← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

وفي الوقت الذي كانت بريطانيا "العظمى"قد أعطت العهد للشريف حسين بمنح الاستقلال للدول العربية - والسماح بقيام خلافة "عربية إسلامية"يقوم عليها أحد الأصلاء من مكة أو المدينة - في نفس الوقت كانت الاتصالات باليهود قائمة، وكان التعاطف معهم على أشده، وتم عقد اتفاقيتين سريتين في مارس سنة ١٩١٦ بين روسيا وإنجلترا وفرنسا، وفي مايو سنة ١٩١٦ بين الدولتين الأخيرتين (والتي عرفت بمعاهدة سايس بيكو) ، وتقرر وضع إقليم فلسطين تحت حكم دولي يتمتع اليهود في ظله "بالمساواة السياسية والدينية والمدنية" [٢] . ولم يعرف الشريف حسين الذي وثق في شرف بريطانيا "العظمى"بأمر هذه الاتفاقات إلا بعد ستة شهور، وبعد قيام الثورة البلشفية في روسيا.. حيث أعلنت عن هذه الاتفاقات [٣] . وفي نوفمبر ١٩١٧ أصدر اللورد (بلفور) - وزير خارجية بريطانيا "العظمى"التصريح التالي: "إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي، وسنبذل جهدنا لتسهيل تحقيق هذه الغاية، وعلى أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يضير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى..". وبهذا أعطى (من لا يملك) إلى (من لا يستحق) أول حماية، يتم التصريح بها، وأول خطوة عن طريق الشرعية الزائفة، ومع ذلك اعتبرها الصهيونيون تصديقا بريطانيا رسميا على إنشاء دولة يهودية في فلسطين، وذلك عن طريق الهجرة الجماعية وابتياع الأراضي، ووافقت على التصريح فرنسا وإيطاليا في فبراير سنة ١٩١٨، وأمريكا في أكتوبر سنة ١٩١٨م.

стр. 7842

وكانت تتمة المؤامرة البريطانية - الغربية إعلان الانتداب على فلسطين، بعد ضمها مع شرق الأردن والعراق إلى بريطانيا.. واكتشف الشريف حسين - ومن وراءه من العرب - أن فلسطين قد سلمت لليهود، وأن العرب جرى اقتسامهم بين الدول الحليفة. وكانت المحاولة الثالثة والأخيرة إعلان دولة إسرائيل في ١٥ مايو سنة ١٩٤٨م في ظل حماية دولية إنجليزية أمريكية فرنسية روسية.. وسبقتها خطوة خطيرة على طريق الشرعية الدولية، هو قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة في ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧م قبل الإعلان بشهور ستة.. هذا ما يراه البعض.. ونحن معهم في أن هذا التسلسل كان السبيل لتنفيذ المخطط عمليا.. ج- تاريخ أقدم: لكننا مع البعض الآخر.. الذي يرجع الأمر إلى ما قبل هرتزل بقرنين أو يزيد، حين دعا الحاخام ليفا (١٥٢٠- ١٦٠٩) من براغ؛ دعا إلى اتخاذ فلسطين وطنا لليهود. وأعقبه مورس هس (١٨١٢-١٨٧٥) الذي بدأ علمانيا، ثم صبأ إلى الماركسية مرتبطا مع ماركس، لكنه أعرض عن الماركسية متجها إلى مثالية يهودية مغرقة في حبّ اليهود، وأصدر كتابه (روما والقدس) سنة ١٨٦٢ بسط فيه أفكاره، وتحدث عن أن اليهود "مدعوون مصيريا لتحويل العالم".. وبدأت الصهيونية المنظمة، وظهرت حركة "أحباء صهيون"تحت زعامة ليوبنسكر (١٨٢١- ١٨٩١) ، وفي أواخر الثمانينات والتسعينات جرت صياغة عقيدة الصهيونية على يد مدارس متعددة.. فالصهيونية العملية: ومن أشهر زعمائها دافيد عوردون (١٨٥٦-١٩٢٢) ، وقد جدد حركة "أحباء صهيون"التي تقوم على العمل في أرض إسرائيل، وإنشاء المستوطنات والمستعمرات.. والصهيونية السياسية: ويقوم على زعامتها ليوبتسكر، في أوربا الشرقية، واليهودي الهنغاري تيودورهرتزل (١٨٦٠-١٩٠٤) .

стр. 7843

ويقال: إن كليهما في البداية لم يكن مقتنعا باتخاذ فلسطين وطنا قوميا لليهود.. وإن هرتزل كان في البداية يفضل مواقع أخرى مثلا الأرجنتين وقبرص وشبه جزيرة سيناء، لكنه مع المؤتمرات الصهيونية التي انعقدت تغلب الاتجاه إلى فلسطين.. وقد يؤكد القول بأن هرتزل في البداية لم يكن متجها إلى فلسطين محادثاته مع الزعماء الإنجليز التي تم - بناءً عليها - إيفاد بعثة إلى سيناء سنة ١٩٠٦؛ لبحث مدى صلاحيتها على الطبيعة، لكنه من ناحية أخرى.. فإن سيناء ملاصقة لفلسطين، وهى من ناحية التقديس عندهم لا تقل عن فلسطين؛ ففيها كلم الله موسى، وفيها كتبت الألواح ونزلت الوصايا العشر، ثم هي امتداد طبيعي لدولة فلسطين الموسعة كما تكشفت أطماعهم بعد ذلك: (من الفرات إلى النيل، ملكك يا إسرائيل) . أما الصهيونية الثقافية: فقد تزعم جناحها أحدها عام (١٨٥٦- ١٩٢٧) . وقد أعلن أن وجود الأمة اليهودية بخصائصها المتأصلة، هو ما يحقق الإنسان الأكثر كمالا.. ونحن نرى أن مراحل استلاب الوطن الإسلامي في فلسطين جرت على النحو التالي: ١- قبل القرن السادس عشر الميلادي... كان الأمر مجرد أمل لم يصرح به.. [٤] . ٢- منذ القرن السادس عشر الميلادي.. كانت مرحلة التفكير والدعوة ... ٣- منذ القرن التاسع عشر الميلادي.. كانت مرحلة التخطيط ... ٤- في القرن العشرين كانت مرحلة التنفيذ ... وغني عن الذكر أن لا حق لليهود - تاريخيا - في أرض فلسطين..؛ فإنها منذ السنة الخامسة عشرة الهجرية أرض إسلامية.. وهى قبل هذا التاريخ أرض عربية، وطوال خمسة آلاف سنة فإن عمر اليهود على هذه الأرض الطيبة لم يجاوز (١٤٥) مائة وأربعين مائة عام على فترين: الفترة الأولى بين سنة ١٠٠٠ قبل الميلاد حتى سنة ٩٢٧ قبل الميلاد.. والفترة الثانية بين سنة ١٤٢ قبل الميلاد حتى سنة ٧٥ قبل الميلاد كذلك..

стр. 7844

- أما الأسباب التي أدت إلى نجاح اليهود في استلاب الوطن الإسلامي (فلسطين) ؛ فنحن نرجعها إلى الأسباب الآتية: ١- تخطيط اليهود وصبرهم على إنجاحه: وقد بدأ التخطيط تفكيرا من مفكر يهم كما أشرنا، ثم انتهى إلى إقرار خطة في مؤتمر (بال) ١٨٩٧، ترمي إلى تنمية الهجرة وشراء الأرض من ناحية، والحث عن الحماية الدولية من دولة عظمى تظلها الشرعية الدولية الزائفة من ناحية أخرى.. ويقال إن البروتوكولات وضعت في المؤتمر الصهيوني الأول.. وكلا الخطتين تدل على معرفة بأغوار النفس الإنسانية، وإدراك للجو الدولي الموجود، واستغلال لأحداثه، وصبرهم على تنفيذ ذلك التخطيط رغم الأحداث الجسيمة التي واجهتهم من بعده، كالاضطهاد الذي حدث لهم من مشرق أوربا، ثم الاضطهاد الذي حدث لهم في ألمانيا على يدي هتلر، ثم العقبات التي قامت في طريق إقامتهم دولتهم من مقاومة الشعب الفلسطيني، وانضمام الشعوب العربية الإسلامية إلى هذه المقاومة، ومن قبلها رفض الخلافة العثمانية لوجودهم، وتآمرهم على هذه الخلافة بما صرّح به هرتزل في مذكراته من أن السلطان عبد الحميد قد رفض الملايين العديدة لقاء فلسطين؛ فقبل حزب الاتحاد والرقي مليونين لتنفيذ نفس الغرض [٥] .. كل ذلك وغيره يكشف عن حسن تخطيط.. وعن صبر في التنفيذ.. وفي مقابلة ذلك - ونقررها بكل أسف - انتفى التخطيط لدى الأمة الإسلامية، أو بالأصح لدى "اليقظى"من الأمة الإسلامية، وتوافر عندهم إخلاص بغير تخطيط شابه في كثير من الأحيان قلة الصبر على التنفيذ، واستجابة لغير المخلصين لإنهاء أوضاع تقلق اليهود. ٢- إبعاد الإسلام عن المعركة: واضح أن الإسلام كان الخط الأول في المعركة..

