Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.
стр. 7946
قلت: إن هؤلاء العوام والطغاة في الأعصار المتأخرة - كما أشار العلامة محمد بشير السهسواني ﵀ هم الجذور الذي يعنيه من زعم أن جواز شد الرحال لزيارة القبر الشريف هو مذهب الجمهور، والذي نقله فضيلة الشيخ عطية موافقاً عليه أو مستدلا به [١] .
وأقول مرة أخرى: أليس مذهب ابن تيمية أقرب إلى مذهب خصومه مما نقل عن هؤلاء الأئمة من التابعين وتابعيهم؟.. الجواب بلا؛ ذلك لأن ابن تيمية لا يمنع زيارة القبر الشريف مطلقاً، بل يصرح بأن زيارته بدون شد رحل عمل صالح إذا لم يصل الأمر إلى المبالغة والغلو، كالإكثار من التردد عليه بحيث يصل ذلك بالإنسان إلى اتخاذه عيداً، أو يتجاوز ذلك إلى دعائه ﵇ والإستغاثة به، ونحو ذلك من أمور العبادة التي صرفها لغير الله كفر وشرك.
أما هؤلاء الأئمة فكما ترى النقل عنهم يرون عدم مشروعية هذه الزيارة ونمها ليست عملا صالحا وينهون عنها، ويستدلون على ذلك بالأحاديث [٢] .
فلينظر المنصف، ولتأمل طالب الحق، وليتراجع المندفع على غير هدى، وليعلم أن الدين ليس بالعواطف وليس بالتقليد الأعمى، وأن أي عالم مهما ارتفعت درجته وعلت منزلته لا ينبغي أن يعتبر قوله ومذهبه واختياره أموراً مسلمة غير قابلة للمناقشة والتمحيص.
سؤال موجه يرجى الجواب عليه:
وهذا سؤال نوجهه إلى فضيلة الشيخ نرجوه الجواب عليه وهو:
إذا كان ابن حجر قال: يرى الجمهور بالإجماع جواز شد الرحال ... الخ، فبصرف النظر عما تقدم من مناقشتنا لهذه الدعوى أصلا وشروعاً أقول الآتي: مادام أن القضية قضية جواز - أعني إباحة فقط - فما فائدة هذه الزيارة؟.. أتريدون من الإنسان أن يسافر من أقصى الأرض إلى أدناها يجوب المسافات الشاسعة والفيافي البعيدة والقفار الموحشة، وينفق الأموال ويعرض نفسه للمخاطر؛ ليتوصل إلى أمر مباح غاية ما فيه أنه غير محرم ولا مكروه؟..
стр. 7947
يا للعجب العجاب - يعني مجرد سياحة لا أقل ولا أكثر -، هذا إذا ثبت أن الصحيح هو هذا المذهب المنسوب للجمهور _ كما زعموا - فمعنى هذا أن هناك مذهباً آخر لغير الجمهور يرى عدم الإباحة، وهذا المذهب الآخر قد يكون هو الصواب [٣] ؛ إذ إنه لا يلزم أن يكون الحق دائما مع الجمهور.
المسألة الرابعة:
وقال فضيلة الشيخ صح٥٧٨ نقلا عن ابن حجر: ومما استدل به على عدم شد الرحال لمجرد الزيارة، وما روى عن مالك من كراهية أن يقال: "زرت قبر النبي ﷺ "، وأجيب على ذلك بأن كراهية مالك للفظ فقط تأدبا، لا أقل ولا أكثر، لا أنه كره الزيارة؛ فإنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال، وان مشروعيتها محل إجماع.
سطر الشيخ هذا الكلام ولم يتعقبه بحرف واحد، بل إن صنيعه فيما كتبه بعد ذلك يدل على تنبيه لهذا الكلام ورضاه؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!.
فتعال معي أيها الأخ المحب للسنة والتحقيق، والكاره للبدعة والتلفيق.. تعال لترى العجائب:
أولا: المنقول عن مالك هو كراهية الزيارة بدون شد رحال، بينما الكلام هنا عن مسألة شد الرحال؛ فبماذا نفسر صنيع الحافظ ابن حجر هذا؟.. إن ابن حجر كغيره من الناس يخطئ ويصيب.
стр. 7948
ثانيا: من الذي أخبر ابن حجر أن كراهية مالك للفظ فقط؟.. وإذا كانت الزيارة مشروعة ومجمعا على مشروعيتها كما زعموا كيف يكره الإمام مالك التلفظ بذكرها؟ ... [٤] هل يكره مالك للرجل أن يقول: صليت أو صمت أو تصدقت أو حججت؟ ... وقوله: كره مالك اللفظ تأدبا، نقول: يا للعجب العجاب.. تأدب مع من؟.. وعن ماذا؟.. أتأدبا مع الشرع بأن لا يذكر ما شرعه؟.. أم تأدبا عن ذكر المشروع فلا يتلفظ به اللسان؟ ... وهل هذه القاعدة تسري على جميع العبادات؛ فيتأدب المسلم عن ذكرها؟.. أم هي خاصة بهذه العبادة المجمع عليها؟ [٥] . ثم ما الذي سوغ هذا الانتقال المفاجئ؟.. الحديث عن شد الرحال.. وذكر أدلة المخالف تعلق بمطلق الزيارة؟.. يا للإسلام من أهله.
ثم هذا الإجماع المزعوم هل انعقد على أساس دليل من الوحي؟.. أم بدون ذلك؟.. إن كان على أساس دليل فأين ذهب ذلك الدليل؟.. ابن حجر محدث كبير وإحاطته بالأحاديث لا تكاد توجد عند غيره بعد القرون الثلاثة - هذا مبلغ علمي وقد أكون على خطأ- فلِمَ لم يطلع على الدليل الذي استند إليه هذا الإجماع؟.. وإن كان قد اطلع فلِمَ لم يذكره.؟
أم أنه انعقد على غير أساس من الوحي؟.. إن كان كذلك فلدينا أسئلة كثيرة منها:
أولاً: هل يوجد إجماع بدون مستند شرعي؟..
ثانيا: قدمنا من القول ما يثبت أن من أئمة الإسلام من ينهى عن زيارة القبر الشريف، فأين هم من الإجماع وأين الإجماع منهم؟
ثالثا: على مدعي الإجماع أن يثبته، وإلا فهي دعوى بلا بينة..
رابعا: إذا كانت هذه المسألة - ونعنى الزيارة فقط- محل إجماع، أي مشروعية الزيارة؛ فأين الصحابة من هذه المشروعية ومن هذه العبادة؟.. هل علموا بها؟ هاتوا برهانكم وأثبتوا دعواكم إن كنتم صادقين.
ثالثا: قوله: فإنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال.
стр. 7949
نقول: هذا الكلام لا يليق بمثل الحافظ ابن حجر، ولا بمثل فضيلة أخينا في الله الشيخ عطية.
إن الحافظ ابن حجر، وكذلك الشيخ عطية يعلمان أن التشريع من حق الله ورسوله، ولا مدخل فيه لأحد من الناس سوى الرسول ﵇ الذي أخبرنا الله جل وعلا عنه أنه لا يأتي بشيء من التشريع من تلقاء نفسه ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ؛ فإذا كان الأمر كذلك فكيف يسوغ للعلماء أن يقولوا عن مسألة لا دليل إطلاقا على مشروعيتها لا من الكتاب ولا من السنة ولا من الإجماع.. كيف يسوغ لهم أن يدعوا أنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال..؟.
والخلاصة نقول: يا من زعمت مشروعية الزيارة بشد الرحل أو بدون شد الرحل! تفضل علينا ببيان دليلك؛ فإننا ومن قبلنا أئمتنا أهل السنة والتوحيد منذ ألف وأربعمائة سنة والبحث جار عن دليل هذه المسألة ولم يعثر عليه، فيا حبذا ويا عظم فضلكم لو تقدمتم إلى أمة محمد ﷺ بالكشف عن هذا الدليل، وإلا فارجعوا إلى الحق تؤجروا عند الله، وتسلموا من تبعة القول على الله ورسوله بلا دليل، ولكن اعلموا مقدما أننا لا نقبل حديثا ما لم تثبت صحته عن المصطفى ﷺ ، أما أحاديث الوضاعين والدجالين التي كفانا مؤنة إبطالها أهل العلم والدراية فنحن وأنتم متفقون على عدم الالتفات إليها؛ لأنها لا تقوم بها الحجة ولا يجوز الاستدلال برها، ونحن نريد دليلا من وحي الرحمن [٦] .
стр. 7950
ثم التعبير بقولهم: "ومما استدل به على عدم مشروعية شد الرحال"تعبير ركيك ناقص؛ إذ أنه لا يوجد ولم يوجد من يقول إن شد الرحال- بمجرده - مشروع أو ممنوع؛ فالتعبير الصحيح أن يقال: "ومما استدل به على عدم جواز شد الرحال لزيارة القبور.. الخ"، وكذلك قولهم عن المانعين إنهم استدلوا بما روى عن مالك.. الخ. الصحيح أن قول مالك وغيره من العلماء لا يستدل به في الأحكام الشرعية، وإنما يستدل بنصوص الشرع إن وجد شيء منها في الموضوع، وإلا نظر هل حصل إجماع من الأمة في حكم المسألة المبحوثة، وإن لم يوجد رجع إلى القياس إن كانت المسألة في غير العقيدة وفي غير العبادات.
أما قول العلماء كل واحد على انفراد فلا ينبغي أن يسمى أو يعتبر دليلا تثبت به الأحكام الشرعية، وإنما يستأنس به فقط، كما يستفاد منه فهم هذا الإمام أو العالم لنص من النصوص أو مذهبه في مسألة من المسائل، وكذلك يحتج به على من نسب إلى هذا العالم خلاف ما ثبت عنه، أما اعتبار قول مالك أو غيره دليلا من أدلة الأحكام الشرعية دون أن يكون هناك إجماع من علماء الأمة فاصطلاح غير مقبول، كما أنه لا يصدر إلا عن إنسان مبالغ في تعظيم المذاهب الفقهية والآراء البشرية إلى حد إحلالها محل النصوص الشرعية- عياذا بالله -.
