← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

إن الإيمان بالله وحده وعدم الإشراك به يمثل أول عنصر في عناصر المحافظة على الحياة إذ أن الإيمان هو الذي يعطي الإنسان الأمن والاستقرار والسكون الأمر الذي يدفعه إلى العمل والإنتاج وإثراء الحياة وتعمير الأرض والتعايش بسلام مع الآخرين جماعات أو دولا، ونقيضه الإشراك بالله واتخاذ الآلهة دونه باعتبار الإشراك بالله العنصر الأول في إبادة الحياة وقتلها إذ أن العقل لا يقبل ولا يستقر على الاستسلام بأن لهذا الكون بنظامه الدقيق من تعاقب الليل والنهار والمد والجزر في البحار والتوافق بين العناصر التي يتألف منها جسم الإنسان والعناصر التي تكون التربة الزراعية وغيرها لا يقبل العقل إلا أن يكون الموجد واحدا والمنظم واحدا والقوانين التي أودعها الكون واحدة كما أنه لا يقبل الشريك إذ أن الشراكة في الخلق تعني التنافس والتطاحن والتباين والاختلاف والعجز والفساد ثم يترتب على ذلك اضطراب الحياة وفقدان الطمأنينة والاستقرار والأمن والنظام، وإذا فقد الإنسان ما يؤمن به حقا ويحتاج إليه دوما ويستنجد به متى أراد ويدعو متى احتاج وهو متيقن من النجدة والإجابة- فقد الطمأنينة والأمن وفقد الدافع للحياة فضلا عن المحافظة عليها وفقدان الدافع والداعي يؤديان إلى قتل الحياة وتدميرها ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الانبياء) ٢٢

стр. 8717

يقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ . فالوجود كله وما فيه من حركة وسكون لم يترك للصدفة فالليل والنهار آيتان من آيات الله المتجددة الدقيقة والليل جعله الله للهدوء والراحة والنوم والنهار للجد والكدح والسعي ومن تعاقب الليل والنهار علم الناس حساب الساعات والأيام والشهور والفصول، وبهذا الناموس الإلهي ارتبط العمل وما يترتب عليه من ثواب وعقاب ومسئولية فردية جعلت الإنسان يختار بين الهدى والضلال والطاعة والمعصية ولا يتحمل أحد وزر أخيه لأنها مسؤولية فردية كما ذكرنا. أما المبادئ التربوية التي تبين طرق الهداية وتربط قواعد السلوك والتكاليف الفردية بالعقيدة فإنها تتمثل في الأحكام والنظم والقيم التي دعا الإسلام المسلم إلى التمسك بها حتى تتحقق له الهداية واقعا ويرقى بآدميته في الخلق والسلوك وهذا ما تضمنته الآية ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ فما هي النظم التي دعا إليها مما يهدي للتي هي أقوم؟.

стр. 8718

يقول الله تعالى: ﴿لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا

стр. 8719

بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [٤] . ويقول تعالى أيضا: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [٥] . الآيات السابقة من سورتي الأنعام والإسراء تبين تكاليف الهداية والأوامر والنواهي التي يربي بها الله عباده ونلاحظ أن هذه الآيات قد اتفقت في عدد من التكاليف الفردية والاجتماعية التي تؤدي إلى حفظ الحياة وسلامتها وقوتها سواء في النواحي الإيجابية أو النواحي السلبية وهى:

стр. 8720

عدم الإشراك بالله باتخاذ الآلهة معه لأن هذا يمثل محور العقيدة التي يقوم عليها منهج الله في التربية فالقرآن في كثير من سوره وقصصه يركز على الحقيقة الكبرى وهي عبادة الله وحده والنهي عن عبادة غيره فقضية الألوهية والعبودية هي قضية الإنسان الأولى والأخيرة في هذا الوجود لذا كانت وصية الله الخالدة لعباده والتي حملتها رسله إليهم هي ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . الأعراف آية ٥٩- ٦٥- ٧٣- و٨٥. ولأن العقيدة مسألة خاصة بالإنسان يحاسب على أساسها فإن الله يوجه الخطاب للفرد مع عمومية الأمر فقال: ﴿لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَر﴾ . ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ والنهي عن الشرك يقتضي توحيد المعبود الواحد الأحد لذلك قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ وهذه الصيغ نجدها كثيرة في القرآن الكريم إذ نجد الأمر بعبادة الله ثم النهي عن عبادة غيره أو الشرك به وكلا المعنيين واحد إلا أن أحدهما منطوق والآخر مفهوم ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ألا تعبدوا إلا الله و ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ الخ. ثم الإحسان إلى الوالدين: ونجد في الآيتين استعمالا لكلمة (الإحسان) للربط بين حسن المعاملة للوالدين وتقوى الله ومراقبته إذ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وسنفصل هذا المعنى في الحديث عن تربية القرآن في مجال العلاقة بين الأبناء والآباء.

стр. 8721

أما عن قتل الأولاد الذي حكاه القرآن عن الجاهليين والذي لا زال مستمرا فإن القرآن يحدثنا أن العقيدة الصحيحة تؤدي إلى توافق الإنسان مع فطرته وصحة مشاعره وسلامته كفرد وكعضو في المجتمع، وكما أن العقائد الصحيحة تنعكس آثارها على المجتمع فكذلك العقائد المنحرفة تنعكس على المجتمع لأن المجتمع في حركته لا يصدر إلا عن عقائد فالعقيدة هي الحياة، والقرآن يحدثنا عن انعكاس المعتقدات على المجتمع بما كان يفعله الجاهليون من قتل الأولاد خشية الفقر والإملاق ولو كانوا يعتقدون اعتقادا صحيحا بأن الأرزاق بيد الله لما وجدوا علاقة بين كثرة الأولاد والفقر فالدافع إلى ذلك التفكير هو فساد هذه العقيدة التي لا تترك الأمر بيد الله خالق الكون ورازق الأحياء ونجد اختلافا في التعبير بين الآيات باختلاف مقتضى الحال فلما كان قتل الأولاد بسبب فقر الآباء قدم رزق الآباء على الأبناء في سورة الأنعام ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ ولما كان القتل لاعتقاد أن سبب الفقر هم الأبناء قدم رزقهم على رزق آبائهم في الإسراء.. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ إننا نجد الصورة تتكرر في الجاهلية التي نعيشها فقد نشأ عن انحراف عقائد المسلمين وإبعادهم لتولي الله الأرزاق من تفكيرهم أن ربطوا بين ظروفهم المادية وكثرة النسل فظهر في واقعهم العملي والنظري حركة تحديد النسل بادعاء صعوبة الحياة وارتفاع تكاليف المعيشة وتحسين التربية بالإقلال من عدد الأولاد وهى فكرة يهودية قصد منها إضعاف الجنس البشري بعامة والإسلامي بخاصة ليسهل لهم السيطرة على البشر وهى فكرة تتمشى مع اعتقادهم في أنهم الجنس الأسمى والشعب المختار الذي يجب أن يحكم ويسود العالم.

