Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.
стр. 8611
يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
ومن هالة الصراع المستمر منذ فجر التاريخ إلى اليوم وإلى الأبد بين الحق والباطل فعليه أن يتذكر قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [٥١] .
وبهذا تستريح نفسه ويوطن نفسه على استمرار هذا الصراع فيسعى إلى الجهاد بنفسه أو بماله أو بما يستطيع! إن التفكر في معاني القرآن يشفي النفوس من أوجاعها وأسقامها. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً﴾ [٥٢] ومن تعرض للفتن فعليه أن يسلك سبيل القرآن الكريم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [٥٣] . ولهذا يقول رسول الله ﷺ :"إن هذا القرآن مأدبة الله. فتعلموا من مأدبته ما استطعتم " [٥٤] . ويقول جعفر الصادق:"عجبت لأربع كيف يغفلون عن أربع (أي من الدعوات القرآنية) :
عجبت لمن مسه الضر. كيف يغفل عن قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ دعا بها أيوب فقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [٥٥] .
وعجبت لمن يمكر به الناس. كيف يغفل عن قوله تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ والله تعالى يقول عقيبه: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [٥٦] .
стр. 8612
وعجبت لمن تكاثر أعداؤه كيف يغفل عن قوله تعالى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ . دعا بها المسلمون حين قال لهم الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ فقال : ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [٥٧] .
وعجبت لمن أصابه محزن. كيف يغفل عن قوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّأَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . وقد دعا بها ذو النون ﵇ فاستجاب الله له. كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ ولم يكن ذلك له خاصة. لأن الله تعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [٥٨] . وهكذا يتجلى لنا أن القرآن الكريم جوهر الطب النفسي، وأنه معجز إعجازاً نفسياً لا يماثله في هذا المجال أي كتاب في علم النفس أو في غيره. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إن للقرآن الكريم تأثيراً جوهرياً في النفوس الطاهرة المطمئنة [٥٩] . ولقد صور الشاعر الراحل هاشم الرفاعي كيف يكون القرآن الكريم راحة للنفس. لا ينفع غيره شيئاً على الإطلاق! وحتى في أحلك اللحظات. لحظات الإعدام. فيقول على لسان مظلوم حكم عليه بالإعدام فبعث برسالة إلى أبيه في ليلة التنفيذ منها قوله:
الليل من حولي هدوء قاتل
والذكريات تمور في وجداني
ويشدني ألمي فأنشد راحتي
في بضع آيات من القرآن
والنفس بين جوانحي شفافة
دب الخشوع بها فهد كياني
قد عشت أؤمن بالإله ولم أذق
إلا أخيراً لذة الإيمان
ثم يعود إلى التركيز على ما يريح النفوس ويعزيها عن فقد الحياة. على حبل المشنقة. فيولي وجهه جهة عدالة القرآن فيقول لأبيه:
стр. 8613
هذا الذي سطرته لك يا أبي
بعض الذي يجري بفكر عان
لكن إذا انتصر الضياء ومزقت
بيد الجموع شريعة القرصان
فلسوف يذكرني ويكبر همتي
من كان في بلدي حليف هوان
وإلى لقاء تحت ظل عدالة
قدسية الأحكام والميزان
إن القرآن الكريم علاج للثكالى والمفجوعين والمرضى والمحرومين والبؤساء والمظلومين يفرون إلى ربهم بتلاوة كلماته فتكون عليهم برداً وسلاماً. والله بهم بر رحيم. يعيشون في كنفه راضين مطمئنين. شاكرين الله تعالى أن جعل لهم ألسنة رطبة بذكره على الدوام.
لقد قال بعض هؤلاء الراضين:"لو علم رجال الدنيا اللذة التي نحن فيها مع ربنا، لقاتلونا عليها بالسيوف. وما ذلك إلا بسبب الرضا النفسي الذي أسبغه عليهم كتاب الله الكريم: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [٦٠] أما المفتونون فيقول الله تعالى عنهم: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [٦١] .
إن تربية المرء على هدي كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ تورثه سكينة في قلبه وطمأنينة في نفسه يشعر بحلاوتهما مادام على صلة بالقرآن [٦٢] ولقد وصف رسول الله ﷺ القرآن بأنه:"لا يخلق عن كثرة الرد. ولا تنقضي عبره. ولا تغنى عجائبه. هو الجد ليس بالهزل. لا يشبع منه العلماء. ولا تزيع به الأهواء. ولا تلتبس به الألسنة. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا:
стр. 8614
﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ . من قال به صدق. ومن حكم به عدل. ومن خاصم به فلج. ومن قسم به أقسط. ومن عمل به أجر. ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم!! ومن طلب الهدى في غيره أضله الله. ومن حكم بغيره قصمه الله. هو الذكر المبين. والصراط المستقيم. وحبل الله المتين. والشفاء النافع. عصمة لمن تمسك به. ونجاة لمن اتبعه. ولا يعوج فيقوم ولا يزيع فيستعتب " ا. هـ[٦٣] .
هذا وصف نبوي كريم للقرآن الكريم – ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [٦٤] . وإن هذا الكتاب الخالد. هو مصدر هداية المسلمين فرداً فرداً وهو سبيل إصلاح نفوس البشرية صلح أول هذه الأمة. ولن يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها. به ألف الله تعالى بين قلوب المؤمنين فقال عز شأنه لنبيه ﷺ : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [٦٥] .
وبه أنزل الله تعالى السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً، وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [٦٦] ، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ .
стр. 8615
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [٦٧] .
إن تأثيره في النفوس لمن أوضح سمات الإعجاز النفسي في القرآن الكريم.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] سورة الحجر آية ٩.
[٢] سورة البقرة آية ٧٩.
[٣] سورة إبراهيم آية ١.
[٤] سورة المائدة الآيتان ٥، ١٦.
[٥] التصوير الفني في القرآن للأستاذ سيد قطب ص١١.
[٦] سورة الطور الآيتان ٣، ٣٤.
[٧] سورة هود الآيتان ٣، ١٤.
[٨] سورة يونس الآيتان ٣٨، ٣٩.
[٩] سورة البقرة الآيتان ٢٣، ٢٤.
[١٠] سورة الإسراء آية ٨٨.
[١١] أنظر إعجاز القرآن والبلاغة النبوية للرافعي ص ٢٣٨ وما بعدها – وانظر أيضاً البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن للزملكاني تحقيق د. أحمد مطلوب ود. خديجة الحديثي ط بغداد ص٥٣ – وانظر معاني القرآن للفراء ط دار الكتب المصرية ص١٩.
[١٢] الكشاف جـ٢ ص٤٧٣ وانظر إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة منير سلطان ط الأسكندرية سنة ١٣٩٧هـ/ ١٩٧٧م ص١٧٦.
[١٣] سورة الزمر آية ٢٣.
[١٤] سورة الأنفال آية ٢.
[١٥] سورة فصلت آية ٤٢.
[١٦] من هدي النبوة للأستاذ الشرباصي الحسنين ط القاهرة ص٧٦.
[١٧] إعجاز القرآن ... لعبد الكريم الخطيب ص٢٣٤ ط سنة ١٣٩٤هـ وانظر فكرة النظم بين وجوه الإعجاز ... للدكتور فتحي أحمد عامر ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
[١٨] سورة النحل آية ٩٠.
стр. 8616
[١٩] الرسالة الشافية للإمام عبد الظاهر ص١٢٥ من ثلاث رسائل في إعجاز القرآن (دار المعارف) .
[٢٠] مدخل إلى القرآن الكريم عرض تاريخي وتحليل مقارن للدكتور محمد عبد الله دراز ترجمة الأستاذ محمد عبد العظيم علي ص ١٧٢.
[٢١] بيان إعجاز القرآن للخطابي تحقيق عبد الله الصديق ط ١٣٧٢هـ/ ١٩٥٣م ط القاهرة ص ٩٤.
[٢٢] سورة النساء آية ٧٧.
[٢٣] سورة فصلت آية ١ – ١٣.
[٢٤] سورة الجاثية آية ٢٣.
[٢٥] راجع سورة المدثر الآيات من ١١ – ٣٠.
[٢٦] سورة الزخرف آية ٣١.
[٢٧] المصحف المفسر لمحمد فريد وجدي ص ٦٥٠.