المسألة الخامسة:
وقال فضيلة الشيخ وفقه الله:
(ولعل مذهب البخاري حسب صنيعه هو مذهب الجمهور؛ لأنه أتى في نفس الباب بعد حديث شد الرحال مباشرة بحديث: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه"، مما يشعر بأنه قصد بيان موجب شد الرحال وهو فضيلة الصلاة - هكذا في كتاب الشيخ - فيكون النهي عن شد الرحال مختصا بالمساجد ولأجل الصلاة إلا في تلك المساجد الثلاثة لاختصاصها بمضاعفة الصلاة فيها دون غيرها من بقية المساجد والأماكن الأخرى، ثم نقل كلاما لابن حجر مفاده أن النهي منصب على المساجد فقط دون غيرها من الأغراض والبقاع والصلوات.
стр. 7951
وهذا الاستنباط الذي توصل إليه فضيلة الشيخ، واستطاع بواسطته أن يكتشف مذهب الإمام البخاري في مسألة شد الرحال - التي ما حدث الكلام فيها إلا بعد وفاة الإمام البخاري ﵀ بما لا يقل عن مائتي سنة - غير سليم لما يأتي:
أولا: في زمن البخاري وقبله لم يوجد من علماء المسلمين من يقول بمشروعية ولا بجواز شد الرحال لزيارة القبور، حتى ننظر مذهب البخاري، هل هو مع المانعين لشد الرحال إلى القبور أو جمع غيرهم، والسبب أنه حتى ذلك التاريخ لم يحدث في الأمة الإسلامية قبوريون.
ثانيا: عدم صحة قول من زعم أن مذهب الجمهور مشروعية أو جواز شد الرحال لزيارة القبور في يوم من الأيام حتى يومنا هذا، إلا أن يراد بالجمهور طغام العوام ومن على شاكلتهم من العلماء.
ثالثا: البخاري فقيه ملهم؛ لذلك لا نستبعد أن يكون الله تعالى قد ألقى في روع ذلك الفقيه الملهم أن سيحدث بعدك في أمة محمد قبوريون لهم مزاعم فاسدة، ومن مزاعمهم أن يدّعوا أن الحكمة من استثناء المسجد النبوي من المسجدين الآخرين في حديث النهى عن شد الرحال هي من أجل زيارة القبر النبوي الشريف - كما زعم ذلك أبو زهرة في كتابه (ابن تيمية) ، وما أظنه أول من قال بذلك ولا آخر من يقول به - فألقى الله في روع ذلك الإمام بأن يتقدم بالرد عليهم قبل وجودهم بما يقارب مائتي سنة؛ فيقول: إن المساجد الثلاثة استثنيت في حديث لا تشد الرحال لما تميزت به من فضل على جميع بقاع الأرض ترتب عليه مضاعفة ثواب الصلاة فيها.
هذا هو السبب الذي من أجله أورد البخاري حديث فضل المساجد الثلاثة بعد حديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.."، أي أنه أراد أن يبين حكمة الاستثناء وموجبه، وأنها لولا ذلك لكانت كغيرها من المساجد والبقاع لا تشد لها الرحال.
فالقضية - في نظر البخاري وأمثاله - قضية مساجد وصلوات، لا قضية أضرحة ومزارات.
стр. 7952
وبعد أن كتب فضيلة الشيخ ما تفلسف به حول صنيع البخاري الذي فرغنا الآن من الكلام حوله، نقل كلاما لابن حجر مفاده أن النهي الذي تضمنه حديث "لا تشد الرحال.." خاص بالمساجد والصلوات، دون غيرها من البقاع والأغراض والعبادات.
ونحن نناقش فضيلته فيما هو من ابتكاره، وفيما نقله عن غيره؛ فنبين بحول الله وتوفيقه أنها مزاعم مجردة عما يسندها ويشد عضدها من لغة أو شرع؛ فنقول: أنتم معترفون بأن حديث "لا تشد الرحال.." يشمل المساجد شمولا أوليا مباشرا سوى المساجد الثلاثة المستثناة، بل تحاولون أن تجعلوه خاصا مقصورا عليها، فهل ترون أن الأضرحة أفضل عند الله من المساجد؟.. أليس الحديث الآخر قد نص على أن المساجد هي أحب البقاع إلى الله؟.. وفي القرآن الكريم ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ .. وفيه قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ..
فكيف ساغ لكم ولمن قلدتموهم أن تقولوا: الممنوع زيارة المساجد، دون زيارة المشاهد؟
بإمكانكم أن تقولوا: لأن المساجد يعوض بعضها عن بعض؛ فلا فرق بين مسجد وآخر عدا المساجد الثلاثة، أما القبور خاصة قبر النبي ﷺ فلا يعوض بعضها على بعض، كما أن المساجد أيضا لا تعوض عنها لأنها ليست من جنسها.
وجوابنا على ذلك أن نقول:-
стр. 7953
إن الله تعالى جعل المساجد أماكن للعبادة؛ فيتوجه المسلم إلى مسجد ليؤدى فيه عبادته لربه كما أمره ، فكان من السائغ عقلا أن يكون السفر إليها فضيلة محمودة لمن يريد أن يجعل لعدد كبير من بيوت الله نصيبا من عبادته، تلك البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ﵎، وقد قرر الفقهاء أن المسجد الأقدم والأكثر جماعة والأبعد من منزل الإنسان أفضل من عكسه، وهذا مسجد قباء قد ثبت فضله شرعا، ومع ذلك لم يستثن مع المساجد المستثناة، أما القبور فلم يجعلها الله ورسوله أماكن للعبادة، بل على العكس فقد نهى الرسول ﷺ عن الصلاة في المقابر، وجعلها من المواقع التي لا تصح الصلاة فيها، ولعن اليهود والنصارى لاتخاذهم المساجد على القبور محذرا أمته من أن تحذوا حذوهم، مكررا ومؤيدا حتى آخر لحظة من حياته الشريفة، ولكنه مع هذا قد أخبر ﵇ أن أمته ستحذو حذو اليهود والنصارى وتتبع سننهم؛ رغم تحذيره ومبالغته في النصح والتنبيه، ومن أبرز سننهم التي حذر الرسول أمته من اتباعها - وقد اتبعوها - اتخاذ القبور مساجد، وهذه مبدؤها الغلو في القبور واتخاذها أعيادا بكثرة التردد عليها، ثم التعلق بأهلها وتوجه القلوب إليهم ثم دعاؤهم من دون الله، ثم.. ثم.. ثم.. ثم.. الخ.
стр. 7954
ثم نقول: إن المساجد كما يصدق عليها أنها مساجد كذلك يصدق عليها أنها بقاع وأنها أماكن، والحديث لم يذكر فيه المستثنى؛ فهو مبهم، والمبهم ينبغي أن يقدر بأعم مدلولاته ما لم يرد دليل آخر يفسره؛ لأن الاقتصار على بعض المدلولات دون بعضها الآخر تحكم واتباع للهوى؛ فما دام أن المستثنى منه حديثنا هذا يجوز أن يكون المساجد فقط ويجوز أن يكون البقاع والأماكن جميعاً - والشارع لم يخصص - فيجب علينا والحالة هذه أن نعتبر الأعم الأشمل، ونجري الحديث على ظاهره، ولا يكون لنا تدخل في نصوص الشرع بمجرد أهوائنا؛ لأن أحدا منا لو سئل فقيل له: لم قصرت هذا العام على بعض أفراده بلا دليل؟ ... فإنه لا جواب لديه يخرج به من طائلة العتاب، أما لو سئل فقيل له: جعلت هذا العام على التخصيص، ومن ثم لا يتوجه إليه عتاب.
إذاً فالتوجيه للحديث كما يلي:
لا تشد الرحال لمكان في الأرض أو بقعة من البقاع طاعة لله أو لأداء عبادة يبتغي بها وجه الله إلا المساجد الثلاثة؛ لما لها من الفضل على سائر البقاع..
أما الأسفار الدنيوية كالذي لتجارة، آو زيارة قريب أو صديق، أو لسياحة؛ فلا مدخل لها هنا؛ لأنها ليست مما يمارسه العبد لله بنية أنه مشروع يثاب عليه، بل هي من الأمور العادية المباحة؛ فإدخالها في موضوع شدّ الرحال واتخاذها وسيلة لتأويل الحديث وصرفه عن ظاهره - موهما من فعل ذلك أن إجراء الحديث على ظاهره يفضي إلى منع شد الرحال لهذه الأمور العادية الدنيوية - فهذا غير صحيح، بل خلط بين أمور الدنيا وأمور الدين.
ثم إن هذا الذي قلناه في معنى الحديث هو الذي فهمه منه أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم، وهم الذين سمعوه مباشرة من مصدره الأصلي.
وبرهان ذلك كما يلي: قال أبو يعلى في مسنده:
стр. 7955
١- حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع ... وساق الإسناد إلى سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: لقي أبو بصرة جميل بن بصرة أبا هريرة ﵄ وهو مقبل من الطور، فقال: لو لقيتك قبل أن تأتيه لم تأته، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما تضرب أكباد المطي إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".
٢- وعن قزعة قال: سألت عبد الله بن عمر: آتي الطور؟ قال: دع الطور لا تأته، ثم قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد". رواه ابن أبي شيبة والأزرقي في أخبار مكة، وإسناده صحيح.
انظر تخذير الساجد للألباني ص١٣٩.
أما السفر لطلب العلم ولزيارة الوالدين والصالحين والعلماء الأحياء؛ فليس المراد من مثل ذلك السفر البقعة التي يحلون فيها، إنما المراد زيارة الأشخاص الأحياء بأي مكان حَلّوا.
أما زيارة القبور لتذكر الآخرة ودون شدّ رحل؛ فجائزة، ومن زارها لهذا الغرض فليدعُ لأصحابها على العموم اقتداء بالنبي ﷺ .
فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ الذين سمعوا الحديث منه مباشرة - قد فهموا منه أن النهي في هذا الحديث يعم جميع البقاع ولا يختص بالمساجد؛ فالطور الذي أنكر أبو بصرة على أني هريرة إتيانه والسفر إليه ليس بمسجد، ولكنه مكان من الأمكنة، وأبو هريرة يقره على إنكاره ولا يرد عليه، وفي الأثر الثاني يفتي عبد الله بن عمر من استفتاه في السفر إلى الطور فيقول: "دع الطور لا تأته"، وكل منهما يستدل بحديث: "لا تشد الرحال.."، أفيقول أحد بعدهم إنه أعلم باللغة أو بالشرع من أصحاب رسول الله ﷺ ؟
стр. 7956
أو يظن بأحد أنه أعلم منهم؟.. وحتى لو حاول أحد التشكيك في أسانيد هذه الأخبار فإنه - أولا - لا سبيل له إلى ذلك، ثانياً لو فعل لطالبناه بأن يقدم لنا أسانيد صحيحة إلى من نسب عنه، حتى يعلم أن طلب الإثبات منوطه إليه كغيره، وأن مجرد الدعاوى بدون بينات لا يفيد شيئاً، ولا سبيل له إلى ذلك أيضاً، بل مجرد نقول في الكتب قل إن تثبت إلى من نسبت إليه، وكذلك ما نقل من الإجماعات المزعومة.
الخطر على عقيدة التوحيد في القبور لا في المساجد:
السؤال موجه إلى من يقول بمنع زيارة المساجد وإباحة أو مشروعية زيارة القبور نقول فيه:
معلوم أن أحكام الشرع لا تأتي إلا لحكمة، وهذه الحكمة قد تكون منصوصاً عليها وقد لا ينص عليها، وقد تدرك بالاجتهاد وقد لا تدرك، وقد تدرك جزماً وقد تدرك ظناً، وعلى كل حال أحكام الشرع لها حكم ووارده لعلل إما تحصيل مصالح وإما دفع مفاسد.
стр. 7957
فهل تتصورون أن من الحكمة منع زيارة المساجد بشد الرحال وإباحة أو مشروعية زيارة القبور ولو بشد الرحال؟.. ألستم تعلمون أن فتنة بني آدم ووقوعهم في الشرك بالله وعبادة المخلوقين كان منشؤها الغلو في الأموات من الصالحين؟.. ولا يزال الأمر كذلك حتى ساعتنا هذه؛ ففي بعض البلاد الإسلامية لا تجد مسجداً تصلي فيه إلا ومبني على قبر، وقد يكون هذا القبر قد اتخذ وثنا يعبد من دون الله، كالضريح المنسوب للحسين، والمنسوب للسيدة زينب والبدوي، و.. و.. وإلى مالا يحصى في مصر وغيرها من آلاف الأضرحة والقباب المقامة على القبور وعليها المساجد التي لعن رسول الله ﷺ من بناها، وأبطل صلاة من صلى فيها، وذلك على مسمع ومرأى من العلماء أو المحسوبين على العلماء من أصحاب الشهادات الكبيرة، بل إن من هؤلاء بعض المنتسبين إلى العلم قد يشاركون العوام في عبادة الأموات بالحج إلى قبورهم والطواف، حول مقاصيرهم ويطلبون منهم مالا يملكه إلا الله معتقدين أنهم يملكون النفع والضر، والسعادة والشقاوة، ولذلك حذر الني ﷺ أمته من الوقوع فيما وقعوا فيه، ولكنهم وقعوا إلا من عصمه الله وقليل ما هم.
ونخن في هذه البلاد - والحمد لله - لا نزال في آثار الدعوة الخيرة التي قضى الله بها على مظاهر الوثنية في بلادنا؛ نسأل الله تعالى أن يديم علينا نعمة التوحيد التي هي أعظم نعمة تمتع بها إنسان على وجه الأرض، وأن يوفق ولاة أمورنا لمزيد من حماية هذه النعمة ومعرفة قدرها والحرص عليها والاغتباط بها، إنه سميع مجيب.
أما المساجد فما كانت يوماً من أيام الدنيا مصدر فتنة وخطر على عقائد أهل التوحيدي وإتباع الرسل، فلماذا يتصور البعض أن المشرع يعني بالقبور أكثر من عنايته بالمساجد، فيبيح شد الرحال لها في الوقت الذي يمنع فيه من شد الرحال للمساجد؟.
стр. 7958
اللهم وفقنا لاتباع رسولك والرضى بسنته، وأن لا نبتدع في دينه، اللهم حبب إلينا المساجد واجعلنا من أهلها وعمارها، ولا تفتنا بالقبور وأحداثها
المشرع الحكيم يبيح زيارة المقابر بعد منعه منها مبينا الحكمة في ذلك:
كان الني ﷺ نهى عن زيارة القبور؛ لما يعلمه ﵇ من خطر فتنتها على من لم يتمكن من معرفة الله على بصيرة، ويتشبع من معرفة التوحيد الذي خلق الجن والإنس من أجله.
فلما انتشر الإسلام حسياً ومعنوياً، وتمكنت المعرفة بالله وتوحيده في نفوس المؤمنين، وانتشر نور هدى الله في الأرض أباح لهم زيارة القبور معللا ذلك بأنها تذكر الآخرة، فقال ﵇: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فأهما تذكر الآخرة".
هذه إحدى حكمتين أو علتين من أجلها رخص الرسول ﵇ بزيارة القبور بعد أن كان ناهياً عنها مانعاً منها.
أما العلة الثانية فهي الإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم من الزائر، وهذه العلة أو الحكمة أخذت من عمل الرسول وتعليمه لمن سأله ماذا يقول إن هو زار المقابر، وليس هناك حكمة ثالثة أو علة ثالثة من أجلها تزار المقابر، بل العلة الأولى هي الأصل والأساس، أعني تذكرة الآخرة، بدليل أن الرسول ﷺ ذكرها لما أذن في زيارة القبور ولم يذكر الأخرى.
стр. 7959
فيا ترى من زار قبر الرسول، وشد الرحال لهذه الزيارة من أقصى الأرض أو أدناها؛ أي العلتين قصد؟ أيريد أن يتذكر الآخرة؟ فعنده في بلاده، وفي كل بلد من المقابر والأجداث الهامدة ما يسيل دموعه ويحرك قلبه ويذكره بالموت وما بعده؛ فلا داعي لقطع القفار وجوب الديار لقبر أو قبرين أو ثلاثة في أقصى الأرض وأدناها، ومع ذلك هذه القبور الثلاثة - مع أن المقصود منها واحد فقط - وهي محاطة بالجدران المنيعة والأستار الجميلة والزخارف البديعة وشباك الحديد.. الخ. تمنع ذلك الزائر من الوصول إلى القبر أو القبور الثلاثة وتذكر الآخرة بها، بل إن أرضية تلك القبور وما حولها مبلطة مستوية، ولا يعلم أحد على وجه الأرض كيفية تلك القبور الكريمة بالنسبة لبعضها.
(انظر وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى للسمنهودي) .
فهذه الأشياء في نظرنا تمنع من تحقق الحكمة المقصودة شرعاً من زيارة القبور.
أم أن ذلك الزائر يريد الحكمة الثانية، وهي الدعاء للأموات ... أيريد أن يدعو لرسول الله وعلى الله عليه وسلم بالمغفرة والعتق من النار؟.. الرسول ﵇ ليس بحاجة إلى الدعاء من أحد؛ إذ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد تحققت له السعادة بجميع معانيها وأنواعها ﷺ . صحيح أنه رغّب إلى أمته في أن يسألوا الله له الوسيلة، وكذلك قد أمر بالصلاة والسلام عليه، ولكن ذلك لمصلحتنا نحن لا لمصلحته هو، وإلا فدعاؤه لنفسه ولغيره أحرى بالإجابة من دعاء جميع الناس له، وهذا الدعاء الذي هو سؤال الوسيلة له ﵊، وكذلك الصلاة والسلام عليه ليس مكانه عند القبر، بل ليس له مكان مخصوص غير أن سؤال الوسيلة مقيد بسماع الأذان وإجابة المؤذن لحكمة لا نعلمها.
стр. 7960
فإن قالوا: قبر الرسول ﵇ له خصائص؛ فلا يماثل بقبر غيره، ولذلك يزار من قريب ومن بعيد وتشد له الرحال، وليس من ذلك تذكر الآخرة الذي يحصل بالمقابر الأخرى أكثر، ولا الدعاء لصاحب القبر، بل لحقوق الرسول ﷺ على أمته وعظيم قدره..
إن قالوا ذلك أجبناهم بأن نقول: أولا أصحابه ﵃ أعلم منكم بحقوقه وأكثر منكم تعظيماً له، وما رأوا أن ذلك يستلزم زيارة قبر لا بشد ولا بدونه، وكذلك التابعون لهم بإحسان إلى يومنا هذا، بل إن الذين يزورون القبر الشريف من أهل السنة بدون شد رحل يدخلون زيارته تحت الأمر الشرعي إن كان أمرا أو إباحة، أما حقوقه ﵇ فمعلومة لديهم وعظيمة في نفوسهم وقلوبهم واعتقادهم، وليس منها شد الرحل لزيارة قبره؛ إذ لو كان منها لأمر به وحث عليه؛ فما من جزئية ولا كلية تعود على أمته بالخير والمنفعة في أمور دينهم إلا بينها أتم بيان ودعا إليها ورغب فيها، فما باله - يهمل هذه المسألة؟ أنسياناً ... أم تقصيراً؟ ... حاشاه من كل ذلك.
