Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.
стр. 8751
ولأن انحراف الأفراد يؤدي إلى فساد المجتمع فقد عقب الرسول ﷺ على الآية السابقة بقوله: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنَه على الحق أطر ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم" [٥٨] ، وفي هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [٥٩] ، ولأن المسلمين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فإن الرسول ﷺ شبه الجماعة بالجسد لتضامنها في مسئولياتها وشبهها بالسفينة وبمسئولية الجماعة عنها بصفتهم الجماعية لا الفردية فقال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا" [٦٠] .
وقد أخذت كل النظريات الحديثة في الأخلاق بما قرره الإسلام من أن حرية الأفراد ليست مطلقة بل مقيدة بقيود كما أخذ بها في (إعلان حقوق الإنسان) وعرفت الحرية فيها بأنها "القدرة على عمل كل شيء لا يضر بالغير"، وحقوق الغير في الإسلام تشمل حق الله أولا ثم المجتمع أفرادا وجماعات، وإزالة المنكر أمر جعله الرسول ﷺ من مسئوليات الأفراد في الجماعة وواجباتهم بالطرق المتاحة لهم "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" [٦١] .
стр. 8752
ومجاهدة الخارجين عن الإسلام والمنحرفين في السلوك دليل على الإيمان فالرسول ﷺ يقول:"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" [٦٢] والمسئوليات الجماعية كثيرة في الإسلام وفي القرآن والسنة المزيد لمن أراد ذلك.
أما المسئولية الفردية فإن الفرد المسئول هو من توافرت فيه صفات الأهلية للقيام بمسئولياته، والمسئوليات المناطة بالفرد المسلم تتميز بالوسطية بين الصعوبة والسهولة كما أسلفنا ولم يكلف الله عباده بمسئوليات تفوق إمكاناتهم وقدراتهم الجسدية والعقلية والنفسية لأن الله يريد لعباده اليسر ولا يكلف نفسا فوق طاقتها والرسول ﷺ يطلب من المسلمين أن يمتثلوا وينفذوا الأمور التي نها عنها وأن يؤتوا من أوامره ما يستطيعون والإنسان مسئول أمام الله سبحانه عن نفسه وهو وإن كان مسئولا عن تصرفات الآخرين وسلوكهم من حيث التوجيه والإنكار والأخذ بيدهم إلا أنه غير مسئول عما وقع من أعمالهم، فالله يقول: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [٦٣] .
ويقول: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [٦٤] .
стр. 8753
أما مسئولية الراعي أو الحاكم أو الدولة فتتمثل أساسا في تنفيذ شريعة الله ومنهجه في الحياة وإقامة حدوده وأحكامه وصيانة حقوق المسلمين والسهر على مصالحهم ودرء الفساد في كل أنواعه ويتمخض عن المسئوليات السابقة نوع الجزاء الذي يترتب على العمل الذي قام به الفرد باختياره وإرادته ومارس فيه الحرية التي أعطاها الله له لأن الفرد المسلم تقوم تربيته على أساس مراقبة الله الدائمة للإنسان في سره وعلانيته خيره وشره وأنه مثاب على الخير ومعاقب على الشر وهذا الإحساس هو ضابط السلوك بالنسبة للفرد الذي يعلم أن الله مطلع على كل صغيرة وكبيرة ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [٦٥] . ولذلك صور القرآن حال المجرمين يوم القيامة وشفقتهم وخوفهم من ذلك الإحصاء الدقيق المتناهي في الدقة والذي يحصى عمر الإنسان بالثواني إن عمل مثقال ذرة من خير وجده وإن عمل مثقال ذرة من شر وجده ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [٦٦] لأن المحصي والمحاسب هو الله الذي أحاط علمه بدقائق الأمور ولطائفها محسة وغير محسة ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [٦٧] كيف لا يكون ذلك وهو الذي يقول عن ذاته العلية ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [٦٨] .
стр. 8754
إن العقل الإنساني لا يقبل الظلم ولا يرضي به، والعدالة تقتضي إثابة المحسن وعقاب المسيء والله قد حرم الظلم على نفسه وجعله محرما بين الناس ووعد بالجنة وهو لا يخلف وعده، ولأن العدالة تقتضي انتفاء المساواة بين الخبيث والطيب والمحسن والمسيء والصالح والطالح والمؤمن والكافر يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [٦٩] . ويقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [٧٠] .
стр. 8755
والفرد الذي وعده الله بالثواب أو العقاب يأتي يوم القيامة وحده ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [٧١] . ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [٧٢] . فإذا وجد خيرا حسب ما قدم كان مصيره الجنة والنعيم المقيم وإذا قدم شرا كان مصيره ما يستحقه من عقاب الله، والقرآن قد فصل ذلك كثيرا وبين جزاء المحسن والمثيب إلا أن الله لا يثيب إلا بمضاعفتها لمن يريد والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا يعلم قدره إلا الله وقد يغفر الله لمن يشاء من عباده الذنوب دون الكفر فإنه لا يغفره ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [٧٣] ولأن الشركَ بالله ليس من الذنوب فإنه يقول: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [٧٤] .
والجزاء قد يكون في الدنيا أو الآخرة أو فيهما معا كما أنه قد يكون قصاصا يقوم به ولي الأمر وقد يكون مباشرة من الله في الدنيا بالهلاك كما حدث لعاد وثمود وغيرهم من الأمم التي قص القرآن أخبارها وقد يكون بالأمراض والأوبئة أو الذل والاستكانة والضلال أو الابتلاء بفقدان السكينة والأمن والاستقرار والانحلال الخلقي من حسد وبغض ونفاق وشقاق ومجانة وخيانة ورشوة ومحسوبية.
стр. 8756
إن السعادة والشقاء في الدنيا والآخرة تتوقفان على مدى التزام المسلم والمسلمين بمنهج الله وتربيته ونظامه وأحكامه وأوامره ونواهيه مراعاة ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [٧٥] .
ولأهمية الجزاء في سلوك الإنسان فإن الله رغب في الخير وحث عليه وربط مصير الإنسان في حياته الدنيا والآخرة بمدى التزامه بالعمل والسلوك المرغوب فيه أو غير المرغوب فيه إذ أن العقل البشري لا يتصور عدم الجزاء على ما يعم الحياة من خير ورحمة ومودة وإخاء أو ما يكدرها من ظلم وشر وفرقة واستعباد وبعد عن الله.
стр. 8757
أما بالنسبة للجزاء الدنيوي فالقرآن يقرر أن في القصاص حياة للناس وقد قسم بعض الباحثين العقوبات إلى مؤيدات فطرية تتمثل بالعقوبة التلقائية التي تترتب على مخالفة أمر الله وربانيته هي عقوبة القهر الإلهي في الدنيا أو الثواب والعقاب في الآخرة ففيه يقول الأستاذ سعيد حوى: "إن أي انحراف عن أي جزء من أجزاء الإسلام يحمل في طياته عقوبته التي تحيق بالمنحرفين عنه، فمن رفض العبودية لله عاقبته سنن الله بأن تجعله عبدا للإنسان ومن غش ليربح عاقبته سنن الله بأن يفقد الثقة ويخسر ومن فرط في واجب اليوم عاقبته سنن الله بمضاعفة التعب في يوم آخر، وهكذا فما من انحراف عن أي جانب من الإسلام إلا تقابله عقوبة تليق به في الدنيا لأن الانحراف عن قوانين الله في الكون والإنسان والاجتماع دائما ليس لصالح الإنسان بل هو تدمير له أو تعذيب" [٧٦] .
стр. 8758
ثم ضرب الباحث عشرة أمثلة من عقوبات الفطرة على أمثلة من الانحراف عن أمر الله يوضح هذا المؤيد القوي من مؤيدات الإسلام وهذا عين ما يقصد إليه الدكتور الكسيس كارل في كتابه تأملات في سلوك الإنسان إذ يقول: "وليس من العسير أن الخطيئة انتهاك إرادي أو غير إرادي لقوانين الحياة، وقوانين الحياة صارمة صرامة قوانين اختلاط الغازات وسقوط الأجسام ولما كان انتهاك هذه القوانين لا يعاقب عليه إلا بعد مضي زمن من وقوعه وبطريقة خفية فإن الإنسان لم يدرك بعد فداحة النتائج التي تترتب على الخطيئة فكل خطيئة تؤدي إلى اضطرابات عضوية أو عقلية أو اجتماعية وهى اضطرابات لا يمكن علاجها على وجه العموم، وإذا كانت التوبة لا تشفي تليف الأنسجة لدى السكير أو الأمراض العصبية لدى أولاده فإنها تعجز أيضا عن إصلاح الاضطرابات الناجمة عن الحسد والإسراف الجنسي والغيبة والنميمة والبغضاء كما أنها كذلك لا تبعد االشقاء عن الشواذ الذين يولدون لأبوين مصابين بالعيوب، فالخطيئة تؤدي إن عاجلا أو آجلا إلى التدهور والموت، التدهور للجاني نفسه أو للوطن أو للنوع ولهذا يجب على كل فرد أن يكون قادرا على التمييز بين الخير والشر" [٧٧] .
إن التربية الإسلامية وقد وضعت كل فرد من الأمة في موقع المسئولية التي يترتب عليها المحاسبة والجزاء يتناسب مع القوانين الطبيعية في الكون والنزعات الفطرية في الإنسان إذ أن الإنسان يريد أن يرى نتيجة أعماله وثمار جهده لأن العمل يكون على قدر الثواب في الدنيا، فكيف بالآخرة..
قال رسول الله ﷺ :
"من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح".
وقال:
стр. 8759
"من تطهر في بيته ثم خرج إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا دخل المسجد لم يزل في صلاة ما انتظر الصلاة والملائكة تصلي عليه وتقول: (اللهم اغفر له اللهم ارحمه) ".
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الإسراء ٩.
