Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.
стр. 8646
وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ وهم يعلمون من أنفسهم أنهم كاذبون قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ أي كاذبون في اعتقادهم وفي أنفسهم. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :"أربع من كن فيه كان منافقاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر "، وخرجاه في الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:"آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان "وفي رواية لمسلم "وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ".
خلف الوع د
هذا فرع من الكذب لكنه من أخطر أنواع الكذب وأضرها بمصالح الناس، فإن الموعود يترك مصالحة الحقيقية للمصالح المظنونة فتفوته مصالحه كلها، ويذهب وقته بلا عوض وتضيع حقوق العباد المنوطة بالموعود، وخلف الوعد يزرع العداوة والبغضاء والحقد، ويؤدي إلى الإنتقام وإثارة الفتن، وينزع الثقة والصدق من صاحبه وما أكثر هذا الخلق البغيض من الكثرة الكاثرة من أرباب الوظائف المتولين أمور الناس، فهم يعدون ولا يوفون، ويقولون ولا يفعلون، فالمواعيد عندهم لا تنتهي حتى تبدأ، وقد يموت من يبتلى بهم وحاجته في صدره فتموت معه، وخلف الوعد على نوعين أحدهما أن يعد ومن نيته ألا يفي بوعده وهذا أشر الخلق ولو قال أفعل كذا إن شاء الله تعالى ومن نيته ألا يفعل كان كذباً وخلفاً.
стр. 8647
الثاني أن يعد ومن نيته أن يبدو له فيخلف من غير عذر له وكلا الأمرين من كبائر الإثم، وخلق من أخلاق النفاق قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لنصدقكن وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ .
ومعنى قوله ﵊: " وإذا خاصم فجر " أي خرج عن الحق عامداً، وفي سنن أبي داود عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال:"من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع " وفي رواية له أيضاً: "ومن أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله " ومعنى قوله ﵊: "وإذا عاهد غدر " أي نقض العهد والعقد والمواثيق التي تراضى عليها العباد واشتملت على مصالحهم والله تعالى وصف المؤمنين بأنهم لأماناتهم وعهدهم راعون، والمنافق لا هم له إلا مصلحته الذاتية فإذا لاحت له نقض للوصول إليها العهود، والمواثيق، وداس الأخلاق وتخطى الحواجز والموانع، هذه معاملتهم للخلق وتلك معاملتهم للخالق سبحانه.
نبذهم اوحي
стр. 8648
لقد وصف الله المؤمنين بأنهم يخضعون باطناً وظاهراً لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأنهم يستجيبون لما دعاهم إليه ربهم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ لأن الله تعالى أمرهم بذلك في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ فعند التنازع والإختلاف توزن الأمور بميزان الوحي الذي لا يخيس شعيرة، ومن ثم يرضى المؤمنون ويظهر الحق، وتستبين الجادة، وحال المنافق بخلاف هذه الحال إذا دعوا إلى الله ورسوله ليفصل بينهم في المنازعات، ويهديهم من الضلالات، ويخرجهم من الظلمات أعرضوا إعراض المستكبرين وإن كان له نفع وحق طلبوه بحكم الله وأقبلوا خاضعين كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ فلن يضر الله إعراضهم ولن ينفعهم ما وافق أهوائهم، وقد نفى الله الإيمان عمن هذه صفته في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ
стр. 8649
إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ فهذه الآيات تبين صفة المنافقين في التحاكم، وفي تقاضي الحقوق، وفي مرجعهم في التنازع فأنت ترى أن طريقتهم مزدوجة مرة إلى الطاغوت، ومرة إلى الوحي، ولكنّ تحاكمهم كثيراً ما يكون إلى الطاغوت وهو الباطل من الكهان أو يهود أو حكم الجاهلية، وقليلاً ما يكون تحاكمهم إلى الوحي كما ذكر الله ذلك بإن الدالة على التقليل في قوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ وكما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ فهذا يفيد أنهم يقدمون التحاكم إلى الطاغوت، ولا يتحاكمون إلى رسول الله ﷺ إلا إذا عضتهم الشدائد، وأحاطت بهم المصائب وفي أثناء الحكومة يعتذرون من سوء صنيعهم وعدولهم عن كتاب الله وسنة رسوله بالحلف إننا ما أردنا إلا الخير والمداراة والمصانعة هذا حالهم في التحاكم وتلك حالهم في الولاء، والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض أي متشابهون وإن تراخى الزمان وبعدت المسافة، فمنافقوا زماننا أغلظ نفاقاً من المنافقين في زمن رسول الله ﷺ فمنافقوا عهد رسول الله ﷺ كانوا يرجعون إلى حكم الله في المصائب، ويتحاكمون إلى الوحي في بعض الأوقات، ومنافقوا زماننا لا يتحاكمون إلى الوحي لا في المصيبة ولا في العافية فيا مسلم سلم فالمنافقون متشابهون إذا قال مؤمن: شريعة الله هي أولى بعباد الله في حكم ما بينهم وفصل خصوماتهم، وإصلاح حياتهم قال المنافقون: هذا إذا كان المواطنون مسلمين أما الآن فإن تحكيم الشريعة يثير حساسية الأقليات غير المسلمة ويعرض البلاد للإنقسام الطائفي، ولكن نوفق بين الشريعة والقانون الوضعي فيكون هناك محاكم شرعية ومحاكم قانونية وضعية ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ ونسوا أن الأقليات
стр. 8650
غير المسلمة لم تتفيأ ظلال العدل إلا في حكم الإسلام ولم تعرف الحياة الآمنة إلا في عهده. وإذا قيل تعالوا لمذهب سلف الأمة من سادات العارفين واسمعوا ما قال الله تعالى وقال رسوله ﷺ قال المنافقون: هذه ظواهر لفظية لا تفيد اليقين وهذه أحاديث آحاد لا تثمر القطع ولا يعمل بها في العقيدة، والسلف لم يكونوا متبحرين في العلوم، ولم يحرروا المسائل الكلامية، ويؤصلوا القواعد، ويدققوا النظر فقد كانوا مشتغلين بالأوامر تاركين النواهي، ونحن نريد أن نوفق بين القواعد العقلية والنصوص الشرعية، وإذا قيل: المسلم مأمور بترك التعصب المذهبي والرجوع عند اختلاف الأئمة رحمهم الله تعالى إلى كتاب الله وسنة رسوله ﵌. فما شهد له الدليل يؤخذ به ويعمل به وما لا دليل عليه يطرح إذا قيل هذا رأيت الصدود والإعراض والرجوع إلى ما أنزل الله هو كتاب الله والرجوع إلى الرسول هو الرجوع إلى سنته بعد وفاته.
موالاتهم للكافرين:
стр. 8651
أصل الولاء هو المحبة وأصل العداوة البغض والمنافقون يحبون الكفار ويبغضون المؤمنين ولذلك يتخذونهم أولياء من دون المؤمنين، فيعاشرون الكفار ويصادقونهم ويصافونهم ويودونهم، مرة لأنهم يريدون ارتفاع المنزلة والمكانة، وتعزيز أمرهم أمام الناس، فهم يلوذون بالكافرين ظانين أنهم يملكون شيئاً من الرفع والخفض بما عندهم من مال وأسباب، ولو كانت قلوبهم سليمة من المرض لعلموا أن مالك العزة رب العزة وأنها لا تنال إلا بطاعته قال تعالى: ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً﴾ وحيناً يوادون الكفار طمعاً وأملاً في أن يصرفوا عنهم المكاره، وأن يكونوا في صفهم عندما تدور الدوائر، وتختلف الأحوال قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ فهم عندما يرون حال الإسلام في ضعف والكفر ظاهر في الأرض يقفون مع شهود الأسباب الظاهرة ويظنون بالله ظن السوء، يظنون إن إدالة الكفر إدالة مستقرة، وأن أمر الإسلام مضمحل ولذلك يسارعون في تولي الكافرين فرد عليهم ظن السوء الذي أسروه بقوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ وعسى من الله تعالى وعد لا يتخلف والفتح ظهور المسلمين على الكافرين، وأمر الله تعالى كل ما يندفع به شر الكافرين لصالح الإسلام والمسلمين مما لا صنع فيه وهناك يندم المنافقون على ما في أنفسهم، تتغير الموازين، وتبطل الأسباب التي تخيلوها قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 8652
أخرج ابن جرير والبيهقي في الدلائل وغيرهما عن عبادة بن الصامت أنه قال لرسول الله ﷺ :"إني أبرأ إلى الله ورسوله من بني قينقاع" وذلك بعد غدرهم وأخرج بن مردويه عن ابن عباس أن عبد الله بن أبي قال:" إني أخاف الدوائر.."فهذا هو المسارعة في توليهم.