وأنا والله أعجب كثيراً لفضيلة الشيخ عطية عندما أمرّ ببعض المواضع في بحثه لهذه المسألة، وعندما ألاحظ بعض العبارات وبعض التصرفات، من ذلك أنه لم ينقل في هذا البحث عن غير ابن حجر، وكأن أحدا من علماء المسلمين لم يوجد، أو لم يتعرض لهذه المسألة من أي جانب من جوانبها؛ فلا أدري أكلّ ذلك ثقة مطلقة بابن حجر دون غيره، أم ذلك نتيجة لكسل حالَ بينه وبين بحث القضية في كتب فحول العلماء وأئمة الإسلام، مثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا كتب شمس الدين ابن القيم، وكذا الصارم المنكي لابن عبد الهادي الذي خصصه لبحث هذه المسألة، وقد استقصى ﵀ البحث فيها ووفى الموضوع حقه.
стр. 7961
أليس من الإنصاف، بل ومن حق البحث العلمي، بل ومن لازم الاحتياط للدين وللعلم ولتجنب نقد الآخرين أن ينظر الباحث فيما قدمه الطرفان من بحوث واستدلال وتعليل؛ حتى يكون على بصيرة من أمره؛ فيبدي رأيه ويقدم نتيجة اجتهاده بعد تأمل ونظر عميق؟ ...
أعتقد ما فيه أحد يخالفني فيما قلت هنا..
إذاً فما الذي حال بين الشيخ وبين النظر والتعمق في التحقيق؟.. هل خفيت عليه تلك المراجع العظيمة والمباحث الهامة النفيسة؟.. لا أعتقد ذلك، فالجواب عند فضيلته.
ومن ذلك أيضاً أنه سطّر أكثر من صفحة من كتابه في إثبات جواز شد الرحال للتجارة وللسياحة ولزيارة الأقارب والأصدقاء الأحياء، ولطلب العلم، وراح فضيلته ينقب عن الأدلة التي تثبت جواز السفر لهذه الأمور، كأن أحداً من خلق الله زعم أن السفر لهذه الأشياء غير جائز، وقصد فضيلته - حسب ظني، وعسى أن لا يكون هذا الظن صواباً - إرادة التهويل أمام السذج؛ لأنه قال بعد كلامه المتعلق بإثبات جواز السفر لهذه الأمور: فيكون السفر لزيارة الرسول من ضمنها، ولأنه رتَّب ذلك على قوله - بالمعنى لا بالنص -: إننا لو أخذنا بظاهر الحديث - على ما فهم ابن تيمية - لأدى بنا ذلك إلى تعطيل مصالح الناس والحجر عليهم بتحريم ما أحله الله من الأسفار للأمور المشار إليها.
وقد سبق أن قلنا لفضيلته: إنه لا يصح الخلط بين أمور الدين التي أمر الشرع بها أو نهى، وبين أمور الدنيا المباحة، ولا الخلط بين ما نهى عنه الرسول ﵇ وبين ما بقي على الأصل والبراءة، ولا الخلط بين أمر يتعلق بالأماكن والعبادات، وبين أمور تتعلق بالأغراض الدنيوية والمقاصد العادية.
ونسأل الشيخ فنقول: هل مشروعية أو جواز شد الرحال خاص بقبر الرسول ﵇ أم عام لقبور الصالحين والعلماء مثلاً؟.. أم عام لجميع مقابر المسلمين؟.
стр. 7962
إن قلتم: خاص بقبر النبي ﷺ دون غيره، قلنا: هل عرفتم ذلك بدليل أم بتعليل؟.. إن قلتم: بدليل، قلنا: تكرموا علينا وعلى عامة المسلمين فبينوا هذا الدليل؛ لأنه خفي علينا، وكتمان العلم حرام، وإن قلتم: عرفنا ذلك بتعليل، قلنا: العلة التي بينها المصطفى ﵇ لزيارة القبور هي تذكر الآخرة فقط، فهل عثرتم على علة أخرى؟.. أفيدونا مأجورين.
أما مسألة الدعاء للأموات التي قلنا إنها أخذت من فعل الرسول ﵇ وأجابته لمن سأله ماذا يقول إن هو زار القبور فقد قلنا: لا تنطبق في حق الرسول ﷺ ؛ لاستغنائه عن دعاء غيره إلا فيما بيّنه، ولم يقل عند قبري بل قال: "إذا سمعتم المؤذن"، وهذا بالنسبة لسؤال الوسيلة، وبالنسبة للصلاة والتسليم عليه فهما في الصلاة المفروضة والمستحبة، وعند دخول المسجد، وعند ذكره ﵊، وفي كل مناسبة وكل زمان ومكان.
بل قد قال ﵊: "وصلوا علي؛ فإن صلاتكم وتسليمكم يبلغني حيثما كنتم"، قال ذلك في الوقت الذي نهى فيه عن اتخاذ قبره عيدا، فالله المستعان..
وإن قلتم عام لقبور الصالحين والعلماء والأقارب، أو لجميع المسلمين وما إلى ذلك.. قلنا: ولِمَ لا تذكرون الصالحين أبداً؟.. بل كلامكم خاص بقبر الرسول ﵊، ومقصور عليه مما أوهم العامة أن هناك نصوصاً وإرادة بالأمر بزيارة قبره ﷺ على الخصوص [٧] .
وقال الشيخ - وهو يروي لنا تأويل ابن حجر لحديث النهي عن شد الرحال -: وبتأمل كلام ابن حجر نجده يتضمن إجراء معادلة على نص الحديث بأن له حالتين فقط:
الأولى: أن يكون النهى منصباً على شد الرحال لأي مكان سوى المساجد الثلاثة من أجل الصلاة، وماعدا المساجد والصلاة خارج عن النهي، وعلى هذا تخرج زيارة القبور مع غيرها من الأمور الأخرى عن دائرة النهي.
стр. 7963
والثانية: أن يكون النهي عاماً لجميع الأماكن ماعدا المساجد الثلاثة وبلدانها، ولكن لا لخصوص الصلاة، بل لكل شيء مشروع بأصله..
إلى أن قال: ومن هذا كله السلام على رسول الله ﷺ ، ولا معارضة على حالة من الحالتين، ولا يتعارض مع ما معهما الحديث. انتهى كلام فضيلته باختصار وتصرف في بعض الكلمات مع الالتزام بالمعنى.
ونحن نناقش هذا الكلام من نواح:
الناحية الأولى: نحمد الله حيث إن أحاديث رسول الله ﷺ في غاية من البيان والوضوح؛ فلا نحتاج لفهمها إلى إجراء معادلات ولا استخدام فلسفات.
الناحية الثانية: لِمَ هذا التعويل على آراء ابن حجر دون غيره من علماء الأمة الإسلامية، خاصة السلف الصالح من لدن الصحابة إلى آخر القرون الثلاثة؟ [٨] هل لم يتعرض لمعرفة وبيان معنى هذا الحديث أحد من أئمة الإسلام قبل ابن حجر؟.. بل لقد تعرضوا وفهموا وبينوا وعملوا بمقتضاه قبل ابن حجر، وقبل أن يستنبط فضيلة الشيخ معادلته الفلسفية من كلام الحافظ ابن حجر هذه.
الناحية الثالثة: من أين أتيتم ببلدان المساجد الثّلاثة وأدخلتم في الموضوع ما ليس منه؛ محاولين أن تجعلوا شد الرحل لزيارة قبر الرسول ﷺ مشروعة أو مباحة؟.. وما الدافع والحامل على هدا اللف والدوران يا فضيلة الشيخ؟.. هل الأمة واقعة في مشكلة صعبة تحاول أنت إيجاد حل لها وسبيل لخروجها من هذه المشكلة؟..
стр. 7964
لا داعي لهذا يا فضيلة الشيخ، أمور الدين واضحة جلية، وسنة محمد ﷺ قد تركها بيضاء نقية، لا تشتبه على من قصد الحق بتجرد وإخلاص، ولا تلتبس لا في كلياتها ولا في جزئياتها على من ولى وجهه شطر كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، إنما الذي يحدث المشاكل ويسبب البلبلة هذه الفلسفات وتلك التأويلات والتحريفات لنصوص الكتاب والسنة لتوافق مذهب فلان وتؤيد رأى علان، وإلا كيف يتصور أن عالما من علماء الأمة الإسلامية يدعي مشروعية شئ من غير دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح؟.. ما الذي يحمله على ذلك؟.. هل يشعر بأن في دين محمد ﵇ نقصا يريد أن يكمله؟..
والخلاصة:
أننا نقول ونعتقد جازمين مائة على مائة أن كل شئ ينفعنا عند الله إذا التزمنا به وعملنا بمقتضاه قد بينه لنا ﷺ أتم وأكمل بيان، فلا مكان في الدين لزيادة، ولا مجال فيه لفلسفة أو معادلة يراد من ورائها استنباط شرعيات قد خفيت على سلف الأمة وأئمتها.
أما المعنى الصحيح للحديث فهو الذي فهمه أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم - بدون إجراء معادلة وبدون تكلفة وتمحل، وهو الذي بيناه فيما سبق من هذا البحث؛ فلا نعيده.
وقال فضيلة الشيخ بعد سياقه الكلام الذي تقدم:
(وجهة نظر) ، ثم قال تحت هذا العنوان: "وبالتحقيق في هذه المسألة وإثارة النزاع فيها يظهر أن النزاع والجدال فيها أكثر مما كانت تحتمل، وهو إلى الشكلي أقرب منه إلى الحقيقي، ولا وجود له عملياً".
ونناقش فضيلة الشيخ فنقول:
стр. 7965
١- هذا اتهام صريح للعلماء إما في عقولهم وأفهامهم، وإما في مقاصدهم وأغراضهم؛ إذ مادام أن الجدال شكلي كما تقولون، والخلاف فيها صوري لا وجود له في الواقع؛ فما الذي حملهم على هذا النزاع الطويل العريض؟ ثم من المتهم يا فضيلة الشيخ بإثارة الجدال وتطوير النزاع الذي ليس تحته من الحقيقة شيء؟.. نحن وجدناك في بحثك تميل إلى الرأي المخالف لما ذهب إليه ابن تيمية في هذه المسألة، فهل هو المتهم في نظركم؟..