[٢] راجع سيد قطب في ظلال القرآن ص ١٦ ج ١٥ وما بعدها المجلد الخامس.
[٣] تأملات في سلوك الإنسان ص ٤٧.
[٤] الإسراء ٢٢- ٢٨.
[٥] سورة الأنعام ١٥١-١٥٣.
[٦] سيد القطب في ظلال القرآن ص ٢٩ المجلد الخامس جزء ١٥.
[٧] سورة الروم آية ٢١.
[٨] كتاب النكاح سبل السلام ١٠٩ ج الأول وكتب السنة.
[٩] كتاب (مشاكل السكان) نقلا عن المودودي حركة تحديد النسل ص ٣١.
[١٠] المصدر السابق٥٩.
[١١] المصدر السابق ص ٦٩٧٠.
[١٢] ازوالد سوارز نفسية الجنس ص ١٧ نقلا عن حركة تحديد النسل للمودودي ص ٧٦٧٧.
[١٣] حركة تحديد النسل ص ١٧٩.
[١٤] حركة تحديد النسل ص ١٨٣.
[١٥] العنكبوت:٤٥.
[١٦] البقرة: ٢٧٧.
[١٧] الأحزاب:٧٢.
[١٨] الأنفال:٢٣.
[١٩] الفرقان:٤٤.
[٢٠] آل عمران:١٦٤.
[٢١] البقرة: ١٥١.
[٢٢] تفسير ابن كثير ص ١٩٥١٩٦ ج ١.
[٢٣] البقرة: ١٥٢.
[٢٤] ماجد عرسان الكيلاني تطور مفهوم النظرية التربوية الإسلامية ص ٤١.
[٢٥] المصدر السابق.
[٢٦] الحجرات:١٤.
[٢٧] رواه مسلم.
[٢٨] رياض الصالحين: ٢٧٩.
[٢٩] البقرة: ١٧٠.
[٣٠] الأعراف: ٧٠.
[٣١] الزخرف: ٢١٢٤.
[٣٢] البقرة: ١٦٤.
[٣٣] نقلا عن محمد شديد منهج القرآن في التربية ص ٩٤.
[٣٤] الذاريات: ٢١.
[٣٥] سورة طه: ١٢٤ ١٢٥، ١٢٦.
стр. 8760
[٣٦] رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر مرفوعا.
[٣٧] سورة طه:٥٤.
[٣٨] سورة المعراج: ٣٢.
[٣٩] الأنفال:٢٧.
[٤٠] ابن كثير ص ٣٠١ ج ٢.
[٤١] البقرة: ١٧٣
[٤٢] ابن كثير ص ٢٣٩
[٤٣] ابن كثير ص٢٣٩
[٤٤] البقرة:٢٨٦
[٤٥] طه:.١٣٢
[٤٦] مريم: ٥٥.
[٤٧] التحريم: ٣
[٤٨] ابن حبان
[٤٩] النساء: ٣٤
[٥٠] سيد قطب في ظلال القرآن ص ٦١ ج ٥ م ٢.
[٥١] سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٦٠٤.
[٥٢] الإسراء: ٢٣.
[٥٣] رواه البخاري ج ٨ ص ١٦٣.
[٥٤] آل عمران: ١١٠.
[٥٥] آل عمران: ١٠٤.
[٥٦] التوبة:٧١.
[٥٧] المائدة:٧٨.
[٥٨] رواه أبو داود والترمذي رياض الصالحين ص ١٠٥.
[٥٩] الأنفال:٢٥
[٦٠] أحمد أمين /الأخلاق.
[٦١] رياض الصالحين ص ١٠٠١٠١.
[٦٢] رواه مسلم المصدر السابق ص ١٠١.
[٦٣] الأنعام: ١٦٤.
[٦٤] الإسراء: ١٣١٤.
[٦٥] غافر: ١٩.
[٦٦] الكهف: ٤٩.
[٦٧] لقمان: ١٦.
[٦٨] المجادلة: ٧.
[٦٩] ص: ٢٦٢٨.
[٧٠] الجاثية: ٢١.
[٧١] مريم: ٩٥.
[٧٢] الأنعام: ٩٤.
[٧٣] النساء: ٤٨.
[٧٤] الزمر: ٥٣.
[٧٥] هود: ١٠٥،١٠٨.
[٧٦] سعيد حوى الإسلام ص ٧ ج ٤.
[٧٧] راجع سعيد حوى الإسلام المؤيدات الفطرية ص ٧ ٦٢.
стр. 8761
في المشارق والمغارب
فضيلة الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
عميد كلية اللغة العربية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد:
سبب الكتابة:
فقد رأيت أن أسجل في هذه الصفحات ما تذكرته أو دونته في رحلتي التي أتاحت لي أن أعبر الكرة الأرضية من شرقها إلى غربها، وأن ألتقي في هذه الرحلة بأجناس العالم المختلفة، إما لقاء مقصودا أو لقاء غير مقصود، ولكنه لا يخلو من فائدة يسجل من أجلها. وفي السير في أرض الله عبر لمن اعتبر، وفيه الجديد الإيجابي المفيد، والسلبي الذي يجب أن يجتنب. وهذا هو السبب الذي جعلني أقدم على التسجيل. أسأل الله أن يكون فيه لي أولاً، ثم لشعبي المسلم- في كل أنحاء الأرض- ثانياً ما ينفعنا في ديننا ودنيانا.
وها أنا أروي القصة من أولها:
تردد وترجيح. وسبب:
عرض علي فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في الربع الأخير من السنة الدراسية الماضية السفر إلى أمريكا لحضور مؤتمر علماء المسلمين الاجتماعيين في أنديانا.
فطلبت إمهالي لأيام قلائل لأدرس أموري الخاصة وأقرر ما إذا كانت تسمح لي بالسفر أم لا؟ وكانت الرغبة في السفر شديدة، لأني أود أن أرى إخواني المسلمين في البلدان الأجنبية، وكيف يعيشون مطبقين تعاليم دينهم هناك في جو كله عقبات في طريق ذلك التطبيق وأرى أيضاً المجتمعات الغربية وحياتها التي أسمع عنها من أفواه الزوار، وعلى صفحات بعض المجلات والجرائد الإسلامية وغير الإسلامية، وكذلك بعض الكتب التي تتضمن بعض المعلومات عن المجتمعات الغربية قديماً- أيام انحطاطها مادياً ومعنوياً - وحديثاً- في عنفوان رقيها المادي.
لا بد من رفيق:
стр. 8762
وبعد يومين أو ثلاثة قررت أن ألبي رغبة فضيلة نائب رئيس الجامعة ورغبتي معا. وكان فضيلة الدكتور أحمد الأحمد مرشحاً لنفس المهمة وأنا شديد الرغبة في أن يوافق كما وافقت، ولكنه اعتذر لظروف خاصة.
وعندئذ ألححت على فضيلة نائب الرئيس في أن يرشح شخصا آخر يجيد اللغة الإنجليزية، إذ من الصعب على مثلي وأنا لا أقدر على التفاهم مع القوم أن أسافر وحدي لما أتصوره من صعوبة العيش في المأكل والمشرب والمسكن دون تفاهم مع الناس، لا سيما مع علمي بأن أغلب مأكولهم ومشروبهم لا يخلو من حرام عليّ في ديني. فقال لي فضيلته رشح من ترى، فرشحت الأخ الدكتور محمد بيلو أحمد أبو بكر السوداني أحد مدرسي كلية اللغة العربية لأنه قام بتدريس اللغة الإنجليزية لطلبة السنة الأولى في الكلية [١] عندما تعذر الحصول على مدرس آخر، لأنه لابد أن يكون في مقدوره التفاهم مع الناس ولو بصعوبة فوجود شيء خير من لا شيء. وافق فضيلة نائب رئيس الجامعة على الترشيح وطلب مني أن أبلغ فضيلة الدكتور بذلك فبلغته فطلب مني إمهاله ليفكر في أمره، فإذا سنحت له ظروفه فإنه لا مانع عنده. فقلت له لا بأس ولكن أرجو أن يكون ذلك في أسرع وقت ممكن للحاجة إلى أخذ تأشيرات دخول من الدول التي نريد السفر إليها من قبل سفاراتها والوقت قد اقترب.
يوم السفر في مطار المدينة:
وفي اليوم التالي جاء الدكتور بجوازه موافقاً على السفر وبدأ كل منا يستعد لذلك.
стр. 8763
وقبل ظهر يوم السبت الموافق ١٩/ ٧/ ١٣٩٨ هـ تحركنا إلى مطار المدينة المنورة. وبعد انتهاء الإجراءات ودعنا إخواننا الذين رافقونا إلى المطار، وودعت أنا أبنائي الخمسة الذين كانوا معي، وذكرتهم بالله وأوصيتهم بتقواه. وفي داخل قاعة الانتظار قعدنا أنا وزميلي على مقعدين متجاورين فجاءت مناسبة لا أذكرها الآن. فذكرت له بيتاً من الشعر يقال فيمن لا يضبط الأمور، وكان يردده لنا فضيلة شيخنا العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في دروسه:
ويكتبه عمرا ويقرؤه بكرا
أقول له زيدا فيسمع خالدا
وبعد ذلك بقليل أخذ الزميل ينظر إلى أرقام الرحلات التي تظهر على الجهاز في القاعة ليتأكد من موعد إقلاع طائرتنا وبدلاً من قراءة رقم الإقلاع قرأ رقم الوصول، فاستغرب فقلت له: عد مرة أخرى فاقرأ.. فقرأ فعرف الخطأ، فقلت له: لقد طبقنا بيت الشعر ولا زال رطبا على ألسنتنا وفي مذكرتك، وكان قد أعجبه البيت فكتبه في مذكرته عندما سمعه مني، فضحكنا جميعا، وجاء الموعد فخرجنا إلى الطائرة وأقلعت بنا في موعدها المحدد والحمد لله إلى جدة.