قول المنافق وعمله:
المنافق يعجبك قوله، ويسوؤك عمله، قوله قول الصالحين وعمله عمل المفسدين قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ فإذا تكلم أظهر الفصاحة وأكد كلامه بأن الله يشهد أنه صادق كأن يقول: ربي يطلع على الضمائر والخفايا وأن ما أقوله حق فيغير سامعه بمعسول قوله، وهو أبعد الناس عن العمل بما يقول، ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ شد الخصومة من لجوج في الباطل، وإذا ذكر بالله تعالى ليكف عن فعله وإفساده حملته الأنفة والحمية على الإثم ضراراً وتمادياً ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"أحسن الناس أجساماً وأخلبهم لساناً، وألطفهم بياناً، وأخنثهم قلوباً، وأضعفهم جناناً، فهم كالخشب المسندة التي لا ثمر لها قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى حائط يقيمها لألا يطأها السالكون " ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ؟
تشابه المنافقين:
стр. 8653
المنافقون متشابهون في الباطل فأفعالهم متماثلة في السعي بالفساد والصد عن سبيل الله وإن تراخى الزمان وبعدت المسافة قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ ومعنى قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ متفقون في الفعل يشبه آخرهم أولهم ويماثل بعضهم بعضاً يحسبون المنكر حتى يصوروه بصورة المعروف فيقولون عن الخمر إنها المشروب الروحي، وإنها تشحذ الذهن وتكسب القوة، وتحدث نشوة وفرحاً. وعن الدخان: إنه يزيل الهم، ويدخل السرور على القلب، ويجلب صفاء الذهن ويعين على السهو، وعن الربا إنه ضرورة اقتصادية، ومعاملة عالمية، وعن السكوت عن المنكر إنه مصانعة ومداراة للناس وحسن خلق وعن من يخالط الفجار والأبرار بلا إنكار للمنكر إنه أحبى، وينهون عن المعروف فيقولون عن الجهاد في سبيل الله إنه يصم المسلمين بالتعصب ويؤلب عليهم الدول الكبرى، ويهدد مصالح البلاد، وعن الإسلام عامة: إنه قيود ثقيلة وتكاليف شاقة على الإنسان تولد فيه العقد النفسية فهم يحسنون المعصية ويقبحون الطاعة قاتلهم الله أنى يؤفكون؟.
ولعلك قائل: إن صفات المنافقين قد زادت على ما صح عن رسول الله من أن خصال النفاق الكذبُ وخلف الوعد والفجور في الخصومة والغدر فيقال لك إن ما ظننته زائداً داخل في الكذب فإن الكذب هو الذي جرهم إلى الفجور كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ".
стр. 8654
وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إنه يجر على القائم به معاداة الناس وكراهيتهم، ويجلب الأذية لصاحبه، وخير منه المجاملة والمداهنة وهلم جراً.
اجتماع النفاق والإيمان:
قد يجتمع الإيمان والنفاق العملي في العبد فيكون مؤمناً بما معه من حقيقة الإيمان منافقاً بما فعل من الأعمال فقد روى الإمام أحمد بسند جيد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر وقلب أغلف مربوط على غلافه وقلب منكوس،وقلب مصفح فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن فسراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه " وقوله أجرد متجرد مما سوى الله ورسوله فأحب الحق وآثره والقلب الأغلف الداخل في غلافه وغشائه والقلب المنكوس المنكب كالإناء المنكوس على وجهه فلا يصل داخله هدى، والقلب المصفح المائل فيه إيمان ونفاق.
стр. 8655
المثالية والواقعية في الإسلام
لفضيلة الدكتور جمعة علي الخولى
رئيس قسم الدعوة بالجامعة الإسلامية
تفردت الدعوة الإسلامية عن غيرها من شتى الدعوات والأديان الأخرى بخصائص كفلت لها البقاء والدوام.
خصائص أعوزت ديانات سابقة فذهبت معالمها، وتلاشت في الحياة سدى، حتى أصبحت كأمس الذاهب.
أجل. . لقد اجتمع لهذه الدعوة من الخصائص ما لم يجتمع لدين قبلها، ولن يجتمع لنظام بعدها ذلك أن الله اختتم بها رسالاته، وأكمل بها دينه، وأتم بها نعمته على البشر، فلابد أن يكون فيها من عناصر البقاء والحفظ ما يجعلها إلى قيام الساعة.
من هذه الخصائص التي انفردت بها الدعوة الإسلامية (الجمع بين المثالية والواقعية في شكل محكم رائع) .
فما هي المثالية والواقعية؟ وكيف جمع الإسلام بينهما؟
لا نعني بالمثالية أن الإسلام يحلق بتعاليمه في مثالية خيالية لا وجود لها إلا في عالم الأحلام. أو أنه يبني شرائعه وأحكامه في مملكة الخيال حتى إذا اصطدم بالواقع أصبح سراباً.
كلا. . فتلك مثالية خيالية يعرفها دارسو الفلسفة وعيبها أنها بعيدة عن واقع الإنسان وما ركب فيه من غرائز نزعات، وما يعتوره من نقص وقصور، والإسلام دين واقعي أبعد ما يكون عن خيال الفلاسفة وأحلام الحالمين..
وإنما نعني بالمثالية أن الإسلام يحرص على إبلاغ الإنسان أعلى أفق ممكن من المستوى العالي الرفيع، في يسر وراحة وطمأنينة، كالشمس تراها عالية أمام العيون، لكنها تلتقي مع واقع الناس ومع أقل المخلوقات وأضعف الكائنات وأبسطها، تمد الجميع بما لديها من خير وتشمله بالحرارة والنور، وهي محتفظة بسنائها وسموها ومكانتها ومكانها.
стр. 8656
إن الإسلام ينشد لمعتنقه الكمال والمثل العليا دائماً، لكنه يطلب بأسبابه ويسعى إليه من بابه، ولا يكلف الناس شططاً، ولذلك كان من الصعب فصل المثالية عن الواقعية في الإسلام، وإنما هما شرعة للبشر متكاملة تنير لهم سبل الخير وترسم له قواعد السلوك وقوانين المعاملات.
كذلك لا نعني بالواقعية الرضا بالواقع أياً كان وضعه أو صورته، أو أن الإسلام يطوع مبادئه لتوافق الحياة على أي لون، أو لتساير الواقع على أي شكل كلا.. فالإسلام لم يجيء ليربت على شهوات الناس وأنظمتهم. أو ليرضى بأوضاعهم المختلة، وتقاليدهم المعوجة، وإنما جاء ليلغي كل أشكال الجاهلية ونظمها، ولينشئ من ذات نفسه نظاماً خاصاً به، كونه يتشابه في جزئيات مع واقع الناس أو لا تتشابه، هذا أمر عارض، والمهم هو في الأصل الذي يشرع ويقنن ويحلل ويحرم، أما سائر الأنظمة الأخرى فهي تقوم على أساس أن البشر هم الذين يشرعون لأنفسهم بمعزل عن شرع الله ووحيه، وتوجيهه وأمره، فهما منهجان متناقضان.
كذلك لا نعني بالواقعية الإعتماد على الواقع الذي تدركه الحواس فقط، ونبذ كل ما لا تؤيده التجربة.
لا نعني بالواقعية هذا ولا ذاك.. وإنما نعني بها مراعاة ظروف الإنسان وفطرته وحدود طاقته، وطبيعة تكوينه، وواقع حياته، وذلك من حيث:
-
أنه مخلوق من مادة وروح وللروح أشواقها، وللمادة مطالبها.
-
ومن حيث أنه يعيش على الأرض، ويأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتناسل، ويحب ويكره، ويصح ويمرض.
-
ومن حيث أنه ذكر وأنثى تختلف حاجات وميول كل منها وطبيعته الفسيولوجية.
-
ومن حيث أنه فرد مستقل في نفسه، أو فرد مشترك مع غيره.
كل هذه الأمور - وكثير غيرها - راعاها الإسلام وكيف أحكامه الفرعية تبعاً لها حتى تنطلق مسيرة الحياة في توازن مستقر، ولا تتعطل أو تتهدد مصالح العباد..
стр. 8657
وفي ضوء ذلك التعريف لكل من المثالية والواقعية، جعل الإسلام حداً أدنى أو مستوى أدنى من الكمال لا يجوز الهبوط عنه، لأن هذا المستوى ضروري لتكوين شخصية المسلم على نحو معقول، ولأنه أقل ما يمكن قبوله من المسلم ليكون في عداد المسلمين، وقد شرع هذا المستوى على نحو يستطيع بلوغه وأداؤه أقل الناس استعداداً لفعل الخير وابتعاداً عن الشر، وهذا المستوى يتكون من الفرائض الواجبة، والمحرمات المنهي عنها [١] ، وهذا الفرائض والمحرمات جعلت بحيث يستطيع كل واحد الوفاء بمقتضاها، وعند الضرورات تراعيها الشريعة وتقدرها قدرها..
