← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

ومع ذلك فقد سمعنا من متحدثي بعض الإذاعات من يجهله عن تبين الحقيقة في هذا الحديث الشريف؛ فإذا هو يحرف الكلم عن موضعه؛ فيقرأ قوله ﷺ : "عدوله" - وهو جمع عدل.. أي الدقة الضابط الصدوق - يقرؤه (عَدوُّ له) من العداوة، فيجعل حملة هذا الدين هم (أعداءه) لا (عُدُوله) .. تم يمضي في منحدره هذا مفسرا الحديث على النحو الذي يتفق مع زلته.. فما زال يتخبط حتى استوفي دقائقه المقررة في لغو لا مفهوم له.. هذا المحدث يحمل مؤهلا من أقدم جامعة في العالم الإسلامي، وكان من قبل أحد المفتين، وإن يكن ذلك منصبا تشريفيا لا يُشترط له العلم في بلده، وقد امتحنه الله بالوزارة، فلأحاديثه صفة التقارير الرسمية التي لا تقبل الرد.. ولعله بدافع من هذه الحصانة يرى من حقه أن ينطلق على هواه؛ فيقول في حديث رسول الله ما يحضره من قول، دون ما حاجة إلى روية أو تأمل.. وقد نسى أن المفسر لقول رسول الله ﷺ لا يعدو كونه مفتيا يؤدي شهادته بأن ذلك هو مراده صلوات الله وسلامه عليه، وأن الغالط في تلاوة ما يروى عنه يعتبر واحد من الكاذبين عليه، الذين أنذرهم بمقعدهم من النار؛ لأنهم استراحوا إلى الكسل، فلم يكلفوا أنفسهم جهدا التيقن من الواقع، ولم يرجعوا إلى أهل الذكر في الاستيثاق من سلامة اللفظ وصحة المضمون، وهم على ذلك قادرون، لكنهم استهانوا بواجب العلم، ولم يفطنوا إلى أنهم عن الله ورسوله يتحدثون. والغريب في أمر هذا المتحدث أنه قرأ كلمة (خلف) من الحديث على وجهها الصحيح، ثم لم ينتبه إلى التضاد المعنوي القائم بينها وبين لفظ (عدو) ؛ لأن الخلف - بفتح اللام - لا يكون إلا في معرض الخير، فلا تكون منه العداوة، وإنما تأتي العداوة من (الخلف) بسكون اللام، الذي لا يكون إلا في الشر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ..﴾ (١٩/٥٩) .

стр. 7982

فليت هذا الوزير قد تذكر بعض ما قرأه أيام الطلب من أخبار السلف عن مواقفهم من حديث رسول الله ﷺ .. ليته يقرأ نبأ مالك إمام المدينة ﵀؛ إذ كان يستوضح زواره عما يريدون من العلم، فإذا طلبوا الفقه خرج إليهم دون كبير احتفال؛ لأن الفقه فهم يتوصل إليه الرجال، فإذا كان المطلوب هو الحديث لم يواجههم حتى يغتسل ويتهيأ له بما يليق بلقاء رسول الله من الإجلال.. وأغلب الظن أن معالي الوزير سينفي عن نفسه ما قصصناه عنه تنزها عن مثله.. غير أنه لا مندوحة له عن التفكير مليا قبل إقدامه على النفي؛ إذ يتذكر أن حديثه (العالي) مسجل، وسيتعذر عليه إزالته، فخير له أن يعود لتصحيح خطئه من الإذاعة نفسها، وبذلك نكون له مع السامعين من الشاكرين. ٢- وهذا رابع الوزراء الذين قدر لنا أن ننبه إلى بعض أغاليطهم في هذا التعقيب. كتب فضيلته ذات يوم - في مجلة إسلامية محترمة تصدر برعايته - حديثا تناول فيه بعض مشاهد السيرة النبوية الطاهرة، وكان مما تعرض له خبر الصحيفة الظالمة التي سجل فيها المشركون اتفاقهم على مقاطعة نبي الله ﷺ ومن معه من المؤمنين والمؤيدين.. حتى إذا صار الكلام عن نقضها ألقى الشيطان على قلمه أن بعض المطلعين قد أخبر الرسول ﷺ بسطو الأرضة على الصحيفة حتى لم تدع فيها سوى اسم الله.. ولما روجع معاليه في ذلك، وطولب بذكر المراجع الذي استند إليها في روايته الغريبة تلك، جاء جوابه أكبر من غلطته؛ إذ اسند الخبر إلى أحد المستشرقين.. ونعود إلى خبر الصحيفة في كتب السيرة وغيرها من المؤلفات المعتبرة؛ فلا نجد أصلا لهذا القول. والمحقق في أمر نقضها أنه جاء نتيجة تعاون بعض ذوى الغيرة من قريش، الذين آلمهم ما رأوا من أثر المقاطعة في أقربائهم؛ فاتفقوا على القيام بنقضها، على الوجه الذي أثبتته تلك الكتب..

стр. 7983

أما الرواية التي تقول بأن رسول الله ﷺ قد أخبر عمه أبا طالب بتسليط الله الأرضة على الصحيفة؛ فقد أوردها المحققون - كابن هشام وابن القيم وابن كثير - على أنها وصلت إليهم على لسان (بعض أهل العلم) دون أن يسندوها إلى راو بعينه.. ومهما يكن من أمر فقد كان على معالي الوزير أن يرد الخبر إلى موضعه من كتب السيرة، ولو فعل لما تورط في نسبته إلى مستشرق؛ لأن الخبر في مصادره الأساسية معروض على أنه مستند إلى الوحي، الذي أنبأ رسول الله بفعل الأرضة، فأنبأ رسول الله عمه بذلك.. وإنه لمن المفارقات المؤسفة كل الأسف أن نأخذ أخبار السيرة النبوية عن مستشرق أو مستغرب، وبين أيدينا أكداس المصنفات التي كتبها الثقات عن حياة نبي الله ﷺ ؛ فلا تزال تمد المفكرين والباحثين كل يوم بالكنوز التي لا تنفذ من تراثنا العظيم. ٣- وفي حديث إذاعي لأديب معروف عن غزوة الخندق يقول: (لقد انفض القوم يومئذ من حول رسول الله ﷺ ؛ حتى لم يبق معه سوى ثلاثمائة فقط.. ولا جرم أن تحديد عدة المسلمين بثلاثمائة لا معتمد له نقلا ولا عقلا؛ فالعدو قد زحف على المدينة بعشرة آلاف مقاتل من قريش وأحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وتهامة وغطفان.. فمن غير المعقول أن يخرج المسلمون لمواجهتهم بذلك العدد الضئيل وهم قادرون على تعبئة أكبر.. فكيف وقد أجمعت كتب السيرة على أن عدد المسلمين لم ينزل يومئذ عن ثلاثة آلاف [٣] .

стр. 7984

وقد يفهم من كلام صاحب الحديث أن الثلاث المئات هم الذين بقوا مع النبي ﷺ بعد المنفضين، وهو رأي مردود أيضا؛ لأنه يعنى أن كثرة الخارجين مع الرسول كانوا يومئذ من المنافقين الذين جعلوا يتسللون لواذا زاعمين أن بيوتهم عورة، ولو صح هذا التوهم لطمع المنافقون بالقلة المؤمنة، ولأسرعوا بالاتفاق مع الغزاة على استئصال الإسلام.. وإنما منعهم من ذلك يقينهم بضعفهم، وبخاصة بعد غزوة أحد التي كشفتهم، إذ لم يتجاوزون المئات الثلاث ثم جعلوا يتناقصون بما شرح الله صدور بعضهم للإسلام، حتى لم يبق حول رأسهم ابن سلول إلا القليل الذي لا يؤبه له.. والحديث عن يوم الأحزاب يستدعى التوقف عند ذكر نعيم ابن مسعود - رضى الله عنه - الذي كان له دوره الفعال في مصير الغزوة، وتخذيل المتخالفين من أهل الشرك ويهود قريظة.. ولكنه لفظ اسمه بفتح النون، وهو مضبوط في سيرة ابن هشام، بضمها على التصغير. ولعل الأديب الفاضل يستدرك هاتين الهفوتين عندما يتجه لنشر أحاديثه النافعة في كتاب نرى أن يكون مخرجه قريبا إن شاء الله. ٤- وللعربية - لغة القرآن العظيم ووسيلة الدارس إلى فهم مراد الله ورسوله، ﷺ حظها من أغاليط الكتاب والمؤلفين أيضا، فضلا عن عدوان الكارهين لها المؤتمرين بها.. فلها من أجل ذلك على الأقلام المؤمنة حق الدفاع عن حياضها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، وسأضع بين يدي القارئ في هذا التعقيب بعض النماذج لما نواجهه من هذه الأغاليط. في كتاب يقدم نفسه بعنوان: (طريق النجاح في القواعد والإعراب) وجدتنى أطالع في بعض تدريباته البيت التالي: ثُبْت أن أبا قابوس أوعدني ولا قرار على زأر من الأسد ثم يليه هذا الشرح العجيب: لقد أخبرني الناس بأن أبا قابوس يتوعدك وينذرك؛ فقلت لهم: ألقوا عنكم هذا، فأبو قابوس ووعيده لا يساوى عندي جنح بعوضة!..