٢- مادام أن الجدال في هذه القضية صوري لا حقيقة له، فما الذي دعاك إلى أن تكتب صفحات عديدة، وتنفق وقتك وجهدك في البحث والتحقيق والتدليل والتعليل، والترجيح والمقارنة وإجراء المعادلات ونقل الإجماعات الخاصة والعامة؟.. لِمَ لمْ توفر على نفسك هذه الجهود وهذا الوقت الثمين، وتبدي وجهة نظرك هذه مسبقاً فتستريح وتريح؟..
٣- ما الذي اشتملت عليه الرسائل التي ألفت من الطرفين، كما يقول الكرماني، وينقل عنه ابن حجر، وفضيلتكم عن بني حجر؟.. هل هو هذيان فارغ وسفسطة ليس لما معان؟..
إن كان كذلك فهل هذا ناتج عن سوء فهمهم أم عن سوء مقاصدهم؟..
٤- ألستم بنفسكم - يا فضيلة الشيخ - تقولون: ولعل مذهب البخاري حسب صنيعه هو مذهب الجمهور في هذه المسألة؟.. أليس معنى هذا أنكم قد فهمتم أن في المسألة مذهبين، أحدهما للجمهور والثاني لغير الجمهور، والأول تبناه السبكي والثاني تبناه ابن تيمية- حسب تقريركم؟ أليس ابن حجر يقول - حسب نقلكم -:" أجمع الجمهور كان جواز شد الرحال..؟ "، أليس إذا قيل: مذهب الجمهور كذا؛ فمعناه أن في المسألة مذهبين؟
стр. 7966
فكيف بعد ذلك ظهر لفضيلتكم أن لا شيء من هذا، وإنما هو في الحقيقة مذهب واحد؟.. وأي المذهبين يا فضيلة الشيخ بدا لكم أنه لا وجود له؟.. هل هو مذهب ابن تيمية ومن وافقه الذي في سابق تقريركم ومناقشتكم أنه مذهب شاذ حادث بعد مضي سبعة قرون من تاريخ الإسلام؟.. أم مذهب السبكي ومن وافقه الذي قررتم فيما تقدم من بحثكم أنه مذهب الجمهور.؟.
ثم أخذ فضيلته يشرح وجهة نظره تلك فقال:
وتحقيق ذلك كالآتي وهو: ماداموا متفقين على شدّ الرحال للمسجد النبوي للسلام على رسول الله ﷺ ، ومتفقون على السلام على رسول الله بدون شد الرحال، فلن يتأتى لإنسان أن يشد الرحال للسلام دون المسجد، ولا يخطر ذلك على بال إنسان، وكذلك شد الرحل للصلاة في المسجد النبوي دون أن يسلم على رسول الله ﷺ لن يخطر على بال إنسان، وعليه فلا انكفاك لأحدهما عن الآخر؛ لأن المسجد النبوي ما هو إلا بيت، وهل بيته ﷺ إلا جزء من المسجد، كما في حديث الروضة.
ومناقشتنا لفضيلة الشيخ هنا في نقاط، علماً بأنني والله لا أرى هذا الكلام يستحق المناقشة:
١- لماذا (متفقين.. متفقون) ، أليست الثانية معطوفة على الأولى بالواو؟.. أليس التعاطف يقتل الاشتراك في الإعراب؟..
٢- تقولون يا صاحب الفضيلة: إنهم متفقون على شد الرحال للمسجد النبوي للسلام على رسول الله.. أرجوكم إعادة النظر من الآن في هذا الكلام للطبعة القادمة إن شاء الله؛ لأن الواقع الذي هو موضوع البحث من أوله إلى آخره هي هذه النقطة، فلو كانوا متفقين عليها لم يجر شيء من هذا الخلاف أبداً، ولا ألّفت مؤلفات من الجانبين، ولا صار هناك مذهب للجمهور ومذهب لغير الجمهور كما قررتم، ولا سجن شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا قام العلماء في بغداد وغيره للانتصار له والشهادة بأنه على الحق، كما قدمنا نقل ذلك من مصادره.
стр. 7967
بل الصحيح أيها الشيخ أنهم متفقون على زيارة قبر النبي ﷺ إذا أمكن ذلك بدون شدّ رحل، ومتفقون على مشروعية شد الرحال لزيارة المسجد النبوي للصلاة فيه، لا لزيارة القبر.
أما شد الرحال للمسجد النبوي للسلام فموضع خلاف وافتراق لا موضع اجتماع واتفاق.
نقول لفضيلته: ما معنى قولكم (فلن يتأتى) ؟ هل معنى ذلك أنه مستحيل؟.. فما وجه استحالته؟..
أنا نفسي مستعد أن أثبت لك أنه ممكن بكل سهولة ويسر؛ فأنني لا أجد أي مانع أو مشكلة لأن آتي عند القبر الشريف وأسلم وأنصرف دون أن أصلي، ودون أن أجلس؛ حتى لا تلزمني تحية المسجد ودخول المسجد ثم الخروج منه بدون صلاة لا فائدة منه، فوجوده وعدمه سواء، وإنما أفعل ذلك من أجلك، حتى إنه يتأتى وغير مستحيل كما تصورت، وكذلك باستطاعتي أن أقف خارج المسجد، وأسلم على رسول الله ثم أنصرف دون أن أدخل المسجد.
فإن قلتم: بذلك لا تكون قد زرت ولا تعتبر قد سلمت لأنك بعيد، أجبتكم بأن قلت: أرأيتم لو أن حائط الحجرة الموجود حاليا ألصق بجدار المسجد الشرفي وبجداره القبلي، هل تتوقفون عن زيارته ﵇ والسلام عليه لأن القبر صار بعيدا؟.. إن قلتم نعم، قلنا: موقفكم الآن للسلام بعيد؛ لأن بينكم وبين القبر مسافة ليست بقليلة، بل إن فضيلتكم قررتم أن رد السلام منه ﵇ يحصل لمن سلم داخل المسجد، ولم تحددوا مكانا معينا محدودا من المسجد، والمكان الذي قلت إنني أقف فيه خارج المسجد وأسلم على رسول الله ﷺ أقرب إلى القبر الشريف من أكثر نواحي المسجد.
تم يقول فضيلته: ولا يخطر ذلك على بال إنسان.
стр. 7968
من الذي يعلم يا فضيلة الشيخ ماذا يخطر في قلوب الناس، وعلى بال كل واحد من بني آدم سوى خالقهم ﵎؟ فعلى أي أساس بنيت هذا الجزء المؤكد؟.. حتى ولو كان ذلك كفرا يخرج من الملة الإسلامية فقد خطر الكفر على بال مئات الملايين من البشر؛ ألست ترى أن أكثر أبناء المسلمين، وأن الملايين من المنتسبين للإسلام قد ضيعوا الصلاة، ومنعوا الزكاة، وارتكبوا الفواحش والمنكرات؟.. أليس كل واحد منهم يسمى إنسانا؟.. فلماذا مسألتك هذه لا تخطر ولن تخطر على بال إنسان؟.. أرأيت لو علتم أن شخصا وصل المسجد النبوي قادما من مصر أو الشام أو أي قطر من أقطار الأرض، وصلى فيه ركعتين أو أكثر، ثم سافر ولم يأت عند قبر النبي ﷺ ولا سلم ﵇ الخاص الذي يقال عند القبر، ولكنه يصلي ويسلم على نبيه في صلاته وعند دخول المسجد وعند الخروج منه وعند ذكره وفي كل مناسبة؛ فبماذا تحكمون عليه يا فضيلة الشيخ؟.. أتقولون: إن ذلك لن يتأتى، نقول لكم: قد تأتى ووقع فعلا، أتقولون إن ذلك لن يخطر على بال إنسان.. نقول لكم: خطر على باله ووقع منه، أتقولون إنه كفر بذلك؟.. نقول لكم: لم يكفر، ولم يرتكب كبيرة من الكبائر ولا صغيرة من الصغائر؛ فمن زعم غير ذلك فعليه الدليل ودون ذلك الدليل خرط القتاد.
ثم ما معنى قولكم يا فضيلة الشيخ: "فلا انفكاك لأحدهما عن الآخر"، وأنتم تعنون إتيان المسجد النبوي للصلاة فيه، وزيارة القبر الشريف، فعدم الانفكاك هذا هل هو لأمر شرعي أم لأمر عقلي؟.. ومرة أخرى هل أخذتم هذا الحكم من شرع الله المنزل على رسوله؟.. فلماذا لم تذكروا دليلكم على ما قلتم، وبه حكمتم؟.. هل خطابكم وبحثكم موجه إلى العامة فقط؟ ولا نصيب فيه لطلبة العلم.. إن كان كذلك فقد أجحفتم يا فضيلة الشيخ في حق طلبة العلم، وتجاهلتم حصتهم في الفائدة..
стр. 7969
أم أنكم أخذتم هذا الحكم من مقتضى العقل؟.. فلو تكرمتم فبينتم وجه استحالة هذا الانفكاك من الناحية العقلية؛ لأني بحثت مع عدد لا بأس به من طلبة العلم في هذا الموضوع، والتمسنا وجه عدم الانفكاك بين وصول المسجد النبوي والصلاة فيه، وبين زيارة القبر النبوي؛ بحثنا ذلك من الناحية الشرعية ومن الناحية العقلية؛ فلم يظهر لنا شئ من ذلك.
الخلاصة:
وخلاصة القول هنا أن فضيلة الشيخ أراد أن يقضي على مشكلة طالما استثارت النقاش والجدال بين المتمسكين بالسنة المتقيدين بالنصوص الشرعية- خاصة في أمور العبادات - من جانب، وبين غيرهم ممن تهاونوا في أمر البدع وتساهلوا معها، بل وحاولوا أن يجعلوا من بعض البدع سننا يلزم الناس بها، ويهاجمون ويتهمون إذا لم يقبلوها أو طولبوا بالدليل على أنها من دين الإسلام - من جانب آخر.