وبجانب هذا المستوى الإلزامي الواجب بلوغه على كل مسلم وضعت الشريعة مستوى آخر أرفع منه وأوسع، ورغبت فيه الناس وحببت إليهم بلوغه.
وهذا المستوى العالي يشمل المندوبات وأنواع القربات التي ترغب الشريعة في القيام بها، ويشمل كذلك المكروهات والمشتبهات التي ينبغي تنزه المسلم وابتعاده عنها [٢] ، لكن الوصول إلى ذلك المثل أو المستوى الأعلى يحتاج إلى جهد ضخم لا يتيسر لكل الناس، بل هو رهين بمواهب خاصة، واستعداد خاص يتميز به القلة النادرة من الناس.
لذلك لا يفرض الإسلام هذا المثل الأعلى على الجميع فرضاً، لا يلزمهم جميعاً به، بل يرسمه أمامهم، ثم يتركهم لطاقاتهم، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [٣] ، ويتقبل من كل ما يتقدم به على قدر جهده ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [٤] .
إنه يحبب إليهم الصعود والإرتفاع، ولكنه يدعهم يتطوعون بذلك، ثم يثيبهم بقدر ما تطوعوا جزاءً في الآخرة، فلا يظلم ربك أحداً، ولا يقسره على ما لا يقدر عليه.. ونضرب على هذا التقعيد لكل من المستويين الأعلى والأدنى بعض الأمثلة:
стр. 8658
ا- يأمر الإسلام المسلمين بأداء خمس صلوات في اليوم والليلة، بحيث لا يقبل من المسلم أداء بعضها أو التقصير فيها، ثم يفتح أمامهم باب النوافل والمندوبات لأصحاب الهمم العالية التي تريد التسامي إلى آفاق عليا لتقرب من الملأ الأعلى الذي يفيض عليها من بركاته ونفحاته ما تغتبط عليه وتغبط به، وفي الحديث القدسي: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه ".
٢- فرض الإسلام على المسلمين صيام شهر واحد في العام ما يستثنى من ذلك إلا أصحاب الأعذار على أن يقضوه ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [٥] . لكن هناك طاقات أخرى تطيق أكثر من ذلك. لذلك دعا الإسلام إلى التقرب إلى الله بمزيد من الصيام في غير شهر رمضان..
٣- فرض الإسلام أيضاً الزكاة، لكنه حبب معها الإنفاق في سبيل الله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [٦] .
٤- كما أباح للناس أن يأخذوا بثأرهم، ولكنه حبب إليهم العفو ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [٧] ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [٨] .
стр. 8659
٥- كما يبيح لهم الإستمتاع بطيبات الحياة، ولكنه يحبب لهم أن يتخففوا منها، ويرتفعوا عليها، ويتجهوا إلى نعيم الروح ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّه﴾ [٩] .
وهكذا يفتح الإسلام باب التطوع، والإرتقاء إلى المثالية، ولكن ليس على سبيل الإلزام وإنما على سبيل الإختيار، فذلك أفعل في تربية النفس، وأدعى إلى تحقيق الغاية [١٠] لأن المتطوع يشعر بلذة عميقة في تطوعه، تعوضه عن المشقة التي يحتملها، وتحبب إليه الإستمرار فيه. لذة لا يستشعرها من يؤدي واجباً مفروضاً عليه، فتستجيب النفس بأقصى طاقاتها، وتصل في ارتفاعها إلى ما يشبه المعجزات.
ولقد أوجد الإسلام بمنهجه هذا في التربية جيلاً من البشر قل أن يجود الدهر ورفعهم إلى الذروة العليا من الكمال، مستوى تتطلع إليه الأبصار فيبهرها ضوءه وعظمته وسناه..
وإليك بعض النماذج التي تبين لك مثالية الإسلام.. وواقعيته في آن واحد.. نماذج تتحدث عن أشخاص مثاليين يفتخر بهم التاريخ الإسلامي لأنهم وصلوا إلى مستوى من الكمال يظنه بعض من لا يدركون ضرباً من الخيال..
-
стр. 8660
هذا أبو بكر الصديق ﵁، يتولى الخلافة بعد رسول الله ﷺ ، وكم للولاية من مسئوليات جمة، ومشاكل مشغلة، لكن الرجل الكبير، صاحب القلب الكبير.. لا تشغله هذه المسئوليات عن خدمة نسوة الحي العجائز، فلما ولي الخلافة، قالت بنات الحي، لا يحلب لنا أبو بكر منائح دارنا، فبلغ ذلك أبا بكر الصديق، فقال:"بلى والله لأحلبنها لكم "فكان يحلبها كل يوم، ويسأل المرأة:"أأرغي، أم أصرح "أي أجعل الحلاب له رغوة، أم صافياً بدون رغوة، فأي ذلك قالته فعل [١١] .
-
وعمر بن الخطاب.. الذي تأخذ على الإنسان جوانب العظمة فيه فلا يدري بأيها يأخذ وأيها يدع.. لكننا رغبة في الإيجاز نكتفي بمثال..
روى ابن الجوزي في تاريخ عمر بن الخطاب عن أنس قال:" كانت بطن عمر تقرقر عام الرماد من أكل الزيت، وكان قد حرم على نفسه السمن، قال: فكان ينقر بطنه بأصبعه ويقول قرقري أو لا تقرقري فوالله لا تأكلي السمن حتى يأكله الناس " [١٢] .
فانظر كيف يحس الحاكم بمشاكل شعبه، ولا يتميز عليهم في طعام أو لباس، وهو الذي لو شاء أن يتوسع فهو القائل:"والله إني لو شئت كنت من ألينكم طعاماً وأرقكم عيشاً، ولكني سمعت الله تعالى عير قوماً بأمر فعلوه فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [١٣] .
-
стр. 8661
وعثمان بن عفان يرى المسلمين وقد انقطعت مواردهم في أيام أبي بكر ووقعوا في ضائقة اقتصادية شديدة، ثم تجيئه العير محملة ببضائع كان استوردها من الشام فيسرع إليه التجار في المدينة يريدون أن يستغلوا ساعة العسرة، فيتقدمون إليه بعرض سخي أن يربحوه في الدرهم درهمين، فيردهم عثمان قائلاً:" أعطيت أكثر من ذلك، فيعرضون ثلاثة فيقول أعطيت أكثر من ذلك، فيعرضون أربعة دراهم ثم خمسة وهو يردهم في كل مرة، فقالوا: يا أبا حفص، ما سبقنا إليك أحد، نحن كل تجار المدينة، فيقول إن الله أعطاني عشرة أمثالها، ثم يقسم لأتركنها خالصة للمسلمين يرد بها عنهم غائلة الحاجة "..
ماذا كان على عثمان ﵁ وهو يريد البر بالمسلمين أن يأخذ على الأقل ثمن بضاعته ويكون في ذلك نبيلاً مشكور النبل.. ولكنه مثل يفرضه على نفسه، ويتطوع لتحقيقه [١٤] .
-
وعلي بن أبي طالب يمكنه الله من أحد أعدائه في إحدى المواقع، حتى ليجلس على صدره ويأخذ بسيفه، وفجأة ينهض عنه، ويتركه طليقاً، ويعجب رجل من المسلمين كان يراقب الحادث، ويسأله لم تركت عدو الله، وقد أمكنك الله منه؟ فيقول:"حين هممت أن أجتز رأسه بصق في وجهي، فخشيت إن أنا فعلت أن أكون قد قتلته غضباً لنفسي لا لله "..
ماذا كان يفرض على علي هذا التصرف النبيل، الذي يقرب من الأساطير، إن هذا العدو كان حرياً أن يعود فيقتله، وعلي يعلم ذلك دون شك.. ولكنها المثالية السامية والنظافة الكاملة داخل هذا الضمير [١٥] .
وغير هؤلاء كثير وكثير.. وعلى امتداد التاريخ الإسلامي تجد هذه الكواكب الدرية تلمع في الآفاق وتسطع بنورها على دنيا الناس لتثبت لهم أن الإسلام قادر بمنهجه الفذ وتعاليمه العالية أن يوجد ملائكة تمشي على الأرض وتنشر الرحمة والعدل على العالمين..
стр. 8662
لكن الذي تجدر الإشارة إليه هنا أن هؤلاء وأمثالهم بلغوا هذا المستوى من الرفعة والكمال وهم يعيشون حياة الناس، ومشاكل الناس، ولم يكونوا يعيشون في أبراج عاجية بعيداً عن ظروف المجتمع. وواقع الجماهير..