стр. 7845

أولاً: بما يحمله لأبنائه من عقيدة قد تؤثر الموت في سبيل الله في الحياة في ظل عبودية تفرضها أذل أمة في الأرض، وبما يحمله كذلك من دعوة إلى الجهاد واعتباره فرض عين، إذا غزيت ديار الإسلام.. هذه العقيدة من غير سلاح كفيلة - بإذن الله - بتحقيق النصر.. فإذا أضفنا إليها أمر الإسلام: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ..وأحسنّا فهم الأمر الرباني لوجدنا أن الإسلام يأمر: أ- بالتخطيط القوى.. وهو ما يحمله لفظ (الإعداد) وما يحمله لفظ (القوة) . ب- الإعداد المعنوي. ج- الإعداد العسكري.. حشدا، وتدريبا، وتسليحا. د- الإكثار من السلاح الثقيل، وهو ما تعنيه (رباط الخيل) بعد (القوة) ؛ فهو تخصيص للأهمية والخطر. ثانيا: ما يحمله دخول الإسلام المعركة من دخول ثقل بشرى لا قبل لليهود به، ونعنى به الأمة الإسلامية التي تناهز اليوم ألف مليون من البشر. ثالثا: ما يجمله دخول الإسلام المعركة من ثقل سياسي واقتصادي لا قبل لليهود بمواجهته؛ فمصالح أصدقاء إسرائيل أكثرها في أمم الإسلام.. واحتياجات مناصري اليهود الاقتصادية أكثرها في قبضة المسلمين.. أما عن مظاهر إقصاء الإسلام عن المعركة وكيفيته: فقد بدا وبدأ.. بما رتبه اليهود داخل دولة الخلافة نفسها.. وقام على تنفيذه يهود الدونمة، ومنهم ومعهم حزب الاتحاد والرقى وحزب تركيا الفتاة، وهو ما عناه الكاتب الروسي سرجس نيلوس من اقتحام الأفعى للآستانة في طريقها إلى فلسطين [٦] . ثم تأكد ذلك بإقصاء السلطان عبد الحميد الذي رفض عرض اليهود. ثم بالقضاء على الخلافة نفسها التي ما كان يمكن أن تسلم بقيام وطن يهودي وسط وطنها.

стр. 7846

واستمرت محاولات إقصاء الإسلام عن المعركة بتكوين الجامعة العربية (بدلا من الجامعة الإسلامية) ، بفكر وزير الخارجية الإنجليزي، وقبل تمام الكارثة بثلاث سنوات.. وبحمل الجامعة العربية لواء الجهاد من أجل فلسطين ثم تخدير بقية العالم الإسلامي عن النهوض للمعركة.. وزاد إقصاء الإسلام عن المعركة بدخول جيوش سبع دول عربية إلى المعركة.. فما حاجة بقية المسلمين للجهاد وقد تولته جيوش سبعة فيها أبطال ومغاوير.. وحين دخل عنصر إسلامي شعبي إلى معركة فلسطين، وحين صرح إمامهم الشهيد بإعلان التعبئة الدينية للجهاد في فلسطين وعزمه دخولها في عشرة آلاف مقاتل فدائي.. وحين ذاق اليهود بأس أولئك المسلمين بما شهدوا هم به، وبما شهد به قادة الجيش المصري أمام القضاء المصري.. حين كان ذلك تمت طعنة الفدائيين المسلمين من الخلف على يد الحكومة الحاكمة في ذلك الحين؛ فأصدرت قرارا بحل جماعتهم، وقرارا باعتقالهم، وكانت تتمة الخيانة قتل إمامهم في ميدان عام على يد بعض رجال الشرطة السريين.. وفي كلى مرة كان يتم لإسرائيل التوسع؛ في عامي ١٩٦٥، ١٩٦٧ كان يتم إدخال العنصر الإسلامي إلى السجون، ولا يمكن أن يكون هذا الأمر مع تكرره في أعوام ٤٨، ٥٥، ٦٦ من قبيل المصادفات السعيدة.. وتكشفت وثيقة تضمنها حكم قضائي صدر في مصر في ٣٠/٣/١٩٧٥ عما كانت تحمله السلطة الحاكمة وقت التوسع من عداء للإسلام والمسلمين وتخطيط للقضاء عليهم. ٣- إقصاء العب الفلسطيني عن المعركة: منذ ذاق الإنجليز - ومن بعدهم اليهود - بسالة الشعب الفلسطيني، وتضحيته وتصميمه على الدفاع عن وطنه، وإذ عرفوا أنه صاحب المصلحة الأول في الدفاع عن التراب الإسلامي في القدس وفلسطين.. ومنذ ظهر منه أمثال الشهيد (عبد القادر الحسيني) قائد منطقة القدس، والشهيد (حسن سلامه) قائد المنطقة الوسطى؛ فقد قرروا إقصاءه عن المعركة..

стр. 7847

وكانت قمة التخطيط والتنفيذ إدخال سبعة جيوش عربية إلى فلسطين؛ لتخوض المعركة مع اليهود "بالنيابة"عن الشعب الفلسطيني.. وسبقها وعاصرها حرمان الشعب الفلسطيني من التدريب، ومن التسليح، وتشكيك الجيوش العربية في أمانة الشعب الفلسطيني، واتهامه بالعمل لحساب العدو اليهودي. وكنت أعجب كيف لجيش عربي يقوده إنجليزي صريح أن يخوض حرباً لصالح المسلمين وضد اليهود الذين ضمن لهم الإنجليز بالوعد والتخطيط والتنفيذ قيام وطن في فلسطين؟.. وكنت أعجب لجيش آخر.. بل جيوش أخرى في بلاد يحتلها الإنجليز.. كيف سمحوا لها بالمرور إلى فلسطين.. حتى أدركت أن المطلوب هو إقصاء الشعب الفلسطيني عن المعركة.. وفعلا نجحت الخطة.. وأقصى الشعب الفلسطيني عن المعركة.. وسلمت أراضي فلسطين جزءا جزءاً.. من الجيوش العربية الباسلة إلى إسرائيل المزعومة، وبعد أن انتهت حرب فلسطين سنة ١٩٤٨ كان الشعب الفلسطيني قد تم إقصاؤه حربيا عن المعركة.. وتمّ بعد ذلك إقصاؤه سياسيا عنها..؛ فتحولت القضية أمام الأمم المتحدة إلي نزاع بين دول ذات سيادة.. عربية وإسرائلية.. [٧] . وحين بدت بادرة ظهور العنصر الفلسطيني سنة ١٩٦٧.. تم حشد القادرين منهم فيما سمي بجيش التحرير الفلسطيني؛ ليتم التهامهم في أول ضربة لليهود في يونيه سنة ١٩٦٧، وقامت جيوش أخرى بالواجب في القضاء على العنصر الفلسطيني الثائر.. بعضها في مذبحة "أيلول الأسود"التي قتل فيها اثنان وعشرون ألفا على يد جيش عربي.. والبعض الآخر في مذابح تل الزعتر وما قبلها وما بعدها.. وتدخل جيش عربي ليتم النصر ويتوِّجه ويحميه.. ثانيا: الحاضر الأليم في فلسطين: من الناحية السياسية: أ- الدولة شعب وإقليم وسيادة: والشعب الفلسطيني اليوم.. موزّع بين الأقطار، ممزق بين المنظمات والأحزاب.. مما سنزيده تفصيلا عند الكلام عن الناحية الاجتماعية إن شاء الله..

стр. 7848

وإقليم فلسطين اليوم.. غير موجود على الخريطة السياسية، وموجود بدلا منه دولة إسرائيل، وهي لم تكتف بأراضي فلسطين.. بل ابتلعت في توسع سنة ١٩٦٧ الجولان من سوريا، والضفة الغربية من الأردن، وشبه جزيرة سيناء من مصر.. والأراضي التي ابتلعتها في التوسع الأخير أضعاف ما امتلكت من قبل بغير حق.. ولا سيادة لشعب فلسطين على أرض فلسطين.. بل ولا سيادة له في مكان آخر.. والمنظمة التي نشأت في أواخر الستينات.. نشأت إلى جوارها تيارات أخرى.. بل مزقتها من الداخل تيارات مختلفة.. وأشارت أصابع الاتهام إليها في مذبحة أيلول وما لحقها من مذابح.. أنها مهدت، وأحيانا شاركت.. وهى على أي حال قد احتوتها التيارات التي احتوت كثيرا من الأنظمة ومن المنظمات في المنطقة.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العد العظيم.. ب- الشرعية للغصب الإسرائيلي تتم باعتراف أصحاب الحق نفسه: حرصت إسرائيل منذ قيامها - بل ومن قبل قيامها - أن تستر غصبها بشرعية رفضها أصحاب الحق يوم أن قالوا: "إن من لا يملك أعطى من لا يستحق".. لكنها - بكل أسف- اليوم في دور اعتراف أصحاب الحق نفسه.. ومتى تم ذلك انتفى عن إسرائيل كل ما قيل من اغتصاب وسلب لأرض الإسلام.. ومن هنا كانت الخطورة.. وقد سبق هذه الخطوة تمهيد على النحو التالي: ١- تمهيد إعلامي: بأن إسرائيل أمر واقع، وأن لا قبل للعرب بدفعها عن فلسطين.. ٢- تمهيد حربي: بإحراز بطولة - ولو جزئية - في جانب العرب؛ ليبدو قبول "السلام"من موقع القوة؛ شلا يرفضه الشعب العربي باعتباره استسلاما.. ٣- تمهيد اقتصادي: بإحداث خنق اقتصادي للشعب العربي في المنطقة، خصوصا الجزء الذي يتصدر للمعركة... حتى يلوح "السلام"إنقاذا للشعب مما يعانيه..