[٢٨] سورة الجن الآيات من ١ – ٣.
[٢٩] الأشباه والنظائر لمقاتل بن سليمان البلحي تحقيق د. عبد الله شحاتة ط سنة ١٣٩٥هـ/١٩٧٥م ص١٠١.
[٣٠] سورة البقرة الآيات من ٦ - ١٠.
[٣١] سورة الأنعام آية ١١٦.
[٣٢] سورة الحشر آية ٢١.
[٣٣] سورة المائدة الآيات ٨٢، ٨٣.
[٣٤] سورة ق آية ٣٧.
[٣٥] سورة الكهف آية ١.
[٣٦] سورة النساء آية ٨٢.
[٣٧] سورة الرعد آية ٢٨.
[٣٨] نعمة القرآن للسيدة نعمت صدقي ص٢١٧ مكتبة عالم الكتب بالقاهرة.
[٣٩] الدستور القرآني ... في شئون الحياة للأستاذ محمد عزه دروزه ص٤٨٥ – وانظر القرآن والمبشرون للأستاذ دروزه أيضاً ص٤٦٢ طبعة المكتب الإسلامي دمشق – سوريا.
[٤٠] دستور الأخلاق في القرآن للدكتور محمد عبد الله دراز تعريب د. عبد الصبور شاهين ط. الرسالة ص٧٢٥-٧٤٥.
[٤١] سورة النمل آية ٦٢.
[٤٢] سورة الأنعام آية ١٨.
[٤٣] سورة يوسف آية ٢١.
[٤٤] سورة آل عمران آية ٦.
[٤٥] سورة الأنفال آية ٢٤.
[٤٦] سورة البروج الآيات من ١٢-١٦.
[٤٧] سورة الطلاق الآيتان ٢، ٣.
[٤٨] سورة هود آية ٥٦.
[٤٩] سورة الزمر آية ٣٦.
стр. 8617
[٥٠] سورة الحج ١٨.
[٥١] سورة الرعد آية ١٧.
[٥٢] سورة الإسراء آية ٨٢.
[٥٣] سورة الإسراء آية ٩.
[٥٤] دليل الحيران في آيات من القرآن للأستاذ خلف محمد الحسيني ص١٢.
[٥٥] سورة الأنبياء آية ٨٤.
[٥٦] سورة غافر الآيتان ٤٤، ٤٥.
[٥٧] سورة آل عمران الآيتان ١٧٣، ١٧٤.
[٥٨] سورة الأنبياء الآيتان ٨٧، ٨٨.
[٥٩] أنظر القرآن وإعجازه العلمي للأستاذ محمد إسماعيل إبراهيم ط دار الفكر القاهرة ص ٤٦ وانظر القرآن يتحدى. للأستاذ أحمد عز الدين خلف الله ط سنة ١٣٩٧ هـ ١٩٧٧ م مطبعة السعادة بالقاهرة ص ٢٧٦.
[٦٠] سورة الرعد آية ٨.
[٦١] سورة المائدة آية ٤١.
[٦٢] تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث للأستاذ محمد سعيد رمضان البوطي ط المكتبة الأموية دمشق ص ٥٢:٧٢.
[٦٣] معترك الأقران في إعجاز القرآن للحافظ جلال الدين السيوطي تحقيق علي البجاوي القسم الأول ص ٢٤٤، ٢٤٥ ط دار الفكر القاهرة.
[٦٤] سورة الإسراء آية ٩.
[٦٥] سورة الأنفال آية ٦٣.
[٦٦] سورة الفتح من الآيات ١٨.
[٦٧] سورة الشورى الآيتان ٥٢، ٥٣.
стр. 8618
الدعوة الإسلامية في الهند
لفضيلة الدكتور محيي الدين الألوائي
المدرس بالجامعة الإسلامية
إن الدعوة الإسلامية وتطورها في الهند لم تكن إلا حلقة من حلقات سلسلة هذه الدعوة الكريمة الممتدة عبر التاريخ الأمة الإسلامية، وأن التاريخ حافل بالجهود المتلاحقة التي بذلها الدعاة العاملون لهذا الدين في كل بقعة من بقاع الأرض، فما دامت طائفة من العلماء المخلصين تقوم بالدعوة إلى الله وتعمل بجد واجتهاد وإخلاص لإعلاء كلمته ونشر تعاليم كتابه وسنة رسوله، تكون الأمة بخير وعزة وسؤدد. وإلى هذه الحقيقة يشير الرسول الأكرم ﷺ بقوله: "وأن العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر ".
وللبحث عن الإسلام في الهند جانبان مستقلان، يختلف كل منهما عن الآخر، فبينما يتناول الأول دخول الإسلام فيها كدعوة وفكرة، والجهود التي بذلها الدعاة المسلمون في سبيل نشرها في أوساط الأمة الهندية بطريق الموعظة والإرشاد والقدوة الحسنة، يتناول الجانب الآخر حكم المسلمين فيها والفتوحات العسكرية التي قام بها الملوك والأباطرة المسلمون. وأما الجانب الإسلامي كدعوة خالصة وعقيدة وعمل فهو أعمق أثراً في تاريخ الإسلام والمسلمين في شبه القارة الهندية وأوسع نطاقاً من حيث البحث العلمي.
стр. 8619
ويرجع فضل انتشار الدعوة الإسلامية في هذه البقعة الواسعة الأرجاء، إلى دعاة من المسلمين العرب والهنود الذين تشبعوا بروح الإسلام السمح، وبذلوا جهوداً جبارة في سبيل نشر دين الله الحنيف في كل بقعة نزلوا فيها، وكان رائدهم في ذلك قول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... ﴾ وبدأت هذه الجهود الفردية في الهند قبل الفتح الإسلامي الأول الذي قام به (محمد بن القاسم الثقفي) في نحو عام ٩١ من الهجرة النبوية، في شمال القارة الهندية، فلا يرجع فضل انتشار الدعوة الإسلامية فيها إلى الملوك والأباطرة المسلمين الذين قاموا بفتوحات عسكرية في شبه القارة الهندية وشيدوا إمبراطورياتهم فيها، بيد أنهم تركوا بعض الآثار الإسلامية القيمة من المساجد الفخمة والقلاع الضخمة وأسدوا خدمات لإحياء بعض الفنون والآداب، وأضافوا بابتكارات علمية وفنية في تاريخ الهند المجيد.
يشير التاريخ إلى أن صوت الإسلام قد وصل لأول مرة إلى الهند بأيدي العرب، وكانوا هم طليعة المسلمين الذين أناروا الطريق لنشر الدعوة الإسلامية في ربوعها، عقب أن انبثق فجرها في بلاد العرب، فوجدت أرضاً خصبة من أرجاء الهند وتفتحت زهورها في أنحائها وأثمرت ثمارها اليانعة في جو من الحرية والسلام.
دخل الإسلام الهند من طرق ثلاث، من الناحية الجغرافية، ومن أهمها: شواطئ الهند الغربية الواقعة في بحر العرب التي كانت مركز ارتياد لتجار والرحل العرب منذ أقدم العصور، في البلاد الهندية وفي طريقهم إلى جزيرة سيلان وإلى الصين وجاوة وغيرها من بلدان الشرق الأقصى.
стр. 8620
والطريق الثاني الذي دخل منه الإسلام إلى الهند، مناطق السند الواقعة على شاطئ الهند الشمالي الغربي، حيث دخل (محمد بن القاسم الثقفي) فاتحاً في عهد حكم (الحجاج بن يوسف الثقفي) وذلك في نحو عام ٩١ هـ. والطريق الثالث الحدود الشمالية الغربية المتاخمة لأفغانستان وإيران، وأول من دخل الهند فاتحاً من هذا الطريق الجبلي الوعر (محمد الغزنوي) فيما بين عامي ٣٨٨-٤٢١هـ.
ولما بعث النبي ﷺ ، في العامين السابع والثامن الهجريين، الوفود إلى التخوم للدعوة إلى الإسلام، يحملون رسائله ﵊ إلى أصحاب الأمور والسلطان في أقطار جزيرة العرب وخارجها، يدعوهم إلى حظيرة الدين الحنيف، عرفت الدعوة الإسلامية طريقها إلى الثغور الشرقية والجنوبية، وأخذت تنشر بين العجم، ومنهم الهنود المستوطنون الساكنون في هذه المناطق، فلبى عدد منهم نداء الدعوة الجديدة.