فندق الإخاء واللقاء المفيد:
стр. 8764
وصلنا مطار جدة، وكان بعض الإخوان في انتظارنا في المطار، وكنا نظن أن نزولنا في جدة سيكون في فندق الشركة - أي إقامة ترانزيت وعندما سألنا المختص في علاقات الركاب. ذكر لنا أنه لا يحق لنا ذلك لأنا حجزنا على رحلة في اليوم التالي، وفي نفس اليوم رحلات إلى لندن، فقال صاحبنا الذي كان ينتظرنا في المطار الحمد لله الذي حال بينكم وبين فندق الشركة، فبيتنا فندق للإخوان فحياكم الله، وفعلا نزلنا ضيوفا على أخينا واجتمعنا ببعض الأحبة الذين جاءوا يودعوننا عندما علموا بوجودنا وسفرنا إلى الخارج. ومن هؤلاء الأخ الشاب الصالح حامد البار، أحد الطلبة السعوديين الذين يتلقون تعليمهم في أمريكا وكان قد عاد منها قريبا، وكان لقاؤنا به فرصة للاستفسار عن بعض الأمور التي يهمنا معرفتها، كالحصول على الأكل الحلال، وقائمة بالأطعمة التي يجب اجتنابها، وكذلك أرقام هواتف بعض الأشخاص في بعض المدن الأمريكية للاتصال بهم لمساعدتنا عند الحاجة، ولقد كان ذلك مفيدا جدا لمسنا فائدته في أوقات الحاجة.
وبهذه المناسبة فإني أوصي كل مسلم يريد السفر إلى بلاد الغرب أو الشرق من البلدان غير الإسلامية أن يسجل أي عنوان أو رقم هاتف لمن يمكنه مساعدته شخصيا أو في أمور الدعوة إلى اللَه.
وفي يوم الأحد الموافق ٢٠/ ٧ أقلعت بنا الطائرة السعودية من مطار جدة الدولي إلى لندن في الساعة العاشرة والدقيقة العشرين صباحاً، وكان وصولنا إلى مطار لندن في الساعة الرابعة والدقيقة العشرين، أي كانت مدة الطيران الفعلي ست ساعات.
تمتع وتكدير:
стр. 8765
وكان الجو في هذا اليوم صحوا، وكنت أنظر من النافذة إلى الأرض لأتمتع بالمناظر الطبيعية، فكنت تارة أرى الصحاري الغبراء وتارة ماء البحر، وأخرى التواءات نهر جار، ومرة خضرة غابات أو بساتين، وأخرى بعض السحب المتراكمة أو المتفرقة، كما كنت أرى بعض المدن ذات التخطيط الجميل والشوارع المستقيمة، وهكذا مرت الساعات الست وأنا لا أشعر بأني مسافر لما كنت أتمتع به من جمال خلق الله.
ولكن مضيفي الطائرة عكروا علي ذلك الجو الممتع عندما أخذوا يغلقون النوافذ وطلبوا مني إغلاق نافذتي التي كنت أطل منها على خلق الله لماذا؟ لأن فيلما سينمائيا سيعرض ليشاهده الركاب ويستمتعوا به ألا ما أحقره من فيلم وإنه لاستبدال الذي هو أدنى بالذي هو أعلى.
ولقد تحملت مشقة فراق ذلك الأعلى دون أن أحفل بالأدنى وكنت أختلس رفع غطاء النافذة بين حين وآخر لألمح شيئا من ذلك الجمال وكان الفيلم ثقيل الظل علي، لأني أريد أن أفتح النافذة بمجرد انتهائه.
وبالقرب من مضيق دوفر انتهى الفيلم فرفعت ستارة النافذة لأرى مضيق سباق السباحة.
وعندما قطعنا المضيق حال السحاب بيننا وبين الأرض فما كنت أرى منها قطعة إلا ليغطي السحاب أختها، ولي مع السحاب حوار، سيأتي عندما تعبر بنا الطائرة فوق المحيط الهادي، في رحلتنا من لوس انجلوس إلى طوكيو. وهبطت بنا الطائرة في مطار لندن عاصمة الدولة العجوز التي لم تكن الشمس تغيب عنها.
في مطار لندن:
стр. 8766
وعندما نزلنا من الطائرة كنت أقول في نفسي: متى تنتهي إجراءاتنا في مطار لندن الدولي الذي تهوي إليه الطائرات المليئة بالركاب من كل حدب وصوب؟ وما إن دخلنا قاعة الإجراءات حتى تبددت تلك المخاوف فلكل رحلة جناح خاص، وفي كل جناح موظفون ينقسم القادمون إلى مجموعات صغيرة فلا تمضي ربع ساعة إلا وقد انتهى كل الركاب من إجراءات الجوازات، ونذهب إلى مكان تسلم العفش، فإذا عفشنا قد وضع بجانب الساحب الموزع. وهكذا كنا نتسابق نحن وأثاثنا في مطارات الغرب كلها وفي اليابان، لسرعة المعاملة والإجراءات.
فندق لندن:
هكذا سميته فندق لندن، أما اسمه الحقيقي فقد أنسانيه كرهه الشديد عندي- أي كره الفندق- لسوء مناظره وخبث روائحه وكثرة أوساخه، وكثرة المرضى من نزلائه، هل تصدق أن فندقا هذه أوصافه يوجد في لندن عاصمة المملكة المتحدة؟ أي وربي صدق فالكاتب كان من نزلائه. وله قصة أرويها هنا ليحذر نزلاء لندن الجدد من العرب، وخاصة من يصر على ارتداء زيه العربي هناك.
قصة الفندق والناصحون المتسولون:
فلقد قابلتنا فتاة لابسة زي موظفي المطارات، وبيدها جهاز لاسلكي وسألتني سؤالا لا
أدري ما هو فأحلتها لفضيلة زميلي الدكتور فإذا هي تسأل: أتريدون مساعدة مني؟ فأجاب نعم. نريد أثاثنا - كان ذلك قبل وصولنا إلى قاعة تسلم الأثاث - ونريد موظفي الخطوط السعودية لنتفاهم معهم، فرافقتنا إلى مكان الأثاث ودلتنا على عربة النقل الصغيرة وأوصلتنا إلى موظفي الخطوط السعودية. وهنالك سلمتنا لموظف في علاقات الركاب - وأظنه مدير العلاقات - واستلمنا منها بابتسامات وترحيب واهتمام إنها محسنة سلمتنا إلى محسن وبدون أي مقابل مادي ظهر لنا إلى الآن.
стр. 8767
وأخذ زميلي يتفاهم معه ومع بعض زملائه عن السكن الملائم وعن وسيلة المواصلات. فبدءوا يحدثونه عن الفندق الفذ في لندن الذي لا يوجد الأمان إلا فيه، وكل الفنادق سواه لا يأمن الإنسان فيها على نفسه ولا على ماله. الذي يجمع بين الأكل الإفرنجي والطعام العربي. الذي ينزل به السعوديون وغيرهم من الشرقيين.
والمواصالات؟ أشار إلى سائق بجانبنا وقال: هذا سائق الملحق العسكري السعودي، وهو الذي يوصلكم إلى الفندق فظننا أن السفارة السعودية وصلت إلى حد استقبال كل وافد سعودي إلى هذه البلاد لمساعدته عندما يصل لعدم معرفته بالبلد ولغة أهل البلد، الحمد لله رب العالمين. وبعد قليل سأل زميلي الموظف المبتسم المعني بنا: ما اسمك ومن أين أنت؟ فذكر اسمه المسيحي ولا أذكره الآن، إنه فلسطيني، فوقع الشك في نفسي وبدأت أحافظ بشدة على الحقائب ولا سيما التي فيها الجوازات وخرجنا مع السائق فوجدنا حافلة صغيرة تنتظرنا فرفعنا أثاثنا وركبنا فوجدنا شخصاً آخر يرافقنا في السيارة، ومعه زوجته المشلولة والظاهر أنه قد وصف له هذا الفندق كما وصف لنا. وبعد أن أخذ السائق طريقه بدأ يذم فنادق لندن كلها التي لا يأمن الإنسان فيها على نفسه وماله. وأن هذا الفندق الذي ستنزلون به هو الفندق الوحيد الذي يطمئن فيه النزلاء. ودخل في نفسي الشك ورأيت فندقاًَ على يميني فسألته كيف هذا الفندق - عن طريق زميلي- فأجاب: الليلة في هذا الفندق بعشرين جنيهاً أتريد أن أنزلك فيه وهو غال وغير مؤتمن وكان الجواب لا وفي نفسي أن نعم خير من لا ولكن دون جزم وعندما وصلنا بجوار تلك العمارة القديمة أخذنا نساعد صاحبنا زوج المرأة، منا من يأخذ له المظلة ومنا من يأخذ له حقيبة اليد وهو يحاول بجهد إسناد زوجته حتى تدخل إلى إدارة الفندق، وسلم السائق ركابه بالعدد لأحد العاملين في الفندق. وذهب دون أن يستلم منا الأجرة.
стр. 8768
وأخذت أقلب النظر في ممرات الفندق الفذ، وفي مكاتبه وفي بعض الحجر المجاورة، وبدأت أشم الروائح الكريهة، وأرى بعض النزلاء الذين قد لا يقدرون على استئجار مكان آخر غيره لفقرهم وطول إقامتهم للعلاج وأرى أشخاصاً آخرين ينظرون كما أنظر وهم متقززون من هذا النزل الكريم.