إنهم لم يكونوا يعيشون في أديرة أو صوامع، ولم يحرموا على أنفسهم حلالاً، وإنما كانوا يحبون مشاكل أممهم الاجتماعية والسياسية والحربية.. وغيرها بالإضافة إلى نشاطهم في العبادة والقربات، وكان ارتفاعهم إلى تلك القمم السامية بالإرادة الإيمانية، والقلب الواعي المستنير.. ولا يزال الطريق الذي سلكوه، والمنهج الذي باشروه هو هو.. يهيب بطلاب الكمال أن يتقدموا..
وبعد أن طوفنا بك في عالم المثل القائمة على أساس من الواقع الحي لا الخيال المعدوم نعرض عليك الآن مظاهر ودلائل لواقعية الإسلام في عباداته وأخلاقه وشرائعه، مما يزيدك بياناً بعظمة هذا الدين، الذي لم يشتط مع الخيال، ولم يضيق على الناس واسعاً، فيجنح بهم إلى مثالية مفرطة، كما أنه لم يمل بهم إلى واقعية مفرِّطة تبعد الناس عن المثل العليا وتهونها في نفوسهم، وإنما يرسم من المثالية ما يرتفع بالبشر إلى آفاق مشرقة رحيبة تحف بها ملائكة الخير، وتقترب بهم إلى النور العلوي المقدس، وفي الوقت نفسه تأخذ من الواقعية ما تتضمنه من عزم وعدل وحزم مما يكون الذاتية الإسلامية المتميزة، وبذلك تسير الدعوة في خط متوازن لا إفراط فيه ولا تفريط، ولكن عدل واتزان، وحكمة وإتقان..
فمع شواهد الواقعية والله المستعان..
أولاً: في العبادات:
نظراً لظروف الإنسان وكثرة أعبائه في الحياة وما يتطلبه ذلك من السعي لطلب المعيشة والضرب هنا وهناك لرعاية مصالحه وتدبير شئونه..
ونظراً لما يتعرض له الشخص في حياته من مرض وملل، ومن ظروف طارئة وسفر فإن الشريعة راعت في شئون العبادة ما يأتي:
أ- قلة التكاليف:
стр. 8663
لم تثقل على الناس بكثرة التكاليف، ولم تكلفهم رهقاً، فالله الرحيم بعباده يعلم أن في عباده ضعفاً، وأن وراءهم شغلاً لقوم حياتهم وتحصيل أرزاقهم ومن ثم كلفهم بعبادات محدودة لا تستغرق كل الوقت، ولم يطلب منهم الانقطاع للعبادة كالرهبنة المسيحية حتى لا يؤثر ذلك على سير المصالح ودولاب الحياة..
وفي الوقت نفسه لم تجعل الشريعة ارتباط الإنسان بالعبادة ارتباطاً خفيفاً على ندرة حتى لا يتبلد حسه، ولا تهبط روحه، وإنما شرعت له من العبادات ما يكفي لتهذيب خلقه، وسمو روحه وسلوكه، بحيث يكون دائم الاتصال بالله رب العالمين فجعلت له عبادة يومية تؤدي خمس مرات كل يوم، وتتراوح بين أجزاء اليوم كله وبعضاً من الليل.
وجعلت عبادة سنوية كالصوم والزكاة، وعبادة في العمر كالحج..
ومع قلة التكاليف يسر في الأداء كذلك. فالصلاة مثلاً تستغرق حدود الساعة من يوم طوله أربع وعشرون ساعة..
والصوم شهر واحد من سنة طولها اثنا عشر شهراً، ثم إن وقت الصيام هو النهار فقط، أما الليل فللإنسان أن يتمتع فيه بكل حلال مباح..
والحج مرة واحدة للمستطيع..
والزكاة كذلك مرة واحدة في العام على الغنى الذي ملك النصاب، حال عليه الحول..
وإذا كانت تلك إشارة موجزة إلى الفرائض، لكن تأتي النوافل والقربات لمن أراد أن يترقى في ميدان الأعمال الصالحة. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [١٦] .
ب- التنويع والتلوين:
عرف الإسلام طبيعة الملل في الإنسان، فغاير بين أنواع العبادات وأشكالها، ما بين عبادة بدنية كالصلاة والصيام، وأخرى مالية كالزكوات والصدقات وثالثة جامعة بينهما كالحج والعمرة، حتى لا يسأم الإنسان من عبادة واحدة رتيبة لا تتغير.
جـ- الرخص والتخفيفات:
стр. 8664
كما شرعت الشريعة الرخصة والتخفيفات في العبادة، وذلك حين تعرض للإنسان ظروف تقعده عن أداء العبادة في صورتها الكاملة، وذلك كظروف المرض والسفر ونحوهما.
والفقه الإسلامي يؤكد أن التكاليف شرعت على أساس واضح من قاعدتي رد الحرج والتخفيف عن الناس، وبتتبع مواطن هذا التخفيف في الشريعة تجد من مظاهره الآتي:
١- تخفيف بالإسقاط.. وذلك كإسقاط الحج والصوم والجهاد ونحوهما من العبادات كصلاة الجمعة مثلاً، كل ذلك بأعذار مفصلة في كتب الفقه الإسلامي..
٢- تخفيف بالتنقيص: مثل قصر الصلاة الرباعية للمسافر إلى اثنتين.
٣- تخفيف بالإبدال، كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم عند فقد الماء، أو المرض.
٤- تخفيف بالتقديم والتأخير، كتقديم صلاة العصر إلى وقت الظهر، وكتأخير صلاة المغرب إلى وقت العشاء عند حصول الأسباب المبررة لذلك..
٥- تخفيف بالتغيير.. وذلك كتغيير هيئة الصلاة المعروفة وقت خوض المعركة مع العدو، أو الخوف منه، مما يسمى في الفقه بصلاة الخوف، وصلاة الالتحام.. الخ.
هذه بعض مظاهر اليسر والسماحة للشريعة في العبادات، ومراعاتها لواقع الإنسان وما يعتوره من ظروف..
لكن لابد من وقفة هنا لتوضيح أمر قد يتبادر إلى بعض الأذهان، فتتأوله أغراض وتميل به أفهام.. وهو.. أنه ليس معنى التخفيف في الإسلام أن هذا الدين لا يعود أتباعه إلا على السهل الخفيف دائماً، فيقتل في نفوسهم روح الرجولة والجد والإقدام، ويعودهم على الطراوة والمستويات الدنيا..
لا.. إن الإسلام، يأخذ أتباعه بالتكاليف التي تبني الفضائل، وتصعد إلى الكمال وتتيح للخصائص العليا في الإنسان أن تنطلق..
إنه يأخذهم بالشجاعة في ميدان القتال، والشهامة والمروءة في باب المعاملة، والكثرة في ميدان العبادة والتهذيب في ميدان الأخلاق..
стр. 8665
لكن الإسلام- لمعرفته لضعف الإنسان وعجزه في كثير من المواطن- يراعي هذه الظروف ويشرع ما يناسبها خفة وتيسيراً على الناس..
فتراه يقول للشخص المريض إذا لم تستطع الصلاة قائماً فصل قاعداً، فإن لم تستطع فصل راقداً، فإن لم تستطع فبالإيماء..
وتراه يقول للمسافر صل قصراً، وإن كنت صائماً افطر، لماذا؟ لمشقات السفر ومتاعبه التي يقول النبي ﷺ فيها:"السفر قطعة من العذاب ".
إذن فهو من باب تقدير الظروف لا أكثر.. ومع ذلك فهو يعلق أنظارهم إلى أعلا دائماً فيقول: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [١٧] .
ولعله من المفيد هنا أن نلقي ضوءاً على المشقة وصورتها في الشريعة الإسلامية المشقة نوعان.. نوع محتمل يتلاءم مع طاقة الإنسان وفطرته، وهذه لا يسعى الشرع إلى إسقاطها عن الإنسان أو إزالتها، لأنها نوع من المشقة العادية التي لا تكلف الإنسان رهقاً أو عنتاً، وهي وإن حدث بها نوع تعب في أدائها إلا أنه لا يوجد حرج يصعب تحمله في فعلها، وذلك كسائر الجهود العادية والمشقات المطاقة عند أداء الصوم والحج وغيرهما..
٢- ومشقة خارجة عن طاقه الإنسان وقوة احتماله، وهذه رفعها الله فضلاً وكرماً عن المسلمين. وذلك كالوصال في الصوم، وفرض التهجد ليلاً، قال سبحانه ﴿ُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [١٨] .