ومن ناحية أخرى، فإنه من الطبيعي أن يحاول التاجر العربي المسلم التحدث عن الدعوة الجديدة التي ظهرت في بلده إلى أصدقائه ومعارفه في موانئ الهند ومراكزها التجارية التي يرتادها لأغراض تجارية بل ويحاول نشرها بين أهل الهند الذين شاهد نزعتهم الدينية وحبهم للعرب. ويشير التاريخ أيضاً إلى أن بعض حكام الهند، حينما سمعوا عن ظهور نبي جديد في جزيرة العرب ودعوته، حاولوا إنشاء رابطة بينهم وبين النبي العربي مباشرة ليروه وليستمعوا إليه وليفهموا رسالته وتعاليمه.
стр. 8621
وذكر بعض المؤرخين - مع وجود احتمال تاريخي وطبيعي كبيرين- أن محمد بن عبد الله ﷺ ، قد بعث رسالة - من ضمن الرسائل التي بعثها إلى ملوك وحكام آسيا وأفريقيا إلى ملك (مليبار) (في مقاطعة كيرالا بجنوب الهند) الواقعة في ساحل بحر العرب المواجهة لجزيرة العرب، كما قالوا إن ملكاً من ملوك هذه المناطق وهو (جيرمان برومال) ملك (كرانغنور) قد سافر إلى جزيرة العرب لمقابلة النبي ﵊، هذا في السابع والخمسين من عمره ﷺ .
والذي يفهم من هذا البيان أن تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند مر عليه حتى الآن ١٤ قرناً من الزمن، بينما مر ١٣ قرناً على قيام أول دولة عربية في السند، وظلت الهند كلها تحت حكم المسلمين أكثر من ثمانية قرون ونصف القرن، أي من قيام الدولة الغزنوية في سنة ٣٩٢ هـ ١٢٧٤ هـ. (١٠٠١م - ١٨٥٧م) . ثم استمر حكم الإنجليزي في شبه القارة الهندية لمدة قرن من الزمان.
طوال هذه الفترات الممتدة، من تاريخ الإسلام والمسلمين في الهند لم تقم هيئة أو منظمة تستهدف نشر الدعوة الإسلامية وتبلغها حسب خطة مرسومة ومنهج مدروس بل وتعرضت الدعوة ودعاتها لاضطهادات جمة من جانب الحكام الإنجليز- ومما هو جدير بالذكر أيضاً، مع الأسف الشديد، أن بعض الحكام المسلمين المستبدين قد وضعوا العراقيل أمام الدعاة المصلحين.
ومن بواعث الدهشة والإعجاب للعقول العادية - إن صح التعبير - أن الدعوة الإسلامية قد فاتت في انتشارها في أوساط الشعب الهندي - برغم هذا كله - جميع الدعوات الأخرى، وتركت ملامح واضحة عديدة تشير إلى المدى الواسع الذي حققته هذه الدعوة في شبه القارة الهندية.
стр. 8622
وكانت شبه القارة الهندية، وقت استقلالها عن حكم الإنجليز سنة ١٩٤٧م أولى دول العالم في عدد المسلمين، حيث كانت تضم أكثر من ١٢٠ مليون مسلم، ثم قام تقسيم شبه القارة إلى دولتين - الهند وباكستان - وصارت الهند دولة مستقلة ذات أغلبية هندوكية وأقلية مسلمة وصارت الباكستان دولة مستقلة ذات أغلبية مسلمة وأقلية هندوكية وكان عدد المسلمين في الباكستان وقت التقسيم - حوالي ٨٠ مليوناً وعدد المسلمين في الهند نحو ٤٠ مليوناً.
واليوم تعتبر الهند وحدها ثانية دول العالم في عدد المسلمين، حيث تضم أكبر جالية إسلامية، بعد إندونيسيا، إذ يبلغ عدد المسلمين فيها أكثر من مائة مليون نسمة. وتليها بنجلاديش فباكستان. وهم يشكلون أكبر طائفة في الهند بعد طائفة الهندوس. ومن ثم لا تزال الهند جزءاً حياً هاماً من جسم العالم الإسلامي الكبير الواسع الذي يربط بين أجزائه رباط وثيق من الرابطة الروحية والأخوة الإسلامية. فإذا ألقينا نظرة على شبه القارة الهندية فلا نجد فيها، مع اتساع رقعتها وتعدد مقاطعاتها ومناخها بقعة إلا ودخلها صوت الإسلام ووطئتها أقدام الدعاة وظلت الدعوة الإسلامية متمكنة في هذا البلد المترامي الأطراف، على رغم تقلبات الزمن وتطورات العصر. ولم تستطع التيارات الخارجية أو الداخلية أن تحد من تقدمها وتطورها كما لم تفلح المحاولات العديدة التي بذلها مناهضو الدعوة الإسلامية لمنع استمرارها واستقرارها وتطورها.
ويمكن أن نلخص الأسباب الرئيسية التي ساعدت على هذا الإنتشار الواسع السريع الذي أحرزه الإسلام في أرجاء الهند في النقاط التالية:
١- النزعة الدينية لأهل الهند:
стр. 8623
لقد أشار الإمام (الشهرستاني) في كتابه (الملل والنحل) إلى مدى النزعة الدينية لأهل الهند، في معرض الكلام عن أمم الدنيا وتقسيمهم حسب المذاهب والنزعات، حيث قال:"وإن العرب والهند يتقاربان مع مذهب واحد وأكثر ميلها إلى تقرير خواص الأشياء، واستعمال الأمور الروحانية ".
وأصاب الإمام (الشهرستاني) في تعميم حكمه على جميع أهل الهند في كل زمان ومكان، إذ نجد جميع الديانات الهندية القديمة تلتقي مع الأديان السماوية، في نقطة الإيمان بوجود الخالق، وخلود الروح وحسابها في الحياة الأخرى، وإن اختلفت معها في التفاصيل. ويرجع سر حصول الأديان والثقافات العديدة التي أتت إلى الهند في مختلف العصور، على الترحيب الذي ساعدها على الإنتشار في أنحاء هذه البلاد المترامية الأطراف، إلى الروح المتسمة بالتسامح السائدة بين حكام الهند وقتئذ، وإلى نزعة أهلها إلى ترحيبهم بكل ما يرد إليها من الخارج من دعوات وثقافات وأفكار.
وقد رحبت الهند في العصر القديم بالآراء المصرية واليونانية، ثم رحبت بالمسيحية في قرنها الأول ثم بالدعوة الإسلامية حيث وجدت نوافذها مفتوحة عندما طرقها الدعاة المسلمون في عهدها الأول.
٢- صفات الدعاة المسلمين ووسائلهم:
والدعوة الإسلامية الحقة، هي الدعوة إلى الله وإلى الأخوة الإنسانية والعدالة الإجتماعية والتسامح والبساطة في جميع مرافق الحياة. وكان الدعاة الأوائل بعيدين كل البعد عن التعصب الديني والعنف والإكراه في كل خطوة يخطونها في سبيل أهدافهم النبيلة. وكانوا قدوة عملية للآخرين. وقد اتخذوا رائدهم في ذلك إرشاد القرآن الكريم: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ . وقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة﴾ .
стр. 8624
وكان الدعاة المسلمون في شبه القارة الهندية سواء العرب أو الهنود الذين تشبعوا بروح الإسلامية السمح مظهراً حياً يدعون إليه من الخلق القويم والأعمال الصالحة، حيث تأثر المدعوون بالقدوة الشخصية الحسنة، حتى أصبح الداعون محل احترام وتقدير لدى كل طوائف الأمة وكان هؤلاء الدعاة فاتحي القلوب، لا فاتحي البلاد. وكانت زوايا وتكايا هؤلاء الدعاة مراكز للزائرين الذين يترددون إليها للتزود بالإشعاع الروحي والخلقي، كما كانت الزوايا مظهراً للإنسجام الطائفي والأخوة الوطنية بين شتى الطوائف التي يتكون منها المجتمع الهندي الكبير ذو التاريخ العريق.
