه بنفسه، وكان رائده الإمام مالك ﵀؛ فكان يرى أنه أشد الناس التزاماً لكتاب وسنة رسوله ﵊ وما سار عليه الصحابة والتابعين، كان يخوفهم من النار وعذاب الآخرة ويشوقهم إلى لقاء الله وما أعده للمؤمنين الصادقين من ثواب في الجنة، كان يطلب منهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وأن يتهيئوا للجهاد الذي هو عصب الدعوة الإسلامية. والظاهرة الجديدة في تعاليم ابن ياسين بالرباط هي اهتمامه بالصلاة والمحافظة عليها في أول أوقاتها وأدائها في جماعة، ومعاقبة المتخلف عنها ومحاسبته على كل ركعة يتخلف عنها؛ فالذي يتأخر عن الجماعة يضرب عشرين سوطا، والذي تفوته ركعة مع الجماعة يضرب خمسة أسواط [٤] ، وكان يطلب من تركها في الماضي أن يؤدى ما فاته، وبجانب هذا كان احترامه لمسجد الرباط شديدا، وكان يعزر كل من يتكلم في المسجد في أمور الدنيا. وهكذا رأى عبد الله أن المخالف لابد أن يؤخذ بالقوة حينما يخرج عن أمر الله وطاعته، وأن حدود الله تلتزم التزاما، وأن العاصي يستحق العذاب، وأن المخالف عليه أن يتقبل القصاص بنفس راضية. ولقد استقام أمر الجماعة، ورضخ الكل لحكم الله حتى أصبحوا أعضاء صالحين في مجتمعهم الجديد؛ فزاد إقبالهم وكثرت جموعهم وأطاعوا وآمنوا بما يدعو إليه إمامهم، وأقبلت جموع الملثمين تعاهد الله على الوفاء والإخلاص والتضحية، وكثيرا ما كان يحثهم على تحمل المسؤولية، ويهيب بهم أن يكونوا دعاة لأمر الله؛ فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. خطبهم يوما فكان مما قال: "يا معشر المرابطين إنكم جمع كثير، وأنتم وجوه فئاتكم ورؤساء عشائركم، وقد أصلحكم الله تعالى وهداكم إلى صراطه المستقيم؛ فوجب عليكم أن تشكروا نعمته وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتجاهدوا في الله حق جهاده".

стр. 7895

لقد نظم عبد الله جماعته تنظيما يكفل لها النجاح وأعدها إعدادا طويلا، وتزايد عددها حتى بلغ أكثر من ثلاثة آلاف، وكان لابد لمجتمعه الجديد من المال والسلاح والتدريب؛ فجمع الزكاة والعشور وما يتبرع به؛ حتى استطاع أن يواجه ما يحتاج إليه كي يؤدي رسالته كاملة، فيخضع الخارجين على تعاليم الدين بالقوة إذا اقتضى الأمر. ورأى داعية الله ابن ياسين ما للدعاية الروحية من أهمية كبيرة في حياة المسلمين؛ فأراد أن يتفرغ لها ويحث المسلمين على التمسك بتعاليم الشريعة، فكثير ما كان يردد قوله: إنما أنا معلّم لكم دينكم." واختار لقيادة الجيش يحي بن عمر اللمتوني؛ لما يمتاز به من صفات حازت الرضا والإعجاب، فلقد كان من أهل الدين والفضل والزهد والصلاح، مكافحا في سبيل توحيد دعائم الدعوة، ولم يتركه عبد الله وحده، ليتصرف كما يريد، بل كان يراقبه ويشير عليه بما يجب عمله. لقد اكتمل العقد وتهيأ الجميع للخروج لنشر الدعوة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، مستعدين لخوض المعارك مع الخارجين والمخالفين؛ فقد خطبهم عبد الله وكان مما قاله: "اخرجوا على بركة الله تعالى، وأنذروا قومكم، وخوفوهم عقاب الله، وأبلغوهم حجته فإن تابوا ورجعوا إلى الحق وأطاعوا فخلوا سبيلهم، وإن تمادوا في غيهم ولجوا في طغيانهم استعنّا بالله عليهم وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين". واستعد الرباط بمن فيه للذهاب إلى الجهة التي يعينها الأمير ابن ياسين. نشر الإسلام في غانا أراد عبد الله أن يضرب المثل الأعلى للقبائل المحيطة به في الجهاد والقتال في سبيل نشر الدعوة الإسلامية بين الوثنيين، والذين هم على الفطرة؛ فأمر المرابطين أن يستعدوا لنشر الإسلام في غانا وقتالهم إذا اعتدوا عليهم، ثم سار نحو منحني النيجر، ليحمل أهل غانا على الإسلام.