стр. 7849

٤- تمهيد سياسي: وذلك بإحاطة إسرائيل بأنظمة - تعمل لحساب الصهيونية عن قصد أو غير قصد - بتحطيم معنويات الشعوب، وتحطيم قيمهم وأخلاقهم، والتمهيد إعلاميا للاعتراف بالغصب، بل وللتعاون مع الغاصب، وحسبنا أن نعرف أن نظاما ما استطاع يهودي أن يتسلل إليه وتسمى بغير اسمه، وصار يعدل في الوزارة ويبدل، وقد عرضت عليه هو الوزارة؛ فأبى بنصيحة من كبرائه في إسرائيل؛ لأن مكانه أقوى من وزير.. وفي نظام آخر وصل عملاء الصهيونية وأعضاء الماسونية إلى حدّ تسير دفة الحكم، والجلوس على رأسه، وكان من وزرائهم اليهودي، أو من هو متزوج بيهودية، ولا شك أن ذلك كله لم يحدث إلا بعد أن قامت دولة إسرائيل، وارتأى أن الأنظمة (الرجعية) صارت عاجزة عن تحقيق الهدف.. بل هي حجر عثرة في سبيل تحقيق الهدف.. ومن ثم عرفت المنطقة "مودة" الانقلابات العسكرية.. ج- المستقبل السياسي لإسرائيل: المغفَّلون أو المغفِلون يعتقدون أن إسرائيل بعد الاعتراف بها والصلح معها سوف تقنع بما هي عليه.. وتاريخ الصهيونية وطبيعتها وأهدافها وكتبها.. كل ذلك يأبى عليها ذلك.. وحسبهم أن يقرؤوا التلمود، وأن يقرؤوا البروتوكولات، بل أن ينظروا إلى ما كتب في الكنيست نفسه.. فلم يعد في الأمر عندهم حياء.. وبلغة أصحاب الحق تحدث رئيس إسرائيل في يوم أليم عن أنهم أصحاب حق يستردون أرض الأجداد، وكأن الذين عاشوا عليها أربعة عشر قرنا ليسوا أصحاب حقوق، وتحدث رئيس إسرائيل عن العبقرية اليهودية، وعما يمكن أن تفعله في المنطقة..

стр. 7850

ولئن كان حديثه عن الناحية الاقتصادية.. فإني أقدم عليها الناحية السياسية لأقول: إنه إن ظل الوضع المفتوح فبوسع العبقرية اليهودية أن تفعل ما تشاء في المنطقة، ولها أن تحرك الدمىكما ترى، ولها أن تغير الدمى إن ضاقت بها الشعوب أو أحاطتها الشكوك.. ولها أن تمضي في التوسع بعد ذلك غير عابئة بالضمانات؛ فما ضمانات اليوم بأعظم ولا أبقى من وعود الأمس وقراراته.. كل ذلك.. لأن إسرائيل أسقطت من حساباتها حاليا الإسلام وأهله، بعد ما نزل على رءوسهم من ضربات تدوخ وتكسر وتقتل.. لكن عقيدتنا في الله لم تتزعزع، وإيماننا بانتصار الإسلام لم يهن ولن يهون.. ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . ثانيا- من الناحية الاجتماعية أ- شعب تمزق: مزقته الخلافات قديما وحديثا. ومزقه التشريد وحياة الخيام. ومزقه الجوع والعري والمرض. ب- شعب تحلل: تحلل فكريا بعدما مزقه تيارات عديدة.. علمانية، شيوعية، وجودية، يهودية.. وتحلل خلقيا بعدما مزقه التشريد والحاجة، وسرى فيه الاختلاط والانحلال.. وتحلل أسريا بعدما تمزقت الأسرة الواحدة بين بلاد وأقطار.. ولم يعد فيها من ينصت إلا لنداء البطن.. وما حوى.. ج- شعب يهود: - "إن أمام العرب في إسرائيل ثلاث خيارات: أ- اعتناق الدين اليهودي.. ب- الطرد خارج البلاد.. ج- الإبادة التامة..". (ابن جوريون) . - "سنصل إلى وقت نعرف فيه كيف نمنع من لا يضع القلنسوة اليهودية فوق رأسه أن يعيش بيننا ". (جولدا مائير) .

стр. 7851

- "إن فرعون أخطأ ولم يصب الغرض حيث سلك ببني إسرائيل مسلك الإرهاب والتنكيل؛ فانتصروا عليه وسجل التاريخ عليه لعنات ما اقترفه، ولكنه لو أنشأ مدارس وجامعات يغير فيها أفكارهم ويقتلهم قتلا معنويا،، يجعلهم ينحرفون عن هدفهم الأصيل؛ فيعيشون عالة على غيرهم بلا هدف يتفانون في تحصيله؛ لو فعل ذلك لأراح واستراح، ولسجل التاريخ مفخرة خدمة العلم بدلا من لعنات البطش والإرهاب". (الفيلسوف الهندي أكبر اله أبادي) . ولتحقيق هذه الغاية تمضي برامج الإعلام، ومناهج التعليم لتحقيق هذه الغاية.. ولتحقق هذه الغاية تمضي السياسة الاقتصادية نحو تنمية الحاجة لدى العرب القانطين داخل إسرائيل.. ولهذه الغاية تمضي سياسة "التهجير"و "الاستيطان "، ونزع ملكية العرب المقيمين في فلسطين.. ثالثا: مستقبل فلسطين الحديث عن المستقبل حديث شائك؛ إذ لا يعلم الغيب إلا الله.. لكن الله سبحانه.. أجاز لنا الإعداد، ذاك قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ .. والإعداد يقتضي "التوقع"بالنسبة للمستقبل، والعمل على أساس من ذلك التوقع. والله جعل لنا كذلك "سنناً كونية"تعيننا على ذلك التوقع: منها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم﴾ . ومنها: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ . ومنها: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .. فمن خلال هذا وذاك.. نستطيع بعون الله.. دون رجم بالغيب.. أن نرسم صورة المستقبل من خلال الأحداث، ثم نحاول من خلال الإيمان.. ١- المستقبل من خلال الأحداث: من خلال الأحداث يستطيع المجتهد أن يستنبط ما يلي: أ- لا مسقبل لفلسطين: ذاك منطق الأحداث وتوقعاتها.. إن الصهيونية وضعت أقدامها وأنّى لها أن تتزحزح..

стр. 7852

وأنها في كل جولة تكسب الجديد، فتنقلب مطالبة العرب بالجديد وتنسى القديم، وهو ما نراه من مطالبة العرب بالجلاء عن الأراضي التي احتلت سنة ١٩٦٧.. وكأن الاحتلال الذي تمّ قبل سنة ١٩٦٧ قد صار شرعيا وحقا مقررا لليهود.. وفي الجولة القادمة - إن بقيت الأوضاع على ما هي عليه - تكون أراضى ١٩٦٧ أمرا شرعيا وحقا مقررا لليهود، وتكون المطالبة بالأراضي التي احتلت بعد ذلك.. والمجتمع الدولي - بتأثير الصهيونية والصليبية العالمية - يضفي الشرعية ويحرسها في كل توسع صهيوني..؛ فالمجتمع الدولي- بالتأثير السابق- هو الذي قسم أرض فلسطين سنة ١٩٤٧ بين اليهود والعرب.. وكانت من قبل خالصة للعرب وحدهم، ولم يكن لليهود فيها أدنى نصيب.. والمجتمع الدولي هو الذي عاد بعد ذلك يصدر القرار ٢٤٢ والقرار المعدل؛ ليعترف بفلسطين كلها لليهود وليطالبهم فقط بالجلاء عن الأراضي العربية الأخرى التي احتلتها إسرائيل علاوة على فلسطين سنة١٩٦٧، وغدا تحتل إسرائيل أراض أخرى فيكون قرار المجتمع الدولي الاعتراف بالأراضي القديمة والمطالبة بالجلاء عن الجديد. ومثل أخير.. إن القدس المسلمة قبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمين فيها.. تعلن أنها عاصمتها وأنها لا تتنازل عنها، وتعلن أمريكا تأييدها لها في ذلك.. وهكذا ... ب- المستقبل للصهيونية: المستقبل للصهيونية إن بقيت الأوضاع على ما هي عليه؛ فالسنن الكونية تعمل في جانب من يعمل، ولا تعمل في جانب من يتقاعد أو يتكاسل أو يتجابن.. وواضح أن الصهيونية تعمل.. مخططة.. ثم منفذة.. وأن العرب والمسلمين.. يتصايحون.. ويكتفون بالصياح.. ويتسابّون فيما بينهم ويتقاتلون كذلك فيما بينهم؛ أشداء على المؤمنين رحماء باليهود، أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين.. والصهيونية.. كما يبين من مخططاتها.. لا تكتفي بفلسطين.. إنما تحلم بالدولة الكبرى من الفرات إلى النيل..

стр. 7853

وتحلم من بعدها بسيادة العالم كله.. وخطواتها التنفيذية تؤكد أنها تنقذ ما تحلم به وما تخطط له.. ونجاحها فيما مضى قد يكون دليلا على نجاحها فيما بقي.. وإذن فأرض الكنانة في مصر مهددة.. ومسجد رسول الله ﷺ في المدينة مهدد كذلك.. هذا كله.. بشرطين: - أن تبقى أوضاعنا على ما هي عليه.. أن تبقى السنن الكونية تحدث تأثيرها.. لكن حتى يكون.. تقويمنا.. صحيحا لابد من النظرة الأخرى.. فلها نعيش.. ٢- المستقبل من خلال الإيمان: النظرة الإيمانية تختلف كثيرا عن النظرة من خلال الأحداث وحدها، وهى في اختلافها تقوم على أسس مغايرة: ١- أن الله سبحانه خالقَ السن الكونية قادرٌ على أن يعطلها أو يغيرها، فمن السنن الكونية أن النار تحرق.. لكن إرادة الله حين شاءت.. جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم.. ومن السنن الكونية أن الماء يغرق.. لكن إرادة الله حين شاءت.. فرقت البحر فرقين، ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ .. ٢- إلى جوار السنة الكونية ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ؛ فان مفهوم المخالفة.. أنهم إذا غيروا ما بأنفسهم غير الله ما بهم، مؤكدا قوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ . ومن هنا المنطلق.. ومن هنا يبدأ العلاج.. إن كنا نريد عودة فلسطين.. ونضع بعون الله الشروط: أ- لابد من التغيير؛ من القمة إلى القاعدة.. من الرأس إلى القدم.. لابد من تغيير كلى.. لما بأنفسنا.. حتى يغير الله ما بنا. ب- لابد أن يكون التغيير على أساس الإسلام..؛ لأن التغيير من غير إسلام.. لا يكون معه نصر الله.. ولا يكون هر التغيير الذي عناه الله..

