Полный текст (23 804 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
ولم يستطع أحد أن ينال منه في هذه المرة.
وفي السنة ٧٠٥ هـ في شهر رجب قامت محنة أخرى على هذا الإمام الجليل من قبل الطوائف المعادية وبعض الفقهاء وذلك بسبب انتشار فتوى في العقيدة على أثر سؤال جاءه من أرض واسط وبين فيها مذهب السلف في الصفات ورد على المتكلمين والمؤولين والمحرفين والمشبهين فقامت قومتهم واشتكوه في هذه المرة إلى السلطان وإلى قصر السلطان جاء شنكير وأحضر الأمير نائب السلطان بالشام الفقهاء ة العلماء وأحضر الشيخ ابن تيمية إلى مجلس نائب السلطان على أن يعقد لهم مناظرة ويسأله عن اعتقاده وحين بدأ الشيخ يجيب ويدافع عن عقيدة الحق ويشرح الذي دفعه إلى كتابتها كان يقاطع أثناء كلامه لئلا يتمكن من إيضاحها للحاضرين هو يقول لنائب السلطان: "لو أن يهوديا طلب من السلطان الإنصاف لوجب عليه أن ينصفه وأنا قد أعفو عن حقي وقد لا أعفو بل قد أطلب الإنصاف منه وأن يحضر هؤلاء الذين يكذبون علي ليحاكموا على افترائهم ... " إلخ ما قاله ﵁ ولولا ضيق المجال لسقنا المجادلة بكاملها.
وفي نفس السنة ثارت ثورة طائفة تسمى بالأحمدية ثارت على الشيخ ابن تيمية وحضر جماعة منهم يشتكون الشيخ إلى نائب السلطان وأن يكف عنهم ويتركهم وشأنهم وما هم عليه وخالصة أعمالهم أنهم يستعملون السحر ويتعاطون بعض الأشياء الشيطانية ويدخلون النار أمام الناس بزعمهم أن هذه الأعمال ولاية أكرمهم الله بها، فانبرى لهم ابن تيمية في المجلس وقال: "إن هذه أحوال شيطانية باطلة وأكثر أحوالكم من باب الحيل والبهتان ومن أراد منكم أن يدخل النار فليدخل أولا إلى الحمام ويغسل جسده غسلا جيدا ثم يدلكه بالخل والإشناق ثم يدخل بعد ذلك إلى النار إن كان صادقا ولو فرض أن أحدا من أهل البدع دخل النار بعد أن يغتسل فإن ذلك لا يدل على صلاحه ولا على كرامته بل هي حالة من أحوال الدجاجلة المخالفين للشريعة".
стр. 877
فقال شيخ منهم: "نحن أحوالنا إنما تنفق عند التتر ليست تنفق عند الشرع". قال ابن كثير: "فضبط عليهم الحاضرون تلك الكلمة وكثر الإنكار عليهم من كل أحد". وألف ابن تيمية بعد هذا المجلس فيهم كتابا سماه شيوخ الأحمدية أو الطريقة الأحمدية بيَّن فيه مذاهبهم ومن أين أخذوا هذا السحر وأظهر حكم الإسلام فيهم وفي أمثالهم من المشعوذين، ولقد عاصر ابن تيمية هذه الفرق وأعطى كل قسم حقه ولم يدخر وسعا في كشف حقائقهم وأباطيلهم ولم يعرف عنه التواني أو المداهنة أو المراوغة بل كان سيفا مسلولا على هذه الفرق الضالة التي أفسدت عقيدة الأمة الإسلامية وكادت أن تذهب بها أدراج الرياح..
стр. 878
مؤتمر القمة الإسلامي
نائب رئيس الجامعة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:
فإن من تأمل القرآن الكريم الذي أنزله الله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين يجد فيه بيانا شافيا لعوامل النصر وأسباب التمكين في الأرض والقضاء على العدو مهما كانت قوته ويتضح له أن تلك الأسباب والعوامل ترجع كلها على عاملين أساسيين وهما: الإيمان الصادق بالله وبرسوله والجهاد الصادق في سبيله ومعلوم أن الإيمان الشرعي الذي علق الله به النصر وحسن العاقبة يتضمن الإخلاص لله في العمل والقيام بأوامره وترك نواهيه كما يتضمن وجوب تحكيم الشريعة في كل أمور المجتمع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما يتضمن أيضا وجوب إعداد ما يستطاع من القوة للدفاع عن الدين والحوزة ولجهاد من خرج عن الحق حتى يرجع إليه.
أما العامل الثاني وهو الجهاد الصادق فهو أيضا من موجبات الإيمان ولكن الله سبحانه نبه عليه وخصه بالذكر في مواضيع كثيرة من كتابه وهكذا رسول الله ﷺ أمر به الأمة ورغبها فيه لعظم شأنه ومسيس الحاجة إليه لأن كثير من الخلق لا يردعه عن الباطل مجرد الوعد والوعيد بل لابد في حقه من وازع سلطاني يلزمه بالحق ويردعه عن الباطل ومتى توفر هذان العاملان الأساسيان وهما:
стр. 879
الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله لأي أمة أو دولة كان النصر حليفها وكتب الله لها التمكين في الأرض والاستخلاف فيها وعد الله الذي لا يخلف وسنته التي لا تبدل وقد وقع لصدر هذه الأمة من العز والتمكين والنصر على الأعداء ما يدل على صحة ما دل عليه القرآن الكريم وجاءت به سنة الرسول الأمين ﵊ وكل من له أدنى إلمام بالتاريخ الإسلامي يعرف صحة ما ذكرناه وأنه أمر واقع لا يمكن تجاهله وليس له سبب إلا ما ذكرنا آنفا من صدق ذلك الرعيل الأول في إيمانهم بالله ورسوله والجهاد في سبيله قولا وعملا وعقيدة وإليك أيها الأخ الكريم بعض الآيات الدالة على ما ذكرنا لتكون على بينة وبصيرة ولتقوم بما تستطيعه من الدعوة إلى سبيل ربك وتنبيه إخوانك المسلمين على أسباب النصر وعوامل الخذلان ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم كما صح بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ . وقد أجمع أهل التفسير على أن نصر الله هو نصر دينه بالعمل به والدعوة إليه وجهاد من خالفه ويدل على هذا المعنى الآية الأخرى من سورة الحج وهي قوله سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾ . وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . ولا ريب أن المؤمن هو القائم بأمر الله المصدق بأخباره المنتهي عن نواهيه المحكم لشريعته وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وقال في بيان صفات المؤمنين
стр. 880
المتقين: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّاب ِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ تأمل يا أخي هذه الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة ثم حاسب نفسك بتطبيقها حتى تكون من المؤمنين الصادقين والمتقين الفائزين ولا ريب أن الواجب على كل من ينتسب إلى الإسلام من ملك أو زعيم أو أمير أو غيرهم أن يحاسب نفسه وأن يجاهدها على التخلق بهذه الأخلاق الكريمة والعمل بهذه الأعمال الصالحة وأن يلزم من تحته من الشعوب بهذه الأخلاق والأعمال التي أوجبها الله على المسلمين وأن يصدق في ذلك ويستعين بالله عليه وأن يولي الأخيار الذين يعينونه على تنفيد أمر الله ورسوله حسب الإمكان وأن يعضدهم حسب الإمكان وأن يتعاون مع غيره من الملوك والزعماء والأعيان في هذا الأمر الجليل الذي به عزتهم ونصرهم وتمكنهم في الأرض كما قال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال سبحانه في سورة الأنفال آمرا لعباده بإعداد القوة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ
стр. 881
قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ . وأمرهم بالحذر من الأعداء ومكائدهم فقال تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ وقال سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ فانظر يا أخي هذا التعليم العظيم والتوجيه البليغ من فاطر الأرض والسموات وعالم السرائر والخفيات الذي بيده تصريف قلوب الجميع وبيده أزمة الأمور يتضح لك من ذلك عناية الإسلام بالأسباب وحثه عليها وتحذيره من إهمالها أو الغفلة عنها ويتبن لك من ذلك أنه لا يجوز للمسلم أن يعرض عن الأسباب أو يتهاون بشأنها كما أنه لا يجوز له الاعتماد عليها بل يجب أن يكون اعتماده على الله وحده موقنا بأنه سبحانه هو الذي بيده النصر وهذا هو حقيقة التوكل الشرعي وهو الأخذ بالأسباب والعناية بها مع الاعتماد على الله والتوكل عليه وقد نبه الله سبحانه على هذا المعنى في عدة آيات منها قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ
стр. 882
اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ فذكر التقوى أولا وهي أول الأسباب لأن حقيقتها طاعة الله ورسوله في كل شيء وإن ذلك الأخذ بالأسباب الحسية والمعنوية والسياسية والعسكرية ثم ذكر التوكل فقال : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي كافيه وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . أما الجهاد الصادق فذكره سبحانه في عدة آيات وذكر ما يترتب عليه من النصر في الدنيا والسعادة في الآخرة وبيَّن صفات المجاهدين الصادقين ليتميزوا من غيرهم فقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فتأمل أيها المؤمن هذه الصفات العظيمة للمجاهد الصادق حتى يتضح لك حال المسلمين اليوم وحال المجاهدين السابقين وحتى تعرف سر نجاح أولئك وخذلان من بعدهم وأنه لا سبيل إلى إدراك النصر في الدنيا والسعادة في الآخرة إلا بالتخلق بالأخلاق التي أمر الله بها ودعا إليها وعلق بها النصر وقد
стр. 883
أوضحها الله سبحانه في كتابه المبين في هذه الآيات التي ذكرناها وغيرها وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقد جمع الله سبحانه في هذه الآيات أسباب النصر وردها إلى عاملين أساسيين وهما الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله ورتب على ذلك مغفرة الذنوب والفوز بالجنة في الآخرة والنصر في الدنيا والفتح القريب وأخبر سبحانه أن المسلمين يحبون النصر والفتح ولهذا قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ فإذا كان ملوكنا وزعمائنا في مؤتمرهم هذا يرغبون رغبة صادقة في النصر والفتح القريب والسعادة في الدنيا والآخرة فقد أوضح الله لهم السبيل وأبان لهم العوامل والأسباب المفضية إلى ذلك فما عليهم إلا أن يتوبوا إلى الله توبة صادقة مما سلف من تقصيرهم وعدم قيامهم بما يجب عليهم من حق الله وحق عباده وأن يتعاهدوا صادقين على الإيمان بالله ورسوله وتحكيم شريعته والاعتصام بحبله وجهاد الأعداء صفا واحدا بكل ما أعطاهم الله من قوة وأن ينبذوا المبادئ المخالفة لشريعة الله وحقيقة دينه وأن يعتمدوا عليه سبحانه دون غيره من المعسكر الشرقي أو الغربي وأن يأخذوا بالأسباب ويعدوا ما استطاعوا من قوة بكل وسيلة أباحها الشرع وأن يكونوا مستقلين ومنحازين عن سائر الكتل الكافرة من شرقية وغربية متميزين بإيمانهم بالله ورسوله واعتصامهم بدينه وتمسكهم
стр. 884
بشريعته..
أما السلاح وأصناف العدة فلا بأس بتأمينها من كل طريق ومن كل وسيلة لا تخالف الشرع المطهر والله المسؤول بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل هذا المؤتمر مباركا وأن ينفع به عباده وأن يجمع به شمل المسلمين ويصلح قادتهم ويوفق المجتمعين فيه لما فيه رضاه وعز دينه وذل أعدائه ورد الحق المسلوب إلى مستحقه ونبذ ما خالف دين الإسلام من مبادئ وأخلاق إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعه بإحسان.
نائب رئيس الجامعة
стр. 885
مع الصحافة
نقلا عن مجلة الحضارة الإسلامية
نشرت مجلة حضارة الإسلام التي تصدر من دمشق المقال التالي وذلك في العدد الرابع آب/أيول ١٩٦٩م:
أحشفا وسوء كيلة
هذا مثل تضرب به العرب لمن يجمع بين خصلتين مكروهتين، فمثل من يكون كذلك مثل من لا يكتفي ببيع أردأ أنواع التمر - وهو الحشف - وإنما يجمع إلى ذلك سوء الكيل أيضا. والذي أعنيه كائن وراء هذا الذي أقول، فأنت واجد إذا أنعمت النظر أن هناك صنفين من البشر تبدو في سلوكهم صلة القربى مع هذا المثل الواضح المستبين.
أما الصنف الأول: فهو أولئك الناس الذين يقعدهم جهلهم أو عجزهم عن تحمل تبعات الإسلام في صفاته ودعوته إلى استقامة العمل والوقوف عند حدود الله .. فيُحَمِّلُون الإسلام نفسه حصيلة جهلهم أو عجزهم عن الاستقامة على الطريق التي قد تكون من الوعورة بحيث يهابها ضعاف النفوس، ويرهبها الذين يثقلهم حب الشهوات والعافية والطمع في العاجلة والغرض والقريب. فبدلا من التنقيب عن المرض الذي به قعدوا عن مسايرة ركب الإسلام والأمانة في التزام حدوده, تراهم ينعون على الإسلام أنه غير صالح للحياة، أو أنه لا يساير ركب التطور..أو..أو.. وقد يذهلك التعداد بشعبه الشيطانية وألوانه المخزية.
ولو أن هؤلاء النفر من الناس استطاعوا أن يتحرروا - ولو بعض الشيء - من عبوديتهم لغير الله جل وعز، وتزودوا بشيء من المعرفة، وأضاءت نفوسهم بقبس من نور التقوى والهداية لسلم لهم وضوح الرؤية وأبصروا الأمور على حقيقتها وأدركوا أن العلة لا تكمن في هذا الدين الذي أكمله الله وأتم به النعمة ورضيه لعباده أجمعين. وإنما تكمن في أنفسهم هم ولأيقنوا أنهم في موطن العلة التي باضت وفرَّخت في عقولهم وحولت طاقاتهم إلى نزوات وشهوات.
стр. 886
فهؤلاء الصنف من البشر بدل أن يستأنفوا الطريق لإصلاح الخطأ يجمعون إلى جهلهم أو عجزهم اتهام الإسلام تبرئة لنفوسهم الجاهلة العاجزة المريضة وتسويغا لما يكون من انحرافهم عن جادة الصواب والعياذ بالذي قال في كتابه - وهو أصدق القائلين -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ .
أما الصنف الثاني فهو أولئك الذين يمثلون ظاهرة التخلف عن طريق الإسلام في دعوته إلى العلم والمعرفة، والالتزام النفسي أمام انتصارات أولئك الذين يمسكون اليوم بزمام الحضارة الحديثة وقد جمعوا العلوم المادية من أطرافها، وباتوا يطالعون العالم كل يوم بحديد.
فهؤلاء لا يحملون جهلهم وانهزامهم ويسكتون, بل يحاولون أن يتمسحوا بأذيال الإسلام فيفترون عليه الكذب بما يكون من قالتهم: "الدين لا يرضى بالصعود إلى القمر - مثلا - وهذا أمر يجوز, وذلك في نظر الإسلام لا يجوز.."إلى آخر ما ترى وتسمع من الجود بالفتاوى وطرح الأحكام.