إيثار الخداع:
وبعد قليل اصطحبنا العامل الذي استلمنا من القائد بالعدد إلى إحدى الحجر التي وصفها بأنها خير حجر الفندق، وأنه آثرنا بها لأنا مشايخ علم كما قال: وكان لباسنا يوحي بذلك، فأنا سعودي ألبس الثوب والغترة ولبست العقال لأول مرة في حياتي حفاظاًَ على غترتي لشدة الهواء. وزميلي سوداني، وله عمة كالبرج وأكمام كالخرج وعلمنا عند الله. وعندما رأينا الحجرة الطويلة العريضة ذات الأسرة الأربعة قلنا للرجل إنا نريد حجرة بسريرين فقال: لا يهم إننا نحسبها لكم بسريرين. أي والله لقد وصلت الفريسة إلى الفم ولا يمكن لجائع إفلات فريسته. تركنا وذهب.
نظرات اشمئزاز:
فأخذ كل منا ينظر إلى البسط والأغطية ويقلبها وينظر إلى الوسائد وأكياسها، وإلى أرجاء الحجرة وما تحتوي عليه جدرانها من بقع تتقزز منها النفوس، ثم أخذنا نفتش لنجد بيت الماء خارج الغرفة وهو مشترك وعندما دخلته أسرعت بالخروج منه، فسألني الزميل أتوضأت بهذه السرعة؟ فقلت له: أدخل وتوضأ قبلي لأعد نفسي للدخول مرة أخرى.
وبعد إجبار أنفسنا على الوضوء صلينا المغرب والعشاء حتى لا نتوضأ مرة أخرى، وأخذنا نفكر ماذا نفعل؟ أننام في هذه الحجرة؟ وهل يا ترى يأتينا النوم فيها، ومن أين نأكل؟ ونظرنا من بعيد إلى المطعم فوجدنا حجرة كبيرة، يطبخ النزلاء فيها لأنفسهم ويلتمسون الأكواب للشرب فلا يجدونها.
لا بد من مخرج:
стр. 8769
فقلت لزميلي: عندي صديق يسكن في ضواحي لندن، وقد أعطاني بعض إخوانه رقم هاتفه قبل مغادرتنا المملكة، وما كنت أريد إزعاجه في الليل ويسكن خارج المدينة ولا أدري كيف ظروفه ولكن لابد من حل ولا نعرف غير الاتصال بصديقنا لينقذنا من هذه الورطة.
اتصل الزميل بالصديق: محمد أشرف حياه وأخبره أن صديقك- فلاناًَ- موجود في المكان الفلاني، فتردد الصديق في معرفة المكان ولكنه كان ذكياً فطلب رقم هاتف الفندق وقيده عنده.
بجانب الشارع:
وخرجت أنا من الفندق لأقف بجوار بابه على الرصيف والهواء البارد شديد وأحس بالتعب والبرد ولكني أشم هواء لا أوساخ فيه وأنظر إلى الشارع لعل الصديق يصل بين لحظة وأخرى، وكنت مع الشارع كما قال الشاعر:
وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها
نعم: الشارع نظيف والفندق قذر، في الشارع هواء طلق، وفي الفندق روائح منتنة، فالصبر على البرد والقيام خير، وكنت كلما رأيت شخصاً قادماًَ إلى الفندق فيه بعض القسمات التي أتخيلها في صديقي ظننته إياه، وطال الانتظار والصديق صهري ولكن لم التق به من قبل، وعندما تعبت جلست على مقعد أكل عليه الدهر وشرب في أقرب ممر إلى الباب، وتعب صديقنا في التماس الفندق الفذ الذي لا يدري أهل لندن عنه شيئا، ولما لم يستطع الاستدلال عليه ذهب إلى موظفي الهاتف فأعطاهم رقم الهاتف وطلب منهم عنوان الفندق فدلوه عليه إنه يقع في قلب لندن، وفي مكان مشهور جدا إنه قرب حديقة: هايدبارك.
فرج بعد استبطاء:
стр. 8770
وبعد انتظار طويل قريب من اليأس وصل محمد أشرف إلى الفندق، قال: أيوجد هنا عبد الله القادري فلم أتمالك أن أعتنقته قبل أن يجيبه أحد وكان ينظر إلى نواحي الفندق القريبة منه نظر استغراب، وكنت أقرأ في نظراته العبارة التالية: صهري عبد الله القادري، القادم من بلاد غنية، كالمملكة العربية السعودية، ذو الوظيفة الجيدة، عميد كلية اللغة العربية ينزل في هذا المكان الذي لا يصلح مأوى إلا للمعدمين ولكنه لذكائه لم يفصح عما في نفسه فطلب منا أن نصعد إلى الحجرة ليكون حديثنا مقصوراً علينا.
إنه لم يقدر على الاستمرار في الترحيب، كما هي عادة الأصدقاء والأحبة الذين يستقبلون صديقا حبيبا، فبدأ يسأل كيف نزلتم في هذا المكان؟ فأخبرناه بقصتنا، وكان الوقت تقريباً الساعة الثانية عشرة بتوقيت بريطانيا الصيفي.
قصة العشاء وفرش الملابس:
فسألنا هل تعشيتما؟ فقلنا: لا ونحن في أمس الحاجة إلى الطعام ولم نقدر أن نذهب إلى أي مطعم خشية أن نصادف حراماً والثقة في أعدائنا غير متوافرة، وكنا مشغولين بالوضع الذي كنا فيه، فاتفق مع زميلي على أن يذهبا للبحث عن طعام حلال، وأن يدعاني أرتاح في الحجرة، وحقا لقد كنت مضطرا للراحة، فأبعدت الغطاء الذي كان على أحد الأسرة وفرشت بعض الغتر وبعض الثياب الخاصة بي على البساط والوسادة، واضطجعت بعد تردد شديد وجسمي يكاد يقفز من على السرير ولكن لشدة التعب وعدم النوم في ذلك اليوم الطويل أغاثني الله بالنوم فكان كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾ أي راحة.
стр. 8771
وبعد زمن غير قصير نسبياً سمعت طرقاًَ بالباب ففتحت فإذا الصديق والزميل قد جاءا فنظرت إلى الساعة فإذا هي الثالثة صباحا، فسألت أهذه المدة كلها كنتما في بحث عن الطعام فذكرا أنهما ركبا قطارا وذهبا إلى مكان بعيد فيه شخص يبيع الطعام الحلال، وكان عبارة عن خبز محشو باللحم (سندوتش) فأكلنا ونام صديقنا معنا بدلاً من مطالبته الملحة قبل ذلك بمرافقته لننام في منزله، لأن منزله بعيد عن المدينة ولم يبق على الفجر إلا قليل.
واتضح لنا بعد ذلك أن أهل الفندق مع موظفي الخطوط السعودية الذين هم مسئولون عن علاقات الركاب وهم فلسطينيون وغيرهم يكونون شركة خداع وغش لأمثالي ممن لا خبرة له بالبلاد، وأن المغنم يقسم بين الجميع.
لا عودة بعد اليوم إن شاء الله:
وفي صباح يوم الاثنين الموافق ٢١/ ٧ حزمنا حقائبنا ونزلنا إلى إدارة الفندق لنحاسبه ونودع الفندق إلى غير رجعة إن شاء الله، وفي الإدارة اتفقنا على الاتصال بالحاج أحمد بابا السوداني هاتفياً إذ كان اسمه ضمن الأسماء التي سجلناها مع رقم هاتفه، وهو في أنديانا بلس، وكان الاتصال تقريبا في الساعة التاسعة، فلم نجد الحاج وإنما أجابتنا زوجته وذكرت أنه مسافر وكان أهل أنديانا لا زالوا نائمين في الليل، فذكرنا لها أننا سنصل إلى نيويورك غداً الثلاثاء ولا نعرف هناك أحداً ونحب أن يقابلنا أحد الأصدقاء فقالت إنها ستعمل جهدها هي ولقد وفت بوعدها كما سيأتي الكلام عند وصولنا إلى نيويورك.
واتفقنا على أن نتجول هذا اليوم في لندن لنزور بعض المراكز الإسلامية، فقال لنا أخونا محمد أشرف: نذهب أولاً إلى محطة القطار الرئيسية لإيداع الأثاث هناك، ثم إلى الأماكن التي تريدون زيارتها.
إلى أين يجري الناس ولماذا؟
стр. 8772
فذهبنا إلى المحطة المذكورة ونزلنا في الطوابق السفلى لنرى عالم الذر الكبار يموج في كل اتجاه. لقد رأينا الناس يجرون جرياً غير عادي. عندنا كل طائفة تيمم جهة وبعضهم يقف ويتأمل في كتابات الجدران ثم ينطلق مهرولا، فقلت في نفسي لعل حربا عالميا قامت، أو حرائق نشبت، ولكن رأيت صاحبنا محمد أشرف يعمل مثلهم يقف ويتأمل في كتابة الجدران ثم ينطلق ونحن مضطرون أن نتبعه وعرفنا بعد ذلك أن الناس منطلقون إلى أعمالهم وإذا لم يجروا فإن القطار يفوتهم- ويأتي قطار آخر ولكن بعد أن تمضي بعض الدقائق التي تعتبر فائتة من وقتهم، ويقف الناس في طوابير ليأخذوا تذاكر الركوب، ولكن ينتهي الطابور بسرعة دون ازدحام أو محاولة المتأخر أن يتقدم على من قبله كما هو الحال عندنا.
وهناك آلات خاصة لمن هو أكثر عجلة لا يريد الوقوف بالطابور يستطيع أن يرمي فيها قروشه المطلوبة ويضغط على الزر فتعطيه البطاقة ولكنها أغلى من البطاقة التي تؤخذ من البشر.
والسلالم صاعدة وهابطة بعشرات الناس تسعى بهم سعياً حثيثاً ولكنهم لا يكتفون بسرعة تلك السلالم فيجرون هم أيضا عليها إنهم يسابقونها لأنها بطيئة في نظرهم وذلك من أجل أن يدركوا ما هو أسرع منها وهو القطار، ولا يقف على درجات تلك السلالم إلا العجزة ومن لا ارتباط لهم بالوقت وكنا من هذا الصنف الأخير وكنت أخشى في أول الأمر أن تلحق إحدى السلالم الأخرى فتطحن رجلي ولكن الله سلم.