٣- نظرة الإسلام إلى الأديان الأخرى:
يقرر الإسلام مبدأ التسامح الديني والأخوة الإنسانية وعدم العنف والتعصب في الشئون الدينية بأي شكل من الأشكال بالآيات القرآنية الآتية:
١-
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٩٩ يونس.
٢-
﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ ٢٥٦ البقرة.
٣-
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١٠٠ يونس.
ومما لا شك فيه أن بعض الحكام المسلمين استخدموا التشدد باسم الدين نحو اتباع الأديان الأخرى، أحياناً بمقتضيات أمن الدولة واستقرارها، وأخرى بدافع من المآرب الشخصية. وفي كلتا الحالتين فإن التعاليم الإسلامية والإرشادات القرآنية الصريحة كانت بريئة كل البراءة من أعمال هؤلاء، لأنهم استغلوا الدين للأغراض السياسية - عمداً أو جهلاً - فأصبحوا وصمة عار في تاريخ الدعوة الإسلامية التي لم تكتف بالدعوة إلى حرية العقيدة وحرية العبادة، بل دعت إلى التسامح في الدين والسياسة، وحرمت على المسلمين التعرض لدين الغير وحريته العقائدية.
٤- الأوضاع العقائدية السائدة:
стр. 8625
وكانت عامة الناس تئن تحت وطأة آفتين اجتماعيتين هما: النظام الطبقي المتطرف الذي فرق شعباً واحداً إلى طبقات، وكذلك آفة الكهنة الذين انحدروا إلى أعمال الشعوذة والخرافات التي يرفضها العقل السليم. فلما وصل الإسلام إلى الهند لأول مرة، يدعو إلى العدالة الإجتماعية والمساواة الإنسانية والقوانين الفطرية التي هي الدعائم الثلاث لصرح الإسلام، وجد عامة الشعب الهندي فيها مخرجاً من الكابوس الإجتماعي البالي، فدخلوا في الإسلام أفواجاً.
وهذه هي الأسباب الرئيسية التي يرجع إليها الفضل الأكبر لانتشار الإسلام في الهند بسرعة وكثرة واستقرار جذوره في أرضها الخصبة وأصبح تاريخه جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الهند المديد.
ومن الوسائل الرئيسية التي اتبعها الدعاة المسلمون في الهند في سبيل نشر الدعوة الإسلامية في جميع المراحل:
أولاً:
القدوة الشخصية: اتخذ الدعاة، القدوة الحسنة الشخصية كوسيلة رئيسية في أداء رسالتهم نحو نشر التعاليم القرآنية والإرشادات النبوية في أفراد الأمة الهندية وجماعاتها. وتمسكوا بهذه الوسيلة اعتقاداً راسخاً منهم بأن إسداء النصح والأوامر بدون أن يكونوا هم القدوة الأولى لا يؤثر في القلوب ولا يؤدي إلى الهدف المطلوب. وهذه هي إحدى الميزات التي امتاز بها الدعاة المسلمون في شبه القارة الهندية. وكانوا دائماً مظهراً حياً لما يدعون إليه من الخلق القويم والأعمال الصالحة حتى يتأثر بها المدعوون بالقدوة الشخصية والسلوك الشخصي.
وثانياً:
стр. 8626
: الموعظة الحسنة: وهي الكلام اللين المشتمل على العظات التي يستحسنها السامع ويندفع للإستماع إليها وتقبلها. وكانوا يتمسكون في ذلك بإرشاد قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت ٣٤) فانجذب سكان البلاد إلى حظيرة الإسلام مقتنعين بصدق الدعوة وصدق الدعاة ومتأثرين بدين العدل والمساواة. نعم وقد وجدوا في هؤلاء الدعاة أخلاقاً بعيدة عن شوائب المآرب الشخصية أو المطالب الذاتية.
وثالثاً:
ابتعادهم عن المآرب السياسية: وكان الدعاة المسلمون الحقيقيون في الهند، في بعد تام عن ساحة الملوك وأصحاب السلطان كما كانوا يتبعون حياة الزهد والقناعة ولقنوا مبادئ الدين الحق للناس وعلموهم آداب الإسلام وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وقد أدركوا جيداً أن الإهتمام بالسياسة والإختلاط بأصحابها يلهمهم عن مهمة الدعوة الخالصة وجذبهم إلى الحزازات الطائفية والإختلافات الداخلية فكرسوا جهودهم وأوقاتهم وطاقاتهم في أمر الدعوة، ولذا ارتفعت مكانتهم في قلوب الشعب وأصبحوا بعيدين عن نطاق التهم والشكوك.
رابعاً:
جهودهم الفردية: فكان الدعاة المسلمون يقومون بإرشاد الناس إلى طريق الحق وتلقينهم مبادئه بالإتصال الشخصي، حيث يخالطون الجماهير ويعاشرونهم ويجالسونهم، فيتأثر سكان البلاد بأخلاقهم الزكية وآدابهم العالية فاختاروا سبيل هؤلاء الدعاة المرشدين عن انشراح صدر وطيب نفس وأن ابتعاد هؤلاء المرشدين عن ساحات الملوك والحكام وأصحاب السلطان، قد أكد للشعب إخلاصهم في دعوتهم وبراءتهم عن أي مأرب سياسي أو مادي.
خامساً:
стр. 8627
مخاطبتهم الناس بلغتهم وبقدر عقولهم: فكان هؤلاء الدعاة ينتمون إلى قسمين، قسم هاجروا إلى الهند واتخذوها مقراً لهم للدعوة إلى الله ونشر مبادئهم الروحية، وقبل أن يبدأوا مهمتهم تعلموا لغات القوم ودرسوا ظروفهم البيئية واتجاهاتهم النفسية وانحرافاتهم الخلقية، لكي يخاطبوهم بلسانهم وتصل دعوتهم إلى قلوب المخاطبين ومشاعرهم، حتى تعالج الإنحرافات التي وقعوا فيها، سواء أكانت خلقية أو اجتماعية أو دينية.
والقسم الثاني، هم الدعاة الهنود الذين تشبعوا بدعوة الإسلام وأحسنوا لغة البلاد ودرسوا طبيعة قومها وبيئتها.
وهكذا اجتمعت في هؤلاء الدعاة شروط نجاحهم والصفات التي يجب أن تتحقق فيهم من نظرة الإسلام وقدوة الأنبياء والرسل، فتوفر فيهم الخلق القويم والصبر الجميل والعزم الأكيد والإيثار والفهم الواعي للبيئات والظروف، وكذلك امتازوا بميزة لابد أن يتجلى بها كل داع لهم النجاح والنصر في دعوته، وهي القدرة على التبليغ بلغة المخاطب بكل إتقان ولباقة وثقة.
وأن حاضر الدعوة الإسلامية في الهند يعتمد اليوم على الدعائم الثلاث الآتية:
أولاها: المعاهد الإسلامية المنتشرة في مدن الهند وقراها، وهي بمثابة مراكز كبرى للإشعاع الديني لمسلمي الهند اليوم، ولها فضل كبير في نشر العلوم الإسلامية واللغة العربية ويجري معظم هذه المعاهد بطريق المساعدات الفردية والتبرعات الأهلية وفيها عدد من المدارس والكليات التي تتلقى مساعدات من الجامعات الحكومية والجهات الرسمية.
стр. 8628
وثانيتها: المساجد والتكايا التي تجري فيها الحلقات الدراسية الإسلامية حسب النظم القديمة. وتعيد المساجد في الهند اليوم دورها الذي كانت تلعبه في الماضي في نشر الإشعاع الديني والثقافي للمجتمع الإسلامي وكانت محط آمال طلاب النور والعرفان في كل ركن من أركان العالم الإسلامي. وتضم الهند آلاف المساجد التي تجري فيها الحلقات الدراسية النظامية، تدرس فيها العلوم الإسلامية واللغة العربية، كما أن خطباء هذه المساجد يلقون دروساً دينية صباح مساء، إلى جانب دروس وخطب أيام الجمع. وفوق هذا وذاك فإن وجود هذا العدد الكبير من المساجد العظيمة التاريخية، التي تضاهي أفخم وأجمل المساجد الكبرى في العالم، في أنحاء الهند ليعيد إلى أذهان مسلميها مجد ماضيهم فيها ويذكرهم بمسئوليتهم على حفاظ هذا التراث الضخم، ولا يتأتى ذلك إلا بالمحافظة على شعائر الإسلام والتمسك بمبادئه والعمل على نشر دعوته.