стр. 8722

ومع ذلك فإننا نلحظ في الدول التي أخذت بنظام تحديد النسل كثيرا من المشكلات الاقتصادية والتفكك الأسري والحيرة في أوساط الشباب بل إن دولا إسلامية أخذت بهذا النظام وجندت له الأموال والإمكانيات المختلفة وجعلت لها مصالح قائمة بهذا الأمر إلا أنها فشلت في ذلك لتعارض الفكرة مع الفطرة السليمة بله المسلمة وارتفعت فيها نسبة المواليد بنسب عالية وكبيرة، وتطالب التربية القرآنية للفرد من الإنسان البعد عن الفواحش خاصة الزنا ففي سورة الأنعام ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ وفي سورة الإسراء تحديد الزنا باعتباره فاحشة وفي السورتين ربط بين ثلاثة أنواع من القتل، قتل الأولاد خشية الفقر وقتل ناشئ عن الزنا ثم قتل النفس التي حرمها الله. وعن القتل الناشئ عن الزنا يقول المرحوم سيد قطب: "إن في الزنا قتلا من نواحي شتى، إنه قتل ابتداء لأنه إراقة لمادة الحياة في موضعها، يتبعه غالبا الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق أو بعد أن يتخلق قبل مولده أو بعد مولده. فإذا ترك الجنين للحياة ترك في الغالب لحياة شريرة أو حياة مهينة فهي حياة مضيعة في المجتمع على نحو من الإنحاء وهو قتل في صورة أخرى للجماعة التي يفشو فيها فتضيع الأنساب وتختلط الدماء وتذهب الثقة في العرض والولد وتتخلل الجماعة وتتفكك روابطها فتنتهي إلى ما يشبه الموت بين الجماعات.

стр. 8723

وهو قتل للجماعة من جانب آخر إذ أن سهولة قضاء الشهوة عن طريقه يجعل الحياة الزوجية نافلة، ضرورة لها، ويجعل الأسرة تبعة لا داعي لها والأسرة هي المحضن الصالح للفراخ الناشئة لا تصح فطرتها ولا تسلم تربيتها إلا فيه [٦] . وقد حرم الإسلام قتل النفس التي حرمها الله إلا بالحق وقد بين الرسول ﷺ هذا الحق الذي يقتل به النفس المسلمة في حديثه ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والزاني المحصن والتارك لدينه المفارق للجماعة". رواه البخاري ومسلم.

стр. 8724

فالذي يقتل مسلما يقتل به حفاظا لدماء المسلمين على أن لا تعم الفوضى وتراق الدماء وتكثر الثأرات ببن الناس فلا بد من القصاص حتى لا تمتد يد على نفس بريئة إذا علمت بأن القصاص لا يلحقها وفي القصاص حياة لنفوس أخرى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَاب﴾ وقد رأينا مدى انتشار الجرائم في الدول التي ألغت عقوبة الإعدام والتي يطالب فيها الناس بإعادة هذه العقوبة حتى تحد عدد الجرائم المتزايدة لاطمئنان المجرم على أن حياته لن تزهق. أما الزاني المحصن ففي قتله وقاية للمجتمع من انتشار جرثومة الفساد واختلاط الأنساب وما يترتب على جريمة الزنا من جرائم القتل والإجهاض ومحاولات إخفاء الحمل غير المشروع وأبناء السفاح ونظرة المجتمع لهم وموقفهم من المجتمع وما إلى ذلك، أما الخارج عن جماعة المسلمين ففي قتله حماية للنظام من الفوضى الدينية والجماعة من التفكك والضعف فالدين لا إكراه في اعتناقه أما من اعتنقه وآمن به فليس مخيرا في الخروج منه فقد كانت له الحرية الكاملة قبل أن يسلم ويؤمن، أما بعد ذلك فالأمر مختلف وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "من فارق الجماعة قدر شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.."رواه الترمذي والنسائي. وقد أخذت الجماعات العلنية والسرية حتى العصابات والمنظمات الإرهابية بهذا المبدأ من الإسلام، فالجماعات تقتل كل من خرج عليها حتى لا يفضح أسرارها ويكشف خططها ويطلع الأعداء على أسرار جماعته فإذا كانت مبادئ البشر تحمى بهذا المبدأ في عالمنا فكيف بمبادئ خالق البشر؟ ونظامه ودينه؟.

стр. 8725

إن جماعة المسلمين مطالبون بتوفير الأسباب التي تحفظ حياة البشر الأسوياء الذين يعيشون في ظروف عادية وغير الأسوياء الذين يعيشون في ظروف غير عادية كاليتامى، وبالرغم من أنهم ينطبق عليهم قول الرسول ﷺ : "كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه" رواه الترمذي. إلا أن الجماعة المسلمة مطالبة برعاية مال اليتيم وحفظه وتنميته بما يعود بالفائدة إليه فاليتيم ضعيف محتاج إلى غيره حتى يبلغ أشده والوفاء بحقوقه من الوفاء بالعهد وعندما تسهر الجماعة المسلمة على شئون الأيتام والأرامل والمساكين والفقراء فإنها تحفظ حياتهم وتجعلهم أناسا صالحين في المجتمع. أما عن تربية القرآن في مجال المعاملات والبيع والشراء فواضح أن الجماعة المسلمة تتحرك وتتعامل فيما بينها، والمجتمع المستقر المزدهر هو الذي يقوم فيه التعامل على أسس من العدل والأمانة والاستقامة والنظافة في القلب والضمير ولذلك ذم الله سبحانه المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون إذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون وذلك استعجالا للكسب الفاني والقليل الذي يذهب الثقة ويهدر الكرامة. والأوامر التي تدعو إلى سلامة الحياة ونقائها كثيرة كالوفاء بالعهد وقول الحق ولو على ذوي القربى وإتباع هدى الله والاقتصاد في الإنفاق والنهي عن التبذير وإلقاء النفس في التهلكة وغير ذلك من الأوامر والنواهي التي يحفل بها كتاب الله وسنة نبيه وكلها تؤدي إلى توفير حياة هانئة سعيدة خالية من القلق والإضراب والفوضى. أما عن قانون تكاثر النوع:

стр. 8726

فإن هذا القانون مرتبط بسابقه فالحياة التي يطالب الإنسان بحفظها وصيانتها هي الحياة التي ينشئها المجتمع النظيف الطاهر بين الرجل والمرأة وهما عماد الأسرة التي تكون الحياة المشتركة بين الجنسين الذكر والأنثى، والله سبحانه شرع الزواج الذي يحقق السكينة والمودةْ والرحمة وتكاثر النوع من آياته: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [٧] . لذلك شرع الإسلام الزواج وحض عليه ليبتغي الناس ما كتب الله لهم من الذرية وإنشاء الأجيال ولذلك حض الرسول ﵊ الشباب على الزواج "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" [٨] . فالزواج هو العلاقة الشرعية الوحيدة التي عن طريقها يحفظ النسل ويستمر، فالشخص القادر على الزواج والمستطيع تحمل أعبائه الاقتصادية والاجتماعية والتربوية عليه أن يؤدي واجبه ودوره في استمرار الحياة وتكاثر النوع ولهذا جعل الإسلام للأسرة نظاما كاملا فالمرأة مساوية للرجل في الحقوق والواجبات والرجل هو رب الأسرة ورئيسها ومديرها لذلك كانت له القوامة وعليه التكاليف المترتبة على هذا الامتياز، والعلاقة في الأسرة قائمه على السكينة والمودة والرحمة والعطاء والبذل والطاعة والتفاهم، كما أرسى الإسلام الضوابط والنظم التي تحفظ هذه العلاقة في الظروف العادية كما وضع الحلول للمشكلات التي قد تنجم بين الرجل والمرأة وتدرج في خطوات العلاج حتى لا تنهار هذه العلاقة بمجرد الخلافات الناتجة من حركة الحياة بين الزوجين.

стр. 8727

ولأن الزواج هو الوسيلة الشرعية لتكاثر النوع زيادة على أنه سنة الرسول ﷺ فإن الرسول ﷺ نهى عن التبتل بمعنى الانقطاع عن النساء عبادة لله فعن انس ﵁ انه قال: كان النبي ﷺ يأمرنا بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة". وقد سبق أن ذكرنا أن الإسلام يحرم كل أمر يعوق الحياة ويعطلها ويهدمها ويحبذ كل أمر يدعو إلى إثرائها ونمائها وزيادتها ومن هنا كان تحريمه للتناسل الذي لا يقوم على أساس شرعي لأنه ضد المحافظة على الحياة وتشجيعه التناسل الشرعي وتحريمه كل أمر يعوق حفظ النوع واستمراره وتكاثره لذلك حرم الإجهاض إلا للضرورة ومنع الإخصاء لما رواه الصحابة من قولهم: "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا شيء فقلنا: ألا نستخص فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب". ثم قرأ علينا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ رواه البخاري.

стр. 8728

إن حركة تحديد النسل التي ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر في أوربا حركة مناقضة لقوانين الحياة في زيادة النسل الإنساني وتكاثره وقد استحدث المجتمع المعاصر وسائل كثيرة للحيلولة دون زيادة النسل كان من أخطر نتائجها حسب الإحصاءات انتشار الفواحش والأمراض الخبيثة المزمنة، وقد كان من نتائج انتشار الزنا وسهولة ارتكابه أنه يولد في كل عام ٨٠ ألف طفل غير شرعي أما في أمريكا فنسبة أولاد الحلال هي ١: ٥ أما عن الأمراض الخبيثة المترتبة على الزنا مثل السيلان والزهري فإنها كثيرة وأخطارها مدمرة للعالم. (ففي مدن أمريكا كلها تقريبا نجد أن الزهري والسيلان في انتشار وتقدم بسرعة لا توصف وأن أكثر من يفشو فيهم هذان المرضان هم الأحداث من الفتيان والفتيات الذين سنهم أقل من عشرين سنة بل الحقيقة أن نصف المصابين بهذين المرضين هم هؤلاء الأحداث [٩] وهناك إحصاءات مذهلة عن انتشار الأمراض الخبيثة في العالم يمكن الرجوع إليها في كتاب (حركة تحديد النسل) للشيخ أبو الأعلى المودودي) . وترتب على حركة تحديد النسل أيضا ضعف العلاقات الزوجية وانتشار نسب الطلاق والهجر بين االأزواج وحرمان الأطفال من رعاية أسرهم وآبائهم وتشرد الشباب الناشئ في هذه البيئات، وذلك لما للأبناء من أهمية في استمرار العلاقات وازدياد الروابط الأسرية ولما لانعدامهم من فتور في العلاقات وكآبة ووحشة يشعر بها الزوجان، كما ترتب على هذه الحركة انخفاض نسبة المواليد مع استعمال الموانع وارتفاع نسبة الإجهاض وقد كان رد الفعل في أمم الغرب واضحا وأصبحت نسبة المواليد المنخفضة مدعاة للقلق مما حدا بكثير من الدول إلى البحث عن طريق لجان متخصصة لدراسة تلك الظاهرة ووضع الحلول المناسب لها فأوصت اللجنة التي شكلت في إنجلترا بما يأتي: ١- أن تمنح كل أسرة مكافأة مالية على قدر ما يكون لديها من الأطفال. ٢- تخفيف وطأة الضرائب على من لديهم عدد من الأطفال.

стр. 8729

٣- زيادة عدد حجرات النوم في البيوت. ٤- معالجة مشاكل قلة السكان بواسطة جمعيات. ٥- العمل على رفاه الأسرة الكبيرة ورخائها الاقتصادي عن طريق مشاريع المحافظة على الصحة والأعمال الخيرية. وقد أيدت مقترحات اللجان بما يحفظ الحياة الاجتماعية والعائلية وأعطيت للمقترحات صفتها القانونية ورصدت مكافآت مالية للأطفال وأمهاتهم وإجازات للعاملات وتوفير فرص التعليم والعلاج والسكن للمتزوجين من أصحاب الأطفال حتى يزيلوا كل عائق مادي أو تربوي يمنع إنجاب الأطفال أو يحتج به المؤيدون [١٠] . أما فرنسا فقد "أصدرت فيها الحكومة قانونا يحرم تعليم منع الحمل ونشر المعلومات عن طرق ووسائله خطابة أو كتابة أو إشارة بالسر أو العلانية حتى أن الأطباء أنفسهم ملزمون بموجب هذا القانون أن لا يقوموا سرا أو علانية بشيء قد ينتج عنه منع الحمل، ولحمل السكان على كثرة التناسل قد وضعت فيها أكثر من عشرة قوانين بموجبها تمنح الأسرة ذات العدد الكبير من الأطفال مكافآت مالية وتعفيها من بعض الضرائب، وتوفر لها تسهيلات متعددة في الرواتب والأجر والمعايش وفي أجور السفر في القطار بل هي تمنحها الجوائز والوسائل وعلى العكس من ذلك تفرض فيها الضرائب الإضافية على الذين لا يتزوجون أو يتزوجون ولكن لا ينجبون ذرية" [١١] وكذلك فعلت إيطاليا في عهد (موسليني) الذي وضع عقوبات مالية وبالسجن لمن يفعل أمرا يؤدي إلى منع الحمل وكذلك فعلت السويد التي انخفضت فيها المواليد بصورة خطيرة.