أراد الشيخ أن يقضي على هذه المشكلة، ويوجد الرأي تجاه تلك المسألة بجرة قلم، وبكلمات لا تبلغ العشرة أسطر، ونحن نقول: بارك الله فيك، ونحن من ورائك ضد الخلاف وضد أسبابه، ولكن بشرط - يا فضيلة الشيخ - أن يكون المذهب المقبول الذي نبني عليه هو المذهب المتمشي مع السنة، والذي عليه سلف الأمة، ولو لم يكن هو الموافق لعواطف العامة والمناسب لأذواقهم.
ويقول الشيخ حفظه الله: لأن المسجد ما هو إلا بيته ﷺ ، وهل بيته إلا جزء من المسجد؟ كما في حديث الروضة: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة".. ثم قال: فهذه قوة ربط بين بيته ومنبره في مسجده.
стр. 7970
وهنا نناقش فضيلته فنقول: المسجد النبوي ليس هو بيت الرسول ﷺ ، بل هو بيت الله ومسجد رسوله، وبيت الإنسان غير مسجده، وبيته ﵇ ليست جزءا من المسجد لا قبل وفاته ﵇ ولا بعد وفاته ودفنه فيه، فداؤه آباؤنا وأمهاتنا وأنفسنا وأبناؤنا، ماذا لو كان الأمر كما زعم لكان الرسول وصاحباه مدفونين في المسجد، وهل يجوز دفن الأموات في المساجد واتخاذها مقابر؟.. أبعد الله ذلك اليوم الذي تصبح فيه مساجدنا مقابر، مثلما وقع في بعض البلاد الأخرى، ولو كان بيته جزءا من المسجد ما ساغ أن يقع فيه ما لا يليق بالمساجد كقضاء الحاجة؛ إذ المساجد لا يليق بها إلا العبادة من صلاة وتلاوة وذكر، وما يمت إلى ذلك بصلة من مدارسة علم وبحث شؤون المسلمين ونحو ذلك، وهو ﷺ كان يقيم قي بيته مع أهله ليلا ونهارا ويقضي حاجته، ولا يفعل هذا في جزء من المسجد، وكان ﷺ إذا اعتكف خرج من بيته ودخل المسجد؛ فلو كان بيته جزءا من المسجد كما زعم فضيلة الشيخ لما احتاج- عليه السلم- إلى أن يترك البيت من أجل الاعتكاف.
стр. 7971
أما إن كان قصدكم بعد وفاته ودفنه – ﵊، وبعد إحاطة المسجد بالحجرة بعمل وتدبير حاكم لم يراجع الشرع، ولم يستثر علماء الأمة الإسلامية في عمله هذا - وهذه من الأدلة العديدة التي عرفنا منها أنكم تعتبرون الواقع دليلا على الشرع، مع أن الواجب أن يقاس الواقع بالشرع؛ فإن أقره ووافقه فهو شرعي وإلا فهو عمل باطل ينبغي رده والقضاء عليه - إن كان ذلك هو قصدكم - يا فضيلة الشيخ - فنحن نفيدكم أن الحجرة لا تزال ولن تزال إلى يوم القيامة ليست من المسجد ولا جزءا من أجزائه؛ لأن في داخلها مقبرة، والمقبرة لا تكون مسجدا شرعيا أبدا، والصلاة فيها باطلة بنص الحديث النبوي الصحيح بل إن من اتخذ المقبرة مسجدا فهو ملعون على لسان سيد الخلق محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أما استدلالكم بحديث الروضة على أن المسجد هو نفسه بيت الرسول، وأن بيت الرسول جزء من المسجد فأنتم باستدلالكم هذا كمن يحاول أن يجعل من خيوط العنكبوت أربطة للسفن الكبيرة حتى لا تذهب بها أمواج البحار.
ألا تعلم يا فضيلة الشيخ أن الغاية لا تدخل في المغيَّى؟.. إنني أفهم من حديث: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" أن الموصوف هو المساحة الواقعة ابتداءً بجدار المسجد الملاصق للحجرة وانتهاءً بالمنبر، والمنبر يدخل في تلك المساحة الموصوفة؛ لأنها تحيط به لصغر حجمه ولوجوده داخل المسجد، وقد لا يدخل المنبر، الله أعلم؛ لا نجزم بهذا قطعا ولا بهذا قطعا، وإنما نقول ما يترجح في نظرنا والعلم عند الله.
وقال الشيخ: "ومن ناحية أخرى هل يسلم أحد عليه ﷺ من قريب؛ لينال فضل رد السلام منه ﵇ إلا إذا كان سلامه عن قرب ومن المسجد نفسه".
стр. 7972
نقول يا فضيلة الشيخ: هذا كله من تخيلاتك وتصوراتك الخاصة ولا مستند له من شرع ولا من عقل، وقد أجبنا على هذا مفصلا في ما تقدم من هذا البحث فلا داعي لتكراره.
تم قال الشيخ: "وهل تكون الزيارة سنية إلا إذا دخل المسجد وصلى أولا تحية المسجد؟.."
نقول: إن أردت زيارة المسجد فأنت صادق، والواقع كما قلت، لا تكون الزيارة سنية شرعية إلا إذا دخل المسجد وصلى فيه، أما مجرد أن يصل المدينة ثم يرجع دون أن يدخل المسجد ويصلي فيه؛ لا يعتبر ذلك قد زار المسجد ولا يعد منتفعا بتلك الزيارة.
إما إن كنتم تعنون بالزيارة السنية زيارة القبر، وأنها لا تكون سنية إلا بأن يدخل الإنسان المسجد فيصلي ثم يزور؟.. فمن هو الذي وضع هذه السنة؟.. هل علمها الرسول- ﷺ أصحابه في حياته؟.. فقال: إذا أنا مت فادفنوني في المكان الفلاني ثم زوروني وسلموا علي، وإذا وصلتم المدينة فادخلوا المسجد أولا ثم صلوا كذا وكذا، ثم توجهوا إلى قبرى للزيارة والسّلام؟.. هل قال الرسول ذلك ... دلونا على المرجع الذي روى فيه هذا الحديث من كتب السنة، ولكم ألف شكر.
أم هي سنة تقررت بعد وفاته ﵇ فمن الذي قررها بالله عليكم؟.. وهل لأحد بعد رسول الله وبعد انقطاع الوحي من قبل السماء أن يسن في الدين سننا ويقرر شرائع؟.. لا حول ولا قوة إلا بالله.
ربما يقول الشيخ: نعم، الخلفاء الراشدون لهم أن يشرعوا بعد الرسول ﷺ بدليل "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" الخ..
стр. 7973
إن قال ذلك قلنا أولا الخلفاء الراشدون ما ثبت عنهم تشريع شدّ الرحال لزيارة القبر، ولا بقولهم ولا فعلهم، وثانيا هم لا يشرعون من عند أنفسهم ولكن المراد بسنتهم طريقتهم وهديهم في الاجتهاد في فهم نصوص الشرع وتقرير الأحكام المستمدة من نصوص الوحي وسياستهم للدولة الإسلامية في أحوال حربها وسلمها وسائر أحوالها، ولذلك خصّ الخلفاء دون غيرهم ممن قد يكون في مستواهم علما وصلاحا.
تم قال الشيخ: "وبهذا فلا انفكاك لشد الرحال إلى المسجد عن زيارة الرسول- ﷺ ولا لزيارته عن المسجد؛ فلا موجب لهذا النزاع".
ونحن نقول لفضيلته: إن الذين تنارعوا أعلم بدين الله، ولو أن النزاع لفظي - كما توهمتم - لما تنازعوا، ولكنهم فهموا في الموضوع غير ما فهمتم فضيلتكم، ومن ضمن ما فهموا "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.." الخ الحديث؛ لهذا قال مَنْ لا يرى جوار شد الرحال لزيارة القبور: إن من جمع في نيته زيارة المسجد وزيارة القبر فقد جمع بين مشروع وممنوع، ومن ثم له أجر المشروع وعليه إثم الممنوع، ولم يوافقوكم على أن الممنوع يشترك مع المشروع فيؤجر على الجميع، بل هذا فهمكم الخاص، ولهذا قلتم. فلا موجب لهذا النزاع.
أما الذين يوافقونكم على أنه لا داعي ولا مبرر للنزاع فيه فهو بالنسبة لمن سافر ناويا زيارة المسجد النبوي للصلاة فيه، ولم يدخل في نية سفره زيارة القبر، وبعد أن يصل إلى المسجد ويصلي ركعتين أو أكثر يتوجه إلى القبر، فتكون بداية نية زيارة القبر بعد وصول المسجد والصلاة فيه؛ حتى لا يكون لها نصيب من السفر البعيد وشد الرحال؛ هذه الصورة هي التي لا مجال للنزاع فيها، وفعلا لم يحدث ولم يحصل فيها نزاع بين ابن تيمية وخصومه، أما من قبلهم فقد بينا مذهبهم.. والحمد لله رب العالمين.
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 7974
[١] يفهم من كلام الكاتب ومن كلام السهسواني الذي نقل عنه أن زيارة قبر النبي ﷺ غير مشروعة، ولم تثبت عن أحد من السلف مطلقا، وأن مجرد إتيانه يعتبر اتخاذه عيدا.
وهذا خلاف ما يدل عليه عموم قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزروها فإنها تذكر الآخرة"، وقد خلط الكاتب - عفا الله عنه - بين حكم شد الرحال وبين حكم زيارة القبر نفسه، والفرق واضح بين الحكمين لمن تأمل؛ لأن شد الرحال غير جائز لقصد القبر عند التحقيق، أما زيارة القبر بدون شد الرحال فمشروعة، والله أعلم.. "المجلة".
[٢] بل الحديث الصحيح وهو "كنت نهيتكم.. الخ"، يدل على عكس ما يراه الكاتب، وما نفل عنهم وسماهم أئمة، وقد أثبت شيخ الإسلام ابن تيمية الحق الذي دل عليه الحديث المذكور، والعجيب من الأمر أن الكاتب نقل كلام شيخ الإسلام في هذا المعنى في نفس هذه الصفحة، ثم تركه دون تعليق، ونقل كلام من تبنى فكرتهم من عدم مشروعية زيارة القبور مطلقاً، وأنه عمل غير صالح وحبذه، ودعا إليه كما ترى ٠٠"المجلة".