وثالثتها: الجماعات والهيئات الإسلامية التي تقوم بواجب الدعوة والتبليغ. ولم نر في تاريخ الدعوة الإسلامية الطويل في شبه القارة الهندية جماعة أو هيئة رسمية أو غير رسمية، أنشئت لغرض الدعوة والتبليغ حسب منهج تبليغي منظم. وكل ما رأيناه في مجال الدعوة هو الجهود الفردية من الدعاة المخلصين من العلماء والوعاظ الذين اتخذوا من مجالسهم العلمية - إما في منازلهم أو في التكايا أو في المساجد - مراكز لبيان محاسن الإسلام وإبرازها ناصعة واضحة أمام الناس كما كانوا يقومون برحلات وجولات في سبيل نشر دعوة الحق بطريق الموعظة والإرشاد، وفي جميع الأحوال كانوا قدوة حسنة وحية في حياتهم الخاصة والعامة للتحلي بالأخلاق الفاضلة وحسن المعاملة والإخلاص والوفاء. كما كانوا يهتمون بتربية الناس على الطباع المستقيمة التي يدعوا إليها الدين الحنيف.
стр. 8629
ولم يحدث تطور يذكر في الوسائل المذكورة للدعوة الإسلامية في شبه القارة إلا في القرن العشرين، حيث ظهرت بعض الجماعات الإسلامية تهدف إلى نشر الدعوة في أنحاء البلاد. فيمكن لنا أن نقسم هذه الجماعات، الهادفة إلى نشر الدعوة الإسلامية، إلى أنواع حسب المنهج الذي تسير عليه في تحقيق مهمتها، فمنها جماعة تقوم بنشر الدعوة بين الناس عملياً، بالإتصال المباشر بالناس وخاصتهم ويلقنونهم مبادئ الإسلام ويحثونهم على العمل بها.
ومنها جماعات تركز اهتمامها بنشر الدعوة الإسلامية علمياً فأصحابها يوجهون نشاطهم إلى الطبقة المتعلمة أكثر منه إلى عامة الناس، وذلك بنشر فكرة الإسلام، بطريق الكتب والمجلات في مختلف اللغات المحلية، بأسلوب علمي ومنطقي يجذب أنظار المتعلمين إلى مبادئ الدعوة الإسلامية وقواعد شريعتها في مختلف مرافق الحياة البشرية [١] .
إن هذه الدعائم الثلاثة الرئيسية تقف كمشاعل تنير الطريق أمام الجيل الحاضر، وكذلك ستظل الأجيال القادمة بإذن الله تعالى، وكما أن مجرى الدعوة الإسلامية منوطة بهذه الركائز في مرحلتها الحاضرة في الهند اليوم، منوط بها أيضاً مستقبل هذه الدعوة في تلك البلاد.
ويتقرر مستقبل الدعوة الإسلامية في جمهورية الهند بعاملين رئيسيين:
العامل الأول: إحساس المسلمين في الهند بواجبهم في نشر دعوة الإسلام في هذه البقعة وفي تنمية الميراث الإسلامي الضخم، وإحساسهم أيضاً بمسئولية حراسة هذا الميراث وبها يؤدون أعظم الأمانات التي حملوها من آبائهم وأجدادهم إلى أبنائهم وأحفادهم.
стр. 8630
العامل الثاني: إن جمهورية الهند قد اتخذت لنفسها دستوراً علمانياً لا يقوم على أساس ديني رسمي ويخول الحرية لجميع المواطنين في الإحتفاظ بعقيدتهم والدعوة إلى مبادئهم ونشر ثقافتهم، ففي وسع المسلمين نشر الدعوة الإسلامية وتنوير قلوب الملايين بها بذلوا في سبيلها من جهود واتخذوا لها من وسائل مدروسة ومناهج سليمة وطرق مشروعة بإخلاص وصدق نية مع أداء ما عليهم من واجبات نحو وطنهم كمواطنين صالحين.
وأيضاً فإن مستقبل الدعوة الإسلامية في الهند المرتبط بماضيها فيها فقد عرفنا أن هذه لم تنتشر في هذه البقاع بفضل حكومات المسلمين التي قامت فيها، ولا بواسطة منظمات وهيئات قامت بنشرها أو وضعت خططه أو أنفقت فيه الأموال، بل يعود الفضل فيه إلى أسباب أخرى عديدة، ومنها: يتعلق بطبيعة هذه الدعوة من فطريتها وملاءمتها لكل زمان وظروف، وكذلك خصائص أنظمتها الإجتماعية حيث يجد فيها كل مجتمع متنوع الأجناس ومتفرق الطبقات، عناصر صالحة منقذة من المضار الكامنة في نظام الطبقات والعصبيات المناوئة للفطرة الإنسانية السليمة. ومنها: ما يتعلق بطبيعة الأمة الهندية كالنزعة الدينية المتأصلة فيها وروح التسامح التي اتسعت بها الثقافة الهندية منذ القدم، وكذلك حضارتها العريقة القائمة على الروحانيات. ومنها أيضاً ما يتعلق بصفات الدعاة ووسائلهم في نشر الدعوة، من الوعظ والإرشاد والقدوة الحسنة والسلوك السليم وابتعادهم عن المآرب السياسية والمطالب الشخصية.
стр. 8631
وأن هذه الأسباب التي ارتبط بها انتشار الدعوة الإسلامية في الهند طوال العصور الماضية لم تتغير بعد، وأما تغير الدول الحاكمة أو أنظمة الحكم فيها، فليس له دخل في تلك الأسباب فما دام القائمون على مهمة الدعوة متمسكين بهذه الأسباب فسيجدون في الهند أرضاً خصبة لتترعرع فيها الدعوة الإسلامية ويستطيعون أن يؤدوا واجبهم في حراسة أثمن وأقدس ما يعتز به المسلمون في كل مكان، وهو المحافظة على دينهم وتعليمه لأبنائهم وصيانته في قلوبهم وبيان محاسنه لبني وطنهم جميعاً.
وأول ما نستفيده من العبرة من تاريخ انتشار الدعوة الإسلامية في الهند، أن الإسلام دين الفطرة التي فطر الناس عليها، وأن تعاليمه تتمشى مع جميع البيئات والظروف، ومبادئه صالحة لكل زمان ومكان، فإن عناصر الخلود متوفرة في أصوله وقواعده، وأن فطرة الإنسان ونواميس الطبيعة لا تتغير ولا تتبدل مهما حاول المزيفون وسعى المخرفون ليبعد الناس عن فطرتهم. وهذا هو السر الكامن وراء الإنسياق الفطري الذي رآه تاريخ الدعوة الإسلامية في مختلف البلدان المتأصلة في الوثنية والشرك والإلحاد أو في الخرافات والخزعبلات، وكل هذا وذاك إلى جانب محاولات جمة بذلت لصد تيار هذه الحركة الإلهية العالمية وتشويه أهدافها ومقاصدها، أو تزييف كتابها.
والعبرة الثانية من تاريخ هذه الدعوة في تلك البقعة من الأرض، هو دور العلماء الصادقين في سبيل نشرها ومدى أثر جهودهم في توطيد دعائم العالم الإسلامي وتوحيد صفوف المسلمين وإزالة الوهن والضعف من قلوبهم. ونستفيد أيضاً أن حلقات سلسلة الدعوة الإسلامية لن تنقطع إلى يوم القيامة وهي تستمر في مد وجزر حسب تقلبات الزمن وتطورات العصر، فهي خير مصداق لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
стр. 8632
ويتجلى مدى انتشار الدعوة الإسلامية في الهند وتوطد أركانها في أرجائها من الملامح الخالدة التي نراها في هذه البلاد. ومنها:
١- انتشار مراكز الثقافة الإسلامية والعربية في أرجائها، ولا تزال هذه المركز تتدفق حماساً ونشاطاً للمحافظة على مسلمي الهند في نشر الدعوة الإسلامية وتطويرها، التي ورثها منذ أن استنارت الهند بنورها عقب انبثاق فجرها وتحمسوا لخدمتها بعدين عن مآرب الحكم السياسي أو الفتح العسكري أو جاه أو مال.