стр. 8730

أما عن موقف الإسلام فيقول المودودي: "إن قوانين الإسلام للحياة الاجتماعية والاقتصادية، مع تعاليمه الخلقية وتربيته الروحانية قد محت كل سبب أو داعية من تلك الأسباب والدواعي التي لأجلها نشأت ثم تقدمت وانتشرت حركة تحديد النسل في المدنية الغربية، فالإنسان إذا كان مؤمنا بالإسلام مصدقا لتعاليمه وقوانينه من الوجهة الفكرية والعملية فإنه من المحال أن تنشأ في نفسه رغبة في تحديد النسل أو تعرض له في حياته ظروف ترغمه على الانحراف عن طريق الفطرة المستقيم" [١٢] .

стр. 8731

ويرى المودودي أن امتناع الرجل والمرأة عن الوفاء بالتزاماتهما في الإنجاب وزيادة النسل هو المقصود من قوله تعالى: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّه﴾ والقرآن يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُم﴾ ويقول أيضا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فغرض القرآن من إقامة العلاقة الزوجية واللذة التي يجدانها في الاتصال إنما هي للإبقاء على النوع البشري وتكاثره وزيادته وهى المناسبة مع فطرة الإنسان فإذا لم يتحقق هذا الغرض من الزواج وكانت المتعة هي المقصودة فإنهما يرتكبان جريمة قتل النفس وتغيير خلق الله وفطرته وفي ذلك يقول الدكتور ازوالد شوارز "من الحقيقة التي لا غبار عليها أن هذه الغريزة إنما هي لإنجاب الذرية وتخليد النسل إذ من القوانين الثابتة في علم الأحياء أن كل عضو في جسد الإنسان يجب أن يؤدي وظيفته الخاصة المستقلة حتى يحقق بذلك المهمة التي قد أسندتها إليه الفطرة، وعلى هذا إذا منع هذا العضو من أداء وظيفته الخاصة فلابد أن تتعرض حياة الإنسان لمشاكل مرهقة متعددة - ومما يتعلق بهذا البحث أن جسد المرأة لم يخلق في معظمه إلا لوظيفة الحمل والتوليد فهي إذا منعت أن تعمل لتحقيق هذه الوظيفة الأساسية لنظامها الجسدي والعقلي، فلابد أن تذهب ضحية الاضمحلال والتذمر والعقد النفسية المتعددة وعلى خلاف هذا فإنها عندما تصبح أما، تجد جمالا جديدا وبهاء روحيا يتغلب على ما قد يعتريها من الضعف والاضمحلال بسبب وضع الطفل وإرضاعه".

стр. 8732

إن خطورة هذه الحركة هي في دخولها وانتشارها بين المسلمين وترويج أجهزة الإعلام والحكومات لها وقد استغل دعاة التحديد ما يعانيه المسلمون من فقر وسوء ترشيد لتوزيع ثرواتهم التي من الله عليهم بها استغلوا فقرهم وروجوا لهذه الحركة وربطوها بصعوبة التربية والتعليم لعدد من الأولاد وقلة الدخول ومحدوديتها وارتفاع تكاليف المعيشة وقلة الموارد وصعوبة الرقي والتحضر مع كثرة الأولاد، وقد وجدت هذه الأسباب مع ضعف العقائد والإيمان بالله الخالق الرازق المدبر المعطي المانع - وجدت قبولاً ورواجاً وانتشاراً تحت ظل الأنظمة البعيدة عن منهج الله وشريعته ونظامه الاجتماعي والاقتصادي كما أنهم وجدوا من يذكرون بعض الأحاديث الخاصة بالعزل والتي لو درست ووضعت أمام الأحاديث التي تنفر من العزل لما وجدوا إباحة لذلك إلا في ظروف خاصة وحاجات ضرورية لا ترقى إلى مستوى الدعوة الجماعية.

стр. 8733

إن تكاثر النوع وزيادته من الوسائل الحقيقية لزيادة الإنتاج وارتفاع مستوى دخل الفرد والاكتفاء الذاتي في القوى البشرية المؤثرة في زيادة الدخل، والأمة الإسلامية أمة حضارة وبناء ودعوة وجهاد وهذه الصفات تستلزم الدعوة إلى تكاثر النسل وتدريب الكوادر المؤهلة الجيدة لميادين الاقتصاد والدعوة والجهاد والبناء وفي ذلك يرى المؤرخ ويل درانت أن كثرة السكان من أهم أسباب التقدم المدني كما يرى المؤرخ المعروف الإنجليزي - أرنولد توينبى- أن على زيادة السكان يتوقف تقدم أي حضارة إنسانية ويقول أورجابنسكي: "أن التضخم العظيم، مطلق العنان، لعدد من السكان كان له الأثر القوي والقول الفيصل في الارتفاع بأوروبا وجعلها قوة من الدرجة الأولى في العالم، إنه لم يكن من نتائج انفجار عدد السكان في أوروبا بعد أن تهيأت الأيدي العاملة لتيسير حياتها الاقتصادية الصناعية من جانب ومن جانب آخر ظل يتهيأ لها المهاجرون والجنود والعمال للانتشار في العالم وتسيير مختلف دولها المنتشرة في أصقاعه البعيدة المترامية الأطراف حيث كان قد دخل في حوزته السياسية نصف مساحة الكرة الأرضية وثلث عدد سكانها" [١٣] .

стр. 8734

إن الأمة المسلمة عليها أن تكرر هذا الدور وهذا الانتشار في العالم لأن واجبها أن تقدم للعالم منهج الله ونظامه لأن في ذلك سعادته الدنيوية والأخروية، وما قوة الصين الشعبية ونظرة العالم لها إلا من خلال العدد الهائل لسكانها وتوجس العالم منهم، وإن أعداء الإسلام لا يهابون إلا تزايد عدد المسلمين الذي سيؤدي إلى قوتهم وعن ذلك تقول مجلة التايم الأمريكية في عددها بتاريخ ١١/ ١/١٩٦١م: "الحقيقة أن سيادة أوروبا السياسية تتوجس خطرا سياسيا شديدا من تزايد السكان في آسيا والعالم الإسلامي في النصف الثاني من القرن الجاري". [١٤] إن قوى الشرك والصليبية والاستعمار والشيوعية والصهيونية العالمية كلها أعداء يتربصون بالعالم الإسلامي ويحيكون الدسائس والمؤامرات التي تعطله عن بناء قوته الاقتصادية والسياسية والعسكرية ومن أهم المعوقات التي يركزون عليها الدعوة إلى تحديد النسل في الوقت الذي تحرم الصليبية واليهودية على اتباعها تحديد نسلهم بل تطالب فيها إسرائيل من دول العالم مدها بالرجال لتزيد من قوتها العسكرية والسكانية والعالم لا يعترف اليوم إلا بمنطق الأقوى والأشد ولا شدة ولا قوة بعد الله إلا بزيادة الكفاءة السياسية والقتالية للعالم الإسلامي ولا سبيل إلى ذلك كله إلا بتكاثر النوع وزيادة السكان.