стр. 7896

لم يشأ عبد الله أن يفاجئهم ويعمل فيهم السيف على غرة، بل اتبع الطريق الذي سار عليه المسلمون في عهدهم الأول؛ فأرسل إليهم من يدعوهم للدخول في الإسلام، أو الجزية أو القتال، ولكنهم غدروا بالرسل وقتلوهم عن أخرهم؛ فأهم الداعية هذا الأمر، فأمر المرابطين بالاستعداد لقتالهم، وصعد عليهم الجبل، وقاتلهم ثلاثة أيام، استبسل فيها المرابطون ومات منهم عدد كبير، وكاد الأمر يخرج من أيديهم؛ فالأعداء أكثر منهم عدداً وعدة، ولكن المرابطين وضعوا في تفكيرهم ما يصيبهم إن هم انهزموا سيتعرضون للسخرية والاستهزاء، ولن ترحمهم ألسنة الأعداء؛ فقد يقومون بدعاية تؤثر على سير الدعوة، وأيضاً فقد يطمع فيهم أهل غانا، فيُهْدَم كل ما بنوه، زيادة على العداء بين الداعية وكبراء القبائل المحيطة بالرباط؛ لذلك نجد الداعية عبد الله بن ياسين يخطب المسلمين في اليوم الرابع فيقول: "أنا احتسبنا أنفسنا في حق الله وسنة نبينا محمد ﷺ ، وأراكم قد أعياكم حرب هؤلاء المشركين ولم يأمرنا الله أن نتركهم إذ.. فاستعينوا بالله ر بكم ينصركم عليهم" [٥] . كان لكلمات الداعية الإمام ﵀ أثرها الفعال في قلوب المرابطين، فاستعدوا لدخول المعركة، واثقين من نصر الله، مقدرين النتائج السيئة المترتبة على الهزيمة، وحمي وطيس المعركة وهجم المسلمون على المشركين حملة رجل واحد؛ فانهزم الجمع وولوا الأدبار، والمسلمون ورائهم يقتلون ويأسرون؛ لقد قتلوا منهم أعدادا كثيرة، وسلبوا أموالهم، وتوغلوا في ديارهم حتى أشرفوا على ديار التكرور؛ فانضموا إليهم وأصبحوا قوة للمرابطين. حمل الركبان نبأ هذا الانتصار في قلب الصحراء إلى كل مكان، لقد مكنوا لدين الله في أرضه، وضموا أعدادا كثيرة إلى المرابطين؛ خاضوا معهم الحروب، ورجع المسلمون إلى الرباط، وأقبل الناس ليروا الفئة المؤمنة الصابرة، ولينضم إليهم من يريد شرف الجهاد في سبيل الله.

стр. 7897

فلا غرابة أن يزداد إيمان المرابطين وأن يؤكدوا لله العهد على مواصلة الجهاد ورفع راية الإسلام الصحيح. وسوف يقرر إمامهم ومعلمه وقائد هم الجهة التي سيتحركون إليها. - يتبع - -------------------------------------------------------------------------------- [١] البيان المغرب لابن عذارى ج ٤ ص ٨، ٩. [٢] كانوا يطلقون (السودان) على كل ما عدا المغرب الكبير من وسط أفريقية. [٣] روض القرطاس ص ٧٨. [٤] البيان المغرب لابن عذارى المراكشي ج ٤ ص١٦. [٥] البيان المغرب لا بن عذارى ج٤ ص ١٢.

стр. 7898

الأدب العربي في الميزان للدكتور شوقي عبد الحليم حمادة أستاذ الأدب بكلية اللغة العربية الحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.. عبد الله ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه.. وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين. يقول الحق ﵎ في كتابه الكريم: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، سورة الذاريات الآية ٥٥. وعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: "أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد: "ألا كال شيء ما خلا الله باطل" وفي رواية: "أصدق كلمة" متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "الشعر بمنزلة الكلام؛ حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام".. أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والدارقطني في سننه. في هذه الفترة العصيبة من تاريخ الأمة الإسلامية تتطلع شعوبها المجاهدة إلى كل زاوية، وإلى كل اتجاه عساها أن تبصر ومضة من هنا أو إشعاعة من هناك، وليس شيء يلهب عزائم الجموع ويؤجج مشاعر الملايين كالتذكير بالمثل العليا والنماذج الرائعة للسلف الصالح، وربط الأمة بماضيها المشرق الزاهر وتراثها المجيد. ومما لا ريب فيه أنّنا عندما ننظر نظرة فاحصة في عمق الباحث وتفكير العاقل المتدبر - على امتداد الوطن العربي الإسلامي - نجد أن غثاء كثيرا أوجده الفكر الدخيل في مجرى الفكر العربي الإسلامي الأصيل، ويتضح ذلك في المذاهب الفاسدة المنتشرة: (الماركسية والعلمانية والليبرالية.. الخ) ، وهى مصطلحات ترتبط ارتباطا وثيقا بالسياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم، مأخوذة من أيدلوجيات ونظم غربية تتناقض تناقضا شديدا مع مفاهيم وأصول الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي الإسلامي، وإن كانت تلتقي معه أو تختلف عنه بصورة أو بأخرى.