زحام وهدوء:
وكل تلك الجموع الكثيرة وتلك الحركات السريعة والهدوء يسود الناس والنظام يسير معهم، لا تسمع صوتا ولا ضوضاء، بل لا يلتفت أحد لأحد ولا يسأل أحد أحدا، وإنما يسيرون على حسب التعليمات المكتوبة على اللوحات في الجدران.
стр. 8773
وذهب بنا محمد أشرف إلى مكان إيداع الأثاث لقاء أجر قليل من القروش وأخذ بطاقة استلام بذلك. ثم نزلنا فوقفنا لحظات جاء بعده القطار فركبنا. وأخذت أنظر إلى الناس فإذا هو ما بين قارئ في جريدة أو كتاب أو متحفز للنزول في المحطة القادمة. وهناك أماكن في القطار يحظر فيها التدخين وأخرى يباح فيها، كل راكب يستطيع أن يكون في المكان الذي يناسبه.
إلى دار الرعاية الاجتماعية:
وكنا متوجهين إلى زيارة دار الرعاية الاجتماعية في لندن فخرجنا من أنفاق القطار من الطوابق السفلى إلى ظهر الأرض فوقفنا لحظات، فإذا الحافلة ذات الطابقين واقفة فركبناها ونزلنا في المكان الذي يظن أن المقر قريب منه فدلنا بعض أهل الحارة على منزل فطرقنا بابه فخرجت امرأة سورية محتشمة تخاطب زميلي وصديقي باللغة الإنجليزية فلما رأتني ألبس اللباس العربي انطلقت عقدة لسانها ورحبت بنا فسألنا عن المسئول عن الدار فقالت: إن هذا المنزل تابع لها (أي للدار) ولكن فيه تعليم بعض الأطفال وأشارت لنا إلى مكان الدار في الجهة التي أتينا منها فرجعنا أدراجنا نلتمس الدار، فإذا أنا أرى مكتبة تجارية تحتوي على كتب عربية كثيرة فقلت للأخوين ندخل هذه المكتبة لعلنا نجد من يدلنا على الدار، فدخلنا وسألنا مدير المكتبة فقال إنكم الآن في الدار. فتفضلوا على الرحب والسعة.
стр. 8774
واتصل بالأخ المسئول عن الدار فجاءنا فورا، وكان على خلق فاضل وسمت المسلم الفاضل- ولا أزكي على الله أحدا - فتعرف علينا ورحب بنا وطلب منا أن نبقى حتى نتناول طعام الغداء فاعتذرنا لضيق وقتنا وقد وعدنا بعض الجهات بالزيارة، فتوضأنا وصلينا معهم الظهر وشربنا الشاي، ثم تجولنا في المكتبة التي تحتوي على كتب إسلامية كثيرة، ومنها كتيبات صغيرة للأطفال والمبتدئين في اللغة العربية، وأشرطة لتعليم اللغة الإنجليزية، ومصاحف مسجلة في أشرطة ويشتمل المركز على مسجد وبجانبه دورة مياه كاملة للوضوء، وقاعة لبعض الألعاب الرياضية الخفيفة ومكان للاستقبال، ويفد إليهم بعض الطلبة المغتربين للصلاة معهم والمذاكرة والقراءة وهم يقومون بمجهود يشكرون عليه على رغم قلة الإمكانات.
بعد ذلك ودعناهم وذهبنا إلى منطقة (وستئند) ذات المباني القديمة، المزدحمة بالسكان والسائحين الأجانب والمشهورة بالمراقص والمسارح ودور السينما والفساد الذي لا ينبغي وصفه بالتفصيل.
تائهون لفقدهم ذكر الله:
стр. 8775
وقبل وصولنا إلى المنطقة المذكورة وجدنا في طريقنا طائفة من البشر مختلطة من الرجال والنساء لا يعرف الفرق بينهم إلا بلحا الرجال أطلقوا شعورهم ولبسوا ملابس رثة، وتبدو القذارة على ثيابهم والحسرة على وجوههم، وهم يحملون أدوات الموسيقى ويوقعون عليها ويضربون الدفوف ويرقصون ويغنون، وكنت لا أفهم من كلامهم إلا هوم هوم فسألت ماذا يريدون من ذكر المنزل فقيل لي إنهم يقولون في أغنيتهم كيف السبيل إلى عودتنا إلى منازلنا والناس مجتمعون حولهم، منهم من يسمع صامتاً، ومنهم من يضحك، ثم شرح لنا محمد أشرف حالهم، فقال: إن هؤلاء كانوا من أولاد الأغنياء ذوي الأموال الطائلة والقصور العالية والسيارات الفخمة تعبوا من عيشتهم المادية وخرجوا يلتمسون في الشوارع وعلى الأرصفة وفي الحدائق العامة وغيرها شيئاً يريحهم فلم يجدوا ذلك أيضا ويريدون أن يعودوا إلى البيوت ولكنهم قد جربوها فهم يسألون عن السبيل إلى بيوتهم مع وجود الطمأنينة والرضا فقلت لزميلي الدكتور- وهو الذي يترجم بيني وبين محمد أشرف قل له يدعوهم إلي فعندي بإذن الله السبيل الذي يعيدهم إلى منازلهم مع وجود الرضا والطمأنينة. وكنت جادا في ذلك ومتيقنا أنهم لو سمعوا مني شرح كلمة التوحيد وبعض ما تقتضيه من طاعة الله والصلة به لتحولوا من ضائعين إلى مرشدين ولكن أخانا محمد أشرف أجاب بأن هؤلاء وصلوا إلى درجة من القناعة التي لا تسمح لهم بأن يسمعوا من أحد من المجتمع أي نصيحة لأنهم لم يخرجوا إلى هذه الحال إلا بعد أن يئسوا من إصلاح هذا المجتمع وهم ذوو عنف فقد يضربون من يحثهم فحوقلت ودمعت عيناي حسرة على انحطاط المسلمين الذي خسر به العالم كما قال الأستاذ الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟، وبدأت أتأمل عنوان هذا الكتاب من جديد مع أني قد قرأت الكتاب مرارا وبدأت أشعر بعاطفة المؤلف وتخيلت أنه أسال دمع عينيه مع حبر قلمه عندما كتب هذا العنوان.
مستنقع اسن:
стр. 8776
واصلنا السير إلى منطقة (وستئند) فرأيناها فعلا تختلف عن الأماكن الأخرى التي مررنا بها في المدينة.
وكان أشرف يقرأ بعض الإعلانات المكتوبة على بعض المباني ويخبرنا بمعناها وأنها لا حظ من أن أسجلها هنا بقلمي وكان يقول لنا أن أموال الأثرياء في الشرق الأوسط تنفق بين هذه الجدران وأن هذا المكان من أهم الأماكن التي ينطلق منها تحطيم أخلاق المسلمين في كل مكان وأن اليهود هم الذين يسيطرون عليه، ولقد ضقنا ذرعا بالمناظر القذرة والمشكلة أني كنت أرتدي اللباس العربي، والعرب الساقطون معروفون بالتردد على هذا المكان، لذلك أشعرت الأخ محمد أشرف أننا في حاجة إلى الذهاب إلى المركز الإسلامي.
وفي هذا المكان القذر رأينا بعض المطاعم التي كتب عليها أنها تقدم الطعام الإسلامي فتعجبت وسألت أشرف أحقا هذا أم أنها مصيدة لمن بقي عندهم شيء من الصلاح يترددون على مثل هذا المطعم فتصطادهم حبائل الشيطان فأجاب أن هذا هو الصحيح.
المركز الثقافي الإسلامي:
стр. 8777
ثم ذهبنا إلى المركز الثقافي الإسلامي الذي يحتوي على مسجد كبير بطابقين: أحدهما للرجال والآخر للنساء، وبه دورات مياه واسعة ونظيفة ومجهزة، ومكتبة، وبه مكاتب إدارية. وتعجبنا عندما رأينا بعض الفتيات يعملن في مكاتب المركز الإسلامي فقيل لنا إنهن مسلمات بريطانيات ولابد لهن من عمل وعملهن في مكاتب المركز أولى من عملهن في أماكن أخرى، هكذا قيل وأرى أن مثل هؤلاء الفتيات إذا لم يوجد من يعيلهن شرعا أن تفتح لهن أبواب عمل أخرى ينفعن فيها أكثر مثل دار الحضانة لأبناء المسلمين وروضة أطفال وما شابه ذلك وهناك بقينا فترة ننتظر حتى جاء أخونا الكريم الدكتور سيد متولي الدرش إمام المسجد، وعندما رآنا رحب بنا وأدخلنا معه إلى مكتبه، وبدأنا التعارف كما زرنا الأخ مدير المركز الدكتور زكي بدوي وكانت الجلسة مع الأخ الدكتور سيد طويلة عرفنا من خلالها بعض أعمال المركز، والحقيقة أنها في نظري محدودة جداً على رغم أن منظر المسجد والمكاتب الإدارية يعطي انطباعا بأعمال أكثر، وذكر لنا الأخ سيد أن الجاليات الإسلامية في بريطانيا كثيرة وأعدادها كثيرة، وأنها في أمس الحاجة إلى مديد من العون لها بفتح مدارس لأبنائهم وبناء مساجد وأئمة ومدرسين ودعاة.
وذكر أن هناك من يقوم بشيء من الدعوة والتبليغ، كالباكستانيين الذين يبذلون جهودا طيبة، ولكنهم ليسوا على المستوى المطلوب في فهم المشكلات المعاصرة والأحزاب المعادية للإسلام وشبهاتها، وفي نفس الوقت عندهم تعصب للمذهب الحنفي ولا يتعاونون مع من يخالفهم في آرائهم وطلب منا الدكتور سيد أن نبلغ المسئولين في المملكة العربية السعودية أنه ينبغي أن تبذل جهودا أكثر في الدعوة إلى الله، ومن أهم وسائلها: المدارس والمدرسون والأئمة المزودون بالعلم والمربون على أساليب الدعوة، فوعدناهم بأننا سننقل ذلك.