стр. 7985

وأنا هنا لا أحب أن أحاسب المؤلف على أسلوبه السوقي في التعبير عن مفهومه للبيت، ولكنى أكتفي بالإشارة إلى بعده الشاسع عن غرض الشاعر.. ولو هو عاد إلى ديوان النابغة وتعقيبات شراحه من اللغويين لعلم أنه إنما يصف خوفه الشديد من أبي قابوس الذي أنذره بالقتل، ويعتذر عن هذا الخوف بتشبيه ضمني يجعل أبا قابوس بمنزلة الأسد الذي يرسل زئيره؛ فلا يجد سامعه سبيلا إلى الاطمئنان على نفسه. ومن هذا الضرب عمله في تدريب آخر حول معنى البيت التالي: وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقليننى.. لكن إياك لا أقلي فيقول في شرحه: "لقد نظرت إلي نظرة بطرف عينها اننى مذنب.. وإنني لأعجب كيف تتمكن من هجري، مع أني لا استطيع اصطبارا على فراقها".. ويلاحظ كل ذي صلة بالبيان العربي أن الشارح لم يزد على أنه شوه مراد الشاعر، عن الركاكة التي لا تتوقع من مبتدئ فضلا عن مؤلف يقيم من نفسه ملعما حتى للجامعيين.. ووارحمتاه للعربية!.. ٥- ويذكرني هذا بموقفين مشابهين عرضا لي أثناء تدقيق امتحان الشهادات في بلد عرني مجاور قبل بضع عشرة سنة؛ ذلك أني اختلفت مع ممثل لجنة الأدب حول قول شوقي - من النص المقرر على الطلاب: منت بالله واستثنيت جنته دمشق روح وجنات وريحان فقلت: علينا أن نتفق أولا على رأي الشاعر بشأن الجنة كي نعرف أي الإجابات تقبل وأيها يرفض. فقال سيادة الممثل: الأمر أوضح من أن يختلف عليه، إن شوقيا يستثنى الجنة من إيمانه، ويعتبر دمشق هي الجنة.. قلت: بهذا تخرج شوقيا من حظيرة الإسلام على الأقل؛ إذ لا يصح إيمان بالله مع إنكار ما أخبر به.. وعرضنا الأمر على اللجنة؛ فكلهم وافق رأيه دون استثناء، حتى أخذت أذكرهم بما أورده الشاعر في القصيدة نفسها من دلائل إيمانه بالجنة ومحتوياتها.. فإذا هم ينفضون من حوله، إلا صديقا لي كان شريكي في تأليف أحد كتب الأدب!..

стр. 7986

أما الموقف الثاني فمع رأي آخر للمثل نفسه في كتاب له يدرس في السنة النهائية من القسم الثانوي؛ إذ أورد قول المعري من لزومياته: لو كان لي أو لغيري قيد أنملة من التراب لكان الأمر مشتركا فراح يقرر إيمان المعري بالاشتراكية على أنه سابق لأهلها بالدعوة إليها!.. وقد نسي - هداه الله - أن المعري إنما يتحدث في توحيد الله جلاله، فينفي أن يكون لأي مخلوق أي أثر من الملكية في هذا الوجود، فالبيت إذن تقرير لوحدانية الخالق، وتنزيهه سبحانه عن كل ألوان الشرك، والمعصوم من عصمه الله، ولا حول ولا قوة إلا به. إذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستة مشاهد: ١- مشهد التوحيد؛ وأن الله هو الذي قدره وشاءه وخلقه.. "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن".. ٢- مشهد العدل؛ وأنه ماضي فيه حكمه عدل فيه قضاؤه.. ٣- مشهد الرحمة؛ وأن رحمته في هذا المقدور غالبة لغضبه وانتقامه ورحمته وحشوه.. ٤- مشهد الحكم؛ وأن حكمته سبحانه اقتضت ذلك، لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا. ٥- مشهد الحمد، وأن له الحمد التام على ذلك من جميع وجوهه.. ٦- مشهد العبودية، وأنه عابد محصن من كل وجه تجري عليه أحكام سيده القدرية، كما تجرى عليه أحكامه الدينية.. (من كتاب الفوائد لابن القيم) -------------------------------------------------------------------------------- [١] يرى محقق (مشكاة المصابيح) أن الحديث قد روي موصولا من طريق جماعة من الصحابة، وورد تصحيحه عن الإمام أحمد. [٢] متفق عليه. [٣] راجع سيرة ابن هشام ص ٢١٩، ٢٢٠ ج٣ ج١ الحلبي عام ١٩٥٥ بتحقيق السقا ورفيقه.

стр. 7987

الرد على إباحة الغناء للشيخ نايف الدعيس الطالب بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية جاء في الكتاب السنوي للتربية الاجتماعية في رعاية الشباب بالمدينة المنورة لعام ٩٧- ٩٨هـ ما يتضمن إباحة الغناء- ونرد على هذا فيما يلي: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ . وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . وقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . في عصر التخصصات يتطفل كثير من دعاة العلم على موائده وينسبونه لأنفسهم، ويتصنعون التفكير وبعد النظر على حساب كتب مقدسة وديانة محفوظة؛ فلا يسلمون للعلماء والفقهاء ويذعنون للأطباء والمهندسين وغيرهم ويعترفون بعجزهم أمام تخصصاتهم، وقسم إن هذا لهو البلاء المبين، يسكت العلماء وينطق آخرون ممن تحلوا بما لم يعطوا، وحجتهم أنهم رجال وأولئك رجال، وجهلوا ما بأنفسهم من جهل حتى يعجز أحدهم أن يقول كلاما فصيحا أو يكتب عبارة سليمة، ثم نراه يتطاول على كتاب الله أو سنة رسوله يفسرها بآرائه واجتهاداته؛ فما وافق هواه استدل به وإلا أوله وبدله من تلقاء نفسه دون اكتراث بالكتاب ومصدره، وما علم أن دين الله أنزله من السماء وتعهد بحفظه.

стр. 7988

وإن مما يعجب له المرء أن يرى قولا جريئا على الله ورسوله ﷺ من بلد الإيمان ومصدر الهداية وإشعاع النور، مأوى المهاجرين ودار الأنصار ومدرسة المسلمين؛ قولا يدعو للغناء والضرب على الأوتار دون إدراك لمعنى هذه الكلمة وما تحمله في طياتها من إفساد للدين والأخلاق والمجتمع، ودون تمييز ببن ما كان موجودا في عهد الرسول ﷺ من حداء وإنشاد لأبيات شعرية وادعة وبريئة أو جزلة قوية تقال في مناسبات الأعراس والأعياد، وبين أقوال ساقطة رذيلة يتغنى بها المغنون وعشاق الغناء، ويعشقها أطفالنا من بنين وبنات؛ فيرجعونها على ألسنتهم في الغدو والآصال. ويا للأسى والأسف أن يصدر عن هيئة مسئولة عن تربية شبابنا وتنشئتهم على المبادئ الإسلامية التي تدعو إلى الاستقامة لا إلى الخلاعة والمجون. إذا كان رب الييت بالدف ضارباً فشيمة أمل البيت كلهم الرقص خطاب أوجهه إلى الأستاذ الذي بدأ حديثه بغير ذكر الله؛ "وكل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أجذم"، وهو ناقص مبتور؛ فهذا حكم الرسول ﷺ من قبل أربعة عشر قرنا على ما كتبته حول ما سميته بالفن الشعبي ومفهومه في نظرك، وأنه يحكي ثقافة الأمم وتراثها الحضاري وعاداتها وتقاليدها في ألعابها وفنونها ورقصاتها على الأنغام التي تصاحبها، سواء كانت بالدفوف أو التصفيق، أو استخدام الآلات الوترية وغيرها.

стр. 7989

وأحسبك قد وقعت فيما لم يكن في حسبانك حتى صار استدلالك عليك في كل ما ذكرته من الأدلة مما لم تنعم النظر فيه، فقلت على الرسول ﷺ ظلما وعدوانا، وافتريت عليه بأنه كان لا يحرم الغناء، ولم تدرك معنى الكلمة هذه، وذكرت أن الغناء كان في عهده وعهد الخلفاء الراشدين من بعده.. ويا لها من حجة واهية وكلام سقيم وتعدّ على حرمة الرسول ﷺ وأصحابه الكرام الطيبين الذين مدحهم ربهم بإعراضهم عن اللهو وعن الزور. وأنهم إذا مروا به مروا كراما، وأنت تدعي أن الرسول ﷺ لم يحرمه، ولا أصحابه من بعده لم ينكروه؛ فهذا تجنّ وقول بغير فهم، وكيف لك أن تقول في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ما ليس لك به علم، أوَ ما علمت أن رجالا نقبوا عن الحق حتى لم يدعوا لوارد منهلا؟ فكيف بك وأنت لا تنتسب للعلماء أو طلبة العلم، وتقول برأيك ولا تخشى أن تحل ما حرم الله وتجعله عنوانا للحضارة والرقي؟! وكأني بك حين أنقض حجتك وأبطل دعوتك، وأنت حائر في صنعتك أو مقلع عن رأيك مشتت الذهن سارح البال. وإلا يكن كذلك فأتحفنا بأخبار بعض المغنين الذين اشتهروا في عهد الرسول ﷺ أو الخلفاء الراشدين.. من هم؟ ومن أين جاءوا؟ وهل كانوا رجالا أم نساء؟.. وما نوع الغناء الذي كانوا يصدحون به؟ ... وما أشكال الآلات الوترية التي كانوا يعزفون عليها أغانيهم؟ وما التصفيق الذي نسبته إليهم هل كان بفرقعة الأصابع أم بضرب الكفوف؟ ... وهل كانوا يؤدون ذلك في المساجد أو على قارعة الطريق؟ وما هي القواعد التي رسموها للغناء والتي لم تكن معروفة في الجاهلية؟ ومن الذي نسب النغم للحجاز؟ هل هو سعيد بن المسيب أم الإمام مالك؟ أو هو من الفساق الذين رغبوا عن القرآن واستبدلوا به مزمار الشيطان؟. أسئلة أطرحها عليك يا مربي الأجيال قبل مناقشتك..