стр. 7854

وقد رأينا أنهم حين أرادوا سلب فلسطين أبعدوا الإسلام عن المعركة، وتمثل ذلك في إنشاء الجامعة العربية (بديلا وامتصاصا للجامعة الإسلامية) ، قبل إعلان دولة اليهود بثلاث سنين.. ثم تمثل دخول الجامعة العربية وجيوشها لتكون حائلا دون تحرك جيوش إسلامية أخرى.. ففيها الغناء والكفاء. ثم تمثل في التآمر على العناصر الإسلامية التي بدأت خوض المعركة للحيلولة دون نزولها بثقلها إلى المعركة.. وقبل ذلك كله تآمرهم على دولة الخلافة الإسلامية؛ تنفيذا لما قالوه من أن الأفعى اليهودية لابد أن تمر بالآستانة في طريقها إلى إسرائيل.. وعلى ذلك فإذا كانت فلسطين قد استلبت لمّا أبعد الإسلام عن المعركة؛ فإنها لن تعود إلا إذا عاد الإسلام إلى المعركة.. والإسلام فوق ما قدمنا يقدم: ثقلا عقديا يغير الكيفية التي تدار بها المعركة ويغير نتيجتها.. ثقلا بشريا..؛ ولهذا أثره في استراتيجية الحروب. ثقلا سياسيا.. بوقوف الدول الإسلامية كلها - بدلا من الدول العربة المحدودة - خلف المعركة. ثقلا اقتصاديا.. بوقوف الدول الإسلامية - وهى اليوم أغنى دول العالم - خلف المعركة.. ومن قبل ذلك ومن بعد ذلك.. ما أشرنا إليه من نصر الله الذي لا يتنزل إلا على نوعية معينة.. ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾ .. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ .. آيات في حفظ اللسان ١- قال الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ .

стр. 7855

٢- ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ . ٣- ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ .. -------------------------------------------------------------------------------- [١] كثر استعمال كملة (الشرعية) على أقلام الكتاب بغير المعنى (الشرعي) ، ولعل من الخير استعمال كلمة (القانونية) بدلا عنها. "المجلة". [٢] الشرق الأوسط في مشكلات العالم: ص.٧٧-٧٨. [٣] انطونيوس: تغطية العرب: ص ٢٠٨، مشار إليه في كتاب (العرب واليهود) للمستشار محمد عبد الرحمن حسين ١٠٥. [٤] يرجع بعض المحققين تاريخ المرحلة الأولى إلى ما قبل ألفي عام، وذلك بتكوين النواة الأولى بالجمعية الماسونية. انظر: ذيل (تعقيب لا تثريب) في هذا العدد - المجلة-. [٥] راجع البلاغ الكويتية عدد ٤٣١، ٢٤ ذي الحجة ١٣٩٧هـ. [٦] ترجمة برتوكولات صهيون ص ٢١٦-٢١٧ محمد خليفه التونسي. [٧] مقدمة كتاب (تهويد فلسطين) للدكتور إبراهيم أبو الغد ص ١٣-١٤.

стр. 7856

كيف سلمت الدولة الإسلامية من تآمر يهود بني قريظة وخيبر عليها لفضيلة الدكتور جاد محمد أحمد رمضان رئيس قسم التاريخ بالجامعة الإسلامية عندما هاجر الرسول ﷺ إلى يثرب وادع اليهود الذين كانوا من بين سكانها، وعاهدهم وأمنهم على أموالهم ومواليهم، ومنحهم حرية الاعتقاد؛ فمن تبع المسلمين منهم فله ما للمسلمين من الحقوق وعليه ما عليهم من الواجبات. واشترط عليهم أن يكونوا مع المسلمين على من هاجم المدينة أو حارب أهلها، على أن يتحملوا نفقتهم ما داموا محاربين، كما يتحمل المسلمون الإنفاق على أنفسهم كذلك. ولكن اليهود - كما هو شأنهم - نقضوا عهدهم وخانوا حلفاءهم، وكان أول من خان وغدر بنو قينقاع؛ فأجلاهم الرسول ﷺ عن المدينة، وتلاهم في الخيانة والغدر بنو النضير؛ فكان جزاؤهم مثل جزاء من سبقهم. ولما رأى بنو النضير أنفسهم عاجزين عن منازلة المسلمين في معركة مكشوفة لجئوا إلى التآمر، وراحوا يستعينون بغيرهم من أعداء الإسلام لعلهم ينجحون في الانتقام من النبي ﷺ ومن تبعه من المسلمين.

стр. 7857

وذهب حيي بن أخطب وسلاّم بن أبي الحقيق ونفر من زعماء بنى النضير ووجوههم إلى مكة؛ لتحريض قريش على مهاجمة المدينة، وقالوا لهم: سنكون معكم عليه حتى نستأصله، وكأنما قريش تشككوا في نية اليهود فترددوا في ممالأتهم على محمد ﷺ ، وهو عربي مثلهم، أو كأنما تشككوا في أمر دينهم فأرادوا أن يطمئنوا إلى حقيقة أمره، ويوازنوا بينه وبين الإسلام الذي يدعو إلى الوحدانية ومكارم الأخلاق، كما أرادوا أن يتبينوا موقفهم منه ﷺ ، وهل هم على حق في حربهم له أم على باطل؟ فقالوا:"يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ فدفعهم حب الانتقام والرغبة في إغراء قريش بحربه إلى تمويه الحقائق وتشويهها؛ فقالوا: بل دينكم خير من دينه؛ فأنتم أولى بالحق منه". وهكذا شهد اليهود هذه الشهادة الفاجرة؛ حيث شهدوا بأن الشرك خير من التوحيد، وأنكروا ما جاءت به التوراة من وحدانية الله والنهي عن الإثم والفواحش؛ فأنزل الله فيهم قوله جل شأنه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ . فلما قال اليهود ذلك لقريش سرّهم وحفوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ ، واستعدوا لذلك.

стр. 7858

تم ذهب هؤلاء النفر إلى غطفان ودعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وأخبروه أن قريشا قد بايعوهم على ذلك، وتعهدوا لزعماء غطفان بأن يعطوهم ثمار خيبر من النخيل سنة إذا تم لهم النصر على المسلمين؛ فاستجابت غطفان بجميع بطونها لهم، ثم أخذوا يحرضون كل من له ثأر عند المسلمين على حربهم حتى بلغ جيش الحلفاء عشرة آلاف مقاتل، وتولى القيادة العامة أبو سفيان بن حرب، وسار الجيش إلى المدينة في شوال لسنة خمس من الهجرة. ولما علم رسول الله ﷺ بعزم قريش ومن معهم على مهاجمة المدينة أخذ برأي سلمان الفارسي، وأمر بحفر خندق في شمال المدينة، وكانت هي الجهة المكشوفة التي يستطيع العدو أن يدخل منها. وحفر الخندق وراء جبل سلع، وعمل رسول الله ﷺ في الحفر بنفسه، وتم الحفر بغاية السرعة، وكانت جهات المدينة الأخرى حصينة منيعة؛ حيث كانت ظهور بيوتها من ناحية الجنوب متلاصقة عالية كالسور المنيع، وكانت حرة الوبرة ناحية الغرب وحرة داقم ناحية الشرق كالحصن الطبيعي، وكانت آكام بني قريظة في الجنوب الشرقي من المدينة؛ ولا يمكن دخول العدو منها إلا برضى بني قريظة؛ وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد أن لا يمالئوا عليه أحدا ولا يناصروا عليه عدوا.

стр. 7859

ووصل الحلفاء إلى المدينة وضربوا عليها الحصار، ووقف الفريقان أما الخندق وجها لوجه: المسلمون على قلة عددهم وضعف عدتهم، والمشركون على كثرتهم وتمام عدتهم، وطال الحصار ولم ينل الأحزاب منالا من المسلمين، وخاف حيي بن أخطب أن تسأم قريش وغطفان طول المقام فيرجعون إلى ديارهم وبذلك تفلت الفرصة من يده، ورأى أن الأحزاب لن يتمكنوا من دخول المدينة إلا من ناحية بني قريظة وكان هؤلاء لا يزالون على عهدهم لرسول الله ﷺ ؛ فلابد أن يغريهم حيى بنقض العهد حتى يسهلوا للأحزاب مهمة اقتحام المدينة؛ فذهب إلى زعيمهم كعب بن أسد فأغلق كعب دونه باب حصنه؛ فأخذ حيى يحتال عليه حتى فتح له فدخل عليه وقال: "يا كعب إنما جئتك بعز الدهر: جئتك بقريش وسادتها وغطفان وقادتها قد تعاهدوا على أن يستأصلوا محمدا ومن معه"، فقال كعب "جئتني - والله - بذل الدهر وبجهام لا غيث فيه، ويحك يا حيي دعني فلست بفاعل ما تدعوني إليه؛ فإني لم أر من محمد إلا وفاءا وصدقا"، فلم يزل حيى بكعب حتى اتفق معه على خيانة المسلمين والانضمام إلى الأحزاب. وبلغ الخبر رسول الله ﷺ فأرسل إلى بني قريظة سعد بن معاذ سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج في نفر من أصحابه وقال لهم: "انطلقوا إلى بني قريظة؛ فإن كان ما قيل لنا حقا فألحنوا لنا لحنا [١] ولا تفتوا في أعضاء الناس، وإن كان كذبا فاجهروا به للناس". فانطلق الوفد إلى محلتهم، فوجدهم قد تغيروا عما كانوا عليه ونالوا من رسول الله ﷺ وقالوا: "لا عهد له عندنا"؛ فجعل سعد بن معاذ يدعوهم إلى الوفاء ويحذرهم عاقبة الخيانة والغدر، وكان مما قاله لهم: "أخشى عليكم يوم بني النضير وأمرّ منه"، فردوا عليه ردا قبيحا، وشاتموه وشاتمهم، فقال له سعد بن عبادة: "دع عنك مشاتمتهم فالذي بيننا وبينهم أكثر من ذلك".