جولة سريعة في بعض معالم لندن:
стр. 8778
بعد ذلك اتصل أخونا محمد أشرف حياة بأحد أصدقائه، المدعو شيهان حسين الذي يدير إحدى محطات القطار في لندن وأخبره بوجودنا، والظاهر أنه كان علم عني في الجملة بمصاهرتي الأخ أشرف فقال له شيهان: انتظروني سآتيكم بعد قليل، وجاءنا فعلا بسيارته، وأخذنا للتجول في بعض الأماكن المشهورة في لندن.
وكان مرورنا سريعا، وقد لا ننزل من السيارة في بعض الأماكن فمررنا بحديقة هايدبارك التي خصص جزء منها لحرية الكلمة والنقد، إذ يأتي إليه من يريد ويلقي ما يشاء من الكلام حتى يفرغ كل ما في جعبته دون أن يمس بأذى ولو كان كلامه في الملكة أو رئيس الوزراء أو أعضاء البرلمان أو غيرهم وليس له كل ذلك خارج هذا الجزء من الحديقة- وبالمناسبة فقد كان فندق لندن قريبا منها.
ثم ذهبنا إلى مبنى مجلس الوزراء وتجولنا حوله، وكذلك مباني البرلمان ثم مقر الملكة الذي لا يوجد في باب حائطه حراس، وإنما حارس أو حارسان في باب القصر والناس يحومون حوله ويصورون (والظاهر أنه لابد من حراس غير ظاهرين) وهناك وقفنا على جسر ووترلو.
ومررنا بالبرج الذي أقيم عليه تمثال نلسن تخليدا لذكراه وتحيط به تماثيل أخرى لبعض زعماء بريطانيا، كما تحيط به تماثيل الأسود، والمياه تتدفق من كل جانب.
ولا أدرى متى يسمع صوت المسلم الذي يحطم تلك التماثيل وهو يقول: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ اقتداء برسول الله ﷺ عندما فتح مكة؟
إلى منزل أشرف:
وبعد جولة في شوارع لندن اصطحبنا الأخ محمد أشرف إلى منزله في مدينة لوتن- إحدى ضواحي لندن في الشمال منها- وتبعد عنها بثمانين كيلو مترا وكان قائدنا الأخ شيهان حسين الذي بلغت سرعة قيادته في بعض الأماكن أكثر من مائة وأربعين كيلو في الساعة.
стр. 8779
وهناك نزلنا ببيته الصغير ذي الطابقين: الطابق الأول فيه غرفة الاستقبال والمطبخ، والثاني فيه غرف النوم وبيت الماء والحمام وأخذ يقدم لنا أبناءه عمر وإخوانه وأخواته فسلموا علينا كأنهم يعرفوننا من قبل وتحلقوا حولنا فذكروني أنا وزميلي الدكتور بأبنائنا الذين تركناهم قبل يومين، وسنغيب عنهم أكثر من شهر، وكأن الأولاد أحسوا بعواطفنا فلم ينفضوا عنا، لاسيما عندما عرف الكبار منهم صلة الرحم والمصاهرة بيننا، وبدأنا المذاكرة مع الإخوة في أمور الإسلام ووجوب التمسك به وحفظ الأبناء من تيار الكفر الجارف، وأن العمر الحقيقي للمسلم هو الذي يقضيه في طاعة الله.
على من تقع المسئولية؟
فاعترف الإخوة بذلك، ولكنهم قالوا: نحن رجال أعمال لا نعرف الإسلام معرفة تمكننا من تعليم أبنائنا، وليس عندنا الأوقات الكافية لنكون معهم فلابد من مساعدة الجاليات الإسلامية هنا بالمدرسين وأئمة المساجد والكتب التي تشرح مبادئ الدين الإسلامي. ولابد من تكرار الزيارات لنا من العلماء لتذكيرنا ودلالتنا على ما يمكن القيام به، وإنا نحملكم المسئولية هذه لتنقلوها إلى المسئولين في المملكة العربية السعودية التي لم تبق دولة في العالم مثلها في التمسك بالإسلام والدعوة إليه، وقد أغناها الله بالإمكانات التي تستطيع بها أن تغزو العالم كله بالإسلام، فوعدناهم بأننا سننقل رغبتهم ولكنهم يجب أن يعملوا شيئا بأنفسهم، وإن كان من الواجب مساعدتهم.
وقدم لنا أخونا طعام العشاء الذي أعد في المنزل، وهو يذهب على دراجته النارية إلى مكان بعيد لشراء اللحم الحلال الذي ذبحت دابته على الطريقة الإسلامية، فكنا نتناول طعاما لا نفرق بينه وبين طعام بيوتنا.
стр. 8780
وبعد مذاكرة ونقاش حول الأمور الإسلامية استأذن الأخ شيهان حسين ليعود إلى لندن ويدعنا ننام في بيت محمد أشرف، وكنا قد تعبنا في نهار ذلك المساء حيث كنا نجري كما يجري البريطانيون أو أقل قليلا وتنقلنا بالقطار لجهات متعددة ولم نذق النوم بعد أن صلينا الفجر، بل إننا في اليوم السابق كله لم ننم، وفي الليلة الماضية نمنا قليلا جدا لذلك كله كان نومنا عميقا طول الليل.
وداع الصغار:
وفي يوم الثلاثاء الموافق ٢٢/ ٧ نهضنا من النوم متأخرين فصلينا الفجر وكان قد أعد لنا طعام الإفطار فأفطرنا، ومر بنا أولاد محمد أشرف الصغار يودعوننا للذهاب إلى المدرسة.
من دخل بلادنا حمر:
وكأننا تأخرنا قليلاً عن موعد الحافلة التي تقف عند باب المنزل لتوصلنا إلى محطة القطار الدنيا، فخرج محمد أشرف يجري قبلنا ونحن نجري أيضا والناس يجرون من كل جانب رجالا ونساء وأطفالاً لإدراك الحافلة في شارع مجاور لمنزل أشرف. لقد ألفنا الجري مع البريطانيين، وإنها لعادة طيبة أن يحافظ الإنسان على وقته.
عمارة وخسارة:
ولكن هل ترى هؤلاء المهرولين للحفظ على أوقاتهم، حقا يحافظون على أوقاتهم؟
نعم: إنهم لا يفوتون أوقات الأعمال، ولا الأوقات المعدة للطعام، ولا الأوقات المعدة للنوم، ولا الأوقات المعدة للقراءة في غيرها، بل كل عمل يعطونه وقته، ولذلك ترى ثمارا جبارة مادية لأعمالهم ونكران ذلك يعتبر حماقة وظلما.
стр. 8781
ولكن القوم- وهذه حقيقة كسابقتها- بدون أعمار في نظر الإسلام لأن العمر الحقيقي هو الذي يفنى في طاعة الله- ومن طاعة الله تلك العمارة المادية الضخمة للدنيا، من شق شوارع وبناء جسور وتيسير مواصلات تحت الأرض وفوقها على ظهرها وفي أجواء السماء، وفي أعماق البحار ومن دقة في المواعيد، وسرعة في المعاملة، وغير ذلك مما يشهد به الواقع- ولكن هذه الأمور كلها لا تكون طاعة لله إلا على أساس الإيمان به وطاعته في أمره ونهيه، وإقامة العدل في الأرض، ومحبة الخير للبشرية ودعوتها إلى ما ينفعها أي الإسلام الكامل لله، وهذا ما يفقده القوم، لذلك أقول إنهم محافظون على أوقاتهم، ولكنهم ضيعوا أعمارهم.
لوعة الفراق:
وكان الأخ محمد أشرف يحس بلوعة الفراق لاقترابه، وكنا نرى ذلك على وجهه، وفعلا ودعنا وودعناه، وعيناه تغرورقان وأوصانا بالحذر على نقودنا وجوازاتنا وتذاكر سفرنا في الغرب لأنه يعج بالمجرمين فشكرناه على ذلك ودخلنا إلى البوابة، وكنا نظن أننا سنخرج إلى باحة المطار لتستقبلنا حافلة تنقلنا إلى الطائرة، ولكنا فوجئنا بوجودنا في مقدمة الطائرة والمضيفة تنظر في بطاقات الدخول وتشير إلى مقعدينا، فعرفنا أن الطائرة تقف بجانب ممر مصنوع بدل السلم لا يسمح للشمس أن تلفح الراكب ولا للمطر، -وهو هناك كثير- أن يبلله. ولعلنا نجدها قريبا في مطاراتنا.
دلتنا المضيفة على مقعدينا أنا وزميلي، وقد وضعوا بطاقة وراءنا بمقعدين أو ثلاثة كتب عليها: ممنوع التدخين، وفاء بالشرط الذي اشترطناه.
عناية المضيفين بالركاب:
وكان إقلاع الطائرة من مطار لندن الدولي في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الثلاثين، وكان الاتجاه إلى الغرب مع ميل قليل إلى الجنوب، والرحلة كلها كانت فوق المحيط الأطلسي: (بحر الظلمات سابقا) .