стр. 7990

أما يكفيك ما ترى من المغنين والمغنيات حتى تريد أن تنشيء عليه الأجيال القادمة؟ وما الذي أعجبك في سلوكهم؟ وقد امتازوا بالخنوثة والميوعة حتى اختلط المخنثون منهم بالإناث. عجيب أمرك يا أستاذ! فبدل أن تدعو إلى الإكثار من مدارس القرآن وتدريب النشء على الأخلاق الحميدة وخالص الرجولة؛ تدعو إلى اللهو والغناء وما لا خير فيه، وتخالف الأئمة الأعلام وجهابذة العلماء؛ فهم يقولون حرام وأنت تراه أحل الحلال؛ فمن أين جاءك هذا العلم!؟.. أمن حديث الهجرة الذي أنشد فيه بنات النجار وغيره من الأدلة التي أوردتها؟.. أم اتبعت فيه أقوالا لا يعتد بها وهى شاذة مردودة؛ لوضوح اتباع أهلها أهواءهم، وعدم تحكيم عقولهم فيما اقترفوه وفتحوا على المسلمين فجوة لا ترقع ما وجد أدعياء العلم والمتطفلون عليه. وإني لأحسبك لا تعر ف هذا ولا ذاك.. ولكنها حكمة الله فيما يحوط به هذا الدين؛ فكلما خبت فتنة ظهرت أخرى ليتحفز لها المؤمنون؛ فيكونوا أقوى مما كانوا عليه. وما مثل ما كتبته وإياهم إلا كالمصل يعطى للمريض فتتكون عنده قدرة الدفاع عن المرض. ولكنها لأعجب من استدلالك بحديث بنات النجار وإنشادهن على إباحة الغناء والتصفيق والضرب على الأوتار، ولم تر ما قاله العلماء فيه، وأجزم أنك لم تقف عليه، وأين كل ذلك من الحديث؟.. ألا ترى أنهن لم يصحبن عودا ولا مزمارا، ولم يرددن ما تنبو له الأسماع من كلام ضليع يتردد على ألسنة المغنيين والمغنيات بتلحين وتطريب وتمطيط وتكسير، وتشويق وتهييج، وهل يلزم من إباحة الضرب بالدف إباحة غيره من الآلات؟.. وقل مثل ذلك - يا أستاذ - في حديث عائشة الذي لم تكمل نصه وفيه: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم ولولا الذهب الأحمر ماحلت بواديكم ولولا الحبة السمرا ماسمنت عذاريكم

стр. 7991

أفترى في هذا دلالة على جواز الغناء والضرب على الأوتار التي تدعو إليها؟ وكيف تستدل به؟ وليس فيه بغيتك، ولا يمكنك أن تقضي منه نهمتك، وهو خاص للنساء فيما بينهن وفي يوم عرس لا مزمار فيه ولا عود ولا آلة من الآلات الشيطانية، ولم يحدث فيه من اختلاط الرجال بالنساء كما يشاهد في زماننا. اعلم أنك لم تزدنا بذكر يزيد بن معاوية واهتمامه بالغناء والمغنين إلا توكيدا لما قاله فيه العلماء من الفسق والدعارة. وأشنع من ذلك ما ادعيته على أهل المدينة وأنهم كانوا يخرجون- جميعاً - إلى وادي العقيق؛ ليستمعوا الغناء من المغنيين في عهد لم يزل فيه أصحاب النبي ﷺ يعمرون مساجد الله ومعهم من التابعين أمثال محمد بن علي بن أبي طالب (ابن الحنفية) ، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار وغيرهم ممن يشار إليهم بالتقي والزهد والورع، وجعلت من المغنيين طبقة مميزة ولاشك في ذلك، ولكن بغير ما تظنه وتهواه، وإنما بالفسق والفجور، كما أجاب عليه علم من أعلام المدينة وهو الإمام مالك ﵀؛ فقد سئل عن المغنيين، فقال: (أولئك الفساق) . وهم الذين ذكرتهم (كطويس) الذي كان يتغنى بالأشعار لإثارة الفتن بين الأوس والخزرج، و (معبد) الذي يتغزل بالنساء وحسنهن ويرجو الوصال منهن، و (ابن عائشة) الذي لم يعرف أبوه، والذي فسد بمحادثته ومجالسته فتيان من المدينة و (ابن أبي السرح) الذي يقول: ويجدر بنا ونحن في مقام التذكير أن نشير إلى بعض أدلة العلماء في تحريم الغناء إشارة وجيزة وإلمامة لطيفة تغنى عن الإطالة والاسهاب: يصيب من لذة الكرام ولا يجهل أي الترخيص في اللمم

стр. 7992

١- فمن كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، وقوله: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ ، قال ابن عباس ﵁: (سامدون) هو الغناء بلغة حمير. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ .. وغيرها من الآيات. ٢- أما من السنة المشرفة فقوله ﷺ : "ليكوكن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ... " الحديث. وقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير". ٣- ومن أقوال الصحابة ﵃ قول الصديق: "أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ "، ودخول عمر على الجارية التي أخفت دفها تحتها، وقول عثمان: "ما تغنيت ولا تمنيت". ٤- ومن أقوال التابعين قول محمد بن الحنفية في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ، قال: المراد بالزور اللهو والغناء، وكذلك فسره لإبراهيم النخغي وغيره. وقد ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم إلى تحريمه حتى قال أصحاب أبي حنيفة: إن السماع فسق، والتلذذ به كفر. وقد نهى الإمام مالك عن الغناء واستماعه، وهو مذهب سائر أهل المدينة، وكذلك الشافعي والإمام أحمد وغيرهم من أئمة المسلمين. أما من قال بجوازه - وهم قلة - فلا يعتد بأقوالهم الشاذة، لا سيما وأنهم رأوا حرمة ذلك في ظروف وملابسات؛ فقال بعضهم: والسماع يحرم بخمسة عوارض: الأول: أن يكون المسمع امرأة لا يحل النظر إليها.. وفي معناها الصبي الذي تخشى فتنته. الثاني: أن تكون الآلة من شعائر أهل الشرب أو المخنثين، وهي المزامير والأوتار وطبل الكوبة.

стр. 7993

الثالث: في نظم الصوت، وهو الشعر؛ فإن كان فيه شيء من الخناء والفحش والهجاء، أو هو كذب على الله أو على رسوله.. فسماع ذلك حرام بألحان وغير ألحان. الرابع: في المستمع، وهو أن تكون الشهوة غالبة عليه، وكان في غرة الشباب، وكانت هذه الصفة أغلب من غيرها عليه؛ فالسماع حرام عليه. الخامس: أن يكون الشخص من عوام الخلق، ولم يغلب عليه حب الله فيكون السماع له محبوبا، ولا غلبت عليه الشهوة فيكون في حقه محظوراً. وقد بين العلماء ﵏ أن الغناء محظور في كل وقت ومكان، إلا ما جاء فيه ترخيص من الشارع؛ فنقتصر عليه لورود الأدلة ولا نتجاوزه لغيره. ولعل ما ذكرته فيه كفاية، والله أسأل أن يهديني وإياك والمسلمين سواء السبيل؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون والحمد لله رب العالميين ...

стр. 7994

إلى الذين يحادون مفاتح الغيب باسم العلم الحديث لفضية الشيخ عبد الفتاح عشماوي المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة الإسلامية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . لا نجد مفتاحا لمحاضرتنا هذه؛ نفتح به ما قد يكون أغلق علينا، وعلى قلوب ليست معنا، عليها أقفالها خيرا من آية المفاتيح،. . . نعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ، وهذه الآية العظيمة، وإن كان بعضها فقط سيكون موضوع المحاضرة، إلا أننا ذكرناها كاملة لنتعرض لمعنى سريع لكلماتها، قبل أن نأخذ صدرها الذي سيكون ينبعنا الدفاق لمحاضرتنا، إن شاء الله تعالى. . . فعن الآية جملة نبدأ فيها بإيضاح كلمة (الغيب) ؛ فهي بمعناها العام تعطينا معنى ذا قسمين: غيب يختص بالدنيا، وغيب يختص بالآخرة؛ فغيب الدنيا يمكن أن يظهر منه ما تحيط بصورته حواس الإنسان، وغيب الآخرة لا يظهر ولا يحاط منه شيء إلا بعد الموت، والآية التي قرأناها الآن من النوع الأول، من غيب الدنيا الذي يجوز أن يظهر ويدرك، ولمجرد أن نقرأها نجد كل صورها المسماة فيها جُسِّم من نوعه لنا، وأحاطت به أحاسيسنا ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ .

стр. 7995

فالمفتاح: اسم الآلة يغلق به على شيء يحتاج إليه، والحاجة تقتضي أن يفتح به بين حين وآخر، وإن كانت المفاتيح في الآية معنوية، إلا أنها أعطت معنى الفتح على غيب ليس أبديّ الإغلاق، وإنما يفتح سبحانه علينا منه وبالقدر الذي يجعله قياما لوجودنا في دنياه؛ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ، ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ ، فخزائنه غيب وما ينزل منه هو الذي يبدو لنا، هذا هو غيب الدنيا الجائز فيه الظهور، وبقية الآية دليل على ذلك، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ فقد أطلعنا على بعض ما في البر كالزرع - مثلا - حُزْناه، وفي البحر ضمنا سمك اصطدناه، وما تسقط من ورقة وتبدل بأخرى كذلك ولا حبة في ظلمات الأرض بعد أن أخفيت ثم بالنبت شقت، ولا رطب ولا يابس نرى منه فعلا ما نرى، كل ذلك في كتاب محفوظ مبين. فهو سبحانه بعد أن نشر هذه الأمثلة لفها بعد ذلك في قوله: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِس﴾ ، فمن الرطب واليابس تتكون الدنيا، ومنهما تفتح علينا مقومات بقائنا، من كل أمر عجيب أبصرناه، وما لم نبصره لا بد أكثر وأعجب؛ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ .

стр. 7996

أما غيب الآخرة فليس منه في دنيانا ما نبصر، وإنما كله فيما لا نبصر، والرد على القول في أن بعض الرسل رأى الجنة والنار وهو في الدنيا، فمع الخلاف في أنهم رأوا ذلك حقيقة أو مناما، أو بوصف الوحي فإن خصوصيات الرسل - على ترجيح الرؤية البصرية - لا تقوم عليها بالضرورة قاعدة لبقية الناس، ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ ، وأصحاب الآراء الأخرى لهم وجه مقبول فيما قالوا، عندما ذكروا قول النبي صلى الله عليه سلم عن الجنة بأن "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، أوضحوا أن كلمات (عين) و (أذن) و (قلب) تشمل عين النبي وأذنه وقلبه ﷺ ، خاصة قوله: "ولا خطر على قلب بشر"، فهو ضمن البشر، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ، فلم يستثن نفسه من كلمات الحديث بشيء؛ فيكون ذلك قيل ليبلغه وما أبصره، فهذا إيضاح لا تنكر وجاهته. وسيقال أيضا: إن الآيات القرآنية صورت لنا الكثير عن غيب الآخرة، كاللحم والفاكهة، والحور العين والمساكن الطيبة، وأنهار اللبن والخمر بلا غول والعسل المصفى، والنخل والرمان، هذا مع الأحاديث التي وصفت قصور الجنة بأنها لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وأن تراب الجنة مسك. . إلى غير ذلك.

стр. 7997

فأقول إنه الغيب المعلن اسمه المعروف، وليس عن رسمه المجهول، للترغيب في العمل الصالح المؤدى لنعيم ما بعد الموت، وليس الغيب الذي إذا ظهر أحاطته الحواس، على نحو ما أظهره الله في الدنيا، فهذه الأسماء محبوبة عند الإنسان تذكرة بالأطايب التي تهفو إليها نفسه، حيث ذاق لذاتها في الدنيا بحواسه، أما واقعها في الجنة من حجم وطعم، ولون ورائحة ومناظر بهيجة، فغيب غير ما عرف في الدنيا، لا يدرك إلا عند الولوج من باب الجنة، فلا ربط بين طيبات الدنيا وطيبات الآخرة إلا بالأسماء، وأما المسميات فالصورة منقطعة تماما، ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ ، والدنيا كلها أرض وسموات والتبديل شامل لكليهما في الآية، حتى الإنسان سيتبدل إلى كائن يتحمل هيبة الله عندما يتجلى عليه في الجنة، وفي الدنيا خرت الجبال دكا لما تجلى عليها ببعض هيبته ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ ، وما يقال عن الصلة اسميا وانقطاعها حققيا بين طيبي الدنيا والآخرة، يقال عن سيئهما، وليس أسوأ من النار فيهما، لكن نار الدنيا يمكن أن تحرق وأن تنفع، ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً﴾ تخويفا وتفعا، ويمكن أن يتفادى شرها إذا اشتعلت بالابتعاد عنها أو بإطفائها، ولكن نار الآخرة استحال نفعها واستحال إطفاؤها، فالصورة الحرارية بينهما لا تقدر بفروق؛ لهول ما ذكر عنها في الكتاب والسنة من مجرد كلام مرعب لم يلمس في دنيانا واقعه ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ ، ونار الدنيا قد تبقي وقد تذر، وإنما الذكر الكلامي عنها لترويع العاصي من نار أظهره الله على شيء منها في الدنيا ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ . ولديَّ تأويل من تفسير العقليين والنقليين على السواء؛ فالعقليون يقولون: إنه لو تساوى طيب الدنيا الذي ظهر لنا بطيب الآخرة الذي لم يظهر بعد؛ لما اشتدت الرغبة الدافعة إلى عمل ما يدخل

стр. 7998

الجنة، ولو تساوت نار الآخرة بنار الدنيا التي يمكن إطفاؤها أو تجنبها، لما اشتدت الرهبة الدافعة إلى عمل ما يبعد عن النار الأخروية؛ لأن الإنسان تواق دائما إلى معرفة أحسن مما عرف، وخواف من الوقوع في أسوأ مما وقع، والنقليون يقولون: إن الوصف القرآني والنبوي للجنة هو لفتح شهية المؤمن للطاعة فقط، وإن حقيقة جمال الموصوف غيب لا صلة له بصفته الدنيوية؛ لأنه سبحانه بعد أن ذكر هذه الأوصاف المحبوبة لدى عباده قال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُن﴾ ، والنفس لا تشتهي ما ملكته أو تعودته من قبل، والعين لا يلذ لما ما سبق أن رأته؛ فلا جديد فيما شبع منه يشتهى أو يلذ. إذا فالآية تشوق إلى شيء لم يكن مثله في الدنيا على الإطلاق، وقوله سبحانه: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ، فلا تعلم نفس أيّ نفس؛ فهي نكرة عامة أيضا، حيث لم يستثن سبحانه في الآية نفسا واحدة من كل الأنفس التى خلقها، وتأتي كلمة ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ ، لتؤكد أن ما سيبهجهم وتقر به أعينهم، لابد أن يكون مفاجأة مفرحة أحكم إخفاؤها، وإلا لو استثنينا أنفسا علمت، أو إخفاء ليس كليا، لخولفت الآية لفظا ومعنى ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ ، وتبعا لعلم البعض وعدم إحكام الإخفاء تكون قد انتفت المسرة ولن تقر الأعين، تم ينتقل النقليون إلى الكلام عن عقاب الآخرة، فيقرؤون علينا أربع آيات، ثم يعلقون عليها تعليق أولى العلم، والآيات هي:

стр. 7999

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ . . ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ . . ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ . . ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ . فعن الآية الأولى سألوا أي بلاء في الدنيا توضع له في دية تقدر بذهب يملأ الأرض؟ إن القتل وهو قمة البلاء في دنيانا - فقاتل النفس كأنما قتل الناس جميعا- ديته مائة جمل، أو عدة آلاف من العملات، مهما كثر عددها فقدرها بضع أواق من الذهب، فكيف بملء الأرض ذهبا؟ لابد أن الداهية في الآخرة فوق التصور، والآيات الثلاث التاليات معناها واحد كرر لنظل معه في عجب لا ينتهي، لأنها لم تتكلم عن ملء الأرض ذهبا فقط، بل ما في الأرض جميعا، كل ما خلق فيها، من إنس وجن وكنوز وحيوان ونبات وجماد، بل ومثل ذلك، والمثلية هنا ليست مثلية الضعف، وإنما المثلية المتكررة مهما بلغت، فما دام لم يقبل الأصل، فلا يقبل المثل وإن تضاعف؛ لغنى الله عن كل ذلك، ﴿افْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ، وسوء العذاب تعبير مفزع أخفى كيفه ووضح فزعه، من ضخامة الفداء المقدر بمقادير الأرض وأمثالها، ومن الآن رفض.

стр. 8000

ونهاية هذه الآية هو الفصل لما فصلناه، عندما ختمها سبحانه بقوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ عذاب لم يدخل أبدا في حسابهم إلى أن بدا لهم؛ فالحصيلة العلمية لهذه المقدمة عن توضيح كلمة الغيب أن غيب الله في دنياه يجوز أن يظهر وفيما يظهر كفاية لمن يزجر، وغيب الآخرة كله مخبأ، يفاجأ به الناجي مجبورا، ويفاجأ به الغاوي محسورا ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ . نعود إلى آية المفاتيح، لنأخذ منها صدرها ننير به صدورنا ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾ هذه العبارة الكريمة هي الفرا الذي فيه صيد المحاضرة، والذي نزلت عليه هذه العبارة ﷺ هو الذي فسرها بنفسه، في حديثه الصحيح المشهور، لما فسرها بآية أخرى بقوله: "مفتاح الغيب خمسة، وقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ . وقبل أن نتحدث عن كل مفتاح منها منفردا نتعرض لأمر سردها في الآية، هل هو مجرد حصر الخمسة المطلوبة ليعرف عددها ويعلم أمرها؟ أم أنها وضعت في أمكنتها بالترتيب الذي لابد أن توضع فيه؟ والأخيرة بالإعجاز البياني للقرآن أليق. فالساعة أولى الخمسة لأنها متصلة بالآية التي قبلها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ .

стр. 8001

وهذا اليوم الذي يجب أن تخشوه هو يوم الساعة؛ فكانت بعد الآية السابقة لتكون أول الآية اللاحقة في أفضلية الترتيب على الخمسة، وحيث هي أرفعها، فما وجدت الأربعة التالية إلا من أجل الساعة ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ ، ولهذا أكد وحدها من دون الخمسة تعظيما لأمرها؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ والأربعة التي بعدها ترتيب زمني وضروري أن تسبقها التي قبلها لتأتي التي بعدها؛ فلا بد من الماء أولا لتكون الحياة، فإذا ما أنتجت الأرحام أن يحيى نتاجها، حيث أعد لها الماء والغذاء ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً﴾ ، فالصبر أولا لتشق الأرض فيعد من الطعام لمن يأتي من الأرحام، ومن هنا كان ترتيب الأرحام بعد الماء، بعد ذلك يأتي الغد ليعرف به اليوم فجاء الغد في ترتيبه، فإذا لم يأت الغد لمجيء الموت توقفت اليوم وانتهت الحياة؛ فكان الموت في آخر الخمسة. فلنبدأ بأولاها وهي الساعة، وما أظن إلا اعتراضا جال بصدر أحدكم خاصة إذا كان متتبعا لحديثي هذا فسيقول على الفور: كيف تدخل الآن الساعة ضمن المفاتيح التي قلت إنه يمكن أن يفتح علينا منها في الدنيا، والساعة من غيب الآخرة، وغيب الآخرة لا يعلم إلا بعد الموت كما ذكرت؟ فأقول: إنه الخطأ الشائع الذي أرجو أن أصححه الآن، فالساعة من الدنيا وليست من الآخرة، وسأثبت أنها كذلك.

стр. 8002

فسبب الالتباس الذي شاع بين الناس هو أنهم خلطوا بين الساعة والقيامة، وجعلوها شيئا واحدا، ولكن الفرق بعيد فالساعة ستأتي بغتة حقا لكن لتنتهي بها الدنيا، أما القيامة فمن الآخرة؛ ولهذا جعل الله نفختين: الأولى للساعة والثانية القيامة، وبينهما فاصل ليس فيه خلاف، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ، فالتراخي هنا بـ (ثم) قدر عند المفسرين بسنوات، بلغ عند بعضهم أربعين سنة، ومن هنا سميت الثانية قيامة، قيامة الموتى من قبورهم ينظرون ما يؤول إليه أمرهم، أما اقتران كلمة (تقوم بالساعة) في القرآن على نحو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: يوم تقع ويتم أمرها يدرك المبطلون أنهم خسروا لما كذبوا بها، وليس معنى (تقوم) هنا من القيامة؛ لأن الساعة ليست كائنا مات ليقوم، وإنما القيامة بعث من الموت لكائن كان حيا فيه روح عادت إليه ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ، وكقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ . فالآية جعلت الساعة أولا للإفناء، والبعث من القبور ثانيا للإحياء؛ فلم يشملا في عمل واحد، وقوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ ، ولم يقل: يوم الساعة؛ لأن الساعة لإنهاء الدنيا والحكم لا يكون إلا بعد الإحياء والمثول، ولأن الساعة أيضا من المفاتيح الدنيوية، وليست هي القيامة الأخروية، فإنها لن تقع حتى تظهر في الدنيا كل أشراطها، الصغرى والكبرى منها على السواء، بل وظهر لنا منها الآن فعلا كثير من علاماتها الصغرى التي وردت في الأحاديث الصحيحة، مثل تبرج النساء عاريات كاسيات، وتطاول رعاء الشاء في البينان، وكثرة الزلازل، ورفع الأمانة، وظهور الفتن وغيرها،

стр. 8003

وأشراطها جزء منها؛ فالقاعدة أن ما يدل على الشيء داخل فيه، فإرهاصات الأنبياء جزء من نبوتهم، ورؤياهم المنامية نوع من الوحي، بل عند المباغتة بالساعة سيكون لها أمر دنيوي هائل يراه الناس، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ وليس في الآخرة مرضعة ترضع ولا حامل تضع؛ إذا فلا يجوز الجمع بين الساعة والقيامة في معنى واحد، حيث لا يجتمعان معا في الدنيا ولا في الآخرة، وبذلك أحطنا بأمر علمي آخر. بقيت الساعة ومن يؤمنون بها، حيث لا تتناول المحاضرة موضوع المكذبين بها، فسيكفيهم الله، ولأنه لا يستقيم تعمير بيت الغير، وسقف بيتي يخر على رأسي، فالمؤمنون بالساعة يعلمون أنها الرجفة التي ترجف الأرض والجبال قبل أن تتبعها الرادفة وهى القيامة كما قلنا، فرجفة الساعة ستجعل أعز ما في الدنيا يذهل عنه ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ : تنكره فلا تعرفه؛ ولم يعد ولدها الحبيب، وقمة حب الأم لولدها وهو رضيع، لكن وقتها نزعت ثديها من فمه وهي ترضه، فلم تدعه يتم ووضعته، وهل يكون الأمر غير ذلك، وقد رأت الأرض أخرجت أثقالها لما زلزلت زلزالها؟ إننا نسمع الآن كل يوم عن زلزال لم يمكث غير ثوان خرب آلاف المباني وشرد ملايين الناس، ولا عظة لما في القلوب من غلظة، وهل يكون غير أن تذهل عن رضيعها، وقد رأت نفسها مع الأرض رجت رجا، ورأت الجبال الشوامخ هباء منبثا؟ وهل يكون غير ذلك وقد رأت البحار فجرت فاختلط حلوها بملحها؟ ثم رأت هذه البحار قد سجرت فصارت كلها نارا وعهدها بالماء يطفئ النار؛ فمن الذي حول الماء إلى نار،؟ وغير ذلك من هول يأتي بخبل لها وللسكارى، وما هم بسكارى ولكن أمر الساعة مفزع رهيب.

стр. 8004

ونحن المصدقين بها نوعان: نوع يعيش في همّ هذا الذي سمعه عنها الآن، فشد وجدانه ببشاعة الساعة لا ينفك، فأخضع كل جارحة يُخدِّمها لهذا اليوم، فيكفى بذلك يوما هو أشد من يوم الساعة، يوم يقوم الناس لرب العالمين قائلين: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ؟ فكان أن وقوا شر ذلك اليوم، ودخلوها آمنين. النوع الثاني من المصدقين، أو القائلين بأنهم مصدقون بيوم الساعة وما انشغلوا إلا بيومهم وبالساعة التي، هم فيها وبالساعة الذهبية التي تلتف حول المعصم بالسوار الذهب، يعرفون بها أوقات الحفلات ومواعيد عرض الأفلام في (السينما) وفي (التلفزيون) وأوقات مباريات الكرة والخروج إلى النزهات، ولو في أوقات الصلاة وأيام الجمع، ويعرفون بها أوقات أخرى يتفق عليها؛ وذلك لأنهم لا يعرفون مواعيد الصلاة ولا متى الجمعة، لما ألهتهم ساعة لهوهم عن الساعة التي تذهل المرضعة، وتذهب الفكر بغير سكر، بل لقد أفاقوا كل من غفلتهم لما سمعوا جولة من التهجم المستمر على عقائدنا، فقد صدقوا المرجفين لما قالوا: إن عالمة غربية تشتغل بالبحث الكوني، استطاعت (بالعلم الحديث) أن تحدد وقوع الساعة باليوم والدقيقة، حدث ذلك منذ قريب، وبعضكم يدركه معي، لما تبرعت بإذاعة هذا الفحش إذاعة وصحافة أمتنا الإسلامية، متجاهلة بذلك قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ، وأعمى الناشرون شهوة الإثارة عن تسفيه الخبر، أو حتى التغاضي عن النشر، ثم كان شيئا مضحكا - وشر البلاء ما يضحك، كما يقولون - عندما أفاق ساعة الدنيا على خبر الساعة الإفك، أخذوا ما يودعون بعضهم بالتقبيل والعناق والبكاء، كما ذكرت بعد ذلك الأنباء، بل حدث هذا هنا في المدينة المنورة، وإن كان على قليل لكن ما كان يجوز ذلك أبدا في بلد خير الموحدين ﷺ ، وعلى أي حال فالجهل موجود في كل آن ومكان وإن تفاوتت

стр. 8005

النسب، وما سكتنا يومها بما استطعنا، وانتظرت حتى كان يوم الأحد المحدد من الباحثة الكونية، وكان تحديد قيام ساعتها بعد العصر بتوقيت المدينة، وتمهلت حتى انتهت صلاة العشاء فقد يكون حدث خلل تسبب في تأخير وصول الساعة، وقلت كلمة غاضبة في الحرم تحدثت فيها عن إعلامنا العربي والإسلامي، الذي روج لهذا الخبر الكفري، وعن الذين صدقوه حتى ودّعوا بعضهم وتواعدوا باللقاء في الدار الآخرة بعد عصر يوم الأحد، والذي اختارته الباحثة الكونية، لتعطيل الدنيا معها، ولكنى أذكر آسفا أن الذين غضبوا أو تكلموا معي كانوا قليلين جدا، ولم لا نغضب لديننا. وكأن الذين أذاعوا الخبر منا أو صدقوه قد انضموا إلى الذين يحادون الله في مفاتح غيبه باسم (العلم الحديث) ، فقط ليغيظونا؛ لأنهم موقنون في أنفسهم من كذب أنفسهم ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ﴾ ، وسيد المنبئين - صلوات الله عليه - لما سئل عنها كان جوابه بما تحفظون جميعا: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، ولكن الباحثة الكونية - سجاح الجديدة - علمتها، فينا من نشر لها كفرها ومن صدقها، "ولو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"، صدق القائل صلوات الله عليه، فليحادوا بما شاءوا، وليصدقهم من يصدقهم، وجوابنا عليهم قول ربنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ .

стр. 8006

الثاني: من مفتاح الغيث ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ، لولا أني أخشى الطول وأفتح الباب للملول لأسهبنا في الحديث عن هذه اللؤلؤة القرآنية، ونكتفي بأن نقول: إنه إذا ذكر أمرٌ ما في آية من القرآن لابد أن يشير ختامها إلى ما ذكر فيها؛ فالآية في النهاية حكمت العقل البحث فيما قدمته من عجائب، يستحيل أن يجهل أو ينكر من مسلم أو كافر، فكيف يجهل أو ينكر خالقها؟ فالماء واحد والكل يراه ويشربه، ينزل على قطع من الأرض متلاصقات، لكن هنا عنب، وهنا زرع فيه حب، وهنا نخل صنوٌ بجذر واحد وجذع واحد، وغير صنو بجذر واحد وجذوع مختلفة، لكنها جميعها تفاضلت حجما ولونا وطعما ورائحة، والماء واحد، أفلا يدل ذلك بالعقل الصرف على إله واحد؟ تم تفيد الآية بأن ما ذكر فيها - وهو لا يزيد عن السطرين - لآيات وليست آية واحدة، لكن لمن هذه الآيات تقدم وتفهم؟ تجيب الآية ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ، أما غير العقلاء فالآية أجل وأكرم من أن تقدم إليها عجائبها، فلما لم يعقل الناس، حاق بهم ما جعلهم يصرخون الآن في أنحاء الأرض من الغلاء وتضخم الأسعار، بسبب نقص المواد الغذائية لقلة الحاصلات الزراعية، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فبركات السماء الماء، وبركات الأرض النماء، ولا دنيا بغيرهما، وظننا اليوم أنه سبحانه أخذ العباد أيضا بما كسبوا؛ فمنع الماء عن قوم، وأغرق به آخرين، لما سلطه فيضانا ماحقا، ليتحول مصدر الحياة إلى مُعدمها بما نسمع كل يوم في بلد إسلامية وغير إسلامية.

стр. 8007

وماذا عن الخصوم الذين يحادون هذا المفتاح من الغيب باسم (العلم الحديث) ؟ لقد أذاعوا بأنهم استطاعوا أن يصنعوا المطر، ويوجدوه وينزلوه إذا شاءوا، ويجمدنه ويمنعوه إذا شاءوا، واشترك إعلامنا العزيز أيضا كنعيق الغربان يحكي أضاليل أعداء الإسلام، من أن العلم الحديث في أوربا استطاع التحكم في المطر، وصرنا نقرأ - لمدة طويلة - العناوين الضخمة في صحافتنا، ونسمع أصوات الببغاوات المرددة في إذاعتنا، عن المطر الصناعي الذي أصبح لا يخشى معه على العالم من قلة الماء، وندر من تصدى للرد على هذا التجرُّؤ الوقح على ما انفرد به الله وحده، ونحن الموقنين رحنا في ثقة نسخر من عقل المتخرصين سائلين: لماذا إذاً لجأتم إلى بحار الله الملحة، متحايلين بكل وسيلة لتأخذوا عذبها وتدعوا ملحها؟ فأين مطركم الصناعي الذي يوفر عليكم هذا العناء البالغ لفصل الملح عن العذب؟ أو تسلطوا مدافعكم على سحاب الله لتسقطوه؟ فلا للمطر صنعتم ولا للسحاب أسقطتم.

стр. 8008

كنا في العام قبل الفائت في أوربا بتكليف من الجامعة، وأثناء وجودنا في فرنسا قائدة أوربا الوسطى والغربية في (التكنولوجيا) "العلم الحديث"، وفي مقدمة الدول التي قيل عنها أنها أوجدت المطر الصناعي، فلم نجد في طول وعرض المناطق التي تنقلنا فيها إلا قصة جفاف الريف الفرنسي؛ لعدم نزول الأمطار سنتئذ، فقلت: وأين نهر السين وروافده؟ فقال لي مرافقي المتطوع بسيارته من الجالية الإسلامية في باريس: الآن تراه، فلما وصلنا إليه وجدته وقد كاد يغور ماؤه، وهو آسن تفوح منه رائحة كريهة من طول ما ركد؛ فقلت: الله أكبر! وأين مطرهم الصناعي؟ لماذا لم ينزلوه ليملأوا منه نهرهم وينبتوا به زرعهم؟ فقال محدثي: وأعجب من هذا أن الحكومة الفرنسية طلبت منا نحن المسلمين هنا، أن نصلي لهم صلاة الاستسقاء، وصليناها فعلا، ولما لم ينزل المطر نشط الحزب الشيوعي الفرنسي بالدعاية الإلحادية ضدنا، ووجدوا من يصغي إليهم في شعب كافر، ولما اشتد بنا الأمر وأحسسنا بالضعف أمامهم؛ إذ بنا نفاجأ في صباح يوم بالأمطار الغزار تهطل في طول فرنسا وعرضها، وأيقنا بأنه نصر لنا من الله انتهزناه وقمنا بالدعاية للإسلام بإضعاف ما قاموا به ضدنا؛ دخل كثبر بسبب ذلك في الإسلام، بل وتحولت بعض الكنائس إلى مساجد، وأنا حضرت بعضها واشتركت في افتتاحها في قلب باريس عاصمة الفسق العالمي، وعبد في تلك المساجد الرحمن، بعد أن كانت كنائس يعبد فيها الشيطان؛ ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .

стр. 8009

تلك قصة المطر الإلهي مع المطر الصناعي، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ ، وما أظن من اللائق ونحن في بلد عزيز لدى الله ولدى رسوله والمؤمنين؛ في طيبة الطيبة ولا نتحدث عن أمر الغيث فيها ماضية وحاضرا، لقد ألف عن المدينة كتب شتى، وكلها تنبئ بأن المدينة كانت الواحة الخضراء في عرض الصحراء لكثرة مائها المنهمر والمتفجر فالآبار طافية، والجداول جارية، وجنة الصحراء تتيه بنخيلها وحدائقها النضراء وبواديها العقيق، الذي أهاج يوما جماله شعور الشاعر وأدب الأديب؛ فيا لهفي عليها اليوم، لقد تحولت ينابيعها العذبة الفراتية إلى ماء ملح، وغاب مدد السماء، فغاب اللون الأخضر عن أديمها، وندعو مالك الماء صباح مساء، وعلى منابر الجمع وفي صلاة الاستسقاء، ولكن الودق لم ينزل وماء الينابيع لم يعذب؛ ذلك لأن المدينة العزيزة انتهكت حرمتها، من المقيمين بها والوافدين إليها، قلت لصاحب البيت الذي أسكن فيه: سمعت بأن لك هنا بساتين كثيرة؛ فما أنواع الفواكه بها؟ فأجاب بأن الآبار غلبت عليها الملوحة فقتلت معظمها، ولم يصمد أمام الملح إلا بعض النخيل والبرسيم.

стр. 8010

ولنسمع شيئا من حرمة البلد الطيب عند الله وعند رسوله، ففي حديث طويل بدأه ﷺ بقوله: "لمدينة حرام..." إلى أن قال: "فمن أحدث فيها حدثا، سرا أو علنا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا"، وكم من أحداث تقع في المدينة وليست حدثا، سرا وعلنا، وقوله صلوات الله عليه: "من صبر على لأوائها وشدتها كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة"، ولكن الذي يسمع الآن، هو أن المدينة حارة جدا والمدينة باردة جدا والمدينة غالية جدا إلى غير ذلك، وبقية خيراتها الدينية والدنيوية يندر أن تذكر، ودعاؤه ﷺ "اللهم اجعل للمدينة ضعفي ما جعلت لمكة من البركة"، ودعاؤه: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد"، هذه الأحاديث مروية في الصحيحين، وفي الموطأ قوله: "ما على الأرض بقعة أحب إلي من أن يكون قبري بها منها" - أي: من المدينة - قائلا ثلاثا، وفي الموطأ أيضا: "المدينة مهاجري، وبها قبري، ومنبها مبعثي، وأهلها جيراني، ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني سقاه الله من طينة الخبال"، وهي ما يسيل من أهل النار، وغير ذلك كثير، فهل كنا ننتظر أن ينزل عليها المطر ونحن على الأقل لم نحفظ حق الجوار مع خير جار ﷺ ؟! إنه إن ينزل سبحانه الماء يوما، فما أظنه من أجلنا، وإنما ليسقي وينبت من أجل الحيوان الذي لم يأثم، ونحن بعد ذلك تبع، كما ورد ضمن حديث صحيح: "ولولا البهائم لم تمطروا". إن الذين كانوا هنا يوما ونبيهم أسوتهم، كانوا عندما يصلون صلاة الاستسقاء لا يغادرون مكان الصلاة حتى يبللهم المطر، بل ينزل المطر قبل النزول من فوق المنبر، ولنذكر من زاهر هذا العصر قليلا عسى أن يأخذ منه أهل عصرنا شيئا لأنفسهم.

