Полный текст (23 804 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
لو حدثك إنسان عن الشجاعة طيلة اليوم لما استطاع أن يعطيك الصورة الحقيقية لها كما يعطينا إياها هذا الحديث, فليست الشجاعة جعجعة فارغة, وكلاما أجوفا, وخطبا رنانة؟ , وإنما عمل فعال, ونزال يكون صاحبه أقرب ما يكون إلى العدو, حتى يحتمي به الأبطال, كعلي بن أبي طالب, هذه صورته ﷺ في الجهاد في ساح الوغى وصورته في الوقوف أمام قومه, يخالفهم يشتم آلهتهم, لا تخفى على أحد, وأنها من أكبر صور الشجاعة الحقة.
وكذلك في (الكَرَمِ) تحدثنا السيرة عن كرم رسول الله ﷺ وأنه كان أكرم الناس, وكان أجود بالخير من الريح المرسلة, ويأتي الوصف الدقيق لكرم رسول الله ﷺ , وذلك عندما أعطى غنماً بين جبلين, فعاد الرجل إلى قومه ليقول: "يا قوم أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر".
هذا الوصف الدقيق المعبر عن الكرم الحقيقي, والدافع الصحيح له, فالمانع للعبد من الإنفاق, والحافز له على البخل, ما هو إلا خشية الفقر, وخوفه من مستقبل حياته, أو مستقبل أهله وأولاده, فيأتي وصف كرمه ﷺ بأنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر, معتمدا بذلك على خزائن الرحمن, فيعطي بذلك المثل الأعلى للكرام المثل الذي احتذاه الصحابة, فقدم أبو بكر ماله, وعمر نصفه, وعثمان جهز جيش العسرة, وكانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة, وينسون أنفسهم عند الإنفاق, فلا يبقى معهم ما يشترون به ما يطعمون, كما فعلت عائشة ﵃ أجمعين.
وقل مثل هذا في الوفاء بالعهد, وذلك بعد صلح الحديبية, عندما جاء أبو جندل يرسف في قيده فيرده رسول الله ﷺ , وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم, وذلك لأن الصلح ابتنى على رد كل مسلم يأتيه.
وكذلك في عبوديته لله حينما يترك الأمر للناقة عند دخول المدينة المنورة, ويقول لأصحابه: "دعوها فإنها مأمورة".
стр. 842
وصورة الثقة بالله ونصره عندما قال له أبو بكر ﵁ الصديق - وهما في طريق الهجرة -: "لو أنّ أحدهم نظر إلى موضع قدمه لرآنا", فيقول له - بيقين الواثق ثقة المتوكل -: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما, لا تحزن إنّ الله معنا".
إلى غير ذلك من الصور التي كانت للصحابة الأسوة الكاملة, والقدوة العاملة, فكانوا يرون الأخلاق العظيمة متجسدة في شخص رسول الله ﷺ مما يدفعهم إلى الإتباع, ويحفزهم إلى التخلق بأخلاق المصطفى صلى اله عليه وسلم, وبذلك تخرّجوا من مدرسة محمد ﷺ , وكل منهم يحمل الإسلام في عمله وأخلاقه قبل خطابه وكلماته, فكانوا صورة صادقة للإسلام, وأسوة مطبقة لما يدعون الناس إليه, فدخل الناس في دين الله أفواجا, وانهارت الممالك أمامهم ذليلة خاضعة أمام قوتهم, مكبرة لأخلاقهم وآدابهم.
هذا ما كان, وأما ما صار الأمر إليه في هذه العصور, فقد غدا الدعاة يتكلمون ولا يعملون, فإذا سألت أحدهم عن ذلك قال: "خذوا أقوالنا ولا تقلدون في أعمالنا".
وبهذا أصبحت دعوة الإسلام -كأي دعوة أرضية - كلاما يحمل, وفكرة تتبنى, ليس لها في عالم الواقع حقيقة ومثالا, ولا رصيد في سماء التطبيق, فلهذا لم تعد الاستجابة للدعاة كاملة, إذ ترك الداعية لبعض ما يدعوا الناس إليه يشككهم في دعوته, قائلين: "لو كان خيرا لسبقنا إليه".
فنسأله تعالى أن يجعلنا ممن يعمل بما يعلم, ويكون قدوة صالحة للمجتمع الإسلامي الكامل. والله الموفق.
حبّ السلامة
حب السلامة يثني هم صاحبه
عن المعالي ويغري المرء بالكس
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا
في الأرض أو سلما في الجو واعتزل
ودع غمار العلى للمقدمين على
ركوبها واقتنع منهن بالبلل
الطغرائي
стр. 843
العدد ٥
فهرس المحتويات
١- أخبار الجامعة
٢- التراويح أكثر من ألف عام: بقلم الشيخ عطية محمد سالم
٣- التقدم والرجعية: بقلم الدكتور تقي الدين الهلالي
٤- الغزو الفكري: بقلم الشيخ ممدوح فخري
٥- الإسلام والحياة: بقلم أحمد عبد الرحيم السايح
٦- القرآن ومعركة المصطلحات: بقلم الشيخ أحمد حسن
٧- المدلسون (٣) : بقلم الشيخ حماد الأنصاري
٨- المسجون: عبد العزيز القارئ
٩- الوصول إلى القمر: لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز نائب رئيس الجامعة الإسلامية
١٠- دراسات أدبية: أبو العتاهية (بقلم الشيخ محمد شريف الزيبق)
١١- رسائل لم يحملها البريد: بقلم الشيخ عبد الرءوف اللبدي
١٢- قصة في الاتجاه الآخر: بقلم أبي صفوان
١٣- لمحات تاريخية من حياة ابن تيمية: بقلم الطالب: صالح بن سعيد بن هلابي
١٤- مؤتمر القمة الإسلامي: لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز نائب رئيس الجامعة الإسلامية
١٥- مع الصحافة: نقلا عن مجلة الحضارة الإسلامية
١٦- مقتطفات من كتاب الثقلاء: للشيخ محمد العبودي
١٧- من تاريخ المذاهب الهدامة - كتاب أسرار الباطنية لمحمد بن مالك (٢)
بقلم: محمد بن مالك اليماني
١٨- ندوة الطلبة - من ظلمات الوثنية إلى ضياء الإسلام: بقلم الطالب: محمد ضياء الرحمن الأعظمي
١٩- نعمة الأمن: بقلم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
٢٠- يستفتونك: يتولى الرد على أسئلة القراء فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز نائب رئيس الجامعة الإسلامية
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 844
أخبار الجامعة
تم انتقال كلية الشريعة إلى المباني الجديدة الواقعة في غرب الجامعة وبذلك انفصلت إدارتها عن كلية الدعوة وأصول الدين. والجدير بالذكر أن المباني الجديدة أقيمت على أحدث طراز حيث تحتوي على المزايا المناسبة للجو الدراسي للكلية.
بدأت الدراسة في جميع أقسام الجامعة يوم الأربعاء الموافق ٢٠ رجب للعام الدراسي ٨٩/٩٠ هـ.
وصل إلى المدينة المنورة الأساتذة الآتية أسمائهم حيث انضموا إلى هيئة التدريس بالجامعة:
- الأستاذ محمد الصادق عرجون المصري الجنسية عميد كلية أصول الدين بالأزهر سابقا. من مؤلفاته: (خالد بن الوليد، عثمان بن عفان الخليفة المفترى عليه، التصوف في الإسلام، نظام الحكم في الإسلام، النقد الأدبي عند العرب - رسالة نال بها الدكتوراه -، حرية الفكر في الإسلام أبو حامد الغزالي) .
- الشيخ محمود وفاء إبراهيم هاشم المصري الجنسية (العالمية مع الإجازة في التدريس في جامعة الأزهر) .
- الشيخ حسن السيد متولي المصري الجنسية (العالمية مع الإجازة مع التدريس في جامعة الأزهر) .
- الشيخ محمد المهدي محمود علي المصري الجنسية (العالمية مع الإجازة في التدريس) .
- الشيخ عبد الجواد السيد البنا المصري الجنسية (شهادة التخصص من شعبة الفقه الحنفي والأصول من جامعة الأزهر) .
- الشيخ محمد سعيد مولوي السوري الجنسية (ماجستير في اللغة العربية وآدابها من جامعة القاهرة) .
- الشيخ ناجي محمد شفيق عجم السوري الجنسية (ماجستير في أصول الفقه من جامعة الأزهر) .
стр. 845
كما وصل إلى المدينة الأستاذ ف. عبد الرحيم عبد السبحان الهندي الجنسية (ماجستير في أصول اللغة في جامعة الأزهر وماجستير في اللغة العربية من جامعة الإسلامية بعليكرة بالهند وبكالريوس في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة مدراس) حيث انضم إلى هيئة التدريس بشعبة اللغة العربية بالجامعة.
تم تعين الأساتذة السعوديين الآتية أسماءهم للتدريس في المعهد الثانوي التابع للجامعة وهم:
الأستاذ حامد عبد القادر الأحمدي
الأستاذ علي بن مشرف العمري
الأستاذ رويعي بن راجح
الأستاذ عبد العزيز القارئ
والجدير بالذكر أن المذكورين من خرجي الجامعة لهذا العام.
- استلمت مكتبة العامة للجامعة دفعة جديدة من الكتب بلغت ١٧٠٠ كتاب وبذلك يصل عدد الكتب التي وصلت إلى المكتبة ١٧٨٨٦كتابا ولا تزال رئاسة الجامعة تعمل جاهدة على أن تكون مكتبة الجامعة في القريب العاجل من أكبر المكتبات الموجودة في المملكة.
- تم أخيرا طبع كتاب (في إفريقيا الخضراء) بمطابع دار الثقافة ببيروت وهو من تأليف محمد العبودي الأمين العام للجامعة والكتاب يحتوي على معلومات هامة وقيِّمة عن أقطار إفريقيا الغربية والوسطى وذلك بعد أن قام المؤلف برحلتين إلى هناك رئيسا لوفد الجامعة وقد شرع في توزيع الكتاب على الكليات والمعاهد الإسلامية في الخارج.
- من زوار الجامعة في الأسبوع الأخير من رجب زار الجامعة الأستاذ عبد البديع صقر.
- كما قام بزيارة الجامعة أيضا الشيخ أحمد المحايري وهو خرجي الجامعة ويعمل حاليا لحساب دار الإفتاء السعودية في سيراليون وله جهود مشكورة في الدعوة الإسلامية هناك وقد قام بالاتصال بالمسئولين في الجامعة حيث لقي كل تفهم وترحيب.