стр. 7899

إن من أخطر التحديات التي واجهت أمتنا العربية الإسلامية تلك المتابعة للفكر الغربي في مفاهيمه ونظمه السياسية والاجتماعية، التي أوقفت التشريع الإسلامي وألغت نظام التربية الإسلامية، وفتحت الطريق أمام مناهج التعليم المنقولة من الإرساليات والتبشير، القائمة في كثير من الأقطار على تمجيد الغرب ودينه ولغته وتاريخه، والتي كانت سببا في الدعوة إلى التخلي عن الدين والأخلاق والقيم؛ بحثا وراء منهج إقليمي يقيم الحواجز الحصينة بينه وبين الامتدادات العربية من ناحية والعالم الإسلامي من ناحية أخرى، والفكر الإسلامي بوصفه منهج حياة ونظام مجتمع من ناحية ثالثة، وكان من مؤيدي هذا الاتجاه والداعين إليه لفيف من الأدباء، ممن اشتروا الضلالة بالهدى وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وأبصارهم غشاوة؛ مما جعل التيار الأدبي في الأمة العربية يسير على الوجه التالي: ١- فهم الأدب بمنطق الغرب؛ استمداداً من نظريات (ثين وبرونتير وسانت بيف) ، تلك التي تنظر إلى الإنسان على أنه مادة خالصة لا روح فيها، أو على أنه حيوان تطبق عليه تجربة الحيوان وغرائزه، وتفصل ما بينه وبين الروح، كذلك فإن هذه النظريات تحصره في إطار البيئة والعصر وحدهما دون أن تربطه بالعقيدة الممتدة على الزمن، والتي كان لها - وسيظل بمشيئة الله - أثرها البعيد في تشكيل الإنسان، وتصرفه وحركته وتفسير أهوائه وغاياته، كما اعتمدت أحكام الأدب والنقد على مفاهيم دارون وماركس وفريزر وفرويد، وهى في مجموعها مفاهيم ترد النتاج الأدبي إلى التفسير المادي للإنسان، وترجعه إلى حيوانيته سواء في الجنس أو في لقمة العيش، أو في التطور المطلق، أو في الجبرية؛ فتحول بينه وبين امتلاك الإرادة التي هي مصدر حركته ومصدر مسئوليته وجزائه عند الله.

стр. 7900

وبديهي أن هذا الاتجاه الأدبي إنما يستهدف طعن الفطرة الإنسانية وتدمير العقيدة الإسلامية والأخلاق، ولا سيما عندما علت صيحة (في بعض البلاد) تنادى بفصل الأدب عن الفكر الإسلامي؛ ليكون حرا في الانطلاق نحو الأدب المكشوف، مما كان سببا في تكوين مذهب وأدب فتح طريق الشر للأجيال التي جاءت بعد ذلك، وكان من أهم الركائز التي أعانت دعاة الفكر الشيوعي والصهيوني التلمودي؛ لأن هذا الانحدار الأدبي كانت له أسوأ النتائج في كل الهزائم التي وقعت بالعرب المسلمين، وبه تمكنت الصهيونية من السيطرة على الأرض والفكر.. ٢- كان من أكبر أهداف الأدب الحديث - الذي قام به كتاب ما بعد الحرب العالمية الأولى - هو الانقطاع عن الأدب العربي الذي يمتد عقده منذ ظهور الإسلام؛ ولذلك لم نر كاتبا واحدا من هؤلاء يصل نفسه بهذا الأدب، (ما عدا الرافعي؛ وكانوا يسمونه رجعيا) ، وكل ما عرضه هؤلاء الكتاب من الأدب العربي القديم إنما كان محاولة لتصوير الأدب بصورتين: أ- صورة الشعر الهابط، ممثلا في أبي نواس وبشار ومجموعة الزنادقة الذين شغل بهم البعض، أو الشعر الجاهلي الوثني. ب- أدب السجع والمحسنات اللفظية الذي لم يكن من الأدب العربي الأصيل، والذي جاء به الفرس والوثنيات القديمة. وكانت النظرية الشائعة إبعاد (ابن تيمية وابن القيم الجوزية) - وكل هؤلاء وغيرهم - عن مجال الأدب، ووصفهم بأنهم فقهاء، وذلك حتى يتحرك الشباب المسلم في دائرة مغلقة. ولقد ظل عمل هؤلاء مقطوع الصلة بالأدب العربي في امتداده يركز على المناهج الفرنسية أو المناهج الإنجليزية. إن هناك مفازة واسعة وقف عندها هؤلاء الرواد ولم يجاوزها إلا بين حين وحين؛ عندما كتبوا عن المتنبي أو ابن الرومي، أما من حيت قيام دراسة متصلة شاملة تربط حلقات الأدب كلها فلم يكن هناك غير الأسلوب المدرسي الذي يقسم الأدب إلى عصور.

стр. 7901

٣- لقد كانت، هذه التجزئة في الأدب مساوية تماما للتجزئة السياسية التي وجدت بعد الحرب العالمية الأولى، حيث الدعوة إلى الإقليمية والوطنية الضيقة، وبذلك أغلقت الأبواب دون الفهم الصحيح للروابط الاجتماعية والسياسية والفكرية بين الأمة العربية من ناحية وبين العرب والمسلمين من ناحية أخرى، ودعا بعضهم إلى إغلاق الأبواب في وجه كل ما يسمى عروبة أو إسلاما. في هذه الفترة الحرجة من تاريخ أمتنا يتسائل الكثيرون عن (اختفاء الفكر العربي الأصيل) ، ويردونه إلى عجز الأدب (إبان النكسة والنكبة، وخلال مرحلة ١٩٤٨م إلى ١٩٦٧م) عن العطاء. وقد أجاب البعض إجابات جانبية وعجزوا عن أن يفهموا أعماق هذه الظاهرة. إن الأزمة أكبر من الأدب نفسه، فالقضية قد انتقلت إلى مجال الفكر الإسلامي بعد أن فشل الأدباء في الاستجابة الحقيقية للأمة، وكان أغلب ما قدموه لا يمثل حقيقة هذه الأمة ولا جوهر فكرها ولا مضمون روحها، وإنما كان مترجمات ضالة من الفكر الوثني والمادي. ولقد حجب في هذه الفترة كل كتّاب الأصالة حتى ماتوا كمدا بعد أن حجبت آثارهم ومنع إنتاجهم، وكثيرون غيرهم اعتقدوا أن راية الإسلام هي المظلة الحقيقية. إن الأدباء كانوا تابعين لمدارس وأيديولوجيات ومفاهيم موزعة بين المذاهب المادية والبشرية، وكانوا يحاولون أن يتخذوا من القصة وسيلة إلى هدم المقومات، ويتخذوا من النظْم وسيلة إلى هدم عمود الشعر، ويتخذوا من البرامج الإذاعية وسيلة إلى هدم الفصحى وتغليب العامية بما تحمله من مفاهيم فاسدة. وكان هذا النتاج كله يدور حول الأحقاد التي يحملها الشيوعيون والشعوبيون للإسلام والعرب ولغتهم ودينهم وفكرهم وتاريخهم، وكانوا يدورون في دائرة ضيقة هي الهدم والصراع الطبقي. وكيف يمكن أن يكون هذا أدبا أصيلا؟..