стр. 8735

أما بالنسبة لقانون الارتقاء الروحي والعقلي فإن الإسلام يدعو الإنسان إلى المحافظة على عقله الذي كرمه الله به وميزه عن الحيوانات الأخرى لذلك حرم عليه كل شيء يؤدي إلى فقدانه لهذه الخاصية المميزة له فحرم عليه المسكرات والمخدرات باعتبارها عوامل هدم للمجتمع وقتل لمواهب الإنسان وصرف للطاقات البشرية في غير الوجهة التي يجب أن توجه إليها وهي تتنافى مع مطالبة الإنسان بالسمو الروحي الذي هو من مميزات الإنسان وهي التي تمنحه السكينة والطمأنينة ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ وهي التي ترفعه عن الخلود إلى الأرض واتباع الشهوات والانغماس في الحياة المادية ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [١٥] . إن فقدان التربية الروحية للإنسان يؤدي به إلى الانحلال والفوضى وسيطرة الشهوات وانتشار الأدواء الاجتماعية مثل الحسد والبغضاء والكذب والنفاق الخ. إذ أن الجانب الروحي في حياة الإنسان يمثل إحدى حاجاته الطبيعية التي تبعده عن كثير من الأمراض المادة وتحقق له السعادة في الدنيا والآخرة وتسمو نفسه إلى درجات الكمال والنماء والرقي والعبادات التي فرضها الإسلام من صلاة وصوم وزكاة وحج وخضوع كامل لله هي الطريق إلى السمو الروحي والكمال العقلي ووسيلة إلى السعادة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [١٦] .

стр. 8736

إن الإسلام قد كلف الإنسان بتكاليف وواجبات تتناسب مع طاقته وتميزه عن الحيوان وغير الحيوان ممن عجزت طاقاتهم عن القيام بواجب تلك التكاليف وفي ذلك يقول : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [١٧] . والإنسان بتحمله عبء التكاليف والقيام بها قد ميز نفسه عن الحيوان فهذه التكاليف والواجبات ما هي إلا تمييز لإنسانية الإنسان وإعزاز لمكانته وتأكيد لتكريم الله له عن سائر المخلوقات والذي ميز الإنسان وجعله له هذه الخاصية هو تميزه من الناحية العقلية والروحية والأخلاقية فإذا تخلى الإنسان عن حمل هذه التكاليف غلب صفات الحيوان في شخصه وأصبح كما وصفه القرآن من الأنعام أو الدواب ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [١٨] . بل إنهم قد يكونون في منزلة أقل من الأنعام ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [١٩] وأهم مظاهر هذا الرقي هو التحلي بحسن الخلق ولين الجانب وتزكية النفس وإصلاحها وتطهيرها باعتبارها أهم الحاجات التي اقتضت إرسال الله الرسل للناس إذ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [٢٠] ويقول: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [٢١] .

стр. 8737

فالله يذكر عباده ما أنعم به عليهم من إرسال الرسول محمد ﷺ ، ليتلو عليهم آيات الله المختلفة وبمدلولاتها ومظاهرها المتباينة "ليطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويعلمهم الكتاب وهو القرآن والحكمة وهي السنة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالعقول الغراء فانتقلوا ببركة رسالته ويمن سفارته إلى حال الأولياء وسجايا العلماء فصاروا أعمق الناس علما وأبرهم قلوبا وأقلهم تكلفا وأصدقهم لهجة". وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم﴾ ولمن يعرف قدر هذه النعمة ويقدرها يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال ابن عباس: "يعني بنعمة الله محمدا ﷺ [٢٢] ولأن الله سبحانه ذكر هذه النعمة نعمة إرسال الرسول ﷺ طلب الله مقابلة تلك النعمة بما يجب له من شكر وذكر فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [٢٣] . وحين نتدبر اللفظ يزكيهم نجد أن المقصود بالتزكية انتزاع ما هو غير مرغوب فيه، وتعزيز ما هو مرغوب به فهي إذن تعديل للسلوك بلغة التربية الحديثة. والقرآن يقدم التزكية على التعليم كما هو واضح من ترتيب السياق ويجعلها مقدمة له تسهل التعليم وتعززه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ وجاء أيضا: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ .

стр. 8738

وفي ميدان التزكية هذه تشدد التطبيقات النبوية على الابتعاد بالفرد عن البيئات التي تتنكر للقيم الإسلامية وعن مؤسساتها الثقافية والتوجيهية والوظيفية ابتعادا يستهدف توفير نوع من الحمية الفكرية والروحية والسلوكية، ويمكن التربية الإسلامية من الانفراد بإعادة تشكيل سلوكه [٢٤] . وفي سبيل هذه التزكية اتخذت التطبيقات التربوية الإسلامية ثلاث خطوات أولها تعديل السلوك بإبعاد المسلم عن المنابع الدينية الأخرى وتوحيد المنبع الذي يستقي منه المسلم وهو القرآن ومخالفة المظاهر الحياتية لغير المسلمين، وثانيها إبعاد المؤثرات الثقافية الخارجية من أنماط التفكير والقيم والعادات والتقاليد والتصورات ثم الخطوة الثالثة وهي: "الشروع بتعديل السلوك غير المرغوب به وتعزيز ما هو مرغوب به، ويلاحظ أن القرآن الكريم والسنة الشريفة قد حددا للنفس ثلاثة مراتب يتدرج الفرد خلالها حتى يبلغ السلوك العاطفي والعقلي والعملي منتهاه المرغوب به. وهذه المراتب هي: مرتبة الإسلام وتستهدف تعديل السلوك الظاهر ثم مرتبة الإيمان حيث يتدعم السلوك الظاهر بالإيمان الباطن ثم مرتبة الإحسان حيث تتناسق مهارات التفكير مع تطبيقات الجوارح وانفعالات الشعور وتتضافر جميعها لإخلاص العبودية لله وإصابة الحق في كل ميدان من ميادين العبادة أو العمل وبذلك تتضافر جميع أنماط السلوك لتعزيز الموقف الذي تحدده أهداف التربية الإسلامية" [٢٥] . ومرحلة الإيمان التي ذكرها الأستاذ ماجد عرسان والتي يطلب فيها مطابقة المخبر للمظهر هي التي عبر عنها القرآن الكريم في الآية: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [٢٦] .