стр. 8782
وبدأ المضيفون يقدمون للركاب الهدايا التذكارية وهي عبارة عن محفظة من البلاستيك بها قارورة عطر وجوارب متينة يلبسها الراكب بدلاً من النعلين لطول المسافة وأشياء أخرى وعندما بدأت أتصفح الجريدة فوجئت بأن زعيم اليمن الجنوبية سالم ربيع قد قتل وأن معارك تدور رحاها بين أعضاء الحزب الشيوعي الحاكم في عدن فذكرت بيت الشعر المشهور:
حقا وكل كاسر مكسور
حجج تهفات كالزجاج تخالها
وبدءوا يسألوننا بصفة خاصة عن الطعام الذي نريد، لأنا قد طلبنا من قبل طعاماً حلالاً، وأخذ زميلي يشرح ما نريد وما لا نريد والمضيفة تصغي وتفهم منه كلمات وتشكل عليها أخرى فتستفسر عنها إذا ظنت أنها فهمت منه ذهبت وجاء المضيف الآخر ليتأكد من صحة ما نقل ويؤكد اهتمامهم بتقديم ما نريد. وإنهم ليتفاهمون معنا وهم يستغربون من خوفنا وشكوكنا في أطعمتهم وأشربتهم وكنت أقول لزميلي أخبرهم أنا مسلمون وأن ديننا يحرم علينا ما فيه ضرر بأجسامنا أو عقولنا كالخنزير والخمر وكانوا إذا ذكر الإسلام أبدوا اهتماماً بنا وهزوا رؤوسهم تعجبا.
كرماء بالخمر بخلاء بالسكر:
وقدم الطعام، وجاء دور الشراب، فكانت قوارير الخمر وكؤوسها تحدث رنيناً والمضيفون والمضيفات يترددون على الزبائن كلما رأوا كأسا فارغة ملأوها لصاحبها ليشرب مرة أخرى وهم يقدمون للراكب أجود أنواع الخمر في مثل هذه الرحلات الطويلة، لا سيما ركاب الدرجة الأولى كما أنهم يسقونهم حتى لا تبقى بهم حاجة للسقي.
стр. 8783
أما نحن فقدموا لنا كوبي ماء وكوبي شاي، وانتهى الأمر فبقي المضيفون متضايقين من الحالة التي نحن عليها، وهي أن الركاب أخذوا حقوقهم وزيادة، أما نحن فشرابنا ماء وشاي فقط، فكانوا يترددون علينا ويقولون ماذا نفعل لكم، هل تحبون أن نعطيكم شيئا؟ فيجيب- زميلي ثنكيو، أي شكرا، وهنا وقعت نكتة بين الزميل وبين المضيف: الغربيون لا يكثرون من السكر في الشاي، وزميلي سوداني - أصلا- مصري - مهاجرا ومصاهرة، يحب أن يكون السكر كثيرا، فجاء المضيف بكوب الشاي ومعه علبة فيها أكياس السكر فأعطى الزميل كيسا فقال له: أعطني آخر فأعطاه فقال: وآخر فأعطاه، وما كان موجودا غير الآخر فأعطاه وقال له: المطعم قد أقفل فلا تطلب كيسا آخر، مع استغرابه لأخذ هذه الكمية الكبيرة في نظره لأنه لم يزر مصر ولا السودان كما يبدو.
إنعام وكفران:
وبعد تناول طعام الغداء وإكثار الركاب من الشرب أخذت الصيحات تتعالى والأصوات ترتفع فخشينا أن يقوم هؤلاء الناس كلهم يتضاربون فيما بينهم وقد لا نسلم منهم إذا غابت عقولهم ولكن الله صرفهم عنا فذهبوا إلى الدور الثاني وتركوا لنا المكان.
ثم أخذت المضيفة تنزل أغطية النوافذ لعرض فيلم الرحلة، وأنا من طبيعتي أحب أن أرى مناظر خلق الله على طبيعتها فأسرعت بقفل نصف النافذة الأعلى وأبقيت نصفها الأسفل وعندما مرت بقربى خشيت أن تحرمني تلك الفتحة فقلت لزميلي أخبرها أني أحب أن أتمتع بمنظر البحر والسحاب والجزر إن وجدت فأخبرها فتركتني وشأني.
البوصلة أخافت المضيف:
وكانت بيدي بوصلة أعرف بها الاتجاه وبها مفاتيح الزميل ورآها المضيف وأظنه من رجال الأمن، فلما رآني أنظر إليها بين آونة وأخرى شك في أمرها ولعله ظنها من المفرقعات الموقوتة فجاء إلى زميلي يسأله ما هذا الذي بيد رفيقك فأجابه الدكتور فاطمأن وسكت.
стр. 8784
وعندما بدأنا نقترب من مدينة نيويورك بدت بعض الجزر ذات الأشكال الهندسية العجيبة، وبدت بها مرتفعات ووديان وكانت كلها خضراء.
في مطار نيويورك:
وهبطت الطائرة في مطار نيويورك الدولي في الساعة السابعة والدقيقة الخامسة بتوقيت بريطانيا، فكانت مدة الطيران على المحيط الأطلسي ست ساعات وخمسا وثلاثين دقيقة، والفرق الزمني بين لندن ونيويورك خمس ساعات، إذ كانت الساعة في نيويورك وقت هبوط الطائرة الثانية والدقيقة الخامسة والثلاثين.
ودخلنا قاعة تسلم الأثاث فأخذنا أثاثنا ومررنا في صف بالجمرك الذي لم يمض عليه إلا قليلا وقد انتهى من التفتيش وكان يفتش أثاث الركاب بدقة ولكنه لم يفتح حقائبنا إلا الحقيبة اليدوية التي كانت بيد الزميل، ونظر في الجوازات فوجد البطاقة التي كتبت في الطائرة ثم خرجنا فوجدنا الأخ ضاحي الحكيم في انتظارنا وهو شاب فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية ويعمل نهارا وما كان يعرفنا ولا نعرفه. ولكن زوجة الحاج أحمد بابا السوداني التي اتصلنا بها من لندن يوم الاثنين ٢١/ ٧ وهي في أنديانا قد اتصلت بصديقة لها في نيويورك وطلبت منها تكليف من يستقبلنا ممن يجيد اللغة العربية فجزاها الله خيرا على اهتمامها وكثر من النساء أمثالها، فإن وجود شخص من أهل البلد يدل النازل الجديد من أهم الأمور، وإذا تذكرنا فندق لندن عرفنا نعمة وجود الأخ ضاحي في استقبالنا.
وكان الأخ ضاحي قد حجز لنا حجرة.. في فندق تودر الذي يقع قرب مبنى هيئة الأمم المتحدة، وبعد أن نزلنا في الفندق ودعنا وأعطانا رقم هاتف منزله لنتصل به إذا دعت الحاجة، وفهمنا منه أن والده موظف في الأمم المتحدة وأن أخته إحدى الدليلات في هيئة الأمم المتحدة إلا أن أباه في جنيف.
في مكتب رابطة العالم الإسلامي:
стр. 8785
وفي يوم الأربعاء ٢٣/ ٧ اتصلنا بمكتب رابطة العالم الإسلامي في نيويورك فوجدنا شقيق الأخ مدير المكتب أحمد صقر وأخبرناه أننا في الفندق المذكور وأنا نريد زيارة المكتب ولكنا لا نعلمه فقال: إن المكتب قريب منكم جداً ولكن انتظروا دقائق في نفس الفندق، فانتظرنا خمس دقائق تقريباً فجاءنا وسلم علينا واصطحبنا معه إلى المكتب.
وهناك تم اللقاء بالأخ الدكتور عثمان أحمد الذي جلس معنا طويلا وشرح لنا أحوال المسلمين في أمريكا وذكر لنا بعض ما يقوم به المكتب من الأعمال في هيئة الأمم المتحدة، ومساعدة بعض المسلمين في الحدود المتاحة له، وأن المكتب في حاجة إلى دعم أكثر وصلاحيات أوسع، لأن المشاكل التي تتطلب الحلول للمسلمين في أمريكا كثيرة لا يفي بها المكتب ولا المراكز الإسلامية الأخرى بوضعها الحالي.
وضرب لنا أمثلة بالمسلمين الذين يدخلون السجون ويتصلون بالمكتب يطلبون العون، كما أن المشاكل الأسرية التي تحدث للمسلمين تستدعي تقديم بعض العون والمكتب لا يستطيع أن يقدم إلا في حدود ضيقة جدا بعد زمن طويل من الكتابات والمعاملات الرسمية.
وليت المسئولين عن المراكز الإسلامية يعلمون ما تقدمه المراكز المسيحية وغيرها من المعونات لأتباعهم ويتعظون بذلك وهم أهل الحق وغيرهم أهل الباطل.
في مبنى هيئة الأمم:
كما التقينا ببعض أعضاء المكتب وحصل التعارف بيننا وبينهم. واصطحبنا الأخ أحمد أسعد وهو من موظفي المكتب فلسطيني الأصل هاجر إلى أمريكا بعد معركة دير ياسين بعد أن ذاق البطش اليهودي في غياهب السجون وهو الآن أمريكي الجنسية، اصطحبنا إلى مبنى هيئة الأمم المتحدة، وهو بناء ضخم وبه مكتبة فيها كتب باللغات المختلفة وبها وثائق حكومية وثائق جماعات وأقليات ومشردين ولكن هذه الوثائق لا يمكن الإطلاع عليها إلا بترخيص وشروط.
стр. 8786
وعند مرورنا ببعض طوابق المبنى رأينا صورا لبعض زعماء العالم ومفكريه وفلاسفته، كما رأينا صورا للمشردين من الأقليات كالفلبينيين والإرتريين وغيرهم وتظهر في صورهم حالة البؤس والتشرد والجوع والعري والمرض يعلق هذه الصور هناك الجمعيات المضطهدة لاستجلاب العطف العالمي الوهمي الذي يضم هذا المبنى الكبير.
ومن الأماكن التي زرناها في هذا المبنى: مجلس الأمن الذي يتلاعب بأمن العالم ما عدا دول النقض. وهناك رأينا قاعة كبيرة ذات مدرجات وفي وسط صحن القاعة وضعت مقاعد الأعضاء الدائمين وتحيط بها مقاعد من أستطيع أن أسميهم بالمتفرجين من دول العالم.