стр. 7902

لقد فشل الأدب نتيجة أنه تخلى عن رسالته وعن أصالته، وعن موقعه الصحيح بالنسبة للفكر الإسلامي؛ ولذلك فقد كان لابد وأن يسقط، وأن يقدم الفكر الإسلامي نفسه ليحمل الأمانة. إن حركة اليقظة الإسلامية منذ ظهورها بدأت تعمل على تحرير الحركة الوطنية من الإقليمية، والأدب من التبعية، وظلت تفتح الطريق لهذه الأمة إلى الأصالة في منابعها الثلاث: ١- أسلوب تربية إسلامي بديلا للمناهج التعليمية الواحدة. ٢- الشريعة الإسلامية بديلا للقانون الوضعي. ٣- بناء المجتمع الإسلامي على أساس الأخلاق والعقيدة. ولقد كانت كل محاولات الغزو الثقافي متمثلة في ضرب هذا التيار الإسلامي وحربه والقضاء عليه؛ لعلمهم بأن ذلك يعنى عظمة الأمة ومجدها وعزها وكرامتها وحريتها. أجل! إن الذوق الإسلامي أقرب إلى الحقيقة وأحلى للسمع وأوسع في المحتوى والمضمون. إذن يجب علينا - نحن الأدباء العرب المسلمين - أن نعود من ذوق علماني إلى ذوق الإسلامي، من ذوق مادي هابط إلى ذوق روحي شفاف؛ إن الذوق فسد فكيف ننشئ هذا الذوق في الجيل المعاصر؟.. ومن أين نأتي به؟.. هل نأتي به عن طريق المؤتمرات والدراسات والمناقشات، أو عن طريق التربية والتعليم، أو عن طريق الإعلام ووسائل التبصير والتثقيف؟..

стр. 7903

إن هذه الأساليب طبيعية لابد منها في صوغ الأفكار والميول والاتجاهات، وفي إثارة الأشواق والأذواق، بشرط أن تركز هذه الوسائل كلها على نقطة واحدة هي نقطة إنشاء جيل يختلف في وجدانه وذوقه وعقليته وسلوكه عن جيله السابق كل الاختلاف، جيل يضع إقامة ميزان الإيمان؛ فيربح فيما يخسر فيه الآخرون ويخسر فيما يربح فيه الآخرون، ممن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله، جيل تختلف عنده مقاييس الغضب والرضا والفقر والغنى والإخفاق والنجاح والتقدم والتخلف؛ فهو يشفق على عمالقة الغرب وأبطاله وأساتذته وفلاسفته، كما يشفق الخبير البصير على ضرير ضلّ الطريق ووصل على حافة بئر سحيق أوشك أن يقع فيه، ويعتبرهم أشدّ جهلا وعجزا من أي شعب آخر؛ إيمانا وتسليما بقول الله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (الآيات ١٠٣- ١٠٤ من سورة الكهف) . إننا حقاً مرضى ألسنتنا التي أصبحت لا تميز بين المر والحلو؛ لماذا؟ لأننا فقدنا حاسة الذوق كما فقدنا حاسة الشم، لابد أن نتجه - في ظل المنهج والنظام والشرع طبعا - إلى ذوق إسلامي يحرسنا من النزوات الفكرية والتلوث الذهني وصدأ القلب. يجب علينا أن نضم إلى سلاح العلم والعرفان؛ سلاح الذوق والإيمان، وبهذا الذوق وحده نفرق بين الخبيث والطيب، ولا يتحلب فمنا على كل حماقة غريبة إذا كانت غربية. إن أمتنا العربية المسلمة لا يمكن أن تسترد عزتها المسلوبة ولا كرامتها المفقودة إلا يوم أن تعود إلى دينها؛ تستقي من معينه الفياض وترتشف من ينبوعه الصافي.

стр. 7904

وينبغي أن يكون واضحا أمام أعين الأدباء والشعراء أن عصر صدر الإسلام - عصر السلف الصالح رضوان الله عيهم - هو المشعل الذي تستضيء به البشرية في كل عصورها وفي جميع شئونها؛ مصداقا لقول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.. الحديث"..، وقوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ عضوا عليها بالنواجذ" ... أجل: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ .. ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ .. ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ .. والله نسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل؛ إنه على ما يشاء قدير وهو حسبنا ونعم الو كيل.. قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: ا- أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ٢- أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. ٣- أن بكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار". رواه الشيخان.