ومن أدعية القرآن الكريم التي علمها المؤمنين ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [١٩] .
стр. 8666
مع أن هناك من الشواهد ما يشير إلى أن الأمم السابقة كان فيها بعض الأصر والمشقات، لكن ذلك رفع عن الأمة الإسلامية تخفيفاً من الله وتيسيراً، وفي الحديث:" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". كما علمنا القرآن الكريم هذا الدعاء من خواتيم سورة البقرة ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [٢٠] .
ومن الأمور التي كانت موجودة في سالف الأمم ما يلي:
ا- الجزء النجس من الثوب يجب قرضه.
٢- تحريم الانتفاع بغنائم الحرب..
تحريم العمل يوم السبت.
٤- عدم قبول الدية بدل القصاص..
٥- الأمر بقتل أنفسهم على التوبة ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [٢١] .
٦- تحريم بعض لحوم الحيوانات وشحوم بعض آخر [٢٢] .
ومما تنبغي ملاحظته هنا أن الله أحل الأمم- ومنهم اليهود- الطيبات وحرم عليهم الخبائث لكن بني إسرائيل لما بغوا وأسفوا، حرم الله عليهم بعض الحلال عقاباً لهم كما قال سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [٢٣] . وفي آية أخرى بعد ذكر بعض المحرمات قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [٢٤]
ومن هذه الأمور المتشددة أيضاً ما جاء في سفر الخروج [٢٥] .
"من ضرب أباه أو أمه يقتل قتلاً ".
"من شتم أباه أو أمه يقتل قتلاً ".
"إذا نطح ثور رجلاً أو امرأة فمات يرجم الثور، ولا يؤكل لحمه، وأما صاحب الثور فيكون بريئاً ولكن إذا كان الثور نطاحاً من قبل وقد أُشهد على صاحبه فقتل رجلاً أو امرأة فالثور يرجم وصاحبه يقتل " [٢٦] .
وفي سفر العدد "من مس ميتة إنسان ما يكون نجساً سبعة أيام " [٢٧] .
"إذا مات إنسان في خيمة فكل من دخل الخيمة وكل من كان في الخيمة يكون نجساً سبعة أيام".
стр. 8667
"وكل إناء مفتوح ليس عليه سداد بعصابة فإنه نجس " [٢٨] .
وفي سفر التثنية "إذا كان ابن معاند ومارد ولا يسمع لقول والديه يرجم بالحجارة حتى يموت" [٢٩] .
وفي سفر اللاويين أحكام عن الحائض، وكل من مسها يكون نجساً إلى المساء، وكل ما تضطجع عليه في طمثها يكون نجساً، وكل ما تجلس عليه يكون نجساً " [٣٠] .
تأمل هذه الأمور لتدرك فضل الله على الأمة الإسلامية ورحمته بها، واهتف معي "سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ".
ولعله بعد هذا البيان عرفت ما يريحك عن واقعية العبادات الإسلامية وملاءمتها لفطرة الإنسان وتكوينه.. وأنها لم تكلفه شططاً، ولم تجنح به إلى خيال..
ثانياً: الأخلاق:
كان الإسلام في أخلاقه واقعياً كذلك، بمعنى أن ما دعا إليه من صفات النبل والكمال ليس فوق طاقة البشر، وإنما هو في مقدورهم وفي دائرة استطاعتهم، وذلك كالصبر على المكاره، والعفة عن الحرام، والصدق في القول، والوفاء في المعاملة ... الخ.
صحيح أن في الأخلاق الإسلامية ضوابط للسلوك الإنساني، وكف لأهواء النفس وجماحها، وإلجامها بلجام من الاستقامة والنظافة..
لكن ذلك أمر لا بد منه للحفاظ على إنسانية الإنسان التي ترتفع به عن مستوى المخلوقات الدنيا، والمشقة التي فيها إنما هي من نوع المشقة المحتملة التي مرت بك آنفاً، وإلا فإذا تفلت الإنسان من هذه الضوابط والقيود الخلقية، هبط إلى عالم الأحراش وهذه ما لا يريده الإسلام للإنسان..
والإسلام من الناحية الأخلاقية لا يتصور الإنسان ملكاً يمشي على الأرض، ولا يتلبس بمقتضيات التكوين المادي فيه..
стр. 8668
إنه ينظر إليه نظرة كلية، بمادته وروحه، وعقله وشهوته، وعواطفه وغرائزه فيضع له من مستوى الأخلاق ما يحرره من قيود الرذائل وأغلالها، وسفساف الأمور وأحقارها التي تقعد بالإنسان عن التصعد إلى المراتب الإنسانية الرفيعة وتربطه بحبال متينة نحو الأرض..
وإليك مثالاً مقارناً على واقعية الأخلاق في الإسلام، وملاءمتها لفطرة الإنسان وعدم تحليقها في عالم الخيال..
جاء على لسان المسيح ﵇ في بعض الأناجيل "أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر.. من سخرك ميلاً فاذهب معه ميلين من سرق قميصك فأعطه إزارك ".
هذه دعوة حارة للعفو والسماحة التي اشتهرت بهما المسيحية، وذاك إحدى سماتها البارزة..
стр. 8669
لكن إذا جاز ذلك "في مرحلة محدودة ولعلاج ظرف خاص، فإنه لا يصلح توجيهاً عاماً خالداً لكل الناس في كل العصور والبيئات، فإن مطالبة الإنسان العادي بمحبة عدوه، ومباركة لاعنيه قد يكون شيئاً فوق ما يتحمله، ولهذا اكتفى الإسلام بمطالبته بالعدل مع عدوه ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [٣١] . كما أن إدارة الخد الأيسر لمن ضرب على الخد الأيمن أمر يشق على النفوس، بل يتعذر على كثير من الناس أن يفعلوه، وربما جرأ الفجرة الأشرار على الصالحين الأخيار، وقد يتعين في بعض الأحوال، ومع بعض الناس أن يعاقبوا بمثل ما اعتدوا، ولا يعفى عنهم فيتبجحوا ويزدادوا بغياً وطغياناً، ولهذا تجلت واقعية الإسلام حين شرع مقابلة السيئة بمثلها بلا حيف ولا عدوان فأقر بذلك مرتبة العدل، ودرء العدوان، ولكنه حث على العفو والصبر والمغفرة للمسيء، على أن يكون ذلك مكرمة يرغب فيها، لا فريضة يلزم بها [٣٢] ، وهو واضح في مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [٣٣] ، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [٣٤] .
ثالثاً: الشرائع:
وشرائع الإسلام واقعية أيضاً، وحتى لا يطول بنا الحديث نكتفي بمثال واحد يتعلق بموقف الشريعة من شهوات الجسم والنفس..
стр. 8670
اعترف الإسلام بالواقع البشري على حقيقته، فلم يكبت نوازع الجسد، وشهوات النفس وإنما اعترف بهما من حيث المبدأ، ومن حيث أنهما شعور في النفس لا ينبغي كبته ولا مصادرته، ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [٣٥] ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [٣٦] .
لكن الإسلام في الوقت نفسه لا يسمح للإنسان أن ينطلق مع هذه الشهوات إلى آخر مدى حتى تستعبده، وتخرج به عن إنسانيته، فيضر بنفسه وبمجتمعه..
وإنما نظم له كيف يستمتع بلذاته في غير ما كبت ولا حرمان..
أ- فبالنسبة للشهوة الجنسية لا ينظر الإسلام إليها على أنها رجس كمن عمل الشيطان كما تذهب إلى ذلك بعض المذاهب المتزمتة، وإنما يقرر الإسلام أن هذا أمر قد زين للناس، فلا نكران له ولا مطاردة ثم يرسم له الطريق المشروع الذي يكون مباحاً في داخله محرماً فيما وراءه، وهو طريق الزواج الذي ندب إليه، وجعله سنة الإسلام، ومنع الرهبانية والإنقطاع للعبادة..
ولما عزم ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ على المبالغة في العبادة، ونوى واحد منهم العزوف عن النساء، قام ﵊ يصحح هذا الفهم الخاطئ ويقول:"أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ".
وبهذا الطريق سلك الإسلام مسلكاً شريفاً نزيهاً، بعيداً عن إفراط المفرطين الذين أباحوا الإختلاط كعلاج للمراهقة والشباب، فشاع في بلادهم الإنحراف والشذوذ والفجور وقتلت معالم الرجولة في شبابهم، وأصبحت أمم الغرب الآن تكاد تحترق بلظى الخيانة والفسق من جراء بعدها عن هدي السماء..
стр. 8671
وبعيداً عن مغالاة المتشددين الذين يحاولون كبت هذا الهاجس الجنسي وقسره على عكس ما تأباه طباعه، كما تفعل البرهمية الهندية والرهبانية المسيحية.