[٣] بل الصواب هو ما ذكر في التعليق رقم (١) .. "المجلة".
[٤] الصحيح ما تقدم أن مالك يكره مطلق الزيارة لا التلفظ بها، أما شد الرحال لها فقد صرح بتحريمه كما تقدم في أكثر من موضع من بحثنا هذا. المجلة.. (بل الصحيح أن الزيارة مشروعة بدون شد الرحال ولا معنى لكراهتها لفظا ولا معنى، ولا تفهم كراهة مطلق الزيارة من قول مالك المشار إليه، كيف وقد قال النبي ﵊: "ألا فزوروها" في الحديث الذي تقدم ذكره في التعليق السابق.
[٥] على حد زعمهم.
стр. 7975
[٦] أما مشروعية زيارة القبور بما في ذلك قبر رسول الله ﷺ بدون شد الرحال - فقد سبق أن ذكرنا في تعليقاتنا السابقة دليلها بالحديث الصحيح: "كنت نهيتكم ... الحديث"، كما نوهنا على أن شد الرحال غير جائز لغير المساجد الثلاثة؛ عملا بحديث: "لا تشد الرحال ... الحديث" والذي يلاحظ أن الكاتب يقع أحيانا في الخلط بين الأمرين. "المجلة".
[٧] ولماذا أمر عمر رضى الله عنه بإخفاء قبر (دانيال) ﵇ حين وجد جثمانه في بلاد فارس؟ أليس نبيا كنبينا محمد ﷺ ؟ لِمَ لَمْ يترك قبره معلوماً للمسلمين ليزوروه ويفعلوا عنده كالذي يفعل الناس اليوم عند قبر نبينا ﵇؟ أيريد عمر أن يحرم المسلمين من هذا الخير العظيم؟.
[٨] بل الأربعة.
стр. 7976
وجوب إنكار المعاملات الربوية
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.. نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد..
فمن الظواهر السيئة التي برزت في صحفنا الدعوة إلى الربا، ومن ذلك ما نشر بجريدة الجزيرة عدد (٢٢٦٣) وتاريخ ١١ شوال عام ١٣٩٨هـ تحت عنوان (خططنا للضمان الممتاز) ، وكذلك ما جاء من الدعوة إلى الربا في الصحف والمجلات المحلية.
وهذه المعاملات من الربا المحرم بالكتاب والسنة والإجماع، وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن أكل الربا من كبائر الذنوب، ومن الجرائم المتوعد عليها بالنار واللعنة.. قال الله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ .
стр. 7977
ففي هذه الآيات الدلالة الصريحة على غلظ تحريم الربا، وأنه من الكبائر الموجبة للنار، كما أن فيها الدلالة على أن الله يمحق كسب المرابي ويربي الصدقات، أي: يربيها لأهلها وينميها حتى يكون القليل كثيرا إذا كان من كسب طيب، وفي الآية الأخيرة التصريح بأن المرابي محارب لله ورسوله، وأن الواجب عليه التوبة إلى الله سبحانه وأخذ رأس ماله من غير زيادة.
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: "هم سواء".
وهذه المسألة التي كثرت الدعاية لها في الصحف والمجلات من المسائل التي بحثها مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وهذا مضمون ما قرره: "وضع الأموال في البنوك لأخذ فائدة ربوية بنسبة معينة يحصل عليها صاحب المال من البنك ونحوه، ويدفعها له إما بعد مضي الأجل الذي يتفق عليه، وإما عند سحب المال فيدفع له ما اتفق عليه من الربا الذي سمي ربحا أو فائدة.. وهذا ربا صريح حرمه الله ورسوله وأجمع سلف الأمة الإسلامية على تحريمه، وتسميته وديعة أو باسم غير ذلك لا يغير من حكم الربا المحرم فيه شيئا؛ فقد جمع ربا الفضل وربا النسيئة؛ لأنه بيع نقود بنقود نسيئة بزيادة ربح ربوي إلى أجل". انتهى.
стр. 7978
والواجب على ولاة الأمور وعلى علماء الإسلام في كل مكان إنكار مثل هذه المعاملات الربوية والتحذير منها، كما أن الواجب على وزارة الإعلام منع نشر هذه المعاملات الربوية والدعاية إليها في جميع وسائل الإعلام؛ عملا بقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .. وقوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .. وقوله : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .. وقوله سبحانه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
وبالله التوفيق.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه..
- خير الكلام كلام الله.
- خير الهدى هدى رسول الله.
- خير القصص قصص القرآن.
- خير الأمور عواقبها.
- شر الأمور محدثاتها.
- شر العمى عمى القلب.
- شر الضلالة الضلالةُ بعد الهدى.
- شر المعذرة معذرة العبد حين يحضره الموت.
стр. 7979
تعقيب لا تثريب
لفضيلة الشيخ محمد المجذوب
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين
من عثرات الأقلام والأوهام:
أسوأ ما يتعرض له المشتغلون بالعلم، وخاصة ما يتصل منه بالنواحي الشرعية وتاريخ الإسلام، هو استكانتهم للكسل الذي يدفعهم إلى إرسال الأحكام دون تدقيق ولا تحقيق.
وقد أسلفنا في ما قدمنا من بحوث في هذا الباب (تعقيب لا تثريب) بعض النماذج الحية عن ذلك الوهن، الذي لا يسيء فقط إلى أصحابه، بل إنه ليسيء إلى الحقيقة التي يتصدرون للحديث عنها.
وها نحن أولا.. نقف عند تعقيب اليوم على نماذج من هذه الظواهر التي تفوق بوفرتها جهد المعقب، بالغا ما بلغ من الصبر والمتابعة، وكل ما نرجوه هو أن نوقظ بهذه الملاحظات وأخواتها همم هؤلاء الفضلاء، حتى لا يسمحوا لأنفسهم باتباع الظن، الذي لا يغني من الحق شيئا، ولئن قصر بنا الجهد عن استيفاء الأخطاء فحسبنا بذل الاستطاعة، والعجز صفة الإنسان، وقديما قيل: "ما لا يدرك كله لا يترك جله"..
١- أخرج البيهقي عن طريق إبراهيم بن عبد الرحمن الغدرى مرسلا، أن رسوله الله ﷺ قال: "يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عدُولُه؛ ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" [١] .
وهذا الحديث الشريف يعتبر من جوامع الكلم، ومن الإشارات الخطيرة إلى مستقبل الإسلام، ومسيرة الدعوة الربانية.
ولكي يتضح المضمون العظيم لهذا البلاغ النبوي يحسن بالباحث إبراز بعض دقائقه ليكون القارئ على بينة مما سنقصه عليه.
стр. 7980
فالرسول - صلوات الله وسلامه عليه - يبشرنا أن حقائق هذا الدين الحق ستظل أبدا مشمولة برعاية الله، الذي يقيض لحراستها مدى الدهر طائفة من خيرة عباده المميزين بالعلم والعدالة والشجاعة، التي تؤهلهم للشهادة على الناس، وتصحيح ما يتعرض له دينه من انحرافات على أيدي المفسدين من المضللين والمضلَّلين.. وهو نفسه المعنى الذي يحمله الحديث المتفق عليه الذي يقول: "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" [٢] .
وعن كلا الأثرين الشريفين تفصيل مجمل في قوله تعإلى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ؛ ومعلوم أن من أهم صور الحفظ لكتاب الله تجرد فئة من المجاهدين في سبيله يحبسون وجودهم على حماية دين الله من تحريف الغالين، الذين لا يرتضون ما أنزل الله وبلغ رسوله، فيتصيدون له الزوائد من هنا وهناك، حتى تغيب حقائقه وراء حجب البدع، ومن انتحال المبطلين، الذين يشرعون لأتباعهم من الدين ما لم يأذن به الله؛ فما يزالون بهم حتى يخرجونهم من نور الحق إلى ظلمات الباطل، ومن تأويل الجاهلين، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
ذلك كله أول ما يواجه الناظر في خبر رسول الله ﷺ عن حملة هذا العلم.. فهم ورثة السلف الصالح في الحفاظ على تراث النبوة صافيا لا تخالطه الشوائب، وهم حجة الله القائمة على عباده حتى يرث الله الأرض وما عليها.
стр. 7981
ومع ذلك فقد سمعنا من متحدثي بعض الإذاعات من يجهله عن تبين الحقيقة في هذا الحديث الشريف؛ فإذا هو يحرف الكلم عن موضعه؛ فيقرأ قوله ﷺ : "عدوله" - وهو جمع عدل.. أي الدقة الضابط الصدوق - يقرؤه (عَدوُّ له) من العداوة، فيجعل حملة هذا الدين هم (أعداءه) لا (عُدُوله) .. تم يمضي في منحدره هذا مفسرا الحديث على النحو الذي يتفق مع زلته.. فما زال يتخبط حتى استوفي دقائقه المقررة في لغو لا مفهوم له..
هذا المحدث يحمل مؤهلا من أقدم جامعة في العالم الإسلامي، وكان من قبل أحد المفتين، وإن يكن ذلك منصبا تشريفيا لا يُشترط له العلم في بلده، وقد امتحنه الله بالوزارة، فلأحاديثه صفة التقارير الرسمية التي لا تقبل الرد.. ولعله بدافع من هذه الحصانة يرى من حقه أن ينطلق على هواه؛ فيقول في حديث رسول الله ما يحضره من قول، دون ما حاجة إلى روية أو تأمل.. وقد نسى أن المفسر لقول رسول الله ﷺ لا يعدو كونه مفتيا يؤدي شهادته بأن ذلك هو مراده صلوات الله وسلامه عليه، وأن الغالط في تلاوة ما يروى عنه يعتبر واحد من الكاذبين عليه، الذين أنذرهم بمقعدهم من النار؛ لأنهم استراحوا إلى الكسل، فلم يكلفوا أنفسهم جهدا التيقن من الواقع، ولم يرجعوا إلى أهل الذكر في الاستيثاق من سلامة اللفظ وصحة المضمون، وهم على ذلك قادرون، لكنهم استهانوا بواجب العلم، ولم يفطنوا إلى أنهم عن الله ورسوله يتحدثون.