стр. 8739

أما المرحلة الثالثة فهي التي عبر عنها الرسول ﷺ بقوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه، يراك" [٢٧] أو التي قال فيها: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرا مما به بأس" [٢٨] . ولو استعرضنا التكاليف والأوامر التي أمرنا الله بها لوجدناها في نهاية الأمر كمال السلوك وقمة الاستقامة وغاية الرقي الروحي والعقلي وصلاح الفرد والأمة فالصلاة والصيام والزكاة والحج ومراعاة حقوق الله كلها من إيمان بذاته وصفاته وأفعاله ورسله وملائكته وكتبه وبعثه وحسابه وجنته وناره وحلاله وحرامه ونصر شريعته والجهاد لإقامة حكمه وإعلاء كلمته، ومراعاة أوامر الله في طاعة الوالدين وحقوقهما وبرهما والدعاء لهما وتفقد أمورهما ما داما على قيد الحياة ثم مراعاة حقوق الزوجة والأولاد من إحسان وبر ونفقة وتربية وهداية ثم حقوق الأقارب والجيران والمسلمين عامة ثم حقوق الدولة الإسلامية والجماعات كل هذه الأشياء هي التي تؤدي إلى الإنسان الكامل الخلق الموجه لطاقاته التي أودعها الله فيه في اتجاهها الصحيح وكلها في النهاية تؤدي بالإنسان إلى تحقيق سر وجوده على هذا الكون وهو عبادة الله وحده خالق هذا الكون الذي سخره لعباده ليكونوا سادة الكون وعبيد الله..

стр. 8740

إن الرقي الكامل لا يتم بمجرد الجهود التي يبذلها الفرد لإصلاح نفسه والسمو بها والترفع بها عما يهين آدميته ويذهب عقله ولكن جهود الأمة والدولة كلها يجب أن تتجه إلى ذلك فإذا كان العلم المجرد يرى ضررا كبيرا على إنسانية الإنسان من إباحة الخمور وأنواع الدخان والانقياد وراء الشهوات بلا رابط فإن أنظمة الحكم وقوانين الجماعات يجب أن تحرم ذلك صيانة لعقل الإنسان وكرامته وإنسانيته، وإذا كان التفكير الحر المعقول حقا يميز آدمية الإنسان فإن الأنظمة التي تحجر التفكير وتمنع النقد والمناقشة والتأمل كالمجتمعات الشيوعية والاشتراكية وتوابعها والأنظمة التي تبيح التفكير بلا قيود ولا ضوابط كلها تحط من قدر العقل وإنسانية الإنسان. والقرآن قد جاء بدعوة لتحرير العقل البشري من قيود الحجر كلها قديمة وحديثة وأنكر على الذين يعطلون هذه الخاصية خاصية التفكير في أنفسهم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [٢٩] . وقوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [٣٠] .

стр. 8741

ويحدثنا القرآن أن ضلال البشرية راجع إلى تعطيلها لعقلها وتقديسها لتقاليد وديانات سابقيها ولو كانوا على غير الهدى وهذا سر رفضهم لكل دين جديد جاء لتحرير عقولهم والسمو بأرواحهم وربطهم بالله خالق الكون ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ . ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [٣١] .

стр. 8742

لذلك كله دعا القرآن إلى تحرير العقل البشري والتأمل في ملكوت الله والكون بنظامه وتنسيقه وآياته وحقائق الوجود الدالة على عظمة الخالق المدبر المنسق ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [٣٢] . والنظر في الكون والتأمل في ملكوت الله جعل كثيرا من علماء الغرب فضلا عن المسلمين يؤمنون بأن لهذا الكون خالقا ولنظامه مدبرا يقول (أوبختون) : "إن من وراء هذا الكون عقلا مدبرا حكيما، هذا العقل هو الروح الأعظم، هو الله "ويقول العالم (بليغن) في كتابه (العلم ينظر إلى السماء) : "إن الكون كله بنجومه المختلفة الأحجام التي لا حصر لها، والتي تندفع في جميع الاتجاهات كأنها شظايا قنبلة متفجرة، صورة لا يكاد المرء يتخيلها حتى يدركه البهر وتنقطع أنفاسه، ولكن يبدو أن الأجدر بأن يبهر ويقطع الأنفاس، هو رؤية هذا الحيوان البشري الضئيل الذي يعيش على شظية من شظايا نجم صغير، في زاوية صغيرة من زوايا مجرة لا تختلف شيئا عن الملايين من أمثالها، هذا الحيوان يجرؤ على أن يسمو ببصره إلى إطراق الفضاء، يجرؤ فيتحدى ثم يجرؤ فيحاول أن يعرف سر الكون" [٣٣] . وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [٣٤] .

стр. 8743

إن ارتقاء الإنسان عقليا وروحيا هو الوسيلة لسعادته في الدنيا والآخرة لأن الإنسان في حاجة إلى الحياة الروحية كحاجته للمتطلبات المادية والعقل والروح هما المميزان للإنسان عن بقية المخلوقات إذ أن معرفة الله سبحانه والمداومة على ذكره والامتثال للواجبات الروحية التي فرضها على عباده هي التي تفضي على حياة المرء البهجة والمسرة والرضا والإطمئنان في الدنيا والنجاة والفلاح في الآخرة وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ . هذا في الدنيا أما في الآخرة ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [٣٥] . رابعا: مرتكز المسؤولية والجزاء: تربية الإحساس والشعور بالمسئولية من الأمور التي بنت التربية الإسلامية ركائزها عليها وذلك لما للإحساس بالمسئولية وغرسها في النفوس وممارستها في الواقع من أثر كبير في تربية الأفراد والمجتمعات، والمسؤول هو الشخص الذي يتحمل نتيجة أعماله وتصرفاته أمام الله وأمام نفسه ومجتمعه وعلى مدى الالتزام بهذه المسؤولية أو عدم الالتزام بها يكون الجزاء خيرا أو شرا والمسؤول في الإسلام هو الراعي كما بينه الرسول ﷺ في حديثه: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية ومسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته" [٣٦] .