стр. 887
ويا عجبا لأمر الجهل ماذا يصنع بصاحبه، يورده موارد الهلكة ويسلكه في قطيع التائهين.. ولو أن الأمر في تصرف الجاهل يقتصر على دائرة شخصية ضيقة لهان الخطب ونفعت الحيلة، ولكن الأمر يتعدى إلى دائرة أوسع وأشمل هي دائرة الجماعة, والطامة الكبرى في أولئك الذين يلصقون بالدين زورا وبهتانا ما ليس منه ويفترون عليه ما هو منه براء, الدين الذين قام عليه كيان الأمة وغذى تاريخها الحضاري - بل تاريخ الإنسانية -عبر قرون وقرون هذا الدين.. يحاول بعض الناس أن يكسوه لباسا نسيجه جهلهم وبلاهتهم ليبنوا للجهالة صرحا الذي يضمن استمرارهم على ما هم عليه وليسوغوا ذلك الانحراف الذي يتسربلونه، حين باتت العودة إلى مفهومات الإسلام الصحيحة والتزود بشيء من العلم والمعرفة من الأمور التي يتجافون عنها، وكأنما ضرب بينهم وبينها بسور لا يقضى عليه حتى يَلْفَظُوا أنفاسهم فيستريحوا ويريحوا, وتبارك الذي أنزل فيما أنزل على نبيه ﷺ : ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ .
وأود - بجانب ذلك - أن أؤكد على التنبه إلى الالتزام النفسي الذي أشرت إليه من قريب؛ لأنه أمر في غاية الخطورة على حياة الأمة حين ننظر إلى الأمد البعيد ونحاول أن نضع القضية في إطارها الطبيعي.
стр. 888
ولعل ذلك كله هو السر الذي يكمن وراء الغثاء الذي تلقيه بعض الأفواه باسم الدين وتلقيه بعض الحناجر على منابر المسلمين في موضوعات تعرض - فيما تعرض - لأحدث مرحلة علمية وصل إليها فكر هذا الإنسان المخلوق حين استطاع - بعد أن زحف مئات ومئات الألوف من السنين - أن يصعد إلى القمر الذي قدره الله منازل والذي تفصله عن كوكبنا الأرضي مسافة تبلغ أربعمائة كيلومتر أو تزيد. والذي يحز في النفس أن هذا الغثاء يتمثل في قول بعضهم: "الصعود إلى القمر حرام". وقول آخرين من قبل: "هذا أمر لا يمكن أن يكون". وأمر ثالث بعد هذا كلِّه هو ما أصاب بعض النفوس الجاهلة أو المريضة من تعب حيال القضية الإيمانية الكبرى في وجود الله وقدرته , ناسين أنه هو القاهر فوق عباده وأنه هو بكل شيء محيط وأنه هو الذي أودع في الكون ما أودع من خصائص وسخر ذلك للإنسان.
إلا أن القول بهذا كلِّه أو بشيء منه جهل بالعلم والإسلام معا, ولو ذكرنا أن الإسلام بدأ رسالته على الأرض بقوله تعالى: ﴿اقْرَأ﴾ ، وأن الآيات التي تكرم العلم وتحث عليه بلغت الحد الوافر في كتاب الله تعالى وأن رسول الله كان من وظيفته في هداية الناس كونه يعلمهم الكتاب والحكمة ويخرجهم من الظلمات إلى النور وأن في أحاديثه ﵊ الكثير الكثير من النصوص التي تكرم العلم العلماء وأن ما وراء فرض العين من العلوم هو فرض كفاية ويشمل كثيرا من العلوم التجريبية التي تلمس آثارها اليوم عند أعدائنا الذين أمسكوا بزمام الحضارة الحديثة بلا أخلاق وسخروا شعوب العالم لأهوائهم وسلطانهم وما يبتغون.
وأن القرآن جعل طريقا واسعة رحبة من طريق الإيمان بالله التدبر والتفكر في السموات والأرض والنظر فيهما وفي هذا الخلق العجيب الذي تنزه عن التفاوت والعيب، كما أراد له الله أن يكون.. نعم لو ذكرنا ذلك - واليسير منه يكفي - لما كان هذا الذي نشكو منه اليوم.
стр. 889
فياليت شعري كيف يمكن أن يكون النظر إن لم يكن هنالك علم؟ وكيف يمكن أن يكون هناك تدبر إن لم يكن هنالك معرفة تساعد على هذا التدبر؟ إن القرآن دل العربي في الماضي على ما يمكن أن يدركه كما نرى مثلا في قوله تعالى جَاعِلاً النظر طريق الإيمان: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ باعتبار أن الناقة لها ما لها من أثر في حياة العربي في مطعمه ومشربه وسفره وراحته وما إلى ذلك، وظلت أمور كثيرة وكثيرة لا يظهر إعجاز القرآن فيها إلا العلم الذي يصل إليه العقل البشري مرحلة بعد مرحلة.
فأنى لنا أن نقول: "هذا يجوز وهذا لا يجوز". مع أن التدبر في آلاء الله مرتبط بالإيمان أتم ارتباط. والمفروض بالمؤمن العاقل أن يزيد إيمانه ويقوى يقينه بمثل هذا.. إن اكتشافنا لجانب صغير صغير من مخلوقات الله ﵎ لا يحملنا في الشك في وجود الله وإنما يزيد يقيننا بوجوده وعظمته سبحانه والاعتراف بأن هذا النظام في المجموعة الشمسية وغيرها لا يمكن أن يصدر إلا من خالق عليم حكيم مبدع له الخلق والأمر.
إلا أن الإسلام لا يهاب العلم لأنه دعا بحرارة إليه ولا يرهب ما يصل إليه العقل البشري من اكتشاف لكوكب أو كواكب من هذا الخلق البديع الذي لا ترى فيه من تفاوت, لأنه جعل النظر والتدبر والتفكر طريق الإيمان - والحمد لله - وهذه خاصية تميز بها الإسلام.
وأكثر من هذا لقد كان المفروض أن تصل أمتنا إلى هذه المرحلة قبل هؤلاء الناس بعدة قرون أن لو ظللنا مع الإسلام وسلم لنا خطنا البياني في صعود صاعد بما يشرق عليه من ضياء هذا الدين الذي تربّى في ظله آلاف الرجال الذين كانوا يتقربون إلى الله تعالى بما يخطون للأمة من معالم المعرفة. وعلى ما ضاع من تراثنا على أيدي التتار الصليبيين والفتن والحروب ما تزال الآثار في المخطوط والمطبوع شاهدة على هذا الذي نقول ولن تعدم الدنيا منصفا - ولو مع الأعداء - يعترف بذلك.
стр. 890
فبدلا من الانهزام والتوكؤ الجاهل على الدين وتلبيسه الثوب المفترى لا بد من الشعور بمزيد من المسؤولية والمحاولة الجادة لاستئناف الطريق الواعية التي تعي كل شيء قدره في ظل الإسلام ولن ترضى الأمة أن يكون فينا أناس يحاولون باسم الدين أن يضمنوا الاستمرار على حساب جهل الأمة بدينها وبناء قصور من الأوهام والخيالات والخرافات باسم الدين, والدين من هذا كال براء.
إن التاريخ ما يزال ينعى على أولئك الذين كانوا ينتسبون إلى غير الإسلام في أوروبا ويحاولون أن يحاربوا العلم باسم الدين لأن بقائهم فيما هم عليه بسلطانهم وسيطرتهم على الناس مرهون بأن يظل هؤلاء الناس يغطون في سبات عميق من الجهل والخرافة والانحراف. كان ذلك يوم كانت يد الإسلام العالمة العارفة الحكيمة القوية في مشرق عالمنا الكبير ومغربه تشق جيوب الظلام في العالم كله.
مرة ثانية نقول لهؤلاء وأولئك: أحشفا وسوء كيلة!! ألا لا يجمعن الجاهل إلى جهله بالإسلام والعاجز إلى عجزه عن متابعة طريق الإسلام إلقاء التبعة على الإسلام. ألا يضمن أولئك الجهلة والمنهزمون في أعماقهم إلى هذا البلاء أن يستخدموا الافتراء وسيلة لاستمرار وجودهم وكيانهم والإسلام دين العلم والمعرفة والنور.
ألا وليعلم الرواد الذين أكرمهم الله بوافر من الإيمان والهدى أن جانبا كبيرا من التوعية يقع على عواتقهم في مثل هذه الأمور فدعوة الإسلام لا يتجزأ وبناء متكامل كما أراد الله أن يكون.