стр. 846
دراسات أدبية
أبو العتاهية
بقلم الشيخ محمد شريف الزيبق المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين
هو إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان أبو إسحاق من الموالي وولاؤه في قبيلة عنزة فهو عنزي بالولاء وكان جده كيسان من سبي عين التمر وهو أول سبي دخل المدينة سباهم خالد بن الوليد وقدم بهم على أبي بكر ﵁ وأم أبي العتاهية وتكنى أم زيد كانت أيضا مولاة لبني زهرة.
وقد اشتهر بلقب أبي العتاهية - وليس هذا كنيته فكنيته أبو إسحاق كما سبق - وعتاهية كلمة تدل على معان كثيرة يقول بن منظور في لسان العرب: "عته في العلم: أولع به وحرص عليه والعتاهة والعتاهية مصدر عته مثل الرفاهة والرفاهية، والعتاهية ضلال الناس من التجنن والدهش والتعته المبالغة في الملبس والمأكل ورجل عتاهية أحمق وتعته تنظف وأبو العتاهية الشاعر المعروف ذكر أنه كان له ولد يقال له عتاهية وقيل: لو كان الأمر كذالك لقيل أبو عتاهية بغير تعريف".
والسبب في تلقيبه به أن الخليفة المهدي قال له يوما: "أنت إنسان متحذلق - أي متظرف – متعته، فاستوى له من ذلك لقب غلب عليه دون اسمه وكنيته [١] .
ويقول بن منظور: "لقب بذلك لأن المهدي قال له: أراك متخلطا متعتها، وكان قد نعته بجارية للمهدي واعتقل بسببها وعرض عليها المهدي أن يزوجها له فأبت، واسم الجارية عتبة. وقيل: لقب بذلك لأنه كان طويلا مضطربا. وقيل: لأنه يرمى بالزندقة ولأنه كان يحب المجون والتعته".
وقد أصاب المهدي في إطلاق هذا اللقب أبي العتاهية على الشاعر لدلالته أبلغ دلالة على صفاته الجسمية والخلقية فدل على اختلاطه واضطرابه ومجونه وطوله وتعتهه بحب عتبة.
стр. 847
وكانت ولادة الشاعر في عين التمر وهي قرية قرب الأنبار غربي الكوفة سنة ١٣٠ وانتقل مع أبيه صغيرا إلى الكوفة وكانت الكوفة مدينة العلماء والمحدثين والعباد والزهاد، وقد عاصر فيها الشاعر أمثال علقمة بن قيس وعمرو بن عتبة بن فرقد والربيع بن خيثم وأويس القرني والنخعي والشعبي وسفيان الثوري وشريك القاضي وابن أبي ليلى وأبي حنيفة والكسائي والفراء.
ومع اتساع الكوفة وانتشار الرخاء نشأت فيها طوائف من المُجَّان يقولون الشعر، متنقلين على معاهد اللهو، وموغلين في حمأة المفاسد، يفسقون ويتهتكون ويتزندقون وينعتون أنفسهم بالظرف، وأنهم حلية الأرض ونقش الزمان. . أمثال حماد عجرد ووالبة ابن الحباب ومطيع بن إياس ويحي بن زياد وشراعة بن زندبود [٢] .
فيحي بن زياد مثلا كان زنديقا وكان يتصنع الظرف وحسن المظهر، يقول فيه الخطيب البغدادي: "كان شاعرا أديبا ماجنا نسب إلى الزندقة وكان صديقا لمطيع، وحماد، ووابلة وغيرهم من ظرفاء الكوفيين" [٣] .
في هذه البيئة نشأ أبو العتاهية وكان يخالط هؤلاء الشعراء المجان، ويختلف إلى حلقات العلماء ومجالس العباد، وقد كان فقيرا فكان يعمل مع أبيه في بيع الفخار بالكوفة، وقال الشعر وبرع فيه وهو حدث، وظهر نبوغه في وقت مبكر.
روي أنه اجتاز بفتيان جلوس يتناشدون الشعر، وكان يحمل قفص فخار ويدور به ويبيع منه، فسلم ووضع القفص عن ظهره ثم قال للفتيان: "أراكم تتذاكرون الشعر وتقولونه أفأقول شيئا منه فتجيزونه؟ فإن فعلتم فلكم علي عشر دراهم وإن لم تفعلوا فعليكم عشرة دراهم؟ ". فهزئوا منه وسخروا وقالوا: "نعم لا بد أن نشتري بأحد القمارين رطبا يؤكل، فإنه قمار حاصل". وجعل رهنه على يد أحدهم، ففعلوا فقال: أجيزوا
ساكني الأجداث أنتم
стр. 848
وجعل بينه وبينهم وقتا وعلامة في ذلك الموضع إذا بلغته الشمس ولم يجزوا البيت وجب القمار عليهم فلم يأتوا بشيء، فأخذ الدراهم وجعل يهزأ منهم وتمم الشعر:
مثلنا بالأمس كنتم
ليت شعري ما صنعتم أربحتم أم خسرتم
ومع أن أبا العتاهية بدأ حياته مع المجان والمتخنثين وفساق الشعراء، وكان في أول أمره يتخنث ويحمل زاملة المخنثين، فإن بواكير شعره كانت في الزهد ووصف الموت وأحواله ونزل (الحيرة) وهي قريبة من الكوفة فهوى امرأة نائحة من أهل الحيرة لها حسن وجمال وتدعى سعدى وكان ينظم لها الشعر الذي تنوح به على الموتى، وكانت سعدى مولاة لبني معن ابن زائدة وقد أدت صلته بها إلى خلاف ومهاجاة بينه وبين عبد الله ابن معن بن زائدة [٤] .
انتقاله إلى بغداد:
وفد أبو العتاهية إلى بغداد في خلافة المهدي (١٥٨- ١٦٩) في نحو الثلاثين من عمره وكانت بغداد - التي أنشأها أبو جعفر المنصور سنة ١٤٩هـ - قد أخذت في الازدهار فانتقل النشاط العلمي من الكوفة والبصرة إليها بعد أن أصبحت دار الخلافة ودار الإسلام. وكان أبو العتاهية حين وصل إلى بغداد يجتهد في الوصول إلى قصر الخلافة، فأقبل يمدح المهدي، ويفكر في الوسائل التي تدنيه منه. يقول ابنه محمد: "فلما تطاولت أيامه أحب أن يشهر نفسه بأمر يصل به إليه، فلما بصر بعتبة راكبة في جمع من الخدم تتصرف في حوائج الخلافة تعرض لها، وأمل أن يكون تولعه بها هو السبب الموصل إلى حاجته، وانهمك في التشبيب والتعرض في كل مكان لها، والتغرد بذكرها وإظهار شدة عشقها" [٥] .
وله مع عتبة حوادث عديدة منها ما رواه المبرد أن أبا العتاهية أهدى إلى المهدي برنية صينية فيها ثوب ممسك فيه سطران مكتوبا عليه بالغالية:
نفسي بشيء من الدنيا معلقة
لله والقائم المهدي يكفيها
إني لأيأس منها ثم يطمعني
فيها احتقارك للدنيا وما فيها
стр. 849
قال: فهم أن يدفع إليه عتبة. فقالت له: "يا أمير المؤمنين مع حرمتي وخدمتي تدفعني إلى بائع جرار متكسب بالشعر؟ ". فبعث إليه: "أما عتبة فلا سبيل لك إليها وقد أمرنا لك بملء برنية مالا" [٦] .
وكان يتجاسر على التشبيب بها في مقدمة مدائحه للمهدي فقد روى الحافظ بن عبد البر في مقدمته لديوان شعر أبو العتاهية أن الشعراء حضروا يوما عند المهدي فقدم أبو العتاهية في الإنشاد فقال بشار بن برد لأشجع السلمي: "يا أخا سليم من هذا الذي قدم للإنشاد علينا؟ أهو ذلك الكوفي الملقب؟ ". قال: "نعم". فقال بشار: "لا جزى الله خيرا من جمعنا به أيستنشد قبلنا؟ ". فقال له أشجع: "هو ما ترى". . فأنشد أبو العتاهية:
تدل فأحمل إدلالها
ألا ما لسيدتي ما لها
جنيت سقى الله أطلالها
وإلا ففيما تجنت وما
م قد أسكن الحب سربالها
ألا إن جارية للإما
تجاذب في المشي أكفالها
مشت بين حور قصار الخطا
وأتعب باللوم عذابها
وقد أتعب الله نفسي بها
فقال بشار: "أبهذا الشعر يقدم علينا؟ ". فلما أتى على قوله:
إليه تجرر أذيالها
أتته الخلافة منقادة
ولم يك يصلح إلا لها
فلم تك تصلح إلا له
لزلزلت الأرض زلزالها
ولو رامها أحد غيره
لما قبل الله أعمالها
ولو لم تعطه نيات القلوب
إليه ليبغض من قالها
وإن الخليفة من قول لا
فاهتز بشار طربا، وقال: "يا أخا سليم أترى الخليفة لم يطر طربا عن فراشه لما يأتي به هذا الكوفي؟ ".
وقضى أبو العتاهية مدة طويلة يتغزل بعتبة حتى شاع فيها شعره، فأمر المهدي بجلده وإدخاله السجن، ولم يعف عنه إلا بشفاعة خاله يزيد بن منصور الحميري [٧] .