стр. 8744

فالمسؤوليات تتدرج لتشمل الفرد والأسرة والجماعة والحاكم والعامل مما يدل على أن الراعي هو كل شخص في موقع المسؤولية أيا كانت المسؤولية المناطة به، والمسؤولية بهذا المعنى تشمل كل فرد من أفراد الأمة توفرت فيه الأهلية للتكاليف والوعي بنفسه وسلوكه وواجباته في الحياة. والعرب يطلقون كلمة (الراعي) على من ينظر إلى الأشياء بعين المصلحة والخير والقرآن استعمل الكلمة في دلالتها الحقيقية ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [٣٧] والمعنوية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [٣٨] . وارتباط المسؤولية بالأمانة كثير في القرآن باعتبار أن الأمانة تشمل كل الواجبات المناطة بالإنسان في الحياة إزاء ربه أولاً ثم إزاء نفسه وأسرته ومجتمعه ولذلك يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [٣٩] ، والأمانة هنا كما يقول ابن عباس: "الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد من فرائض وغيرها" [٤٠] .

стр. 8745

ولذلك يشترط الإسلام في الشخص المسئول شروطا تبين الأهلية كشرط العقل والبلوغ والحرية في الإرادة والاختيار والقبول والرفض والقدرة على التحمل، فالمجنون غير مطالب بالمسؤوليات وكذلك الصغير والذي لا يملك إرادة نفسه أولا يستطيع تنفيذ اختياراته ولذلك أخرج الإسلام من دائرة المسؤولية المجنون والنائم والناسي والمضطر ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وكذلك ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [٤١] كما أخرج ما تتحدث به نفس الإنسان من هواجس ووساوس إلا إذا ترجمت أحاديث النفس إلى أفعال فعندما نزل قول الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [٤٢] اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وهرعوا إليه يتساءلون عن مؤاخذتهم على حديث نفوسهم وهواجس قلوبهم فطلب منهم أن يسمعوا ويطيعوا فنزلت الآيات التالية لها قال ابن عباس: "فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها وصار الأمر إلى أن قضى الله أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل" [٤٣] ، فالمسؤولية على قدر طاقة الإنسان وقدرته ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ، وتكاليف الإسلام كلها من واجبات وفرائض وسنن وغيرها لا تجد فيها أمرا خارجا عن طاقة الإنسان فهي تكاليف ليست شاقة ومتعبة بحيث يعجز عنها الإنسان وليست سهلة وبسيطة بحيث يستهتر بها الإنسان ويستهزئ وهو مع مسؤوليته غير مخاطب على النسيان والخطأ ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا

стр. 8746

تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [٤٤] . بل إن الإسلام جعل مسؤولية الإنسان عما تحدثه به نفسه من معصية في صالحه إذا تخلى عن ذلك خشية للَه وتذكرا له ففي الحديث القدسي يقول الله :"إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها سيئة وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا" والأحاديث حول هذا المعنى كثيرة وكلها تدل على ربط المسؤولية بالسلوك العملي ولكن الإسلام يوضح فرقا بين ما تقدم وبين نوع من أحاديث النفس المرتبطة بالإرادة وسبق الإصرار كما يقولون وهو نوع من السلوك يؤاخذ عليه الإنسان في الإسلام سواء ارتبط بالعمل أم لم يرتبط وهو الذي قال فيه الله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أو قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ وقوله ﵊:"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" والمقتول مؤاخذ لأنه دخل تحت طائلة الشروع في القتل وسبق العزم والإصرار على القتل إلا إذا كان دفاعا من المقتول أو القاتل عن نفسه. وحديث المسؤولية السابق يوضح أن الإنسان في الإسلام لا تقتصر مسئولياته على نفسه وإنما تتدرج هذه المسئوليات من الفرد إلى الأسرة إلى الجماعة إلى الحاكم أو الراعي ففي مسئولية الفرد نحو أسرته يقول الله تعالى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [٤٥] ، ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [٤٦] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [٤٧] . ويقول الرسول ﷺ : "إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته" [٤٨] .

стр. 8747

وبما أن أقل عدد يتكون منه الأسرة فردان هما الزوج والزوجة فإن لكل واحد منهما مسئولياته وكذلك الأبناء والأقارب إن كانت الأسرة كبيرة، وقد وضع الإسلام المسئولية الكبرى، في الأسرة على عاتق الزوج باعتباره المتولي لزمام القيادة والنظام والتوجيه للأسرة والمسئولية عنها أمام الله والمجتمع وعلى عظم المسئوليات والتكاليف تكون الامتيازات الممنوحة للرجل ومنها امتياز القوامة ومقابل هذا الامتياز الامتياز الذي منح للمرأة هو إطلاق صفة الصلاح عليها إن قامت بواجبها وأعانت زوجها على مسئولياته والله تعالى يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [٤٩] . وهذه القوامة قد حددها الله تعالى من خلال الوظائف والخصائص النفسية والعضوية والعقلية لكل من الرجل والمرأة وهما يمثلان نفسا واحدة واختصت كل واحد من شطري النفس بتكاليف وأعباء حسب استعداداته الفطرية وخصائصه العقلية والعاطفية، لأن الرجل والمرأة يكونان مؤسسة تسمى بالأسرة فإن رئاسة هذه المؤسسة هي القوامة والقوامة بهذا "وظيفة، داخل كيان الأسرة، ولإدارة هذه المؤسسة الخطيرة، وصيانتها وحمايتها ووجود القيم في مؤسسة ما، لا يلغي وجود ولا شخصية ولا حقوق الشركاء فيها والعاملين في وظائفها" [٥٠] .

стр. 8748

وقد حدد الرسول ﷺ مسئوليات كل من الزوجين في خطبة الوداع حيث يقول: "أما بعد: أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيرا فإهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت" [٥١] . فمسئوليات الزوج تتمثل في حسن الخلق والمعاشرة والتحمل وضبط النفس والمودة والملاطفة وحسن الظن والإنفاق بحسب الاستطاعة ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ . وكذلك العدل إذا عدد الزوجات وهو العدل فيما يملك مثل العدل في النفقة وفي المبيت دون العاطفة والحب، أما الزوجة فمسئولياتها واضحة في الخطبة وهي طاعة الزوج إلا في معصية وعدم مخالفته في حدود قدرتها وإمكانياتها والمحافظة على بيته وماله وعرضه وتوفير سبل الراحة المادية والمعنوية له وعونه على الدنيا والآخرة وتحبيب نفسها إليه وإحسان عشرته وإطراء معروفه فهي راعية ومسئولة أمام الله عن رعيتها.