ومعقد الأمانة في هذا الباب أن من المنكر أن تقبله نفس مؤمن أن ينضم إلى بلاء هذه الأمة في ديارها وأرضها بلاء تأصيل الجهالة واعتبارها من الإسلام باسم الحفاظ على الدين وتقوى الله ليكون للأعداء ما يريدون من بقاء الأمة في الوهدة التي عليها اليوم.
стр. 891
إنه لا بد أن تمسك الأمة بالزمام من جديد وذلك بموالاتها حقائق الإسلام في العلم والمعرفة والإفادة بوعي وأمانة مما عند الآخرين وجعل العلم والمعرفة في طاعة الله وتحقيق رسالة الإنسان، كيما يستأنف مسلم اليوم طريق مسلم الأمس فلا تتقطع الجسور بين مسلم الغد وبين الذين حملوا رسالة طريق المعرفة - معتزين بإسلامهم - إلى العالمين. وجل الذي قدَّر فهدى وتبارك الذي علَّم الإنسان ما لم يعلم وسبحان الذي أنزل على نبيه ﷺ : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ﴾ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 892
مقتطفات [١] من كتاب الثقلاء
للشيخ محمد العبودي
للشيخ محمد بن ناصر العبودي الأمين العام للجامعة
كان أبو هريرة ﵁ إذا استثقل رجلا يقول: "اللهم اغفر له وأرحنا منه"وكان الإمام الأعمش - واسمه سليمان بن مهران - إذا رأى ثقيلا قال: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ .
وقيل للأعمش: "لما عمشت عيناك؟ " قال: "من نظري إِلى الثقلاء! ".
وذكر اليوسي أن بعض الثقلاء استأذن على ابن المبارك فلم يأذن له فكتب إليه ذلك الثقيل:
هل لذي حاجة إليك سبيل
لا طويل قعوده بل قليل
فأجابه ابن المبارك:
أنت يا صاحب الكتاب ثقيل
وقليل من الثقيل طويل
وقال سفيان بن عيينة: قلت لأيوب السختياني: "ما لك لا تكتب على طاووس؟ "قال: "أتيته فوجدته بين ثقيلين".
ونقل عن السدي المفسر أنه قال: "لقد ذكر الله الثقل في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ! ".
وكان لابن سيرين ﵀ خاتم مكتوب عليه: أبرمت فقم. . فإذا استثقل إنسانا دفعه إليه!.
وذكر الزمخشري أن الشعبي ﵀ عاده ثقيل, فأطال الجلوس ثم قال: "ما أشد ما مر عليك في مرضك؟ "فقال الشعبي: "قعودك عندي! ".
وقال ابن القيم ﵀ في تفسير المعوذتين: "ومنهم من مخالطهم حمى الروح, وهو الثقيل البغيض الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك, ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك, ولا يعرف نفسه فيضعها في منزلتها، بل إنه إن تكلم فكلامه كالعصا تنزل على قلوب السامعين، مع إعجابه بكلامه وفرحه به. فهو يحدث من فيه كلما تحدث. ويظن أنه مسك يطيب به المجلس، وإن سكت فأثقل من نصف الرحا العظيمة التي لا يطاق حملها ولا جرها على الأرض". ثم قال ابن القيم:
стр. 893
"ويذكر عن الشافعي ﵀ أنه قال: ما جلس إلى جانبي ثقيل، إلا وجدت الجانب الذي هو فيه أنزل من الجانب الآخر. ورأيت يوما عند شيخنا - يقصد شيخ الإسلام ابن تيمية - رجلا من هذا الضرب, والشيخ يتحمله، وقد ضعفت القوى عن حمله، فالتفت إلي وقال: مجالسة الثقيل حمى الربع. ثم قال: لكن قد أدمنت أرواحنا على الحمى فصارت لها عادة أو كما قال".
وحدث العباس بن بنان قال: "كنا عند أبي بكر بن عياش يقرأ علينا كتاب مغيرة، فغمض عينيه، فحركه أحدنا وقال له: "تنام يا أبا بكر؟ ". فقال: "لا، ولكن مر ثقيل فغمضت عيني! "
وأنشد الخفاجي عن الزاهد بن عمران:
إلمام كلَّ ثقيل قد أضر بنا
نريد نَقْصَهُمُ والشر يزداد
ومن يخف علينا لا يُلمّ بنا
وللثقيل على الساعات ترداد
وروى عن محمد بن خلف بن الززبان عن عمر ﵁ أنه قال: "من أمن الثقيل فهو الثقيل".
وروى بسنده أيضا عن علي بن الحسن قال: كان أبو أسامة إذا أبصر ثقيلا قال: "قد تغميت السماء! "
وعن ابن سنان القطان قال: "كان وكيع إذا جلس إليه ثقيل، غمض عينيه، وقام عنه! ".
وعن عبد الله بن شبرمة، قال: سمعت الشعبي ينشد:
ومن الناس من يخفّ ومنهم
كرحى البزر ركبت فوق ظهري
وذكر عبيد الله بن عمر أن يحيى بن سعيد ﵀ جاءه مرة رجل يستثقله, فقال لي: من بالباب؟ فقلت: فلان, فصك رأسه بأصابع يديه كلها، وقال: يا أبا سعيد، جبل، جبل! فلما انصرفت مررت بالرجل وهو جالس على الباب فلا أدرى أذن له أم لا.
وروى سلمة بن شبيب قال: سمعت أبا أسامة يقول: إيتوني بمستمل خفيف على اللسان, خفيف على الفؤاد, إياي والثقلاء, إياي والثقلاء!
كلمة بليغة
стр. 894
يحكى أن الفيلسوف الإغريقي (ديوجيتر) ارتفع فوق هضبة عالية وصاح: "يا أيها الناس. فلما سارعوا إليه واجتمعوا حوله، هز رأسه وقال: لما أنادكم..إنما أنادي الناس".
كتاب: يا أيها الإنسان
--------------------------------------------------------------------------------
[١] ذكرنا تخريج المقتطفات مع نسبتها إلى مصادرها المطبوعة والمحفوظة في مكانها من الكتاب الذي لا يزال محفوظا.
стр. 895
من تاريخ المذاهب الهدامة
كتاب أسرار الباطنية (٢)
بقلم محمد بن مالك اليماني
وقد رأيت أيها الناس وفقنا الله وإياكم للصواب وجنبنا وإياكم طرق الكفر والارتياب أن أذكر أحبال هذه الدعوة الملعونة لئلا يميل إلى مذهبهم مائل ولا يصيبو إلى مقالتهم لبيب عاقل ويكون في هذا القدر من الكلام في هذا الكتاب إنذار لمن نظره، وأعذار لمن وقف عليه واعتبره.
باب: اعلموا يا إخواني في الإسلام أن لكل شيء من أسباب الخير والشر والنفع والضر والداء والدواء أصولا، وللأصول فروعا، وأصل هذه الدعوة الملعونة التي استهوى بها الشيطان أهل الكفر والشقوة ظهور (عبد الله [١] بن ميمون القداح) في الكوفة، وما كان له من الأخبار المعروفة والمنكرات المشهورة الموصوفة، ودخوله في طرق الفلسفة واستعماله الكتب المزخرفة، وتمشيته إياها على الطغام ومكيدته لأهل الإسلام.