стр. 7905

يا متاع الغرور لفضيلة الشيخ محمد المجذوب المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين ثقُلَ الحملُ يا صديقي، والزا د زهيد، والدرب وعر طويل وازدهاك الغرور لما (تمليت) فأوشكت لا تعي ما تقول وهوى المال يا أخيّ بلاء بل وباء تضلّ فيه العقول فتَخَفّفْ؛ إن المخِفَّ هو النا جي إذا آذن الحسابُ المهول وتذكرْ أن الكفاف هو الخير وكل الذي عداه فضول قد بلونا عسر الحياة زماناً ثم وافى يسارُها المأمول فإذا مرّها وحلو جناها محض حُلمُ بقاؤه مستحيل فإلاَم الشقاءُ في طلب الوهم وندري أن المقام قليل ولعمري ما أنت أجوجُ مني لنصيح يقول لي ما أقول كلنا وارد السراب وكلٌّ يدعى الطبَّ وهو ذاك العليل .. يا متاع الغروو حسبك ما أسـ ـلفت بي من جراحة لا تزول زنتْ لي الضرب في الظلام إلى أن خار عزمي وأرهقتني الكبول وشبابي نزفته في ضباب من ضياع قد حار فيه الدليل فدع الشيب لي أكفُر به الما ضي فقد آن أن يثوب الجهول وإذا الشيب لم يزعني عن الغيّ فما لي إلى النجاة سبيلُ

стр. 7906

ما هكذا يا سعد تورد الإبل بقلم فضيلة الشيخ محمد أمان بن علي الجامي عميد كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية وفي ليلة الجمعة ٨/١/١٣٩٩هـ سمعت صدفة ومن غير قصد.. ندوة علمية تبث من إذاعة القاهرة موجهة إلى طلاب وطالبات (جامعة القاهرة) ، وكان من بين الأسئلة التي وجهت للدكتور (أحمد شلبي) السؤال التالي؟: (هل يعتبر القسم بغير الله شركا) .. وجهت السؤال طالبة من طالبات جامعة القاهرة لم أتمكن من ضبط كليتها، كما لم أضبط اسمها. ولم يوفق الدكتور شلبي في الإجابة على السؤال، بل حاول أن يميع الإجابة على الرغم من أن السؤال صريح والجواب عليه واضح في السنة - لو وفق الدكتور، وكان من أهلها -. ولكن لم يوفق، بل أخذ يلف ويدور، وقال مرة في جولته في الدوران قول الإنسان بحياة أبي، أو حياة الرسول، أو بحياة الحسين ليس بقسم وإنما يقصد التأكيد، وفات الدكتور أن القسم نفسه إنما يقصد به تأكيد الخبر بالحلف بعظيم يخشى انتقامه لو كان الحالف كاذباً. ولست أدرى كيفا اختلط الأمر على فضيلة الدكتور، وأعتقد أن السائلة ومن كان معها يدركون خطأ الدكتور ومحاولته التمييع، ولكن الحياء أو الستر على الدكتور أو كونها امرأة تعجز عن المناقشة؛ فهذه المعاني أو بعضها حالت دون مناقشة الدكتور، ولو كان السائل رجلا يعلم الحكم؛ فيقوى على مناقشته لما تركه وهو يتلاعب بحكم من أحكام دين الله، ولكنها أنثى (وليس الذكر كالأنثى) فيقوى على المناقشة.

стр. 7907

ومما قاله الدكتور في أثناء محاولته التهرب عن الإجابة الصحيحة: أن بعض الجماعات المتشددة تقول: "إن القسم بغير اسم الله يعتبر شركا"، وأنا لا أوافقهم على ذلك، ثم بالغ في التهرب من الإجابة فخرج عن الموضوع، فقال: "وهناك نقطة أخرى وهي أن الإنسان إذا حلف لا يفعل شيئا كأن يقول: والله لا أزور أخي مثلا؛ فينبغي أن يزور أخاه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا..﴾ ، الآية.. "إلى آخر الكلام الكثير الذي الغرض منه التهرب عن الإجابة الصحيحة التي يعلمها أو يجهلها، ولست أدرى أيهما يختار الدكتور لنفسه. وأخيرا ختم الإجابة على السؤال بهذه الجملة الجريئة: (القسم بغير الله لا يعتبر شركا!!..) . نقول للدكتور: "ما هكذا يا سعد تورد الإبل! ".. أي ما هكذا يا دكتور تكون الإجابة العلمية.. يا سبحان الله! هل الذي حمل الدكتور على هذا الموقف الخطير.. الذي مضمونه تكذيب الرسول ﷺ والخروج عليه، وعدم اطلاعه على النصوص الواردة الدالة على أن الحلف بغير الله شرك؟ أو الحامل له مجاراة العوام ومداهنتهم وكتمان الحكم الشرعي؛ التماسا لرضى العوام وأشباه العوام؟ وسواء أكان الحامل له هذا أو ذلك فإن الدكتور قد تورط؛ فلا عذر له في كلتا الحالتين، فأي الأمرين يختار فضيلته؟.. هل يختار أن يقال له: إنه جاهل؟.. لا أظن ذلك، أو يختار أن يقال له تعمد في مخالفة النصوص والخروج عليها مع الاطلاع عليها والعلم بها؟. هما أمران أحلاهما مرّ، ولكن الاحتمال الأخير هو الأقرب؛ لأنه لا يليق بمكانته العلمية الرفيعة أن يقال إنه جاهل للحكم. فإذاً إنه عالم تجاهل لحاجة في نفس يعقوب..