ب- وما يفعله الإسلام بالنسبة لشهوة الجسد من حيث الإعتراف بها، تنظيم طريقة التنفيس عنها في طريق مشروع حلال..
يفعله كذلك بالنسبة لغريزة حب المال.. التي يعتبرها أمراً مفطوراً في النفس كذلك ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ [٣٧] ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [٣٨] ..
ومن ثم اعترف الإسلام بالملكية الفردية.. فذلك له أثره في الإبتكار والإختراع وترقية الحياة..
لكنه في الوقت نفسه لم يدع الأمر على إطلاقه فيتحول إلى رأسمالية طاغية وإنما وضع حدوداً وقيوداً على رأس المال وعلى الربح.. منها: الإرث، الزكاة، تحريم الربا، والإحتكار، وكل مصدر خبيث للربح.. وذلك من شأنه أن يفتت الثروة بين أكبر قدر من الأهل والمجتمع، ويخلق نوعاً من التكافل بين الناس..
وبعد. . فلعلك أدركت الآن معنى الواقعية في حياة هذا الدين، وأنها مطابقة منهج الإسلام لواقع الإنسان وظروفه الحقيقية المحيطة به في هذا الكون، لأن كليهما – المنهج والإنسان – صادر عن الله ، الإنسان خلقُ الله، والمنهج شرعُ الله ولا يمكن أن يتناقض شرع الله مع واقع خلق الله.
ولذلك فإن هذا المنهج الذي رسمه الله للحياة على ما فيه من سمو وارتقاء ومثالية هو في الوقت نفسه متوافق تماماً مع طاقات الإنسان الواقعية، ملتحم مع فطرته البشرية ونظام حياته، لأنه تشريع العليم الذي لا يجهل، والحليم الذي لا يعجل والحي الذي لا يموت، والخبير بشئون النفس الإنسانية ودخائلها ولا يغيب عنه سبحانه شيء من أحوالها وخباياها، مهما دق أو صغر، أو غاب أو حضر، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [٣٩] .
стр. 8672
والبشرية لن تجد الراحة والأمان، والسعادة الحقيقية والإستقرار إلا إذا التقت مع منهج ربها، كما تنزل على خاتم رسله ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٤٠] .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] أصول الدعوة د. عبد الكريم زيدان ٧١ ط ثالثة.
[٢] المرجع السابق.
[٣] سورة البقرة - ٢٨٦
[٤] سورة الأحقاف /١٩، وسورة الأنعام / ١٣٢.
[٥] سورة البقرة – ١٨٤.
[٦] سورة البقرة – ١٧٨.
[٧] سورة البقرة - ٢٤٥.
[٨] سورة الشورى – ٤٠.
[٩] سورة آل عمران ١٤، ١٥.
[١٠] الإنسان بين المادية والإسلام، محمد قطب / ١٠١، ١٠٢.
[١١] عظماؤنا في التاريخ د. مصطفى السباعي / ٧١ – والإنسان بين المادية والإسلام – محمد قطب/ ١٠٣
[١٢] تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ١٦١.
[١٣] المرجع السابق / ١٥٩ – والآية من سورة الأحقاف ٢٠.
[١٤] الإنسان بين المادية والإسلام، ١٠٤.
[١٥] المرجع السابق.
[١٦] سورة البقرة – ١٨٤.
[١٧] سورة البقرة ١٨٤.
[١٨] سورة البقرة ١٨٥.
[١٩] سورة البقرة ٢٨٦.
[٢٠] سورة البقرة ٢٨٦.
[٢١] سورة البقرة ٥٤.
[٢٢] انظر تفسير القرطبي ٣/٤٣.
[٢٣] سورة النساء ١٦٠.
[٢٤] سورة الأنعام ١٤٦.
[٢٥] الإصحاح ٢١.
[٢٦] سفر الخروج، الإصحاح ٢١.
[٢٧] الإصحاح ٢١.
[٢٨] السابق.
[٢٩] الإصحاح ٢١.
[٣٠] الإصحاح ١٥.
[٣١] سورة المائدة ٨.
[٣٢] الخصائص للإسلام د. يوسف القرضاوي / ١٥٦.
стр. 8673
[٣٣] سورة الشورى ٤٠.
[٣٤] سورة النحل ١٤٦.
[٣٥] سورة آل عمران ١٤.
[٣٦] سورة الكهف ٤٦.
[٣٧] سورة الفجر ٢٠.
[٣٨] سورة العاديات ٨.
[٣٩] سورة الملك ١٤.
[٤٠] سورة المائدة ١٥، ١٦.
стр. 8674
العدد ٤٥
فهرس المحتويات
١- كلمة التحرير
٢- افتتاحية العدد: فضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد
٣- فتاوى هيئة كبار العلماء في أحداث الحرم
٤- حادث المسجد الحرام وأمر المهدي المنتظر: لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
٥- دروس من الفتنة: فضيلة الشيخ محمد المجذوب
٦- آية العدد: فضيلة الشيخ: أبو بكر الجزائري
٧- حول الوحي - محاولة لفهم ومدرجة إلى درس: لفضيلة الدكتور عبد الفتاح إبراهيم سلامة
٨- علم الجرح والتعديل: لفضيلة الدكتور عبد المنعم السيد نجم
٩- مفهوم الأسماء والصفات (الحلقة الأولى) : فضيلة الشيخ سعد ندا
١٠- نماذج من الدعاة (الحلقة الثانية) : لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري
١١- مرتكزات التربية الإسلامية (الحلقة الثانية) : لفضيلة الدكتور عباس محجوب
١٢- في المشارق والمغارب: فضيلة الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
١٣- الهجرة النبوية - دراسة وتحليل: لفضيلة الدكتور محمد السيد الوكيل
١٤- البحث عن سيف صلاح الدين: لفضيلة الدكتور عبد الرحمن بله علي
١٥- حقوق الإنسان في الإسلام (الحلقة الأولى) : لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي
١٦- نظم القرآن فوق مفتريات النقد والتجريح: بقلم الدكتور علي البدري
١٧- من أبحاث فقه السنة - سنن الفطرة بين المحدثين والفقهاء (الحلقة الثانية) : لفضيلة الدكتور أحمد علي طه ريان
١٨- أبو الأعلى المودودي: لفضيلة الشيخ محمد شريف الزئبق
١٩- عبد الله بن ياسين - واضع الأسس الأولى لدولة المرابطين في المغرب الأندلس (الحلقة الثانية) : لفضيلة الشيخ إبراهيم الجمل
٢٠- رسائل لم يحملها البريد: بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
٢١- الأفعال الملازمة للمجهول (الحلقة الثالثة) : فضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس
٢٢- غوثاه: لفضيلة الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
٢٣- قياسية المصادر: لفضية الدكتور محمد بن زين العابدين حسن سلامة
٢٤- نظرات في التمثيل البلاغي: لفضيلة الدكتور محمود السيد شيخون
٢٥- سهام طائشة: فضيلة الدكتور مصطفى يونس
٢٦- الرد على من كذَّب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي: لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد
٢٧- بل فلنعود أنفسنا أسلوب النقد النزيه: فضيلة الدكتور صلاح الدين عبد التواب
٢٨- كيس المرارة: للدكتور سيد أحمد عبد البر
٢٩- الخمر والإدمان الكحولي - خطر يجتاح العالم - فاحذروه: الدكتور أبو الوفاء عبد الآخر
٣٠- ملحق رسالة دكتوراه في التحقيق
٣١- نداء لمساعدة المجاهدين الأفغان: لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
٣٢- ماذا تعرف عن أورومو!؟ : لفضيلة الشيخ محمد أمان بن علي
٣٣- ملخص لبعض بحوث المؤتمر الثالث للسيرة والسنة النبوية الرسالة الإسلامية الأولى في مواجهة الفساد العالمي: بقلم الشيخ محمد المجذوب
٣٤- مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها: دكتور أكرم ضياء العمري
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 8675
كلمة التحرير
الحمد لله، وصلاة الله وسلامه وبركاته على رسول الله وعلى آله وصحبه..
وبعد: فإن حادث المسجد الحرام الذي وقع في أول المحرم عام ١٤٠٠ هـ (أي في مطلع القرن الخامس عشر الهجري) أمر لا ينبغي أن يمر كما يمر أي حادث من حوادث الدهر الكثيرة، لأنه فجيعة عالمية فاجأت المسلمين في أقدس مكان حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، وفي الشهر الحرام الذي ظل محل احترام في الجاهلية والإسلام، واستبيح فيه الدم الحرام من حاضري المسجد الحرام وغيرهم من ضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين، فهو حادث في غاية الغرابة، فيجب الوقوف أمامه، وقفة تأمل وتساؤل: لماذا وقع؟ وكيف وقع؟..