стр. 850
وفي أيام الرشيد عاد الشاعر يتغزل بعتبة والسعي للزواج منها. حدث أبو العباس يحي بن ثعلب قال: "كان أبو العتاهية قد أكثر في مسألة الرشيد في عتبة فوعده بتزويجها وأنه يسألها في ذلك. ثم دعا به وقال: "ضمنت لك يا أبا العتاهية، وفي غد تقضى حاجتك إن شاء الله". وبعث إلى عتبة: "إن لي إليك حاجة فانتظرني الليلة في منزلك". فأكبرت ذلك وأعظمته وصارت إليه تستعفيه، فحلف أن لا يذكر لها حاجته إلا في منزلها. فلما كان الليل سار إليها ومعه جماعة من خواص خدمه فقال لها: "لست أذكر حاجتي أو تضمنين قضاءها". قالت: "أنا أمتك وأمرك نافذ فيما خلا أمر أبي العتاهية، فإني حلفت لأبيك ﵁ بكل يمين يحلف بها بر وفاجر، وبالمشي إلى بيت الله الحرام حافية، كلما انقضت عني حجة وجبت علي أخرى لا أقتصر على الكفارة، وكلما أفدت شيئا تصدقت به إلا ما أصلي فيه". وبكت بين يديه فرق لها ورحمها وانصرف عنها. وغدا عليه أبو العتاهية فقال له الرشيد: "والله ما قصرت في أمرك ومسرور وحسين ورشيد وغيرهم شهود لي بذلك"، وشرح له الخبر. قال أبو العتاهية: "فلما أخبرني بذلك مكثت مليا لا أدري أين أنا قائم أو قاعد، وقلت: الآن يئست منها إذ ردتك وعلمت أنها لا تجيب أحدا بعدك". فلبس أبو العتاهية الصوف وقال في ذلك من أبيات [٨] :
قطعت منك حبائل الآمال
وحططت عن ظهر المطي رحالي
ووجدت برد اليأس بين جوانحي
وأرحت من حلي وترحالي
هي قصيدة طويلة تعتبر من أروع قصائده ومنها:
يا دار كل تشتت وزوال
الآن يا دنيا عرفتك فاذهبي
فغدا علي وراح بالأمثال
والآن صار لي الزمان مؤدبا
وتفرغت هممي عن الأشغال
والآن أبصرت السبيل إلى الهدى
يفضي إلي بمفرق وقذال
ولقد أقام لي المشيب نعاته
ومنها:
نسبا يقاس بصالح الأعمال
وإذا تناسبت الرجال فما أرى
رجل يصدق قوله بفعال
وإذا بحثت عن التقي وجدته
стр. 851
فتراه بين مكارم ومعال
وإذا اتقى الله امرؤ وأطاعه
تاجان تاج سكينة وجلال
وعلى التقي إذا ترسخ في التقى
ومنها:
في قبره متفرق الأوصال
يا أيها البطر الذي هو في غد
وأرى مُناك طويلة الأذيال
حذف المنى عنه المشمر في الهدى
من لاعب قرح بها مختال
ولقلما تلقى أغر بنفسه
حتى متى بالغي أنت تغالي
يا تاجر الغي المضر نفسه
خسرت ولم تربح يد البطال
الحمد لله الحميد بمنه
وتشيب منه ذوائب الأطفال
لله يوم تقشعر جلودهم
مل فيه إذ يقذفن بالأحمال
يوم النوازل والزلازل والحوا
زن والأمور عظيمة الأهوال
يوم التغابن والتباين والتوا
بمقطعات النار والأغلال
يوم ينادي فيه كل مضلل
علت الوجوه بنضرة وجمال
للمتقين هناك نزل كرامة
فلها بريق عنده وتلالي
زمر أضاءت للحساب وجوهها
خمص البطون خفيفة الأثقال
وسوابق عز محجلة جرت
خلق الرداء مرقع السربال
من كل أشعث كان أغبرنا حلا
في دار ملك جلالة وظلال
نزلوا بأكرم سيد فأظلهم
ومنها:
والموت يقطع حيلة المحتال
حيل ابن آدم في الأمور كثيرة
حرك الخطى وطلوع كل هلال
ومن النعاة إلى ابن آدم نفسه
أخلقت يا دنيا وجوه رجال
مالي أراك لحر وجهك مخلقا
من كل عارفة أتت بسؤال
قست السؤال فكان أعظم قيمة
ممن يضن عليك بالأموال
كن بالسؤال أشد عقد ضنانة
في الوزن ترجح بذل كل نوال
وصن المحامد ما استطعت فإنها
نسي المثمر زينة الإقلال
ولقد عجبت من المثمر ما له
فابذله للمتكرم المفضال
فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا
فاشدد يديك بعاجل الترحال
وإذا خشيت تعذرا في بلدة
فرج الشدائد مثل حل عقال
واصبر على غِيَر الزمان فإنما
стр. 852
وهكذا نجد في هذه القصيدة ملامح فن أبي العتاهية في الزهد الممزوج بالحكمة والمرصع والاقتباسات البديعة من كتاب الله عز وجلو كلام السلف الصالح، وقد أبدى بن الأعرابي إعجابه البالغ بهذه القصيدة وقال: "ما رأيت قط شاعر أطبع ولا أقدر على البيت من أبي العتاهية وما أحسب مذهبه إلا ضربا من السحر"، وثار برجل كان في مجلسه لأنه قال: "إن أبا العتاهية ضعيف الشعر". فقال له: "الضعيف والله عقلك، لأبي العتاهية تقول ضعيف الشعر؟! " [٩] .
ونذكر أخيرا في سبب توبة أبي العتاهية من مصاحبة المجان وقرض الشعر في الغزل والهجاء والمديح، وقصر شعره على الزهد والحكمة، ما روي عن أبي سلمة الغنوي أنه سأل أبا العتاهية: "ما الذي صرفك عن قول الغزل إلى قول الزهد؟ ". فأجابه:"إذن والله أخبرك. إني لما قلت:
أهدت لي الصد والملالات
الله بيني وبين مولاتي
فكان هجرانها مكافاتي
منحتها مهجتي وخالصتي
أحدوثة في جميع جاراتي
هيَّمني حبها وصيرني
رأيت في المنام في تلك الليلة كأن آتيا أتاني فقال: "ما أصبت أحدا تدخله بينك وبين عتبة يحكم علينا بالمعصية إلا الله تعالى؟ ". فانتبهت مذعورا وتبت إلى الله تعالى من ساعتي من قول الغزل" [١٠] .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الأغاني ٤/٤
[٢] ثمار القلوب للثعالبي ٤٠٧
[٣] تاريخ بغداد ١٤/١٠٤
[٤] الأغاني ١٤/٥٣.
[٥] تاريخ بغداد ٦/٢٥٦.
[٦] مروج الذهب ٣/٢٤٠
[٧] الأغاني ٤/٤٢
[٨] مروج الذهب٣/٢٧٤
[٩] ابن عبد البر في المقدمة.
[١٠] تاريخ بغداد ٦/٢٥٨.
стр. 853
رسائل لم يحملها البريد
بقلم الشيخ عبد الرءوف اللبدي المدرس بكلية الشريعة
تلميذي القديم وزميلي الجديد:
كتبت إلي أنك قد انتهيت من دراساتك العليا, وأنك على وشك أن تصبح زميلا جديدا في ميدان التعليم, هنيئا لك ذاك النجاح! ومرحبا بهذه الزمالة الجديدة!.
سألتني أن أمدك بشيء من النصح، وأن أزودك ببعض التجارب تجارب الآخرين قلما تفيد أيها الزميل الجديد، ومع ذلك فلن تراني عليك ضنينا غير أني أحب أن أقول شيئا قبل أن أمضي بعيد في هذه الرسالة, أحب أن أقول لك: ابحث عن عمل آخر إذا كنت لا تحب التعليم, ولا تجد فيه ري ظمأ، ولا قرة عين.
أنت مقبل على عمل شاق يرهق الجسم والعقل، يشغلك النهار وزلفا من الليل، فإذا لم تكن لديك رغبة صادقة فيه ظلمت نفسك، وظلمت كثيرا من طلاب العلم معك.
إن إخفاق كثير من الناس في أعمالهم والوظائف، مرده في كثير من الأحوال إلى أنهم لم ينالوها عن رغبة واقتدار، وإنما هي أشياء عثروا بها في ظلمات الليل، أو عثرت بهم وهم عنها غافلون.
سرني أيها الزميل الكريم ما نلته من نجاح وسرني أن تصبح من ذوي الشهادات العالية، ولعلك نشرت هذا في الصحف، وعلقت وثائقه على جدران غرفة الاستقبال، ليراه الزائرون، وليذيعوا به في المجالس.
ليس بالغريب أن يشعر الإنسان بالزهو حين يصبح شيئا مذكورا بعد أن لم يكن، غير أني لا أحب أن تزهو بهذا على عباد الله، وأن تقف أمام طلابك نفاشا تفتح به فاك، وتجحظ له عيناك، وتميل برأسك ذات اليمن تارة وذات اليسار تارة أخرى.
قد تجلب عليك الوظيفة أموالا ما كنت لتجدها أيام كنت طالبا، فتزين لك نفسك أن تظهر شخصيتك عن طريق البزة الأنيقة، والحذاء اللامع، والملابس الفارهة، وأن تخرج على الناس يوما بعد يوم في حلة جديدة، تميس فيها كأنك في ليلة الزفاف. إلا ما تزين لك نفسك! وبئست طريقة تلك الطريق!.
стр. 854
لا يخدعنك ما حصلته في الجامعة من العلم عن مواصلة الإطلاع والقراءة، فأنت لم تحصل من العلم إلا قليلا، وهذه الشهادات التي حملتها بعد سنوات طويلة لا تغنيك شيئا أمام طلابك إذا دارت رحى النقاش، وناشتك أسئلتهم من كل جانب، فيفلت الزمام من بين يديك، وتتخلف عن مركز القيادة، وهيهات أن تجد المقيل من هذا العثار!.
أرجو أن لا تسلك سبيل الفرار في غرف التدريس، والفرار أيها الزميل الجديد ألوان شتى، وطرق مختلفة، لا أريد أن أقصها جميعا عليك، ولا أريد أن أعددها لك.
يشق بعض المدرسين أحيانا أن يمضي قدما في مناقشة الموضوع وبسط ما فيه من مسائل، فيتسلل على حين غفلة من الطلاب، أو على حين يقظة، ويعطف بعنان لسانه إلى موضوع آخر يلذ لكثير من الطلاب سماعه، فيحدثهم عن ذكرياته: ذكريات الطفولة، وذكريات المدرسة، وذكريات الجامعة، وذكريات الحياة وما وقع له فيها من طرائف، وما شاهده فيها من أعاجيب.
ولعلك سمعت أو رأيت في أثناء جلوسك على مقاعد الدراسة، وأنت تودع مدرسا وتستقبل آخر، لعلك سمعت أو رأيت من يحدث تلاميذه أخبارا خاصة عن أسرته وأبنائه وذوي قرباه، كأنما الفصل صديق حميم، فهو يفضي إليه ببنات صدره وأفراح قلبه.