стр. 7908

وبعد.. أريد أن أذكر الدكتور - فالذكرى تنفع المؤمنين - أن حياة المسلمين اليوم في الغالب الكثير مزيج من العادات والتقاليد المخالفة لما جاء به الإسلام من الهدى والتشريع.. وهذه التقاليد والعادات على نوعين: ١- نوع جاء به المستعمرون الذين استعمروا أكثر بلاد المسلمين، ثم رجعوا إلى بلادهم تاركين خلفهم عاداتهم وتقاليدهم؛ فورثها المسلمون السذج.. وهم ورثة المستعمرين دائما. ٢- النوع الثاني عادات وتقاليد كانت موجودة في المنطقة قبل دخول الإسلام إلى المنطقة، ثم بقيت ممتزجة بما جاء به الإسلام، ولم يستطع كثير من الناس أن يميز بينها وبين الحق الذي جاء به الإسلام؛ فتوارثوها، ثم مع بعد كثير من الناس عن تعلم الإسلام ودراسته والتفقه في الدين، وكثرة علماء السوء الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، ويفضلون ثمن الرغيف على رضا ربهم؛ لهذا كله راجت تلك التقاليد فالتبس الأمر على العوام؛ لا يفرقون بين السنة المحمدية والبدع المحدثة والأقوال والأفعال الدخيلة؛ فقد اختلطت مع ما جاء به الإسلام من العبادات والأحكام ولم يفرقوا بين الحق والباطل؛ فأخذ كل جيل يرث البدعة عمن كان قبله حتى صارت مألوفة غير مستنكرة؛ فلا يقوى على إنكارها إلا طائفة قليلة غريبة بين الناس وفي أرضها وبين بنى جنسها، وهى الطائفة التي رزقها الله الفقه في الدين، ذلك الفقه الذي يمكن الإنسان من التفريق بين الحق والباطل، ويحمله على مراقبة الله والخوف، والتفقه في المعاني يورث المرء الشجاعة والإقدام والقدرة على القول بالحق وبيان الحق والدعوة إليه، وما جاء به خاتم النبيين هو الحق.. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟

стр. 7909

ومن فقد هذه المعاني يغلب عليه الجبن والخور ومداهنة الناس والتزلف، وإيثار رضاهم على رضى ربه وخالقه وولي نعمه، وقد كان علماء المسلمين سابقاً يتمتعون بالشجاعة وقول الحق ولو كان أمام السلطان الجائر، ويعتبرون ذلك نوعا من الجهاد في سبيل الله، والله المستعان! ولعل الذي جعل الدكتور أحمد الشلبي يتهرب من القول (بأن القسم بغير الله شرك) كما تدل السنة الصحيحة الصريحة هو ظنه بأن المراد بالشرك هنا الشرك الأكبر الناقل عن الإسلام، والذي يرادف الكفر ... إن كان الحامل للدكتور هو هذا الظن! فليعلم الدكتور أن الشرك ينقسم إلى قسمين إذا أطلق في لسان الشارع؛ يعرف ذلك بدراسة السنة دراسة فاحصة والفقه في الدين، "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، والفقه في الدين شيء وكثرة الإطلاع أو كثرة الحفظ شيء آخر، ورب قليل للحفظ وقليل الإطلاع يرزقه الله الفقه في الدين، وحقيقة الفقه (الفهم الصحيح في الإسلام، والتصور السليم لما جاء به رسول الله ﵊ : ١- القسم الأول: شرك أكبر يخرج صاحبه من دائرة الإسلام، وهو صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله واتخاذ غيره نداً ومعبوداً معه؛ لأن ذلك يتنافى وكلمة التوحيد التي تحصر جميع العبادة لله وحده، وتحرم عبادة من سواه وما سواه؛ إذ معناها لا معبود بحق إلا الله؛ فمن عبد غير الله بالدعاء والاستغاثة والذبح والنذر والتوكل - وما في هذه الأشياء من أنواع العبادة كالركوع والسجود والطواف - فقد أشرك مع الله شركا لا يغفر إلا بالتوبة التي هي الإقلاع والندم والعزم على عدم العودة؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . ٢- القسم الثاني: الشرك الأصغر، ويسمى في اصطلاح السلف شركا دون شرك، كما يقال: كفرٌ دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.