стр. 896
وكان ظهوره في سنة ست وسبعين ومائتين من التاريخ للهجرة النبوية، فنصب للمسلمين الحبائل وبغى لهم الغوائل ولبس الحق بالباطل ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ، وجعل لكل آية من كتاب الله تفسيرا ولكل حديث عن رسول الله ﷺ تأويلا، وزخرف الأقوال وضرب المثال، وجعل لآي القرآن شكلا يوازيه ومثلا يضاهيه. وكان الملعون عارفا بالنجوم معطلا لجميع العلوم ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ . فجعل أصل دعوته التي دعاها وأساس بِنْيَتِه التي بناها الدعاء إلى الله وإلى الرسول ويحتج بكتاب الله ومعرفة مثله وممثوله والاختصاص لعلي بن أبي طالب ﵁ بالتقديم والإمامة والطعن على جميع الصحابة بالسب والأذى، وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لعن الله من سب أصحابي" [٢] . وقال ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" [٣] . وقال ﷺ : "من سب أصحابي [٤] فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله كبه الله على وجهه في النار". فأفسد بتمويهه قلوب الجهال وزين لهم الكفر والضلال وله شرح يطول فيه الخطاب غير أني أختصر. وفيما أشرحه كفاية واعتبار لأولي الألباب والأبصار. وكان هذا الملعون يعتقد اليهودية ويظهر الإسلام، وهو من اليهود من ولد الشلعلع من مدينة بالشام يقال لها سلمية [٥] ، وكان من أحبار اليهود وأهل والفلسفة الذين عرفوا جميع المذاهب وكان صائغا يخدم (شيعة) إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي ابن أبي طالب ﵁. وكان حريصا على هدم الشريعة المحمدية لما ركب الله في اليهود من عداوة الإسلام وأهله والبغضاء لرسول الله ﷺ فلم يروجها يدخل به على الناس حتى يردهم عن الإسلام ألطف من دعوته إلى أهل بيت الرسول صلى الله عليه
стр. 897
وسلم وكان قد خرج في أيام قرمط [٦] البقار - وكان اسمه أو لقبه لأنه كان يقرمط في سيره إذا مشى [٧]- ولذلك نسب أهل مذهبه ومذهب بن ميمون إلى قرمط لأنهما اجتمعا وعملا ناموسا يدعوان إليه وكانا يعرفان النجوم وأحكام الزمان فدلهما الوقت على تأسيس ما عملاه فخرج ميمون إلى الكوفة وأقام بها مدة وله أخبار يطول شرحها مما كان منه ومن علي بن فضل والمنصور صاحب مسور وأبي سعيد الجنابي وأنا أشرح ذلك عند انتهائي إليه إن شاء الله تعالى وأما قرمط البقار فإنه خرج إلى بغداد وقتل هناك لا ﵀.
باب ذكر ما كان من القداح وعقبه لعنه الله وتعلق بسببه ودخل ضلالته ومذهبه:
وكان أول أولاده "عبيد" [٨] وهو "المهدي"ثم "محمد"وهو "القائم"ثم "الطاهر"إسماعيل المنصور ثم "المعز"ثم "العزيز"ثم "الحاكم"ثم "الظاهر"ثم "معد المستنصر" [٩] هؤلاء الذين ينسبون إليه إلى عصرنا هذا فانتسبوا إلى ولد الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وانتحالهم انتحال كاذب وليس لهم في ذلك برهان وأهل الشرف ينكرون ذلك فإنهم لم يجدوا لهم في الشرف أصلا مذكورا ولا عرفوا لهم في كتاب الشجرة نسبا مشهورا بل الكل يقصيهم عن الشرف وينفيهم عن النسب إلا من دخل معهم في كفرهم وضلالتهم فإنه يشهد لهم بالزور ويساعدهم في جميع الأمور وقد زعموا أنهم ولد محمد إسماعيل بن جعفر الصادق وحاش لله ما كان لمحمد إسماعيل من ولد ولا عرف ذلك من الناس أحد بل هم ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ .
стр. 898
الدليل على ذلك وعلى بطلان ما ذكروه أنهم يقولون معد المستنصر بن الظاهر ابن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي وهو عبيد [١٠] بن ميمون ثم يقولون ابن الأئمة المستورين من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق فإذا سألهم سائل عن هؤلاء المستورين حادوا عن الجواب [١١] وكان للسائل لهم الارتياب. وقالوا هم أئمة قهروا فتستروا ولم يؤمروا بإظهارهم ولا ذكرهم لأحد وهذا من أعظم الشواهد على بطلان ما ذكروه وانتسبوا إليه.
والدليل على أنهم من أولاد اليهود استعمالهم اليهود في الوزارة والرياسة وتفويضهم إليهم تدبير السياسة ما زالوا يحكِّمون اليهود في دماء المسلمين وأموالهم وذلك مشهور عنهم يشهد بذلك كل أحد.
باب خروج ميمون القداح من سلمية إلى الكوفة:
وقد ولد له عبيد وهو الذي يسمونه عبيد الله المهدي فأقاما بالكوفة مدة طويلة حتى تهيأ لهما ما كانا يطلبان وإلى أن أجابهما إلى ذلك تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون منهم علي بن فضل الجدني اليماني، وأبو القاسم ابن زاذان الكوفي المسمى المنصور عند كونه باليمن في مسور وأبو سعيد الجنابي صاحب الأحساء والبحرين وأبو عبد الله الشيعي صاحب كتامة في المغرب والحسن [١٢] بن مهران المسمى بالمقنع الخارج فيما وراء النهر من خرسان ومحمد بن زكريا الخارج في الكوفة ولا بد أن أذكر أصح خبر كل منهم مختصرا إن شاء الله تعالى:
باب في ذكر أبي سعيد الجنابي لعنه الله:
كان فيلسوفا ملعونا ملك البحرين واليمامة والأحساء وادعى فيها أنه المهدي القائم بدين الله فاستفتح ... [١٣] ودخل مكة وقتل الناس في المسجد الحرام ومنع الناس من الحج واقتلع الركن وراح به إلى الأحساء وقال في ذلك شعرا:
ولو كان هذا البيت لله ربنا
لصب علينا النار من فوقنا صبا
لأنا حججنا حجة جاهلية
مجللة لم نبق شرقا ولا غربا
وإنا تركنا بين زمزم والصفا
стр. 899
جنائز لا تبغي سوى ربها ربا
وله لعنه الله أشعار في ذلك تركتها اختصارا وكان دخوله مكة سنة سبع عشرة وثلاثمائة وقتل فيها ثلاث عشر ألفا عليه لعنة الله.
باب ذكر الحسن بن مهران المعروف بالمقنع:
خرج فيما وراء النهر وله أخبار شنيعة وكان حكيما فيلسوفا ملعونا ذكروا أنه عمل قمرا بالطلسم يطلع في السنة أربعين ليلة ولقد كنت أكذب ذلك حتى صححه لي جماعة من أهل خراسان وذكروا أنه بنى حصنا وعمل فيه لولبا فكان المسلمون إذا أتوا لقتاله قذفوا بالحجارة ولا يدرون من أين يقذفون فمال إليه خلق كثير حتى بعث الله عليهم بغلام حكيم فأمر المسلمين أن يحفروا حول الحصن فوقعوا على اللوالب فأخرجوها ودخلوا عليه فقتلوه وقيل إنه أحرق نفسه قبل دخولهم عليه فأمكن الله منه.
باب ذكر محمد بن زكريا لعنه الله:
أحسب أن اسمه زكرويه بن مهرويه القرمطي وكان قد خرج بالكوفة فخرج إليه المكتفي أمير المؤمنين من بني العباس فقتله لعنه الله ولا رحمه.
صدقة مقبولة
قال رسول الله ﷺ : "قال رجل: لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق. فقال: الهم لك الحمد على سارق؟. لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية. فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية. فقال: اللهم لك الحمد على زانية؟. لأتصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد غني. فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني. فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية وغني؟؟. فأتي فقيل له: أمَّا صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأمَّا الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأمَّا الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله".
متفق عليه..
стр. 900
--------------------------------------------------------------------------------
[١] المصنف يذكر ميمونا مرة وابنه أخرى كما هنا وقد جارينا على الأصل في ذلك، وفيما يسوقه من أنبائهما هنا بعض المخالفة لما ذكره عبد القهار في (الفرق) وابن النديم في (الفهرست) والمقريزي في (الخطط) وغيرهم فكل منهم دوَّن ما بلغه من الأنباء وفي تمحيص ذلك كله طول.
[٢] ولفظ الطبراني عن ابن عباس مرفوعا: "من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". وفي سنن الترمذي: "إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقالوا: لعنة الله على شركم". وفي الباب أحاديث يعضد بعضها بعضا.