стр. 7860

ثم رجع الوفد إلى رسول الله ﷺ ، وفي جمع من المسلمين فأخبروا - بطريق الكناية - أن ما بلغه من غدر بني قريظة صحيح.. وعلى الرغم من تكتم رسول الله ﷺ للخبر فإنه وصل إلى المسلمين؛ فاشتد البلاء وعظم الخوف وزاد الكرب وكانت حالهم كما وصفها القرآن ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ . فلما رأى رسول الله ما بالناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول لهم: "والذي نفسي بيده ليفرجن الله عنكم ما ترون من الشدة، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا، وأن يدفع الله إلي مفاتيح الكعبة، وليهلكن كسرى وقيصر، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله ". وقد رجع حيى بن أخطب إلى المشركين وأخبرهم بنجاحه في حمل بني قريظة على الغدر بالمسلمين؛ فقويت روحهم المعنوية. وكان بنو قريظة قد اتفقوا مع حيى بن أخطب أن يعطيهم مهلة عشرة أيام يستعدون فيها على أن تشتد كتائب الأحزاب في مناوشة المسلمين خلال هذه الفترة حتى يشغلوهم عن بني قريظة، وقد اشتد المشركون في مناوشتهم للمسلمين حتى أجهدوهم. وتهيأ بنو قريظة للإغارة على المدينة ليلا؛ فعلم رسول الله ﷺ بذلك فبعث سلمة بن أسلم في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة من جهة بني قريظة، وكان الخوف على من بالمدينة من النساء والأطفال من بني قريظة أشد من الخوف عليها من قريش وغطفان.

стр. 7861

وظل الأمر على ذلك بضع عشرة ليلة؛ فتفاوض الني ﷺ مع زعماء غطفان في أن ينصرفوا عن المدينة على أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة، ولم يبت في الأمر حتى يأخذ رأي الأنصار؛ فلما استشارهم في ذلك قالوا: يا رسول الله! أمر تحبه فنصنعه أم شيئا أمرك الله به لابد من العمل به أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم [٢] من كل جانب؛ فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما"، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله! قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم"، قال رسول الله ﷺ : "فأنت وذاك"، فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتابة ثم قال: ليجهدوا علينا. وقد جعل الله لرسوله وأصحابه من هذه الشدة فرجا ومخرجا؛ فساق إليهم نعيم بن مسعود الأشجعي من غطفان فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي؛ فمرني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ : "إنما أنت فينا رجل واحد؛ فخذل عنا إن استطعت؛ فإن الحرب خدعة".

стр. 7862

فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة - وكان لهم نديما في الجاهلية - فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودّي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت! لست عندنا بمتهم، فقال: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم؛ البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره؛ فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة [٣] أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم؛ فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا محمدا حتى تناجزوه، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي. ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: لقد عرفتم ودي لكم وفراقي محمداً، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم؛ فاكتموا عني، فقالوا: نفعل، قال: أتعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا ندمنا على ما فعلنا؛ فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين: من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؛ فأرسل إليهم أن نعم؛ فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان! إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهمونني! قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، فما أمرك؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.

стр. 7863

وكان من حسن الحظ أن أرسل أبو سفيان ورءوس غطفان إلى بني قريظة ليلةَ سبتٍ عكرمةَ بن أبي جهل في نفر من قرش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام وقد هلك الخف والحافر؛ فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسل بنو قريظة إليهم: إن غدا يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نتاجز محمدا؛ فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا به. فلما رجعت الرسل إلى قريش وغطفان بما قال بنو قريظة قالوا: والله إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق، وأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع لكم رجلا واحدا من رجالنا؛ فان كنتم تريدون القتال فاخرجوا قاتلوا، فقال بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق؛ ما يريد القوم إلا أن تقاتلوا فإذا رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطغان: إنا والله لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا؛ فأبوا عليهم وخذل الله بينهم، وبعث عليهم الريح في ليالي شاتية باردة شديدة البرد؛ فجعلت تكفأ قدورهم وتقتلع خيامهم؛ فلم يروا بدا من الرحيل عن المدينة ورحلوا عنها. وهكذا فعلت حيلة نعيم بن مسعود ما لم تفعله الجحافل الكبيرة؛ فشككت كلا من بني قريظة والأحزاب في نوايا بعضهم البعض وحالت بينهم وبين الاتفاق على خطة موحدة يقتحمون بها المدينة ويقضون بها قضاءا مبرما على الدولة الإسلامية الناشئة.

стр. 7864

إنها رحمة من الله أن ساق للمسلمين - في أحرج الظروف - نعيم بن مسعود، وإلهام منه جلّ شأنه لنعيم حيث وفقه إلى حيلة فرقت كلمة اليهود والمشركين وأوهنت عزيمتهم، ونجّت المسلمين من شرهم، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً، وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ . لم يكن هناك أي سبب يدفع بني قريظة إلى خيانة المسلمين والغدر بهم إلا الحقد الكامن في نفوس اليهود؛ فقد حافظ المسلمون على عهدهم لبني قريظة ولم يقدموا إليهم أي إساءة ولم تبدر منهم أي بادرة تدل على عدم الوفاء لهم؛ يشهد لذلك رد كعب بن أسد سيدهم على حيى بن أخطب حينما أغراه بنقض العهد مع رسول الله ﷺ حيث يقول له: ويحك يا حيى دعني! فلست بفاعل ما تدعوني إليه؛ فإني لم أر من محمد إلا وفاءا وصدقا. فلو كان المسلمون قد حادوا قيد أنملة عن الوفاء لبني قريظة لكان لهم بعض العار أن يغدروا بهم وينحازوا إلى عدوهم، أما وقد وفوا لهم أكمل الوفاء وحافظوا على عهد أتم المحافظة فما كان ينبغي لهم أن يغدروا بهم في أحرج الأوقات وأشد الأزمات غدرا كان فيه فناؤهم والقضاء على دعوتهم وإبادة دولتهم، مع أن نصوص العهد كانت تلزمهم بالدفاع عن المدينة مع المسلمين جنبا إلى جنب؛ لحمايتها من المغيرين وعدوان المعتدين، لا أن يتعاونوا مع الأعداء على اقتحامها ويساعدوهم على الفتك بأهلها.

стр. 7865

إن موقف بني قريظة من المسلمين كان موقف نقض فاجر للعهد وغدر دنيء بمن وفوا لهم وخيانة آثمة لمن إئتمنوهم؛ حتى لقد استنكره بعض عقلاءهم في حوار لهم مع حيى بن أخطب حيث قالوا: إذا لم تنصروا محمدا فدعوه وعدوه، لكن الأغلبية الغالبة منهم استجابت لوسوسته وطعنت المسلمين من خلفهم طعنة كادت أن تؤدي بكيانهم وتمحوا دعوتهم. فما الذي كان ينبغي أن يقابل به الرسول ﷺ هذا الغدر وهذه الخيانة من جانب بني قريظة، إنه لم يكن من المعقول أن يترك هؤلاء يعيثون في المدينة فسادا أكثر مما عاثوا، ومن يُدري النبي ﵊ أنهم لن يحاولوا إثارة الأعداء على المسلمين مرة أخرى، ويدعوهم إلى مهاجمة المدينة في غير فصل الشتاء الذي كان له بعض الأثر في تقصير أمد حصارها وإحباط الخطة التي دبروها لاقتحامها؟! كان لابد أن يحاسب النبي ﷺ بني قريظة على ما اقترفوه من جرم وارتكبوه من إثم؛ فلم تمض ساعات على جلاء الأحزاب عن المدينة حتى أمر أصحابه بالتوجه إلى حصونهم في الجنوب الشرقي المدينة، ودفع اللواء إلى علي بن أبي طالب وأمره أن يتقدم بين يديه إلى بني قريظة في نفر من المهاجرين والأنصار؛ فأساء اليهود استقبالهم وأخذوا يشتمون رسول الله وأزواجه فلم يردّ عليهم المسلمون بأكثر من قولهم: السيف بيننا وبينكم. ثم ركب ﷺ في نفر من أصحابه - إلى بنى قريظة؛ فأدركوا من كان هناك من المسلمين، فلما رأى اليهود رسول الله ﷺ تحصنوا بحصونهم؛ فحاصرهم الرسول والمسلمون خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب؛ فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه أن يخرجوا بنسائهم وأبنائهم وما حملت الإبل من أموالهم كما خرجت بنو النضير؛ فأبى عليهم ذلك فأرسلوا إليه أن يخرجوا بنسائهم وأبنائهم بلا مال ولا سلاح فأبى ﷺ إلاّ أن ينزلوا على حكمه.