стр. 8749

أما مسؤولية الآباء نحو الأبناء فكثيرة أهمها اختيار الاسم الصالح المعبر عن أمله فيهم، وتغذية أجسامهم بالغذاء وأرواحهم وعقولهم بالعلم والمعرفة والفضائل والقيم والأخلاق الحسنة والتربية الشاملة القائمة على حسن العقيدة وسلامة الضمير والخوف من الله، أما مسئولية الأبناء فعظيمة وجسيمة والقرآن قد أكثر من وصاية الأبناء بالآباء ولم يوص الآباء بالأبناء لأن إحساس الآباء فطري وعطاؤهم مطلق وحبهم غريزي لذا كان وصية القرآن للأبناء أما الآباء فقد وصوا مرتين في مشكلة قتل الأبناء ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [٥٢] . وفي حديث ابن مسعود يقول: "سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله تعالى فقال: "الصلاة على وقتها"، قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"، قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" [٥٣] . فرب الأسرة مسئول عن كل فرد من أفراد أسرته رعاية وعناية وتربية وتعليما وتوجيها في حدود طاقته وقدراته حتى يخلي بذلك مسئوليته أمام الله .

стр. 8750

أما المسئولية الجماعية فإن الفرد مسئول عن تصرفات أعضائها وسلوكهم باعتبار الجماعة وحدة واحدة لهما شخصيتها الاعتبارية ولأن الأمة الإسلامية أمة دعوة ورسالة فإن أولى المسئوليات المناطة بها هي القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾ [٥٤] ، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [٥٥] . ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [٥٦] ويقول عن بني إسرائيل ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [٥٧] .

стр. 8751

ولأن انحراف الأفراد يؤدي إلى فساد المجتمع فقد عقب الرسول ﷺ على الآية السابقة بقوله: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنَه على الحق أطر ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم" [٥٨] ، وفي هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [٥٩] ، ولأن المسلمين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فإن الرسول ﷺ شبه الجماعة بالجسد لتضامنها في مسئولياتها وشبهها بالسفينة وبمسئولية الجماعة عنها بصفتهم الجماعية لا الفردية فقال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا" [٦٠] . وقد أخذت كل النظريات الحديثة في الأخلاق بما قرره الإسلام من أن حرية الأفراد ليست مطلقة بل مقيدة بقيود كما أخذ بها في (إعلان حقوق الإنسان) وعرفت الحرية فيها بأنها "القدرة على عمل كل شيء لا يضر بالغير"، وحقوق الغير في الإسلام تشمل حق الله أولا ثم المجتمع أفرادا وجماعات، وإزالة المنكر أمر جعله الرسول ﷺ من مسئوليات الأفراد في الجماعة وواجباتهم بالطرق المتاحة لهم "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" [٦١] .

стр. 8752

ومجاهدة الخارجين عن الإسلام والمنحرفين في السلوك دليل على الإيمان فالرسول ﷺ يقول:"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" [٦٢] والمسئوليات الجماعية كثيرة في الإسلام وفي القرآن والسنة المزيد لمن أراد ذلك. أما المسئولية الفردية فإن الفرد المسئول هو من توافرت فيه صفات الأهلية للقيام بمسئولياته، والمسئوليات المناطة بالفرد المسلم تتميز بالوسطية بين الصعوبة والسهولة كما أسلفنا ولم يكلف الله عباده بمسئوليات تفوق إمكاناتهم وقدراتهم الجسدية والعقلية والنفسية لأن الله يريد لعباده اليسر ولا يكلف نفسا فوق طاقتها والرسول ﷺ يطلب من المسلمين أن يمتثلوا وينفذوا الأمور التي نها عنها وأن يؤتوا من أوامره ما يستطيعون والإنسان مسئول أمام الله سبحانه عن نفسه وهو وإن كان مسئولا عن تصرفات الآخرين وسلوكهم من حيث التوجيه والإنكار والأخذ بيدهم إلا أنه غير مسئول عما وقع من أعمالهم، فالله يقول: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [٦٣] . ويقول: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [٦٤] .

стр. 8753

أما مسئولية الراعي أو الحاكم أو الدولة فتتمثل أساسا في تنفيذ شريعة الله ومنهجه في الحياة وإقامة حدوده وأحكامه وصيانة حقوق المسلمين والسهر على مصالحهم ودرء الفساد في كل أنواعه ويتمخض عن المسئوليات السابقة نوع الجزاء الذي يترتب على العمل الذي قام به الفرد باختياره وإرادته ومارس فيه الحرية التي أعطاها الله له لأن الفرد المسلم تقوم تربيته على أساس مراقبة الله الدائمة للإنسان في سره وعلانيته خيره وشره وأنه مثاب على الخير ومعاقب على الشر وهذا الإحساس هو ضابط السلوك بالنسبة للفرد الذي يعلم أن الله مطلع على كل صغيرة وكبيرة ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [٦٥] . ولذلك صور القرآن حال المجرمين يوم القيامة وشفقتهم وخوفهم من ذلك الإحصاء الدقيق المتناهي في الدقة والذي يحصى عمر الإنسان بالثواني إن عمل مثقال ذرة من خير وجده وإن عمل مثقال ذرة من شر وجده ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [٦٦] لأن المحصي والمحاسب هو الله الذي أحاط علمه بدقائق الأمور ولطائفها محسة وغير محسة ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [٦٧] كيف لا يكون ذلك وهو الذي يقول عن ذاته العلية ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [٦٨] .

стр. 8754

إن العقل الإنساني لا يقبل الظلم ولا يرضي به، والعدالة تقتضي إثابة المحسن وعقاب المسيء والله قد حرم الظلم على نفسه وجعله محرما بين الناس ووعد بالجنة وهو لا يخلف وعده، ولأن العدالة تقتضي انتفاء المساواة بين الخبيث والطيب والمحسن والمسيء والصالح والطالح والمؤمن والكافر يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [٦٩] . ويقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [٧٠] .

стр. 8755

والفرد الذي وعده الله بالثواب أو العقاب يأتي يوم القيامة وحده ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [٧١] . ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [٧٢] . فإذا وجد خيرا حسب ما قدم كان مصيره الجنة والنعيم المقيم وإذا قدم شرا كان مصيره ما يستحقه من عقاب الله، والقرآن قد فصل ذلك كثيرا وبين جزاء المحسن والمثيب إلا أن الله لا يثيب إلا بمضاعفتها لمن يريد والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا يعلم قدره إلا الله وقد يغفر الله لمن يشاء من عباده الذنوب دون الكفر فإنه لا يغفره ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [٧٣] ولأن الشركَ بالله ليس من الذنوب فإنه يقول: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [٧٤] . والجزاء قد يكون في الدنيا أو الآخرة أو فيهما معا كما أنه قد يكون قصاصا يقوم به ولي الأمر وقد يكون مباشرة من الله في الدنيا بالهلاك كما حدث لعاد وثمود وغيرهم من الأمم التي قص القرآن أخبارها وقد يكون بالأمراض والأوبئة أو الذل والاستكانة والضلال أو الابتلاء بفقدان السكينة والأمن والاستقرار والانحلال الخلقي من حسد وبغض ونفاق وشقاق ومجانة وخيانة ورشوة ومحسوبية.
следующие страницы →