٢- انتشار اللغة العربية وأثرها في اللغات الهندية وآدابها وكذلك التراث العلمي والإسلامي الخالد لعلماء الهند المسلمين. ويبدو أثر هذا الإنتشار في حركة التأليف والنشر باللغة العربية التي قام بها هؤلاء العلماء في فترات التاريخ وفي شتى فروع العلوم الإسلامية والعربية. وكان شعار المسلمين في الهند منذ العهد الأول الإعتناء باللغة العربية والتمسك بها لكونها لغة القرآن الكريم وعلوم الدين الحنيف، وفضلاً عن أنها كانت من العوامل الرئيسية التي ساعدت على توثيق عرى التعارف والتفاهم بين الأمتين العظيمتين الهندية والعربية.
وجدير بالذكر أن كثيراً من المؤلفات العلماء الهنود قد تخطت شهرتها جدود الهند واحتفي بها علماء العرب والعجم واعترفوا لها بالدقة والإتقان وغزارة المادة والنفع العام. ونرى علماء الهند في بعض فترات التاريخ في مقدمة المؤلفين في العلوم الدينية وانتهت إليهم رئاسة التدريس والتأليف في فنون الحديث وشروحه وكذلك في السيرة النبوية وحكم التشريع الإسلامي.
٣- انتشار معالم الحضارة الإسلامية في جميع أرجاء الهند المتمثلة في الآلاف المؤلفة من المساجد والقلاع الفخمة التي بناها المسلمون والتي تنطق بروعة الفنون العربية الإسلامية وبراعتها.
стр. 8633
٤- أثر الفن العربي الإسلامي، فمن أبرز الملامح لنفوذ المسلمين في الهند الأثر الذي تركوه في ميادين الفنون المختلفة، وأما الفن المعماري فهو من أعظم مميزات عهود الحكام المسلمين فيها، ونرى الآن في شتى أنحائها قلاعاً شامخة ومساجد فخمة وأبنية ضخمة من القصور والمنائر التي تمثل النبوغ الفني العربي الإسلامي.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] لم يتطرق الكاتب للجماعة الثالثة ومنهجها كما وعد. المجلة.
стр. 8634
النفاق وَأضرَاره
لفضيلة الشيخ علي الحذيفي
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أما بعد ...
فإن العلم بالأعمال التي تقرب إلى الخالق سبحانه هو ما يحرص عليه المسلم الصادق، حتى يفعل من صالح الأعمال ما يحبه مولاه، ولا يستعظم المؤمن ما يقدمه لربه من نفس أو مال فإن النفس إلى موت والمال إلى فوت ويشفق قلبه من كل عائق يحول بينه وبين الله تعالى، ويخاف من كل قاطع يقطع عليه الصراط المستقيم الذي بدايته الطاعة، ونهايته الجنة.
стр. 8635
وإن أكبر المصائب، وأعظم المعوقات عن الله تعالى استيلاء النفاق على القلب، أو مخالطته للأعمال، كيف لا وقد كان سلف الأمة ﵃ يخافون من النفاق أشد الخوف، لما يعلمون من خطره، ولما تبين لهم من ضرره، فقد قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: وقال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ، كلهم يخاف النفاق على نفسه"، ويذكر عن الحسن البصري ﵀ قال:"ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق "انتهى. وقال عمر ﵁ لحذيفة ﵁:"يا حذيفة نش دتك بالله هل ذكرني لك رسول الله ﷺ في المنافقين"قال:" لا ولا أزكى بعدك أحداً "، ومعنى هذا أن حذيفة أراد أن يسد باب السؤال على نفسه حتى لا يسأل غير عمر ﵁، فيزكيه وهو لا يستحق، لا أن غير عمر ﵁ منافق. وسئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق قال:"ومن يأمن على نفسه النفاق "؟. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ أنه قيل له: إنا ندخل على سلطاننا فنقول له بخلاف ما نتكلم به إذا خرجنا من عنده قال:"كنا نعد هذا نفاقاً ".
وفي المسند عن حذيفة ﵁ قال:"إنكم لتكلمون كلاماً إن كنا لنعده على عهد رسول الله ﷺ النفاق "، وفي رواية قال:"إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ يصير منافقاً، وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم أو في المجلس عشر مرات ".
فهذه حال القوم من الخوف من النفاق، والإشفاق من التلوث به، مع امتلاء قلوبهم إيماناً ويقيناً، وسبقهم في الخيرات، ونصرتهم لدين الله تعالى، فأين الحال من الحال، اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وأعيننا من الخيانة.
النفاق:
стр. 8636
قال في القاموس: نافق في الدين ستر كفره وأظهر إيمانه وقال الجوهري في صحاحه:"والنفاق عمل المنافق " وقال الراغب الأصفهاني في غريب القرآن:"ومنه النفاق وهو الدخول في الشرع من باب والخروج عنه من باب واشتقاقه من النافقاء وهو حجر اليربوع الذي يحفره فيجعل له بابين باباً ظاهراً يرى وباباً آخر رقيقاً لا يرى حتى إذا طلبه الصائد دفع برأسه مارق من الجانب الآخر ونجا ".
والنفاق في الشرع نفاق اعتقاد ونفاق عمل، فنفاق الإعتقاد أن يظهر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهو في الباطن مكذب لرسول الله ﷺ أو مكذب لبعض ما جاء به رسول الله ﷺ أو مبغض له ﵊، أو مبغض لبعض ما جاء به ﷺ ، أو كاره لانتصار الإسلام، أو يفرح بانهزام الإسلام والمسلمين فصاحب هذا النفاق في الدرك الأسفل من النار قد خلع الإسلام من عنقه قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ .
وأما نفاق العمل فهو: أن يكذب في الحديث أو يخون في الأمانة أو يفجر في الخصومة أو يخلف الوعد من غير كفر بالله تعالى ولا تبغض ولا تكذيب للرسول ﷺ قال الحسن البصري رحمه الله تعالى:"من النفاق اختلاف القلب واللسان، واختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج ".
ظهور النفاق:
стр. 8637
لقد كان العهد المكي خالياً من النفاق لأن المسلمين كانوا مستضعفين فلا دولة ولا مغانم فما كان يدخل في الإسلام إلا من أخلص لله تعالى لا يخشى قوة فيصانعها، ولا يرجو منافع لينالها، بل إن الدعوة في مكة مطاردة، وأتباعها مضطهدون يعذبون بأنواع التعذيب من المشركين لذلك لم يكن إلا إيمان خالص أو كفر صريح، أما بعد هجرة رسول الله ﷺ فقد تغير الحال وأصبح الإسلام قوة تخشى واشتبك المسلمون مع عدوهم في قتال كان لهم النصر من الله تعالى في بدر وما بعد بدر، فدخل المنافقون في الإسلام ظاهراً لمصالح عاجلة. قدروها في أنفسهم تفوت في نظرهم لو لم يتظاهروا بالإسلام، حتى قال عبد الله ابن أُبي بعد بدر:"هنا أمر قد توجه "، فبايع وأسلم هو ومن معه من المشركين، ومن ثم نشأ النفاق في المدينة، ووجدت هذه الطائفة ظاهرها مع الإسلام والمسلمين وباطنها مع الكافرين.
صفات المنافقين:
لقد هتك الله أستار المنافقين، وكشف أسرارهم، وأظهر مخبوء صدورهم، وأخرج أضغانهم وجلى أمرهم لعباده المؤمنين لعظم ضررهم وشدة البلية بهم ليحذروهم، ولألا يتلبسوا ببعض صفاتهم وأنزل فيهم قرآناً يتلى، حتى لتكاد الأصابع أن تشير إلى هذا النموذج المكرور ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ وفي سورة التوبة من صفاتهم العجب حتى قال ابن عباس ﵄:" مازالت تنزل وصفهم حتى ظننا أنه لا يبقى منا أحد إلا ذكر فيها "رواه أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ.