стр. 7866

وأشار عليهم زعيمهم كعب بن أسد أن يدخلوا في الإسلام، وذكرهم بما عندهم من العلم بنبوة محمد ﷺ ؛ فلم يقبلوا مشورته فأشار عليهم أن يخرجوا ليلة السبت والمسلمون آمنون فيبيتوهم؛ فقالوا: لا نحل السبت، ولم يتفقوا على رأي. ولما اشتد الحصار عليهم أرسلوا إلى رسول الله ﷺ :"أن أبعث أبا لبابة لنستشيره في أمرنا، فأرسله إليهم. وأبو لبابة هو رفاعة بن عبد المنذر الأوسي الأنصاري، وكان بنو قريظة حلفاء الأوس. فلما رأوه قام إليه الرجال وأجهش له النساء والأطفال بالبكاء؛ فرقّ لهم وقالوا له: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقة؛ يشير بذلك إلى أنهم إن نزلوا على حكم النبي ﷺ سيذبحون، قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي عن مكانها حتى عرفت أني قد خنت الرسول ﷺ ، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله وذهب إلى المسجد وربط نفسه إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله على ما صنعت، وعاهد الله ألا يدخل محلة بنى قريظة أبدا ولا يرى في بلد خان الله ورسوله فيه أبدا.

стр. 7867

فلما بلغ رسول الله خبره - وكان قد استبطأه - قال: "أما أنه لو جاءني لاستغفرت له؛ فإذا قد فعل ما فعل فما أنا بالذي يطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه"، ومكث أبو لبابة ست ليال لا يذوق طعاما ولا شرابا، وكانت امرأته تأتيه في كل وقت صلاة فتحله حتى يصلى، ثم تربطه إلى عمود المسجد كما كان، حتى خرّ مغشيا عليه وقد أنزل الله توبته على رسوله ﷺ بقوله جل بشأنه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، فأقبل الناس على أبي لبابة يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن يحلوه فأبى حتى يكون رسول الله هو الذي يحله بنفسه؛ فلما ذهب الرسول إلى المسجد حله، فقال يا رسول الله: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي.. فقال ﷺ : "يجزيك الثلث أن تتصدق به". أما بنو قريظة فقد نزلوا حكم رسول الله؛ فشفع فيهم الأوس عند رسول الله ﷺ وقالوا: إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالى إخواننا بالأمس ما قد علمت، يشيرون إلى معاملة رسول الله لبنى قينقاع وبني النضير؛ فقال رسول الله صلى الله وسلم "ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم"؟.. قالوا: بلى، قال رسول الله: "فذاك إلى سعد بن معاذ".

стр. 7868

وكان سعد قد أصيب في ذراعه بسهم وقت حصار المدينة فقع أحد عروقه؛ فنقل إلى خيمة امرأة تدعى (رفيدة) ، كانت لها خيمة في المسجد تداوي بها جرحى الصحابة احتسابا، وكان رسول الله ﷺ كثيرا ما يعوده، فلما حكمه في بني قريظة أتاه رجال من الأوس حملوه على حمار فقدموا به إلى رسول الله وأخذوا يقولون له في أثناء سيرهم: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك؛ فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد ألاّ تأخذه في الله لومة لائم. ولما انتهى سعد إلى مجلس رسول الله قال ﵊ لأصحابه: "قوموا لسيدكم"، فقاموا إليه وقالوا له: يا أبا عمرو! إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن أحكم فيهم بما حكمت، قالوا: نعم، ثم التفت إلى الناحية التي فيها رسول الله وهو خافض الطرف إجلالا للرسول وقال: وعلى من هنا، قال رسول الله: نعم، ثم قال سعد لبنى قريظة: أترضون بحكمي؟ قالوا: نعم، فأخذ عليهم عهد الله وميثاقه أن الحكم ما حكم به، ثم قال: إني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذرارى والنساء، فقال رسول الله ﷺ لسعد: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات". ثم خرج رسول الله إلى سوق المدينة وأمر أن تحفر فيها خنادق، ثم أمر بإحضار رجال بنى قريظة، فجيء أرسالا، فضربت أعناقهم ودفنوا في الخنادق، ولما جاء دور حيى بن أخطب - وكان قد دخل مع بنى قريظة حصونهم - نظر إليه رسول الله ﷺ وقال: "ألم يمكن الله منك يا عدو الله"، قال: بلى أبى الله إلا أن يمكنك منى، والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكن من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله؛ كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بنى إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه.

стр. 7869

وقد اختلف المؤرخون في تقدير عدد من قتل من بنى قريظة؛ فمنهم من قدرهم بأربعمائة، ومنهم من قدرهم ما بين الستمائة والسبعمائة، ومنهم من قدرهم ما بين الثمانمائة والتسعمائة، وقد أسلم من بني قريظة ثلاثة رجال؛ فأمنهم رسول الله على أنفسهم وأهليهم وأموالهم. وأمر رسول الله بالذرارى والنساء فنقلوا إلى المدينة، وأمر بالسلاح والأموال فحملت إليها، أما الإبل والغنم فتركت حيث هي ترعى في المراعى، ثم قسم الأموال والنساء والذراري على المسلمين، ولم يفرق في القسم ولا في البيع بين النساء والذرية، وقال: "لا يفرق بين الأم وولدها حتى يبلغوا"، وأرسل بعض السبايا إلى نجد والشام؛ فبيع واشترى بثمنه سلاح وخيل للمسلمين. لقد جرّ بنو قريظة أنفسهم إلى هذا الحكم الذي حلّ بهم؛ فأودى بحياة رجالهم وسلبت نسائهم وأولادهم نعمة الحرية، ولو أنهم ثبتوا على عهدهم لما أصابهم ما أصابهم، ولظلوا آمنين في ديارهم، لكنها الأحقاد تدفع الناس إلى الهلاك وتسوقهم إلى الفناء. إن الجزاء الذي حل ببني قريظة من جنس عملهم؛ فلو قدر للأحزاب أن ينجحوا في اقتحام المدينة لصار المسلمون إلى هذا المصير الذي صار بنو قريظة إليه، وهل كان في وسع النبي ﷺ أن يعاملهم كما عامل بني قينقاع وبنى النضير من قبل؛ فيكتفي بإبعادهم عن المدينة كما أبعد أولئك؟ لا! لم يكن في إمكانه ذلك لأن التجربة أثبتت أن الإبعاد لا يكفي؛ فقد يجيّشون الجيوش ويستعدون القبائل على الرسول وأصحابه كما حدث في المرة السابقة.

стр. 7870

ثم إن طبيعة الجريمة التي اقترفها بنو قريظة تختلف عن جريمة كل من بنى قينقاع وبنى النضير؛ نعم إن الجرائم كلها جرائم خيانة وغدر لا مبرر لها، غير أن جريمة بنى قريظة كانت أشد خطرا من الجريمتين السابقتين؛ لأن المسلمين كانوا في كل منها في حال تمكنهم من الدفاع عن أنفسهم، أما موقفهم وقت جريمة بنى قريظة فقد كان محفوفا بالخطر من جراء الحصار المحكم الذي ضربه الأحزاب حول المدينة؛ فلم يكن في إمكانهم أن يدافعوا عن أنفسهم، ولولا عطف الله بهم لأبيدوا عن آخرهم. لذلك لم يكن في الإمكان الإبقاء على هؤلاء؛ حتى يرسموا خطة أحكم ويدبروا مكيدة أنكى يقضون بها على دولة الإسلام، ويفتنون الناس عن دينهم ويعيدونها جاهلية كما كانت قبل ظهور النبي ﵊. لقد كان في وسع هؤلاء الذين عرضوا أنفسهم للقتل، وأسلموا نسائهم وأولادهم للسبي، وعرضوا أموالهم للضياع؛ كان في وسعهم ألا يتعرضوا لما تعرضوا له لو أنهم أسلموا كما أسلم الثلاثة من منهم؛ فأمنهم الرسول ﵊ على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، لكنه الغي المودى بأهله في النار والعناد المفضي بأصحابه إلى الدمار. ليتهم ثابوا إلى رشدهم كما ثاب هؤلاء الثلاثة، وأقلعوا عن غيهم كما أقلعوا، وتخلّوا عن عنادهم كما تخلوا؛ إذن لعصموا دماءهم وأموالهم من رسول الله، وكان أجرهم على الله، ولما عرّضوا نساهم وأولادهم للرق وساقوهم إلى الذل وأسلموهم للهوان أبد الدهر. إن قوانين الحرب وقوانين السلم على السواء تقرّ ما فعله النبي ﷺ ببني قريظة؛ لأنه عقاب عادل وإجراء وقائي سليم لحماية المسلمين من شرهم ووقايتهم من كيدهم، حتى يتمكنوا من نشر دعوة الحق وإقرار الأمن والسلام على ربوع الأرض، وإزالة الفحشاء والمنكر من جميع أصقاعها.

стр. 7871

إن المسؤول الأول عما أصاب هؤلاء التعساء من كوارث، وما حلّ بهم من نكبات هو حيى بن أخطب؛ فهو الذي زين لهم الخيانة وأغراهم بالنكث وحملهم على الغدر، ولا يعفيه من المسؤولية أنه قتل معهم؛ فهو سبب هلاكهم ومعول خرابهم، كما أنه تسبب في إساءتهم الظن بمن بعده من اليهود. هذا ما صرح به سلاّم بن مشكم أحد بنى النضير عندما بلغه خبر بنى قريظة، حيث قال: هذا كله عمل حيى بن اخطب، لا قامت يهودية بالحجاز أبدا. وما تنبأ به كعب بن أسد حينما دق عليه حيى بن أخطب بابه يغريه بنقض العهد؛ فأجاب: ويحك يا حيى! إنك امرؤ مشئوم؛ جئتني والله بذل الدهر وبجهام لا غيث فيه. ومهما يكن فقد قضت هذه الغزوة القضاء الأخير على قبائل اليهود في المدينة، وحرمت المنافقين من حليف كان يؤازرهم في الإساءة إلى المسلمين؛ فكسرت شوكتهم وخفت حدتهم وقل خطرهم، وقوي جانب المسلمين بما خلفه لهم بنو قريظة من أدوات القتال، واستغنوا بما امتلكوه بعدهم من أموال؛ فتمكنوا من توسيع أفق الدعوة الإسلامية، ونشطوا لنشر النور والهداية بين البرية. غزوة خيبر تقع خيبر في شمال المدينة على بعد مائة ميل منها، وهى واحة كبيرة خصبة، بها نخل كثير ومزارع واسعة وحصون عالية مقامة بين النخيل والحقول، على مرتفعات من الأرض تزيدها حصانة ومناعة؛ لذلك ظن اليهود أن الرسول ﷺ لن يستطيع غزوها. وقد اتخذها اليهود وكرا لهم بعد غزوة بنى قريظة؛ يدبرون منه المكائد ويحيكون المؤامرات ويوجهون الدسائس إلى قبائل العرب يحرضونهم على حرب المسلمين؛ يدفعهم إلى ذلك الحقد المتأصل في نفوسهم للنبي ﷺ ودعوته، والغل في قلوبهم للإسلام والمسلمين، وغريزة الأخذ بالثأر لمن قتل من بنى قريظة.