نعم يجب الوقوف أمامه وتقليب أمره لننظر فيه من جميع جوانبه، لنستخلص منه ما فيه من عبر، ثم لنراجع صحائف أعمالنا لنرى ما فيها من تقصير أوجب أو سبَّب هذه الفتنة العمياء المدهشة، لنمحو أثر ذلك التقصير بالإنابة إلى الله ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ ، الذي قدر ولطف فيما جرت به المقادير؛ وهو اللطيف الخبير، حيث انتهى الحادث إلى تلك الفرحة التي غمرت القلوب، قلوب المؤمنين في كل مكان، وهى فرحة تطهير المسجد الحرام للطائفين والقائمين والركع السجود، بعد أن دنسه أولئك المتهورون العصاة المتمردون، تلك الفرحة التي بردت قلوب المسلمين المفجوعة التي باتت تنتظر فترة التطوير بفارغ الصبر.
وإن أول آذان بعد الحادث يعتبر إعلانا بأن الفتنة انتهت بما حملت من أحزان وهموم وكآبة، وحل محلها الفرح والسرور، الفرح بنعمة الله، نعمة التمكين من تطهير المسجد الطاهر مما طرأ عليه من أعمال الجهيمانيين السفهاء.
стр. 8676
وهذا أمر له أهميته، ينبغي التنويه به، وهو أن أولئك الصبية السفهاء كانوا يطلقون على أنفسهم- فيما بلغني- أنهم (سلفيون) ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا- وإطلاقهم هذا الاسم على أنفسهم لا يخرج من أحد أمرين:
١- إما أنهم لا يعرفون المفهوم الصحيح للسلفية، فيكون إطلاقهم ذلك الاسم نتيجة جهل قد يكون مركبا.
٢- وإما أنهم أرادوا المغالطة والتضليل، فيكون الإطلاق نتيجة سوء قصد لتشويه هذا الاسم الحبيب الذي يعنى الرعيل الأول في هذه الأمة ومن سلك مسلكهم.
فليعلم القارئ الكريم أن الجهيمانيين ليسوا (بسلفيين) ، وليسوا أهلا للدعوة ولكنهم (متسلفون) ومدعون السلفية، وزاعمون الدعوة إلى الإسلام، وهم بعيدون عن الإسلام ذاته فضلا عن الدعوة إليه.
هذا وإذا نظرنا إلى الحادث الأثيم بعين القدر يمكن القول: لعل الله أراد أن يفضح أولئك المتهورين المجرمين على رؤوس الأشهاد، إذ كان اقتحامهم المسجد الحرام في الوقت الذي يتواجد فيه حجاج بيت الله الحرام بأعداد كثيرة حيث استطاعوا أن ينقلوا أخبارهم وتصرفاتهم الجاهلية إلى أقطار الدنيا عن مشاهدة لا بواسطة مذياع أو.. صحف.. هذه من ناحية.. ومن ناحية أخرى فإن الشيطان زين لهم أن يقتحموا المسجد الحرام بأعداد هائلة، وكأن الشطان، وعدهم بالنصر وقال لهم: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ ولما تورطوا وأحاط بهم جنود الحق وحماة البلد الحرام (الجيش السعودي) تبرأ منهم، وكأني به وهو يقول لهم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ﴾ كعادته المعروفة، في تغرير البسطاء، وتوريطهم، ثم البراءة منهم في آخر المطاف - نعم لعل الله أراد أن يفضحهم، ثم ينتهي شرهم، وتنطفئ فتنتهم بتلك الصورة التي تم بها القضاء عليهم، والله عليم حكيم، وله الحمد والمنة وحده.
стр. 8677
وسوف يتحدث في هذا العدد من (مجلة الجامعة الإسلامية) - الذي يصادف صدوره انتهاء الحادث - عدد من الكتاب حول الحادث الأليم، وما انطوى عليه من الأحقاد الكمينة، حديثا يتضمن بيان حكم الإسلام في أولئك الصبية السفهاء من أنهم من المفسدين في الأرض، الذين يجب أن يقتلوا تقتيلا جزاء وفاقاً، كما يتناول حديثهم الإشارة بذلك الأسلوب الحكيم الذي وفق الله تعالى إليه حكومة جلالة الملك خالد بن عبد العزيز أثناء القضاء على الفتنة العمياء.
ومجلة الجامعة الإسلامية لتنتهز هذه الفرصة، فرصة الفرحة الكبرى بيوم التطهير لتهنئ جلالة الملك المعظم الذي شرفه الله بحماية الحرمين الشريفين والذود عندهما بالنفس والنفيس، أيده الله بنصره.
كما تهنئ المجلة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء بهذه النعمة العظيمة، وصاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني.. وكذلك تهنئ المجلة أولئك الأبطال من رجال الحرس الوطني الذين ساهموا مساهمة فعالة في تطهير المسجد الحرام.
كما تهنئ المجلة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز، وزير الدفاع، وصاحب السمو الملكي وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز، وجميع الذين اشتركوا في القضاء على تلك الفتنة من أفراد الجيش السعودي الأبطال، وأفراد الأمن العام البواسل.
وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين..
محمد أمان بن علي الجامى
رئيس تحرير المجلة
стр. 8678
نماذج من الدعاة
(الحلقة الثانية)
لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري.
رئيس قسم التفسير بالجامعة الإسلامية.
إمام الدعاة محمد رسول الله ﷺ
إذا كان بين عظماء الرجال نماذج من دعاة الحق والخير صالحون فإن محمداً رسول الله ﷺ هو إمامهم وقدوتهم في كل كمال كانوا عليه ودعوا الناس إليه.
فمن هو محمد رسول الله ﷺ ؟
إنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ابن كعب بن مرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النظير بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن معد بن عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن ﵇.
ولد محمد رسول الله ﷺ بمكة بدار أبي يوسف، ولدته آمنة بنت وهب بن زهرة بن عبد مناف بن قصي بن كلاب. ولدته صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل الموافق لأغسطس عام (٥٧٠) ميلادية. مات والده عبد الله بن عبد المطلب وهو حمل في بطن أمه، فكفله جده عبد المطلب وماتت والدته وهو ابن ست سنين، فحضنته أم أيمن جارية أبيه، ومات جده عبد المطلب فكفله عمه أبو طالب.
مظاهر الكمال المحمدي
إن الكمال في محمد رسول الله ﷺ لا يأتي عليه وصف، ولا يمكن أن يوضع به كشف، فصفاء نفسه التي أشرقت بنور الله فكانت كأصفى مرآة قد انعكست عليها مظاهر الكمال البشري كله، حتى كان محمد رسول الله ﷺ مضرب الأمثال في كل كمال، وبذلك قدم لإمامة الأنبياء، وجعل قدوة للمؤمنين.
وها نحن نذكر بعض جوانب الكمال المحمدي ليورد عليه الطالب الداعي قلبه، ويحيله بخاطره فيحصل على طاقة من الكمال النفسي ما يكون عوناً له على حمل رسالته، وأداء واجب دعوته التي تحملها بإيمانه وعلمه.
стр. 8679
الاستعداد الروحي لتلقي الوحي:
وعن استعداد محمد رسول الله ﷺ الروحي لتلقى الوحي نقول: إن النبي الكريم محمدا ﷺ كان قبل إنبائه وبعثته آية في النظافة والطهر، نظافة العرق وأصالته وطهارة الروح وسلامته، لقد اتصلت ارومته بأصل جماله وكماله إبراهيم، والذي كان محمد ﷺ أشبه الناس به كما أخبر بذلك عن نفسه، وانحدر سلسبيل النقاء في أصلاب الآباء حتى انتهى إلى قرار مكين فنبع منه محمد خير الناس أجمعين. هكذا كانت نظافة العرق الكريم والنسب الشريف. وأما طهارة الروح وسلامته فحسبنا أن نلقي نظرة على ربيع حياته، فتتجلى لنا من معاني الطهر آياته، وتفصح لنا عن سلامة روحه السنة عداته.
لقد كان محمد رسول الله ﷺ قبل نبوته في شبابه وفتوته يتمتع بأفضل الأخلاق وأطيب الشمائل فلم يؤثر عنه ما يخل بمكارم الأخلاق قط. إنه لم يأت ولا مرة واحدة ما كان يأتيه بنو قومه أبدا. فلم يسجد لصنم، ولم يشرب خمرا ولم يلعب قمارا ولا ميسرا، ولم يستقسم بزلم ولم يظلم في عرض أو مال أو دم أحدا. لقد كان بشهادة أعدائه وخصوم دعوته مثاليا في أخلاقه وناهيك بإجماع قريش على إضفاء لقب الأمين عليه. هذا اللقب الذي لم يظفر به أحد في ديارها وبين شبابها ورجالها أبدا، لقد كان - فداه أبي وأمي ونفسي وإني لصادق- كان أمينا في سره وفي علنه، وفي قوله وفي عمله، أمينا في غيبه وفي مشهده، أمينا في كل شيء وعلى كل شيء.