لا أريد أن أذهب أبعد من هذا خشاة أن أنسى شيئا أنا حريص على أن أحذرك منه، وأخاف أن تقع فيه، ذلك أن يجرك الطلاب إلى الحديث عن السياسة، أو تجرهم أنت إلى الحديث عنها، فتشب في الفصل (حرائق) لا تستطيع إطفاءها حنى آخر العام، ويفسد عليك من الأمر مالا تجد إلى إصلاحه سبيلا.
أحب أن تلتزم موضوع الدرس، وألا تحيد عنه، وإذا دهمتك ضرورة عابرة، أو غلبتك مناسبة طارئة، وقفت عندها قليلا وقوف العابر العجلان.
الحذر الحذر أن تتصيد المناسبات لتلقي عن كاهلك أثقال الدرس، وتخرج عن الجادة إلى الشعاب والأودية!!.
стр. 855
أقبل على طلابك كما يقبل الصباح، يحمل النشاط والحياة والنور، فيقبلوا عليك مستيقظين واعين، ويسيروا معك على الطريق شوطا بعيدا، دون أن يدركهم فتور، أو يغشاهم النعاس، يسألون فتجيب، وتسأل فيجيبون، وتكون من وراء ذلك حركة ذهنية دائبة، لكم فيها غنم كبير ومنافع.
لا تقبل عليهم كما يقبل الليل، ثقيل الوطأة، بطيء الخطا، تمشي كأنما رجلاك شدتا بالسلاسل، يقرؤون في وجهك الخذلان والفتور والتكلف، وتكلمهم بلسان عاثر، وفكر مشرَّد، غير آبه لما يجري من حولك، فيعقد الطلاب الندوات الصغيرة في فصلك على غير موعد، ويتخذون القرارات وأنت لا تدري، ويقع فريق منهم في نوم عميق يحملون فيه أن قد مرضت، وأخذت إجازة طويلة للأمد.
كن جريئا واسع الصدر، وتقبل أسئلة الطلاب العلمية، ومناقشاتهم في موضوع البحث، بنفس راضية، وقلب مطمئن، وإذا رأيت في غمرة الحوار والنقاش رأيا من الآراء على الصواب، ولكنه مخالف لرأيك، فلا تسفهه، ولا تحاول التقليل من شأنه، غرورا منك، وتفردا بالصواب، قابل ذلك بالاعتراف والثناء والتشجيع، ولا يغلبنك على نفسك الهوى.
لست معصوما من الخطأ، فلا يعظمن على نفسك الرجوع إلى حق إذا نبهك أحد إليه، أو تبين لك الأمر فيما بعد، ولا حاجة إلى أن يحمر وجهك من خجل، أو يصفر من خوف، أو تضطرب ساقك من تحتك، وطن النفس على هذا منذ يومك الأول، فإنه لا بد ملاقيك.
لا يحملنك خلاف الرأي بينك وبين طلابك، ونقاشهم لك على الحقد والثأر، إنهم طلاب علم، قد يوسوس لك الشيطان أن أحدا منهم يريد أن تزل بك القدم، فلا تستجيب إلى تلك الوساوس، وظن بهم خيرا، وكن لهم رائد علم، لا قائد كتيبة.
لا ترفع بينك وبين طلابك جدارا من الكبرياء والتعاظم، لتحول بينهم وبين أن يسألوك عن غامض المسائل، كن أخا لهم، ودعهم يشعرون بهده الأخوة، فلا يتجافون عن سؤال، ولا يمسكهم الحياء عن المناقشة.
стр. 856
إياك أن يتولاك الكذب والغرور!! فتجيب عما تعلم وما لا تعلم، كن صريحا في شجاعة، وقل لا أعلم فيما لا تعلم، إنك إن تجبهم عن جهالة فسوف يتكشّف أمرك ذات يوم، ويبرح الخفاء، وتضيع الثقة بينك وبين طلابك، وتفقد أعز ما يملكه المدرس في دنيا التعليم.
الطلاب في غرف التدريس سواسية، فليس فيهم صديق تواده وتحابيه، ولا عدو تحاده وتجافيه، أقبل بوجهك على القريب والبعيد، وتقبل سؤال الغبي والفطن، وكن شجرة دانية القطوف، طيبة الجنى.
ماذا سيكون نصبك هذا العام؟! وما الذي ستكون عليه غرفة المدرسين في معهدك؟! أتراها تكون كنافخ الكير؟! أم تراها تكون كبائع العطر؟! ومهما يكن من أمر، فأفضل مكان تأوي إليه في حصص الفراغ هو المكتبة، هنالك تنجو من الأحياء، وتخلص إلى جماعة من الموتى، ماتت معهم الأحقاد والأطماع وتفاهات دنياهم، وتركوا وراءهم علما ينفع الناس.
أنت لا تزال في ربيع العمر وشرخ الشباب، فلا تذهبن ساعات فراغك أباديد، وظف شيئا من الفراغ لعمل أدبي، أو دراسة علمية، واترك في عالم الأدب ودنيا العلماء شيئا ذا بال.
لا تنتظر إلى أن تعضك الشيخوخة بأنيابها، ويتقوس الظهر من هرم، فليست الحياة ساعة تديرها في المعصم، ولا ثوبا تلبسه إذا شئت، وتخلعه حينما تريد..
يؤسفني أيها الزميل الجديد أني لم أبلغ بعد ما أردت! إني مشفق عليك، وأخشى أن أفت في عضدك، فتخلد إلى أرض الخمول، وتبقى على الشاطئ نفاية بحر، وأنا الذي أريد أن تحلق في الأجواء البعيدة، وأن تركب الأمواج غير خائف.
ولقد عهدتك ذا قلب سليم، وعزيمة تفري، وغايات تريد بها وجه الله، فدعني إذن أكتب إليك ما تبقى من هذه الرسالة:
стр. 857
الحساب في الدنيا ليس كحساب الآخرة، حساب الآخرة ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أما الدنيا فلها حسابات أخرى لم يكتبها رقيب عتيد، لا أريد أن أقدمها إليك، فسوف تراها رأي العين وتلمسها بالأصابع، ستطعمها فتذوقها مرة، وتشمها فتنشقها كريهة، وتسمعها فتصك الآذان.
لا تحزن أيها الزميل الجديد إن خفت بك الموازين في الدنيا وخفت بإخوانك المدرسين، وثقلت موازين ذوي الجهالة في بعض الميادين، وإذا رأيت الناس من حولك أسرعوا وقد أبطأت، فلا تقلب كفيك على ما أنفقت من سنوات طويلة وجهد جاهد في سبيل العلم، فعند الله الجزاء الأوفى! ثروتك في هذه الدنيا ما يضيء في رأسك وصدرك، وهذا المال الذي ما يكاد ينزل في جيبك حتى ينوي الرحيل.
اصبر! اصبر صبرا جميلا! اصبر كما صبر أولو العزم من المدرسين! طريقك وعر طويل، وزادك ذو غصة وقليل! فاستعن بالله وتوكل عليه، وإنه نعم المولى ونعم النصير.
عبد الرؤوف البلدي
стр. 858
في الاتجاه الآخر
بقلم أبي صفوان
كان (أبو جميل) في الخامسة والستين يوم صدر قرار إحالته على التقاعد. وهي السن التي طالما حجبها عن الناس وعن رؤسائه بوجه خاص، خشية استعجال هذه النتيجة التي ظل خمس سنوات يدافعها بكل ما أوتي من حيلة وما بذل من رجاء.. ولكن لكل شيء نهايته، ولم يكن بد لمثله من أن يصير إلى هذه النهاية يوما ما شاء أو أبى. لذلك كان عليه أن يوطن نفسه لاحتمال هذه الحياة الجديدة، حياة ما بعد الوظيفة، بكل ما فيها من فراغ ووحدة. ولشدة ما فكر في أيامه القابلة هذه حين يجد نفسه خارج العمل فلا يدري كيف يزجي أعباءها، ولا كيف يملأ فراغها!..
ولا غرابة في ذلك فإن امرأ كأبي جميل بسيط طيب القلب، لا حظَّ له في خبرة الحياة خارج نطاق عمله النمطي في ديوان المالية، يتعذر إليه أن يغير بسهولة طريقة حياته التي جثم في قالبها قرابة نصف قرن حتى أصبح كالمنفي عن دنيا الناس، لا يكاد يفهم ما يشغلهم من شئونها. وكان بادي الرأي شديد التعويل على دنانيره المئتين التي استطاع أن يحتفظ بها من بقايا مرتباته خلال هذا الزمن عملا بالمثل الذي يقول: (قرشك الأبيض ليومك الأسود) وقد جاء اليوم الأسود بهذه البطالة التي ترهقه، فجدير به أن يفيد منها باتخاذ عمل يشغل به الفراغ.. على أن (حساب القرايا لا ينطبق على حساب السرايا) فما أن غادر قيود الوظيفة حتى ألفى نفسه عاجزا عن أي تفكير في الموضوع, أشبه بمملوك قضى أيام نشاطه في أغلال الرق، ثم فوجئ بإطلاق حريته على غير إعداد سابق فكانت حريته نفسها أشد الأعباء عليه..
стр. 859
ولقد يظن بعض الذين يعرفون الرجل أن له ولدا باسم (جميل) . والحق أنه لم يلد قط، ولم يفكر أن يعرف ما إذا كان السبب في هذا العقم هو أو زوجته وإنما هو اسم أبيه كني به منذ الطفولة على عادة بلده, تيمنا بأن يكون له في قابل الأيام ولد يحي له اسم ذلك الوالد. وقد مر به زمن جاش به شوقه إلى الولد، فراح يطوف بزوجته مقابر الأولياء ومقامات الصالحين حاملا إليها النذور النفسية رجاء أن تعطف عليه فتتوسط بحاجته لدى الله!.. ولكن هؤلاء صموا عنه فلم تُجْدِه نذوره.. ثم ما لبثت الأيام أن عملت عملها في إطفاء ذلك الشوق، حتى ألف وزوجته وضعهما ورضيا، بنصيبهما من قدر الله.. وبات عليهما أن يوجها كل همهما إلى العبادة التي لا عزاء مثلها في مثل وحشتهما تلك..