الكذب:
стр. 8638
الكذب هو السمة الظاهرة، والميزة الغلبة على أعمال المنافقين، وهذا الخلق الذميم اختلط باللحم والدم والعصب منهم، وحل في سويداء قلوبهم، فهو شعار أعمالهم ودثارها وهو الذي جرهم إلى الفجور والآثام، فهم كاذبون مع ربهم، وكاذبون مع المؤمنين وكاذبون في الدنيا والآخرة، وكاذبون مع الكافرين وكاذبون مع أنفسهم. أما كذبهم مع ربهم فهو أنهم يعاملون الله تعالى معاملة المخادع لا معاملة المخلص، معاملة الكاذب لا معاملة الصادق، يعملون العمل والشك يأكل قلوبهم، ويقومون بأفعال الخير والمرض مستول على أفئدتهم، يسيرون إلى الله تعالى على حرف الطريق فما أن تقع أرجلهم على حرف الطريق حتى تخرج قال الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي يظهرون الإيمان بألسنتهم ويعتقدون الكفر بقلوبهم ظانين أن ذلك هو الكياسة والفطنة، وأن عملهم هذا نافعهم عند الله، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين، ولو علموا أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً وأنه يعلم السر وأخفى لو علموا ذلك لكان هذا مزدجراً لهم عن مخادعة الله ، فإن العاقل يأنف أن يخادع مخلوقاً مثله إذا علم أن لديه من العلم ما يعرف به خداعه، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة، فقههم وعلمهم وعزوب عقولهم يظنون أن أمرهم على السداد، وأنهم سالكون سبيل الرشاد، فهذه الصلاة أشرف الأعمال وأفضلها إذا قاموا إليها قاموا كسالى متثاقلين كارهين، متباطئين، لأنهم كذبة في معاملة ربهم لا رغبة لهم فيها، ولا خشوع ولا يعقلون معناها، فلا أثر للصلاة عليهم بالبعد عن الفحشاء والمنكر، لا يقومون بأفعال الصلاة إلا كما يقومون بالتمارين الرياضية المحضة، ولذلك كانت صلاة المنافقين جسداً بلا روح، ميتة بلا معنى قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ هذه صفة ظاهرهم، وصفة باطنهم
стр. 8639
﴿يُرَاؤُونَ النَّاس﴾ أي لا إخلاص لهم، وإنما يشهدون الناس تقية ومصانعة، فالصلاة عليهم ثقيلة، وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال:" أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً " وقوله تعالى: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي في صلاتهم لا يخشون، ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون غافلون، وإذا كان ذكرهم في الصلاة قليلاً وهي موطن استحضار القلب وكثرة الذكر ففي غير الصلاة لا يذكرون الله تعالى إلا نادراً كأن تصيبهم مصيبة أو يقعوا في هلكة، وقد روى مسلم وغيره عن انس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً " وإذا كان هذا فعله في صلاة العصر أو الصبح فغيرها من باب أولى.
وحال المنافقين في الصلاة تبعث الوجل في القلب، والإشفاق من لوثة النفاق أن يكون المسلم مفرطاً في صلاته أو ساهياً غافلاً، فمن أراد النجاة والقبول فليحاسب نفسه، وليزن عمله قبل أن يحصل ما في الصدور، وتبلى السرائر.
стр. 8640
والزكاة قرينة الصلاة، لا يبذلها المنافقون بسخاوة نفس، وسماحة عطاء، بل يؤدونها بتثاقل وكراهة، وانقباض قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ وهذا حالهم في ركنين عظيمين من الإسلام فما بالك بغير ذلك، ألا ما أكذب معاملتهم لربهم، وجدير بالقلب أن يكون فعله كاذباً، وحق للقلب المريض أن يكون عمله مريضاً قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ في قلوبهم مرض أي شك ونفاق ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاًً﴾ أي ضلالاً إلى ضلالهم، وشكاً إلى شكهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ والجزاء من جنس العمل شرعاً وقدراً فالمؤمنون لاهتدائهم واستقامتهم يزيدهم الله هدى كما قال تعالى: ﴿َالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ والمنافقون يخادعون الله تعالى وهو خادعهم ومن أثر خداع الله أن يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم ويخذلهم عن الوصول إلى الحق ويكلهم إلى أنفسهم، حتى يتردوا في الهلكات في الدنيا والآخرة. ولكذبهم مع ربهم تراهم جبناء في النزال، قاعدين عن القتال، قد خلع الجبن قلوبهم فتلمسوا المعاذير في تخلفهم عن الجهاد، ونكصوا عن نصرة الإسلام، واجتذبوا من أصغى إليهم وثبطوه عن حماية الدين، كما قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
стр. 8641
الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ فأنت ترى من هذه الآية أنهم يثبطون المؤمنين عن القتال ويدعونهم لترك الإشتراك في الجهاد، وأنهم لا يباشرون القتال إن حضروه إلا قليلاً خشية الذم والتعبير، وأنهم يبخلون بمعاونة المؤمنين بالنفس أو المال وأنه إذا جاءت الحب خفتت منهم الأصوات، وحفزتهم الأنفاس ودارت منهم الحدقات، كمن نزل به الموت فهو منه في غشية بعد غشية، فإذا علموا أن الخوف ارتفع والشدة زالت انطلقت منهم الألسن السليطة تفتك بأعراض المؤمنين ويقول تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ ولا ينتظر من كاذب مع ربه أن يقدم نفسه أو ماله لنصرة دين الله تعالى، إنما يكون بذل النفس والمال من صادق مع ربه، مخلص في إيمانه ولهذا قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا
стр. 8642
وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ وقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ".
وأما كذبهم مع المؤمنين فهو إظهارهم محبتهم ومودتهم، وهم في الباطن عدو لهم، وحرب عليهم يتربصون بهم الدوائر، ويبلغونهم الغوائل، يشجون عليهم أن ينفقوا معهم قبضة، أو يضربوا معهم بسوط، لأنهم لا يريدون للإسلام نصرة، ولا لحزب الله رفعة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ يفيد أنهم كانوا يتجنبون مجالسة المؤمنين كثيراً، لأنهم لا يأنسون بهم، ولكن إذا جمعهم مكان أو التقوا في طريق على وجه الندرة، قَالُوا آمَنَّا﴾ ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ يفيد أنهم مدفوعون بالرغبة إلى مجالسة شياطينهم وهم اليهود، وأن الأنس والفرح قد تملك قلوبهم، فالإنسان لا يخلو إلا بمن يأنس به وفي غمرة الأنس يبوحون بمخبوء ضمائرهم ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ في الباطل والحقيقة ﴿ِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ بهؤلاء السفهاء، لنقف على أخبارهم، ونقضي ما عسى أن يكون من شرهم، وكما إن يحكي القرآن الكريم فعلهم وقولهم حتى يصب عليهم الوعيد المخيف ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وما أشقى من استهزأ الله به، إنه لا يفلت من العقوبة ولا ينجو من الأخذ والهلكة. وقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁:"وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ".
стр. 8643
رضوا بهذه الحال المهينة، وهذه الصفة الوضيعة، رضوا بالذبذبة والإضطراب بين حزب المؤمنين، وحزب الكافرين، ليسوا مع أحد الفريقين ظاهراً وباطناً، قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ أي متحيرين بين الإيمان والكفر فلا هم مع المؤمنين ظاهراً وباطناً، ولا مع الكافرين ظاهراً وباطناً، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، فلا يستقر لهم حال، أعاذنا الله من النفاق. وقد روى مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵌ قال:"مثل المنافق كمثل الشاة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، ولا تدري أيهما تتبع " والعائرة المترددة من عارت الشاة بين الفحلين إذا ترددت لا تدري أيهما ينزو عليها، وروى الإمام أحمد بعض لفظه ومعناه من حديث ابن عمر، وما دفعهم إلى هذا الطريق المظلم، وهذا المسلك الوضيع إلا مصلحتهم الذاتية ومآربهم الدنية، ومرض قلوبهم فكروا وقدروا أنهم إن اتبعوا داعي الإيمان ظاهراً وباطناً فقد يكون حظه الفشل والخذلان، وإن اتبعوا أعداء الإسلام ظاهراً وباطناً فقد تكون العاقبة لأهل الإيمان، فاتخذوا صفة المراوغة والمخاتلة والغدر والدس، شأن النفس الضعيفة الحقيرة قال تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا﴾ أي انتهكوا في الفتنة والضلالة وأوغلوا فيها، ويقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أي توليناكم
стр. 8644
وناصرناكم وخذلنا المؤمنين عن قتالكم فإذا انكشف بعض أمرهم وظهر شيء، من خداعهم ومكرهم، وتناقلت الألسن بعض عوار كلامهم لجوا في الأيمان الكاذبة، وفزعوا إلى الحلف المتتابع ليدفعوا عن أنفسهم ما به يفتضحون وما به تحل بهم العقوبة كما قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ فهم يكثرون الحلف لأنهم فقدوا الثقة في أنفسهم فعلموا أنهم كاذبون فأرادوا أن يعوضوا تلك الثقة المفقودة، ويغطوا كذبهم بالأيمان الكاذبة، ويلبسوا على الناس هذا الكذب.