وإذا كانت قريش قد أجمعت على منحه ذلك اللقب السامي الكريم وهو لقب الأمين فإن الله تعالى قد أقسم له في مطلع نبوته على أنه على خلق عظيم وهي شهادة لا تعدلها والله شهادة إذ قال تعالى في فاتحة سورة القلم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ. مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
стр. 8680
إن الكمال الروحي الذي عاش عليه محمد رسول الله ﷺ وعرف به قبل نبوته لم يكن نتيجة تربية أم أو أب، أو أثر تعليم أستاذ أو مرب قط، وإنما كان أثر عناية الله تعالى به. فالله الذي أوجده ليكون واسطة بينه وبين عباده في تبليغ دينه وشرعه هو الذي حماه من كل ما يلوث نفسه ويعكر صفاء روحه، وكان ذلك إعدادا له لحمل رسالة الله إلى عباد الله، إذ حمل مثل تلك الرسالة يتطلب كمالا نفسيا، يكون صاحبه فيه مثلا أعلى لغيره من سائر الناس، وكذلك كان رسول الله، وها هو ذا فداه أبي وأمي ونفسي يحدث عن صيانة الله تعالى له وحفظه ليبقى طاهرا زكيا فيتأهل لما هيئ له من الوحي والنبوة، فيقول كما روى البيهقي عن علي ﵁: يقول: "ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله فيهما. قلت ليلة لبعض فتيان مكة جاء ونحن في رعاء غنم أهلها وقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة اسمر فيها كما يسمر الفتيان"، فقال: "بلى"، قال: "فدخلت حتى جئت أول دار من دور مكة فسمعت عزفا بالغرابيل والمزامير، فقلت ما هذا؟ "قالوا: "تزوج فلان فلانة""فجلست أنظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي". فقال: "ماذا فعلت؟ "فقلت: "ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت"وذكر أنه حصل له مرة أخرى فتم له مثل الذي حصل في الأولى، ثم قال: "فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني [١] الله بنبوته".
نزول الوحي:
إن تلك الطهارة الروحية الكاملة التي كان عليها محمد بن الله قبل نبوته وبعثته هي التي هيأته بإذن ربه تعالى للاصطفاء للنبوة والرسالة فكان بعد الوحي إليه ونزول جبريل عليه نبي الله ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
стр. 8681
إنه على رأس الأربعين من عمره المبارك نبئ ﷺ ، إذ جاءه الحق وهو بغار حراء بعد أن كان قد حبب إليه الخلاء وكان ذلك في شهر رمضان حيث نزل عليه جبريل ﵇ وهو به فضمه إلى صدره وأرسله ثلاث مرات وهو يقول له: اقرأ، فيرد قائلا: "ما أنا بقارئ". وفي الرابعة قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . فذهب بها ﷺ إلى زوجه خديجة ﵂ يرجف بها بوادره، وهو خائف على نفسه. فهدأت ﵂ من روعه، وسكنت من اضطراب نفسه وهي تقول له: "والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
стр. 8682
وانطلقت به ﵂ إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي بصره. فقالت له خديجة: "يا ابن عم اسمع من ابن أخيك"، فقال له ورقة: "يا ابن آخي ماذا ترى؟ "فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: "هذا الناموس [٢] الذي نزل الله على موسى ليتني أكون فيها جذعا. يا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك"، فقال ﷺ : "أو مخرجي هم؟ "قال: "نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا". ثم لم يلبث ورقة أن توفي فتر الوحي ... وأثناء فترة الوحي تبدى له جبريل ﵇ في صورته الملائكة وقد سد الأفق، وله ستمائة جناح ثم أخذ يدنو منه؟ ويتدلى حتى كان منه قاب [٣] قوسين أو أدنى فأوحى الله إليه ما أوحى، ونزل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ .
الدعوة سراً:
стр. 8683
وبعد فترة الوحي التي فترها وكانت سنتين ونصف سنة حمي الوحي وتتابع وآمنت خديجة وورقة بن نوفل أول من آمن برسالة رسول الله، ثم آمن علي بن أبى طالب وكان صبيا في حجر رسول الله ﷺ ، وآمن بعده زيد بن حارثة الكلبي وكان مولى رسول الله ﷺ ، وصلى هؤلاء مع رسول الله ﷺ ، إلا ورقة فإنه مات قبل مشروعية الصلاة، وكانت قبل الإسراء ركعتين في الصباح وركعتين في المساء لقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ ، ثم أسلم أبو بكر ﵁، وأسلم بدعوته نفر كريم كان منهم عثمان بن عفان، وعبد الرحمن ابن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله. ولما استجابوا لدعوته ﵃ أجمعين أتى بهم إلى رسول الله ﷺ فأسلموا وصلوا. فكانت هذه فضيلة لأبي بكر تضاف إلى أخرى قال فيها رسول الله ﷺ : "ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة ما عكم عنه (تلبث) "قال رؤية (وأنصاع وثاب بها ولما عكم) حين ذكرته له وما تردد فيه.
стр. 8684
ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن الجراح، ثم الأرقم بن أبي الأرقم، الذي اتخذ رسول الله ﷺ من داره مركزا للدعوة يعلم فيها من آمن من أصحابه ويصلي بهم طيلة ما كانت الدعوة سرا بمكة وبين قريش، وأسلم في هذه الفترة من النساء غير خديجة أسماء بنت عمير امرأة جعفر بن أبي طالب، وأمها هند بنت عوف بن الحارث أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج الرسول ﷺ وأخت لبابة أم الفضل امرأة العباس. وهي والدة عبد الله بن جعفر جواد العرب في الإسلام وتزوجها أبو بكر الصديق بعد استشهاد جعفر بموته فولدت له محمدا، وتزوجها بعد وفاة أبي بكر علي ﵁ فولدت له يحي، فما أكثر بركة هذه المؤمنة، وما أعظم يمنها ﵂ وأرضاها.
واستمرت الدعوة سرا زهاء ثلاث سنوات فأنزل الله ﵎ قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
الدعوة جهراً:
امتثل رسول الله ﷺ أمر ربه فجهر بدعوته التي كانت سرا، ولما رأت قريش ذلك لا سيما بعد أن ذكر آلهتهم وعابها ناصبته العداء، وأجمعت على خلافه وعداوته ووقف أبو طالب إلى جانب رسول الله ﷺ يذود عنه ويحميه، حتى اضطرت قريش إلى إرسال وفدها يفاوض أبا طالب في شأن رسول الله، ويطلب منه أن يمنع رسول الله ﷺ من تسفيه أحلامهم، وسب آلهتهم، وعيب دينهم، أو يخلي بينهم وبينه لينالوا منه. وعرض أبو طالب وجهة نظر وفد قريش على رسول الله ﷺ . فقال ﷺ : "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته". واستعبر رسول الله فبكى ثم قام فناداه أبو طالب، فقال: "اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا".
стр. 8685
ولما علمت قريش بعدم خذلان رسول الله ﷺ مشت إلى أبي طالب تساومه في الموضوع فقدمت له شابا هو أنهد فتى في قريش وأجمله، وقالت: "خذ هذا بدل ابن أخيك فاتخذه ولدا واسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك فنقتله فإنما هو رجل برجل"، فرد أبو طالب قائلا: "والله لبئس ما تسومونني! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه، هذا والله ما لا يكون".
ولما بلغ الأمر هذا الحد، أظهرت قريش عداءها السافر، وأخذت تشن حربا ضروسا على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه، وقد كثر عدد هم وتزايد أمرهم فأغرت برسول الله ﷺ سفهاءها فكذبوه وأذوه، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله ﷺ مظهر لأمر الله لا يستخفي به، مبادلهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم. وحدث أن نال أبو جهل من رسول الله ﷺ ، وكانت حين كان أبو جهل يسب ويشتم رسول الله ﷺ مولاة لعبد الله بن جدعان تسمع، فلما جاء حمزة وكان في قنص أخبرته بما صنع أبو جهل إزاء رسول الله ﷺ فاحتمل حمزة الغضب، وطلب أبا جهل حتى وجده فضربه ضربة عنيفة فشج رأسه وقال له: "أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول"ولما رأت قريش أن حمزة قد أسلم علمت أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه ﷺ .
следующие страницы →