ولم تكن العبادة شيئا طارئا على أبي جميل - كشأن كثير من الناس - وبخاصة في أوساط أولئك الموظفين الذين تشغلهم دنياهم عن ربهم فلا يذكرونه إلا بعد التقاعد. وعندئذ يهبون المساجد بقية عمرهم.. كلا فقد كان صاحبنا قديم الاتصال بالصلاة غير قليل التردد على بيوت العبادة.. بل كان من أبناء (الطريقة) الذين لا يكتفون بالعبادة المكتوبة حتى يضيفوا إليها الأذكار التي يكفلهم بها المشايخ وقد بلغ من ورعه أنه لا يفارق (دلائل الخيرات) وورد (ابن سلطان) فهما رفيقاه أينما حل.. يراجع تلاوتهما كلما وجد إلى ذلك سبيلا!.. وقد أعطى القرآن من نفسه حظا أسبوعيا يعاوده صباح كل جمعة، حيث يتلو سورة الكهف عدة مرات..
وهو إنما انخرط في سلك الطريقة عملا بإشارة المرحوم والده الذي علمه منذ الطفولة أن لابد للإنسان من الشيخ فمن لا شيخ له فالشيطان شيخه!..
стр. 860
وطبيعي أن يفر من الشيطان ما وسعه الجهد.. ولم يكن في حاجة إلى طويل تردد في اختيار شيخه.. أنه ليس خيرا من جاره أبي سعيد، وخاله أبي فتوح.. للذين اتخذا من الشيخ (فويضل) إماما وقدوة.. فليسلك طريقهما هو وزوجته وشقيقته.. وهم مجموع الأسرة.. ومنذ ذلك اليوم بدأ تعلقه بالشيخ وأخذ نفسه بالتردد على دروسه وحضور حلقاته مساء كل اثنين وجمعة..
ومن قبل طالما سمع أخبار الشيخ (فويضل) على ألسنة دعاته، يعرضون على الناس كمالاته، ويقصون كراماته.. ولم يكن من أهل الشكوك ولله الحمد فلم يجد مانعا من تصديقهما؟ والتطوع بنقلها إلى من لم تبلغه. ولما باشر الاتصال بالشيخ كان على أتم الاستعداد للاندماج في جوه.. وهاهو ذا اليوم قد قطع شوطا بعيدا في تقاليد الطريق التي تفرض على المريد أن يكون أطوع للشيخ من بنائه، وأشد احتراما له من أبيه وأمه.. فهو إذا دخل عليه مجلسا دب على قوائمه حتى ينتهي إليه، فيقبل يديه وركبتيه، ثم يتراجع إلى الخلف حتى يأخذ مكانه في الحلقة. وإذا دخل الشيخ الجامع نهض له مع الجميع، ثم لا يقعد حنى يستقر في موضعه الذي يجب أن يظل محجوزا له إلى أن يحتله!!. وإذا جلس الشيخ للوعظ أطرق إلى الأرض في خشوع عميق مجاهدا نفسه لكي يجعل قلبه هو الذي يتلقى النفحات..
وكان ذوبانه السريع في هذا الجو جد الطبيعي، إذا وجد فيه متعة سرعان ما عوضته عن مشاغل العمل الذي فقده، وردت إليه ما حرمه من الأُنْس الذي كان ينعم به في ظل رؤسائه وزملائه أثناء عمله الماضي..
стр. 861
لقد مضى سني الوظيفة كلها كاتبا صغيرا، يتلقى تعليمات رؤسائه في تنظيم الجداول، أو نسخ القوائم بدقة، كأنه الآلة الحاسبة لا يعتريها الخطأ إلا بمقدار ما تخطئ يد العامل في تحريك أرقامها. فطبيعي إذن أن يجد في مجتمع الطريقة وفي ظل الشيخ ذاته ما ينقذه من الخلل الذي كاد يستولي على وجوده عقيب انتزاعه من عمله المألوف.. ومن هنا جعل أنسه يزداد اطرادا بنسبة اندماجه في ذلك الجو، وباتت ثقته بكرمات الشيخ تتضاعف على أساس تصاعدي من النسبة نفسها..
стр. 862
وكان في مبدأ الأمر يحاول أن يثبت نظره في وجه الشيخ طلبا للثواب الذي تقرره المحكمة المتداولة بين المريدين: (النظر إلى وجه الشيخ عبادة) .. فيجد في ذلك غبطة سعيدة لا يعرف لها مثيلا في غير هذا الموقف.. ولكن هيبة الشيخ صارت به أخيرا إلى الأعضاء، فيكتفي بإحضار الشيخ في قلبه وهو يردد ورده من الذكر أو يستمع إلى مواعظه الشافية!. وهو مع ذلك ينفذ بهذا تعاليم الشيخ الذي كثيرا ما سمعه يقول لمريديه: (من أول واجبات المريد أن يتصور شيخه في فؤاده كلما خلا إلى أوراده أو أصغى إلى إرشاده..) وقد مرن على ذلك حتى أصبح له عادة ثابتة.. يجلس بين الشيخ كاسر البصر ويكلمه إذا كلمه في هدوء وخفوت بالغين وهو كاسر البصر أيضا حتى إنه ليحاول تفسير ذلك لنفسه فلا يجد إلا هذه العبارة التي أصبحت من كلماته المألوفة: إن عيني لتعجزان عن مواجهة نور الشيخ! والحق أن في وجه الشيخ (فويضل) لسرا غريبا.. فهو منسجم التقاطيع إلى حد يمكن وصفه بالجمال وفي بشرته بياض نقي يأتلف مع تلك اللحية السوداء الأنيقة، التي توحي للناظر بإنه في أواسط العقد الرابع قمة الشباب. ولا شك أن لشكل عمته الملتفة في أنحناء لولبي حول تلك القلنسوة البيضاء الذاهبة إلى الأعلى على شكل صنوبري أثرا ما في ذلك الإيحاء الغامض الذي يستشعره الناظر إليه. بيد أن أكبر أسرار شخصيته كامن في عينيه.. إن لعينيه هاتين لشكلا خاصة ذا تأثير عميق.. فهما متوسطتا الفتحتين وبياضهما تمازجه حمرة من نوع يكاد يكون خاصا وفي سواد إنسانيهما تحدث دقيق يبعث إلى عين الرائي بإشعاع حاد أشبه بمحرق شديد التركيز.. وإذا نظرت إلى الشيخ كله وهو منتصب في جبنه القصيرة خيل إليك أنك تنظر إلى ممثل غير ناجح يعرض دور شيخ على المسرح!.
стр. 863
ومهما يكن فقد وجد أبو جميل في الشيخ فويضل ضالته التي لم يحلم بأسعد منها، وهو في ظله مطمئن الضمير يملؤه اليقين أنه قد استقر على الطريق الموصل إلى الله. ولم يكن هذا شعوره وحده فقط، بل إنه كذا شعور زوجنه وشقيقته اللتين سبقتاه مراحل في التسامي الروحي، فلم يشغلهما شاغل عن دروس الشيخ، ولا يصرفهما شيء عن حلقات الذكر التي يخصصها عادة للنساء..
ومن أجل هذا كان سرور الأسرة بالغا عندما جاء الشيخ يطلب يد فاطمة شقيقة أبي جميل لأخيه.. فقد اعتبر هذا الطلب منه لفتة كريمة.. ولم يكتم أبو جميل تقديره لهذه النعمة الإلهية, فراح يؤكد لزوجته وشقيقته.. أنها لفرصة ليس أسعد منها الزيادة القرب من سيدنا الشيخ!.
.. وكان أبو جميل يعالج في نفسه فكرة لم يستقر منها على وجه منذ عشاء أمس.. وذلك حين سمع الشيخ يحض على الإنفاق في سبيل الله.. ويذكر الناس أن أحب الصدقة عند الله ما يقدم عن طريق الشيخ.. وأن عليه تبعات كثيرة لا سيبل إلى النهوض بها إلا بمعونة المريدين.. ولقد رأى الكثيرين يستجيبون لهذه الدعوة فيقدمون تبرعاتهم السخية لأمين الشيخ، إلا هو فقد أخر تبرعه ريثما يقطع بالمبلغ الذي يجب أن يدفعه. أما الآن فقد اهتدى إلى أفضل الوجوه. أليست دنانيره المائتان ذخرا ليوم الحاجة!! وأي مكان أصلح للادخار من سبيل الله..
فليدفع بدنانيره جميعا إلى يد الشيخ الذي لا عمل له إلى القيام بحقوق الله.. وحسبه وزوجته ما يجري عليه من مرتبه التقاعدي الذي يربو على مائتي ليرة سورية.. وهو مبلغ يكفيهما ويزيد.. ما دامت فاطمة ستكون زوجة لشقيق الشيخ, تعيش في بحبوحة من البركة التي لا خير يضاهيها..
وما هو إلا أن أحرز موافقة زوجته وشقيقته على الأمر, حتى عمد إلى تنفيذه عملا بالحكمة المأثورة: (خير البر عاجله..)
стр. 864
وهكذا, وفي اليوم نفسه حقق أبو جميل رغبته الخيرة, فقدم إلى الشيخ مائتي ذهب, ليضعها حيث يشاء من وجوه الخير، وأبلغه موافقة شقيقته على أن تكون زوجة لأخيه.. بل خادما في المطبخ..
-٢-
كانت مباركة حقا تلك الصلة التي ربطت بين أسرتي الشيخ وأبي جميل عن طريق المصاهرة, إذ أتاحت للفريقين فرصا للتزاور لم تكن من قبل.. وقد تلطف الشيخ فأعطى فاطمة من قربه فوق المنتظر, فهو قلما ينقطع يوما واحدا عن زيارتها في بيت أخيه الذي قليلا ما يأوي إليه في أوقات متباعدة بسبب غيابه أكثر الأيام خارج المدينة.. وهذه دون ريب نعمة كبيرة من حق فاطمة التي يحسدها عليها الكثيرات من مريدات الشيخ.. وليس حظ أبي جميل وزوجته منها دون ذلك إذ أصبح يعيرهما من الاهتمام أضعاف ما ألفياه قبلا.. وقد خصص لزيارتهما حصة من يوم الجمعة الذي وقف زياراته على أولي الأرحام.. فهو بذلك يعتبرهما منهم وهذا ضرب من التكريم أكبر مما يستحقان.
على أن ثمة ظاهرة جعلت تقلق خاطر أبي جميل وزوجته وقد بدأت بعد أسابيع قليلة من زواج فاطمة.. هذه التي نشأت في حجرهما ومنحاها كل ما في قلبيهما من حنان الأبوة..