стр. 8011

يروي البيهقي في دلائله الحادثتين الآتيتين: قدم على النبي ﷺ وفد من بني فزارة، مقرين بالإسلام؛ فسألهم عن بلادهم، فشكوا جدبها لانقطاع المطر عنها، فقام ﷺ وصعد المنبر، فكان مما حفظ من كلامه: "اللهم أسق بلادك وبهيمتك، أنشر رحمتك وأحي بلدك الميت، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء"؛ فتكلم أبو لبابة ابن عبد المنذر فقال: يا رسول الله إن التمر في المرابد، فقال ﷺ : "اللهم اسقنا"، فقال أبو لبابة: إن التمر في المرابد، ثلاثا، فقال ﵊: "اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره"؛ فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت وهم ينظرون، ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشمس سبتا، أي من السبت إلى السبت، حتى قام أبو لبابة يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج منه التمر". وفي رواية: "فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: "أشهد أن الله على كل شئ قدير، واني عبد الله ورسوله". والحادثة الثانية: أتى إلى النبي ﷺ أعرابي وأنشده هذه الأبيات: وقد شغلت أم الصبي عن الطفل أتيناك والعذراء يدمي لبانها فسل منزل قطر الماء من فضل ولا شيء مما يأكل الناس عندنا وأنت مجاب السؤال، ما أنجب الرسل وليس لنا إلا الله مهرب فقام ﷺ يجر ردائه حتى صعد المنبر، فرفع يديه إلى السماء، ثم قال: "اللهم اسقنا غيثا تملأ به الضرع، وتنبت به الزرع، وتحيي به الأرض بعد موتها"، فما ردّ صلوات الله عليه يديه إلى نحره حتى نزل الغيث.

стр. 8012

ومن كلمات العباس عم النبي ﷺ وهو يستسقي في عهد عمر ﵁: "اللهم لا نرغب إلا إليك وحدك لا شريك لك، اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة؛ فاسقنا الغيث؛ فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض". وقد يقول قائل: هذا نبي وعصر نبوة، وهل جعل الله النبي وعصر النبوة، إلا لكل أجيال المؤمنين أسوة؟ أم انقطعت اليوم أسوتنا بنبينا؟ وبالمهاجرين وبالذين تبوّؤوا الدار والإيمان؟ بقيت مفاتيح ثلاثة ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت﴾ . والحديث عنها كما تعلمون يطول، فالمحاضرات ليست بحوثا، وإنما شأنها الكلمات المعدودة والأوقات المحدودة؛ ولهذا سنقتصر دون أن نقصر في المعنى إن شاء الله. لقد قالوا: إن (العلم الحديث) استطاع أن يخبر عما في الأرحام، وأنه أصبح يمكن معرفة الجنين وهو في بطن أمه إن كان ذكرا أم أنثى قبل ولادته، وأنتم تقولون إن الله وحده هو الذي يعلم ما في الأرحام؟

стр. 8013

قلنا أولا: لسنا مسئولين عن جهلكم الفاضح لمعنى هذه الجملة ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ ، وقبل أن نوضحها لكم نقول: إن علمكم الحديث هذا الذي علمتم به نوع الجنين وهو في بطن أمه، جاء متأخرا جدا بقرون عديدة ما الله بها عليم، عندما وجدت أول امرأة ولود منذ وضعن أولات الأحمال إلى اليوم، فتستطيع الكثيرات خصوصا الذكيات منهن، بعد أن سبق لها الإنجاب من النوعين أن تعين ما في بطنها بعلامات خاصة تحدث لها، وبعضهن تحدين الأطباء في هذا، هم يؤكدون مثلا أن الجنين ذكر، وهي تعكس بإصرار، وعندما يفصل عنها جنينها يكون القول ما قالت حزام، وينقلب (العلم الحديث) خاسئا حسيرا؛ فالأم علمته قبلكم قديما، وعلمتموه أنتم متأخرين، وهو الفتح من أصل الغيب الذي بيده وحده سبحانه مفتاحه، والأصل قوله ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ . وتعالوا نوضح: فالعلم بما في الأرحام، هو عندما توضع فيه قطرة النطفة، هل ستتحول إلى ذكر يتبعها ذكور دائما، أم أنثى تتبعها إناث دائما، أم يخلق ذكرا حينا وأنثى حينا، أم تموت النطفة بالعقم فلا ذكر ولا أنثى، والعقم مؤقت أم دائم؟ كل هذا هو العلم بحال الرحم، وهو المعنى المقصود بقوله تعالى - وهو أعلم -: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ ، والذي بيده وحده مفتاحه دون سواه ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً﴾ ، فأصل الهبة في الآية حين وضع النطفة، وهذا هو الغيب الذي سُطِّر ولم يعلم به ولم يستطع غيره، إلى أن يفتح منه سبحانه بما ذكرت الآية وأوضحناه، وعندئذ يعرف نوع الهبة أو الحرمان منها كلية، ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ .

стр. 8014

ولدي أمثلة، منها: زوجان أوتيا الكثير من متاع الدنيا، وعملا آخر الطاقة لينجبا وارثا لهذا المتاع الوفير، قيل لهما آخر الأمر إن في (الدنمارك) بأوربا أشهر طبيب تناسلي في العالم، فذهبا إليه، فقال لهما بعد فحصهما: وليس عندكما مانع من الإنجاب، ولا أدري لماذا لم تنجبا، وعادا كما ذهبا. وعكسهما قيل لهما: لن تنجبا البتة، وبعد قليل بدأ الإنجاب بمعدل اثنين في كل دفعة. وامرأة شبعت أولادا ولم تجد الحبوب ولا غيرها لإيقاف السيل المتدفق، والكلام عن الحبوب فيه عيوب وليس هذا مكانه، فأجرى لها الطبيب بموافقتها عملية استئصال كلي للرحم ولم يكد الرحم يلتئم حتى التأم على حمل جديد. ومن هذه الأمثلة العديد؛ فسبحان من لا تقاوم قدرته، وآخر ما تحدى به (العلم الحديث) مولود الأنابيب، ولا ننسى أن نثني على إعلامنا العظيم أيضا، فقد اشتغل هذا الإعلام العربي والإسلامي طويلا بمولود الأنابيب، وقدم الإعلام هذا (العلم الحديث) بشهوة ما يسمى عندهم بالسبق الصحفي والإذاعي، ولو خُرِّب به العلم الإسلامي، فلقد تتبعته كبقية المتتبعين، فوجدته جعجعة رحى بدون طحين، فهما زوجان لم ينجبا، فأخذ الطبيب نطفة ما، حيث لم ينف العقم عن الزوج، ولو كانت الزوجة هي العقيم لما قبل الرحم العلقة وتربى الجنين فيه، لأنه - مع الأسف - بعد أن ذكرت القصة ما يثبت عقم الزوج وجهل النطفة، صدرت فتاوى بشرعية ابن الأنابيب سليل الألاعيب.

стр. 8015

نعود فنقول: لقد وضعت النطفة في الأنبوبة مصحوبة بنطفة المرأة التي يسمونها (البويضة) ، وكما يحدث بينهما من التلاحم داخل الرحم حدث داخل الأنبوبة، وتم التطور الخلقي بما ذكر الله تعالى، نطفة فعلقة، ونقلت من الأنبوبة إلى الرحم، فما الجديد في هذا؟ وما هي معجزة العلم الحديث يا أهل العقول؟ ثم لماذا لم يتركوا العلقة في الأنبوب حتى تتم أشهر الحمل وتلد الأنبوبة ابنها؟ لقد أسرعوا بها إلى الرحم هو المكان الذي خلقه الله، ليقينهم بأنه لن يتربى أبدا في مكان سواه، فما هو الجديد في هذا؟ وما هي معجزة العلم الحديث التي أطلقت به الصحافة والإذاعة طبلها المزعج الكريه؟ وتم الحمل تسعة أشهر كما هو معتاد غالبا، وولدت المرأة طفلتها وما ولدتها الأنبوبة، وأرضعتها من ثديها حيث لا ثدي للأنبوبة، فما هو الجديد في هذا؟ وما هي معجزة العلم الحديث يا ابن آدم؟ وختمت القصة المضحكة، بأن المرأة حزنت لما ولدت أنثى، فقد أكد لها الطبيب الأريب، بأنه استعمل العلم الحديث ليجعله ذكرا، وعاشت الشهور الطوال مدة الحمل موقنة بذلك، فلما وضعتها قالت للطبيب متحسرة: إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت، فأجابها الطبيب بأنه سيحاول في المرة المقبلة، ليظل يبتز المال الحرام من المتلهفين على فتنة الدنيا ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ ، فهو الغالب على أمره، وهو القاهر فوق عباده. تلك قصة الأنبوبة التي تحولت إلى أكذوبة، ولا حقيقة فيها إلا مادة المني، لعلمهم أنه لا خلق بدونها لكل بشري، وقد قالها الخالق متحديا بها ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ .

стр. 8016

أما المفتاحين الأخيرين ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت﴾ فلا زال العلم الحديث يدور حولها راهبا متهيبا، لا يجد مدعوه تجاههما فرية جديدة يحادون بها، فقد أدركوا جيدا أن الناس مع الدنيا الحلوة الخضرة يهيمون في حاضرها، ويرسمون لمستقبلها، وإذا الرسم لا يتم، فالكل يقول: سنفعل وسيكون، والخطة الخمسية والسداسية سيقام فيها كذا وكيت، وقد خلا كل ذلك من كلمة (إن شاء الله) فإذا بالذي كان، هو ما شاء الله أن يكون، ووجدوا ما رسموه سرابا بقيعة. وعن المفتاح الأخير ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت﴾ وجد العلم الحديث نفسه أمام الموت يتحدى بآية جدعت أنوف الجبارين، وألصقت خدودهم الرغام ﴿قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، إن كنتم صادقين في أن الله لم ينفرد وحده بمفاتيح غيبه، ولقد بذلوا المكيال من المال، ليس ليدرؤوه وإنما فقط ليؤخروه، خاصة إذا حضر الموت رؤساءهم كي ينالوا الحظوة لديهم، فما وجدوا إلا هذا القول الأعز ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ ، فمن سواه يؤخره؟ وفي أي مكان من بلاده ينهي أجل عباده؟ فهؤلاء غاصوا مع السفينة في الماء، وهؤلاء انفجرت بهم الطائرة في الهواء، وألوف المقاتلين حصدوا في الميدان، وهذا سافر ولم يعد، وهذا مزقته في الطريق سيارة سائق مجنون، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾

стр. 8017

ثم ماذا بعد هذا؟ ثم هذه هي مفاتيح الغيب الخمسة، نحن الذين نتحداهم بها، وليسوا هم الذين يحادوننا، وسيرون من يكسب التحدي، من الآن وإلى أن تأتي أولى الخمسة، وهي الساعة، بعدها يقولون ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ ، أما حملة الإيمان من الآن فقد استفادوا بخمسة ربهم، بما فتح ويفتح عليهم منها في الدنيا، وفي الآخرة بما أخفى لهم من قرة أعين، كان لي ولكم من الله ذلك، والرجاء عظيم في السخي الكريم. أما عن الأبيات فلكل مفتاح من الخمسة أربعة، فالمجموع عشرون بيتا، وكل أربعة مستقلة الروي والقافية وعناوينها تصرفية. (ساعتي والساعة) سيرى بغير تأخر وتقدم يا ساعة في الجيب أو بالمعصم أو بالسحور لألحقن بالصُوّم لتذكريني بالصلاة لوقتها زودتني نورا ليوم مظلم يا ساعة هوّنت يوم الساعة عن ساعة قربت فليس بمسلم أما الذي ألهته ساعة زهوه (المطر الصناعي) قلنا تعودنا سفالة من كفر قالوا صنعنا القطر إذ منع المطر ماء السماء لواحد ملك القدر جفت زراعتكم ولم نر قطركم خابت مقاصدكم ويومكم عسر لم تقصدوا إلا العداء لديننا بئس الشراب لكل كذاب أشر فلتشربوا كالهيم [١] ماء حميمها (حمل الأنابيب) وغدا تحيض، فلا نكذب فنهم أنبوبة حملت، نصدق قولهم حمل الجماد فلا نظن جنوبهم فصحافة وإذاعة أكدت تلد البنات كذا البنين جميعهم فإذا عقمت تزوجنْ أنبوبة نبحت كلاب الكفر، فامحق جمعهم يا واحدا فطر الخليفة كلها (ماذا تكون غدا؟) والناس تقصدني ضحى أو في الدجى سأكون فيما الدنيا عظيما أرتجى يجبى إلي المال بحرا مائجا وأشيدن عمائرا فكراؤها ومن النساء رباع، ذاك المرتجى وسأملكن من الحدائق فرسخا فقد الرجاء فساء عقلا أعوجا فإذا به والموت يقطع حلقه

стр. 8018

(أتدري مكان موتك؟) وقبورهم بجبال أو برمال قُتِلَ الألوف لدى احتدام قتال كبوا الهواء، فكان في الأدغال ركبوا البحار فكان فيها قبرهم قُبروا هنا بعد انتها الآجال وحجيج بيت الله منهم لم يعد عزَّ الإله وذلّ كل ضلال لِمَ لمْ يمت كلٌّ؟ بأرض بلاده -------------------------------------------------------------------------------- [١] نوع من الإبل لا يشبع مهما شرب.

стр. 8019

فكرة الجامعة المفتوحة أو جامعة الهواء لفضيلة الشيخ محمد الشربيني خبير التعليم بالجامعة قرأت فيما قرأت في الأيام الأخيرة فكرة تحقيق إنشاء جامعة مفتوحة أو (جامعة الهواء) ، وفكرة الجامعة الأهلية والجامعة المهنية، ولكل من هذه الجامعات أسلوبها ومناهجها وأهدافها. ولعل النوع المناسب لنا في جامعتنا الإسلامية بالمدينة المنورة هو ما يعبر عنه بالجامعة المفتوحة أو جامعة الهواء.. وهذه الجامعة لا يراد بها أن تكون جامعة مستقلة لها نفس النظم واللوائح التي تسير عليها جامعتنا والجامعات الأخرى بالمملكة، ولكن القصد من إنشائها هو العمل على تحقيق أهداف الجامعة الإسلامية على نطاق أوسع وأشمل خارج إطارها الحالي، بحيث ينتقل جزء من نشاطها التعليمي إلى أرجاء مختلفة من العالم. ولتوضيح الفكرة المطلوب تحقيقها نشير إلى العناصر والنقاط الآتية: أولا: الدارسين: من مختلف الجنسيات ومن شتى الأقطار، ولا يشرط في التحاقهم بالجامعة مؤهلات معينة وإنما من مختلف المستويات. ثانيا: نظام الدراسة: ليست الدراسة حسب الطريقة السائدة في الجامعة النظامية، ولكن عن طريق المراسلات (النصوص العلمية) ، والإذاعة الصوتية والمرئية في كل بلد من البلاد (بالأشرطة العلمية المسجلة) . ثالثا: مواد الدراسة: تقوم الإدارة المركزية بالجامعة بإعداد المادة العلمية (النصوص) للدارسين، وترسل هذه المادة إلى الطلاب بعناوينهم في مختلف البلاد بمعدل مرة كل أسبوع أو كل شهر حسب تقسيم المادة إلى موضوعات أو وحدات موقوتة بمدة الدراسة وعلى مدار العام الدراسي. رابعاً: أسلوب الدراسة: يقوم الدارس باستذكار دروسه في داره في وقت فراغه في المادة العلمية المرسلة له، أو بالاستماع إلى بعض الدروس في الإذاعة المحلية المرئية والمسموعة.

стр. 8020

يجتمع الدارسون في مقر مركز الدراسة المحلية أو الفرعية للاشتراك قي حلقات للمناقشة تحت إشراف مرشدين متخصصين في العلوم العربية والدراسات الإسلامية، من الذين تقوم الجامعة بتوزيعهم على مراكز التجمعات الدراسية للدارسين في مختلف الأقطار. خامساً: المواد بالمراسلة: تشكّل المادة العلمية عن طريق المراسلة بالبريد أهم عناصر العملية التعليمية في أي مادة من المواد، وهو ما يسمى (بالنص) بالنسبة لأي مادة، ومعناه عمل أسبوع كامل للطالب، ولما كانت دراسة أي منهج تستغرق من ٣٠- ٣٢ أسبوعاً فنصوص المنهج لكل مادة علمية هي حوالي ٣٢ نصاً بواقع نص لكل أسبوع، وبحيث ترسل النصوص على فترات منتظمة خلال العام الدراسي، ويذيل كل نصف بمجموعة من الأسئلة والتمرينات والتطبيقات لقياس فهم الطالب في موضوعات الدراسة المرسلة إليه. سادساً: الاختبارات والتقويم: عناصر العملية التعليمية (المناهج الدراسية) في الجامعة المفتوحة تحدد من ١٠- ١٤ ساعة في الأسبوع، ولمدة ثلاثين أسبوعاً؛ للحصول على تقدير سنوي واحد في منهج أو مادة واحدة، وتعقد في نهاية العام اختبارات جماعية في مقر إحدى مراكز الثقافة أو المؤسسات التعليمية في تلك البلاد حسب الطريقة التي تنظمها الجامعة بالنسبة للامتحانات الخارجية، وترسل أوراق الإجابة إلى مقر الجامعة لتصحيحها وإعلان نتائج الدارسين وإبلاغهم بها.
следующие страницы →