[٣] أخرجه رزين وله طرق ضعيفة.
[٤] ولفظ أم سلمة عند أحمد: "من سب عليا فقد سبني".
[٥] سلمية: بليدة بالشام من أعمال حمص.
[٦] قرمط: وهو حمدان بن الأشعث وكان خروجه سنة ٢٦٤ كما يذكره بن المهذب. وكان ظهور الجنابي بالبحرين سنة ٢٨٦.
[٧] يعني يقارب بين خطواته. ومنهم من يقول إنه كان أحمر البشرة فلقب بقرمط و (كرمت) الآجر في اللغة الرومية فعرب وقيل قرمد ثم قرمط.
[٨] إليه تنسب دولتهم فيقال الدولة العبيدية بمصر ويتورع أهل التحري من تلقيب دولتهم بالفاطميين حيث لم يثبت نسبهم المزعوم كما حققه أهل التحري من ثقات المؤرخين.
[٩] والمستنصر هذا توفي سنة ٤٨٧هـ فيكون المؤلف من أواسط القرن الخامس.
[١٠] لم أر من جعل عبيد بن ميمون مباشرة والمشهور أنه سعيد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون، خرج سعيد هذا متنكرا إلى مصر ثم إلى المغرب فادعى هناك أنه علوي فاطمي بعد أن ادعى قبل ذلك أنه عقيلي وتسمى هناك أيضا عبيد الله وتلقب بالمهدي حتى تم له ما هو مشروح في التواريخ.
стр. 901
[١١] ومن المعروف عند المؤرخين أن المعز العبيدي لما قرب إلى مصر بعد فتحها بمعرفة قائده وخرج الناس تلقائه اجتمع به جماعة من الأشراف فقال له أحدهم: "إلى من ينتسب مولانا؟ ". فقال له المعز: "سنعقد مجلسا ونجمعكم ونسرد عليكم نسبنا". فلما استقر المعز بالقصر جمع الناس في مجلس عام وجلس لهم وقال لهم: "هل بقي من رؤسائكم أحد؟ ". فقالوا: "لم يبقى معتبر". فسل عند ذلك نصف سيفه وقال: "هذا نسبي". ونثر عليهم ذهبا كثيرا وقال: "هذا حسبي". فقالوا جميعا: "سمعنا وأطعنا". وفي المحضر الذي أصدره أهل العلم ببغداد سنة ٤٠٢هـ " ... أنهم أدعياء لا نسب لهم في ولد علي ﵁.."ومن جملة من وقَّع عليه الشريفان الرضي والمرتضى وأبو محمد الأكفاني القاضي أبو محمد الإسفرايني، وأبو حسين القدوري وغيرهم من كبار الأئمة. وهذا حكم شرعي يجب أن يخضع له ولو أعطي أحد هؤلاء الدنيا بحذافيرها لما حكم بما يخالف الحق والصدق عندهم كما لا يخفى على من درس سيرهم، والشعر المنسوب إلى الشريف الرضي غير متصور ثبوته عنه، ولم يكن القادر بالله بقادر على إكراههم على خلاف ما يرونه، وكلمة بن خلدون عن هوى خاص وكذا توهم المقريزي كما هو مبسوط في ((الإعلان بالتوبيخ)) للسخاوي.
[١٢] وله عدة أسماء عطاء وحكيم.
[١٣] هنا بالأصل نقص ولعل الناقص (ثم قتله خادم له صقلبي راوده في الحمام سنة ٣٠١هـ وتولى بعده ابنه الأكبر سعيد فغلبه أخوه الأصغر أبو طاهر سليمان بن الحسن بن بدان الجنابي حنى استفحل أمره.
стр. 902
ندوة الطلبة
من ظلمات الوثنية إلى ضياء الإسلام
بقلم الطالب: محمد ضياء الرحمن الأعظمي
حينما كنت طالبا في كلية شبلي بمدينة أعظم كده منذ تسع سنوات تقريبا وقعت يدي على بعض الكتب التي تتعلق بقواعد الإسلام، فأقبلت على دراستها بكل رغبة واجتهاد، وأول كتاب قرأته هو ((الدين الحق)) المترجم باللغة الهندية لفضيلة الشيخ أبي الأعلى المودودي حفظه الله. وبدأ هذا الكتاب بقول الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ وكنت جاهلا بمعاني القرآن الكريم ومع ذلك فقد أثّرت ترجمة الآية في نفسي تأثيرا شديدا؛ لأني كنت أعتقد دين آبائي اعتقادا جازما أنه الحق والعداوة للإسلام كانت راسخة في قلوبنا نتيجة الاتهامات الكاذبة الشائعة لملوك المسلمين من قبل المؤرخين الهندكييين الذين كنا ندرس كتبهم في المدارس الحكومية، ويزعم هؤلاء المؤرخون إن المسلمين قد حكموا البلاد بالظلم والعدوان.
وهذا يتركز في أذهان الطلاب الهندكيين لأجل ذلك يجد الطالب نفسه مضطرا لمعاداة المسلمين وبغضهم.. وازدادت تلك العداوة حتى عمَّت البلوى وكنت ممن يكن البغضاء للمسلمين، فجعلت أبحث في الكتب الإسلامية عن الإسلام ليلا ونهارا لعلي أستطيع بذلك الطعن فيه، ولكن الأمر قد انعكس حينما أثَّرَت هذه الكتب في نفسي تأثيرا ألجأني إلى هجر الكتب الدراسية التي كنت أدرس في ذلك الوقت.
ومن المعلوم أن الدين الهندكي كان منذ آلاف السنين هو المصدر الوحيد للحضارة الهندية وأساس قوانينها، لذلك كنت في قلق واضطراب من ((ويدك وهرم)) وقد بقيت بضع سنين في هذه العصبة الجاهلية.
стр. 903
والمؤرخون الهندكيين يكنون للمسلمين عداوة شديدة في صدورهم ويكشفون عنها الحجب في كتبهم التاريخية. أحيانا يطعنون في سيرة الرسول ﷺ الطاهرة بقولهم إنه كان راغبا في الحياة الدنيا ولذاتها وهذا الجهل المركب تركز في عقول الشباب الهندكيين.
ومهما يكن فإن عداوة الإسلام كانت من تراث آبائنا، فإذا نظرت إلى أحوال المسلمين لم أجد فيها ما يرغبني، فإنهم متخلفون من الوجهة الاقتصادية والوجهة الخلقية، لذلك كان معظم الناس يقولون أن الإنسان اليوم في أشد الحاجة إلى الهدى والرشاد ممن يهديه إليهما بعد أن ضل ضلالا بعيدا.
وبالجملة فإن جميع الأسباب لمعاداة المسلمين والإسلام كانت متوفرة لدى الطالب الهندكي، ولا يستطيع الطالب بمعلوماته القليلة الضيقة يبحث مباحث توصله إلى دين الحق، ويكشف عنه ظلمات اللبس وسحب الجهل إذ؛ ليس من المعقول أن تعتبر هذه المعلومات الضئيلة كافية لحل مسائل الحياة الإنسانية، فوجدت نفسي مضطرا للرجوع إلى (ويدك وهرم) ليطمئن قلبي بما أختار وأسير على الطرق القويم، لكن ما وجدت فيه إلا أساطير الأولين من عبادة النار والبحر والأشجار والأحجار وغيرها من الجمادات والبهائم التي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا فكيف بغيرها.
وأحيانا يعلل خلق الكون بصورة شنيعة قبيحة فيها رائحة منتنة يفر منها الإنسان اللبيب وهاأنذا أسوق إليك أيها القارئ الكريم بعضها:
يقول الدكتور تاراجند الفيلسوف الهندكي في كتابه: (فكرة ويد) : إن الأضحية (أي ذبح الحيوان) آية لصلاح العالم، وهي وسيلة القوة للخالق إذا تعب من الخلق وذهبت قوته فالملائكة يستردون هذه القوة بالأضحية فينزل بها المطر وتطلع بها الشمس ويأتي بها الطوفان لأن هذه هي السبب الوحيد الذي تتم به إرادة الخالق (ص٣٠) .