стр. 7872

ولم يعتبر أهلها بما حلّ بمن سبقهم من ذل وما نزل بساحتهم من كرب وغم، ولم يزدجروا بما أصابهم من قتل وفناء؛ لأن عداوة الرسول ودعوته كانت نزعة سيطرت على مشاعرهم وفكرة تمكنت من عقولهم؛ فلم يقبلوا أن يعيشوا في وئام وسلام مع المسلمين، وتواصى سادتهم وزعماؤهم على الكيد للإسلام والتنكيل بالمسلمين، وكان دستورهم في ذلك ما قاله زعيمهم حيى بن أخطب حين سئل عن موقفه من رسول الله حين وصوله إلى المدينة: عداوته والله مما بقيت. وقد بذل حيي كل ما يستطيع من الكيد للإسلام ولبني الإسلام، ولكنه لم ينل ما أراد، وحاق به أشد العقاب مع من استجاب له من بنى قريظة، فقاد بعده حملة الكيد أبو رافع سلام بن أبي الحقيق، وبذل ماله واستخدم نفوذه ليكوّن حلفا ضد المسلمين؛ فلم تتحقق أمنيته، ولما لقي مصرعه حمل الراية بعده أسير بن رزام؛ فاتبع خطواته وتفاوض مع غطفان ليتحالف معهم ضد المسلمين.

стр. 7873

وهكذا كانت حياة اليهود مع المسلمين سلسلة من الأحقاد والضغائن لا تنقطع، ولكن رسول الله ﷺ لم يشأ أن يجاري اليهود في عداوتهم، وكان يحاول مخلصا أن يصلح ما بينه وبينهم؛ فلما علم أن أسير بن رزام يعدّ لحرب المسلمين أرسل إليه يدعوه إلى السلم والموادعة، لعله يثوب إلى رشده ويرجع إلى صوابه فيجنب قومه ويلات الحرب وما تجره من الخراب والدمار، وكان الوفد الذي بعثه إليه مكونا من ثلاثين رجلا من الأنصار بزعامة عبد الله بن رواحة؛ فلما قدموا خيبر دخلوا عليه وقالوا له: هل نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له؟.. قال: نعم! ولي منكم مثل ذلك، قالوا: نعم، ثم عرضوا عليه أن يترك ما عزم عليه من حرب، وأن يقدم إلى رسول الله ليحالفه ويوليه خيبر، ويعيش أهلها في سلام مع المسلمين؛ فاستجاب لذلك أول الأمر وخرج مع المسلمين في ثلاثين رجلا من اليهود متجها إلى المدينة، ولما قطع مرحلة من الطريق ندم على خروجه وهمّ بالغدر بمن معه من المسلمين، وأهوى إلى سيف عبد الله بن رواحة يريد أن ينتزعه منه ليقتله؛ ففطن لذلك عبد الله وقال له: أغدرا يا عدوّ الله؟ تم نزل فضربه بالسيف ضربة أطاحت فخذه بساقه فسقط عن بعيره، ولم يلبث أن هلك، ومال المسلمون على من كان معه من اليهود فقتلوهم. وخلفه في زعامة خيبر سلام بن مشكم؛ فكان رأيه كرأي سلفه في معاداة المسلمين والتأهب لحربهم؛ وهكذا ظلت فكرة الغدر مبيتة عند اليهود. فلما عقدت هدنة الحديبية بين رسول الله وبين قريش وأمن كل منهما جانب الآخر يئس اليهود من محالفة العرب ضدّ المسلمين، وأحسوا بالخطر يتهددهم؛ فبادروا إلى تأليف حلف منهم يجمع خيبر ووادي القرى وتيماء، وعزموا على مهاجمة المدينة. بلغ رسول الله ما اعتزمه اليهود فقرّر أن يفاجئهم قبل أن يباغتوه.

стр. 7874

ويقول بعض الرواة إن عبد الله بن أبي أرسل إليهم بما يعتزمه النبي ﷺ من حربهم؛ فأعدوا عدتهم لصدّه وأدخلوا أموالهم وعيالهم في حصون (الكتيبة) ، وحشدوا المقاتلين في حصون (النطاة) . وكانت بلاد خيبر مقسمة إلى ثلاث مناطق حربية، في كل منطقة عدة حصون منيعة: الأولى: منطقة النطاة، وأهمّ حصونها حصن ناعم وحصن الصعب بن معاذ وحصن الزبير. والثانية: منطقة الشق، وأهمّ حصونها حصن أبي وحصن البريء. والثالثة: منطقة الكتيبة وأهم حصونها حصن الوطيح وحصن السلالم وحصن القموص. وكان يهود خيبر أقوى الطوائف الإسرائيلية وأكثرها سلاحا وأوفرها مالا، لكنهم - ككل اليهود - يغلب عليهم الجبن ولا يجرؤن على القتال في الميادين المكشوفة ولا يحاربون إلاّ أمام حصونهم، حتى إذا انهزموا تسللوا إلى الداخل وأغلقوا عليهم. وقد عرف الرسول فيهم هذه الطبيعة فأعد للأمر عدته، واتجه ﵊ إلى خيبر في المحرم من السنة السابعة على رأس ألف وستمائة من المسلمين، بينهم مائتان من الفرسان، وجدّ في السير حتى قطع المسافة بينها وبين المدينة في ثلاثة أيام ووصل إليها في فجر اليوم الرابع، ونزل بوادي يسمى (الرجيع) على طريق غطفان؛ ليحول بينهم وبين إمداد أهل خيبر؛ لأنهم كانوا محالفين لهم. وعسكر النبي ﵊ قريبا من حصون النطاة، فقال له الحباب بن المنذر: إن أهل النطاة ليس قوم أبعد منهم مدى ولا أعدل منهم رمية، وهم مرتفعون علينا وهو أسرع لانحطاط رميهم، ولا نأمن بياتهم يدخلون في ممر النخيل؛ فتحول يا سول الله، فقال له رسول الله ﷺ : أشرت بالرأي، وتحوّل إلى مكان بعيد عن مدى النبل فعسكر به.

стр. 7875

ولم يكن أهل خيبر يتوقعون وصول السلمين بهذه السرعة فباتوا ليلتهم آمنين مطمئنين، حتى إذا كان الصبح خرج العمال إلى الحقول كعادتهم ومعهم مساحيهم ومكاتلهم؛ فلم يرعهم إلاّ المسلمون وقد نزلوا بساحتهم؛ فارتدوا على أعقابهم يصيحون: محمد والخميس! محمد والخميس! ينذرون قومهم بالخطر الداهم والهلاك المحقق، ورأى رسول الله أن يزيد القوم فزعا ويملأ قلوبهم رعبا؛ فرفع صوته مكبرا: "الله أكبر خربت خيبر؛ إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين"، وردّد أصحابه التكبير؛ فدوى صوتهم في الفضاء وتردد صداه فملأ الجو رهبة ورعبا. واستيقظ أهل خيبر على هذا الصوت فزعين؛ فأسقط في أيدهم ورأوا ألاّ مفر من القتال أو التسليم، وعزّ عليهم أن يسلموا بسهولة فآثروا الدفاع، ولما كانوا - كغيرهم من اليهود - جبناء بطبيعتهم اعتصموا بحصونهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ . ولما كان حبّ المال غالبا على اليهود، وأراد النبي ﷺ أن يأتيهم من هذه الناحية؛ فهددهم بإتلاف أموالهم وأمر أصحابه بقطع النخيل، وهاجم حصن ناعم الذي احتشد فيه المقاتلون تحت قيادة زعيمهم سلام بن مشكم. وشدد المسلمون الهجوم على الحصن، واستمات اليهود في الدفاع عنه؛ كلما اقترب المسلمون منه ارتدوا إلى داخله ورموهم بالنبل من فوق أسواره، واستمر الحال على ذلك سبعة أيام، في كل يوم يعطي رسول الله ﷺ اللواء لواحد من أصحابه؛ فيظل طول يومه يقاتل ثم يرجع دون أن يتمكن من اقتحامه، حتى فتحه الله على يد علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 7876