إنهما يألمان أشد الألم إذ يرينها فريسة لهزال شديد يكاد يذهب بكل نضارتها المعهودة! لقد نزلت دار الحاج سليم شقيق الشيخ وهي كالزهرة في ذروة التفتح فما تلمحها عين امرأة إلا ضربت أنفها إعحابا بجمالها, وراحت تعيذها من السوء بألف صلاة على النبي.. أما الآن فقد اعترى الزهرة ذبول مفاجئ أوشك أن يطفئ وهج الصبا في ذلك الجسد الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة إلا أياما قليلة!
ولم يكن يسيرا معرفة السبب في هذا التغيير السريع.. ذلك أن فاطمة تجاهلت ما يقولونه في هذا الصدد وحاولت التأكيد أنها غاية ما يرام في عشها الجديد!..
стр. 865
وكان على أم جميل أن تخلو بها تستكشف أمرها, لعل ثمة سببا نسويا تستطيع أن تعالجه أو ترشدها إلى علاجه.. ولكن عبثا, فلم تزد فاطمة على جوابها الأول شيئا!
وأخيرا كان التفسير الوحيد الذي استقرت عليه خواطر أبي جميل وزوجته في شأن فاطمة هو أنها تسرف على نفسها في التهجد وقيام الليل وفي الصوم.. وكل هذا من شأنه أن يصير بصاحبه إلى مثل هذا الشحوب.. لذلك جعلا يذكرانها بما يجب على المرأة في حق زوجها من حيث العمل بمرضاته, فلا تأتي من نوافل العبادات إلا ما يوافقه عليه. ولا شك أن المجاهدة إلى هذا الحد ضارة بجسدها الذي لا يجوز لها أن تفرط به, إلا في الحدود التي لا تزعج نظر الزوج..
وكانا يحسبان أن الأمر سينتهي بمجرد هذا التذكير.. ولذلك تضاعف قلقهما إذا استمرت صحة فاطمة بالتدهور, وبدا عليها بعد أيام وجوم صرفها إلى صمت طويل, لا تكاد تخرج عنه إلا لضرورة قصوى!..
وكان هذا كافيا لحمل أخيها وزوجته على الإلحاح في استكشاف أمرها، إلحاحا لم تستطع المقاومة له فإذا هي تنفجر بالبكاء ثم تقول في صوت مرتجف: "إنني سأموت قريبا إذا ظللت في هذا البيت! "على أن هذه الكلمة لم تزد الأمر إلا تعمية.. فزادها استيضاحا واستمر في إلحاحهما، فلم تتمالك أن تقول في شبه ذهول: "إنه الشيخ..يراودني على نفسي..! "
وفرك أبو جميل عينيه ومسح جبهته، بينما كانت امرأته فخذيها بقوة، وخرج صوتهما معا يرددان: الشيخ!! الشيخ..
وأتم أبو جميل عبارته: هذا مستحيل.. مستحيل يا فاطمة
واستأنفت زوجته تقول: لا بد أنك رأيت هذا في الحلم!..
ولكن فاطمة لم تعد تطيق هذا التردد فأجابت في إصرار وهي تشد على كل حرف: "بل يقظة.. لقد بدأ يعبث بصدري يزعم رقيتي.. فتمالكت وأحست به الظن.. حتى راح يسمعني من الكلام ما يزلزل الأرض.. ولا يزال حتى اليوم يحاول محاولته القذرة!.."
стр. 866
وصمتت قليلا لتسترد أنفاسها.. ثم رفعت عينيها إلى السماء ضارعة: "يا إلهي!.. لا أحد يصدقني فأنقذني.. أنقذني أنت..! "
-٣-
لم يغمض لأبي جميل جفن طوال ليلته وقد اختلط عليه الأمر بادي الرأي فما يدري أفي يقظة هو أم في حلم متصل..
لقد شلت الخواطر القلقة قواه الواعية فشغلته حتى عن أوراده المنظمة، وهاهي مسبحته ذات ألف حبة مكومة لم تمسها يد وهي المرة الأولى التي يهجرها منذ عدة أشهر!.
إنه ليطلق العنان لتصوراته فيستعيد ما سمعه من فاطمة ثم يحاول أن يحاكمه أو يناقشه فلا ينتهي إلى قرار.. وكيف يستطيع القطع بصحة ما سمع وفي ذلك القضاء على أعز أمانيه وأحب ملذاته الروحية..
ذلك البناء الضخم من الثقة والحب والكرامات، تريد فاطمة أن تحطمه بل تريد أن تمحه بكلمة!. إنه لأمر فوق قدرته.. إنه لا يستطيع الاستسلام في سهولة لهذه التهم التي ربما لا تتجاوز الأوهام ولكن فاطمة.. إنها فاضلة بل آية في الفضل والتقوى.. فكيف يعقل أن ترمي شيخها جزافا بمثل هذه الكبائر؟!.. وإنها لكبائر لو صحت لا سمح الله لطعنت سمعتها هي أيضا!..
مستحيل.. مستحيل أن يفعل الشيخ ذلك!.. مستحيل أن تتهم فاطمة نفسها وشيخها بشيء لم يقع!.. إذن فلا بد أن تكون على توهم.. على خطأ في فهم ما حدث!.
стр. 867
وأطرق قليلا.. وجعلت أصابعه تعبث على غير هدى في أسفل لحيته التي بلغ عمرها اليوم ستة أشهر وجعل يحدث نفسه: لماذا نسرع في قبول التأويلات الظاهرية لتصرفات هؤلاء السادة!.. إنهم بطبيعة مسلكهم غرباء عن دنيا الناس فلا غرو أن يسيئوا تفسير أحوالهم.. وهذه كتبهم المعتبرة تفيض بأخبار أولياء.. كانوا عجبا في مخالفتهم لظواهر الشريعة والآداب العامة!.. كما طالعه بذلك أمس كتاب (القطب الصمداني) الذي يسميه (الطبقات الكبرى) !.. حتى ليذكر بوضوح أنه قرأ ما قرأ من هذه الغرائب في الصفحة الخامسة والثلاثين بعد المئة ثم الخمسين بعد المئة من جزئه الثاني.. كأنما يطالعها الساعة!..
أجل.. إنها لصور عجيبة من كرامات أهل الله.. يتنكر لها الجاهلون من أهل الظاهر، ولكن أصحاب الباطن هم وحدهم الذين يعرفون، فلا تصرفهم مفارقات الشريعة عن موافقات الحقيقة!..
والشيخ - قدس الله سره - أليس واحد من أولئك الأشخاص الذين اصطفاهم الله من الأمكنة والأزمنة والأشخاص.. فلماذا نجيز لأنفسنا محاسبته على بوادر من كلمات وحركات لا بد أن تكون معانيها فوق مستوى أفهامنا..!
أن من (أدب الطريق) متابعة الشيخ دون التفات.. لأن كل انصرف عنه نزعة من عمل الشيطان.. ولا ريب أن حوادث الشيخ اليوم مع فاطمة لا تعدو أن تكون ضربا من هذه الأحوال الغامضة على أمثالنا، وكل تشكك في شأنها إنما هو ضرب من الوسواس، يطلقه الشيطان في طريقنا لينغص علينا صفاء الاستسلام!.
стр. 868
ولقد سمع الشيخ قبل أيام وفي إحدى حلقاته الخاصة يحدث تلاميذه - وهو أحدهم -عن أهمية هذه المتابعة في تربية المريد. ومن الأمثلة التي قصها آنئذ عليهم خبر ذلك المريد.. الذي أنبأه شيخه أن أمه تضطجع مع رجل، فعليه أن يذهب حالا ليأتيه برأسه.. فلم يلبث أن مضى إلى الدار وعلى الرغم من أنه وجد أباه هو المضطجع مع أمه لم يتردد من تنفيذ أمر الشيخ فاحتز رأسه وجاء به ليضعه بين يديه وهو يقول: "هاهو الرأس يا سيد الشيخ.. ولكن لا تنس أنه أبي!..". وهنا أمره الشيخ أن يعيد النظر إلى الرأس فإذا هو رأس رجل آخر وإنما كان تمثيله شكل أبيه من عمل الشيطان الذي اتخذ من ذلك وسيلة لدفع المريد إلى معصية الشيخ. فكان المريد بطاعته لشيخه أقوى من الشيطان!
ولقد كان لهذه القصة وقعها العميق في قلوب سامعيها.. أزالت منها كل أثر للتردد في وجوب الطاعة. ولعل أبا جميل نفسه كان أشد تأثرا بها واعتزاما لتحقيقها في سلوكه مع شيخه.. فما له الآن يسمح لوسواس الشيطان أن يراوده فيسمع في شيخه مثل هذه الريب المستحيلة ومن ثم يسمح للشك أن يتطرق إلى ثقته في وقت هو أحوج ما يكون إلى التشبث به!!
كلا.. كلا.. إنها من عمل الشيطان.. وليست مهمة المريد إلا مجاهدة النفس بإعدادها للانتصار على نزعات الشيطان..
ولكن.. فاطمة.. إنها والله لفاضلة.. وهي تقول: إنه عبث بصدرها وأنه فاتحها بطلب السوء!! نعوذ بالله. أفتكذب فاطمة في ذلك؟..ولماذا؟..
-٤-
стр. 869
وتفتقت ذاكرة أبي جميل عن أشياء وأشياء.. وتذكر فيما تذكر تلك الاتهامات الخبيثة التي طالما سمعها من أعداء الشيخ، يروجونها عنه ليفسدوا ثقة الناس به سمعهم يتهمونه باستنزاف أموال مريديه ليشتري بها المزيد من المتاع والعقار.. حتى إنهم لم يتورعوا عن اتهامه بسحب السجادة التبريزية الكبيرة من المسجد ليزين بها منزله.. بل لقد جاوزوا ذلك إلى ميدان السياسة.. قاتل الله السياسة ومن يشتغل فيها.. فرموه بتأييد الملاحدة، وإطراء الشيوعية ومساندة الطغاة من الحكام، مقابل سكوتهم على مفاسده.. وإغضائهم عن سلبه أموال المساكين والمخدوعين..!
ولم يستطع الاستسلام طويلا لهذه التصورات.. وامتلأت نفسه بالاشمئزاز من هؤلاء الأعداء وراح يهمس: ألا قبحا لهؤلاء المفترين!.. لقد سمموا الجو من حول الشيخ.. وهاهم أولاء الآن يكادون يسممون نفسي بهذه المفتريات.. التي لا وجود لها إلا في مخيلاتهم!..