والغريب في أمر هذا المتحدث أنه قرأ كلمة (خلف) من الحديث على وجهها الصحيح، ثم لم ينتبه إلى التضاد المعنوي القائم بينها وبين لفظ (عدو) ؛ لأن الخلف - بفتح اللام - لا يكون إلا في معرض الخير، فلا تكون منه العداوة، وإنما تأتي العداوة من (الخلف) بسكون اللام، الذي لا يكون إلا في الشر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ..﴾ (١٩/٥٩) .
стр. 7982
فليت هذا الوزير قد تذكر بعض ما قرأه أيام الطلب من أخبار السلف عن مواقفهم من حديث رسول الله ﷺ .. ليته يقرأ نبأ مالك إمام المدينة ﵀؛ إذ كان يستوضح زواره عما يريدون من العلم، فإذا طلبوا الفقه خرج إليهم دون كبير احتفال؛ لأن الفقه فهم يتوصل إليه الرجال، فإذا كان المطلوب هو الحديث لم يواجههم حتى يغتسل ويتهيأ له بما يليق بلقاء رسول الله من الإجلال..
وأغلب الظن أن معالي الوزير سينفي عن نفسه ما قصصناه عنه تنزها عن مثله.. غير أنه لا مندوحة له عن التفكير مليا قبل إقدامه على النفي؛ إذ يتذكر أن حديثه (العالي) مسجل، وسيتعذر عليه إزالته، فخير له أن يعود لتصحيح خطئه من الإذاعة نفسها، وبذلك نكون له مع السامعين من الشاكرين.
٢- وهذا رابع الوزراء الذين قدر لنا أن ننبه إلى بعض أغاليطهم في هذا التعقيب.
كتب فضيلته ذات يوم - في مجلة إسلامية محترمة تصدر برعايته - حديثا تناول فيه بعض مشاهد السيرة النبوية الطاهرة، وكان مما تعرض له خبر الصحيفة الظالمة التي سجل فيها المشركون اتفاقهم على مقاطعة نبي الله ﷺ ومن معه من المؤمنين والمؤيدين.. حتى إذا صار الكلام عن نقضها ألقى الشيطان على قلمه أن بعض المطلعين قد أخبر الرسول ﷺ بسطو الأرضة على الصحيفة حتى لم تدع فيها سوى اسم الله..
ولما روجع معاليه في ذلك، وطولب بذكر المراجع الذي استند إليها في روايته الغريبة تلك، جاء جوابه أكبر من غلطته؛ إذ اسند الخبر إلى أحد المستشرقين..
ونعود إلى خبر الصحيفة في كتب السيرة وغيرها من المؤلفات المعتبرة؛ فلا نجد أصلا لهذا القول.
والمحقق في أمر نقضها أنه جاء نتيجة تعاون بعض ذوى الغيرة من قريش، الذين آلمهم ما رأوا من أثر المقاطعة في أقربائهم؛ فاتفقوا على القيام بنقضها، على الوجه الذي أثبتته تلك الكتب..
стр. 7983
أما الرواية التي تقول بأن رسول الله ﷺ قد أخبر عمه أبا طالب بتسليط الله الأرضة على الصحيفة؛ فقد أوردها المحققون - كابن هشام وابن القيم وابن كثير - على أنها وصلت إليهم على لسان (بعض أهل العلم) دون أن يسندوها إلى راو بعينه..
ومهما يكن من أمر فقد كان على معالي الوزير أن يرد الخبر إلى موضعه من كتب السيرة، ولو فعل لما تورط في نسبته إلى مستشرق؛ لأن الخبر في مصادره الأساسية معروض على أنه مستند إلى الوحي، الذي أنبأ رسول الله بفعل الأرضة، فأنبأ رسول الله عمه بذلك..
وإنه لمن المفارقات المؤسفة كل الأسف أن نأخذ أخبار السيرة النبوية عن مستشرق أو مستغرب، وبين أيدينا أكداس المصنفات التي كتبها الثقات عن حياة نبي الله ﷺ ؛ فلا تزال تمد المفكرين والباحثين كل يوم بالكنوز التي لا تنفذ من تراثنا العظيم.
٣- وفي حديث إذاعي لأديب معروف عن غزوة الخندق يقول: (لقد انفض القوم يومئذ من حول رسول الله ﷺ ؛ حتى لم يبق معه سوى ثلاثمائة فقط..
ولا جرم أن تحديد عدة المسلمين بثلاثمائة لا معتمد له نقلا ولا عقلا؛ فالعدو قد زحف على المدينة بعشرة آلاف مقاتل من قريش وأحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وتهامة وغطفان.. فمن غير المعقول أن يخرج المسلمون لمواجهتهم بذلك العدد الضئيل وهم قادرون على تعبئة أكبر.. فكيف وقد أجمعت كتب السيرة على أن عدد المسلمين لم ينزل يومئذ عن ثلاثة آلاف [٣] .
стр. 7984
وقد يفهم من كلام صاحب الحديث أن الثلاث المئات هم الذين بقوا مع النبي ﷺ بعد المنفضين، وهو رأي مردود أيضا؛ لأنه يعنى أن كثرة الخارجين مع الرسول كانوا يومئذ من المنافقين الذين جعلوا يتسللون لواذا زاعمين أن بيوتهم عورة، ولو صح هذا التوهم لطمع المنافقون بالقلة المؤمنة، ولأسرعوا بالاتفاق مع الغزاة على استئصال الإسلام.. وإنما منعهم من ذلك يقينهم بضعفهم، وبخاصة بعد غزوة أحد التي كشفتهم، إذ لم يتجاوزون المئات الثلاث ثم جعلوا يتناقصون بما شرح الله صدور بعضهم للإسلام، حتى لم يبق حول رأسهم ابن سلول إلا القليل الذي لا يؤبه له..
والحديث عن يوم الأحزاب يستدعى التوقف عند ذكر نعيم ابن مسعود - رضى الله عنه - الذي كان له دوره الفعال في مصير الغزوة، وتخذيل المتخالفين من أهل الشرك ويهود قريظة.. ولكنه لفظ اسمه بفتح النون، وهو مضبوط في سيرة ابن هشام، بضمها على التصغير.
ولعل الأديب الفاضل يستدرك هاتين الهفوتين عندما يتجه لنشر أحاديثه النافعة في كتاب نرى أن يكون مخرجه قريبا إن شاء الله.
٤- وللعربية - لغة القرآن العظيم ووسيلة الدارس إلى فهم مراد الله ورسوله، ﷺ حظها من أغاليط الكتاب والمؤلفين أيضا، فضلا عن عدوان الكارهين لها المؤتمرين بها.. فلها من أجل ذلك على الأقلام المؤمنة حق الدفاع عن حياضها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، وسأضع بين يدي القارئ في هذا التعقيب بعض النماذج لما نواجهه من هذه الأغاليط.
في كتاب يقدم نفسه بعنوان: (طريق النجاح في القواعد والإعراب) وجدتنى أطالع في بعض تدريباته البيت التالي:
ثُبْت أن أبا قابوس أوعدني
ولا قرار على زأر من الأسد
ثم يليه هذا الشرح العجيب: لقد أخبرني الناس بأن أبا قابوس يتوعدك وينذرك؛ فقلت لهم: ألقوا عنكم هذا، فأبو قابوس ووعيده لا يساوى عندي جنح بعوضة!..
стр. 7985
وأنا هنا لا أحب أن أحاسب المؤلف على أسلوبه السوقي في التعبير عن مفهومه للبيت، ولكنى أكتفي بالإشارة إلى بعده الشاسع عن غرض الشاعر.. ولو هو عاد إلى ديوان النابغة وتعقيبات شراحه من اللغويين لعلم أنه إنما يصف خوفه الشديد من أبي قابوس الذي أنذره بالقتل، ويعتذر عن هذا الخوف بتشبيه ضمني يجعل أبا قابوس بمنزلة الأسد الذي يرسل زئيره؛ فلا يجد سامعه سبيلا إلى الاطمئنان على نفسه.
ومن هذا الضرب عمله في تدريب آخر حول معنى البيت التالي:
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب
وتقليننى.. لكن إياك لا أقلي
فيقول في شرحه: "لقد نظرت إلي نظرة بطرف عينها اننى مذنب.. وإنني لأعجب كيف تتمكن من هجري، مع أني لا استطيع اصطبارا على فراقها"..
ويلاحظ كل ذي صلة بالبيان العربي أن الشارح لم يزد على أنه شوه مراد الشاعر، عن الركاكة التي لا تتوقع من مبتدئ فضلا عن مؤلف يقيم من نفسه ملعما حتى للجامعيين..
ووارحمتاه للعربية!..
٥- ويذكرني هذا بموقفين مشابهين عرضا لي أثناء تدقيق امتحان الشهادات في بلد عرني مجاور قبل بضع عشرة سنة؛ ذلك أني اختلفت مع ممثل لجنة الأدب حول قول شوقي - من النص المقرر على الطلاب:
منت بالله واستثنيت جنته
دمشق روح وجنات وريحان
فقلت: علينا أن نتفق أولا على رأي الشاعر بشأن الجنة كي نعرف أي الإجابات تقبل وأيها يرفض.
فقال سيادة الممثل: الأمر أوضح من أن يختلف عليه، إن شوقيا يستثنى الجنة من إيمانه، ويعتبر دمشق هي الجنة..
قلت: بهذا تخرج شوقيا من حظيرة الإسلام على الأقل؛ إذ لا يصح إيمان بالله مع إنكار ما أخبر به.. وعرضنا الأمر على اللجنة؛ فكلهم وافق رأيه دون استثناء، حتى أخذت أذكرهم بما أورده الشاعر في القصيدة نفسها من دلائل إيمانه بالجنة ومحتوياتها.. فإذا هم ينفضون من حوله، إلا صديقا لي كان شريكي في تأليف أحد كتب الأدب!..
следующие страницы →