وفي أثناء حصار هذا الحصن استشهد محمود بن مسلمة، ألقيت عليه رضى من فوق جدار الحصن وهو يستظل بظله في يوم شديد الحرّ، وفي أثنائه أيضا توفي سلام بن مشكم زعيم اليهود وقائدهم، وخلفه في الزعامة والقيادة الحارث بن أبي زينب. احتشد اليهود بعد سقوط حصن ناعم بحصن الصعب بن معاذ الذي يليه؛ فاعتصموا به وقاتلوا المسلمين قتالا عنيفا، وحملوا عليهم حملة شديدة فتقهقر المسلمون حتى انتهوا إلى رسول الله وهو واقف قد نزل عن فرسه، وثبت الحباب بن المنذر ﵁، فحضهم رسول الله على الجهاد؛ فعادوا إلى الحصن وزحف بهم الحباب بن المنذر فتقهقر اليهود حتى دخلوا الحصن وأغلقوه عليهم، وشدد المسلمون الحملة حتى فتحوا الحصن بعد أن قتلوا عددا من اليهود وأسروا عددا. وقد وجد المسلمون في ذلك الحصن شيئا كثيرا من التمر والشعير والسمن والزيت والعسل والمتاع، وكانوا قد أصابتهم مجاعة شديدة حتى أكلوا لحوم الخيل، وخشي رسول الله على المسلمين أن تشغلهم الغنيمة عن القتال فأمر مناديا ينادى في الناس: "أن كلوا واعلفوا ولا تحملوا". وقد وجد المسلمون في سرداب تحت الأرض بذلك الحصن مجانيق ودبابات ودروعا وسيوفا وشيئا كثيرا من أدوات الحرب؛ دلّهم عليها أسير يهودي فأفادتهم في افتتاح بقية حصون خيبر. ثم تقهقر اليهود إلى حصن الزبير، وهو حصن منيع مبني على قمة عالية؛ فحاصره المسلمون ثلاثة أيام واليهود معتصمون به يدافعون من فوق أسواره؛ فاستعصى على المسلمين فتحه حتى علم رسول الله أن مَن بالحصن يستقون من جدول وراءه؛ فأمر بسد الجدول عنهم؛ فلما قطع عنهم الماء خرجوا من الحصن وقاتلوا المسلمين قتالا شديدا حتى قتل نفر منهم، وقتل من اليهود عشرة، ثم فتحه الله على المسلمين. وبسقوط هذا الحصن تم للمسلمين فتح منطقة النطاة.

стр. 7877

وفرّ اليهود إلى منطقة الشق؛ فاعتصموا بأول حصونها، وهو حصن أُبَيّ على جبل يسمى (شمران) ؛ فشدد المسلمون عليه الحصار، واشتبكوا مع اليهود اشتباكا عنيفا، ثم حملوا على الحصن حملة صادقة بقيادة أبي دجانة الأنصاري حتى فتحوه. وهرب من به من اليهود؛ فاقتحموا الجدر إلى حصن البريء وتحصنوا به، وزحف رسول الله إليهم بأصحابه، وكان المعتصمون في ذلك الحصن أمهر أهل الشق في رماية النبل والحجارة، وقد واصلوا الرمي حتى أصاب النبل ثياب رسول الله وعلق بها؛ فأمر ﷺ أن ينصب عليه المنجنيق؛ فوقع الرعب في قلوب أهله فتركوه وهربوا، وبذلك سقطت منطقة الشق، كما سقطت من قبل منطقة النطاة. تقهقر اليهود بعد ذلك إلى منطقة الكتبة، وتحصنوا فيها بحصن بني الحقيق، ويسمى حصن القموص، وهو من الحصون المنيعة، وكان به نساء بني الحقيق؛ فحاصره المسلمون عشرين ليلة، ثم فتحه الله على يد على بن أبي طالب كرم الله وجهه. وقد سبي من هذا الحصن عدد من النساء والذراري من بينهم السيدة صفية بنت حيي بي أخطب، وقد اصطفاها رسول الله ﷺ من بين السبايا؛ فأعتقها وتزوجها؛ فشرفها الله بهذا الزواج وكانت من أمهات المؤمنين. تم انتهى المسلمون إلى حصن الوطيح والسلالم، وهما آخر حصون خيبر؛ فحاصرهما رسول الله بضع عشرة ليلة فلما أحس من بهما من اليهود بعجزهم عن المقاومة وأيقنوا بالهلاك إن اقتحمها المسلمون عليهم؛ لما أحسوا بذلك سألوا رسول الله ﷺ أن يستسلموا على أن تحقن دماؤهم، ونزل كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق؛ فصالح رسول الله ﷺ على أن يحقن دماء من في حصونهم من المقاتلين ويترك لهم الذرية يخرجون بها من خيبر تاركين أرضهم ومالهم وخيلهم وسلاحهم لرسول الله؛ فقال لهم ﷺ : "وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتوني شيئا".

стр. 7878

وبتسليم حصني الوطيح والسلالم انتهت مقاومة أهل خيبر وسقطت خيبر كلها في أيدي المسلمين، وغنموا ما كان فيها من الأموال والأسلحة وآلات الحرب. عزّ على أهل خيبر أن يهاجروا من وطنهم؛ فرجوا رسول الله أن يسمح لهم بالبقاء في بلدهم، وأن يقوموا بزراعة الأرض على أن يكون لهم نصف ثمارها وللمسلمين نصفها، وقالوا له: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها؛ فصالحهم رسول الله على المناصفة. ولما بلغ أهل (فدك) خبر الصلح بين الرسول وبين أهل خيبر عدلوا عما كانوا يعتزمونه من حرب المسلمين، وأرسلوا إلى النبي ﷺ أن يصالحوه على ما صالح عليه أهل خيبر؛ فأجابهم إلى ذلك، وعقد الصلح بينهم وبين رسول الله من غير حرب؛ فكانت (فدك) خالصة لرسول الله؛ لأنها أخذت صلحا من غير حرب، أما خيبر فإنها كانت غنيمة للمسلمين؛ لأنهم فتحوها عنوة. ثم توجه النبي في أصحابه إلى وادي القرى؛ فحاصرها حتى استسلم أهلها وأذعنوا للصلح؛ فصالحهم ﷺ على مثل ما صالح عليه أهل خيبر، وبادر أهل (تيماء) فأعلنوا قبولهم لدفع الجزية من غير حرب ولا حصار. وبهذا تم إخضاع جميع اليهود في جزيرة العرب وانتهى سلطانهم، ولم تعد لهم أي قوة ولا نفوذ، وأصبح المسلمون آمنين من جهة الشمال إلى حدود الشام، كما غدوا – بعد صلح الحديبية - آمنين من ناحية الجنوب إلى حدود اليمن.

стр. 7879

على أن خضوع اليهود لم يتم مرة واحدة بعد هزيمتهم أمام المسلمين، بل كانت نفوسهم تنطوي على حقد شديد للنبي ﷺ وأصحابه، وإنما اضطرهم إلى الخضوع عجزهم عن المقاومة؛ فهذه زينب بنت الحارث - امرأة سلام بن مشكم - أهدت شاة مسممة إلى رسول الله ﷺ بعد توقيع الصلح بينه وبين أهل خيبر واطمئنانه إليهم؛ فلما جلس هو وأصحابه ليأكلوها أخذ قطعة من ذراعها ولاكها؛ فلم يسغها فلفظها وقال: "إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم"، وكان بشر بن البراء قد تناول منها قطعة فساغها وازدردها؛ فدعا رسول الله بزينب فجاءت واعترفت وقالت: "لقد بلغت من قومي ما لم يخف عليك؛ فقلت إن كان ملكا استرحت منه وإن كان نبيا فسيخبر، ومات بشر من أكلته هذه". وقد اختلف الرواة في شأن زينب؛ فقال أكثرهم: إن النبي ﷺ عفا عنها والتمس لها العذر على فعلتها؛ لتأثرها بما أصاب زوجها، وذكر بعضهم أنها قتلت في بشر الذي مات مسموما. ويغلب على الظن صحة الرواية الأولى؛ لأنها تتفق وما عرف عن النبي ﷺ من قبول العذر، خصوصا من الضعفاء والرأفة بهم، ومن حبه للعفو إيثارا للسكينة والسلام، وتحرجا من سفك الدماء، واختيار أكثر الرواة لها. وبمضي الزمن استسلم اليهود شيئا فشيئا، واعتادوا الخضوع والانقياد لحكم المسلمين الذين تركوهم على يهوديتهم وأباحوا لهم أداء شعائرهم، ولم يحاولوا أن يردوهم عن دينهم أو أن يتدخلوا في شؤونهم الخاصة، ولم يتعرضوا لحريتهم الشخصية، وحكموهم حكما عادلا نزيها.

стр. 7880

وقد خمّس الرسول ﷺ غنائم خيبر؛ فقسم أربعة أخماسها بين المجاهدين، وأعطى جميع من حضر الحديبية سواء حضر خيبر أم لم يحضرها، وأعطى من خمسه ما أراه الله؛ فأعطى أهله رجالا ونساء من بني عبد المطلب، وأعطى اليتيم والفقير والمسكين وابن السبيل، وقد أعطى من شهد خيبر من النساء والعبيد شيئا من الغنيمة ولم يسهم لهم. هذا عرض موجز لموقف اليهود من النبي صلى الله علب وسلم ودعوته والمسلمين، يتبين منه أن اليهود كانوا دائما هم البادئين بالشر؛ فقد كانوا يصدون عن سبيل الله ويتربصون بالمسلمين الدوائر، ويحرضون المشركين عليهم ويحالفونهم ضدهم، ولم يحافظوا على عهدهم مع الرسول ولم يرعوا ما بينهم وبين المسلمين من حقوق الجوار. فلم يكن رسول الله إذن متعديا عليهم، بل كان يدافع عن نفسه وأتباع دعوته أذى قوم أكل الحسد قلوبهم وأعمى الحقد أبصارهم؛ فدأبوا على الكيد للإسلام والمسلمين، ولم يكن النبي ﵊ طامعا في أموالهم كما يزعم كثير من المستشرقين، أمثال مرجليوث وغيره، الذين يزعمون أن المسلمين إنما غزوا خيبر طمعا في الحصول على ما فيها من الغنائم، وأن الحجة التي تذرعوا بها هي أن أهلها ليسوا على الإسلام.
следующие страницы →