стр. 904
(وشو) : هو الإله الثالث في اعتقادهم، وهو خالق السماوات والأرض وما بينهما وهو على كل شيء حفيظ، له أعين في جميع الجهات كلها، وله وجه في جميع الجهات، له أيد وأرجل كثيرة وهو وحده لا شريك له. (ريتي ويد ١٠-٨١-٢-٤)
وهو ذات واحدة يسمى برم برش - أفضل الناس - له آلاف الرؤوس وآلاف الأعين وآلاف الأرجل وهو محيط بجميع العالم ومنفصل عنه وكل ما كان وما يكون فهو صادر منه وهو مالك الحياة الأبدية ولا يعاقب على أي عمل يعمله لأن أعماله كلها خير.
(فكرة ويدانت) : يقول المفكر الهندوكي وويكانند في كتابه HINDUISM))
خرج هذا العالم من العدم إلى الوجود بإرادة الخالق، المادة والروح والخالق كل منها أزلي وقديم لا يجري عليها زمان ولا يأتي عليها حدوث تدوم الحياة كما يدوم الخالق وكذلك تدوم الفطرة ولكنها تتغير بتغير الزمن. أما الخالق فهو موجود في كل زمان ومكان عالم بكل شيء ليس له صورة حسية ولن يستطيع أحد أن يصل إلى رفعته إذا ادعى أحد لنفسه أنه الله فقد كفر به. (ص٦٤-٦١)
(فكرة منو السمرتي) : إن هذا الكتاب هو المأخذ الأساسي لقانون الهنادك ودونك الباب الأول الذي يبحث فيه عن الخلق:
إن هذه الدنيا كانت غامضة لا توجد لها علامة ولا وسيلة يتوسل إليها ثم ظهر - برميشور - (إله الآلهة) بمادة التكوين وأراد أن يخلق خلقا من ذاته فخلق الماء وألقى فيه النطفة وأصبحت هذه النطفة بيضة فإذا - ببرهما - الخالق يخرج منها وكسر البيضة نصفين فخلق من أحدهما الجنة ومن الثاني الأرض والسماء وما بينهما والجنات الثمانية والبحور الهادئة، ثم خرج من فمه (براهمن) ومن عضده (جهري) ومن فخذه (ويسن) ومن رجله (شودر) فما دام براهما مستيقظا فالدنيا باقية وإذا أخذه النوم تقوم القيامة - من باب الأول إلى الخامس ثم العاشر -.
стр. 905
(فكرة بران) يعد بران عند الهندكيين من الكتب المقدسة أسفاره أكثر من أن تحصى ولكن كله ينسب إلى ويدوياسي فاختلف أصحاب بران في خلق العالم وجاءوا بالقصص الماجنة البذيئة ودونك بعضعها:
يقول صحاب بران ((ديوي بهكوت)) الخالق لهذا العالم هو امرأة من شرى بور اسمها - شرى - وهي التي خلقت الآلهة الثلاثة المعروفين لديهم ((برهما)) (خالق الحياة) ((وشنو)) (الرازق) و ((مهيش)) (قابض الأرواح) .
لما أرادت هذه المرأة أن تخلق العالم وضعت إحدى يديها على الأخرى فإذا ببرهما خرج منها وأمرته أن يتزوجها فأبى لأنه اعتقد أنه ولدها فغضبت المرأة غضبا شديدا فأحرقته ثم أعادت عملها فخرج منها ((وشنو)) فأمرته أن يتزوج بها فأبى فأحرقته أيضا ثم أعادت العمل فخرج ((مهيش)) فأمرته أن يتزوجها فامتنع إلا بشرط وهو أن تغير صورتها وتأتي بصورة غيرها ففعلت ما طلب منها ثم طلب ((مهيش)) أن تحي أخويه اللذين أحرقتهما، فأحيتهما ثم طلب أن تخلق امرأتين يتزوج كل واحد منهما بواحدة ففعلت وتزوج كل واحد منهم بواحدة فهؤلاء الآلهة الثلاثة هم الذين خلقوا العالم ويديرونه (ستيسارتق بركاش الباب ١١) .
وفي هذه الكتب المقدسة عندهم أفعال ينسبونها إلى الخالق لا يرضى أحد من الناس أن ينسب إليه - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - فكان مثلي بعد الدراسة ((ويدك وهرم)) كمثل رجل فر من المطر خوفا من البلل ووقف تحت الميزاب أو كما قال الشاعر العربي:
المستجير بعمرو عند كربته
كالمستجير من الرمضاء بالنار
وبعد ذلك انشرح صدري للخروج من دين آبائي وطرح العقيدة الجاهلية والدخول في الإسلام وسجدت شكرا لله القائل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلام﴾ .
الأمور التي حملتني على الدخول في الإسلام:
١- أن الإسلام ليس دينا موروثا عن الآباء بل هو لكل من يفتح له صدره.
стр. 906
٢- ليس في الإسلام فوارق جنسية ولا عصبيات جاهلية فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . (الحجرات)
٣- أن الأخوة الإسلامية في الإسلام مقدم على جميع علاقات النسب والوطن كما بين الله تعالى في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ . (سورة التوبة)
٤- أن الحديث العهد بالإسلام يصبح كواحد من عشيرة المسلم المولود في الإسلام قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ وإن العالم الإسلامي يعبر له وطنا حقيقيا مصدقا لقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (العنكبوت)
٥- أن الإسلام قانون لجميع شؤون الحياة الإنسانية وهو يقدم أحسن حل في المشاكل الفردية والاجتماعية وقد أخطأ الذين يحصرون الإسلام في المساجد والخانقاهات والأربطة.
هذه الأمور المهمة الثابتة التي أدركت حقيقتها قبل تسع سنوات في الأيام الجاهلية وكنت على دين آبائي فاهتديت بحمد الله لتركه واتجهت إلى الإسلام بكل وجودي وهو حق لا يرتاب فيه عاقل فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام.
стр. 907
ولما دخلت في الإسلام أصابني مصائب شتى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ وصدق الله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ .
المرحلة الأولى: أن والدي حرمني من التعليم العالي وأخرجني من ((مدينة أعظم كره)) وبعثني إلى ((كلكتا)) حيث صرت غريبا لا أجد فيها أحدا من المسلمين أعرفه ويعرفني ولكن الله يسر لي في غربتي من أرشدني وأعارني ما كنت في حاجة إليه من الكتب ولولا ذلك لكان إسلامي في خطر عظيم، والحقيقة أن هذه المرحلة كانت على أشد ما يتصور وبعد الوصول إلى كلكتا مباشرة بحثت عن مركز الجماعة الإسلامية فوجدته وحصلت على بعض الكتب الهندية المترجمة وبدأت أطالعها لأستعد للمرحلة الآتية. وقد اطمأنت نفسي بمصاحبة الشيخ عبد التواب حفظه الله في هذه المرحلة فأحمد الله الذي يسر لي الأمور إلى هذا الحد وأيضا أشكر المخلصين الذين ساعدوني كل المساعدة في اللحظات الخطيرة والله لا يضيع أجر المحسنين.
المرحلة الثانية: هذه المرحلة كانت مرحلة البحث والمناظرة مع النساك الهندكيين مع صغر سني وقلة علمي وبعدي عن المسلمين وكلما فكرة في البحث والمناظرة التي جرت بيني وبين النساك الهندكيين تعجبت كيف انتصرت عليهم وقد كانت القوى الكافرة متألبة على إسلامي على اختلاف مسالكها ومذاهبها.