ولم يستطع - وهو يعلن هؤلاء الخصوم - إلا أن تعجب من براعتهم في اختلاق العيوب للشيخ حتى اسمه نفسه لم يسلم من هؤلاء الخبثاء، فراحوا ينسجون حوله الأقاصيص زاعمين أن أباه سماه فاضلا ولكن الناس الذين رأوا مناقبه فيما بعد نقلوه إلى فويضل!! استصغارا لشأنه واستنكارا لمسلكه. ولكنهم بدون ريب كاذبون.. كاذبون.. ولعن الله الكاذبين!
وهنا وجد نفسه يتساءل: ولكن أحقا لا وجود لهذه الأشياء خارج مخيلات هؤلاء!؟ ألا يحسن بالإنسان أن يفكر ويبحث! وهل مجرد التفكير في مثل ذلك يعد من عمل الشيطان..
ومرة أخرى تتفتق ذاكرته.. ويتذكر ويتذكر.. يتذكر أن الشيخ قد سافر فعلا إلى موسكو.. وعاد ليحدثهم عن الإسلام الظافر هناك وعن سعادة المسلمين في ظل الشيوعية.. أفكان يصف الواقع أم كان - كما زعم مبغضوه - تاجرا يؤدي ما قبض ثمنه..
стр. 870
ثم يذكر أن الشيخ قد أيد أحد الطغاة الملاحدة.. إذ كان يتصيد ذكره تصيدا أثناء الحلقات ليدعوا له ويسمع مريديه يدعون له.. لأنه في رأيه الرجل الذي ينهض الإسلام على يديه.. فلما هزم الطاغي انصرف إلى تمجيد خالعيه.. ثم لم يدع بعد غاصبا إلا بالغ في إطراء فضله ونشر الطيب من ذكره.. والناس - هؤلاء المفترين - مع ذلك يقولون: إن الشيخ يداهن القوم للمنفعة وأن كل ما تعانيه البلاد من البلاء إنما يعود إلى جرائم أولئك الذين كان الشيخ يروج لهم الدعاية في أوساط المغفلين من هؤلاء المريدين!!
ولقد رأى بعينه تلك السجادة الهائلة التي طال حديث الدساسين عنها رآها في دار الشيخ تغطي أرض البهو جميعا.. ولا شك أنها جلبت من المسجد نفسه.. ولكن.. لم يحسبون ذلك سيئة للشيخ وهو إنما وضعها هناك لاستقبال المصلين أنفسهم.. أليس مريدوه كلهم من ذلك المسجد.. وبالتالي أليست داره بمثابة الجامع وأكثر.. فأي فرق إذن بين أن تكون هذه السجادة هنا أو هناك. إنها من بيت الله لبيت الله والحكم في الحالين واحد.. وقبح الله المضللين..
وحسب أبو جميل أنه قد تغلب على كل ريبة في صاحبه.. ولم يدر أنه قد أطلق لشكوكه العنان، تهدم في نفسه وتبني كما يشاء..
إنه لواقع تحت شعور غريب يشبه ما يحسه الغريق عندما يرتفع رأسه فوق الماء.. وخيل إليه أن في الحياة أشياء كثيرة فاته النظر إليها من قبل على كثرة ما مر بها ورآها.. فهو الآن كسالك الصحراء يتطلع إلى البعيد فيرى السفن والقوافل والفرسان والنخيل.. وعشرات المرئيات الجميلة.. بيد أنه كلما دنا من موقع الرؤية أخذت هذه المنظورات بالتلاشي حتى لا يبقى منها شيء.. ومن الناحية الأخرى هو كالمحدق في أبعاد الأفق.. يلمح نقاط سواد خلال طبقات الغمام فلا يعيرها التفاتا ولكنها لا تلبث أن تتضح كلما صفا الأفق فإذا هي أخيرا سرب عريض من قاذفات القنابل تملأ بأحجامها وهديرها الفضاء..
стр. 871
وهنا فوجئ أبو جميل بصوت المؤذن يدعو الناس إلى صلاة الفجر.. فنهض من مقعده على الشرفة ليردد معه أنشودته الحية في تأثر بالغ ثم ما لبث أن غادر مع زوجته البيت متجهين نحو المسجد القريب.
وبدلا من أن يعودا إلى بيتهما عقيب الصلاة أخذ طريقهما في الاتجاه الآخر.. وعلى مدخل بيت فاطمة خاطب أبو جميل زوجته قائلا: ستعودين بها إلى البيت حالا.. أما أنا فسأدخل على فويضل ولن أعود حتى أسترد أموالي..
стр. 872
لمحات تاريخية من حياة ابن تيمية
بقلم الطالب: صالح بن سعيد بن هلابي
لا بد للدارس لحياة ابن تيمية من معرفة الأحوال الفكرية والاجتماعية والسياسية في عصره حتى يأخذ وينظر من خلال تلك الحالة إلى حياة ذلك الإمام العظيم، فقد كان عصره وهو القرن السابع والثامن الهجري يموج موجا بالأفكار الدخيلة على الأمة الإسلامية حيث تشعبت الأفكار واختلفت الآراء في كثير من المسائل الشرعية وخاصة مسائل العقيدة التي يبنى عليها أساس كل شيء.
فقد عاصر بن تيمية فرقا كثيرة من الفرق الإسلامية التي شطحت وابتعدت عن الحق ونابذت أهل الحق في كثير من المسائل الأصولية.
وأكثرها امتدت جذورها إلى دينات أخرى من نصرانية ويهودية ووثنية جاء الإسلام على إنقاذها أو إبطالها من أساسها فمن شيعة إمامية على اختلاف مشاربها وتباعد ديارها، ومن رافضة غلاة أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي ومن معتزلة فلسفية حكمت العقل وحده، ومن جبرية مستسلمة يقولون إن الإنسان لا إرادة له وأنه كالريشة في مهب الرياح تصرفه كيف يشاء..
ومن منتسبة للأشعري آمنت ببعض الصفات وأنكرت بعضها أو أولتها ونصبت نفسها الفرقة الوحيدة التي تمثل أهل السنة والجماعة.
كل هذه الأفكار والفرق عاش ابن تيمية كل حياته في خضمها يجاهد بقلمه ولسانه ويدافع عن جوهر العقيدة الإسلامية دفاع المستميت المتفاني في سبيلها، فقد كتب عن الشيعة والروافض كتابا ضخما عظيما في أربع مجلدات سماه ((منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية)) وهو رد على كتاب ((منهاج الكرامة)) لمؤلفه ابن مطهر الحلي الشيعي المتوفى سنة ٧٢٦هـ وقد كتب ابن مطهر كتابه هذا بصفة خاصة إلى الملك (الجايتو خدابنده) وهو أحد الملوك الإيلخانية ومن أحفاد الملك ((جنكير خان)) يدعوه فيه إلى مذهب الشيعة الإمامية.
стр. 873
وقد تناول ابن تيمية فيه أصول مذهبهم وتصدى للتفصيل والبسط فيه بعقلية جبارة مؤمنة يعرف كيف يضع النقاط على الحروف ويضرب على المحز من حيث لا يشعرون فرد مذهبهم إلى جذوره الأصيلة التي يبنون عليها فقد كان بحق نقض كلامهم وتهافتهم في كل باب يفتحونه على أنفسهم ولا يستطيعون إغلاقه..
ابن تيمية والصوفية الفلسفية:
تطورت فكرة التصوف والصوفية في عهد ابن تيمية إلى أفكار خبيثة تهدم الإسلام هدما صريحا وتقيم وثنية فلسفية باسم الزهد والولاية والكرامة فقد تحول مفهوم التصوف الدال على الصفاء وتزكية النفس - وإن كان أصل الاسم من أساسه خطأ - تحول هذا مفهوم إلى المفهوم آخر وهو القول بوحدة الوجود أو بمعنى آخر حلول الله في بعض مخلوقاته - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وقد تزعم هذا القول وأعلنه في كتبه العديدة ومن أشهرها كتاباه ((الفتوحات المكية)) و ((فصوص الحكم)) ذلك الملحد الخبيث أبو بكر محي الدين بن عربي الطائي الأندلسي ومن أقواله الكافرة:
الرب حق والعبد حق
يا ليت شعري من المكلف؟؟
إن قلت عبد فذلك رب
أو قلت رب أنى يكلف؟؟
فسر هذا الكلام عند أتباعه الذين يتبعونه وهم لا يدركون حقيقته بأن فيه رموزا وإشارات لا يدركها أهل الشرع، وإنما هي للخواص وخواص الخواص، وأصبح له أتباع في ذلك العصر وهم الذين لا يدركون حقيقة هذا الكفر، ثم جاء من بعده ابن الفارض يفلسف مذهب الحلول على رأيه ويدعي الألوهية في بعض الأحيان.
ومن أقواله الكافرة:
لها صلواتي في المقام أقيمها
وأشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ناظر إلى
حقيقته بالجمع في كل سجدة
وما كان لي صلى سواي ولم تكن
صلاتي لغيري في أداء كل ركعة
стр. 874
رأى ابن تيمية هذا الكفر البواح ودعوى الألوهية والتفكير الفلسفي الوثني الذي ما كان خطر ببال أحد من المشركين والوثنيين الجاهليين في الجاهلية الأولى بل كانوا مع عبادتهم لغير الله تعالى يؤمنون بأن الله رب السماوات والأرض وأنه هو الرزاق الخالق فهذا زهير بن أبي سلمى الشاعر الجاهلي يقول:
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم
ليخفى ومهما يكتم يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر
ليوم الحساب أو يعجل فينقم
وهو القائل:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله
ولكنني عن علم ما في غد عم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته ومن تخطي يعمر فيهرم
فأين هذا القول من قول ابن عربي وابن الفارض وغيره من الملاحدة في ذلك العصر. رأى بن تيمية هذا الانحطاط في الفكر حيث أخذ يسري في الأمة وأصبح يشار إلى هؤلاء بالبنان تارة التصوف والزهد وتارة باسم الكرامة والولاية. فثار ثورته وانقض عليهم كالأسد يردُّ على أقولهم الباطلة وأخذ يردها إلى أصولها الوثنية القديمة ويشهرها في الناس حتى يكونوا على بينة من أمرهم. والواقع لم يكن ابن تيمية وحده الذي كفَّر ابن عربي وغيره من هؤلاء بل هناك من كبار علماء من أهل السنة وغيرهم من كفر ابن عربي وألفوا فيه الرسائل العديدة أو ذكروه في تراجم كتبهم مثل الحافظ بن حجر العسقلاني في لسان الميزان وأبي حيان المفسر في تفسيريه ((البحر والنهر)) قال شيخ الإسلام بن دقيق العيد: "لي أربعون سنة ما تكلمت كلمة إلا وأعددت لها جوابا بين يدي الله تعالى، وقد سألت شيخنا سلطان العلماء عبد العزيز بن عبد السلام عن ابن عربي فقال: "شيخ السوء كذاب يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا". وقد بالغ ابن المقري فحكم بكفر من شك في كفر طائفة ابن عربي. فهؤلاء أئمة الصوفية الحلولية وَجَدَ ابن تيمية أقوالهم منتشرة في العامة والخاصة إلا من عصم الله وقليل ما هم.