стр. 8645
إن شأن اليمين كبير، فهي تعظيم لله تعالى، لا تكون إلا لأغراض عالية كقطع النزاع بين المتخاصمين وتأكيد الأخبار الصحيحة، ولكن المنافقين اتخذوها وقاية لهم من انكشاف حالهم، وفضيحة أمرهم فهان عليهم اسم الله تعالى، ونزع خوف الله وتعظيمه من قلوبهم كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والعجب كل العجب أن الوقت الذي تبعثر فيه القبور، ويقوم الناس لرب العالمين، تتجلى للكافرين الحقائق لا يمترون فيها فيقولون فيما ذكر الله عنهم ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أما المنافقون فإنهم في هذا الوقت لا يزالون في ريبهم يترددون ويحلفون لله تعالى كذباً أنهم كانوا طائعين ظانين أن ذلك نافعهم كما كان الحال في الدنيا قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فهم كاذبون في الدنيا والآخرة. وهم كاذبون حتى مع أوليائهم الكافرين إن وعدوهم لم يفوا، وإن ضاقت بهم الأمور تخلوا عنهم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ
стр. 8646
وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ وهم يعلمون من أنفسهم أنهم كاذبون قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ أي كاذبون في اعتقادهم وفي أنفسهم. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :"أربع من كن فيه كان منافقاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر "، وخرجاه في الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:"آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان "وفي رواية لمسلم "وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ".
خلف الوع د
هذا فرع من الكذب لكنه من أخطر أنواع الكذب وأضرها بمصالح الناس، فإن الموعود يترك مصالحة الحقيقية للمصالح المظنونة فتفوته مصالحه كلها، ويذهب وقته بلا عوض وتضيع حقوق العباد المنوطة بالموعود، وخلف الوعد يزرع العداوة والبغضاء والحقد، ويؤدي إلى الإنتقام وإثارة الفتن، وينزع الثقة والصدق من صاحبه وما أكثر هذا الخلق البغيض من الكثرة الكاثرة من أرباب الوظائف المتولين أمور الناس، فهم يعدون ولا يوفون، ويقولون ولا يفعلون، فالمواعيد عندهم لا تنتهي حتى تبدأ، وقد يموت من يبتلى بهم وحاجته في صدره فتموت معه، وخلف الوعد على نوعين أحدهما أن يعد ومن نيته ألا يفي بوعده وهذا أشر الخلق ولو قال أفعل كذا إن شاء الله تعالى ومن نيته ألا يفعل كان كذباً وخلفاً.
стр. 8647
الثاني أن يعد ومن نيته أن يبدو له فيخلف من غير عذر له وكلا الأمرين من كبائر الإثم، وخلق من أخلاق النفاق قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لنصدقكن وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ .
ومعنى قوله ﵊: " وإذا خاصم فجر " أي خرج عن الحق عامداً، وفي سنن أبي داود عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال:"من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع " وفي رواية له أيضاً: "ومن أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله " ومعنى قوله ﵊: "وإذا عاهد غدر " أي نقض العهد والعقد والمواثيق التي تراضى عليها العباد واشتملت على مصالحهم والله تعالى وصف المؤمنين بأنهم لأماناتهم وعهدهم راعون، والمنافق لا هم له إلا مصلحته الذاتية فإذا لاحت له نقض للوصول إليها العهود، والمواثيق، وداس الأخلاق وتخطى الحواجز والموانع، هذه معاملتهم للخلق وتلك معاملتهم للخالق سبحانه.
نبذهم اوحي
стр. 8648
لقد وصف الله المؤمنين بأنهم يخضعون باطناً وظاهراً لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأنهم يستجيبون لما دعاهم إليه ربهم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ لأن الله تعالى أمرهم بذلك في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ فعند التنازع والإختلاف توزن الأمور بميزان الوحي الذي لا يخيس شعيرة، ومن ثم يرضى المؤمنون ويظهر الحق، وتستبين الجادة، وحال المنافق بخلاف هذه الحال إذا دعوا إلى الله ورسوله ليفصل بينهم في المنازعات، ويهديهم من الضلالات، ويخرجهم من الظلمات أعرضوا إعراض المستكبرين وإن كان له نفع وحق طلبوه بحكم الله وأقبلوا خاضعين كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ فلن يضر الله إعراضهم ولن ينفعهم ما وافق أهوائهم، وقد نفى الله الإيمان عمن هذه صفته في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ
стр. 8649
إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ فهذه الآيات تبين صفة المنافقين في التحاكم، وفي تقاضي الحقوق، وفي مرجعهم في التنازع فأنت ترى أن طريقتهم مزدوجة مرة إلى الطاغوت، ومرة إلى الوحي، ولكنّ تحاكمهم كثيراً ما يكون إلى الطاغوت وهو الباطل من الكهان أو يهود أو حكم الجاهلية، وقليلاً ما يكون تحاكمهم إلى الوحي كما ذكر الله ذلك بإن الدالة على التقليل في قوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ وكما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ فهذا يفيد أنهم يقدمون التحاكم إلى الطاغوت، ولا يتحاكمون إلى رسول الله ﷺ إلا إذا عضتهم الشدائد، وأحاطت بهم المصائب وفي أثناء الحكومة يعتذرون من سوء صنيعهم وعدولهم عن كتاب الله وسنة رسوله بالحلف إننا ما أردنا إلا الخير والمداراة والمصانعة هذا حالهم في التحاكم وتلك حالهم في الولاء، والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض أي متشابهون وإن تراخى الزمان وبعدت المسافة، فمنافقوا زماننا أغلظ نفاقاً من المنافقين في زمن رسول الله ﷺ فمنافقوا عهد رسول الله ﷺ كانوا يرجعون إلى حكم الله في المصائب، ويتحاكمون إلى الوحي في بعض الأوقات، ومنافقوا زماننا لا يتحاكمون إلى الوحي لا في المصيبة ولا في العافية فيا مسلم سلم فالمنافقون متشابهون إذا قال مؤمن: شريعة الله هي أولى بعباد الله في حكم ما بينهم وفصل خصوماتهم، وإصلاح حياتهم قال المنافقون: هذا إذا كان المواطنون مسلمين أما الآن فإن تحكيم الشريعة يثير حساسية الأقليات غير المسلمة ويعرض البلاد للإنقسام الطائفي، ولكن نوفق بين الشريعة والقانون الوضعي فيكون هناك محاكم شرعية ومحاكم قانونية وضعية ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ ونسوا أن الأقليات
стр. 8650
غير المسلمة لم تتفيأ ظلال العدل إلا في حكم الإسلام ولم تعرف الحياة الآمنة إلا في عهده. وإذا قيل تعالوا لمذهب سلف الأمة من سادات العارفين واسمعوا ما قال الله تعالى وقال رسوله ﷺ قال المنافقون: هذه ظواهر لفظية لا تفيد اليقين وهذه أحاديث آحاد لا تثمر القطع ولا يعمل بها في العقيدة، والسلف لم يكونوا متبحرين في العلوم، ولم يحرروا المسائل الكلامية، ويؤصلوا القواعد، ويدققوا النظر فقد كانوا مشتغلين بالأوامر تاركين النواهي، ونحن نريد أن نوفق بين القواعد العقلية والنصوص الشرعية، وإذا قيل: المسلم مأمور بترك التعصب المذهبي والرجوع عند اختلاف الأئمة رحمهم الله تعالى إلى كتاب الله وسنة رسوله ﵌. فما شهد له الدليل يؤخذ به ويعمل به وما لا دليل عليه يطرح إذا قيل هذا رأيت الصدود والإعراض والرجوع إلى ما أنزل الله هو كتاب الله والرجوع إلى الرسول هو الرجوع إلى سنته بعد وفاته.
موالاتهم للكافرين:
следующие страницы →