стр. 7910

ومن لم يدرك هذه الأقسام فليس بفقيه ويكثر تخبطه ويلبس عليه الأمر دائماً، وقد يخرج من الإسلام من هو صحيح الإسلام، وقد يدخل في الإسلام من هو بعيد عن الإسلام. فتأمل المقام فإنه مهم جداً. ومن أنواع الشرك الأصغر القَسم بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، ولولاك حصل كذا، وهذا النوع لا يخرج مرتكبه من الإسلام إلا أنه إثم كبير يؤدي إلى الشرك الأكبر. وقد ينتقل بعض أفراد هذه النوع من الشرك الأصغر إلى دائرة الشرك الأكبر بأمور خارجة تطرأ أحيانا وتصاحب القول، كأن يصل تعظيم المحلوف به في قلب الحالف والخوف إلى حد تعظيم الموحد ربه وخالقه أو أعظم من ذلك، وفي هذه الحالة ينتقل القسم بغير الله من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر؛ لأن من بلغ إلى هذه الحالة فقد خرب قلبه، وحقيقة الكفر هو خراب القلب، ويفقد تقدير الله حق قدره وتعظيمه والخوف منه، ويحل محل تعظيم الله تعظيم مخلوق؛ فنسأله تعالى العفو والعافية. وهذا الباب باب خطير جداً، ومع خطورته قد أهمل الاهتمام به كثير من طلاب العلم والعلماء الرسميين، وعدم تحقيق هذا الباب هو الذي أوقع الدكتور الشلبي في هذا الخطأ الفادح؛ عفا الله عنا وعنه! فها أنا ذا أسوق هنا بعض النصوص الدالة علما أن (القسم بغير الله شرك) . ١- عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵊ قال: "إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فلحلف بالله أو ليصمت"، رواه مالك والبخاري وأصحاب السنن، وفي رواية لابن ماجه من حديث بريدة قال: سمع النبي صلى الله عليه سلم رجلا يحلف بأبيه فقال: "لا تحلفوا بآبائكم! من حلف له بالله فليصدق، من حلف بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله".

стр. 7911

٢- عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رجلا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك"، رواه الترمذي وحسنه ورواه ابن حبان وصححه، ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، وفي رواية الحاكم: سمعت رسول الله ﵊ يقول: "كل يمين يحلف بدون الله شرك". ٣- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقاً"، رواه الطبراني موقوفاً، وقال المنذري: رواته رواة الصحيح، قال بعض أهل العلم تعليقاً على هذا الأثر: "وذلك لأن الحلف بغير الله كفر أو شرك كما صرح به الحديث السابق، والحلف بالله وهو كاذب معصية لها كفارة وفرق بين الاثنين". ٤- وعن بريدة ﵁ أن رسول الله ﵊ قال: "من حلف بالأمانة فليس منا"، رواه أبو داود. وهذه الأحاديث كما ترى صريحة الدلالة - بالجملة - علما على عدم جواز القسم بغير الله، وأما حديث ابن عمر بن الخطاب ﵄ فصريح الدلالة على أن القسم بغير الله يعتبر شركا. والقول بأن الحلف بغير الله لا يعتر شركاً بعد الاطلاع على هذه النصوص - ولا سيما حديث ابن عمر - ووصف من يقوك بذلك بأنها جماعة متشددة؛ فقول في غاية الجرأة؛ فيوقع قائله في فتنة ويعرضه لعذاب الله إذ يقول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، قال الإمام أحمد: الفتنة الزيغ والله أعلم.

стр. 7912

والدكتور شلبي ليس وحيد دهره أو فريد عصره في هذا الموقف الجريء، بل قد ابتليت هذه الأمة منذ أمد غير قصيرة بمجموعة ممن ينتسبون إلى العلم من هذا الصنف الذي عظمت لديهم الدنيا، وهانت لديهم الآخرة فلم يقيموا لها وزناً وسخروا علمهم للحصول على ثمن الرغيف، وإذا لم يتيسر ذلك إلا بالكذب على رسول الله أو تكذيبه والخروج على سنته فلا مانع لديهم أن يقترفوا كل ذلك طالما يحقق ذلك المصلحة الشخصية، اللهم عافنا فيمن عافيت!. ولست أذهب بعيداً للاستدلال على ما ادعيت، ولدينا فتوى الدكتور الشلبي: "القسم بغير الله لا يعتبرشركا"، ثم نسب القول بأن ذلك إلى جماعة متشددة كما زعم. وهذا القول كما ترى يكذب الحديث الذي تقدم ذكره قريبا؛ حديث عبد الله بن عمر، ولو وجهنا إلى المجموعة الشلبية الأسئلة الآتية: ١- هل الطواف بقبور الصالحين يعتبر شركاً؟ ٢- هل السجود على عتبة ضريح الحسين يعد شركاً؟ ٣- هل التقرب إلى غير الله بالنذور والذبائح يعتبر شركاً؟ ٤- هل الاستغاثة بغير الله والتضرع إلى غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله يعتبر شركاً؟ ٥- هل إقامة حفلات مولد النبي أو الحسين أو البدوي أو زينب يعتبر بدعة في الدين؟ ٦- هل اختلاط الجنسين في تلك الحفلات وفي مناسبات أخرى جاهلية يعتبر منكراً؟ لو وجهت هذه الأسئلة وأمثالها للمجموعة المذكورة لكان الجواب هكذا بكل بساطة:

стр. 7913

"إن بعض الجماعة المتشددة تعتبر ما جاء في رقم (١) إلى (٤) شركاً، وما جاء في رقم (٥) يعدونه بدعة، كما يعتبرون ما بعده منكرا، إلا أننا لا نوافقهم على ذلك، وليس هناك شرك ولا بدعة ولا منكر، والناس إنما يفعلون ما يفعلون محبة للصالحين، وهم يفعلون لله، أما مولد الني فلا ينكره إلا أولئك الذين لا يحبون الرسول ولا الصالحين، ثم إن البدعة قد تكون حسنة كما تكون خبيثة؛ فلا ينبغي التشديد في هذه الأمور، والمسلمون بخير والحمد لله، وقلوبهم طيبة (موش عاوزه كلام) ، ومسألة الاختلاط لا تؤدي إلى شيء كما هو الواقع؛ لأن الناس قد ألفوا ذلك، ثم إن الدين يسر ولم يجعل الله علينا في الدين من حرج". هكذا يخطبون، وهكذا يضللون، وهكذا يزخرفون القول، سبحانك ما أحلمك يا رب العالمين! والادهى والأمر أن هذه الحذلقة وهذا الكلام وهذه الخطبة الرنانة تقاطع بالتصفيق أو التكبير أحياناً! علام هذا التصفيق؟ وعلام التكبير؟ على الجهل؟ على المداهنة؟ بل على تكذيب الرسول والخروج على سنته؟ أعلى هذه المخالفة السافرة لأحكام الشريعة الإسلامية؟ علام؟ والعجيب من أمرنا نحن المسلمين أن هؤلاء هم العلماء المشار إليهم بالبنان، ما أعظم مصيبة المساكين في علمائهم فلم تنتشر هذه الجهالات التي تحدثنا عنها ومثلنا لها بعدة أمثلة، ولم يرج سوق البدع والمخالفات ولم تتمكن جاهلية الاختلاط والكفر بالحجاب والدعوة إلى السفور، ولم تحل القوانين الوضعية محل الشريعة الإسلامية في التحليل والتحريم وغير ذلك؛ فلم يقع شيء مما ذكر إلا تحت توجيهات وتأويلات المجموعة الشلبية، ولو سلمت الأمة الإسلامية من شر علماء السوء - بعبارة أخرى: لو صلح علمائها - لصلحت حياتها ولاستقام أمرها. أكذوبة سادن البدوي

стр. 7914

تحكى قصة مضحكة - ومن المصائب ما يضحك - عن سادن عند قبر أحمد البدوي، ملخصها: أن رجلا سرق سمكة مملحة وأكلها فاستحلفه المسروق منه بالله فأقسم بالله ثلاث مرات أنه لم يأخذها ولم يرها، فلم يحصل له شيء، فاستحلفه بأحمد البدوي فما كاد يتلفظ اسم البدوي حتى سبقت السمكة فلفظها. هذا ما وصل إليه وضع عوام المسلمين بسبب تساهل جمهور علماء المسلمين المعاصرين الذين منهم المفتي (الشلبي) ، ولا يخالطني شك أن الدكتور الشلبي ومجموعته يعلمون دون شك أن الحلف بغير الله شرك أو كفر، لكن السياسة الاقتصادية بالنسبة لهم ى تسمح أن يصرحوا خلاف ما عليه جمهور العوام. هذا هو عذرهم غالباً؛ فما رأي القراء الكرام في مثل هذا العذر؟. وقصارى القول أننا ندعو الدكتور أحمد شلبي إلى إعادة النظر في إجابة ليلة الجمعة ٨/١/١٣٩٩ في حكم القسم بغير الله؛ ليرجع إلى الحق، والرجوع إلى الحق فضيلة دائماً، وهو خير من التمادي في الباطل، وما قاله الدكتور في إجابته تلك باطل ولا شك. فنسأل الله لنا له العفو والعافية والتجاوز عن أخطائنا وسيئاتنا؛ "كل بني آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون"، رواه الترمذي وابن ماجه، وقال صاحب كشف الخفاء: سنده قوي والله ولي التوفيق. ١- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت". متفق عليه. ٢- وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قلت يا رسول الله! أي المسلمين أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده".. متفق عليه. ٣- وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﵊:"من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة"..

стр. 7915

صحيح المقال في مسألة شد الرحال لفضيلة الشيخ عبد العزيز الربيعان مدير المعهد المتوسط بالجامعة الإسلامية الحمد لله وصلاته وسلامه على رسوله ومصطفاه، وعلى آله وصحابته والمهتدين بهداه.. أما بعد.. فهذا هو الموضع الثاني الذي وعدت ببحثه ومناقشة فضيلة الأخ الكريم الشيخ عطية محمد سالم فيه، والذي قلت في مقدمة الموضوع السابق المنشور في مجلة الجامعة العدد السابق لهذا العدد تحت عنوان (البحث الأمين في حديث الأربعين) .. قلت هناك: إن فضيلة الشيخ عطيته وقع في أخطاء تقليدية يجب التنبيه عليها وبيان الحق فيها، ومعنى قولي تقليدية أعنى أنها أخطاء قديمة في مسائل قد بحثت وظهر وجه الحق فيها؛ فلا داعي لإعادة بحثها وبلبلة الأفكار حولها؛ كيف وعلماء بلادنا لا اختلاف بينهم في حكمها، وأنه المنع والتحريم؛ فكيف ساغ لفضيلته أن يضرب بمذهبهم عرض الحائط ويعلن من بينهم مذهبا يعتبرونه بدعة، بل معصية الله ورسوله؛ لمصادمتة الحديث الصحيح ومحالفته مذهب السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان. وهذا الوصف الأخير أعني به موضوعنا هذا، وموضوعا آخر تذبذب فيه فضيلة الشيخ؛ فلا تكاد تجزم برأيه الثابت فيه، وأعنى بذلك موضوع الاحتفال بالمولد النبوي، إحدى البدع التي جارى فيها المسمون النصارى؛ مصداق قوله ﵇: "لتتبعن سنن من كان قبلكم.." الحديث. وقد تعرض الشيخ لهذا الموضوع أثناء كلامه على سورة الإنسان.. ومن هنا ندخل في الموضوع متوكلين على الله ومستعينين بحوله وقوته.
следующие страницы →