فتأملت في القاعة قليلا لآخذ في نفسي صورة عن المكان الذي تدير منه دولتان العالم كله ويتلاعبان بأمنه واستقراره، ثم ذهبنا لنرى مجلس هيئة الأمم المتحدة فوجدنا في الباب الخارجي جنديا يعتذر لأن الهيئة مجتمعة في القاعة وأصر الأخ أحمد أسعد علينا لتناول وجبة الغذاء في مطعم المبنى فتناولنا الطعام وعدنا إلى المكتب.
стр. 8787
وكنا قبل أن يذهب إلى مبنى هيئة الأمم المتحدة عرفنا أن الأخ الشيخ أحمد شيت الرفاعي النيجيري الذي تخرج في الجامعة الإسلامية قبل ثلاث سنوات موجود في نيويورك يدعو إلى الله على نفقة رابطة العالم الإسلامي ويعمل مع البلاليين فاتصلنا به في الهاتف وعندما عرف أن الذي يكلمه عبد الله القادري صاح بأعلى صوته قائلاَ الله أكبر ووعد بسرعة المجيء إلى المكتب، وعندما عدنا إلى المكتب وجدناه ينتظرنا وهنا شرح لنا الأخ الدكتور عثمان أحمد قضية المرأة النيجيرية المسلمة الأصل والتي اضطرت للزواج برجل مسيحي في أمريكا لعدم وجود معيل لها وجهلها بدينها، وأن زوجها أصطحبها معه للعمل في بعض الشركات الأمريكية في أفريقيا وأنجبت له أربعة أولاد، وأنها اتصلت ببعض علماء المسلمين وعندما عرف أنها كانت مسلمة الأصل ذكرها بأهمية دينها ووجوب رجوعها إليه والحرص على أن يكون أبناؤها مسلمين بدلاً من تنصيرهم.
وهنا بدأ النزاع بينها وبين الزوج وبعض أهله، إذ كان يطلب منها أن تأخذ أولادها كل يوم أحد إلى الكنيسة، وهي تأبى وتصر على دينها وعلى جعل أبنائها مسلمين، ثم اضطرت للهرب إلى أمريكا بأولادها، لأنها تحمل الجنسية الأمريكية، وهو يهدد بجعل الأولاد نصارى بالتعاون مع بعض أهله.
وأن المرأة تستصرخ ضمائر المسلمين في الجامعات الإسلامية لتخصيص منح دراسية لأبنائها حتى ينجوا من دنس العقيدة النصرانية الفاسدة.
وقد وعدت الأخ عثمان أحمد أن أنقل للجامعات في المملكة هذا الأمر وأسعى في إنقاذ هؤلاء الأولاد، إضافة إلى السعي في مساعدتها مادياً من بعض أهل الخير، إذ أنها الآن تعاني من ضغط النصارى عليها بلقمة عيشها.
стр. 8788
كما رأيت امرأة تحمل طفلها تطلب المساعدة بقيمة تذاكر سفر لها ولابنها لتسافر إلى زوجها الذي يواصل دراسته في السودان على منحه - لعلها في جامعة أم درمان الإسلامية - وقال لي الأخ عثمان أحمد: إن مشاكل المسلمين هنا لا حدَ لها، وهم يلجأون إلى المراكز الإسلامية باسم الإسلام يطلبون المساعدة، كما يلجأ المسيحيون إلى المراكز المسيحية إلا أن المراكز المسيحية عندها من إمكانات المساعدة المادية ما لا يوجد عند المراكز الإسلامية أقل نسبة منه ولذلك نقع في حرج، فلم يسعني إلا أن أحوقل، لأني لا أقدر أنا أن أعمل شيئا أيضا.
جولة في مدينة نيويورك:
بعد ذلك اصطحبنا الأخ أحمد الرفاعي في سيارته للتعرف على بعض مناطق نيويورك، وأنى لنا أن نمر بمثل هذه المدينة الكبيرة التي تعتبر العاصمة التجارية للولايات المتحدة الأمريكية، ونحن لم يبق أمامنا إلا مساء هذا اليوم في هذه المدينة.
في عمارة:
ولكن الأخ أحمد اختار لنا زيارة ثلاثة أماكن: مكان سياحي تجاري عالمي مشهور، وهو العمارة العالية الثانية في الارتفاع التي تبلغ طوابقها اثنين ومائة طابق، فذهبنا إليها واشترينا التذاكر اللازمة للصعود، وهنا رأينا مئات من الناس صاعدين وهابطين، والمصعد الواحد يتسع لما لا يقل عن خمسين شخصاً وهو في غاية من السرعة، فصعدنا إلى أعلى العمارة هذه وأخذنا ننظر من كل جانب إلى أنحاء مدينة نيويورك، وكنا نرى الناس، والناس هناك ذو أجسام ضخمة مثل البهم أولاد الغنم الصغار أو أصغر، ولكن المصيبة كانت في قوة الهواء الذي كاد يأخذ الملابس الساترة، فما بالك بغيرها؟.
في حي هارلم:
стр. 8789
ثم نزلنا لنذهب إلى المكان الثاني الذي اختاره لنا الأخ أحمد ألا وهو (هارلم) التي يسكنها الزنوج فقط. وكانت مباني هذه المنطقة مساكن لليهود وملكاً لهم، ولكنهم غادروها عندما جاء مشروع إسكان الزنوج فيها. لماذا اختار لنا الأخ أحمد هذه المنطقة بعد أن كنا في منطقة تجارية وسكنية راقية، يرى بريق عماراتها ولمعانها وهي في غاية من النظافة والنظام والهدوء على رغم كثرة الناس بها. إنه أراد أن يرينا كيف يعيش هؤلاء السود المساكين في مدينة نيويورك فماذا رأينا؟ لقد رأينا بيوتا محطمة النوافذ والأبواب، قد اشتعلت فيها الحرائق ورأينا الزنوج وهم يتسكعون في الشوارع مثل المجانين منهم السكران ومنهم الشبيه بالسكران.
رأينا أناسا لا أظن أن يجد السائح أشباههم في أدغال أفريقيا من البؤس والحرمان والشقاء، إنهم يتجمعون على أبواب البارات ويتراقصون وهم قيام أو قعود، ومنهم من يضرب الدفوف المكسرة ويرقص عليها.
ولا أستطيع أن أصف ما رأيت إلا بالبؤس والجهل والحرمان، ولقد كان الأخ أحمد لا يقف بسيارته إلا ريثما يتحرك، لأن المنطقة منطقة إجرام وكان يخشى علينا من أجل لباسنا.
عندئذ قلت: هل حقا أنا في أمريكا؟ هل حقا أنا في نيويورك؟ هل حقا أنا بجانب مكرفون كارتر المنادي بحقوق الإنسان في العالم؟، هل حقا أنا بقرب هيئة الأمم المتحدة التي كنت في مبناها صباحا؟ كل تلك الأسئلة دارت بخاطري وأنا أعبر تلك الشوارع المخيفة.
منبع الإجرام:
ألا إنها منطقة إجرام مشهورة فعلا، ولكن إجرام من؟ أهو إجرام السود؟ أم أن الأصل هو الإجرام الأبيض الذي يقتل الإنسان وينادي بحقوقه؟
لقد شبهت إجرام السود وإجرام البيض بالتشبيهين التاليين:
إجرام البيض هو بحيرة من الأقذار: عذرة الناس وأبوالهم، وإجرام السود على الرغم أنهم هم المباشرون - ريح ينقل تلك الروائح إلى أنوف الناس، فأي الإجرامين أشد عند أولي الألباب؟.
стр. 8790
قارن:
ثم مر بنا الأخ أحمد ونحن في طريقنا إلى منزله في منطقة سكنية سماها لنا، ولكني لم أحفظ اسمها، ذات عمارات متناسقة وشوارع غاية في التنظيم وهدوء عجيب، وهي تبعد قليلا عن منطقة الزنوج وذكر أن هذه المنطقة يسكنها الأغنياء والأسر الراقية وعلق الأخ أحمد على ذلك فقال: قارنوا بين هذه المنطقة وبين منطقة (هارلم) ، وهذه المنطقة لا توجد بها بارات. أما منطقة (هارلم) فإن أغلب عماراتها المتهدمة توجد بها بارات. وهل خلق هؤلاء المساكين عند الرجل الأبيض الذي أفني عمره للدعوة إلى حقوق الإنسان لغير البارات والتسكع؟
كل شيء هناك بالدولار حتى الأمن وموقف السيارة:
وصلنا إلى جانب العمارة التي يسكنها الأخ أحمد فإذا هو يخرج مفتاحا ويدخله في قفل بجانب الجدار، وهو في سيارته فانفتح باب كبير أمامه يبعد عن موقع السيارة بمقدار عشرة أمتار فسألنا: ما هذا؟ فأجاب هذه مظلة السيارات لسكان العمارة يدفع صاحب السيارة أربعين دولارا ويستلم مفتاحا يدخل سيارته ويخرجها متى شاء حفظا لها من الشمس ومن الثلج أيام الشتاء وكذلك من السرقة وبعد دخوله ينغلق الباب بنفسه. وهكذا..
دخلنا منزله وصلينا المغرب وتحدثنا معه قليلا وسألناه عن مدى كفاية راتبه له فقال:
المنزل أجرته ثلاثمائة دولار والهاتف والكهرباء تكلف تقريبا مائة دولار وموقف السيارة يكلف أربعين دولار، ومواقفها في الشوارع كما رأيتم والذي رأيناه أن المواقف في الشوارع كلها بالأجرة فوقوف السيارة ساعة بثلاثة دولارات وقد تزيد وقد تنقص حسب المكان. ولا يجد موقفا لسيارته بدون أجرة، وهذا قد يفسر جزءا من الرأسمالية.
مقارنة مخجلة:
следующие страницы →