стр. 908
لا أذكر من أسألتهم إلا سؤالا واحد وهو قولهم: "لم تختارون الإسلام مع أن المسلمين في شدة وضيق وتفرق وفقر وبعد عن الأخلاق الفاضلة والسيرة الحسنة؟ "فأجبتهم قائلا: "ما اخترت الإسلام إلا بعد مطالعة قواعد الإسلام لا بدراسة أحوال المسلمين اليوم وإن كنتم في ريب منه فأعرضوا علي ما أشكل عليكم من أصل الإسلام وعقيدته". ولكن جهودهم ذهبت أدراج الرياح فبهتوا وسكتوا وانقلبوا خائبين يلومون أنفسهم كما هي عادة المعاندين عند المحاولة فصدق عليهم قول الله : ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . فما كنت أرجع إلى بيتي إلا وقلبي مطمئن بالإيمان واستمر هذا البحث والنقد خمسة عشر يوما متوالية.
المرحلة الثالثة: ثم جاءت مرحلة الأذى والتعذيب التي كنت أنتظرها بفارغ الصبر فمن أذاهم حبسهم الماء والطعام عني وانقضوا علي ضربا بالعصا والنعال فاستمروا بجهودهم شهرين متتابعين وبعد ما يئسوا من رجوعي إلى دينهم تآمروا على قتلي ولولا أن الله أنجاني منهم بلطفه الخفي لقتلوني شر قتلة، فيسر الله لي طريق الهجرة وهاجرت إلى مكان هادئ تاركا والدي والرفقاء والأصدقاء والكثير من العشيرة الأقربين لأحافظ على ديني وإيماني كل المحافظة بفرح وسرور، كما هاجر أبونا إبراهيم ﵇ قائلا: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
стр. 909
المرحلة الرابعة: فلما خرجت من وطني مهاجرا إلى ربي ووصلت إلى بعد ٤٠٠ كيلومتر غربا إلى بلدة بدايون أردت أن أقرأ القرآن وأتعلم اللغة الأردية فعينت مدرسا للغة الهندية والإنجليزية والتاريخ والرياضيات في مدرسة إسلامية صغيرة، وفي أوقات الفراغ كنت أتعلم القرآن. ولكن الهندكيين علموا بذلك سنتين ولم يرضوا بهذا فجاءت المؤامرات الأخرى. ووجدت نفسي مضطرا إلى الخروج من هذه الناحية إلى ناحية أخرى بعيدة عنها وهي مدارس في جنوب الهند وتبعد عنها بدالون ألفي ميل.
ولما وصلت إلى مدارس التحقت بمدرسة دينية معروفة تسمى ((بجامعة دار السلام)) وهي محاطة بالجبال والأشجار ذات بهجة ومنظر ممتع يسر الناظرين، ثم أصبحت طالبا رسميا في تلك المدرسة وهذه المدرسة تهتم بالتعليم والتربية متمسكة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فبذلك حفظني الله من التعصب للمذاهب واتباع الأهواء والفرق المبتدعة والطرائق الخرافية.
فطفقت أتعلم اللغة العربية وآدابها وعلومها والعلوم الدينية من تفسير وحديث وفقه، وتعلمت شيئا من المنطق والفلسفة. واستمرت دراستي ست سنين، ثم بعد التخرج في المدرسة قدّمت طلبا للالتحاق بالجامعة الإسلامية إلى صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة كي أنهل العلوم الشرعية من مناهلها الصافية فقبل الشيخ طلبي فسافرت من بلاد الهند إلى مدينة الرسول ﷺ سائلا الله تعالى أن يجعلني من الحنفاء المخلصين له الدين ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.
الحرية
حين تكون الحاكمية العليا في مجتمع لله وحده متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحررا كاملا وحقيقيا من العبودية للبشر.
ولا حرية في الحقيقة ولا كرامة للإنسان في مجتمع بعضه أرباب يشرعون وبعضه عبيد.
стр. 910
المعالم / سيد قطب
стр. 911
نعمة الأمن
بقلم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس بكلية الشريعة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين..أما بعد:
فقد روى الترمذي وقال حسن غريب: من طريق سلمة بن عبيد الله بن محصن الخطمي عن أبيه وكانت له صحبة أن رسول الله ﷺ قال: "من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا".
إن من أعظم نعم الله على عباده أن يصبح الإنسان آمنا على نفسه مطمئنا على عرضه، لا يخاف ظلم ظالم ولا جور جائر، وقد أشار رسول الله ﷺ إلى أن من اجتمع له الأمن في وطنه والصحة في بدنه مع وجود قوت يومه فقد جمعت له الدنيا ولم يفته منها شيء حيث يقول فيما جاء من الأثر: "من أصبح منكم في آمنا في سربه، معفى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا"أي اجتمعت لديه أسباب النعيم العاجل، ولم يفته من مسرات الحياة شيء. والأمن في البلاد مع الصحة في الأبدان نعمة يجب أن تشكر فإن من فاتته هذه النعمة لم يسعد من الحياة من شيء ولذلك جاء في الحكم: "نعمتان مجحودتان الأمن في الأوطان والصحة في الأبدان".
стр. 912
وقد امتن الله ﵎ على أهل مكة في مواضع كثيرة في كتابه بنعمة الأمن ليلفت الناس إلى شكرها وينبههم إلى خطرها، وجعل ذلك آية من آياته وبرهانا من براهين عظمته وقدرته وألوهيته وربوبيته حيث يقول: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وكما قال : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُون﴾ . وكما قال : ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ . وقد أشار الله ﵎ إلى أسباب الأمن، وأن أساسها الإيمان بالله وعدم الظلم ولذلك قال في قصة إبراهيم ﵇ حينما هدده قومه بأن أصنامهم ستسلبه الأمن: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثم بيَّن أصول الأمن وأعظم أسبابه فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فإن العبد إذا آمن بالله والتجأ إليه وامتنع عن المظالم كان حريا بوقاية الله من شرور أعدائه على حد قول الشاعر:
وقاية الله أغنت عن مضاعفة
من الدروع وعن عال من الأطم
стр. 913
وكما قال الشاعر:
وإذا العناية لاحظتك عيونها
نم فالمخاوف كلهن آمان
وقد وعد الله ﵎ أهل الأديان والعمل الصالح أن يمكن لهم في الأرض وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا وفي ذلك يقول : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . كما وعد الله ﵎ كل من عمل صالحا من ذكر أو أنثى بالحياة الطيبة والتي يكون الأمن من أبرز مظاهرها حيث يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
وقد نبه إبراهيم ﵇ إلى خطر نعمة الأمن في البلاد فدعا الله ﵎ أن يجعل دار ولده إسماعيل آمنة حيث يقول في دعوته: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ وكما قال : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ .
стр. 914
وقد استجاب الله ﵎ دعاء إبراهيم ﵇ فجعل دار إسماعيل ﵇ حرما آمنا وجعل البيت الحرام مثابة للناس وأمنا وفي ذلك يقول: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ ، ووصفت مكة بأنها البلد الأمين حيث يقول: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ ، ما أشار رسول الله ﷺ إلى أن تطبيق شريعة الإسلام، والعمل بأحكامه وتحليل حلاله وتحريم حرامه مما يورث البلاد أمنا، ويهبها استقرارا، فقد صح الخبر أن عدي بن حاتم الطائي ﵁ لما قدم على رسول الله ﷺ بالمدينة وكانت أخت عدي قد أوصته أن يلحق برسول الله ﷺ وقالت له: "أرى أن تلحق بمحمد فإن يكن نبيا فالسابق إليه فضل وإن يكن ملكا فأنت أنت". فلما قدم عدي ﵁ على رسول الله ﷺ قال له رسول الله ﷺ : "يا عدي ما يمنعك من الدخول في الإسلام؟ "ثم قال له: "والله ليتمن هذا الأمر حتى تسير الظعينة من صنعاء إلى الحيرة فلا تخاف من نفسها إلا الذئب"، أو كما قال رسول الله ﷺ . ولقد بين الله ﵎ في محكم كتابه الأسباب السالبة للأمن الجالبة للخوف، فجعل منها محاربة دين الله وفي ذلك يقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
стр. 915
كما تهدد ﵎ من كفر بنعمة الله أن يبدله من بعد أمنه خوفا وأن يلبسه لباس الجوع وفي ذلك يقول: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
следующие страницы →