مناظراته ودفاعه عن العقيدة:
стр. 875
اشتهر أمر ابن تيمية وذاع صيته في العامة والخاصة وأصبح يشار إليه بالبنان وتعقد له المناظرات فلا يستطيع أحد أن يقف أمامه أو يناظره إلا أفحمه وقطع لسانه ومن هنا دب الحسد والحقد إلى قلوب مخالفيه وأعدائه وفي هذه الفترة بالذات وفي سنة ٦٩٨ هـ يأتيه سؤال في العقيدة من حماة في مسألة صفات الله فأجاب السائل في عدة كراريس وهي المعروفة اليوم بالرسالة ((الحموية)) جاء في أولها: "قولنا في الصفات ما قال الله ورسوله ﷺ السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم.."إلى أن قال: "ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وصفاته من هؤلاء الأصاغر أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان وورثة المجوس والمشركين وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم وأشباههم أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل لقرآن والإيمان؟؟ ". وقد شنع عليهم في هذه الرسالة أعظم تشنيع وبين سقطاتهم وتهالكهم في هذا الباب فحين انتشرت هذه الفتاوى بيت العامة والخاصة ومضى عليهم زمن طويل لم يسمعوا هذا الكلام قام عليه الحساد من أهل الطوائف ومن جعل علم الكلام والفلسفة يفضل كلام الله ورسوله في الاستدلال ورموه بما هو منه بريء كبراءة الذئب من دم يوسف ولكن الذي يلفت النظر أن أحدا منهم لم يستطع أن يرد عليه أو يناظره إنما شكوه إلى القاضي جلال الدين الحنفي وهو أشعري المذهب أو ماتريدي وأرسل القاضي في طلب الشيخ ابن تيمية فلم يحضر إنما رد عليه في رسالة قائلا: "إن العقائد أمرها ليست إليك وإن السلطان إنما ولاك لتحكم بين الناس وإن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي وحده". وفي يوم الجمعة اجتمع القاضي وبعض فقهاء المذاهب بالشيخ وناقشوه في عقيدته وحصلت لهم مناظرة أمام الناس فأجابهم شجاعة وبسالة
стр. 876
ولم يستطع أحد أن ينال منه في هذه المرة.
وفي السنة ٧٠٥ هـ في شهر رجب قامت محنة أخرى على هذا الإمام الجليل من قبل الطوائف المعادية وبعض الفقهاء وذلك بسبب انتشار فتوى في العقيدة على أثر سؤال جاءه من أرض واسط وبين فيها مذهب السلف في الصفات ورد على المتكلمين والمؤولين والمحرفين والمشبهين فقامت قومتهم واشتكوه في هذه المرة إلى السلطان وإلى قصر السلطان جاء شنكير وأحضر الأمير نائب السلطان بالشام الفقهاء ة العلماء وأحضر الشيخ ابن تيمية إلى مجلس نائب السلطان على أن يعقد لهم مناظرة ويسأله عن اعتقاده وحين بدأ الشيخ يجيب ويدافع عن عقيدة الحق ويشرح الذي دفعه إلى كتابتها كان يقاطع أثناء كلامه لئلا يتمكن من إيضاحها للحاضرين هو يقول لنائب السلطان: "لو أن يهوديا طلب من السلطان الإنصاف لوجب عليه أن ينصفه وأنا قد أعفو عن حقي وقد لا أعفو بل قد أطلب الإنصاف منه وأن يحضر هؤلاء الذين يكذبون علي ليحاكموا على افترائهم ... " إلخ ما قاله ﵁ ولولا ضيق المجال لسقنا المجادلة بكاملها.
وفي نفس السنة ثارت ثورة طائفة تسمى بالأحمدية ثارت على الشيخ ابن تيمية وحضر جماعة منهم يشتكون الشيخ إلى نائب السلطان وأن يكف عنهم ويتركهم وشأنهم وما هم عليه وخالصة أعمالهم أنهم يستعملون السحر ويتعاطون بعض الأشياء الشيطانية ويدخلون النار أمام الناس بزعمهم أن هذه الأعمال ولاية أكرمهم الله بها، فانبرى لهم ابن تيمية في المجلس وقال: "إن هذه أحوال شيطانية باطلة وأكثر أحوالكم من باب الحيل والبهتان ومن أراد منكم أن يدخل النار فليدخل أولا إلى الحمام ويغسل جسده غسلا جيدا ثم يدلكه بالخل والإشناق ثم يدخل بعد ذلك إلى النار إن كان صادقا ولو فرض أن أحدا من أهل البدع دخل النار بعد أن يغتسل فإن ذلك لا يدل على صلاحه ولا على كرامته بل هي حالة من أحوال الدجاجلة المخالفين للشريعة".
стр. 877
فقال شيخ منهم: "نحن أحوالنا إنما تنفق عند التتر ليست تنفق عند الشرع". قال ابن كثير: "فضبط عليهم الحاضرون تلك الكلمة وكثر الإنكار عليهم من كل أحد". وألف ابن تيمية بعد هذا المجلس فيهم كتابا سماه شيوخ الأحمدية أو الطريقة الأحمدية بيَّن فيه مذاهبهم ومن أين أخذوا هذا السحر وأظهر حكم الإسلام فيهم وفي أمثالهم من المشعوذين، ولقد عاصر ابن تيمية هذه الفرق وأعطى كل قسم حقه ولم يدخر وسعا في كشف حقائقهم وأباطيلهم ولم يعرف عنه التواني أو المداهنة أو المراوغة بل كان سيفا مسلولا على هذه الفرق الضالة التي أفسدت عقيدة الأمة الإسلامية وكادت أن تذهب بها أدراج الرياح..
стр. 878
مؤتمر القمة الإسلامي
نائب رئيس الجامعة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:
فإن من تأمل القرآن الكريم الذي أنزله الله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين يجد فيه بيانا شافيا لعوامل النصر وأسباب التمكين في الأرض والقضاء على العدو مهما كانت قوته ويتضح له أن تلك الأسباب والعوامل ترجع كلها على عاملين أساسيين وهما: الإيمان الصادق بالله وبرسوله والجهاد الصادق في سبيله ومعلوم أن الإيمان الشرعي الذي علق الله به النصر وحسن العاقبة يتضمن الإخلاص لله في العمل والقيام بأوامره وترك نواهيه كما يتضمن وجوب تحكيم الشريعة في كل أمور المجتمع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما يتضمن أيضا وجوب إعداد ما يستطاع من القوة للدفاع عن الدين والحوزة ولجهاد من خرج عن الحق حتى يرجع إليه.
أما العامل الثاني وهو الجهاد الصادق فهو أيضا من موجبات الإيمان ولكن الله سبحانه نبه عليه وخصه بالذكر في مواضيع كثيرة من كتابه وهكذا رسول الله ﷺ أمر به الأمة ورغبها فيه لعظم شأنه ومسيس الحاجة إليه لأن كثير من الخلق لا يردعه عن الباطل مجرد الوعد والوعيد بل لابد في حقه من وازع سلطاني يلزمه بالحق ويردعه عن الباطل ومتى توفر هذان العاملان الأساسيان وهما:
стр. 879
الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله لأي أمة أو دولة كان النصر حليفها وكتب الله لها التمكين في الأرض والاستخلاف فيها وعد الله الذي لا يخلف وسنته التي لا تبدل وقد وقع لصدر هذه الأمة من العز والتمكين والنصر على الأعداء ما يدل على صحة ما دل عليه القرآن الكريم وجاءت به سنة الرسول الأمين ﵊ وكل من له أدنى إلمام بالتاريخ الإسلامي يعرف صحة ما ذكرناه وأنه أمر واقع لا يمكن تجاهله وليس له سبب إلا ما ذكرنا آنفا من صدق ذلك الرعيل الأول في إيمانهم بالله ورسوله والجهاد في سبيله قولا وعملا وعقيدة وإليك أيها الأخ الكريم بعض الآيات الدالة على ما ذكرنا لتكون على بينة وبصيرة ولتقوم بما تستطيعه من الدعوة إلى سبيل ربك وتنبيه إخوانك المسلمين على أسباب النصر وعوامل الخذلان ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم كما صح بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ . وقد أجمع أهل التفسير على أن نصر الله هو نصر دينه بالعمل به والدعوة إليه وجهاد من خالفه ويدل على هذا المعنى الآية الأخرى من سورة الحج وهي قوله سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾ . وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . ولا ريب أن المؤمن هو القائم بأمر الله المصدق بأخباره المنتهي عن نواهيه المحكم لشريعته وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وقال في بيان صفات المؤمنين
стр. 880
المتقين: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّاب ِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ تأمل يا أخي هذه الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة ثم حاسب نفسك بتطبيقها حتى تكون من المؤمنين الصادقين والمتقين الفائزين ولا ريب أن الواجب على كل من ينتسب إلى الإسلام من ملك أو زعيم أو أمير أو غيرهم أن يحاسب نفسه وأن يجاهدها على التخلق بهذه الأخلاق الكريمة والعمل بهذه الأعمال الصالحة وأن يلزم من تحته من الشعوب بهذه الأخلاق والأعمال التي أوجبها الله على المسلمين وأن يصدق في ذلك ويستعين بالله عليه وأن يولي الأخيار الذين يعينونه على تنفيد أمر الله ورسوله حسب الإمكان وأن يعضدهم حسب الإمكان وأن يتعاون مع غيره من الملوك والزعماء والأعيان في هذا الأمر الجليل الذي به عزتهم ونصرهم وتمكنهم في الأرض كما قال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال سبحانه في سورة الأنفال آمرا لعباده بإعداد القوة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ
следующие страницы →